الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٠٦ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 59 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٦ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) قال ابن عباس : من إيمانهم ، إذا قيل لهم : من خلق السموات ؟
ومن خلق الأرض ؟
ومن خلق الجبال ؟
قالوا : " الله " ، وهم مشركون به .
وكذا قال مجاهد ، وعطاء وعكرمة ، والشعبي ، وقتادة ، والضحاك ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وهكذا في الصحيحين أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك .
وفي الصحيح : أنهم كانوا إذا قالوا : " لبيك لا شريك لك " يقول رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " قد قد " ، أي حسب حسب ، لا تزيدوا على هذا .
وقال الله تعالى : ( إن الشرك لظلم عظيم ) [ لقمان : 13 ] وهذا هو الشرك الأعظم الذي يعبد مع الله غيره ، كما في الصحيحين .
عن ابن مسعود قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟
قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " .
وقال الحسن البصري في قوله : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) قال : ذلك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس ، وهو مشرك بعمله ذاك ، يعني قوله تعالى : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ) [ النساء : 142 ] .
وثم شرك آخر خفي لا يشعر به غالبا فاعله ، كما روى حماد بن سلمة ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن عروة قال : دخل حذيفة على مريض ، فرأى في عضده سيرا فقطعه - أو انتزعه - ثم قال : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) وفي الحديث : " من حلف بغير الله فقد أشرك " .
رواه الترمذي وحسنه من رواية ابن عمر وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره ، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " .
وفي لفظ لهما : " [ الطيرة شرك ] وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل " .
ورواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن يحيى الجزار عن ابن أخي ، زينب [ عن زينب ] امرأة عبد الله بن مسعود قالت : كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على أمر يكرهه ، قالت : وإنه جاء ذات يوم فتنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير ، قالت : فدخل فجلس إلى جانبي ، فرأى في عنقي خيطا ، قال : ما هذا الخيط ؟
قالت : قلت : خيط رقي لي فيه .
قالت : فأخذه فقطعه ، ثم قال : إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " .
قالت : قلت له : لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف ، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها ، فكان إذا رقاها سكنت ؟
قال : إنما ذاك من الشيطان .
كان ينخسها بيده ، فإذا رقيتها كف عنها : إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " أذهب البأس رب الناس ، اشف وأنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقما " .
وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد ، عن وكيع ، عن ابن أبي ليلى ، عن عيسى بن عبد الرحمن قال : دخلنا على عبد الله بن عكيم وهو مريض نعوده ، فقيل له : تعلقت شيئا ؟
فقال : أتعلق شيئا!
وقد قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " من تعلق شيئا وكل إليه " ورواه النسائي عن أبي هريرة .
وفي مسند الإمام أحمد ، من حديث عقبة بن عامر قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " من علق تميمة فقد أشرك " وفي رواية : " من تعلق تميمة فلا أتم الله له ، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له " وعن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " قال الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، ومن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " .
رواه مسلم .
وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ، ينادي مناد : من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك " .
رواه أحمد .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا ليث ، عن يزيد - يعني : ابن الهاد - عن عمرو ، عن محمود بن لبيد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " .
قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟
قال : " الرياء ، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا ، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " .
وقد رواه إسماعيل بن جعفر ، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، أنبأنا ابن لهيعة ، أنبأنا ابن هبيرة ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " من ردته الطيرة عن حاجة ، فقد أشرك " .
قالوا : يا رسول الله ، ما كفارة ذلك ؟
قال : " أن يقول أحدهم : اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ، ولا إله غيرك " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي ، عن أبي علي - رجل من بني كاهل - قال : خطبنا أبو موسى الأشعري فقال : يا أيها الناس ، اتقوا هذا الشرك ، فإنه أخفى من دبيب النمل .
فقام عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون ، قال : بل أخرج مما قلت ، خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ذات يوم ] فقال : " يا أيها الناس ، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل " .
فقال له من شاء الله أن يقول : فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله ؟
قال : " قولوا : اللهم إنا نعوذ بك [ من ] أن نشرك بك شيئا نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلمه " .
وقد روي من وجه آخر ، وفيه أن السائل في ذلك هو الصديق ، كما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي ، من حديث عبد العزيز بن مسلم ، عن ليث بن أبي سليم ، عن أبي محمد ، عن معقل بن يسار قال : شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قال : حدثني أبو بكر الصديق عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل " .
فقال أبو بكر : وهل الشرك إلا من دعا مع الله إلها آخر ؟
فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل " .
ثم قال : " ألا أدلك على ما يذهب عنك صغير ذلك وكبيره ؟
قل : اللهم ، أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك مما لا أعلم " .
وقد رواه الحافظ أبو القاسم البغوي ، عن شيبان بن فروخ ، عن يحيى بن كثير ، عن الثوري ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي بكر الصديق قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا " .
قال : فقال أبو بكر : يا رسول الله ، فكيف النجاة والمخرج من ذلك ؟
فقال : " ألا أخبرك بشيء إذا قلته برئت من قليله وكثيره وصغيره وكبيره ؟
" .
قال : بلى ، يا رسول الله ، قال : " قل : اللهم ، إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم " .
قال الدارقطني : يحيى بن كثير هذا يقال له : " أبو النضر " ، متروك الحديث .
وقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وصححه ، والنسائي ، من حديث يعلى بن عطاء ، سمعت عمرو بن عاصم سمعت أبا هريرة قال : قال أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه : يا رسول الله ، علمني شيئا أقوله إذا أصبحت ، وإذا أمسيت ، وإذا أخذت مضجعي .
قال : " قل : اللهم ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، رب كل شيء ومليكه ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شر نفسي ، ومن شر الشيطان وشركه " .
وزاد أحمد في رواية له من حديث ليث من أبي سليم ، [ عن مجاهد ] عن أبي بكر الصديق قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول .
.
.
فذكر هذا الدعاء وزاد في آخره : " وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم " .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما يُقِرُّ أكثر هؤلاء ، الذين وصَفَ عز وجل صفتهم بقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ، بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء ، ( إلا وهم مشركون )، في عبادتهم الأوثان والأصنام , واتخاذهم من دونه أربابًا , وزعمهم أنَّ له ولدًا , تعالى الله عما يقولون.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 19954 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمران بن عيينة , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: ( وما يؤمن أكثرهم بالله ) الآية , قال: من إيمانهم، إذا قيل لهم: مَن خلق السماء؟
ومن خلق الأرض؟
ومن خلق الجبال؟
قالوا: الله .
وهم مشركون.
19955 - حدثنا هناد , قال: حدثنا أبو الأحوص , عن سماك , عن عكرمة , في قوله: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ، قال: تسألهم: مَن خلقهم؟
ومن خلق السماوات والأرض , فيقولون: الله .
فذلك إيمانهم بالله , وهم يعبدون غيره.
19956 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن إسرائيل , عن جابر , عن عامر، وعكرمة: ( وما يؤمن أكثرهم بالله ) الآية , قالا يعلمون أنه ربُّهم , وأنه خلقهم , وهم يشركون به.
(4) 19957 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن إسرائيل , عن جابر , عن عامر، وعكرمة، بنحوه.
19958 - ....
قال: حدثنا ابن نمير , عن نضر , عن عكرمة: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ، قال: من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماوات؟
قالوا: الله.
وإذا سئلوا: من خلقهم؟
قالوا: الله.
وهم يشركون به بَعْدُ.
19959 - ....
قال: حدثنا أبو نعيم , عن الفضل بن يزيد الثمالي , عن عكرمة , قال: هو قول الله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [سورة لقمان: 25/ سورة الزمر:38].
