الآية ٤ من سورة الفلق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 113 الفلق > الآية ٤ من سورة الفلق

وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة الفلق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة الفلق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ومن شر النفاثات في العقد ) قال مجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك : يعني : السواحر - قال مجاهد : إذا رقين ونفثن في العقد .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : ما من شيء أقرب من الشرك من رقية الحية والمجانين .

وفي الحديث الآخر : أن جبريل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اشتكيت يا محمد ؟

فقال : " نعم " .

فقال : بسم الله أرقيك ، من كل داء يؤذيك ، ومن شر كل حاسد وعين ، الله يشفيك .

ولعل هذا كان من شكواه ، عليه السلام ، حين سحر ، ثم عافاه الله تعالى وشفاه ، ورد كيد السحرة الحساد من اليهود في رءوسهم ، وجعل تدميرهم في تدبيرهم ، وفضحهم ، ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الدهر ، بل كفى الله وشفى وعافى .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن يزيد بن حيان ، عن زيد بن أرقم قال : سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياما ، قال : فجاءه جبريل فقال : إن رجلا من اليهود سحرك ، عقد لك عقدا في بئر كذا وكذا ، فأرسل إليها من يجيء بها .

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم [ عليا رضي الله تعالى عنه ] فاستخرجها ، فجاء بها فحللها قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال ، فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه [ قط ] حتى مات .

ورواه النسائي ، عن هناد ، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير .

وقال البخاري في " كتاب الطب " من صحيحه : حدثنا عبد الله بن محمد قال : سمعت سفيان بن عيينة يقول : أول من حدثنا به ابن جريج ، يقول : حدثني آل عروة ، عن عروة فسألت هشاما عنه ، فحدثنا عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر ، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن - قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر ، إذا كان كذا - فقال : " يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه ؟

أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي ، فقال الذي عند رأسي للآخر : ما بال الرجل ؟

قال : مطبوب .

قال : ومن طبه ؟

قال : لبيد بن أعصم - رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقا - وقال : وفيم ؟

قال : في مشط ومشاقة .

قال : وأين ؟

قال : في جف طلعة ذكر تحت رعوفة في بئر ذروان " .

قالت : فأتى [ النبي صلى الله عليه وسلم ] البئر حتى استخرجه فقال : " هذه البئر التي أريتها ، وكأن ماءها نقاعة الحناء ، وكأن نخلها رءوس الشياطين " .

قال : فاستخرج .

[ قالت ] .

فقلت : أفلا ؟

أي : تنشرت ؟

فقال : " أما الله فقد شفاني ، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا " .

وأسنده من حديث عيسى بن يونس وأبي ضمرة أنس بن عياض وأبي أسامة ويحيى القطان وفيه : " قالت : حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله " .

وعنده : " فأمر بالبئر فدفنت " .

وذكر أنه رواه عن هشام أيضا ابن أبي الزناد والليث بن سعد .

وقد رواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة وعبد الله بن نمير .

ورواه أحمد عن عفان ، عن وهيب ، عن هشام به .

ورواه الإمام أحمد أيضا عن إبراهيم بن خالد ، عن رباح ، عن معمر ، عن هشام عن أبيه ، عن عائشة قالت : لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي ، فأتاه ملكان ، فجلس أحدهما عند رأسه ، والآخر عند رجليه ، فقال أحدهما للآخر : ما باله ؟

قال : مطبوب .

قال : ومن طبه ؟

قال : لبيد بن الأعصم وذكر تمام الحديث .

وقال الأستاذ المفسر الثعلبي في تفسيره : قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما : كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدبت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه ، فأعطاها اليهود فسحروه فيها .

وكان الذي تولى ذلك رجل منهم - يقال له : [ لبيد ] بن أعصم - ثم دسها في بئر لبني زريق ، ويقال لها : ذروان ، فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتثر شعر رأسه ، ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، وجعل يذوب ولا يدري ما عراه .

فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : ما بال الرجل ؟

قال : طب .

قال : وما طب ؟

قال : سحر .

قال : ومن سحره ؟

قال : لبيد بن أعصم اليهودي .

قال : وبم طبه ؟

قال : بمشط ومشاطة .

قال : وأين هو ؟

قال : في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان - والجف : قشر الطلع ، والراعوفة : حجر في أسفل البئر ناتئ يقوم عليه الماتح - فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مذعورا ، وقال : " يا عائشة ، أما شعرت أن الله أخبرني بدائي ؟

" .

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا والزبير وعمار بن ياسر ، فنزحوا ماء البئر كأنه نقاعة الحناء ، ثم رفعوا الصخرة ، وأخرجوا الجف ، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه ، وإذا فيه وتر معقود ، فيه اثنتا عشرة عقدة مغروزة بالإبر .

فأنزل الله تعالى السورتين ، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حين انحلت العقدة الأخيرة ، فقام كأنما نشط من عقال ، وجعل جبريل عليه السلام ، يقول : باسم الله أرقيك ، من كل شيء يؤذيك ، من حاسد وعين الله يشفيك .

فقالوا : يا رسول الله ، أفلا نأخذ الخبيث نقتله ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما أنا فقد شفاني الله ، وأكره أن يثير على الناس شرا " .

هكذا أورده بلا إسناد ، وفيه غرابة ، وفي بعضه نكارة شديدة ، ولبعضه شواهد مما تقدم ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) يقول: ومن شرّ السواحر الّلاتي ينفُثن في عُقَد الخيط، حين يَرْقِين عليها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (7) ( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) قال: ما خالط السِّحر من الرُّقَي .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن ( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) قال: السواحر والسَّحرَة .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: تلا قتادة: ( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) قال: إياكم وما خالط السِّحر من هذه الرُّقَى .

قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: ما من شيء أقرب إلى الشرك من رُقْية المجانين .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول إذا جاز ( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) قال: إياكم وما خالط السحر .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد وعكرِمة ( النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) قال: قال مجاهد: الرُّقَى في عقد الخيط، وقال عكرِمة: الأخذ في عقد الخيط .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) قال: النفاثات: السواحر في العقد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن شر النفاثات في العقد يعني الساحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها .

شبه النفخ كما يعمل من يرقي .

قال الشاعر :أعوذ بربي من النافثات في عضه العاضه المعضهوقال متمم بن نويرة :نفثت في الخيط شبيه الرقى من خشية الجنة والحاسدوقال عنترة :فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يفقد فحق له الفقود[ ص: 231 ] السابعة : وروى النسائي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من عقد عقدة ثم نفث فيها ، فقد سحر ، ومن سحر فقد أشرك ، ومن تعلق شيئا وكل إليه .

واختلف في النفث عند الرقى فمنعه قوم ، وأجازه آخرون .

قال عكرمة : لا ينبغي للراقي أن ينفث ، ولا يمسح ولا يعقد .

قال إبراهيم : كانوا يكرهون النفث في الرقى .

وقال بعضهم : دخلت ، على الضحاك وهو وجع ، فقلت : ألا أعوذك يا أبا محمد ؟

قال : لا شيء من ذلك ولكن لا تنفث ؛ فعوذته بالمعوذتين .

وقال ابن جريج قلت لعطاء : القرآن ينفخ به أو ينفث ؟

قال : لا شيء من ذلك ولكن تقرؤه هكذا .

ثم قال بعد : انفث إن شئت .

وسئل محمد بن سيرين عن الرقية ينفث فيها ، فقال : لا أعلم بها بأسا ، وإذا اختلفوا فالحاكم بينهم السنة .

روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفث في الرقية ؛ رواه الأئمة ، وقد ذكرناه أول السورة وفي ( سبحان ) .

وعن محمد بن حاطب أن يده احترقت فأتت به أمه النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل ينفث عليها ويتكلم بكلام ؛ زعم أنه لم يحفظه .

وقال محمد بن الأشعث : ذهب بي إلى عائشة - رضي الله عنها - وفي عيني سوء ، فرقتني ونفثت .وأما ما روي عن عكرمة من قوله : لا ينبغي للراقي أن ينفث ، فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفث في العقد مما يستعاذ به ، فلا يكون بنفسه عوذة .

وليس هذا هكذا ؛ لأن النفث في العقد إذا كان مذموما لم يجب أن يكون النفث بلا عقد مذموما .

ولأن النفث في العقد إنما أريد به السحر المضر بالأرواح ، وهذا النفث لاستصلاح الأبدان ، فلا يقاس ما ينفع بما يضر .

وأما كراهة عكرمة المسح فخلاف السنة .

قال علي - رضي الله عنه - : اشتكيت ، فدخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أقول : اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني ، وإن كان متأخرا فاشفني وعافني ، وإن كان بلاء فصبرني .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " كيف قلت " ؟

فقلت له : فمسحني بيده ، ثم قال : " اللهم اشفه " فما عاد ذلك الوجع بعد .

وقرأ عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر ورويس عن يعقوب ( من شر النافثات ) في وزن ( فاعلات ) .

ورويت عن عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - .

وروي أن نساء سحرن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إحدى عشرة عقدة ، فأنزل الله المعوذتين إحدى عشرة آية .

قال ابن زيد : كن من اليهود ؛ يعني السواحر المذكورات .

وقيل : هن بنات لبيد بن الأعصم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } أي: ومن شر السواحر، اللاتي يستعن على سحرهن بالنفث في العقد، التي يعقدنها على السحر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومن شر النفاثات في العقد ) يعني السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها .

قال أبو عبيدة : هن بنات لبيد بن الأعصم سحرن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن شر النفاثات» السواحر تنفث «في العقد» التي تعقدها في الخيط تنفخ فيها بشيء تقوله من غير ريق، وقال الزمخشري معه كبنات لبيد المذكور.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن شر الساحرات اللاتي ينفخن فيما يعقدن من عُقَد بقصد السحر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - سبحانه - : ( وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد ) وأصل النفاثات جمع نفَّاثَة ، وهذا اللفظ صيغة مبالغة من النَّفث ، وهو النفخ مع ريق قليل يخرج من الفم .والعُقَد : جمع عُقْدة من العَقْدِ الذى هو ضد الحل ، وهى اسم لكل ما ربط وأحكم ربطه .والمراد بالنفاثات فى العقد : النساء السواحر ، اللائى يعقدن عقدا فى خيوط وينفثن عليها من أجل السحر .وجئ بصيغة التأنيث فى لفظ " النفاثات " لأن معظم السحرة كن من النساء .ويصح أن يكون النفاثات صفة للنفوس التى تفعل ذلك ، فيكون هذا اللفظ شاملا للذكور والإِناث .وقيل المراد بالنفاثات فى العقد : النمامون الذين يسعون بين الناس والفساد ، فيقطعون بما أمر الله به أن يوصل .

.

وعلى ذلك تكون فى " النفاثة " للمبالغة كعلامة وفهامة ، وليست للتأنيث .أى : وقل - أيضا - أستجير بالله - تعالى - من شرور السحرة والنمامين ، ومن كل الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: أن النفث النفخ مع ريق، هكذا قاله صاحب الكشاف، ومنهم من قال: إنه النفخ فقط، ومنه قوله عليه السلام: «إن جبريل نفث في روعي» والعقد جمع عقدة، والسبب فيه أن الساحر إذا أخذ في قراءة الرقية أخذ خيطاً، ولا يزال يعقد عليه عقداً بعد عقد وينفث في تلك العقد، وإنما أنت النفاثات لوجوه: أحدها: أن هذه الصناعة إنما تعرف بالنساء لأنهن يعقدن وينفثن، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر وإحكام الهمة والوهم فيه، وذلك إنما يتأتى من النساء لقلة علمهن وشدة شهوتهن، فلا جرم كان هذا العمل منهن أقوى، قال أبو عبيدة: النفاثات هن بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صلى الله عليه وسلم.

وثانيها: أن المراد من: النفاثات النفوس.

وثالثها: المراد منها الجماعات، وذلك لأنه كلما كان اجتماع السحرة على العمل الواحد أكثر كان التأثير أشد القول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم: ﴿ مِن شَرّ النفاثات ﴾ أي النساء في العقد، أي في عزائم الرجال وآرائهم وهو مستعار من عقد الحبال، والنفث وهو تليين العقدة من الحبل بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلاً، فمعنى الآية أن النساء لأجل كثرة حبهن في قلوب الرجال يتصرفن في الرجال يحولنهم من رأي إلى رأي، ومن عزيمة إلى عزيمة، فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن كقوله: ﴿ إِنَّ مِنْ أزواجكم وأولادكم عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم  ﴾ فلذلك عظم الله كيدهن فقال: ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ  ﴾ .

واعلم أن هذا القول حسن، لولا أنه على خلاف قول أكثر المفسرين.

المسألة الثالثة: أنكرت المعتزلة تأثير السحر، وقد تقدمت هذه المسألة، ثم قالوا: سبب الاستعاذة من شرهن لثلاثة أوجه: أحدها: أن يستعاذ من إثم عملهن في السحر.

والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن.

والثالث: أن يستعاذ من إطعامهن الأطعمة الرديئة المورثة للجنون والموت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الفلق والفرق: الصبح، لأنّ الليل يفلق عنه ويفرق: فعل بمعنى مفعول.

يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح.

ومنه قولهم: سطع الفرقان، إذا طلع الفجر.

وقيل: هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك.

وقيل: هو واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض، الفلق، والجمع: فلقان.

وعن بعض الصحابة أنه قدم الشأم فرأى دور أهل الذمّة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالى، أليس من ورائهم الفلق؟

فقيل: وما الفلق؟

قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه ﴿ مِن شَرّ مَا خَلَقَ ﴾ من شر خلقه.

وشرّهم: ما يفعله المكلفون من الحيوان من المعاصي والمآثم، ومضارة بعضهم بعضاً من ظلم وبغي وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين منه من الأكل والنهش واللدع والعضّ كالسباع والحشرات، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر كالإحراق في النار والقتل في السم.

والغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه من قوله تعالى: ﴿ إلى غسق الليل ﴾ [الإسراء: 78] ومنه: غسقت العين امتلأت دمعاً، وغسقت الجراحة: امتلأت دماً.

ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء، ويقال: وقبت الشمس إذا غابت.

وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: «هذا حين حلها، يعني صلاة المغرب» وقيل: هو القمر إذا امتلأ، وعن عائشة رضي الله عنها: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال: «تعوّذي بالله من شرّ هذا، فإنه الغاسق إذا وقب» ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده.

ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات: ووقبه: ضربه ونقبه.

والوقب: النقب.

ومنه: وقبة الثريد؛ والتعوّذ من شرّ الليل؛ لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب.

ومنه قولهم: الليل أخفى للويل.

وقولهم: أغدر الليل؛ لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر وأسند الشرّ إليه لملابسته له من حدوثه فيه ﴿ النفاثات ﴾ النساء، أو النفوس، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن عليها ويرقين: والنفث النفخ من ريق، ولا تأثير لذلك، اللهم إلاّ إذا كان ثم إطعام شيء ضار، أو سقيه، أو إشمامه.

أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه؛ ولكن الله عزّ وجلّ قد يفعل عند ذلك فعلاً على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحقّ من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشوية والرعاع إليهنّ وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به، فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرّهن؟

قلت: فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهنّ في ذلك.

والثاني: أن يستعاذ من فتنتهنّ الناس عند نفثهن، ويجوز أن يراد بهنّ النساء الكيادات، من قوله: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ [يوسف: 28] تشبيهاً لكيدهن بالسحر والنفث في العقد.

أو اللاتي يفتن الرجال بتعرضهنّ لهم ومحاسنهنّ، كأنهنّ يسحرنهم بذلك ﴿ إِذَا حَسَدَ ﴾ إذا ظهر حسده، وعمل بمقتضاه: من بغي الغوائل للمحسود، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضارّ لنفسه لاغتمامه بسرور غيره.

وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالماً أشبه بالمظلوم من حاسد.

ويجوز أن يراد بشرّ الحاسد: إثمه وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهاره أثره.

فإن قلت: قوله: ﴿ مِن شَرّ مَا خَلَقَ ﴾ تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟

قلت: قد خص شرّ هؤلاء من كلّ شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به.

وقالوا: شر العداة المداجي الذي يكيدك من حيث لا تشعر.

فإن قلت: فلم عرّف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟

قلت: عرفت النفاثات، لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق، لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضرّ.

ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلاّ في اثنتين» وقال أبو تمام: وَمَا حَاسِدٌ فِي المَكْرُمَاتِ بِحَاسِدِ وقال: إنَّ الْعُلاَ حَسَنٌ فِي مِثْلِهَا الْحَسَدُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ المعوّذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِن شَرِّ غاسِقٍ ﴾ لَيْلٍ عَظِيمٍ ظَلامُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ وأصْلُهُ الِامْتِلاءُ يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا امْتَلَأتْ دَمْعًا.

وقِيلَ: السَّيَلانُ وغَسَقُ اللَّيْلِ انْصِبابُ ظَلامِهِ وغَسَقُ العَيْنِ سَيَلانُ دَمْعِهِ.

﴿ إذا وقَبَ ﴾ دَخَلَ ظَلامُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، وتَخْصِيصُهُ لِأنَّ المَضارَّ فِيهِ تَكْثُرُ ويَعْسُرُ الدَّفْعُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ القَمَرُ فَإنَّهُ يَكْسِفُ فَيَغْسِقُ ووُقُوبُهُ دُخُولُهُ في الكُسُوفِ.

﴿ وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ ﴾ ومِن شَرِّ النُّفُوسِ أوِ النِّساءِ السَّواحِرِ اللّاتِي يَعْقِدْنَ عُقَدًا في خُيُوطٍ ويَنْفُثْنَ عَلَيْها، والنَّفْثُ النَّفْخُ مَعَ رِيقٍ وتَخْصِيصُهُ: لِما رُوِيَ «أنْ يَهُودِيًّا سَحَرَ النَّبِيَّ  في إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً في وتَرٍ دَسَّهُ في بِئْرٍ، فَمَرِضَ النَّبِيُّ  ونَزَلَتِ المُعَوِّذَتانِ، وأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَوْضِعِ السِّحْرِ فَأرْسَلَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَجاءَ بِهِ فَقَرَأهُما عَلَيْهِ، فَكانَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ووَجَدَ بَعْضَ الخِفَّةِ،» ولا يُوجِبُ ذَلِكَ صِدْقَ الكَفَرَةِ في أنَّهُ مَسْحُورٌ، لِأنَّهم أرادُوا بِهِ أنَّهُ مَجْنُونٌ بِواسِطَةِ السِّحْرِ.

وَقِيلَ: المُرادُ بِالنَّفْثِ في العُقَدِ إبْطالُ عَزائِمِ الرِّجالِ بِالحِيَلِ مُسْتَعارٌ مِن تَلْيِينِ العُقَدِ بِنَفْثِ الرِّيقِ لِيَسْهُلَ حَلُّها وإفْرادُها بِالتَّعْرِيفِ لِأنَّ كُلَّ نَفّاثَةٍ شِرِّيرَةٌ بِخِلافِ كُلِّ غاسِقٍ وحاسِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِن شَرّ النفاثات فِى العقد} النفاثات النساء أو النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدافى خيوط وينفثن عليها ويرقين والنفث النفخ مع ريق وهو دليل على بطلان قول المعتزلة فى انكار تحقيق السحر وظهور أثره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ ﴾ أيْ: ومِن شَرِّ النُّفُوسِ السَّواحِرِ اللّاتِي يَعْقِدْنَ عُقَدًا في خُيُوطٍ ويَنْفُثْنَ عَلَيْها، فالنَّفّاثاتُ صِفَةٌ لِلنُّفُوسِ واعْتُبِرَ ذَلِكَ لِمَكانِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّ تَأْثِيرَ السِّحْرِ إنَّما هو مِن جِهَةِ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ والأرْواحِ الشِّرِّيرَةِ وسُلْطانُهُ مِنها.

وقَدَّرَ بَعْضُهم النِّساءَ مَوْصُوفًا، والأوَّلُ أوْلى لِيَشْمَلَ الرِّجالَ ويَتَضَمَّنَ الإشارَةَ السّابِقَةَ ويُطابِقَ سَبَبَ النُّزُولِ، فَإنَّ الَّذِي سَحَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ رَجُلًا عَلى المَشْهُورِ كَما سَتَسْمَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وقِيلَ: أعانَهُ بَعْضُ النِّساءِ ولِكَوْنِ مِثْلِ ذَلِكَ مِن عَمَلِ النِّساءِ وكَيْدِهِنَّ غَلَبَ المُؤَنَّثُ عَلى المُذَكَّرِ هُنا، وهو جائِزٌ عَلى ما فَصَّلَهُ الخَفاجِيُّ في شَرْحِ دُرَّةِ الغَوّاصِ.

والنَّفْثُ النَّفْخُ مَعَ رِيقٍ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو شِبْهُ النَّفْخِ يَكُونُ في الرُّقْيَةِ ولا رِيقَ مَعَهُ، فَإنْ كانَ يُرِيقُ فَهو تَفْلٌ، والأوَّلُ هو الأصَحُّ؛ لِما نَقَلَهُ ابْنُ القَيِّمِ مِن أنَّهم إذا سَحَرُوا، واسْتَعانُوا عَلى تَأْثِيرِ فِعْلِهِمْ بِنَفَسٍ يُمازِجُهُ بَعْضُ أجْزاءِ أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: «النُّفّاثاتِ» بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأ هو أيْضًا وابْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ: «النّافِثاتِ» وأبُو الرَّبِيعِ والحَسَنُ أيْضًا «النَّفِثاتِ» بِغَيْرِ ألِفٍ كالحَذِراتِ، وتَعْرِيفُها إمّا لِلْعَهْدِ أوْ لِلْإيذانِ بِشُمُولِ الشَّرِّ لِجَمِيعِ أفْرادِهِنَّ، وتَمَحُّضِهِنَّ فِيهِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وابْنُ ماجَهْ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ ولَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ، حَتّى إذا كانَ ذاتَ يَوْمٍ أوْ ذاتَ لَيْلَةٍ دَعا اللَّهَ ثُمَّ دَعا ثُمَّ دَعا ثُمَّ قالَ: «أشَعَرْتِ يا عائِشَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أفْتانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟» قُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ: «جاءَنِي رَجُلانِ فَجَلَسَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي والآخِرُ عِنْدَ رِجْلِي فَقالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلِي أوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلِي لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: ما وجَعُ الرَّجُلِ؟

قالَ: مَطْبُوبٌ.

قالَ: مَن طَبَّهُ؟

قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ.

قالَ: في أيِّ شَيْءٍ؟

قالَ: في مُشْطٍ ومُشاطَةٍ وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ.

قالَ: فَأيْنَ هُوَ؟

قالَ في بِئْرِ ذِي أرْوانَ».

قالَتْ: فَأتاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أُناسٍ مِن أصْحابِهِ ثُمَّ قالَ: «يا عائِشَةُ، واللَّهِ لَكَأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنّاءِ، ولَكَأنَّ نَخْلَها رُؤُوسُ الشَّياطِينِ».

قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا أحْرَقْتَهُ؟

قالَ: «لا، أمّا أنا فَقَدْ عافانِي اللَّهُ تَعالى وكَرِهْتُ أنْ أُثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا.

فَأمَرْتُ بِها فَدُفِنَتْ»».

وهَذانِ المَلَكانِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوايَةُ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُما جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، ومِن حَدِيثِهِما في الدَّلائِلِ لِلْبَيْهَقِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ المَلَكَيْنِ «فَما أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَدًا ومَعَهُ أصْحابُهُ إلى البِئْرِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فاسْتَخْرَجَ جُفَّ طَلْعَةٍ مِن تَحْتِ الرّاعُوفَةِ فَإذا فِيها مُشْطُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومِن مُشاطَةِ رَأْسِهِ، وإذا تِمْثالٌ مِن شَمْعِ تِمْثالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإذا فِيها إبَرٌ مَغْرُوزَةٌ وإذا وتَرٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ﴾ وحَلَّ عُقْدَةً ﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ وحَلَّ عُقْدَةً، حَتّى فَرَغَ مِنهُما، وحَلَّ العُقَدَ كُلَّها وجَعَلَ لا يَنْزِعُ إلّا وجَدَ لَها ألَمًا، ثُمَّ يَجِدُ بَعْدَ ذَلِكَ راحَةً، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ قَتَلْتَ اليَهُودِيَّ؟

قالَ: «قَدْ عافانِي اللَّهُ تَعالى وما يَراهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أشَدُّ»».

وفِي رِوايَةٍ: «إنِ الَّذِي تَوَلّى السِّحْرَ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ وبَناتُهُ، فَمَرِضَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ، وأخْبَرَهُ بِمَوْضِعِ السِّحْرِ وبِمَن سَحَرَهُ وبِمَ سَحَرَهُ، فَأرْسَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والزُّبَيْرَ وعَمّارًا فَنَزَحُوا ماءَ البِئْرِ وهو كَنُقاعَةِ الحِنّاءِ، ثُمَّ رَفَعُوا راعُوثَةَ البِئْرِ فَأخْرَجُوا أسْنانَ المُشْطِ ومَعَها وتَرٌ قَدْ عُقِدَ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً مُغَرَّزَةً بِالإبَرِ، فَجاءُوا بِها النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقْرَأُ المُعَوِّذَتَيْنِ عَلَيْها، فَكانَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، ووَجَدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خِفَّةً حَتّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ عِنْدَ تَمامِ السُّورَتَيْنِ.

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّما أنْشَطُ مِن عِقالٍ...» الخَبَرَ.

والرِّوايَةُ الأُولى أصَحُّ مِن هَذِهِ.

وقالَ الإمامُ المازِرِيُّ: قَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ الحَدِيثَ المُبْتَدِعَةُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَحُطُّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ ويُشَكِّكُ فِيها، وإنَّ تَجْوِيزَهُ يَمْنَعُ الثِّقَةَ بِالشَّرْعِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الحَدِيثَ صَحِيحٌ، وهو غَيْرُ مُراغِمٍ لِلنَّصِّ ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ حَطُّ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ والتَّشْكِيكُ فِيها؛ لِأنَّ الكُفّارَ أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: مَسْحُورٌ أنَّهُ مَجْنُونٌ وحاشاهُ، ولَوْ سُلِّمَ إرادَةُ ظاهِرِهِ فَهو كانَ قَبْلَ هَذِهِ القِصَّةِ أوْ مُرادُهم أنَّ السِّحْرَ أثَّرَ فِيهِ وأنَّ ما يَأْتِيهِ مِنَ الوَحْيِ مِن تَخَيُّلاتِ السِّحْرِ وهو كَذِبٌ أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَصَمَهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالرِّسالَةِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَبَبِها وهي مِمّا يَعْرِضُ لِلْبَشَرِ فَغَيْرُ بَعِيدٍ أنْ يُخَيَّلَ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ إنَّما كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ وطِئَ زَوْجاتِهِ ولَيْسَ بِواطِئٍ، وقَدْ يَتَخَيَّلُ الإنْسانُ مِثْلَ هَذا في المَنامِ فَلا يَبْعُدُ تَخَيُّلُهُ في اليَقَظَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُخَيَّلُ أنَّهُ فَعَلَهُ وما فَعَلَهُ، ولَكِنْ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ ما تَخَيَّلَهُ فَتَكُونُ اعْتِقاداتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى السَّدادِ.

وقالَ القاضِي عِياضٌ: قَدْ جاءَتْ رِواياتُ حَدِيثِ عائِشَةَ مُبَيِّنَةً أنَّ السِّحْرَ إنَّما تَسَلَّطَ عَلى جَسَدِهِ الشَّرِيفِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وظَواهِرِ جَوارِحِهِ لا عَلى عَقْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَلْبِهِ واعْتِقادِهِ، ويَكُونُ مَعْنى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ حَتّى يَظُنَّ أنَّهُ يَأْتِي أهْلَهُ ولا يَأْتِيهِنَّ، وفي بَعْضٍ أنَّهُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ...

إلَخْ: أنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ مِن نَشاطِهِ ومُتَقَدِّمِ عادَتِهِ القُدْرَةُ عَلَيْهِنَّ فَإذا دَنا مِنهُنَّ أخَذَتْهُ أخْذَةُ السِّحْرِ فَلَمْ يَأْتِهِنَّ ولَمْ يَتَمَكَّنْ مِن ذَلِكَ كَما يَعْتَرِي المَسْحُورَ، وكُلُّ ما جاءَ في الرِّواياتِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ ولَمْ يَفْعَلْهُ ونَحْوَهُ فَمَحْمُولٌ عَلى التَّخَيُّلِ بِالبَصَرِ لا لِخَلَلٍ تَطَرَّقَ إلى العَقْلِ ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُدْخِلُ لَبْسًا عَلى الرِّسالَةِ ولا طَعْنًا لِأهْلِ الضَّلالَةِ انْتَهى.

وبَعْضُهم أنْكَرَ أصْلَ السِّحْرِ ونَفى حَقِيقَتَهُ وأضافَ ما يَقَعُ مِنهُ إلى خَيالاتٍ باطِلَةٍ لا حَقائِقَ لَها، ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ وعُلَماءِ الأُمَّةِ عَلى إثْباتِهِ وأنَّ لَهُ حَقِيقَةً كَحَقِيقَةِ غَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ لِدَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى ذَلِكَ ولا يُسْتَنْكَرُ في العَقْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْرُقُ العادَةَ عِنْدَ النُّطْقِ بِكَلامٍ مُلَفَّقٍ أوْ تَرْكِيبِ أجْسامٍ مَخْصُوصَةٍ.