فإذا سئلوا عن الله وعن صفته , وصفوه بغير صفته، وجعلوا له ولدًا، وأشركوا به.
(5) 19960 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ، إيمانهم قولهم: الله خالقُنا، ويرزقنا ويميتنا.
19961 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ، فإيمانهم قولُهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا.
19962 - حدثني المثنى , قال: أخبرنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ، إيمانُهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا.
, فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيرَه.
19963 - ....
قال، حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) قال: إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا 19964 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا هانئ بن سعيد وأبو معاوية , عن حجاج , عن القاسم , عن مجاهد , قال: يقولون: " الله ربنا , وهو يرزقنا "، وهم يشركون به بعدُ.
19965 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قال: إيمانهم قولُهم: الله خالقنا، ويرزقنا ويميتنا.
19966 - ....
قال: حدثنا الحسين , قال: حدثنا أبو تميلة , عن أبي حمزة , عن جابر , عن عكرمة، ومجاهد، وعامر: أنهم قالوا في هذه الآية: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ، قال: ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه وخلق السموات والأرض، فهذا إيمانهم , ويكفرون بما سوى ذلك.
19967 - حدثنا بشر , قال، حدثنا يزيد , قال حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ، في إيمانهم هذا.
إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه , وهو مشرك في عبادته.
19968 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال:حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( وما يؤمن أكثرهم بالله ) الآية , قال: لا تسأل أحدًا من المشركين: مَنْ رَبُّك؟
إلا قال: ربِّيَ الله!
وهو يشرك في ذلك.
19969 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي عن أبيه , عن ابن عباس , قوله: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ، يعني النصارى، يقول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ، [سورة لقمان: 25/ سورة الزمر:38 ]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [سورة الزخرف: 87]، ولئن سألتهم من يرزقكم من السماء والأرض؟
ليقولن: الله .
وهم مع ذلك يشركون به ويعبدون غيره، ويسجدون للأنداد دونه.؟
19970 - حدثني المثنى , قال: أخبرنا عمرو بن عون , قال، أخبرنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , قال: كانوا يشركون به في تلبيتهم.
19971 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن نمير , عن عبد الملك , عن عطاء: ( وما يؤمن أكثرهم بالله ) ، الآية , قال: يعلمون أن الله ربهم , وهم يشركون به بعدُ.
19972 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن عبد الملك , عن عطاء , في قوله: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ، قال: يعلمون أن الله خالقهم ورازقهم , وهم يشركون به.
19973 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال: سمعت ابن زيد يقول: ( وما يؤمن أكثرهم بالله ) ، الآية , قال: ليس أحدٌ يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله , ويعرف أن الله ربه , وأن الله خالقه ورازقه , وهو يشرك به.
ألا ترى كيف قال إبراهيم: أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ [سورة الشعراء: 75-77]؟
قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون.
قال: فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به.
ألا ترى كيف كانت العرب تلبِّي تقول: " لبيك اللهم لبيك , لبيك لا شريك لك , إلا شريك هو لك , تملكه وما ملك "؟
المشركون كانوا يقولون هذا.
---------------------- الهوامش: (4) في المطبوعة :" مشركون به" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(5) الأثر : 19959 -" الفضل بن يزيد الثمالي البجلي" ، كوفي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 116 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 69 .
وكان في المخطوطة والمطبوعة :" الفضيل" بالتصغير ، وهو خطأ صرف .
قوله تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون نزلت في قوم أقروا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها ، وهم يعبدون الأوثان ; قاله الحسن ، ومجاهد وعامر والشعبي وأكثر المفسرين .
وقال عكرمة هو قوله : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أندادا ; وعن الحسن أيضا : أنهم أهل كتاب معهم شرك وإيمان ، آمنوا بالله وكفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ; فلا يصح إيمانهم ; حكاه ابن الأنباري .
وقال ابن عباس : نزلت في تلبية مشركي العرب : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك .
وعنه أيضا أنهم النصارى .
وعنه أيضا أنهم المشبهة ، آمنوا مجملا وأشركوا مفصلا .
وقيل : نزلت في المنافقين ; المعنى : وما يؤمن أكثرهم بالله أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه ; ذكره الماوردي عن الحسن أيضا .
وقال عطاء : هذا في الدعاء ; وذلك أن الكفار ينسون ربهم في الرخاء ، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء ; بيانه : وظنوا أنهم أحيط بهم الآية .
وقوله : وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه الآية .
وفي آية أخرى : وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض .
وقيل : معناها أنهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة ، فإذا أنجاهم قال قائلهم : لولا فلان ما نجونا ، ولولا الكلب لدخل علينا اللص ، ونحو هذا ; فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان ، ووقايته منسوبة إلى الكلب .قلت : وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوام المسلمين ; ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وقيل : نزلت هذه الآية في قصة الدخان ; وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدخان في سني القحط قالوا : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون فذلك إيمانهم ، وشركهم عودهم إلى الكفر بعد كشف العذاب ; بيانه قوله : إنكم عائدون والعود لا يكون إلا بعد ابتداء ; فيكون معنى : إلا وهم مشركون أي إلا وهم عائدون إلى الشرك ، والله أعلم .
ومع هذا إن وجد منهم بعض الإيمان فلا { يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } فهم وإن أقروا بربوبية الله تعالى، وأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، فإنهم يشركون في ألوهية الله وتوحيده، فهؤلاء الذين وصلوا إلى هذه الحال لم يبق عليهم إلا أن يحل بهم العذاب، ويفجأهم العقاب وهم آمنون.
( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) فكان من إيمانهم إذا سئلوا : من خلق السماوات والأرض ؟
قالوا : الله ، وإذا قيل لهم : من ينزل القطر ؟
قالوا : الله ، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ويشركون .
وعن ابن عباس أنه قال : إنها نزلت في تلبية المشركين من العرب كانوا يقولون في تلبيتهم ، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك .
وقال عطاء : هذا في الدعاء ، وذلك أن الكفار نسوا ربهم في الرخاء ، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء ، كما قال الله تعالى : ( وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ) الآية ( يونس - 22 ) ، وقال تعالى : ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) ( العنكبوت - 65 ) ، وغير ذلك من الآيات .
«وما يؤمن أكثرهم بالله» حيث يقرون بأنه الخالق الرزاق «إلا وهم مشركون» به بعبادة الأصنام ولذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك يعنونها.
وما يُقِرُّ هؤلاء المعرضون عن آيات الله بأن الله خالقهم ورازقهم وخالق كل شيء ومستحق للعبادة وحده إلا وهم مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام.
تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا.
ثم بين - سبحانه - أنهم بجانب غفلتهم وجهالتهم ، لا يؤمنون إيماناً صحيحاً فقال - تعالى - ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ) .أى : وما يؤمن أكثر هؤلاء الضالين بالله فى إثقرارهم بوجوده ، وفى اعترافهم بأنه هو الخالق ، إلا وهم مشركون به فى عقيدتهم وفى عبادتهم وفى تصرفاتهم ، فإنهم مع اعترافهم بأن خالقهم وخالق السموات والأرض هو الله لكنهم مع ذلك كانوا يتقربون إلى أصنامهم بالعبادة ويقولون ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى ) والآية تشمل كل شرك سواء أكان ظاهراً أم خفياً ، كبيراً أم صغيراً .
وقد ساق ابن كثير هنا جملة من الأحاديث فى هذا المعنى ، كلها تنهى عن الشرك أياً كان لونه ، منها قوله صلى الله عليه وسلم : " عندما سئل أى الذنب أعظم؟
قال : " أن تجعل لله نداً وهو خلقك " ومنها قوله؛ " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " " .ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا : ما الشرك الأصغر؟
قال : الرياء " .ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : فيما يرويه عن ربه - عز وجل - يقول الله - تعالى - " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معى غيرى ، تركته وشركه " .فالآية الكريمة تنهى عن كل شرك ، وتدعو إلى إخلاص العبادة والطاعة لله رب العالمين .
اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت، واعتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا ذكرها فربما آمنوا، فلما ذكرها أصروا على كفرهم فنزلت هذه الآية، وكأنه إشارة إلى ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري: جواب ﴿ لَوْ ﴾ محذوف، لأن جواب ﴿ لَوْ ﴾ لا يكون مقدماً عليها فلا يجوز أن يقال.
وقال الفراء في المصادر يقال: حرص يحرص حرصاً، ولغة أخرى شاذة: حرص يحرص حريصاً.
ومعنى الحرص: طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد.
وقوله: ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ معناه ظاهر وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين ﴾ أي هو تذكرة لهم في دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد والقصص والتكاليف والعبادات، ومعناه: أن هذا القرآن يشتمل على هذه المنافع العظيمة، ثم لا تطلب منهم مالاً ولا جعلاً، فلو كانوا عقلاء لقبلوا ولم يتمردوا.
وقوله تعالى: ﴿ وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِي السموات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ يعني: أنه لا عجب إذا لم يتأملوا في الدلائل الدالة على نبوتك، فإن العالم مملوء من دلائل التوحيد والقدرة والحكمة ثم إنهم يمرون عليها ولا يلتفتون إليها.
واعلم أن دلائل التوحيد والعلم والقدرة والحكمة والرحمة لابد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي إما الأجرام الفلكية وأما الأجرام العنصرية، أما الأجرام الفلكية: فهي قسمان: إما الأفلاك وإما الكواكب.
أما الأفلاك: فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصانع وقد يستدل بكون بعضها فوق البعض أو تحته، وقد يستدل بأحوال حركاتها إما بسبب أن حركاتها مسبوقة بالعدم فلابد من محرك قادر، وإما بسبب كيفية حركاتها في سرعتها وبطئها، وإما بسبب اختلاف جهات تلك الحركات.
وأما الأجرام الكوكبية فتارة يستدل على وجود الصانع بمقاديرها أحيازها وحركاتها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتار بتأثيراتها في حصول الأضواء والأظلال والظلمات والنور، وأما الدلائل المأخوذة من الأجرام العنصرية: فإما أن تكون مأخوذة من بسائط، وهي عجائب البر والبحر، وإما من المواليد وهي أقسام: أحدها: الآثار العلوية كالرعد والبرق والسحاب والمطر والثلج والهواء وقوس قزح.
وثانيها: المعادن على اختلاف طبائعها وصفاتها وكيفياتها.
وثالثها: النبات وخاصية الخشب والورق والثمر واختصاص كل واحد منها بطبع خاص وطعم خاص وخاصية مخصوصة.
ورابعها: اختلاف أحوال الحيوانات في أشكالها وطبائعها وأصواتها وخلقتها.
وخامسها: تشريح أبدان الناس وتشريح القوى الإنسانية وبيان المنفعة الحاصلة فيها فهذه مجامع الدلائل.
ومن هذا الباب أيضاً قصص الأولين وحكايات الأقدمين وأن الملوك الذين استولوا على الأرض وخربوا البلاد وقهروا العباد ماتوا ولم يبق منهم في الدنيا خبر ولا أثر، ثم بقي الوزر والعقاب عليهم هذا ضبط أنواع هذه الدلائل والكتاب المحتوي على شرح هذه الدلائل هو شرح جملة العالم الأعلى والعالم الأسفل والعقل البشري لا يفي بالإحاطة به فلهذا السبب ذكره الله تعالى على سبيل الإبهام قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ والأرض ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ و ﴿ يَمُرُّونَ ﴾ عليها خبره وقرأ السدي ﴿ والأرض ﴾ بالنصب على تقدير أن يفسر قوله: ﴿ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا ﴾ بقولنا يطوفونها، وفي مصحف عبدالله ﴿ والأرض يَمْشُونَ عَلَيْهَا ﴾ برفع الأرض.
أما قوله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ فالمعنى: أنهم كانوا مقرين بوجود الإله بدليل قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ﴾ إلا أنهم كانوا يثبتون له شريكاً في المعبودية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم الذين يشبهون الله بخلقه وعنه أيضاً أنه قال: نزلت هذه الآية في تلبية مشركي العرب لأنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، وعنه أيضاً أن أهل مكة قالوا: الله ربنا وحده لا شريك له الملائكة بناته فلم يوحدوا، بل أشركوا، وقال عبدة الأصنام: ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده، وقالت اليهود: ربنا الله وحده وعزيز ابن الله، وقالت النصارى: ربنا الله وحده لا شريك له والمسيح ابن الله، وقال عبدة الشمس والقمر: ربنا الله وحده وهؤلاء أربابنا، وقال المهاجرون والأنصار ربنا الله وحده ولا شريك معه، واحتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن الإقرار باللسان فقط، لأنه تعالى حكم بكونهم مؤمنين مع أنهم مشركون، وذلك يدل على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار باللسان، وجوابه معلوم، أما قوله: ﴿ أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ الله ﴾ أي عقوبة تغشاهم وتنبسط عليهم وتغمرهم ﴿ أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً ﴾ أي فجأة.
وبغتة نصب على الحال يقال: بغتهم الأمر بغتاً وبغتة إذا فاجأهم من حيث لم يتوقعوا وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ كالتأكيد لقوله: ﴿ بَغْتَةً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم ﴾ في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق السموات والأرض، إلا وهو مشرك بعبادته الوثن، وعن الحسن: هم أهل الكتاب معهم شرك وإيمان.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هم الذين يشبهون الله بخلقه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ ﴾ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ وخالِقِيَّتِهِ.
﴿ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ بِاتِّخاذِ الأحْبارِ أرْبابًا.
ونِسْبَةُ التَّبَنِّي إلَيْهِ تَعالى، أوِ القَوْلِ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ أوِ النَّظَرِ إلى الأسْبابِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وقِيلَ الآيَةُ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، وقِيلَ في المُنافِقِينَ.
وقِيلَ في أهْلِ الكِتابِ.
﴿ أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ ﴾ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَشْمَلُهم.
﴿ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ فَجْأةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ عَلامَةٍ.
﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِإتْيانِها غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها.
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ يَعْنِي الدَّعْوَةَ إلى التَّوْحِيدِ والإعْدادَ لِلْمَعادِ ولِذَلِكَ فَسَّرَ السَّبِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أدْعُو إلى اللَّهِ ﴾ وقِيلَ هو حالٌ مِنَ الياءِ.
﴿ عَلى بَصِيرَةٍ ﴾ بَيانٍ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ.
﴿ أنا ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَتِرِ في ﴿ أدْعُو ﴾ أوْ ﴿ عَلى بَصِيرَةٍ ﴾ لِأنَّهُ حالٌ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ عَلى بَصِيرَةٍ ﴾ .
﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ.
﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ وأُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا مِنَ الشُّرَكاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} أي وما يؤمن أكثرهم في
إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق السموات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن الجمهور على أنها نزلت في المشركين لأنهم مقرون بالله خالقهم ورازقهم واذا حز بهم أمر شديد دعوا الله ومع ذلك يشركون به غيره ومن جملة الشرك ما يقوله القدرية من إثبات قدرة التخليق للعبد والتوحيد المحض ما يقوله أهل السنة وهو أنه لا خالق إلا الله
﴿ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ ﴾ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ تَعالى وخالِقِيَّتِهِ ﴿ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ .
(106) .