والمَزْجُ بَيْنَ قُوًى عَلى تَرْتِيبٍ لا يَعْرِفُهُ إلّا السّاحِرُ وإذا شاهَدَ الإنْسانُ بَعْضَ الأجْسامِ مِنها قاتِلَةٌ كالسُّمُومِ ومِنها مُسْقِمَةٌ كالأدْوِيَةِ الحادَّةِ ومِنها مُضِرَّةٌ كالأدْوِيَةِ المُضادَّةِ لِلْمَرَضِ لَمْ يَسْتَبْعِدْ عَقْلُهُ أنْ يَنْفَرِدَ السّاحِرُ بِعِلْمِ قُوًى قَتّالَةٍ أوْ كَلامٍ مُهْلِكٍ أوْ مُؤَدٍّ إلى التَّفْرِقَةِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن تَأْثِيرٍ نَفْسانِيٍّ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهِ اخْتَلَفُوا في القَدْرِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَزِيدُ تَأْثِيرُهُ عَلى قَدْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِما يَكُونُ عِنْدَهُ وتَهْوِيلًا لَهُ، فَلَوْ وقَعَ بِهِ أعْظَمُ مِنهُ لَذَكَرَهُ لِأنَّ المَثَلَ لا يُضْرَبُ عِنْدَ المُبالَغَةِ إلّا بِأعْلى أحْوالِ المَذْكُورِ، ومَذْهَبُ الأشاعِرَةِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ بِهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وهو الصَّحِيحُ عَقْلًا لِأنَّهُ لا فاعِلَ إلّا اللَّهُ، وما يَقَعُ مِن ذَلِكَ فَهو عادَةٌ أجْراها اللَّهُ تَعالى، ولا تَفْتَرِقُ الأفْعالُ في ذَلِكَ ولَيْسَ بَعْضُها بِأوْلى مِن بَعْضٍ، ولِوُرُودِ الشَّرْعِ بِقُصُورِهِ عَنْ مَرْتَبَةٍ لَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، ولَكِنْ لا يُوجَدُ شَرْعٌ قاطِعٌ يُوجِبُ الِاقْتِصارَ عَلى ما قالَهُ القائِلُ الأوَّلُ، وذِكْرُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ في الآيَةِ لَيْسَ بِنَصٍّ في مَنعِ الزِّيادَةِ وإنَّما النَّظَرُ في أنَّهُ ظاهِرٌ أمْ لا، والفَرْقُ بَيْنَ السّاحِرِ وبَيْنَ النَّبِيِّ والوَلِيِّ عَلى قَوْلِ الأشاعِرَةِ بِأنَّهُ يَجُوزُ خَرْقُ العادَةِ عَلى يَدِ السّاحِرِ مُبَيَّنٌ في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ وغَيْرِها مِن شُرُوحِ الصِّحاحِ.

وقِيلَ في الآيَةِ: المُرادُ بِالنَّفْثِ في العُقَدِ إبْطالُ عَزائِمِ الرِّجالِ بِالحِيَلِ.

مُسْتَعارٌ مِن تَلْيِينِ العُقَدِ بِنَفْثِ الرِّيقِ لِيَسْهُلَ حَلُّها وهو يَقْرُبُ مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي خمس آيات مكية قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ يعني: قل يا محمد أعتصم وأستعيذ وأستعين بخالق الخلق، والفلق الخلق وأنما سمي الخلق فلقاً لأنهم فُلِقُوا من آبائهم وأمهاتهم ويقال: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ يعني: بخالق الصبح، ويقال: فالق الحب والنوى قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [الأنعام: 95] وقال فالِقُ الْإِصْباحِ [الأنعام: 96] ويقال الفلق واد في جهنم، ويقال: جب فِي النَّارِ.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «الفَلَقُ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ فَإِنْ أَرَادَ الله أنْ يُعَذِّبَ الكَافِرَ بِأَشَدِّ العَذَابِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا» .

وروي عن كعب الأحبار أنه دخل في بعض الكنائس التي للروم فقال: أخسر عمل وأضلُّ قوم قد رضيت لكم بالفلق فقيل له ما الفلق يا كعب؟

قال: بئر في النار إذا فتح بابها صاح جميع أهل النار من شدة عذابها.

ثم قال عز وجل: مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ قال الجن والإنس وقال الكلبي من شر ما خلق يعني: من شر ذي شر.

ثم قال عز وجل: وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ يعني: ظلمة الليل إذا دخل سواد الليل في ضوء النهار ويقال: إِذا وَقَبَ يعني: إذا جاء وأدبر وقال القتبي: الغاسق الليل والغسق الظلمة ويقال: الغاسق القمر إذا انكسف واسودّ وإِذا وَقَبَ يعني: إذا دخل في الكسوف.

ثم قال تعالى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ يعني: الساحرات المهيجات اللواتي ينفثن في العقد ثم قال عز وجل: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ يعني: كل ذي حسد أراد به لبيد بن أعصم اليهودي ويقال لبيد بن عاصم.

وروى الأعمش عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال سحر النبيّ  رجلٌ من اليهود عقد له عقداً فاشتكى لذلك أياماً فأتاه جبريل-  - فقال له: إن رجلاً من اليهود سحرك فبعث عليّا  واستخرجها فحلّها فجعل كلما حل عقدة وجد النبي  لذلك خفة حتى حلها كلها فقام النبيّ  كأنما نشط من عقال فما ذكر النبيّ  ذلك لليهود.

وروي في خبر آخر أن لبيد بن أعصم اتخذ لعبة للنبي  وأخذ من عائشة  ا فأفحل رسول الله  فجعل في اللعبة أحد عشرة عقدة ثم ألقاها في بئر، وألقى فوقها صخرة فاشتكى من ذلك رسول الله  شكواً شديداً فصارت أعضاؤه مثل العقد فبينما رسول الله  بين النائم واليقظان إذ أتاه ملكان أحدهما جلس عند رأسه والآخر عند قدميه فالذي عند قدميه يقول للذي عند رأسه ما شكواه قال السحر قال: من فعل به؟

قال لبيد بن أعصم اليهودي قال فأين صنع السحر قال في بئر كذا قال: ماذا رأوه يبعث إلى تلك البئر فنزح ماؤها فإنه انتهى إلى الصخرة فإذا رأها فليقلعها فإن تحتها كؤبة وهي كؤبة قد سقطت عنقها وفيه إحدى عشرة عقدة فيحرق في النار فيبرأ إن شاء الله تعالى فاستيقظ النبيّ  وقد فهم ما قالا فبعث عمار بن ياسر وعليا  ما إلى تلك البئر في رهط من أصحابه فوجدوها كما وصف النبيّ  لهم فنزلت هاتان السورتان وهي إحدى عشرة آية فكلما قرأ آية حل منها عقدة حتى انحلت كلها ثم أحرقها بالنار فبرأ رسول الله  وروي في بعض الأخبار عن النبيّ  أنه قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ما سأل منها سائل ولا استعاذ مستعيذ بمثلها قط وهذه الآية دليل أن الرقية جائزة إن كنت بذكر الله تعالى وبكتابه والله أعلم بالصواب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الفَلَقِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، رَواهُ كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.

والأوَّلُ أصَحُّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  سُحِرَ وهو مَعَ عائِشَةَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ.» فَذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في نُزُولِهِما: «أنَّ غُلامًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ اليَهُودُ حَتّى أخَذَ مُشاطَةَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وعِدَّةَ أسْنانٍ مِن مُشْطِهِ، فَأعْطاها اليَهُودَ فَسَحَرُوهُ فِيها.

وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَلَبِيدُ بْنُ أعْصَمَ اليَهُودِيُّ.

ثُمَّ دَسَّها في بِئْرٍ لِبَنِي زُرَيْقٍ، يُقالُ لَها: بِئْرُ ذِرْوانَ.

ويُقالُ: ذِي أرْوانَ، فَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ  ، وانْتَشَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ، وكانَ يَرى أنَّهُ يَأْتِي النِّساءَ وما يَأْتِيهِنَّ، ويُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وما يَفْعَلُهُ، فَبَيْنَما هو ذاتَ يَوْمٍ نائِمٌ أتاهُ مَلَكانِ، فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ما بالُ الرَّجُلِ؟

قالَ: طُبَّ.

قالَ: وما طُبَّ؟

قالَ: سُحِرَ.

قالَ: ومَن سَحَرَهُ؟

قالَ: لَبِيدُ بْنُ أعْصَمَ.

قالَ: وبِمَ طَبَّهُ؟

قالَ: بِمُشْطٍ ومُشاطَةٍ.

قالَ: وأيْنَ هُوَ؟

قالَ في جُفِّ طَلْعَةٍ تَحْتَ راعُوفَةٍ في بِئْرِ ذِرْوانَ -والجُفُّ: قِشْرُ الطَّلْعِ.

والرّاعُوفَةُ: صَخْرَةٌ تُتْرَكُ في أسْفَلِ البِئْرِ إذا حُفِرَتْ.

فَإذا أرادُوا تَنْقِيَةَ البِئْرِ جَلَسَ المُنَقِّي عَلَيْها-، فانْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: يا عائِشَةُ أما شَعَرْتِ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنِي بِدائِي، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا، والزُّبَيْرَ، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، فَنَزَحُوا ماءَ تِلْكَ البِئْرِ، ثُمَّ رَفَعُوا الصَّخْرَةَ، وأخْرَجُوا الجُفَّ، وإذا فِيهِ مُشاطَةُ رَأْسِهِ، وأسْنانُ مُشْطِهِ، وإذا وتَرٌ مَعْقُودٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً [مَغْرُوزَةً بِالإبْرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المُعَوِّذَتَيْنِ، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ] .

ووَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ  خِفَّةً حِينَ انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ، وجَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، ومِن حاسِدٍ وعَيْنٍ، واللَّهُ يَشْفِيكَ.

فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَأْخُذُ الخَبِيثَ فَنَقْتُلَهُ؟

فَقالَ: " أمّا أنا فَقَدَ شَفانِي اللَّهُ، وأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا.» وَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ عائِشَةَ حَدِيثَ سِحْرِ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ أعُوذُ ﴾ في أوَّلِ كِتابِنا.

وَفِي ﴿ الفَلَقِ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصُّبْحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، واللُّغَوِيُّونَ قالُوا: ويُقالُ: هَذا أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ وفَرَقِ الصُّبْحِ.

والثّانِي: أنَّهُ الخَلْقُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وكَذَلِكَ قالَ الضَّحّاكُ: الفَلَقُ: الخَلْقُ كُلُّهُ.

والثّالِثُ: سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وقالَ وهْبٌ والسُّدِّيُّ: جِبٌّ في جَهَنَّمَ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وادٍ في جَهَنَّمَ.

والرّابِعُ: شَجَرَةٌ في النّارِ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو.

والخامِسُ: أنَّهُ كُلُّ مَنِ انْفَلَقَ عَنْ شَيْءٍ كالصُّبْحِ، والحَبِّ، والنَّوى، وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإذا تَأمَّلْتَ الخَلْقَ بانَ لَكَ أنَّ أكْثَرَهُ عَنِ انْفِلاقٍ، كالأرْضِ بِالنَّباتِ، والسَّحابِ بِالمَطَرِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الحَبْلِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ: " خُلِقَ " بِضَمِّ الخاءِ، وكَسْرِ اللّامِ.

وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ، وهو الأظْهَرُ.

والثّانِي: أنَّ شَرَّ ما خُلِقَ: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: جَهَنَّمُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي " الغاسِقِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القَمَرُ، «رَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى القَمَرِ، فَقالَ: اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِن شَرِّهِ فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ،» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ في كِتابَيْهِما.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ: الغاسِقُ: القَمَرُ إذا كَسَفَ فاسْوَدَّ.

ومَعْنى " وقَبَ " دَخَلَ في الكُسُوفِ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّجْمُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّالِثُ: أنَّهُ اللَّيْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: ومَعْنى ﴿ وَقَبَ ﴾ دَخَلَ في كُلِّ شَيْءٍ فَأظْلَمَ.

و " الغَسَقُ " الظُّلْمَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغاسِقُ: البارِدُ، فَقِيلَ لِلَّيْلِ: غاسِقٌ، لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ، والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

فَأمّا " النَّفّاثاتُ " فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُنَّ السَّواحِرُ يَنْفُثْنَ، أيْ: يَتْفُلْنَ إذا سَحَرْنَ، ورَقَيْنَ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَتْفُلْنَ بِلا رِيقٍ، كَأنَّهُ نَفْحٌ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: تَفْسِيرُ نَفَثَ: نَفَخَ نَفْخًا لَيْسَ مَعَهُ رِيقٌ، ومَعْنى تَفَلَ: نَفَخَ نَفْخًا مَعَهُ رِيقٌ.

قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ومِن جَوْفِ ماءٍ عَرْمَضُ الحَوْلِ فَوْقَهُ مَتى يَحْسُ مِنهُ مائِحُ القَوْمِ يَتْفُلِ وَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي سُرَيْجٍ " النّافِثاتِ " بِألِفٍ قَبْلَ الفاءِ مَعَ كَسْرِ الفاءِ وتَخْفِيفِها.

وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَّفّاثاتِ هاهُنا: بَناتُ لَبِيدِ بْنِ أعْصَمَ اليَهُودِيِّ سَحَرْنَ رَسُولَ اللَّهِ  .

﴿ وَمِن شَرِّ حاسِدٍ ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ حَسَدُوا رَسُولَ اللَّهِ  .

وقَدْ ذَكَرْنا حَدَّ الحَسَدِ في [البَقَرَةِ: ١٠٩] .

والحَسَدُ: أخَسُّ الطَّبائِعِ.

وأوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِها في السَّماءِ حَسَدُ إبْلِيسَ لِآدَمَ، وفي الأرْضِ حَسَدُ قابِيلَ هابِيلَ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفَلَقِ هَذِهِ السُورَةُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ﴾ ﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ ﴿ وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ ﴾ ﴿ وَمِن شَرِّ النَفّاثاتِ في العُقَدِ ﴾ ﴿ وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، والمُرادُ هو وآحادُ أُمَّتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، والقُرْطُبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: "الفَلَقِ": الصُبْحُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فالِقُ الإصْباحِ"  ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ: الفَلَقِ: جُبٌّ في جَهَنَّمَ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ يَعُمُّ كُلَّ مَوْجُودٍ لَهُ شَرٌّ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الشَرَّ: "مِن شَرٍّ" بِالتَنْوِينِ "ما خَلَقَ" عَلى النَفْيِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَذْهَبٍ باطِلٍ، فاللهُ تَعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الغاسِقِ إذا وقَبَ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ والحَسَنُ: الغاسِقُ: اللَيْلُ، ووَقَبَ: أظْلَمُ ودَخَلَ عَلى الناسِ، وقالَ الشاعِرُ: إنَّ هَذا اللَيْلَ قَدْ غَسَقا وشَكَوْتُ الهَمَّ والأرَقا وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "غاسِقٌ": النَهارُ "إذا وقَبَ" أيْ دَخَلَ في اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ: الغاسِقُ سُقُوطُ الثُرَيّا، وكانَتِ الأسْقامُ والطاعُونُ تُهَيَّجُ عِنْدَهُ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "النَجْمُ هو الغاسِقُ"» فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الثُرَيّا، «وَقالَ عَلَيْهِ السَلامُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها -وَقَدْ نَظَرَ إلى القَمَرِ-: "تَعَوَّذِي بِاللهِ مِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ، فَهَذا هُوَ"،» وقالَ القَتَبِيُّ وغَيْرُهُ: هو البَدْرُ إذا دَخَلَ في ساهُورِهِ فَخُسِفَ، قالَ الزُهْرِيُّ: الغاسِقُ إذا وقَبَ: الشَمْسُ إذا غَرَبَتْ، و"وَقَبَ" في كَلامِ العَرَبِ: دَخَلَ"......".

و( النَفّاثات في العَقْد ): السَواحِرُ، ويُقالُ: إنَّ الإشارَوَ أوَّلًا إلى بَناتِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ كُنْ ساحِراتٍ، وهُنَّ اللَواتِي سَحَرْنَ النَبِيَّ  ، وعَقَدَ لَهُ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِعَدَدِ العُقَدِ هى المُعَوِّذَتانِ، فَشَفى النَبِيُّ  ، و" النَفْثُ": شِبْهُ النَفْخِ دُونَ تُفْلِ رِيقٍ، وهَذا النَفْثُ هو عَلى تَعَقُّدٍ في خُيُوطٍ ونَحْوِها عَلى اسْمِ المَسْحُورِ فَيُؤْذى بِذَلِكَ، وهَذا الشَأْنُ في زَمانِنا مَوْجُودٌ شائِعٌ في صَحْراء المَغْرِبِ، وحَدَّثَنِي ثِقَةٌ أنَّهُ رَأى عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَيْطًا أحْمَرَ قَدْ عُقِدَتْ فِيهِ عُقَدٌ عَلى فُصْلانٍ، فَمَنَعَتْ بِذَلِكَ رَضاعَ أُمَّهاتِها، فَكانَ إذا حَلَّ عُقْدَةً جَرى ذَلِكَ الفَصِيلُ إلى أُمِّهِ في الحِينِ فَرَضَعَ، أعاذَنا اللهُ تَعالى مِن شَرِّ السَحَرَةِ بِقُدْرَتِهِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ القاسِمِ، والحَسَنُ، وابْنُ عُمَرَ: "النافِثاتُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: مِن شَرِّ عَيْنِهِ ونَفْسِهِ، يُرِيدُ السَعْيَ الخَبِيثَ والإذايَةَ كَيْفَ قَدَّرَ؛ لِأنَّهُ عَدُوٌّ مُجِدٌّ مُمْتَحِنٌ، وقالَ الشاعِرُ: كُلُّ العَداوَةِ قَدْ تُرْجى إماتَتُها ∗∗∗ إلّا عَداوَةُ مَن عاداكَ مِن حَسَدٍ وعَيْنُ الحاسِدِ في الغالِبِ لاقِفَةٌ، نَعُوذُ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن شَرِّها، قالَ الشاعِرُ: وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ..

∗∗∗ طُوِيَتْ أتاحَ لَها لِسانُ حَسُودِ والحَسَدُ في الِاثْنَتَيْنِ اللَتَيْنِ قالَ رَسُولُ اللهِ  : حَسَدٌ مُسْتَحْسَنٌ غَيْرُ ضارٍّ، وإنَّما هو باعِثٌ عَلى خَيْرٍ.

وهَذِهِ السُورَةُ خَمْسُ آياتٍ، فَقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ هي مُرادُ الناسِ بِقَوْلِهِمْ لِلْحاسِدِ إذا نَظَرَ إلَيْهِمْ: الخَمْسُ عَلى عَيْنَيْكَ وقَدْ غَلِطَتِ العامَّةُ في هَذا فَيُشِيرُونَ بِالأصابِعِ لِكَوْنِها خَمْسَةً.

وأمالَ أبُو عَمْرٍو "حاسِدٍ"، والباقُونَ بِفَتْحِ الحاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى الشُرُورَ في هَذِهِ السُورَةِ ثُمَّ خَتَمَها بِالحَسَدِ لِيُظْهِر أنَّهُ أخَسُّ طَبْعٍ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الفَلْقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا النوع الثاني من الأنواع الخاصة المعطوفة على العام من قوله: ﴿ من شر ما خلق ﴾ [الفلق: 2].

وعُطف ﴿ شر النفاثات في العقد ﴾ على شر الليل لأن الليل وقت يتحين فيه السحَرة إجراء شعوذتهم لئلا يطلع عليهم أحد.

والنفث: نفخ مع تحريك اللسان بدون إخراج ريق فهو أقل من التفل، يفعله السحرة إذا وضعوا علاج سحرهم في شيء وعَقدوا عليه عُقَداً ثم نفثوا عليها.

فالمراد ب ﴿ النفاثات في العقد ﴾ : النساء الساحرات، وإنما جيء بصفة المؤنث لأن الغالب عند العرب أن يتعاطى السحرَ النساء لأن نساءهم لا شغل لهن بعد تهيئة لوازم الطعام والماء والنظافة، فلذلك يكثر انكبابهن على مثل هاته السفاسف من السحر والتَّكهن ونحو ذلك، فالأوهام الباطلة تتفشى بينهن، وكان العرب يزعمون أن الغُول ساحرةٌ من الجِن.

وورد في خبر هجرة الحبشة أن عمارة بن الوليد بن المغيرة اتُّهم بزوجة النجاشي وأن النجاشي دعَا له السوَاحر فنفخن في إحليله فصار مسلوب العقل هائماً على وجهه ولحق بالوحوش.

و ﴿ العُقد ﴾ : جمع عقدة وهي ربط في خيط أو وَتَر يزعم السحرة أنه سحر المسحور يستمر ما دامت تلك العقد معقودة، ولذلك يخافون من حَلها فيدفنونها أو يخبئونها في محل لا يُهتدى إليه.

أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من شر السحرة لأنه ضمن له أن لا يلحقه شر السحرة، وذلك إبطال لقول المشركين في أكاذيبهم إنه مسحور، قال تعالى: ﴿ وقال الظالمون إنْ تتبعون إلا رجلاً مسحوراً ﴾ [الفرقان: 8].

وجملة القول هنا: أنه لما كان الأصح أن السورة مكية فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمون من أن يصيبه شر النفاثات لأن الله أعاذه منها.

وأمّا السحر فقد بسطنا القول فيه عند قوله تعالى: ﴿ يعلِّمون الناس السحر ﴾ في سورة البقرة (102).

وإنما جعلت الاستعاذة من النفاثات لا من النفْث، فلم يقل: إذا نفثن في العقد، للإِشارة إلى أن نفثهن في العُقد ليس بشيء يجلب ضراً بذاته وإنما يجلب الضر النافثاتُ وهن متعاطيات السحر، لأن الساحر يحرص على أن لا يترك شيئاً مما يحقق له ما يعمله لأجله إلاّ احتال على إيصاله إليه، فربما وضع له في طعامه أو شرابه عناصر مفسدة للعقل أو مهلكة بقصد أو بغير قصد، أو قاذورات يُفسد اختلاطُها بالجسد بعضَ عناصر انتظام الجسم يختلّ بها نشاط أعصابه أو إرادته، وربما أغرى به من يغتاله أو من يتجسس على أحواله ليُرِي لمن يسألونه السحر أن سحره لا يتخلف ولا يخطئ.

وتعريف ﴿ النفاثات ﴾ تعريف الجنس وهو في معنى النكرة، فلا تفاوت في المعنى بينه وبين قوله: ﴿ ومن شر غاسق ﴾ [الفلق: 3] وقوله: ﴿ ومن شر حاسد ﴾ [الفلق: 5].

وإنما أوثر لفظ ﴿ النفاثات ﴾ بالتعريف لأن التعريف في مثله للإِشارة إلى أن حقيقة معلومة للسامع مثل التعريف في قولهم: «أرسلها العراك» كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ الحمد للَّه ﴾ في سورة الفاتحة (2).

وتعريف ﴿ النفاثات ﴾ باللام إشارة إلى أنهن معهودات بين العرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

وَهَذِهِ والنّاسُ مُعَوِّذَتا رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ سَحَرَتْهُ اليَهُودُ، وقِيلَ إنَّ المُعَوِّذَتَيْنِ كانَ يُقالُ لَهُما (اَلْمُقَشْقِشَتانِ) أيْ مُبَرِّئَتانِ مِنَ النِّفاقِ، وزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُما دُعاءُ تَعَوُّذٍ بِهِ ولَيْسَتا مِنَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ خالَفَ بِهِ الإجْماعَ مِنَ الصَّحابَةِ وأهْلِ البَيْتِ.

﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الفَلَقَ سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الخَلْقُ كُلُّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ فَلَقُ الصُّبْحِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَفِقًا أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ نَوَّرَ الفَلَقُ.

الخامِسُ: أنَّها الجِبالُ والصُّخُورُ تَنْفَلِقُ بِالمِياهِ.

السّادِسُ: أنَّهُ كُلُّ ما انْفَلَقَ عَنْ جَمِيعِ ما خُلِقَ مِنَ الحَيَوانِ والصُّبْحِ والحَبِّ والنَّوى وكُلِّ شَيْءٍ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَلِأصْحابِ الغَوامِضِ أنَّهُ فَلَقَ القُلُوبَ لِلْأفْهامِ حَتّى وصَلَتْ إلَيْها ووَصَلَتْ فِيها، وأصْلُ الفَلَقِ الشَّقُّ الواسِعُ، وقِيلَ لِلصُّبْحِ فَلَقٌ لِفَلْقِ الظَّلامِ عَنْهُ كَما قِيلَ لَهُ فَجْرٌ لِانْفِجارِ الضَّوْءِ مِنهُ.

﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ شَرَّ ما خَلَقَ جَهَنَّمُ، قالَهُ ثابِتٌ البَنانِيُّ.

الثّانِي: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: مِن شَرِّ ما خَلَقَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي هَذا الشَّرِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ في كُلِّ شَرٍّ.

الثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ المُصابُ بِهِ الثَّوابَ.

﴿ وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الشَّمْسَ إذا غَرَبَتْ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ.

الثّانِي: القَمَرُ إذا ولَجَ أيْ دَخَلَ في الظَّلامِ.

رَوى أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  بِيَدِي ثُمَّ نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ تَعَوُّذِي بِاَللَّهِ مِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ، وهَذا الغاسِقُ إذا وقَبَ» .

الثّالِثُ: أنَّهُ الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اللَّيْلُ، لِأنَّهُ يُخْرِجُ السِّباعَ مِن آجامِها، والهَوامَّ مِن مَكامِنِها ويَبْعَثُ أهْلَ الشَّرِّ عَلى العَبَثِ والفَسادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، قالَ الشّاعِرُ يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقًا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقًا وَأصْلُ الغَسَقِ الجَرَيانُ بِالضَّرَرِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ غَسَقَتِ القُرْحَةُ إذا جَرى صَدِيدُها، والغَسّاقُ: صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، لِجَرَيانِهِ بِالعَذابِ وغَسَقَتْ عَيْنُهُ إذا جَرى دَمْعُها بِالضَّرَرِ في الحَلْقِ.

فَعَلى تَأْوِيلِهِ أنَّهُ اللَّيْلُ في قَوْلِهِ ﴿ إذا وقَبَ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: إذا دَخَلَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: إذا سَكَنَ، قالَهُ اليَمانُ بْنُ رِئابٍ.

﴿ وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ ﴾ قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: مِنَ السَّواحِرِ يَنْفُثْنَ في عُقَدِ الخُيُوطِ لِلسِّحْرِ، قالَ الشّاعِرُ أعُوذُ بِرَبِّي مِنَ النّافِثا ∗∗∗ تِ في عِضَهِ العاضِهِ المَعْضِهِ وَرُبَّما فَعَلَ قَوْمٌ في الرُّقى مِثْلَ ذَلِكَ، طَلَبًا لِلشِّفاءِ، كَما قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ نَفَثْتُ في الخَيْطِ شَبِيهِ الرُّقى ∗∗∗ مِن خَشْيَةِ الجِنَّةِ والحاسِدِ.

وَقَدْ رَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (مَن عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ ومَن سَحَرَ فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ)»، والنَّفْثُ: النَّفْخُ في العُقَدِ بِلا رِيقٍ، والتَّفْلُ: النَّفْخُ فِيها بَرِيقٍ، وفي ﴿ شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إيهامٌ لِلْأذى وتَخَيُّلٌ لِلْمَرَضِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في الأذى والمَرَضِ، إلّا اسْتِشْعارٌ رُبَّما أحْزَنَ، أوْ طَعامٌ ضارٌّ رُبَّما نَفَذَ بِحِيلَةٍ خَفِيَّةٍ.

الثّانِي: أنَّهُ قَدْ يُؤْذى بِمَرَضٍ لِعارِضٍ يَنْفَصِلُ فَيَتَّصِلُ بِالمَسْحُورِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ كَتَأْثِيرِ العَيْنِ، وكَما يَنْفَصِلُ مِن فَمِ المُتَثائِبِ ما يَحْدُثُ في المُقابِلِ لَهُ مِثْلُهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِمَعُونَةٍ مِن خَدَمِ الجِنِّ يَمْتَحِنُ اللَّهُ بَعْضَ عِبادِهِ.

فَأمّا المَرْوِيُّ مِن سِحْرِ النَّبِيِّ  فَقَدْ أثْبَتَهُ أكْثَرُهم، وأنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ سَحَرُوهُ وألْقَوْا عُقْدَةَ سِحْرِهِ في بِئْرٍ حَتّى أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْها.

رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  اشْتَكى شَكْوًى شَدِيدَةً، فَبَيْنا هو بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا مَلَكانِ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: ما شَكْواهُ؟

فَقالَ الآخَرُ: مَطْبُوبٌ، (أيْ مَسْحُورٌ)، والطَّبُّ: السِّحْرُ قالَ: ومَن طَبَّهُ؟

قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ فَطَرَحَهُ في بِئْرِ ذَرْوانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِيها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فاسْتَخْرَجَ السِّحْرَ مِنها، ويُرْوى أنَّ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأمَرَ بِحَلِّ العُقَدِ، فَكانَ كُلَّما حُلَّ عُقْدَةٌ وجَدَ راحَةً، حَتّى حُلَّتِ العُقَدُ كُلُّها، فَكَأنَّما أنْشَطَ مِن عِقالٍ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، وهُما إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِعَدَدِ العُقَدِ، وأُمِرَ أنْ يَتَعَوَّذَ بِهِما» .

وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، ومَنَعُوا مِنهُ في رَسُولِ اللَّهِ  وإنْ صَحَّ في غَيْرِهِ، لِما في اسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ مِن خَبَلِ العَقْلِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن قالَ في رَسُولِهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ ﴿ وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ ﴾ أمّا الحَسَدُ فَهو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ وإنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحاسِدِ مِثْلُها، والمُنافَسَةُ هي تَمَنِّي مِثْلِها وإنْ لَمْ تَزُلْ، فالحَسَدُ شَرٌّ مَذْمُومٌ، والمُنافَسَةُ رَغْبَةٌ مُباحَةٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (اَلْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ والمُنافِقُ يَحْسُدُ)» .

وفي الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن شَرِّ نَفْسِهِ وعَيْنِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما أصابَ بِها فَعانَ وضَرَّ، والمَعْيُونُ المُصابُ بِالعَيْنِ، وقالَ الشّاعِرُ قَدْ كانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونَكَ سَيِّدًا ∗∗∗ وإخالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ الثّانِي: أنْ يَحْمِلَهُ فَرْطُ الحَسَدِ عَلى إيقاعِ الشَّرِّ بِالمَحْسُودِ فَإنَّهُ يَتْبَعُ المَساوِئَ ويَطْلُبُ العَثَراتِ، وقَدْ قِيلَ إنَّ الحَسَدَ أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ في السَّماءِ والأرْضِ فَحَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ حَتّى أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وأمّا في الأرْضِ فَحَسَدَ قابِيلُ بْنُ آدَمَ لِأخِيهِ هابِيلَ حَتّى قَتَلَهُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَرِّ ما اسْتَعاذَنا مِنهُ.