بِهِ سُبْحانَهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مَنِ الأكْثَرِ أيْ ما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم إلّا في حالِ إشْراكِهِمْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: هم أهْلُ مَكَّةَ آمَنُوا وأشْرَكُوا كانُوا يَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ ومِن هُنا «كانَ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ لَهُ: قَطُّ قَطُّ أيْ يَكْفِيكَ ذَلِكَ ولا تَزِدْ إلّا شَرِيكًا ..» إلَخْ وقِيلَ: هم أُولَئِكَ آمَنُوا لَمّا غَشِيَهُمُ الدُّخانُ في سِنِي القَحْطِ وعادُوا إلى الشِّرْكَ بَعْدَ كَشْفِهِ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ هَؤُلاءِ كُفّارُ العَرَبِ مُطْلَقًا أقَرُّوا بِالخالِقِ الرّازِقِ المُمِيتِ وأشْرَكُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ وقِيلَ: أشْرَكُوا بِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهم أهْلُ الكِتابِ أقَرُّوا بِاللَّهِ تَعالى وأشْرَكُوا بِهِ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ مِن حَيْثُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والمَسِيحَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
وقِيلَ: أشْرَكُوا بِالتَّبَنِّي واتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا وقِيلَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُخْلِصُونَ في الدُّعاءِ عِنْدَ الشِّدَّةِ ويُشْرِكُونَ إذا نَجَوْا مِنها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ وقِيلَ: هُمُ الثَّنَوِيَّةُ قالُوا بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ جَهَرُوا بِالإيمانِ وأخْفَوُا الكُفْرَ ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْبَلْخِيِّ وعَنِ الحَبْرِ أنَّهُمُ المُشَبِّهَةُ آمَنُوا مُجْمَلًا وكَفَرُوا مُفَصَّلًا وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ المُراؤُونَ بِأعْمالِهِمْ والرِّياءُ شِرْكٌ خَفِيٌّ وقِيلَ: هُمُ المُناظِرُونَ إلى الأسْبابِ المُعْتَمِدُونَ عَلَيْها وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُطِيعُونَ الخَلْقَ بِمَعْصِيَةِ الخالِقِ وقَدْ يُقالُ نَظَرًا إلى مَفْهُومِ الآيَةِ: إنَّهم مَن يَنْدَرِجُ فِيهِمْ كُلُّ مَن أقَرَّ بِاللَّهِ تَعالى وخالِقِيَّتِهِ مَثَلًا وكانَ مُرْتَكِبًا ما يُعَدُّ شِرْكًا كَيْفَما كانَ ومِن أُولَئِكَ عَبَدَةُ القُبُورِ النّاذِرُونَ لَها المُعْتَقِدُونَ لِلنَّفْعِ والضُّرِّ مِمَّنِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِهِ فِيها وهُمُ اليَوْمَ أكْثَرُ مِنَ الدُّودِ واحْتَجَتِ الكَرامِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ الإقْرارِ بِاللِّسانِ وفِيهِ نَظَرٌ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يقول: من أخبار ما غاب عنك علمه يا محمد نُوحِيهِ إِلَيْكَ يعني: ننزل عليك جبريل بالقرآن ليقرأه عليك وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ يعني: وما كنت عند إخوة يوسف إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ يعني: قولهم أن يطرحوا يوسف في البئر وَهُمْ يَمْكُرُونَ أي: يحتالون ليوسف.
ثم قال: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ في الآية تقديم ومعناه: وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت لعلم الله السابق فيهم.
ويقال: وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ.
يعني: من قدرت عليه الكفر، وعلمت أنه أهل لذلك، لا يؤمن بك.
ثم قال تعالى: وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني: على الإيمان يعني: إن لم يجيبوك، فلا تبال، لأنهم لا ينقصون من رزق ربك شيئاً إِنْ هُوَ يعني: ما هذا القرآن إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ من الجن والإنس.
قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ يعني: وكم من علامة فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: الشمس والقمر والنجوم، وفي الأرض الأمم الخالية، والأشياء التي خلقت في الأرض، يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ يعني: مكذبين، لا يتفكرون فيما قال.
ثم قال تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال ابن عباس: قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فهذا إيمان منهم.
ثم هم يشركون» .
وقال القتبي وهم في غيره مشركون، قد يكون في معان، فمن الإيمان تصديق ببعض، وتكذيب ببعض.
قال الله تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: 106] يعني: مقرون أن الله خالقهم، وهم مع ذلك يجعلون لله شريكاً.
وقال الضحاك: كانوا مشركين في تلبيتهم.
وقال عكرمة: يعلمون أنه ربهم، وهم مشركون به من دونه.
<div class="verse-tafsir"
ضمن ذلك الطعْنُ على مكذِّبيه، والضمير في لَدَيْهِمْ: عائد على إخوة يوسف، وأَجْمَعُوا: معناه: عزموا، و «الأمر» ، هنا: هو إِلقاء يوسُفَ في الجُبِّ، وحكى الطبري «١» عن أبي عمران الجَوْنِيِّ أَنه قال: واللَّه ما قَصَّ اللَّه نبأهم ليُعَيِّرَهُمْ إِنهم الأَنبياءُ مِنْ أَهْلَ الجَنَّة، ولكنَّ اللَّه قَصَّ علينا نبأهم لئلاَّ يَقْنَطَ عَبْدُهُ.
وقوله سبحانه: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ...
الآية خطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ...
الآية توبيخٌ للكفَرة، وإِقامةٌ للحُجَّةِ عليهم، ثم ابتدأ الإِخبَارَ عن كتابه العزيز أنه ذكْرٌ وموعظةٌ لجميعِ العالَمِ، نفعنا الله به، ووفّر حظنا منه.
وقوله سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: يعني ب الْآيَةَ هنا:
المخلوقاتُ المنصوبةُ للاعتبار الدالَّة على توحيد خالقها سبحانه، وفي مُصْحَفِ عبد اللَّه «٢» : «يَمْشُونَ/ عَلَيْهَا» .
وقوله سبحانه: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ: قال ابنُ عبَّاس: هي في أهْل الكتاب «٣» ، وقال مجاهد وغيره: هي في العَرَب «٤» ، وقيل: نزلَتْ بسبب قَوْل قُرَيْشٍ في الطَّوَافَ، والتلبيةِ: «لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ إِلاَّ شَرِيكاً هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ» ، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذا سَمِعَ أَحدَهُمْ يَقُولُ: لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، يَقُولُ له: قطْ قطْ، أي: قفْ هنا، ولا تَزِدْ: إِلا شريكاً هو لك، والغاشية: ما يغشى ويغطّي ويغمّ، وبَغْتَةً: أيْ: فجأة، وهذه الآية من قوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ، وإِن كانَتْ في الكفَّار، فإِن العصاة يأخُذُونَ من ألفاظها بحظٍّ ويكون الإِيمانُ حقيقة، والشّرك لغويّا، كالرياء، فقد قال
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، ثُمَّ في مَعْناها المُتَعَلِّقِ بِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ورازِقُهم وهم يُشْرِكُونَ بِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في تَلْبِيَةِ مُشْرِكِي العَرَبِ، كانُوا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى، يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم، ومَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ بِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، يُؤْمِنُونَ في الظّاهِرِ رِئاءَ النّاسِ، وهم في الباطِنِ كافِرُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وصَفَ المُشْرِكَ بِالإيمانِ ؟
فالجَواب: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَةَ الإيمانِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ أكْثَرَهم، مَعَ إظْهارِهِمُ الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ، مُشْرِكُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أكْثَرُ الناسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عنها مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللهِ أو تَأْتِيَهم الساعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ هاتانِ الآيَتانِ تَدُلّانِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهُما فِيها تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ ومُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ، كَأنَّهُ قالَ: فَإخْبارُكَ بِالغُيُوبِ دَلِيلٌ قائِمٌ عَلى نُبُوَّتِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ وإنْ كُنْتَ أنْتَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، أيْ: يُؤْمِنُ مَن شاءَ اللهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ حَرَصْتَ ﴾ اعْتِراضٌ فَصِيحٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما تَسْألُهُمْ ﴾ الآيَةَ، تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أيْ: ما أسْفَهَهم في أنْ تَدْعُوَهم إلى اللهِ دُونَ أنْ تَبْتَغِيَ مِنهم أجْرًا فَيَقُولُ قائِلٌ: بِسَبَبِ الأجْرِ يَدْعُوهُمْ، وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "وَما نَسْألُهُمْ" بِالنُونِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإخْبارَ عن كِتابِهِ العَزِيزِ أنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، نَفَعَنا اللهُ بِهِ، ووَفَّرَ حَظَّنا مِنهُ بِعِزَّتِهِ.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "وَكَأيِّنْ" بِهَمْزِ الألِفِ وشَدِّ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي كافُ التَشْبِيهِ اتَّصَلَتْ بِـ "أيٍّ"، ومَعْناها مَعْنى (كَمْ) في التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَكائِنْ" بِمَدِّ الألِفِ وهَمْزِ الياءِ، وهو مِنِ اسْمِ الفاعِلِ مِن "كانَ" فَهو كائِنٌ، ولَكِنَّ مَعْناهُ مَعْنى (كَمْ) أيْضًا.
وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ القِراءاتِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ ﴾ .
و"الآيَةُ" هُنا: المَخْلُوقاتُ المَنصُوبَةُ لِلِاعْتِبارِ، والحَوادِثُ الدالَّةُ عَلى اللهِ سُبْحانَهُ في مَصْنُوعاتِهِ، ومَعْنى ﴿ يَمُرُّونَ عَلَيْها ﴾ الآيَةَ: إذا جاءَ مِنها ما يُحَسُّ أو يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ لَمْ يَتَّعِظِ الكافِرُ بِهِ، ولا تَأمَّلَهُ، ولا اعْتَبَرَ بِهِ بِحَسَبَ شَهَواتِهِ وعَمَهِهِ، فَهو لِذَلِكَ- كالمُعْرِضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: تَمُرُّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها وَقَرَأ السُدِّيُّ: "والأرْضَ" بِالنَصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، والوَقْفُ -عَلى هَذا- في "السَمَواتِ"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: "يَمُرُّونَ"، وعَلى القِراءَةِ بِخَفْضِ "الأرْضِ" فَـ "يَمُرُّونَ" نَعْتٌ لِـ "الآيَةِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "والأرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْها".
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ ﴾ الآيَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ثُمَّ يُشْرِكُونَ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أو مِن حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي في كُفّارِ العَرَبِ، وإيمانُهم هو إقْرارُهم بِالخالِقِ والرازِقِ والمُمِيتِ، فَسَمّاهُ إيمانًا وإنْ أعْقَبَهُ إشْراكُهم بِالأوثانِ والأصْنامِ، فَهَذا الإيمانُ لُغَوِيٌّ فَقَطْ مِن حَيْثُ هو تَصْدِيقٌ ما.
وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ قُرَيْشٍ في الطَوافِ والتَلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ كانَ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: "لا شَرِيكَ لَكَ" يَقُولُ لَهُ: (قَطْ قَطْ)،» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكً".
و"الغاشِيَةُ": ما يَغْشى ويُغَطِّي ويَغُمُّ، وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "أو يَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً" بِالياءِ.
و"بَغْتَةً" مَعْناها: فَجْأةً، وذَلِكَ أصْعَبُ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ: "وَكَأيِّنْ" وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ بِحُكْمِ ما قَبْلَها، فَإنَّ العُصاةَ يَأْخُذُونَ مِن ألْفاظِها بِحَظٍّ، ويَكُونُ الإيمانُ حَقِيقَةً والشِرْكُ لُغَوِيًّا كالرِياءِ، فَقَدْ قالَ : « "الرِياءُ الشِرْكُ الأصْغَرُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ الآيَةَ، إشارَةٌ إلى دَعْوَةِ الإسْلامِ والشَرِيعَةِ بِأسْرِها، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: هَذا أمْرِي وسُنَّتِي ومِنهاجِي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ هَذا سَبِيلِي"، والسَبِيلُ: المَسْلَكُ، وتُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وكَذَلِكَ الطَرِيقُ.
وَ"البَصِيرَةُ": اسْمٌ لِمُعْتَقَدِ الإنْسانِ في الأمْرِ مِنَ الحَقِّ واليَقِينِ، والبَصِيرَةُ أيْضًا -فِي كَلامِ العَرَبِ -: الطَرِيقَةُ في الدَمِ، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "تَنْظُرُ في النَصْلِ فَلا تَرى بَصِيرَةً"، وبِها فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ: راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتِدٌ وأى يَصِفُ قَوْمًا باعُوا دَمَ ولِيِّهِمْ، فَكَأنَّ دَمَهُ حَصَلَتْ مِنهُ طَرائِقُ عَلى أكْتافِهِمْ إذْ هم مَوْسُومُونَ عِنْدَ الناسِ بِبَيْعِ ذَلِكَ الدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَصِيرَةُ في بَيْتِ الأشْعَرِ عَلى المُعْتَقَدِ الحَقِّ، أيْ: جَعَلُوا اعْتِقادَهم طَلَبَ النارِ وبَصِيرَتَهم في ذَلِكَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، كَما تَقُولُ: طَرَحَ فَلانٌ أمْرِي وراءَ ظَهْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ في "أدْعُوا"، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ كُلُّها أمّارَةً بِالمَعْرُوفِ داعِيَةً إلى اللهِ الكَفَرَةَ بِهِ والعُصاةَ.
و" سُبْحانَ اللهِ " تَنْزِيهٌ لِلَّهِ، أيْ وقُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقُلْ مُتَبَرِّئًا مِنَ الشِرْكِ.
ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ إلى آخِرِها كانَتْ مَرْقُومَةً عَلى راياتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴾ [يوسف: 103]، أي ليس إعراضهم عن آية حصول العلم للأمّي بما في الكتب السالفة فحسب بل هم معرضون عن آيات كثيرة في السماوات والأرض.
و ﴿ كأين ﴾ اسم يدل على كثرة العدد المبهم يبينه تمييز مجرور ب ﴿ من ﴾ .
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكأين من نبيء قاتل معه ربيون كثير ﴾ في سورة آل عمران (146).
والآية: العلامة، والمراد هنا الدالةُ على وحدانية الله تعالى بقرينة ذكر الإشراك بعدها.
ومعنى يمرون عليها } يرونها، والمرور مجاز مكنّى به عن التحقق والمشاهدة إذ لا يصح حمل المرور على المعنى الحقيقي بالنسبة لآيات السماوات، فالمرور هنا كالذي في قوله تعالى: ﴿ وإذا مروا باللغو مروُّا كراماً ﴾ [الفرقان: 72].
وضمير يمرون } عائد إلى الناس من قوله تعالى: ﴿ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴾ .
وجملة ﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ يمرون ﴾ أي وما يؤمن أكثر الناس إلا وهم مشركون، والمراد ب ﴿ أكثر الناس ﴾ أهل الشرك من العرب.
وهذا إبطال لما يزعمونه من الاعتراف بأن الله خالقهم كما في قوله تعالى: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ﴾ ، وبأن إيمانهم بالله كالعدم لأنهم لا يؤمنون بوجود الله إلا في تشريكهم معه غيره في الإلهية.
والاستثناء من عموم الأحوال، فجملة ﴿ وهم مشركون ﴾ حال من ﴿ أكثرهم ﴾ .
والمقصود من هذا تشنيع حالهم.