وافْتَتَحَ السُّورَةَ بِـ(قُلْ) لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَها، وهي مِنَ السُّورَةِ لِنُزُولِها مَعَها، وقَدْ قالَ بَعْضُ فُصَحاءِ السَّلَفِ: احْفَظِ القَلاقِلَ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قُلْ (قُلْ) في كُلِّ سُورَةٍ ذُكِرَ في أوائِلِها لِأنَّهُ مِنها.

والثّانِي: احْفَظِ السُّورَةَ الَّتِي في أوَّلِها (قُلْ) لِتَأْكِيدِها بِالأمْرِ بِقِراءَتِها.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود أنه كان يحك المعوّذتين من المصحف ويقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس منه، إنهما ليستا من كتاب الله، إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوّذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما.

قال البزار: لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هاتين السورتين فقال: قيل لي فقلت فقولوا كما قلت» .

وأخرج أحمد والبخاري والنسائي وابن الضريس وابن الأنباري وابن حبان وابن مردويه عن زر بن حبيش قال: أتيت المدينة فلقيت أبيّ بن كعب فقلت: يا أبا المنذر إني رأيت ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فقال: أما والذي بعث محمداً بالحق قد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما وما سألني عنهما أحد منذ سألته غيرك.

قال: قيل لي قل فقلت فقولوا، فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج مسدد وابن مردويه عن حنظلة السدوسي قال: لعكرمة: إني أصلي بقوم فأقرأ ب ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فقال: اقرأ بهما فإنهما من القرآن.

وأخرج أحمد وابن الضريس بسند صحيح عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: «قال رجل: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فجاءت نزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلتي فلحقني فضرب منكبي فقال: ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ فقلت ﴿ أعوذ برب الفلق ﴾ فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأتها معه، ثم قال: ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأتها معه.

قال: إذا أنت صليت فاقرأ بهما» .

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد أنزل عليَّ آيات لم ينزل علي مثلهن المعوّذتين» .

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلت علي الليلة آيات لم أر مثلهن قط ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ » .

وأخرج ابن الضريس وابن الأنباري والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر قال: «بينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين الجحفة والأبواء إذ غشينا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوّذ ب ﴿ أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ أعوذ برب الناس ﴾ ويقول: يا عقبة تعوّذ بهما فما تعوذ متعوّذ بمثلهما» قال: وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة.

وأخرج ابن سعد والنسائي والبغوي والبيهقي عن أبي حابس الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أبا حابس ألا أخبرك بأفضل ما تعوّذ به المتعوّذون؟

قال: بلى يا رسول الله.

قال: ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ هما المعوّذتان» .

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عين الجان ومن عين الإِنس فلما نزلت سورة المعوّذتين أخذ بهما وترك ما سوى ذلك.

وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن ابن مسعود أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يكره عشر خصال: الصفرة يعني الخلوق، وتغيير الشيب، وجر الإِزار، والتختم بالذهب، وعقد التمائم والرقى إلا بالمعوذات والضرب بالكعاب، والتبرج بالزينة لغير بعلها، وعزل الماء لغير حله، وفساد الصبي غير محرمه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الرقى إلا بالمعوذات.

وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إقرؤوا بالمعوذات في دبر كل صلاة» .

وأخرج ابن أ بي شيبة وابن مردويه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما سأل سائل ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما يعني المعوذتين» .

وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عقبة اقرأ ب ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فإنك لن تقرأ أبلغ منهما» .

وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب السور إلى الله ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: «كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فصلى الغداة فقرأ فيها بالمعوذتين، ثم قال: يا معاذ هل سمعت؟

قلت: نعم.

قال: ما قرأ الناس بمثلهن» .

وأخرج النسائي وابن الضريس وابن الأنباري وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «أخذ منكبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اقرأ قلت: ما أقرأ؟

بأبي أنت وأمي قال: ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ ثم قال: اقرأ قلت: بأبي أنت وأمي ما أقرأ: قال: ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ ولن تقرأ بمثلهما» .

وأخرج ابن سعد عن يوسف بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس أن ثابت بن قيس اشتكى فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض فرقاه بالمعوّذات ونفث عليه، وقال: «اللهم رب الناس اكشف الباس عن ثابت بن قيس بن شماس ثم أخذ تراباً من واديهم ذلك يعني بطحان فألقاه في ماء فسقاه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن عقبة بن عامر الجهني قال: «كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فلما طلع الفجر أذن وأقام ثم أقامني عن يمينه ثم قرأ بالمعوذتين، فلما انصرف قال: كيف رأيت؟

قلت: قد رأيت يا رسول الله.

قال: فاقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت» .

وأخرج ابن الأنباري عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر: «اقرأ ب ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فإنهما من أحب القرآن إلى الله» .

وأخرج الحاكم عن عقبة بن عامر قال: «كنت أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته في السفر فقال: يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا؟

قلت: بلى.

قال: ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فلما نزل صلى بهما صلاة الغداة، ثم قال له: كيف ترى يا عقبة» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب بغلة فحادت به فحبسها وأمر رجلاً أن يقرأ عليها ﴿ قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ﴾ فسكنت ومضت.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «أهدى النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة شهباء فكان فيها صعوبة فقال للزبير: اركبها وذللها فكأن الزبير اتقى فقال له: أركبها واقرأ القرآن.

قال: ما أقرأ؟

قال: اقرأ ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ فوالذي نفسي بيده ما قمت تصلي بمثلها» .

وأخرج ابن الأنباري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذتين وتفل أو نفث.

وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمر قال: إذا قرأت ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ فقل أعوذ برب الفلق، وإذا قرأت ب ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فقل: أعوذ برب الناس.

وأخرج محمد بن نصر عن أبي ضمرة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الثانية التي يوتر بها ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والمعوذتين.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه رأى في عنق امرأة من أهله سيراً فيه تمائم فقطعه، وقال: إن آل عبد الله أغنياء عن الشرك، ثم قال: التولة والتمائم والرقى من الشرك، فقالت امرأة: إن إحدانا لتشتكي رأسها فتسترقى، فإذا استرقت ظنت أن ذلك قد نفعها، فقال عبد الله إن الشيطان يأتي أحداكن فينخس في رأسها فإذا استرقت حبس، فإذا لم تسترق نحر فلو أن إحداكن تدعو بماء فتنضحه على رأسها ووجهها ثم تقول: بسم الله الرحمن الرحيم ثم تقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ نفعها ذلك إن شاء الله.

وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن زيد بن أسلم قال: سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وقال: إن رجلاً من اليهود سحرك، والسحر في بئر فلان، فأرسل علياً فجاء به فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية فجعل يقرأ ويحل حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلام يهودي يخدمه يقال له لبيد بن أعصم، فلم تزل به يهود حتى سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذوب ولا يدري ما وجعه، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة نائم إذا أتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه للذي عند رجليه: ما وجعه؟

قال: مطبوب.

قال: من طبه؟

قال: لبيد بن أعصم.

قال: بم طبه؟

قال: بمشط وماشطة وجف طلعة ذكر بذي أروان وهي تحت راعوفة البئر.

فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا ومعه أصحابه إلى البئر فنزل رجل فاستخرج جف طلعة من تحت الراعوفة، فإذا فيها مشط رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مشاطة رأسه، وإذا تمثال من شمع تمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا فيها أبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فأتاه جبريل بالمعوّذتين فقال: يا محمد ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ وحل عقدة ﴿ من شر ما خلق ﴾ وحل عقده حتى فرغ منها وحل العقد كلها وجعل لا ينزع إبرة إلا يجد لها ألماً ثم يجد بعد ذلك راحة، فقيل: يا رسول الله لو قتلت اليهودي فقال: قد عافاني الله وما وراءه من عذاب الله أشد فأخرجه» .

وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل فيه تمثالاً فيه إحدى عشرة عقدة، فأصابه من ذلك وجع شديد، فأتاه جبريل وميكائيل يعوذانه فقال ميكائيل يا جبريل إن صاحبك شاك.

قال أجل.

قال: أصابه لبيد بن الأعصم اليهودي وهو في بئر ميمون في كدية تحت صخرة الماء.

قال: فما وراء ذلك؟

قال: تنزح البئر ثم تقلب الصخرة فتأخذ الكدية فيها تمثال فيه إحدى عشرة عقدة فتحرق فإنه يبرأ بإذن الله، فأرسل إلى رهط فيهم عمار بن ياسر فنزح الماء فوجدوه قد صار كأنه ماء الحناء، ثم قلبت الصخرة إذا كدية فيها صخرة فيها تمثال فيها إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله يا محمد ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ الصبح فانحلت عقدة ﴿ من شر ما خلق ﴾ من الجن والإِنس فانحلت عقدة ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ الليل وما يجيء به الليل ﴿ ومن شر النفاثات في العقد ﴾ السحارات المؤذيات فانحلت ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صنعت اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فأصابه منه وجع شديد، فدخل عليه أصحابه فخرجوا من عنده وهم يرون أنه ألم به فأتاه جبريل بالمعوّذتين فعوّذه بهما ثم قال: «بسم الله أرقيك من كل شر يؤذيك ومن كل عين ونفس حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك» .

أخرج ابن مردويه عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ فقال: «يا ابن عبسة أتدري ما الفلق؟

قلت الله ورسوله أعلم.

قال: بئر في جهنم إذا سعرت جهنم فمنه تسعر، وإنها لتتأذى به كما يتأذى بنو آدم من جهنم» .

وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقرأ ﴿ قل أعوذ بر الفلق ﴾ هل تدري ما الفلق؟

باب في النار إذا فتح سعرت جهنم» .

وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ قال: هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون، وإن جهنم لتعوذ بالله منه» .

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفلق جب في جهنم مغطى» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن علي عن آبائه قال: الفلق جب في قعر جهنم عليه غطاء، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم من شدة حر ما يخرج منه.

وأخرج ابن جريرعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الفلق الصبح.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ قال: أعوذ برب الصبح إذا انفلق عن ظلمة الليل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول: الفارج الهمّ مسدولاً عساكره ** كما يفرج غم الظلمة الفلق وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الفلق الخلق.

وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: «نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى القمر لما طلع فقال يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا الغاسق إذا وقب» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ قال: النجم هو الغاسق، وهو الثريا» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ قال: كانت العرب تقول الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ارتفعت النجوم رفعت العاهة عن كل بلد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ قال: الليل إذا ذهب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: الغاسق سقوط الثريا، والغاسق إذا وقب الشمس إذا غربت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ قال: الليل إذا أقبل.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: عز وجل ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ قال: الغاسق الظلمة والوقب شدة سواده إذا دخل في كل شيء قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت زهيراً يقول: ظلت تجوب يداها وهي لاهية ** حتى إذا جنح الإِظلام والغسق وقال في الوقب: وقب العذاب عليهم فكأنهم ** لحقتهم نار السماء فأخمدوا وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ غاسق إذا وقب ﴾ قال: الليل إذا دخل.

أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن شر النفاثات ﴾ قال: الساحرات.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ النفاثات في العقد ﴾ قال: ما خالط السحر من الرقى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ النفاثات ﴾ قال: السواحر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ النفاثات في العقد ﴾ قال: الرقى في عقد الخيط.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك» .

وأخرج الحاكم وابن مردويه «عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه يعوده فقال: ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل؟

قلت بلى، بأبي أنت وأمي.

قال: بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك ﴿ من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ فرقى بها ثلاث مرات» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد وجعاً في رأسه فأبطأ على أصحابه ثم خرج إليهم فقال له عمر: ما الذي بطأ بك عنا؟

فقال: وجع وجدته في رأس فهبط عليّ جبريل، فوضع يده على رأسي ثم قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك أو يصيبك ومن شر كل ذي شر معلن أو مسر، ومن شر الجن والإِنس ﴿ ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ قال: فبرأت» .

أخرج ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن في قوله: ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ قال: هو أول ذنب كان في السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ يعني اليهود هم حسدة الإِسلام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ قال: نفس ابن آدم وعينه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ومن شر حاسد ﴾ قال: من شر عينه ونفسه.

وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جبريل أتاه وهو يوعك فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من حسد حاسد، وكل عين، اسم الله يشفيك.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أو عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى فأتاه جبريل فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من كل كاهن وحاسد، والله يشفيك.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» .

وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل الدرجات العلى اللعان ولا منان ولا بخيل ولا باغ ولا حسود» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال: يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه في يده الشمال فسلم، فلما كان من الغد، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع الرجل مثل مرته الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأول، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال: إني لاحيت أبي فاقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تأويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت قال: نعم.

قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه ثلاث ليال فلم يره يقوم إلا لصلاة الفجر، وإذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبره، ولا يقول إلا خيراً.

فلما مضى الثلاث ليال وكدت احتقر عمله قلت يا عبد الله: لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرات، فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فلم أرك تعمل كثير عمل، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي غشاً على أحد من المسلمين ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه.

قال عبد الله: فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق» .

وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة نور، والصيام جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن الأصمعي رضي الله عنه قال: بلغني أن الله عز وجل يقول: الحاسد عدو نعمتي، متسخط لقضائي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد ﴾ يعني السحرة، والسواحر.

ومعنى النفث: النفخ، وكانت العرب ترقي به إذا رقت، وأنشد (أبو عبيدة) (١) (٢) فإن يَبْرَأ فلم أَنْفِث عَلَيْهِ ...

وإنْ يَفْقَدْ فَحَقَّ له الفُقُودُ (٣) (٤) وقال (أبو عبيد) (٥) (٦) وقال أبو إسحاق: تنفث، وتتفل بلا ريق كأنه نفخ كما يفعل كل من يرقى (٧) والعقد: الأخذ (٨) قال مقاتل: يعني السحرة، والأُخذة ينفثن في العقد والأُخذ (٩) وقال (عطاء عن) (١٠)  - (١١) ﴿ وَالصَّافَّاتِ ﴾ ، ﴿ فَالتَّالِيَاتِ ﴾ ، ﴿ فَالزَّاجِرَاتِ ﴾ [[سورة الصافات: والآيات كاملة: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾\[1 - 3\].]]، ومثل ذلك كثير في التنزيل ومعناه الجماعات.

وقال صاحب النظم: إنما أنث (١٢)  - (١٣) (١) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢) في (ع): (قول عنترة)، بدلاً من: (لعنترة).

(٣) وورد قوله في: "ديوانه" ص 283، تح: محمد مولوي، و"الكشف والبيان"، 13/ 193 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 257.

ومعنى قوله: فإن يبرا: يريد جريه، يقول: إن يفق من تلك الطعنة فيتأخر أجله، فإني ما رقيته، ولا نفثت عليه، وإن يفقد أي يمت فحق له ذلك، فقد مات من هو خير منه ويحتمل أنه يريد فحق له الموت من شدة الطعنة، وأن مثلها لا يبرأ منها.

"ديوانه" 283.

(٤) "مجاز القرآن" 2/ 317.

(٥) أبو عبيدة: في كلا النسختين، والصواب ما أثبته لنقل الإمام الواحدي قول أبي عبيدة عن "تهذيب اللغة".

(٦) "تهذيب اللغة" 15/ 103 (نفث)، وانظر: "لسان العرب" 2/ 195 (نفث).

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 379 بنصه.

(٨) يراد بالأُخْذة: الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل خرزه يرقى عليها، أو هي الرقية نفسها.