والأظهر أن يكون هذا من قبيل تأكيد الشيء بما يشبه ضده على وجه التهكم.
وإسناد هذا الحكم إلى ﴿ أكثرهم ﴾ باعتبار أكثر أحْوالهم وأقوالهم لأنهم قد تصدر عنهم أقوال خلية عن ذكر الشريك.
وليس المراد أن بعضاً منهم يؤمن بالله غير مشرك معه إلها آخر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ: اللَّهُ رَبُّنا وآلِهَتُنا تَرْزُقُنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ في المُنافِقِينَ يُؤْمِنُونَ في الظّاهِرِ رِياءً وهم في الباطِنِ كافِرُونَ بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: هو أنْ يُشَبِّهَ اللَّهَ تَعالى بِخَلْقِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ يُشْرِكُ في طاعَتِهِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لَوْلا اللَّهُ وفُلانٌ لَهَلَكَ فُلانٌ، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ.
الخامِسُ: أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ تَعالى ويَكْفُرُونَ بِمُحَمَّدٍ ، فَلا يَصِحُّ إيمانُهم.
حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ﴾ قال: هم بنو يعقوب، إذ يمكرون بيوسف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما كنت لديهم ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، يقول ﴿ ما كنت لديهم ﴾ وهم يلقونه في غيابة الجب ﴿ وهم يمكرون ﴾ بيوسف.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وكأين من آية ﴾ قال: كم من آية في السماء، يعني شمسها وقمرها ونجومها وسحابها.
وفي الأرض، ما فيها من الخلق والأنهار والجبال والمدائن والقصور.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة قال في مصحف عبد الله ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمشون عليها ﴾ والسماء والأرض آيتان عظيمتان.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ قال: سلهم من خلقهم، ومن خلق السموات والأرض؟؟...
فيقولون: الله.
فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ قال: كانوا يعلمون إن الله ربهم وهو خالقهم وهو رازقهم، وكانوا مع ذلك يشركون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ قال: إيمانهم، قولهم الله خلقنا وهو يرزقنا ويميتنا.
فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ قال: كانوا يشركون به في تلبيتهم، يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ قال: ذاك المنافق، يعمل بالرياء وهو مشرك بعمله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ قال المفسرون: لما سمع المشركون ما قبل هذه الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله الذي خلق هذه الأشياء، فأنزل الله هذه الآية.
قال ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) ﴿ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ يعني: إلا وهم جاعلون (٦) (٧) (٨) وقال ابن عباس (٩) وشرح ابن عباس (١٠) قال أبو علي الفارسي (١١) (١) الطبري 13/ 77، وابن أبي حاتم 7/ 2207، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 75، و"زاد المسير" 4/ 294.
(٢) الطبري 13/ 77، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2207.
(٣) الطبري 13/ 78، وعبد الرزاق 2/ 328، و"زاد المسير" 4/ 293.
(٤) الطبري 13/ 77، 78، والثعلبي 7/ 115 أ، و"زاد المسير" 4/ 293.
(٥) الطبري 13/ 77، 78، والثعلبي 7/ 115 ب، و"زاد المسير" 4/ 293.
(٦) في (ج): (عاجلون).
(٧) "معاني القرآن" 2/ 55.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 131.
(٩) الثعلبي 7/ 115 ب، و"زاد المسير" 4/ 294، والبغوي 4/ 283.
(١٠) الرازي 18/ 224.
(١١) "الحجة" 1/ 225.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب ﴾ احتجاج على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بإخباره بالغيوب ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تأكيداً لحجته والضمير لأخوة يوسف ﴿ إِذْ أجمعوا ﴾ أي عزموا ﴿ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ يعني فعلهم بيوسف ﴿ وَمَآ أَكْثَرُ الناس ﴾ عموم لأن الكفار أكثر من المؤمنين، وقيل أراد أهل مكة ﴿ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ اعتراض أي لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي لست تسألهم أجراً على الإيمان، فيثقل عليهم بسبب ذلك، وهكذا معناه حيث وقع ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ ﴾ يعني المخلوقات والحوادث الدالة على الله سبحانه ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ نزلت في كفار العرب الذي يقرون بالله ويعبدون معه غيره، وقيل: في أهل الكتاب لقولهم: عزير ابن الله والمسيح ابن الله ﴿ غاشية ﴾ هي ما يغشى ويعم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سبيلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ نوحي ﴾ بالنون وكسر الحاء: حفص.
الآخرون بالياء وفتح الحاء ﴿ يعقلون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وابن كثير والأعشى والبرجمي.
والباقون بتاء الخطاب.
﴿ كذبوا ﴾ مخففاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويزيد.
الباقون بالتشديد.
﴿ فنجي ﴾ بضم النون وكسر الجيم المشددة وفتح الياء: ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب.
فعلى هذا يكون فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول.
وعن الكسائي مثل هذا ولكن بسكون الياء.
وخطأه علي بن عيسى بناء على أنه فعل مستقبل من الإنجاء والنون لا يدغم في الجيم، أو من التنجية والنون المتحركة لا تدغم في الساكن.
وأقول: إن كان فعلاً ماضياً من التنجية والنون المتحركة لا تدغم كما في القراءة الأولى ولكن سكن الياء للتخفيف لم يلزم منه خطأ.
الآخرون: قرأوا بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء فعلاً مضارعاً من الإنجاء على حكاية الحال الماضية.
الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ أجر ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ القرى ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ط رمن قرأ ﴿ فننجي ﴾ بالتخفيف ولا وقف على ﴿ من نشاء ﴾ ومن قرأ ﴿ فنجي ﴾ مشددة وصله بما قبله ووقف على ﴿ من نشاء ﴾ ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نبأ يوسف هو من أخبار الغيب وقد مر تفسير مثل هذا في آخر قصة زكريا في سورة آل عمران.
ومعنى إجماع الأمر العزم عليه كما مر في سورة يونس في قصة نوح.
وأراد عزمهم على إلقاء يوسف في البئر وهو المكر بعينه وذلك مع سائر الغوائل من المجيء على قميصه بدم كذب ومن شراهم إياه بثمن بخس.
قال أهل النظم: إن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله على سبيل التعنت، فاعتقد رسول الله أنه إذا ذكرها فربما أمنوا فلما ذكرها لهم أصروا على كفرهم فنزل: ﴿ وما أكثر الناس ﴾ أي أكثر خلق الله المكلفين أو أكثر أهل مكة قاله ابن عباس.
﴿ ولو حرصت ﴾ جوابه مثل ما تقدم أي ولو حرصت فما هم ﴿ بمؤمنين ﴾ والحرص طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد ونظير الآية قوله: ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ ﴿ وما تسألهم عليه ﴾ على ما تحدثهم به ﴿ من أجر ﴾ كما سأل القاص ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ عظة من الله ﴿ للعالمين ﴾ عامة على لسان رسوله.
﴿ وكأين من آية ﴾ الأكثرون على أنه لفظ مركب من كاف التشبيه وأيّ التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية.
والتمييز عن الكاف لا عن أي كما في مثلك رجلاً، والأكثر إدخال "من" في تمييزه وقد مر في سورة البقرة في تفسير قوله : ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ }.
{الآية: 164] وفي مواضع أخر تفصيل بعض الآيات السماوية والأرضية الدالة على توحيد الصانع وصفات جلاله.
ومن جلمة الآيات قصص الأوّلين وأحوال الأقدمين.
ومعنى ﴿ يمرون عليها ﴾ أشياء يشاهدونها ﴿ وهم عنها معرضون ﴾ لا يعتبرون بها.
وقرىء ﴿ والأرض ﴾ بالرفع على الابتداء خبره ﴿ يمرون ﴾ والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر.