قال ابن حجر في "فتح الباري" 10/ 233، وانظر: "القاموس المحيط" 1/ 350 (أخذ).

(٩) "تفسير مقاتل" 257 ب.

(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١١) "الوسيط" 4/ 574.

(١٢) إنما أنت: غير مقروء في (ع).

(١٣) هكذا وردت عبارة صاحب النظم في النسختين.

ولم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه في: "زاد المسير" 8/ 334 معزوًا إلى المفسرين: وهذا القول: إن النفاثات من بنات لبيد ليس بسديد، لأن الذي سحر النبي -  - هو لبيد بن عاصم، وليس بناته كما جاء ذلك في الصحيح.

والجواب المحقق: أن النفاثات هنا: من الأرواح، والأنفس النفاثات لا النساء النفاثات، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث دون التذكير، والله أعلم.

قاله ابن القيم.

"تفسير المعوذتين" تح مصطفى العدوي: 53 - 54.

وأما ابن تيمية فقال: وخص من السحر النفاثات في العقد، وهن النساء، والحاسد الرجال في العادة، ويكون من الرجال ومن النساء والشر الذي يكون من الأنفس الخبيثة من الرجال والنساء هو شر منفصل عن الإنسان ليس هو في قلبه كالوسواس الخناس.

"مجموع الفتاوى" 17/ 507.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق ﴾ تقدم معنى أعوذ في التعوذ ومعنى رب اللغات والفاتحة، وفي الفلق ثلاثة أقوال: أنه الصبح ومنه فالق الإصباح قال الزمخشري: هو فعل بمعنى مفعول، الثاني: أنه كل ما يفلقه الله كفلق الأرض عن النبات والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر والأرحام عن الأولاد والحب والنوى وغير ذلك، الثالث: أنه جُبٌ في جهنم.

وقد رُوي هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ هذا عموم في جميع المخلوقات وشرهم أنواع كثيرة، أعاذنا الله منها.

وما هنا موصلة أو موصوفة أو مصدرية ﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ فيه سبعة أقوال، الأول: أنه الليل إذا أظلم ومنه قوله تعالى: ﴿ إلى غَسَقِ اليل ﴾ [الإسراء: 78] وهذا قول الأكثرين، وذلك ظلمة الليل ينتشر عندها أهل الشر من الأنس والجن، ولذلك قال في المثل: الليل أخفى للويل.

الثاني: أنه القمر.

خرَّج النسائي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى القمر فقال: يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب» ووقوبه هذا كسوفه، لأن وقب في كلام العرب يكون بمعنى الظلمة والسواد وبمعنى الدخول فالمعنى إذا دخل في الكسوف أو إذا أظلم به.

الثالث: أنه الشمس إذا غربت والوقوب على هذا المعنى الظلمة أو الدخول.

الرابع: أن الغاسق النهار إذا دخل في الليل، وهذا قريب من الذي قبله، الخامس: أن الغاسق سقوط الثريا وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده، وروي ن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: النجم هو الغاسق فيحتمل أن يريد الثريا السادس: قال الزمخشري: يجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات ووقبه ضربه السابع: أنه إبليس حكى ذلك السهيلي ﴿ وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد ﴾ النفث شبه النفخ دون تفل وريق قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: هو النفخ مع ريق وهذا النفث ضرب من السحر وهو: أن ينفث علىعقد تعقد في خيط أو نحوه على اسم مسحور فيضره ذلك، وحكى ابن عطية أنه حدثه ثقة أنه رأى عند بعض الناس بصحراء المغرب خيطاً أحمر قدعقدت فيه عقد على فُصْلان وهي أولاد الإبل فمنعها بذلك من رضاع أمهاتها، فكان إذا حل عقدة جرى ذلك الفصيل إلى أمه فرضع في الحين قال الزمخشري: إن في الاستعاذة من النفاثات ثلاثة أوجه: أحدها: أن يستعاذ من مثل عملهن وهو السحر، من ائتمن في ذلك.

والثاني: أن يستعاذ من خداعهن للناس وفتنتهن والثالث: أن يستعاذ مما يصيب من الشر عند نفثهن.

والنفاثات بناء مبالغة والموصوف محذوف تقديره: النساء النفاثات، والجماعة النفاثات، أو النفوس النفاثات، والأول أصح لأنه روي أنه إشارة إلى البنات لبيد من الأعصم اليهودي، وكنَّ ساحرات سحرن هن وأبوهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقدن له إحدى عشر عقدة، فأنزل الله المعوذتين إحدى عشر آية بعدد العقد وشفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: لم عرّف النفاثات بالألف واللام ونكر ما قبله وهو غاسق وما بعده وهو حاسد مع أن الجميع مستعاذ منه؟

فالجواب: أنه عرف النفاثات ليفيد العموم لأنه كل نفاثة شريرة بخلاف الغاسق والحاسد فإن شرهما في بعض دون بعض.

﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ الحسد خُلُق مذموم طبعاً وشرعاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وقال بعض العلماء: الحسد أول معصية عُصِيَ الله بها في السماء والأرض أما في السماء فحسد إبليس لآدم وأما في الأرض فقتل قابيل لأخيه هابيل بسبب الحسد، ثم إن الحسد على درجات.

الأولى: أن يحب الإنسان زوال النعمة عن أخيه المسلم وإن كانت لا تنتقل إليه بل يكره إنعام الله على غيره ويتألم به.

الثانية: أن يحب زوال تلك النعمة لرغبته فيها وجاء انتقالها إليه.

الثالثة: أن يتمنى لنفسه مثل تلك النعمة من غير أن يحب زوالها عن غيره وهذا جائز وليس بحسد وإنما هو غبطة.

والحاسد يضر نفسه ثلاث مضرات: أحدها: اكتساب الذنوب لأن الحسد حرام.

الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى، فإن حقيقة الحسد كراهية إنعام الله على عبده واعتراض على الله في فعله.

الثالثة: تألم قلبه من كثرة همه وغمه.

فنرغب إلى الله أن يجعلنا محسودين لا حاسدين، فإن المحسود في نعمة والحاسد في كرب ونقمة، والله در القائل: وإني لأرحم حسَّادي لفرط ما ** ضمَّت صدورهمُ من الأوغار نظروا صنيع الله بي فعيونهم ** في جنة وقلوبهم في نار وقال آخر: إن يحسدوني فإني غيرُ لائمهم ** قبلي من الناس أهلَ الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بِهمُ ** وماتَ أكثرنا غيضاً بما يجدُ ثم إن الحسود لا تزال عداوته ولا تنفع مداراته وهو ظالم يشاكي كأنه مظلوم، ولقد صدق القائل: كل العداوة قد ترجى إزالتها ** إلا عداوة من عاداك من حسد وقال حكيم الشعراء: وأظلم خلق الله من بات حاسداً ** لمن بات في نعمائه يتقلب قال ابن عطية: قال بعض الحذاق: هذه السورة خمس آيات وهي مراد الناس بقولهم للحاسد الذي يخاف منه العين: الخمسة على عينك، فإن قيل: إذا وقب، وإذا حسد فقيد بإذا التي تقتضي تخصيص بعض الأوقات؟

فالجواب: أن شر الحاسد ومضرته إنما تقع إذا أمضى حسده، فحيئنذ يضر بقوله أو بفعله أو بإصابته بالعين، فإن عين الحسود قاتلة.

وأما إذا لم يمض حسده ولم يتصرف بمقتضاه فشره ضعيف ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا ينجو منهم أحد: الحسد والظن والطيرة فمخرجه من الحسد أن لا يبقى ومخرجه من الظن أن لا يحقق ومخرجه من الطيرة ألا يرجع، فلهذا خصه بقوله إذا وقب، فإن قيل: إن قوله من شر ما خلق عموم يدخل تحته كل ما ذكر بعده فلأي شيء ذكر ما بعده؟

فالجواب: أن هذا من التجريد للاعتناء بالمذكور بعد العموم، ولقد تأكد ما ذكر في هذه السورة بعد العموم بسبب السحر الذي سحر اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدة حسدهم له.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ الفلق ﴾ ه لا ﴿ خلق ﴾ ه لا ﴿ وقب ﴾ ه لا ﴿ العقد ﴾ ه لا ﴿ حاسد ﴾ ﴿ إذا حسد ﴾ ه.

التفسير: لما أمره بقراءة سورة الإخلاص تنزيهاً له عما لا يليق به في ذاته وصفاته وكان ذلك من أشرف الطاعات، أمره أن يستعيذ به من شر من يصده عن ذلك كالمشركين وكسائر شياطين الإنس والجن.

يروى أن جبرائيل أتاه وقال: إن عفريتاً من الجن يكيدك فقل إذا أتيت على فراشك: أعوذ برب الفلق أعوذ برب الناس.

وعن سعيد بن المسيب أن قريشاً قالوا نتجوع فنعين محمداً ففعلوا ثم أتوه وقالوا: ما أشدّ عضدك وأقوى ظهرك وأنضر وجهك!

فأنزل الله المعوّذتين.

وقال جمهور المفسرين: إن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي  في إحدى عشرة عقدة في وتر ودسه في بئر ذي أروان، فمرض النبي  واشتدّ ذلك عليه ثلاث ليال فنزلت المعوّذتان، وأخبره جبرائيل بموضع السحر فأرسل علياً بطلبه وجاء به وقال جبرائيل: اقرأ السورتين.

فكان كلما يقرأ آية تنحل عقدة فيجد بعض الراحة والخفة، حتى إذا أتمهما فكأنما أنشط من عقال.

طعنت المعتزلة في هذه الرواية بأنها توجب تسلط الكفار والأشرار على الأنبياء.

وأيضاً لو صححت لصح قولهم ﴿ إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً  ﴾ والجواب أن التسليط الكلي بحيث يمنعه عن تبليغ الرسالة لا يجوز، ولكن لا نسلم أن بعض الأضرار في بدنه لا يجوز لا سيما وقد تداركه الله  بفضله وخصوصاً إذا كان فيه لطف لغيره من أمته حتى يفعلوا في مثل تلك الواقعة كما فعل، ولهذا استدل أكثر العلماء على أنه يجوز الاستعانة بالرقى والعوذ ويؤيده ما روي أن رسول الله  قال " "بسم الله أرقيك من كل يؤذيك والله يشفيك " وعن ابن عباس كان رسول الله  يعوّذ الحسن والحسين  ما بقوله " أعيذكما بكلمات الله التامّه من كل شيطان وهامّه ومن كل عين لامّه " ويقول هكذا كان أبي إبراهيم يقول لابنيه إسماعيل وإسحق.

وعنه كان رسول الله  يعلمنا من الحمى والأوجاع كلعا " "بسم الله الكريم أعوذ بالله العظيم ومن شر كل عرق نعار ومن شر حرّ النار" وعن علي  كان النبي  إذا دخل على مريض قال " "أذهب البأس رب الناس أشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت " وروي أنه  كان إذا سافر فنزل منزلاً يقول " يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرّك ومن شرّ ما فيك وشرّ ما يخرج منك ومن شرّ ما يدب عليك، وأعوذ بالله من شرّ أسد وأسود وحية وعقرب، ومن شرّ ساكن البلد ووالد ما ولد " وعن عائشة كان النبي  إذا اشتكى شيئاً من جسده قرأ قل هو الله أحد والمعوّذتين في كفه اليمنى ومسح بها المكان الذي يشتكي.

"وروي أنه  دخل على عثمان بن مظعون فعوّذه بـ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ وبهاتين السورتين.

ثم قال: تعوّذ بهن فما تعوّذت بخير منها" .وأما قول الكفار إنه مسحور فإنما أرادوا به الجنون والسحر الذي أثر في عقله ودام مع فلذلك وقع الإنكار عليهم.

ومن الناس من لم يرحض في الرقى لرواية جابر نهى النبي  عن الرقة وقال " "إن لله عباداً لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون " وأجيب بأن النهي وارد على الرقى المجهولة التي يفهم معناها.

واختلف في التعليق؛ فروى أنه  قال " "من علق شيئاً وكل إليه" وعن ابن مسعود أنه رأى على أم ولده تميمه مربوطة بعضدها فجذبها جذباً عنيفاً فقطعها.

ومنهم من حوزه؛ سئل الباقر  عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه.

واختلفوا في النفث أيضاً فروي عن عائشة أنها قالت: كان النبي  ينفث على نفسه إذا اشتكى بالمعوذات ويمسح بيده، فلما اشتكى رسول الله  وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه  بالمعوّذات التي كان ينفث بها على نفسه.

وعنه  أنه كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ فيهما بالمعوّذات ثم مسح جسده.

ومنهم من أنكر النفث؛ عن عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد.

وعن إبراهيم: كانوا يكرهون النفث في الرقى.

وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجع فقلت: ألا أعوّذك يا أبا محمد؟

قال: بلى ولكن لا تنفث فعوّذته بالمعوّذتين.

قال بعض العلماء: لعلهم كرهوا النفث لأن الله تعالى جعل النفث مما يستعاذ منه فوجب أن يكون منهياً عنه.

وقال بعضهم: النفث في العقد المنهي عنه هو الذي يكون سحراً مضراً بالأرواح والأبدان، وأما الذي يكون لإصلاح الأرواح والأبدان فيجب أن لا يكون حراماً.

سؤال: كيف قال في افتتاح القراءة ﴿ فاستعذ بالله  ﴾ وقال ههنا ﴿ أعوذ برب ﴾ دون أن يقول " بالله "؟

وأجيب بأن المهم الأوّل أعظم من حفظ النفس والبدن عن السحر والوسوسة فلا جرم ذكر هناك الاسم الأعظم، وأيضاً الشيطان يبالغ في منع الطاعة أكثر مما يبالغ في إيصال الضرر إلى النفس وأيضاً كأن العبد يجعل تربيته السابقة وسيلة في التربية اللاحقة.

وفي الفلق وجوه؛ فالأكثرون على أنه الصبح من قوله ﴿ فالق الإصباح  ﴾ وخص ههنا بالذكر لأنه أنموذج من صبح يوم القيامة ولأنه وقت الصلاة والجماعة والاستغفار ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ وفيه إشارة إلى أن القادر على إزالة الظلمة عن وجه الأرض قادر على دفع ظلمة الشرور والآفات عن العبد بصلاح النجاح.

روي أن يوسف  حين ألقي في الجبّ وجعت ركبته وجعاً شديداً فبات ليلته ساهراً، فلما قرب طلوع الصبح نزل جبرائيل  يسليه ويأمره بأن يدعو ربه فقال: يا جبرائيل ادع أنت وأؤمن أنا.

فدعا جبرائيل فأمن يوسف فكشف الله ما كان به من الضرّ، فلما حصل له الراحة قال: يا جبرائيل أنا أدعو وتؤمن أنت فسأل يوسف ربه أن يكشف الضرّ عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت، فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل.

وروي أن دعاءه في الجبّ: يا عدّتي عند شدتي، ويا مؤنسي في وحشتي، ويا راحم غربتي، ويا كاشف كربتي، ويا مجيب دعوتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب، راحم صغر سني، وضعف ركني، وقلة حيلتي، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

وقل: هو كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات ﴿ إن الله فالق الحب والنوى  ﴾ والجبال عن العيون ﴿ وإن منها لما يتفجر منه الأنهار  ﴾ والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والقبض عن البسط، والشدّة عن الفرج، والقلوب عن المعارف.