والحاصل أن جملة العالم العلوي والعالم السفلي محتوية على الدلائل والبينات على وجود الصانع ونعوت كماله ولكن الغافل يتعامى عن ذلك.
﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ وذلك أنهم كانوا مقرين بإلاله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ لكنهم كانوا يثبتون له شريكاً في المعبودية هو الأصنام ويقولون: هم الشفعاء.
وكان أهل مكة يقولون: الملائكة بنات الله.
وعن الحسن: هم أهل الكتاب يقولون عزير ابن الله والمسيح ابن الله.
وعن ابن عباس: هم الذين يشبهون الله بخلقه.
احتجت الكرامية بالآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار.
والجواب أن مجرد الإقرار لو كان كافياً لما اجتمع مع الشرك غاشية عقوبة تغشاهم وتغمرهم.
﴿ قل ﴾ يا محمد لهم ﴿ هذه ﴾ السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان ﴿ سبيلي ﴾ وسيرتي وقوله ﴿ أدعو إلى الله ﴾ تفسير لـ ﴿ سبيلي ﴾ و ﴿ على بصيرة ﴾ يتعلق بأدعوا و ﴿ أنا ﴾ تأكيد للمستتر في أدعو ﴿ ومن اتبعن ﴾ عطف عليه ويجوز أن يكون ﴿ على بصيرة ﴾ حالاً من أدعو عاملة في ﴿ أنا ومن اتبعن ﴾ ، ويجوز أن يكون ﴿ أنا ﴾ مبتدأ معطوفاً عليه و ﴿ من اتبعن ﴾ و ﴿ على بصيرة ﴾ خبراً مقدماً فيكون ابتداء إخبار بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان لا على هوى وتشهٍ ﴿ و ﴾ قل ﴿ سبحان الله ﴾ تنزيهاً له عما أشركوا ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ لا شركاً جلياً ولا شركاً خفياً.
قال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ وفي "الأنبياء" ﴿ قبلك ﴾ بغير "من" لأن قبلاً اسم للزمان السابق على ما أضيف إليه و"من" تفيد استيعاب الطرفين، وفي هذه السورة أريد الاستيعاب.
قوله: ﴿ إلا رجالاً ﴾ ردّ على من زعم أن الرسول ينبغي أن يكون ملكاً أو يمكن أن يكون امرأة مثل سجاح المتنبئة.
وقوله: ﴿ من أهل القرى ﴾ خصهم بالاستنباء لما في أهل البادية في الغلظ والجفاء ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ قال : "من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل" ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ﴾ إلى مصارع الأمم المكذبة إنما قال: ﴿ أفلم يسيروا ﴾ بالفاء بخلاف ما في "الروم" والملائكة لاتصاله بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ فكان الفاء أنسب من الواو ﴿ ولدار الآخرة ﴾ موصوفه محذوف أي ولدار الساعة والحال الآخرة لأن للناس حالين: حال الدنيا وحال الآخرة.
وبيان الخيرية قد مر في "الأنعام".
وإنما خصت ههنا بالحذف لتقدم ذكر الساعة.
قال في الكشاف: حتى غاية لمحذوف دل عليه الكلام والتقدير فتراخى نصر أولئك الرجال حتى إذا استيأسوا عن النصر أو عن إيمان القوم ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ فيه وجوه لقراءتي التخفيف والتشديد ولإمكان عود الضمير في الفعلين إلى الرسل أو إلى المرسل إليهم الدال عليهم ذكر الرسل أو السابق ذكرهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ وأما وجوه التخفيف فمنها: وظن الرسل أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو كذب رجاؤهم لقولهم رجاء صادق وكاذب.
والمراد أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله قد تطاولت وتمادت حتى توهموا أن لا نصر لهم في الدنيا.
قال ابن عباس: ظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر.
قال: وكانوا بشراً ألا تراً إلى قوله: ﴿ وزلزلوا ﴾ والعلماء حملوا قول ابن عباس على ما يخطر بالبال شبه الوسواس وحديث النفس من عالم البشرية.
وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجانبين على الآخر فلا، لأن الرسل أعرف الناس بالله وبأن ميعاده مبرأ عن وصمة الأخلاف.
ومنها وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر.
ومنها وظن المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليه ولم يصدقوهم فيه.
وأما قراءة التشديد فإن كان الظن بمعنى اليقين فمعناه أيقن الرسل أن الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر عنهم الإيمان بعد فحينئذ دعوا عليهم فهناك نزل عذاب الاستئصال، أو كذبوهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة عليهم.
وإن كان بمعنى الحسبان فالمعنى توهم الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا تأويل عائشة قالت: ما وعد الله محمداً شيئاً إلا وعلم أنه سيوفيه، ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم.
﴿ لقد كان في قصصهم ﴾ قصص الرسل إضافة للمصدر إلى الفاعل، ويحسن أن يقال: الضمير لإخوة يوسف وله لاختصاص هذه السورة بهم.
والعبرة نوع من الاعتبار وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، ووجه الاعتبار على العموم أن يعلم أنه لا خير إلا في العمل الصالح والتزوّد بزاد التقوى فإن الملوك الذي عمروا البلاد وقهروا العباد ثم لم يراعوا حق الله في شيء من ذلك ماتوا وانقرضوا وبقي الوزر والوبال عليهم.
وعلى الخصوص أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب وإعلاء شأنه بعد حبسه في السجن واجتماعه بأهله بعد طول البعاد قادر على إظهار محمد وإعلاء كلمته.
والكل مشترك في الدلالة على صدق محمد لأن هذا النوع من القصص الذي أعجز حملة الأحاديث ورواة الأخبار ممن لم يطالع الكتب ولم يخالط العلماء دليل ظاهر وبرهان باهر على أنه بطريق الوحي والتنزيل، وإنما يكون دليلاً واعتباراً ﴿ لأولي الألباب ﴾ وأصحاب العقول الذين يتأملون ويتفكرون لا الذين يمرون ويعرضون على أن الدليل دليل في نفسه للعقلاء وإن لم ينظر فيه مستدل قط كما أن الرئيس الحقيقي من له أهلية الرياسة وإن كان في نهاية الخمول ﴿ ما كان ﴾ مدلول القصص وهو المقصوص أو القرآن ﴿ حديثاً يفترى ﴾ لظهور إعجازه ﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية ﴿ وتفصيل كل شيء ﴾ يحتاج إليه في الدين لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس.
وقيل: تفصيل كل شيء من واقعة يوسف مع أبيه وإخوته قال الواحدي: وعلى التفسيرين فهو ليس على عمومه لأن المراد به الأصول والقوانين وما يؤل إليها ﴿ وهدى ﴾ في الدنيا ﴿ ورحمه ﴾ في الآخرة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بذلك.
التأويل: ﴿ من أنباء الغيب ﴾ لأن هذا الترتيب في السلوك لا يعلمه إلا الوالجون ملكوت السماء الغوّاصون في بحر بطن القرآن ﴿ وما كنت لديهم ﴾ بالصورة ولكن كنت حاضراً بالمعنى ﴿ وما أكثر الناس ﴾ وهم صفات الناسوتية ﴿ وما تسألهم عليه من أجر ﴾ لأن اللاهوتية غير محتاجة إلى الناسوتية وإن دعتها إلى الاستكمال لأنها كاملة في ذاتها مكملة لغيرها ﴿ وكأين من آية ﴾ في سموات القلوب وأرض النفوس تمر الأوصاف الإنسانية عليها ﴿ وهم عنها معرضون ﴾ لإقبالها على الدنيا وشهواتها ﴿ وما يؤمن ﴾ أكثر الصفات الإنسانية بطلب الله وتبدل صفاته ﴿ إلا وهم مشركون ﴾ في طلب الدنيا وشهواتها، أو طلب الآخرة ونعمها، أو وما يؤمن أكثر الخلق بالله وطلبه إلا وهم مشركون برؤية الإيمان والطلب أنها منهم لا من الله، فكل من يرى السبب فهو مشرك، وكل من يرى المسبب فهو موحد كل شيء هالك في نظر الموحد إلا وجهه، أو وما يؤمن أكثر الناس بالله وبقدرته وإيجاده إلا وهم مشركون في طلب الحاجة من غير الله ﴿ غاشية ﴾ جذبة تقهر إرادتهم.