وقيل: هو واد في جهنم إذا فتح صاح جميع من في جهنم من شدّة حره كأن العبد قال: يا صاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التي هي أعظم وأكمل وأسبق وأقدم من عذابك.

وصاحب هذا القول زعم أن المراد من شر ما خلق أي من شدائد ما خلق فيها.

وعن ابن عباس: يريد إبليس خاصة لأن الله  لم يخلق خلقاً هو شرّ منه.

ويدخل فيه الاستعاذة من السحرة لأنهم أعوانه وجنوده.

وقل: أراد أصناف الحيوانات المؤذية من الهوام والسباع.

وقيل: الأسقام والآفات والمحن فإنها شرور إضافية وإن جاز أن تكون خيرات باعتبارات أخر والكل بقدر كما مر في مقدمة الكتاب في تفسير الاستعاذة.

وذكر في الغاسق وجوه؛ فعن الفراء وأبي عبيدة: هو الليل إذا جنّ ظلامه ومنه غسقت العين أو الجراحة إذا امتلأت دمعاً أو دماً.

وقال الزجاج: هو البارد وسمي الليل غاسقاً لأنه أبرد من النهار، فعلى هذا لعله أريد به الزمهرير.

وقال قوم: هو السائل من قولهم غسقت العين تغسق غسقاً إذا سالت بالماء، وسمي الليل غاسقاً لانصباب ظلامه على الأرض.

قلت: ولعل الاستعاذة على هذا التفسير إنما تكون من الغساق في قوله  ﴿ إلا حميماً وغساقاً  ﴾ والوقوب الدخول في الشيء بحيث يغيب عن العين.

هذا من حيث اللغة.

ثم أن الغاسق إذا فسر بالليل فوقوبه دخوله وهو ظاهر.

ووجه التعوذ من شره أن السباع فيه تخرج من آجامها والهوام من مكامنها، وأهل الشر والفتنة من أماكنها، ويقل فيه الغوث ولهذا قالت الفهقاء: لو شهر أحد سلاحاً على إنسان ليلاً فقتله المشهور عليه لم يلزمه قصاص ولو كان نهاراً لزمه لوجود الغوث.

وقد يقال: إنه تنشر في الليل الأرواح المؤذية المسماة بالجن والشياطين، وذلك لأن قوة الشمس وشعاعها كأنها تقهرهم، أما في الليل فيحصل لهم نوع استيلاء.

وعن ابن عباس: هو ظلمة الشهوة البهيمية إذا غلبت داعية العقل.

قال ابن قتيبة: الغاسق القمر لأنه يذهب ضوءه عند الخسوف، ووقوبه دخوله في ذلك الاسوداد.

"وعن عائشة أن رسول الله  أخذ بيدها وقال لها: استعيذي بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب" ، وعلى هذا التفسير يمكن تصحيح قول الحكيم إن القمر جرم كثيف مظلم في ذاته لكنه يقبل الضوء عن الشمس ويختلف حاله في ذلك بحسب قربه منها وبعده عنها.

ووقوبه إما دخوله في دائرة الظلام في الخسوفات، وإما دخوله تحت شعاع الشمس في آخر كل شهر، وحينئذ يكون منحوساً قليل القوة ولذلك تختار السحرة ذلك الوقت للتمريض والإضرار والتفريق ونحوها.

وقيل: الغاسق الثريا إذا سقط في المغرب.

قال ابن زيد: وكانت الأسقام تكثر حينئذ.

وقال في الكشاف: يجوز أن يراد به الأسود من الحيات ووقبه خربه ونقبه.

وقيل: هو الشمس إذا غابت وسميت غاسقاً لسيلانها ودوام حركتها.

وأما النفث فهو النفخ بريق.

وقيل: النفخ فقط.

والعقد جمع عقدة.

والسبب فيه أن الساحر إذا أخذ في قراءة الرقية أخذ خيطاً ولا يزال يعقد عليه عقداً بعد عقد وينفث في تلك العقد.

ووجه التأنيث إما الجماعة لأن اجتماع السحرة على عمل واحد أبلغ تأثيراً، وإما لأن هذه الصناعة إنما تعرف بالنساء لأنهن يعقدن وينفثن وذلك أن الأصل الكلي في ذلك الفن هو ربط القلب وتعليق الوهم بذلك الأمر وأنه في النساء أوفر لقلة علمهن وشدّة شهوتهن.

وقال أبو عبيدة: إنهن بنات لبيد بن الأعصم اليهودي اللاتي سحرن النبي  .

وقال أبو مسلم: العقد عزائم الرجال والنفث حلها لأن من يريد حل عقدة الحبل ينفث عليه بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلاً.

والمعنى: إن النساء لكثرة حيلهن يتصرفن في عزائم الرجال يحوّلنهم من رأي إلى رأي ومن عزيمة إلى عزيمة، فأمر الله رسوله بالتعوّذ من شرهن، وهذا القول مناسب لما جاء في مواضع أخر من القرآن ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم  ﴾ ﴿ إن كيدكن عظيم  ﴾ والاستعاذة منهن الاستعاذة من إثم عملهن، أو من فتنتهن الناس بسحرهن، أو من إطعامهن الأطعمة الردية المورثة للجنون، و الموت.

والحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه حتى لو تمكن من ذلك بالحيل لفعل فلذلك أمر الله رسوله  بالتعوذ منه.

وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوقى ويتحرّز منه ديناً ودنيا فلذلك لما نزلت فرح رسول الله  بها لكونها مع أختها جامعة في التعوذ من كل شيء بل قوله ﴿ من شر ما خلق ﴾ عام والبواقي تخصيص بعد تعميم تنبيهاً على أنها أعظم الشرور، وأهم شيء يستعاذ منه.

وعرفت النفاثات لأن كل نفاثة شريرة.

ونكر ﴿ غاسق ﴾ و ﴿ حاسد ﴾ لأنه ليس كل غاسق بشره بل الليل للغاسقين شر وليس كل حسد مذموماً بل منه ما هو خير كما قال  " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فقام به آناء الليل وآناء النهار ورجل أعطاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار" وفائدة الظرف هو قوله ﴿ إذا حسد ﴾ أنه لا يستعاذ من الحاسد من جهات أخرى ولكن من هذه الجهة، ولو جعل الحاسد بمعنى الغابط أو بمعنى أعم وقوله ﴿ حسد ﴾ بالمعنى المذموم كان له وجه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ ﴾ : قال الفقيه - رحمه الله -: الأمر بالتعوذ به يحتمل وجوها ثلاثة: أحدها: على التعليم، لا النازلة كانت في ذلك الوقت؛ لكن لما علم الله -  - من عظيم شر من ذكر بما يظن الأغلب أن شر ما ذكر يتصل بالذي ذكر في علم الله  ؛ فأمرهم بالتعوذ به، كما أخبر في أمر الشيطان: أنه عدو لهم، وأنه يراهم من حيث لا يرونه؛ ليكونوا أبدا معدين متيقظين فزعين إلى الله -  - معتصمين، هذا أحق في التعليم من الذي ذكر في سورة الناس؛ لأنه أضر من ذلك العدو؛ لأن ضرره إنما يتصل به بإتيانه ما دعاه إليه الشيطان، وما يوسوس في صدره الوسواس، وذلك فعله يمكنه الامتناع عنه، وهذا الضرر يقع بفعل غيره من وجه لا يعلم مأتاه - أعني: شر النفاثات ونحو ذلك - فهو أحق في تعليم العباد فيه، والأمر بالفزع إلى من بلطفه جعل ذلك الفعل ممن ذكرنا معمولا فيه مؤثرا.

والثاني: ما قيل: "نزل جبريل -  - على رسول الله  [فقال]: إن عفريتا من الجن يكيدك؛ فتعوذ بأعوذ برب الفلق، وبرب الناس من شره إذا أويت إلى الفراش" والثالث: قيل: إن واحدا من اليهود سحر رسول الله  ، فنزل هذا.

قال أبو بكر الأصم: ذكروا في [هذه السورة] حديثا فيه ما لا يجوز؛ فتركته.

قال الفقيه - رحمه الله -: ولكن عندنا فيما قيل: إن رسول الله  سحر - وجهان في إثبات [رسالته ونبوته].

أحدهما: بما أعلمه بالوحي أنه سحر، وذلك فعل فعلوه سرا منه، ولا وقوف لأحد على الغيب إلا بالوحي.

والثاني: بما أبطل عمل السحر بتلاوة القرآن؛ فيصير لتلاوته في إبطال عمل السحر ما لعصا موسى -  - وأن هذا في كمونه آية أعظم مما فعل موسى  ؛ لأن ذلك يتنوع بتنوع ما له الفعل والعمل من حيث الجوهر والطبع من حيث مرأى العين؛ فإنه ثعبان يلقف ما صنعوا.

فأما إبطال السحر وعمله بتلاوته القرآن لا يكون إلا باللطف من الله  ، والله أعلم.

ثم الأصل في هذا عندنا: أنه قد ثبت الأمر بالتعوذ بقوله: ﴿ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ ﴾ ، وقد بينا حق الاشتراك فيما يتضمن هذا الأمر إن كان على نازلة في واحد، أو على ابتداء التعليم، فهو أمر فيه رجاء للفرج والمخرج من الأمور الضارة بما يعتصم فيها بالله -  - بما عنده من اللطائف؛ فجائز تمكينه من أمور ضارة باللطف من حيث لا يعلم البشر مأتاه، ولعل الذي يعمل به لا يعلم حقيقة ذلك العمل الذي جعل الله لذلك العمل إلا بما سبق من وقوع ذلك، وقد يجوز الأمر والنهي بأشياء يعينها من الأفعال؛ لمكان ما يتولد عنها من المنافع والمضار باللطف من حيث لا فعل في حقيقة ذلك للخلق؛ وإنما ذلك لطف من الله -  - نحو ما نهى عن أكل أشياء، وأمر بها، مما بها الاعتداء والقتل، من غير أن نعلم حقيقة وصول ذلك إلى ما يعدو أو يقتل وأي حكمة في ذلك ومعنى له؟.

وكذلك الموضوع من المناكح لطلب الولد وسقي الأشجار [والزروع بما يحدث الله فيها، وإن كان وجه العمل بالمأمور به، والمنهي عنه، وحقيقته بغر الذي له ذلك.

وعلى ذلك الأمر بالاستماع]، والنظر لما يلقى إليه ويراه، وإن لم يكن حقيقة الإدراك فعله.

وعلى ذلك التقدير جائز أن يكون الله -  - يجعل النفث بالعزائم، أو بأنواع السحر، أو بأنواع الرقى - أعمالا في المقصود بها من النفع والضر، لا يعلم حقيقة الوقوع والمعنى الموضوع فيه له من فيه ذلك الفعل، وهو به مأمور، وعنه منهي؛ بما له من حقيقة الفعل، وإن لم يكن النافع به في حقيقة فعله.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْفَلَقِ ﴾ اختلفوا فيه: قال بعضهم: الصبح.

وقيل: كل شيء ينفلق من جميع ما خلق، نحو الأرحام؛ ليتعرف ما فيها، والحب، والنوى، والهوام، وكل شيء.

فمن ذهب إلى تخصيص الصبح؛ فهو لأنه آخر الليل، وأول النهار، وقد جرى تدبير الله -  - في إنشاء هذين الوقتين على جميع العالم، بحيث لا يملك أحد الامتناع عن حكمهما فيما جعل لهما، وهما النهاية في العلم بعلم الله -  - الغيب؛ إذ جرى من تدبيره في أمر الأوقات في الليل والنهنار على حد واحد كل عام، بما فيهما من الرحمة للخلق وأنواع المحنة، ومَنَّ عليهما بما يأتيان الخلق ويذهبان؛ فكأنما ذكر جميع الخلق على ما ذكر في تأويل قوله -  -: ﴿ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ  ﴾ ؛ فيكون فيه لو [قصد بالذكر] ما في كل ذلك، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: من شر خلقة؛ لما أضاف إلى فعله؛ كما يقال: "من شر فعل فلان"، أي: من شر [ما] يفعله.

ويحتمل من شر يكون في خلقه، ولكن الإضافة إليه بما هو خالق كل شيء من فعل خلقه، ومن خلق ما له الفعل ولا فعل.

والأول كأنه أقرب؛ لما ذكر في بقية السورة [من] الواقع بخلقه المكتسب من جهتهم، وأضيف إليه، لما [بينا، ولأن] كل شر اكتسبه الخلق فذلك منسوب إلى الله -  - خلقا، وهو فعل المكتسب وكسبه، فمتى كان المراد من قوله -  -: ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ هذا النوع؛ فكأن ذكر مابعده يكون تكريرا.

وإذا حمل الأول على محض التخليق فيما لا صنع للخلق فيه من الشرور، كان ذكر ما لهم صنع فيه - وإن كان بخلق الله  ، لا يكون تكريرا - فيكون هذا التأويل أحق، مع ما قد بينا أنه يمنع في فعل غيره بلطف، [أو إعجاز، وفي الإعجاز لا يحتمل التعوذ من شر من لا يقدر على فعل يتصل به الشر، وفي ذلك إثبات التمكين لما يقع به الشر؛ فيجوز] التعوذ من الذي منه أذية تكون من غيره، على ما بينا من جواز الأمر والنهي عن أفعال لمكان ما يقع بها، وإن لم يكن الواقع في الحقيقة لهم؛ فعلى ذلك التعوذ من شر خلقه، وهو التمكين [والله الموفق والمعين]..

وفي هذا تعلق بعض من يقول [بأن القوة] تسبق الفعل: أنه لو لم يكن له قوة على الشر كيف كان يتعوذ من شر من لا يقوى عليه؟.

والجواب من وجهين: أحدهما: أن التعوذ يكون بما سيفعل بما يملك هو ما يقع لديه الفعل، وهو الآلات السليمة والقدر تحدث تباعاً على حدوث الأفعال، وتحدث لما يختار هو؛ فصارت القدرة في كمنها لما يختار؛ ككون ما يختار من الفعل بالاختيار بحدوث القدرة حالة الفعل؛ فيتعوذ منه؛ لعلمه أن الذي به كأنه في يده.

والثاني: أن قد جرت العادة ب العلم بما يقع في المتعارف: كالعلم بما هو واقع في الرغبة والرهبة؛ ألا ترى أنه يتعوذ من ظلم الجبابرة والظلمة، على ما بينهم من بعد الأمكنة وطول المدد؛ لإمكان الوصول بما اعتيد منهم بلوغ أمثال ذلك، وإن كانت القدرة على الظلم في حقه للحال معدومة، لا بتقى في مثل هذه المدة؛ فعلى ذلك الأمر الأول: وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ ، اختلف فيه: قيل: الغاسق: هو الليل المظلم: والغسق الظلمة.

وقيل: سمي بالليل: غاسقا؛ لأن الغاسق: البارد، قال الله  : ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً  إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً  جَزَآءً وِفَاقاً  ﴾ ، والليل أبرد من النهار؛ لذلك سمي: غاسقا.

والأصل في هذا: أن الذي ذكر لا يكون منه ضرر يتعوذ منه، لكنه يرجع إلى من كان في ظلمة الليل، أو في نور القمر من الذي يأتي منه المضار، ومعلوم أن من الشرور ما لا يمكن منها إلا في ظلمة الليل، ومنها في الليالي لا يمكن إلا بنور القمر؛ فأمر بالتعوذ مما يكون فيها، لا أن يكون منها، وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ؛ لما يقع به الإبصار؛ لا أنه يقع منه ذلك.