وتسلب اختيارهم كما قيل: العشق عذاب الله ﴿ أو تأتيهم الساعة ﴾ ساعة الانجذاب إلى الله ﴿ هذه سبيلي ﴾ لأن طريق السير والسلوك مختص به وبأمته ﴿ إلا رجالاً من أهل قرى ﴾ الملكوت دون مدن الملك والأجساد، والرجال من القرى ويشبه أن يعبر عن عالم الأرواح بالقرى لبساطتها.
والقرى أقل أجزاء من المدن ﴿ أفلم يسيروا في ﴾ أرض البشرية على قدمي الشريعة والطريقة ليصلوا إلى فضاء عالم الحقيقة ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ ففي إبطاء النصر ابتلاء للرسل؛ الله حسبي ونعم الوكيل.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .
أي ما أكثر الناس بمؤمنين؛ ولو حرصت يا محمد أن يكونوا مؤمنين؛ كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ كان النبي بلغ من شفقته ورحمته على الخلق؛ ورغبته في إيمانهم؛ حتى كادت نفسه تهلك في ذلك؛ حيث قال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...
﴾ الآية [الشعراء: 3] وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ ﴾ ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ كان حرصه على إيمانهم بلغ ما ذكر؛ حتى خفف ذلك عليه بهذه الآيات.
وقال بعض أهل التأويل: قوله - -: ﴿ وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ ﴾ يعني أهل مكة، ﴿ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وهم كذلك؛ كانوا أكثرهم غير مؤمنين، وأهل مكة وغيرهم سواء كلهم؛ كذلك كانوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: [على] ما تبلغ إليهم وتدعوهم إلى طاعة الله؛ وجعل العبادة له؛ وتوجيه الشكر إليه؛ لا تسألهم على ذلك أجراً؛ فما الذي يمنعهم عن الإجابة لك فيما تدعوهم؛ والائتمار بأمرك؟!
هذا يدل أنه لا يجوز أخذ الأجر على الطاعات والعبادات؛ حيث نهى وأخبر أنه لا يسألهم على ما يبلغ إليهم أجراً، وهو لم يتولَّ تبليغ جميع ما أمر بتبليغه بنفسه إلى الخلق كافة، بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ...
﴾ الآية [سبأ: 28] ولكنه ولى بعضه غيره؛ كقوله: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب"؛ فإذا لم يجز له أخذ الأجر فيما يبلغ هو؛ فالذي كان مأموراً أن يبلغ عنه أيضاً لا يجوز أن يأخذ الأجر على ما يبلغ.
وفي قوله: ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ وجهان: أحدهما: أنه ليس يسألهم على الذي يبلغه إليهم ويدعوهم أجراً؛ حتى يمنع بذل ذلك وثقله عن الإجابة.
والثاني: إخبار أن ليس له أن يأخذ؛ وأن يجمع من الدنيا شيئاً؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...
﴾ الآية [طه: 131] ومعلوم أنه لا يمد عينيه إلى ما لا يحل؛ فيكون النهي عن أخذ المباح.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
أي هذا القرآن الذي تبلغهم ليس إلا ذكرى؛ وموعظة للعالمين، أو هو نفسه عظة وذكرى للعالمين؛ أعني: النبي .
وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ أي شرف وذكرى لمن اتبعه وقام به، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ أي منفعته تكون لمن اتبعه؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ...
﴾ الآية.
أي كم من آية في السماوات والأرض.
قال بعض أهل التأويل: الآيات التي في السماء مثل: الشمس والقمر والنجوم والسحاب؛ وأمثاله، والآيات التي في الأرض: من نحو: الجبال والأنهار والبحار والمدائن؛ ونحوها، لكن السماء نفسها آية، والأرض نفسها آية؛ وما يخرج منها من النبات آية.
﴿ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ .
أي: هم عنها معرضون عما جعلت من آيات؛ لأنها إنما جعلت آيات لوحدانية الله وألوهيته؛ فهم عما جعلت من آيات معرضون.
وبالله الهداية والعصمة.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ ﴾ أي: كم من آية دليل وعلامة على وحدانية الله؛ في خلق السماوات والأرض، وهو قريب مما ذكرنا.
وقال بعضهم: آيات السماء؛ ما ذكرنا من نحو الشمس والقمر والكواكب.
وآيات الأرض؛ فمثل آثار الأمم التي أهلكوا من قبل؛ من نحو قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط؛ وغيرهم؛ ممن قد أهلكوا؛ يمرون عليها ويرونها ولا يتعظون بهم.
والوجه فيه ما ذكرنا: أنهم معرضون عما جعلت تلك آيات؛ وإنما جعلت آيات لوحدانية الله وألوهيته، أو معرضون عن التفكر فيها والنظر إعراض معاندة ومكابرة.
ثم يحتمل الإعراض وجهين: أحدهما: أعرضوا: أي لم ينظروا فيها؛ ولم يتفكروا؛ ليدلهم على وحدانية الله وألوهيته؛ فهو إعراض عنها.
والثاني: نظروا وعرفوا أنها آيات [لوحدانية الله]؛ لكنهم أعرضوا عنها مكابرين معاندين، ليس في السماوات ولا في الأرض شيء - وإن لطف - إلا وفيه دلالة [على] وحدانية الله، وآية ألوهيته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: في الاعتقاد؛ أي: وما يؤمن أكثرهم بالله بأنه الإله؛ إلا وهم مشركون الأصنام والأوثان في التسمية، وسموها آلهة؛ كقوله - -: ﴿ قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً ﴾ .
والثاني: إشراك في الفعل؛ أي: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم عبدوا غيره؛ من الأصنام والأوثان، أو أن يكون ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ ﴾ بلسانهم ﴿ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ بقلوبهم أو يقول: وما يؤمن أكثرهم بالله في النعمة أنها من الله ؛ إلا وهم مشركون في الشكر له .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .
أي: كيف أمنوا أن يأتيهم عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة؛ وقد سمعوا إتيان العذاب بمن قبلهم وهلاكهم، وقد جاء ما يخوفهم إتيان الساعة؛ وخافوا عنها؛ وإن لم يعلموا بذلك حقيقة؛ لما تركوا العلم بها ترك معاندة ومكابرة؛ لا ترك ما لم يبين لهم؛ ومن لم يأت له التخويف والإعلام.
و ﴿ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ : قال أبو عوسجة - رحمه الله -: أي مجللة تغشيهم، ومنه قوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ ﴾ وهو ما يأتيهم العذاب من فوقهم.
وقال غيره: غاشية من عذاب الله: أي عذاب من عذاب الله ؛ وهو كقوله: ﴿ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ ﴾ ؛ يجب أن يكون أهل الإسلام معتبرين بقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا ﴾ ، وكذلك بقوله: ﴿ أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ وإن كانت الآيتان نزلتا فيهم؛ لأنهم يمرون بما ذكر من الآيات ولا يعتبرون بما ذكر، وكذلك يكون آمنين عن غاشية من عذاب الله .
<div class="verse-tafsir"
وما يؤمن أكثر الناس بالله أنه الخالق الرازق المحيي المميت إلا وهم يعبدون معه غيره من الأصنام والأوثان، ويدّعون أن له ولدًا، سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.90Ob3"