وهذا - والله أعلم - ليس على تخصيص الليل بذلك؛ لأنه ليس له فعل الضر، لكن قد يعرض به الإمكان من الشر؛ لما المعلوم أن من الشرور ما لا يمكن منها إلا في ظلمة الليل، ومنها في الليل لا يمكن إلا بنور القمر؛ فأمر بالتعوذ منه عما يتحقق فيه؛ فعلى ذلك يجوز التعوذ من شر النهار، على تأويل ما يقع به من التمكين من الشر، ويوجد فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِذَا وَقَبَ ﴾ اختلفوا في معنى ﴿ وَقَبَ ﴾ : قيل: إذا جاء ودخل.

وقيل: ذهب.

وقيل: معناه: القمر إذا خسف، أمر بالاستعاذة من ذلك؛ إذ هو علم من أعلام الساعة؛ لهذا قال: ﴿ إِذَا وَقَبَ ﴾ ؛ إذا القمر لا يخسف إلا في الليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ ﴾ : فهذا تعود من شرهم بحسب سببه، لكنه في الحقيقة فعل لهم، وفي الأول يقع سببه بلا صنع لهم، فكأنه في الجملة أمر بالتعوذ من كل سبب خيف تولد الشر منه، فعلا كان ذلك له أو لم يكن؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ  ﴾ ، وقد يكون للشيطان فعل في الحقيقة، ولا يكون للحياة الدنيا فعل؛ فوقع النهي عن الاغترار بهما؛ فعلى ذلك التعوذ من شر الأمرين وإن لم يكن لأحدهما فعل بما يقع فيه.

وجائز أن يكون من هذا الوجه في الملائكة محنة في الدفع والحفظ؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، قيل: فيه: أي: بأمر الله يقع حفظه؛ فجائز أن يكون في هذه الأمور الخفية، وأنواع المضار من حيث لا يعلم إلا بعد جهد يقع الحفظ بالله -  - على استعمال الملائكة.

وعلى ذلك يجوز أن يكون أمر سلامة المطاعم والمشارب والمنافع التي للبشر عن إفساد الجن، يحفظ ما ذكر؛ ليكون فيها محنة للملائكة، على ما كان مكان وسواس الشيطان إيقاظ الملائكة ومعونتهم.

ويحتمل أن يكون الله -  - لم يمكنهم إفساد ما ذكرنا وإن مكنهم الوسواس؛ إذ باللطف يمنع من حيث لا يعلم.

وقيل - أيضا -: من أمر الله: عذابه وأنواع البلايا إلى وقت إرادة الله -  - الوقوع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: إذا كان الحاسد دون المحسود، لا يقوى على الشر ليفعل به، والشر المتوهم منه يكون من شر عينه، وعمل الحسد إرادة زوال نعم المحسود وذهاب دولته.

وإنه جائز أن يكون الله - عز وجل - بلطفه يجعل في بعض الأعيان عملا يتأدى بالنظر إلى ما يستحسنه من النعم إلى الزوال، ويؤثرون ذهاب الدولة عنه؛ فأمر بالتعوذ لهذا، وقد بينا لك المتولدات من الأفعال بما جعل الله -  - فيها من المضار والمنافع ما لا يبلغها علوم الخلق، بل لو أراد الخلق أن يعرفوا ما في ا لبصر من الحكمة التي تدرك بفتح البصر ما بين السماء والأرض من غير كثير مهلة، لم يقدروا عليه.

وروى عمران بن حصين أن رسول الله  قال: "لا رقية إلا من عين حمة" وعن ابن عباس -  -: "العين حق، فإن كان شيء يسبق القدر لسبقه العين" وفي خبر أخر: "لا شر في الهام، والعين حق" ويدل عليه في قصة أخوة يوسف -  -: ﴿ وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ  ﴾ .

وقد فسر قوم وجه عمل العين وكيفيته، ولكنه أمر كعمل الشمس في العين نفسها فيما تبصر الشمس وتنظر إليها، فإنها تضره وتغلبه عن النظر على بعدها من العين بما جعل الله -  - وذلك من اللطف الحكمة، وكذلك عمل العين في المعيون.

والثاني: أن يكون بما حسد أن يبعث حسده على الحيل وأنواع ما به العين من السعي في الأمور التي بها الفساد على ضفعه في نفسه؛ قال الله -  - في صفة المنافقين: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ ، فمع ما بين من فشلهم وضعفهم، أمرهم بالحذر عنهم، وقال: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً  ﴾ ، ثم أمر بالتعوذ من شره؛ فكذلك الحاسد، والله أعلم [بالصواب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأعتصم به من شرّ السواحر اللائي يَنْفُثْن في العُقَد.

<div class="verse-tafsir" id="91.11a7B"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(الفلق).

قيل: هو الصبح.

وربه: هو الله الذي وضع نظام الكواكب على أن يكون في الأرض ليل يغمر الأرض بظلمته، ثم يكون صبح فيفلق هذا الظلام ويفرج كربه عن الأنام.

وقال جمع من المفسرين: إن الفلق هو الموجود الممكن كله.

وربه هو خالقه الذي شق ظلمة العدم عنه.

ومن كان رب الوجود كله، أو رب الصبح ولا يمكن أن يأتي بالصبح سواه - فهو جدير بأن يتعوذ به ويلجأ إليه وحده دون سواه.

(من شر ما خلق): أي من كل شر وأذى يصيبك من أي شيء خلقه.

إن الله خلق الخلق لما لا نعلمه من الحكمة وقد يقفنا على حكمته في بعض خلقه.

وقد خلق كل مخلوق ليصيب من الوجود الحظ الذي قدره له، ووهبه كل ما يتم به ذلك الحظ المقدر فكل مخلوق فهو خير في نفسه لأنه أخذ مكانه من الوجود، وهو الحق الذي لا يمكن أن يزحزح عنه.

وإنما الشرور التي تعرض أمور نسبية، فما هو شر بالنسبة إليك خير لكائن آخر.

يأكلك السبع فتألم وتموت، ويحزن لك الأقارب والأصدقاء، ويحرم سعيك الأولاد والفقراء، فكل ذلك أذى وشر بالنسبة إليك وإليهم، ولكنه خير بالنسبة إلى السبع، وتكميل لحظة.

ولهذا أضاف الشر إلى ما خلق لأن الشر إنما يأتي بمراعاة تلك الإضافة.

أما أفعال الله في نفسها فكل منها خير في نفسه، كما بينا.

وهذا هو الذي يصح الاستعاذة بالله منه، والاستعانة به على أن يخلصك من أذاه.

فأنت تلجأ إلى الله أن يقيك الوقوع في نسبة مع مخلوق آخر يصيبك أذى في تلك النسبة، كأن لا يخلى بينك وبين الأسد، أو لا يدعه ينتبه إليك، أو يقدرك على دفعه..

وهكذا.

ثم خصص بعض ما خلق لكثرة ما يقع الشر فيه مع غلبة الضعف عن دفعه، فقال: ﴿ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ  ﴾ أصل المعنى في مادة غسق السيلان والانصباب وأصل الوقب النقرة في الجبل ونحوه.

ووقب بمعنى دخل دخولًا لم يترك شيئًا إلا مر به.

والمراد من الغاسق هنا الليل، ووقب أي دخل وغمر كل شيء، كأنما انصب عليه، واشتدت ظلمته.

فإنه في هذا الحالة خوف موضع لأن يدهمك وأنت لا تدري كيف تخلص منه: فإن كنت بصدد سفر ضللت الطريق ولا تدري كيف تهتدي، وإن كنت في خصام مع عدو فقد يكون الظلام أشد أعوانه عليك.

ولا حاجة لتعديد ما في الظلام من أطوار الشر، فذلك مما لا يكاد يخفى على أحد من البشر.

فكان جديرًا أن يخص بالاستعاذة من شره بربه سبحانه، فهو القادر على الكفاية منه.

ثم خص مخلوقات أخر لظهور ضررها وعسر الاحتياط منه، فلا بد من الفزع إلى الله والاستنجاد بقدرته الشاملة على دفع شرها، فقال ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ  ﴾ .

(العقد): ما تعرفه في الخيط والحبل جمع عقدة، ثم تستعمل العقدة في كل ما ربط وأحكم ربطه.

ولذلك سمى الله الارتباط الشرعي بين الزوجين عقدة النكاح.

وسمي الإيجاب والقبول في البيع ونحوه عقدًا، ونسميه عقدة أيضًا.

(والنفث): النفخ الخفيف أو النفخ مع شيء من الريق.

و (النفاثة) من صيغ المبالغة، كالعلامة والفهامة.

ويستعمل كذلك للذكر والأنثى.

(النفاثات) جمعه.

والمراد بهم هنا النمامون، المقطعون لروابط الألفة، المحرقون لها بما يلقون عليها من ضرام دمائمهم.

وإنما جاءت العبارة كما في الآية لأن الله جل شأنه أراد أن يشبههم بأولئك السحرة المشعوذين الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجه -مثلًا فيما يوهمون به العامة- عقدوا عقدة، ثم نفثوا فيها وحلوها ليكون ذلك حلًا للعقدة التي بين الزوجين.

والنميمة تشبه أن تكون ضربًا من السحر، لأنها تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة بوسيلة خفية كاذبة.

والنميمة تضلل وجدان الصديقين كما يضلل الليل من يسير فيه بظلمته، ولهذا ذكرها عقب ذكر الغاسق إذا وقب.

ولا يسهل على أحد أن يحتاط للتحفظ من النمام، فإنه يذكر عنك ما يذكر لصاحبك، وأنت لا تعلم ماذا يقول ولا ما يمكن أن يقول.

وإذا جاءك فربما دخل عليك بما يشبه الصدق حتى لا يكاد يمكنك تكذيبه، فلا بد لك من قوة أعظم من قوتك تستعين بها عليه، وهي قوة الله.

وقد رووا ههنا أحاديث في أن النبي  سحره لبيد بن الأعصم وأثر سحره فيه حتى كان يخيل له أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله أو يأتي شيئًا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك، وأُخرجت مواد السحر من بئر وعوفي  مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة.

ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه  ، حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئًا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يصدق قول المشركين فيه: (إن تتبعون إلا رجلًا مسحورًا).

وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيل له أن شيئًا يقع وهو لا يقع، فيخيل إليه أنه يوحي إليه ولا يوحى إليه.

وقد قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها: إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر.

فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح والحق الصريح في نظر المقلد بدعة!

نعوذ بالله!

يحتج بالقرآن على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه  وعده من افتراء المشركين عليه، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك!

مع أن الذي قصده المشركون ظاهر، لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه  ، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم، وضرب من ضروبه.

وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم.

والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم  ، فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته وعدم الاعتقاد بما ينفيه.

وقد جاء ينفي السحر عنه  حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه ووبخهم على زعمهم هذا.

فإذن هو ليس بمسحور قطعًا.

وأما الحديث -على فرض صحته- فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجووز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون.

على أن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يُحَصِّل الظن عند من صح عنده.

أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح، فلا تقوم به عليه حجة.

وعلى أي حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث ولا نحكمه في عقيدتنا ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل فإنه إذا خولط النبي في عقله -كما زعموا- جاز عليه أن يظن أنه بلّغ شيئًا وهو لم يبلّغه أو أن شيئًا نزل عليه وهو لم ينزل عليه.

والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان..

ثم إن نفي السحر عنه لا يستلزم نفي السحر مطلقًا.

فربما جاز أن يصيب السحر غيره بالجنون نفسه، ولكن من المحال أن يصيبه لأن الله عصمه منه.

ما أضر المحب الجاهل!

وما أشد خطره على من يظن أنه يحبه!

نعوذ بالله من الخذلان.

على أن نافي السحر بالمرة لا يجوز أن يعد مبتدعًا لأن الله تعالى ذكر ما يعتقد به المؤمنون في قوله: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ  ﴾ الآية، وفي غيرها من الآيات.

وردت الأوامر بما يجب على المسلم أن يؤمن به حتى يكون مسلمًا، ولم يأت في شيء من ذلك ذكر السحر على أنه مما يجب الإيمان بثبوته أو وقوعه على الوجه الذي يعتقد به الوثنيون في كل ملة.

بل الذي ورد في الصحيح هو أن تعلم السحر كفر.

فقد طلب منا أن لا ننظر بالمرة فيما يعرف عند الناس بالسحر ويسمى باسمه.

وجاء ذكر السحر في القرآن في مواضع مختلفة، وليس من الواجب أن نفهم منه ما يفهم هؤلاء العميان.

فإن السحر في اللغة معناه صرف الشيء عن حقيقته.

قال الفراء في قوله تعالى ﴿ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ  ﴾ : أي أن تؤفكون وتصرفون.

سحره وأفكه بمعنى واحد.

وماذا علينا لو فهمنا من السحر الذي يفرق بين المرء وزوجه، تلك الطرق الخبيثة الدقيقة التي تصرف الزوج عن زوجته والزوجة عن زوجها؟

وهل يبعد أن يكون مثل هذا الطرق مما يتعلم وتطلب له الأساتذة، ونحن نرى كتبًا ألفت ودروسًا تلقى لتعليم أساليب التفريق بين الناس لمن يريد أن يكون من عمال السياسة في بعض الحكومات؟

وقد يكون ذكر المرء وزوجه من قبيل التمثيل، وإظهار الأمر في أقبح صورة: أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل وطرق الإفساد، أن يتمكنوا به من التفريق بين المرء وزوجه.

وسياق الآية لا يأباه، وذكر الشياطين لا يمنعنا من ذلك بعد أن سمى الله خبثاء الإنس المنافقين بالشياطين.

قال: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ  ﴾ .

وقال: ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ  ﴾ ، وسحر فرعون كان ضربًا من الحيلة، ولذلك قال: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى  ﴾ ، وما قال إنها تسعى بسحرهم.

قال يونس: تقول العرب ما سحرك عن وجه كذا، أي ما صرفك عنه؟

ولو كان هؤلاء يقدرون الكتاب قدرة، ويعرفون من اللغة ما يكفي لعاقل أن يتكلم، ما هذروا هذا الهذر، ولا وصموا الإسلام بهذه الوصمة..

وكيف يصح أن تكون هذه السورة نزلت في سحر النبي  مع أنها مكية -في قول عطاء والحسن وجابر وفي رواية ابن كريب عن ابن عباس- وما يزعمونه من السحر إنما وقع في المدينة؟!

لكن من تعود القول بالمحال لا يمكن الكلام معه بحال..

نعوذ بالله من الخبال.

(ومن شر حاسد إذا حسد): الحاسد الذي يتمنى زوال نعمة محسوده، ولا يرضى أن تتجدد له نعمة.

وهو -إذا حسد، أي أنفذ حسده وحققه بالسعي والجد في إزالة نعمة من يحسده- من أشد خلق الله أذى، ومن أخفاهم حيلة، وأدقهم وسيلة.

وليس في طاقة محسوده إرضاؤه بوجه، ولا في استطاعته الوقوف على ما يدبره من المكايد، فلا ملجأ منه إلا إلى الله وحده، فهو القادر على كف أذاه، وإحباط سعيه، وقانا الله شر الحاسدين وكف عنا كيد الكائدين.

والله أعلم.

مزيد من التفاسير لسورة الفلق

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله