الآية ٥٢ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٥٢ من سورة يوسف

ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ ٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٢ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) تقول : إنما اعترفت بهذا على نفسي ، ذلك ليعلم زوجي أن لم أخنه في نفس الأمر ، ولا وقع المحذور الأكبر ، وإنما راودت هذا الشاب مراودة ، فامتنع; فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة ، ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) قال أبو جعفر: يعني بقوله: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)، هذا الفعل الذي فعلتُه، من ردّي رسول الملك إليه ، وتركي إجابته والخروج إليه ، ومسألتي إيّاه أن يسأل النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن عن شأنهن إذ قطعن أيديهن ، إنما فعلته ليعلم أني لم أخنه في زوجته ، " بالغيب "، يقول: لم أركب منها فاحشةً في حال غيبته عني .

(36) وإذا لم يركب ذلك بمغيبه ، فهو في حال مشهده إياه أحرى أن يكون بعيدًا من ركوبه ، كما:- 19421- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ،يقول يوسف: (ذلك ليعلم)، إطفير سيده ، (أني لم أخنه بالغيب)، أني لم أكن لأخالفه إلى أهله من حيث لا يعلمه.

19422 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)، يوسف يقوله.

19423- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) يوسف يقوله: لم أخن سيِّدي.

19424- ....قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)، قال يوسف يقوله.

19425 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)، قال: هذا قول يوسف.

19426- حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح ، في قوله: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)، قال هو يوسف، لم يخن العزيز في امرأته.

19427- حدِثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب " ، هو يوسف يقول: لم أخن الملك بالغيب.

* * * وقوله: (وأنَّ الله لا يهدي كيد الخائنين)، يقول: فعلت ذلك ليعلم سيدي أني لم أخنه بالغيب ، ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين)، يقول: وأن الله لا يسدّد صنيع من خان الأمانات ، ولا يرشد فعالهم في خيانتهموها .

(37) * * * واتصل قوله: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)، بقول امرأة العزيز: أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، لمعرفة السامعين لمعناه ، كاتصال قول الله: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ، بقول المرأة: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ، [ سورة النمل : 34 ] وذلك أن قوله: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ، خبر مبتدأ ، وكذلك قول فرعون لأصحابه في" سورة الأعراف "، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ، وهو متصل بقول الملأ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ [ سورة الأعراف : 110 ] .

(38) ---------------------- الهوامش: (36) انظر تفسير" الغيب" فيما سلف من فهارس اللغة ( غيب ) .

(37) انظر تفسير" الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .

وتفسير" الكيد" فيما سلف ص : 137 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .

(38) انظر ما سلف 13 : 20 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنينقوله تعالى : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب اختلف فيمن قاله ، فقيل : هو من قول امرأة العزيز ، وهو متصل بقولها : الآن حصحص الحق أي أقررت بالصدق ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي بالكذب عليه ، ولم أذكره بسوء وهو غائب ، بل صدقت وحدت عن الخيانة ; ثم قالت : وما أبرئ نفسي بل أنا راودته ; وعلى هذا هي كانت مقرة بالصانع ، ولهذا قالت : إن ربي غفور رحيم .

وقيل : هو من قول يوسف ; أي قال يوسف : ذلك الأمر الذي [ ص: 183 ] فعلته ، من رد الرسول ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب قاله الحسن وقتادة وغيرهما .

ومعنى بالغيب وهو غائب .

وإنما قال يوسف ذلك بحضرة الملك ، وقال : ليعلم على الغائب توقيرا للملك .

وقيل : قاله إذ عاد إليه الرسول وهو في السجن بعد ; قال ابن عباس : جاء الرسول إلى يوسف - عليه السلام - بالخبر وجبريل معه يحدثه ; فقال يوسف : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين أي لم أخن سيدي بالغيب ; فقال له جبريل - عليه السلام - : يا يوسف !

ولا حين حللت الإزار ، وجلست مجلس الرجل من المرأة ؟

!

فقال يوسف : وما أبرئ نفسي الآية .

وقال السدي : إنما قالت له امرأة العزيز ولا حين حللت سراويلك يا يوسف ؟

!

فقال يوسف : وما أبرئ نفسي .

وقيل : ذلك ليعلم من قول العزيز ; أي ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب ، وأني لم أغفل عن مجازاته على أمانته .وأن الله لا يهدي كيد الخائنين معناه : أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ذَلِكَ } الإقرار، الذي أقررت [أني راودت يوسف] { لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } يحتمل أن مرادها بذلك زوجها أي: ليعلم أني حين أقررت أني راودت يوسف، أني لم أخنه بالغيب، أي: لم يجر منِّي إلا مجرد المراودة، ولم أفسد عليه فراشه، ويحتمل أن المراد بذلك ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا الذي راودته، وأنه صادق أني لم أخنه في حال غيبته عني.

{ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } فإن كل خائن، لا بد أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بد أن يتبين أمره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك ) أي : ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك إليه ( ليعلم ) العزيز ( أني لم أخنه ) في زوجته ( بالغيب ) أي : في حال غيبته ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) قوله ذلك ليعلم من كلام يوسف اتصل بقول امرأة العزيز : أنا راودته عن نفسه ، من غير تميز ، لمعرفة السامعين .

وقيل : فيه تقديم وتأخير : معناه : ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم ؛ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب .

قيل : لما قال يوسف هذه المقالة ، قال له جبريل : ولا حين هممت بها ؟

فقال يوسف عند ذلك : وما أبرئ نفسي .

قال السدي : إنما قالت له امرأة العزيز : ولا حين حللت سراويلك يا يوسف ؟

فقال يوسف :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» أي طلب البراءة «ليعلم» العزيز «أني لم أخنه» في أهله «بالغيب» حال «وأن الله لا يهدي كيد الخائنين» ثم تواضع لله فقال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك القول الذي قلته في تنزيهه والإقرار على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالكذب عليه، ولم تقع مني الفاحشة، وأنني راودته، واعترفت بذلك لإظهار براءتي وبراءته، وأن الله لا يوفق أهل الخيانة، ولا يرشدهم في خيانتهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصلت امرأة العزيز حديثها فقال : ( ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين ) .أى : ذلك الذى قلته واعترفت به على نفسى من أنى راودته عن نفسه ، إنما قلته ليلعم يوسف أنى لم أخنه فى غيبته ، ولم أقل فيه شيئاً يسؤوه بعد أن فارقنى ، ولبث بعيدا عنى فى السجن بضع سنين ، وإنما أنا أقرر أمام الملك وحاشيته بأنه من الصادقين .

.

.وإنما قررت ذلك لأن الله - تعالى - لا يهدى كيد الخائنين ، أى : لا ينفذ كيدهم ولا يسدده ، بل يفضحه ويزهقه ولو بعد حين من الزمان .لذا فأنا التزمت الأمانة فى الحديث عنه ، وابتعدت عن الخيانة ، لأن الله - تعالى - لا يرضاها ولا يقبلها .فأنت ترى أن هذه المرأة التى شهدت على نفسها شهادة لا تبالى بما يترتب عليها بشأنها ، قد عللت شهادتها هذه بعلتين :إحداهما : كراهتها أن تخونه فى غيبته بعد أن فقد الدفاع عن نفسه وهو فى السجن ..وثانيتهما : علمها بأن الله - تعالى - لا يهدى كيد الخائنين ولا يسدده ، وإنما يبطله ويزهقه .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه لما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام استحسنه الملك فقال: ائتوني به، وهذا يدل على فضيلة العلم، فإنه سبحانه جعل علمه سبباً لخلاصه من المحنة الدنيوية، فكيف لا يكون العلم سبباً للخلاص من المحن الأخروية، فعاد الشرابي إلى يوسف عليه السلام قال أجب الملك، فأبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا بعد أن ينكشف أمره وتزول التهمة بالكلية عنه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوا لي ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: ﴿ ارجع إلى رَبّكَ ﴾ ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة وبادرتهم إلى الباب؛ ولما ابتغيت العذر إنه كان حليماً ذا أناة».

واعلم أن الذي فعله يوسف من الصبر والتوقف إلى أن تفحص الملك عن حاله هو اللائق بالحزم والعقل، وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو خرج في الحال فربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثرها، فلما التمس من الملك أن يتفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوسل بها إلى الطعن فيه.

الثاني: أن الإنسان الذي بقي في السجن اثنتي عشرة سنة إذا طلبه الملك وأمر بإخراجه الظاهر أنه يبادر بالخروج، فحيث لم يخرج عرف منه كونه في نهاية العقل والصبر والثبات، وذلك يصير سبباً لأن يعتقد فيه بالبراءة عن جميع أنواع التهم، ولأن يحكم بأن كل ما قيل فيه كان كذباً وبهتاناً.

الثالث: أن التماسه من الملك أن يتفحص عن حاله من تلك النسوة يدل أيضاً على شدة طهارته إذ لو كان ملوثاً بوجه ما، لكان خائفاً أن يذكر ما سبق.

الرابع: أنه حين قال للشرابي: ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ ﴾ فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن بضع سنين وهاهنا طلبه الملك فلم يلتفت إليه ولم يقم لطلبه وزناً، واشتغل بإظهار براءته عن التهمة، ولعله كان غرضه عليه السلام من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله، وكان هذا العمل جارياً مجرى التلافي لما صدر من التوسل إليه في قوله: ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ ﴾ ليظهر أيضاً هذا المعنى لذلك الشرابي، فإنه هو الذي كان واسطة في الحالتين معاً.

أما قوله: ﴿ وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرسول ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير والكسائي ﴿ فسله ﴾ بغير همز والباقون ﴿ رَبّكَ فَاسْأَلْهُ ﴾ بالهمز، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه ﴿ النسوة ﴾ بضم النون والباقون بكسر النون، وهما لغتان.

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف: أولها: أن معنى الآية: فسل الملك يأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براتي عن تلك التهمة، إلا أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا يشتمل اللفظ على ما يجري مجرى أمر الملك بعمل أو فعل.

وثانيها: أنه لم يذكر سيدته مع أنها هي التي سعت في إلقائه في السجن الطويل، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة.

وثالثها: أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عمل قبيح وفعل شنيع عند الملك، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله: ﴿ مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل.

ثم قال يوسف بعد ذلك: ﴿ إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ وفي المراد من قوله: ﴿ إِنَّ رَبّى ﴾ وجهان: الأول: أنه هو الله تعالى، لأنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور.

والثاني: أن المراد الملك وجعله رباً لنفسه لكونه مربياً وله وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالماً بكيدهن ومكرهن.

واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوهاً: أحدها: أن كل واحدة منهن ربما طمعت فيه، فلما لم تجد المطلوب أخذت تطعن فيه وتنسبه إلى القبيح.

وثانيها: لعل كل واحدة منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقة سيدته على مرادها، ويوسف علم أن مثل هذه الخيانة في حق السيد المنعم لا تجوز، فأشار بقوله: ﴿ إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ إلى مبالغتهن في الترغيب في تلك الخيانة.

وثالثها: أنه استخرج منهن وجوهاً من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف عليه السلام عند الملك فكان المراد من هذا اللفظ ذاك، ثم إنه تعالى حكى عن يوسف عليه السلام أنه لما التمس ذلك، أمر الملك بإحضارهن وقال لهن: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ﴾ وإن كانت صيغة الجمع، فالمراد منها الواحدة كقوله تعالى: ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ  ﴾ والثاني: أن المراد منه خطاب الجماعة.

ثم هاهنا وجهان: الأول: أن كل واحدة منهن راودت يوسف عن نفسها.

والثاني: أن كل واحدة منهن راودت يوسف لأجل امرأة العزيز فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه، وعند هذا السؤال ﴿ قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء ﴾ وهذا كالتأكيد لما ذكرن في أول الأمر في حقه وهو قولهن: ﴿ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

واعلم أن امرأة العزيز كانت حاضرة، وكانت تعلم أن هذه المناظرات والتفحصات إنما وقعت بسببها ولأجلها فكشفت عن الغطاء وصرحت بالقول الحق وقالت: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه شهادة جازمة من تلك المرأة بأن بوسف صلوات الله عليه كان مبرأ عن كل الذنوب مطهراً عن جميع العيوب، وهاهنا دقيقة، وهي أن يوسف عليه السلام راعى جانب امرأة العزيز حيث قال: ﴿ مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ فذكرهن ولم يذكر تلك المرأة ألبتة فعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية لحقها وتعظيماً لجانبها وإخفاء للأمر عليها، فأرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء واعترفت بأن الذنب كله كان من جانبها وأن يوسف عليه السلام كان مبرأ عن الكل، ورأيت في بعض الكتب أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر، فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى تتمكن الشهود من إقامة الشهادة، فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك، فإني مقر بصدقها في دعواها، فقالت المرأة لما أكرمتني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمتك من كل حق لي عليك.

المسألة الثانية: قال أهل اللغة: ﴿ حَصْحَصَ الحق ﴾ معناه: وضح وانكشف وتمكن في القلوب والنفوس من قولهم: حصحص البعير في بروكه، إذا تمكن واستقر في الأرض.

قال الزجاج: اشتقاقه في اللغة من الحصة، أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن قوله: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ كلام من؟

وفيه أقوال: القول الأول: وهو قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه السلام.

قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً  ﴾ وهذا كلام بلقيس.

ثم إنه تعالى قال: ﴿ وكذلك يَفْعَلُونَ ﴾ وأيضاً قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ  ﴾ كلام الداعي.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ﴾ بقي على هذا القول سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الغائب، والمراد هاهنا: الإشارة إلى تلك الحادثة الحاضرة.

والجواب: أجبنا عنه في قوله: ﴿ ذلك الكتاب  ﴾ وقيل: ذلك إشارة إلى ما فعله من رد الرسول كأنه يقول ذلك الذي فعلت من ردي الرسول إنما كان، ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب.

السؤال الثاني: متى قال يوسف عليه السلام هذا القول؟

الجواب: روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك قال ذلك ليعلم وإنما ذكره على لفظ الغيبة تعظيماً للملك عن الخطاب والأولى أنه عليه السلام إنما قال ذلك عند عود الرسول إليه لأن ذكر هذا الكلام في حضرة الملك سوء أدب.

السؤال الثالث: هذه الخيانة وقعت في حق العزيز فكيف يقول: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ .

والجواب: قيل المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيبة، وقيل إنه إذا خان وزيره فقد خانه من بعض الوجوه، وقيل إن الشرابي لما رجع إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن قال ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى يُحِبُّ الخائنين ﴾ ولعل المراد منه أني لو كنت خائناً لما خلصني الله تعالى من هذه الورطة، وحيث خلصني منها ظهر أني كنت مبرأ عما نسبوني إليه.

والقول الثاني: أن قوله: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ كلام امرأة العزيز والمعنى: أني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه عند غيبته، أي لم أقل فيه وهو في السجن خلاف الحق.

ثم إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول، وقالت: ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين ﴾ يعني أني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت وأنه لما كان بريئاً عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه.

قال صاحب هذا القول: والذي يدل على صحته أن يوسف عليه السلام ما كان حاضراً في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ ﴾ ففي تلك الحالة يقول يوسف: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية، ثم إن يوسف يقول ابتداء ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء ألبتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة.

المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على طهارة يوسف عليه السلام من الذنب من وجوه كثيرة: الأول: أن الملك لما أرسل إلى يوسف عليه السلام وطلبه فلو كان يوسف متهماً بفعل قبيح وقد كان صدر منه ذنب وفحش لاستحال بحسب العرف والعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة، لأنه لو كان قد أقدم على الذنب ثم إنه يطلبه من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة كان ذلك سعياً منه في فضيحة نفسه وفي تجديد العيوب التي صارت مندرسة مخفية والعاقل لا يفعل ذلك، وهب أنه وقع الشك لبعضهم في عصمته أو في نبوته إلا أنه لا شك أنه كان عاقلاً، والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه.

والثاني: أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته ونزاهته حيث قلن: ﴿ حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ  ﴾ وفي المرة الثانية حيث قلن: ﴿ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء ﴾ والثالث: أن امرأة العزيز أقرت في المرة الأولى بطهارته حيث قالت: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم  ﴾ وفي المرة الثانية في هذه الآية.

واعلم أن هذه الآية دالة على طهارته من وجوه: أولها: قول المرأة: ﴿ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

وثانيها: قولها: ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين ﴾ وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله: ﴿ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى  ﴾ .

وثالثها: قول يوسف عليه السلام: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال جبريل عليه السلام، ولا حين هممت، وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد، بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعياً منهم في تحريف ظاهر القرآن.

ورابعها: قوله: ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين ﴾ يعني أن صاحب الخيانة لابد وأن يفتضح، فلو كنت خائناً لوجب أن افتضح وحيث لم افتضح وخلصني الله تعالى من هذه الورطة، فكل ذلك يدل على أني ما كنت من الخائنين، وهاهنا وجه آخر وهو أقوى من الكل، وهو أن في هذا الوقت تلك الواقعة صارت مندرسة، وتلك المحنة صارت منتهية، فإقدامه على قوله: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ مع أنه خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة، وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلاً لا يليق بأحد من العقلاء، فكيف يليق إسناده إلى سيد العقلاء، وقدوة الأصفياء؟

فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على براءته مما يقوله الجهال والحشوية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ذلك لِيَعْلَمَ ﴾ من كلام يوسف، أي ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز ﴿ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ ﴾ بظهر الغيب في حرمته.

ومحل ﴿ بالغيب ﴾ الحال من الفاعل أو المفعول، على معنى: وأنا غائب عنه خفي عن عينه أو وهو غائب عني خفي عن عيني.

ويجوز أن يكون ظرفاً، أي بمكان الغيب، وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة ﴿ و ﴾ ليعلم ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين ﴾ لا ينفذه ولا يسدّده، وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها، وبه في خيانته أمانة الله حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه، ويجوز أن يكون تأكيداً لأمانته، وأنه لو كان خائناً لما هدى الله كيده ولا سدّده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ ما خَطْبُكُنَّ ﴾ قالَ المَلِكُ لَهُنَّ ما شَأْنُكُنَّ والخَطْبُ أمْرٌ يَحِقُّ أنْ يُخاطَبَ فِيهِ صاحِبُهُ.

﴿ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ وتَعَجَّبٌ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ عَفِيفٍ مِثْلِهِ.

﴿ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ مِن ذَنْبٍ.

﴿ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ إذا ألْقى مَبارِكَهُ لِيُناخَ قالَ: فَحَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفَناتِهِ.

.

.

وناءَ بِسَلْمى نَوْأةً ثُمَّ صَمَّما أوْ ظَهَرَ مِن حَصَّ شَعْرَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَتْ بَشْرَةُ رَأْسِهِ.

وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ قالَهُ يُوسُفُ لَمّا عادَ إلَيْهِ الرَّسُولُ وأخْبَرَهُ بِكَلامِهِنَّ أيْ ذَلِكَ التَّثَبُّتُ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ.

﴿ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ بِظَهْرِ الغَيْبِ وهو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ لَمْ أخُنْهُ وأنا غائِبٌ عَنْهُ، أوْ وهو غائِبٌ عَنِّي أوْ ظَرْفٌ أيْ بِمَكانِ الغَيْبِ وراءَ الأسْتارِ والأبْوابِ المُغْلَقَةِ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ﴾ لا يُنَفِّذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِي الخائِنِينَ بِكَيْدِهِمْ فَأوْقَعَ الفِعْلَ عَلى الكَيْدِ مُبالَغَةً.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِراعِيلَ في خِيانَتِها زَوْجَها وتَوْكِيدٌ لِأمانَتِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فقال يوسف {ذلك} أي امتناعي من الخروج والتثبت لظهور البرءاة {ليعلم} العزيز {أني لم أخنه بالغيب} بظهور الغيب فى حرمته وبالغيب حال ٨ من الفاعل أو المفعول على معنى وأنا غائب عنه أو وهو غائب عني أو ليعلم الملك أني لم أخن العزيز {وَأَنَّ الله} أي وليعلم أن الله {لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين} لا يسدده وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّثَبُّتِ مَعَ ما تَلاهُ مِنَ القِصَّةِ أجْمَعَ فَهو مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَهُ فَذْلَكَةً مِنهُ لِما نَهَضَ لَهُ أوَّلًا مِنَ التَّشَمُّرِ لِطَهارَةِ ذَيْلِهِ وبَراءَةِ ساحَتِهِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى ما وقَعَ مِن ذَلِكَ طِبْقَ الوُجُودِ مَعَ رِعايَةِ ما عَلَيْهِ دَأْبُ القُرْآنِ مِنَ الإيجازِ كَحَذْفِ فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فَأنْهاهُ مَقالَةَ يُوسُفَ فَأحْضَرَهُنَّ سائِلًا قالَ: ﴿ ما خَطْبُكُنَّ ﴾ إلَخْ، وكَذَلِكَ كَما قِيلَ في ﴿ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ ﴾ إلَخْ، وكَذَلِكَ هَذا أيْضًا لِأنَّ المَعْنى فَرَجَعَ إلَيْهِ الرَّسُولُ قائِلًا فَتَّشَ المَلِكُ عَنْ كُنْهِ الأمْرِ وبانَ لَهُ جَلِيَّةَ الحَقِّ مِن عِصْمَتِكَ وأنَّكَ لَمْ تَرْجِعْ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ بِمَسِّ مَلامٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ العَزِيزُ ﴿ أنِّي لَمْ أخُنْهُ ﴾ في حُرْمَتِهِ ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ بِظَهْرِ الغَيْبِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (يَعْلَمَ) لِلْمَلِكِ، وضَمِيرُ (أخُنْهُ) لِلْعَزِيزِ، وقِيلَ: لِلْمَلِكِ أيْضًا لِأنَّ خِيانَةَ وزِيرِهِ خِيانَةٌ لَهُ، والباءُ إمّا لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلظَّرْفِيَّةِ، وعَلى الأوَّلِ هو حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ أخُنْهُ ﴾ أيْ تَرَكْتُ خِيانَتَهُ وأنا غائِبٌ عَنْهُ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ وهو غائِبٌ عَنِّي وهُما مُتَلازِمانِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى الثّانِي فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ لِما عِنْدَهُ أيْ ﴿ لَمْ أخُنْهُ ﴾ بِمَكانِ الغَيْبِ وراءَ الأسْتارِ والأبْوابِ المُغْلَقَةِ، ويَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ أيْضًا ﴿ وأنَّ اللَّهَ ﴾ أيْ ولِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى.

﴿ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ﴾ أيْ لا يُنْفِذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ بَلْ يُبْطِلُهُ ويُزْهِقُهُ فَهِدايَةُ الكَيْدِ مَجازٌ عَنْ تَنْفِيذِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَهْدِي الخائِنِينَ بِسَبَبِ كَيْدِهِمْ فَأوْقَعَ الهِدايَةَ المَنفِيَّةَ عَلى الكَيْدِ وهي واقِعَةٌ عَلَيْهِمْ تَجَوُّزًا لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُهْدَ السَّبَبَ عُلِمَ مِنهُ عَدَمُ هِدايَةِ مُسَبِّبِهِ بِالطَّرِيقِ الأُولى، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأةِ العَزِيزِ في خِيانَتِها أمانَتَهُ، وبِهِ في خِيانَتِهِ أمانَةَ اللَّهِ تَعالى حِينَ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَما رَأوُا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِأمانَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مَعْنى لَوْ كُنْتُ خائِنًا لَما هَدى اللَّهُ تَعالى كَيْدِي ولا سَدَّدَهُ، وتُوهِمُ عِبارَةُ بَعْضِهِمْ عَدَمَ اجْتِماعِ التَّأْكِيدِ والتَّعْرِيضِ، والحَقُّ أنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ، وأرادَ بِكَيْدِهِ تَشَمُّرَهُ وثَباتَهُ ذَلِكَ، وتَسْمِيَتُهُ كَيْدًا عَلى فَرْضِ الخِيانَةِ عَلى بابِها حَقِيقَةٌ كَما لا يَخْفى، فَما في الكَشْفِ مِن أنَّهُ سَمّاهُ كَيْدًا اسْتِعارَةٌ أوْ مُشاكَلَةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ (يَعْلَمُ) و ﴿ لَمْ أخُنْهُ ﴾ لِلَّهِ تَعالى أيْ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنِّي لَمْ أعْصِهِ أيْ لِيُظْهِرَ أنِّي غَيْرُ عاصٍ ويُكْرِمَنِي بِهِ ويَصِيرُ سَبَبَ رَفْعِ مَنزِلَتِي، ولِيُظْهِرَ أنَّ كَيْدَ الخائِنِ لا يَنْفُذُ وأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُطِيعِ لا لِلْعاصِي فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ ﴾ ولَهُ نَظائِرُ أُخَرُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ وأمّا غَيْرُهُ فَلَمْ يَرِدْ في الكِتابِ العَزِيزِ، وفِيهِ نَوْعُ إيهامٍ التَّحاشِي عَنْهُ أحْسَنُ عَلى أنَّ المَقامَ لِما تَقَدَّمَ أدْعى.

(تَمَّ الجُزْءُ الثّانِيَ عَشَرَ ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّالِثَ عَشَرَ وأوَّلُهُ ﴿ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قالَ مَا خَطْبُكُنَّ- وذلك أن الملك أرسل إلى النسوة وجمعهن، ثم سألهنّ (١) فأخبرن الملك ببراءة يوسف فقال: قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ يعني: معاذ الله مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ يعني: ما رأينا منه شيئاً من الفاحشة، ولم يكن له ذنب.

فلما رأت امرأة العزيز، أن النسوة شهدن عليها، اعترفت على نفسها وأقرت بذلك، فذلك قوله تعالى: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ يعني: ظهر الحق ووضح، ويقال: استبان.

قال الزجاج: اشتقاقه في اللغة من الحصة أي: بانت حصة الحق وجهته من حصة الباطل ومن جهته أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ يعني: طلبت إليه أن يمكنني من نفسه وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ إنه لم يراودني، وهو صادق فيما قال ذلك اليوم حيث قال: هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى.

قال يوسف عند ذلك: إنما فَعَلَت ذلِكَ لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ يعني: لم أخنه في امرأته إذا غاب عني، فذلك قوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ يعني: لا يرضى عمل الزانين.

وروى إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح قال: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال: هو يوسف لم يخن العزيز في امرأته.

وروى عكرمة عن ابن عباس  : أنه لما قال يوسف ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ «قال له جبريل عند ذلك: ولا يوم هممت بما هممت به» .

قال يوسف  : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي يعني: من الهم الذي هممت به إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يعني: بالمعصية.

ويقال: القلب آمر للجسد بالسوء والإثم.

يقال في اللغة: إذا أمرت النفس بشيء، فهي آمرة، وإذا أكثرت الأمر يقال: هي أمارة.

فقال: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يعني: مائلة إلى الشهوات إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي أي: إلا من عصمه الله تعالى من المعصية إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ للهم الذي هممت به رَحِيمٌ حين تاب وعصمني وغفر لي (١) عزاه السيوطي: 4/ 545 إلى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وجمهور المفسِّرين، أي: يُمْطَرُون، وجائزٌ أنْ يكون من أغاثهم اللَّهُ: إِذا فَرَّجَ عنهم ومنه الغَوْث، وهو الفَرَجُ، وَفِيهِ يَعْصِرُونَ: قال جمهور المفسِّرين: هي من عَصْر النباتاتِ، كالزيتون، والعَنَبِ، والقَصَبِ، والسِّمْسِمِ، والفِجْلِ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصْرٍ لأشياء كثيرة.

وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)

وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ...

الآية: لمَّا رأى المَلِكُ وحاضروه نُبْلَ التَّعْبِير وحُسْنَ الرأْيِ، وتضمَّن الغيب في أمْر العامِ الثامِنِ، مع ما وُصِفَ به من الصِّدْق عَظُمَ يوسُفُ في نَفْس الملك، وقال: ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ: يعني: الملك، فَسْئَلْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وقصْدُه عَلَيْه السلام بيانُ براءته، وتحقُّق منزلته من العِفَّة والخَيْرِ، فرسَمَ القصَّة بطَرَف منها، إِذا وقع النظَرُ عَلَيْه، بان الأمْرُ كله، وَنَكَبَ عن ذِكْرِ امرأة العزيز حُسْنَ عِشْرةٍ ورعايةٍ لذِمَامِ مُلْك العزيز له، وفي «صحيح البخاري» ، عن عبد الرحمن/ بن القاسِمِ صاحبِ مَالِكٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ لُبْثَ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِي» «١» : المعنى: لو كُنْتَ أنا، لَبَادَرْتُ بالخروج، ثم حاوَلْتُ بيان عُذْرِي بَعْدَ ذلك وذلك أَنَّ هذه القصص والنوازل، إِنما هي معرَّضة ليقتدي النَّاسُ بها إِلى يوم القيامة، فأراد صلّى الله عليه وسلّم حَمْلَ الناسِ على الأحزمِ من الأمورِ وذلك أن التارِكَ لمِثْلِ هذه الفُرْصَة ربَّما نَتَجَ له بسَبَبِ التأخير خلاَفُ مقصوده، وإِن كان يوسف قد أَمِنَ ذلك بِعِلْمِهِ من اللَّه، فغيْرهُ من الناس لا يأمَنُ ذلك، فالحالة التي ذهب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه إِلَيْها حالَةُ حَزْمٍ ومدحٍ ليقتدى به، وما فعله يوسَفُ عليه السلام حالةُ صَبْرٍ وتجلُّد، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» : وانظر إِلى عظيمِ حلْمِ يوسُف عليه السلام وَوُفُورِ أدبه، كيف قال: ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، فذكر النساءَ جملةً لتدخُلَ فيهنَّ امرأة العزيزِ مدْخَلَ العمومِ بالتلويحِ دون التصريح.

انتهى.

وهذه كانت أخلاق نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، لا يقابل أحداً بمكروهٍ، وإِنما يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا» ، من غير تعيينٍ، وبالجملة فكلُّ خَصْلة حميدةٍ مذكُورَةٍ في القُرآنَ اتّصف بها الأنبياء والأصفياء، فقد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: " ذَلِكَ " بِمَعْنى هَذا.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ هَذا وذَلِكَ يَصْلُحانِ في هَذا المَوْضِعِ وأشْباهِهِ، لِقُرْبِ الخَبَرِ مِن أصْحابِهِ، فَصارَ كالمُشاهَدِ الَّذِي يُشارُ إلَيْهِ بِهَذا، ولَمّا كانَ مُتَقَضِّيًا، أمْكَنَ أنْ يُشارَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، لِأنَّ المُتَقَضِّي كالغائِبِ.

واخْتَلَفُوا في القائِلِ لِهَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُوسُفُ، وهو مِن أغْمَضِ ما يَأْتِي مِنَ الكَلامِ أنْ تَحْكِيَ عَنْ شَخْصٍ شَيْئًا ثُمَّ تَصِلَهُ بِالحِكايَةِ عَنْ آخَرَ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ  ﴾ هَذا قَوْلُ المَلَإ ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ قَوْلُ فِرْعَوْنَ ومِثْلُهُ ﴿ وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً  ﴾ هَذا قَوْلُ بِلْقِيسَ ﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى.

ومِثْلُهُ ﴿ مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا  ﴾ هَذا قَوْلُ الكُفّارِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ ﴾ وإنَّما يَجُوزُ مِثْلُ هَذا في الكَلامِ، لِظُهُورِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنى.

واخْتَلَفُوا، أيْنَ قالَ يُوسُفُ هَذا ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَمّا رَجَعَ السّاقِي إلى يُوسُفَ فَأخْبَرَهُ وهو في السِّجْنِ بِجَوابِ امْرَأةِ العَزِيزِ والنِّسْوَةِ لِلْمَلِكِ، قالَ حِينَئِذٍ: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَهُ بَعْدَ حُضُورِهِ مَجْلِسَ المَلِكِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْتُ مِن رَدِّي رَسُولَ المَلِكِ لِيَعْلَمَ.

واخْتَلَفُوا في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ لَمْ أخُنْهُ ﴾ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَزِيزُ، والمَعْنى: لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في امْرَأتِهِ ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ: إذا غابَ عَنِّي، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ المَلِكُ، والمُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَمْ أخُنْهُ ﴾ العَزِيزُ، والمَعْنى: لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنِّي لَمْ أخُنِ العَزِيزَ في أهْلِهِ بِالغَيْبِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِالشَّيْئَيْنِ، المَلِكُ، فالمَعْنى: لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ، يَعْنِي المَلِكَ أيْضًا، بِالغَيْبِ.

وَفِي وجْهِ خِيانَةِ المَلِكِ في ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِكَوْنِ العَزِيزِ وزِيرَهُ، فالمَعْنى: لَمْ أخُنْهُ في امْرَأةِ وزِيرِهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: لَمْ أخُنْهُ في بِنْتِ أُخْتِهِ، وكانَتْ أزْلِيخا بِنْتَ أُخْتِ المَلِكِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ اللَّهُ، فالمَعْنى لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَسَبَ العِلْمَ إلى اللَّهِ في الظّاهِرِ، وهو في المَعْنى لِلْمَخْلُوقِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكُمْ  ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ يُوسُفُ قالَ هَذا في مَجْلِسِ المَلِكِ، فَكَيْفَ قالَ: " لِيَعْلَمَ " ولَمْ يَقُلْ: لِتَعْلَمَ، وهو يُخاطِبُهُ ؟

فالجَوابُ: أنّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ حاضِرًا عِنْدَ المَلِكِ، فَإنَّما آثَرَ الخِطابَ بِالياءِ تَوْقِيرًا لِلْمَلِكِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِلْوَزِيرِ: إنْ رَأى الوَزِيرُ أنْ يُوقِّعَ في قِصَّتِي.

وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ غائِبًا، فَلا وجْهَ لِدُخُولِ التّاءِ، وكَذَلِكَ إنْ قُلْنا: إنَّهُ عَنى العَزِيزَ، والعَزِيزُ غائِبٌ عَنْ مَجْلِسِ المَلِكِ حِينَئِذٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ، فَعَلى هَذا يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في غَيْبَتِهِ الآنَ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ العَزِيزِ، والمَعْنى: لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ، فَلَمْ أغْفُلْ عَنْ مُجازاتِهِ عَلى أمانَتِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يُصَوِّبُ عَمَلَ الزُّناةِ، وقالَ غَيْرُهُ: لا يُرْشِدُ مَن خانَ أمانَتَهُ ويَفْضَحُهُ في عاقِبَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ﴾ قالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: هَذِهِ المَقالَةُ هي مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ سَيِّدِي أنِّي لَمْ أخُنْهُ في أهْلِهِ وهو غائِبٌ، ولِيَعْلَمَ أيْضًا أنَّ اللهَ تَعالى لا يَهْدِي كَيْدَ خائِنٍ ولا يَرْشُدُ سَعْيُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والهُدى لِلْكَيْدِ مُسْتَعارٌ، بِمَعْنى: لا يُكَلِّمُهُ ولا يُمْضِيهِ عَلى طَرِيقِ إصابَةٍ، ورُبَّ كَيْدٍ مَهْدِيٍّ إذا كانَ مَن تَقِيٍّ في مَصْلَحَةٍ.

واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الجَماعَةُ فَقالَ ابْنُ جُرَيْجَ: هَذِهِ المَقالَةُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ لِلرَّسُولِ: ﴿ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ  ﴾ وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ؛ فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هي إلى بَقائِهِ في السِجْنِ والتِماسِهِ البَراءَةَ، أيْ: هَذا لِيَعْلَمَ سَيِّدِي أنِّي لَمْ أخُنْهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما قالَ يُوسُفُ هَذِهِ المَقالَةَ حِينَ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ كَلامَها إلى قَوْلِها: ﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ  ﴾ ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا- إلى إقْرارِها وصَنِيعِ اللهِ تَعالى فِيهِ.

وهَذا يَضْعُفُ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي حُضُورَهُ مَعَ النِسْوَةِ عِنْدَ المَلِكِ، وبَعْدَ هَذا يَقُولُ المَلِكُ: ﴿ ائْتُونِي بِهِ  ﴾ .

وَقالَتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: هَذِهِ الآيَةُ مِن قَوْلِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وكَلامُها مُتَّصِلٌ، أيْ: قَوْلِي هَذا وإقْرارِي لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في غَيْبَتِهِ، بِأنْ أكْذِبَ عَلَيْهِ أو أرْمِيَهُ بِذَنْبٍ هو بَرِيءٌ مِنهُ، والتَقْدِيرُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: تَوْبَتِي وإقْرارِي لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ وأنَّ اللهَ لا يَهْدِي...

وعَلى أنَّ الكَلامَ مِن يُوسُفَ يَجِيءُ التَقْدِيرُ: ولِيَعْلَمَ أنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ظاهر نظم الكلام أن الجملة من قول امرأة العزيز، وعلى ذلك حمله الأقل من المفسرين، وعزاه ابن عطية إلى فرقة من أهل التأويل، ونُسب إلى الجبائي، واختاره الماوردي، وهو في موقع العلة لما تضمنته جملة ﴿ أنا راودته عن نفسه ﴾ [سورة يوسف: 51] وما عطف عليها من إقرار ببراءة يوسف عليه السّلام بما كانت رمتْه به.

فالإشارة بذلك إلى الإقرار المستفاد من جملة أنا راودته } أي ذلك الإقرار ليعلم يوسف عليه السّلام أني لم أخنه.

واللام في ﴿ ليعلم ﴾ لام كي، والفعل بعدها منصوب ب (أنْ) مضمرة، فهو في تأويل المصدر، وهو خبر عن اسم الإشارة.

والباء في ﴿ بالغيب ﴾ للملابسة أو الظرفية، أي في غيبته، أي لم أرمه بما يقدح فيه في مغيبه.

ومحل المجرور في محل الحال من الضمير المنصوب.

والخيانة: هي تهمتهُ بمحاولة السوء معها كذباً، لأن الكذب ضد أمانة القول بالحق.

والتعريف في ﴿ الغيب ﴾ تعريف الجنس.

تمدحت بعدم الخيانة على أبلغ وجه إذ نَفت الخيانة في المغيب وهو حَائلٌ بينه وبين دفاعه عن نفسه، وحالة المغيب أمكن لمريد الخيانة أن يخون فيها من حالة الحضرة، لأن الحاضر قد يتفطن لقصد الخائن فيدفع خيانته بالحجة.

و ﴿ أنّ الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ عطف على ﴿ ليعلم ﴾ وهو علة ثانية لإصداعها بالحق، أي ولأن الله لا يهدي كيد الخائنين.

والخبر مستعمل في لازم الفائدة وهو كون المتكلم عالماً بمضمون الكلام، لأن علة إقرارها هو علمها بأن الله لا يهدي كيد الخائنين.

ومعنى ﴿ لا يهدي كيد الخائنين ﴾ لا ينفذه ولا يسدده.

فأطلقت الهداية التي هي الإرشاد إلى الطريق الموصلة على تيسير الوصول، وأطلق نفيها على نفي ذلك التيسير، أي أن سنة الله في الكون جرت على أن فنون الباطل وإن راجت أوائلها لا تلبث أن تنقشع ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهقً ﴾ [سورة الأنبياء: 18].

والكيد: تقدم.

الجزء الثالث عشر <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ﴾ يَعْنِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي المَلِكَ.

﴿ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ وإنَّما تَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ طُولِ حَبْسِهِ لِيُظْهِرَ لِلْمَلِكِ عُذْرَهُ قَبْلَ حُضُورِهِ فَلا يَراهُ مُذْنِبًا ولا خائِنًا.

فَرَوى أبُو الزِّنادِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (يَرْحَمُ اللَّهُ يُوسُفَ إنَّهُ كانَ ذا أناةٍ لَوْ كُنْتُ أنا المَحْبُوسُ ثُمَّ أُرْسِلَ لَخَرَجْتُ سَرِيعًا)» .

وفي سُؤالِهِ عَنِ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ في سُؤالِهِ عَنْها ظِنَّةً رُبَّما صارَ بِها مُتَّهَمًا.

والثّانِي: صِيانَةً لَها لِأنَّها زَوْجُ المَلِكِ فَلَمْ يَتَبَذَّلْها بِالذِّكْرِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَهُنَّ دُونَها لِأنَّهُنَّ الشّاهِداتُ لَهُ عَلَيْها.

﴿ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ إنَّ اللَّهَ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ.

الثّانِي: أنَّ سَيِّدِي الَّذِي هو العَزِيزُ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ فَهَذا سُؤالُ المَلِكِ قَدْ تَضَمَّنَ تَنْزِيهَ يُوسُفَ لِما تَخَيَّلَهُ مِن صِدْقِهِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِ حَتّى لا تُسْرِعَ واحِدَةٌ مِنهُنَّ إلى التَّكَذُّبِ عَلَيْهِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ راوَدْتُنَّ ﴾ وإنْ كانَتِ المُراوَدَةُ مِن إحْداهُنَّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُراوَدَةَ كانَتْ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ وحْدَها فَجَمَعَهُنَّ في الخِطابِ وإنْ تَوَجَّهَ إلَيْها دُونَهُنَّ احْتِشامًا لَها.

الثّانِي: أنَّ المُراوَدَةَ كانَتْ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ.

﴿ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ فَشَهِدْنَ لَهُ بِالبَراءَةِ مِنَ السُّوءِ عَلى عِلْمِهِنَّ لِأنَّها شَهادَةٌ عَلى نَفْيٍ، ولَوْ كانَتْ شَهادَتُهُنَّ عَلى إثْباتٍ لَشَهِدْنَ قَطْعًا، وهَكَذا حُكْمُ اللَّهِ تَعالى في الشَّهاداتِ أنْ تَكُونَ عَلى العِلْمِ في النَّفْيِ، وعَلى القَطْعِ في الإثْباتِ.

﴿ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ مَعْناهُ: الآنَ تَبَيَّنَ الحَقُّ ووَضَحَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

وَأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حَصَّ شَعَرَهُ إذا اسْتَأْصَلَ قَطْعَهُ فَظَهَرَتْ مَواضِعُهُ ومِنهُ الحِصَّةُ مِنَ الأرْضِ إذا قُطِعَتْ مِنها.

فَمَعْنى حَصْحَصَ الحَقُّ أيِ انْقَطَعَ عَنِ الباطِلِ بِظُهُورِهِ وبَيانِهِ.

وَفِيهِ زِيادَةُ تَضْعِيفٍ دَلَّ عَلَيْها الِاشْتِقاقُ مِثْلُ قَوْلِهِ: (كَبَوْا، وكَبْكَبُوا) قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقالَ الشّاعِرُ: ألا مُبَلِّغٌ عَنِّي خِداشًا فَإنَّهُ كَذُوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحَقُّ ظالِمُ ﴿ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴾ وهَذا القَوْلُ مِنها وإنْ لَمْ تُسْألْ عَنْهُ إظْهارٌ لِتَوْبَتِها وتَحْقِيقٌ لِصِدْقِ يُوسُفَ ونَزاهَتِهِ لِأنَّ إقْرارَ المُقِرِّ عَلى نَفْسِهِ أقْوى مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ، فَجَمَعَ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ في إظْهارِ صِدْقِهِ الشَّهادَةَ والإقْرارَ حَتّى لا يُخامِرَ نَفْسًا ظَنٌّ ولا يُخالِجَها شَكٌّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ، يَعْنِي الآنَ في غَيْبِهِ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ وإضافَةِ السُّوءِ إلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ يُوسُفَ بَعْدَ أنْ عَلِمَ بِظُهُورِ صِدْقِهِ، وذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ عَنْهُ في زَوْجَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ﴾ مَعْناهُ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الخائِنِينَ بِكَيْدِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ فقال: «لو كنت أنا لأسرعت الاجابة وما ابتغيت العذر» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يرحم الله يوسف إن كان لذا أناة حليماً، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إليّ لخرجت سريعاً» .

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه- والله يغفر له- حيث أرسل إليه ليستفتى في الرؤيا، وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج، وعجبت من صبره وكرمه- والله يغفر له- أتى ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب، ولكنه أحب أن يكون له العذر» .

وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله أخي يوسف، لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس لأسرعت الإجابة، حين قال: ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ قال: أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما جمع الملك النسوة قال لهن: انتن راودتن يوسف عن نفسه؟

﴿ قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ﴾ قال يوسف: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ فغمزه جبريل عليه السلام فقال: ولا حين هممت بها؟

فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ قال: تبين.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد والسدي مثله.

وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن مردويه والديلمي، عن أنس رضي الله عنه.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال «لما قالها يوسف عليه السلام، قال له جبريل عليه السلام: يا يوسف، اذكر همك.

قال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: لما قال يوسف عليه السلام ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبريل عليه السلام: ولا يوم هممت بما هممت به؟

فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن عكرمة قال: لما قال يوسف عليه السلام ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال الملك- وطعن في جنبه- يا يوسف، ولا حين هممت؟

قال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم، عن حكيم بن جابر في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: قال له جبريل: ولا حين حللت السراويل؟

فقال عند ذلك ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: هو قول يوسف لمليكه حين أراه الله عذره.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن، فقال: ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم...

﴾ و ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال ابن جريج: وبين هذا وبين ذلك ما بينه، قال: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال يوسف- يقول- لم أخن سيدي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال هذا قول يوسف عليه السلام، لم يخن العزيز في امرأته.

قال: فقال له جبريل عليه السلام: ولا حين حللت السراويل؟

فقال يوسف عليه السلام ﴿ وما أبرئ نفسي...

﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: قال له جبريل عليه السلام: اذكر همك.

قال: ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ فقال له الملك أو جبريل: ولا حين هممت بها؟

فقال يوسف عليه السلام ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: فقال له الملك: ولا حين هممت؟

فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف عليه السلام قال له: اذكر ما هممت به.

قال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: خشي نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يكون زكى نفسه فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ قال: يعني همته التي هم بها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد العزيز بن عمير رضي الله عنه قال: النفس أمارة بالسوء، فإذا جاء العزم من الله، كانت هي التي تدعو إلى الخير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ ﴾ الآية، قال ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال الفراء (٦) ﴿ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ (٧) ﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً ﴾ إلى قوله ﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ (٨) ﴿ أَذِلَّةً ﴾ ثم قال الله: ﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ .

ومعنى قوله ﴿ ذَلِكَ ﴾ قال مقاتل (٩) (١٠) ﴿ ذَلِكَ ﴾ يصلحان في هذا الموضع وأشباهه، ونظيره قوله تعالى ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ وقد مر.

وقال آخرون (١١) قال الزجاج (١٢) واختلفوا متى قال هذا يوسف، فروى عطاء عن ابن عباس (١٣) (١٤) ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ أي الملك.

قال أبو بكر (١٥) وقوله تعالى: ﴿ لَمْ أَخُنْهُ ﴾ أي في امرأة (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقال الكلبي فيما رواه عن ابن عباس (٢٠)  - وهو في السجن: "ذلك ليعلم" أي العزيز "أني لم أخنه" في امرأته بالغيب.

وقال ابن جريج (٢١) (٢٢) ﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ ﴾ إلى قوله ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾ فرق بينهما.

قال أبو بكر بن الأنباري: فمن أخذ بهذا التفسير قال: العليم: الملك أو العزيز.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ أي: لا يرشد كيد من خان أمانته، يريد أنه في العاقبة بحرمان الهداية من الله -عز وجل-، والكلام خرج على الكيد ومعناه: الكائد، أي: لا يهدي الكائد الخائن، قال عامة المفسرين (٢٣) ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ ﴾ الآية، قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟، فقال يوسف: (١) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2157 كما في "الدر" 4/ 43، ومن طريق آخر أخرج الطبري 12/ 283، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في "الشعب" كما في "الدر" 4/ 43.

(٢) "زاد المسير" 16/ 141، القرطبي 9/ 209، الطبري 13/ 3.

(٣) الطبري 12/ 238، و"زاد المسير" 4/ 239.

(٤) الطبري 12/ 238، و"زاد المسير" 4/ 239، والقرطبى 9/ 259.

(٥) الطبري 12/ 238.

(٦) "معاني القرآن" 2/ 47.

(٧) الشعراء: 35.

(٨) النمل: 34.

(٩) "تفسير مقاتل" ص 155، و"زاد المسير" 4/ 238.

(١٠) "زاد المسير" 4/ 238.

(١١) الطبري 12/ 238، الثعلبي 7/ 88 أ.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 115.

(١٣) "زاد المسير" 4/ 239، الطبري 12/ 238 عكرمه عن ابن عباس.

(١٤) "زاد المسير" 4/ 239.

(١٥) "زاد المسير" 4/ 240.

(١٦) في (ج): (أمره) وهو قول ابن الأنباري كما في "زاد المسير" 4/ 239.

(١٧) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (تفسير سورة يوسف المحققة) 214، الثعلبي 7/ 88 أ.

(١٨) "زاد المسير" 4/ 239 وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة والجمهور، وذكره الثعلبي 7/ 88 أ.

(١٩) "معاني القرآن" 2/ 47.

(٢٠) "زاد المسير" 4/ 239، القرطبي 9/ 209.

(٢١) "زاد المسير" 4/ 239.

(٢٢) في (ب) بياض في موضع قوله (قبل أن).

(٢٣) الطبري 13/ 1 - 3، عن ابن عباس بن سعيد بن جبير وابن أبي الهذيل والحسن وأبي صالح وقتادة وعكرمة، الثعلبي 7/ 88 ب، البغوي 4/ 249، ابن عطية 7/ 536.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ قيل: إنه من كلام امرأة العزيز متصلاً بما قبله، والضمير في يعلم وأخنه على هذا ليوسف عليه السلام أي: ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال غيبته، والإشارة بذلك إلى توقفه عن الخروج من السجن حتى تظهر براءته ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي ﴾ اختلف أيضاً هل هو من كلام امرأة العزيز، أو من كلام يوسف، فإن كان من كلامها فهو اعتراف بعد الاعتراف، وإن كان من كلامه فهو اعتراف بما همْ به على وجه خطورة على قلبه، لا على وجه العزم والقصد، وقاله في عموم الأحوال على وجه التواضع ﴿ إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء ﴾ النفس هنا للجنس والنفوس ثلاثة أنواع: أمارة بالسوء، ولوّامة وهي التي تلوم صاحبها، ومطمئنة ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي ﴾ استثناء من النفس إذ هي بمعنى النفوس، أي الأنفس المرحومة وهي المطمئنة، فما على هذا بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون ظرفية أي إلا حين رحمة الله ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ أي: أجعله خاصتي وخلاصتي قال أولاً ائتوني به، فلما تبين له حاله قال: أستخلصه لنفسي ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ أي فلما رأى حُسن كلامه وعرف وفور عقله وعلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين، والمكين من التمكين، والأمين من الأمانة ﴿ قَالَ اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض ﴾ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبة منه في العدل وإقامة الحق والإحسان، وكان هذا الملك كافراً، ويستدل بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال، وقيل: إن الملك أسلم، وأراد بقوله خزائن الأرض: أرض مصر إذ لم يكن للملك غيرها، والخزائن كل ما يخزن من طعام ومال وغير ذلك ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ صفتان تعمان وجوه المعرفة والضبط للخزائن وقيل: حفيظ للحساب عليم بالألسن، واللفظ أعم من ذلك، ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جعل أمره وإذا كان في ذلك فائدة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ إني أراني أعصر ﴾ بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن كثير في ﴿ أراني ﴾ كليهما.

الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل: ﴿ نبينا ﴾ بغير همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ ترزقانه ﴾ مختلسة: الحلواني عن قالون ﴿ نبأتكما ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ ربي إني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ آبائي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ إني أرى ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ رؤياي ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة.

أبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم ﴿ للرؤيا ﴾ ممالة: عليّ، وأبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

﴿ لعلي أرجع ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو ﴿ دأبا ﴾ بفتح الهمزة: حفص.

الآخرون بالسكون ﴿ تعصرون ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعليّ وخلف والمفضل.

الباقون على الغيبة.

﴿ ما بال النسوة ﴾ بضم النون: الشموني والبرجمي ﴿ نفسي ﴾ ﴿ رحم ربي ﴾ بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ فتيان ﴾ ط ﴿ خمراً ﴾ ج فصلاً بين القضيتين مع اتفاق الجملتين ﴿ الطير منه ﴾ ط للعدول عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا.

﴿ نبئنا بتأويله ﴾ ج لاحتمال التعليل.

﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ أن يأتيكما ﴾ ط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ط ﴿ من سلطان ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ إلا إياه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ خمراً ﴾ ج فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين ﴿ من رأسه ﴾ ط لأن قوله: ﴿ قضى ﴾ جواب قولهما كذبنا وما رأينا رؤيا ﴿ تستفتيان ﴾ ط لاستئناف حكاية أخرى ﴿ عند ربك ﴾ ز ﴿ سنين ﴾ ه ط ﴿ يابسات ﴾ ط ﴿ تعبرون ﴾ ه ﴿ أحلام ﴾ ج للنفي مع العطف ﴿ بعالمين ﴾ ه ﴿ فأرسلون ﴾ ه ﴿ ياباسات ﴾ لا لتعلق "لعلى" ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ دأباً ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ تحصنون ﴾ ه ﴿ يعصرون ﴾ ه ﴿ ائتوني به ﴾ ج ﴿ أيديهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ز لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل.

﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ج للحذف أي عن السوء ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: تقدير الكلام فحبسوه ﴿ ودخل معه ﴾ أي مصاحباً له في الدخول ﴿ السجن فتيان ﴾ غلامان للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلاً عن أئمة التفسير أو استدلالاً برؤياهما المناسبة لحرفتهما.

رفع إلى الملك أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فأمر بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف ﴿ قال أحدهما إني أراني ﴾ أي في المنام لقولهما: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ وهو حكاية حال ماضية ﴿ أعصر خمراً ﴾ أي عنباً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.

وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب.

والضمير في قوله: ﴿ بتأويله ﴾ يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ عبارة الرؤيا.

وكان أهل السجن يقصون عليه رؤياهم فيؤوّلها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا.

وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا اصبرا تؤجروا.

فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟

فقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل إبراهيم.

فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت.

وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته.

وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ﴿ قال لا يأتيكما طعام ﴾ إلى آخره هذا ليس بجواب لهما ظاهراً وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يؤثق بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة.

أو أراد أن يبين علوّ مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم.

بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس مقصوراً على شيء دون غيره وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون  ﴾ أي أخبركما ﴿ قبل أن يأتيكما ﴾ أنه أي طعام هو وأيّ لون هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سماً أم لا.

فقد روي أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً مسموماً فأرسله إليه.

ثم قال: ﴿ ذلكما ﴾ أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ.

ثم بيّن سيرته وملته مشيراً فيه إلى أنه رسول من عند الله ومنبهاً على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على الكفر فقال: ﴿ إني تركت ﴾ أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير مظهر للتوحيد خوفاً منهم لأنه كان تحت أيديهم.

وإنما كررت لفظة "هم" تنبيهاً على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضاً بأن إيداعه السجن بعد معاينة الآيات الشاهدة على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد الإنكار.

والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: ﴿ من شيء ﴾ الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب وغيرهم ﴿ ذلك ﴾ التوحيد ﴿ من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة.

وعن بعضهم إنا لا نشكر الله على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ أراد يا صاحبي السجن كقوله "يا سارق الليلة" خصهما بهذا النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: ﴿ أصحاب النار  ﴾ فسبب التعييين أنهما استفتياه في بين الساكنين.

ثم أنكر عليهم عبارة الأصنام فقال: ﴿ أأرباب متفرقون ﴾ في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من اختلاف الأعراض والأبعاض ﴿ خير ﴾ إن فرض فيهم خير ﴿ أم الله الواحد القهار ﴾ لأن وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهاراً غالباً غير مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء ﴿ أنتم وآباؤكم ﴾ والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا أسماء فارغة عن المسميات ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ بتسميتها ﴿ من سلطان ﴾ أي حجة.

ثم لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ثم ذكر ما حكم به فقال: ﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ﴾ الثابت بالبراهين ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مبدأ المبادىء والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبوداً ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام بالاستقلال فعلاً وتأثيراً.

ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال: ﴿ أما أحدكما ﴾ يعني الشرابي ﴿ فيسقي ربه ﴾ سيده ﴿ خمرا ﴾ يروى أنه قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه.

وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك.

قوله: ﴿ قضي الأمر ﴾ قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالاً برؤياهما فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما.

وقيل: جحدا رؤياهما.

وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى.

﴿ وقال ﴾ يوسف ﴿ للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني.

والضمير في ﴿ ظن ﴾ إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعاً بنجاته فما المعنى للظن؟

وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية.

والأصح أنه قضي بذلك على سبيل ألبت والقطع لقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلكما مما علمني ربي ﴾ فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  ﴾ أما الضمير في قوله: ﴿ فأنساه الشيطان ﴾ فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان.

ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله  أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله  ، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين.

والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب.

والأكثرون على أن المراد في الآية سبع سنين.

وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين.

وعن النبي  : " رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن" وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، لأطيلن حبسك.

فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي.

قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة.

فقد روي أن النبي  لم يأخذه النوم ليلة من الليالي وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام.

وقال  حكاية عن عيسى  : ﴿ من أنصاري إلى الله  ﴾ ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن يوسف  عوتب على قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ لوجوه منها: أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء وقال: هل من حاجة؟

فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه.

ومنها أنه قال: ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ وهذا يقتضي نفي الشرك على الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

فقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ كالمناقض لهذا الكلام.

ومنها أنه قال: ﴿ عند ربك ﴾ ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب الدار ورب الغلام متسعملاً في كلامهم.

ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: ﴿ يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ﴾ ثم إنه  إذا أراد أمراً هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى ﴿ قالوا ﴾ إنها ﴿ أضغاث أحلام ﴾ ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها.

واعلم أن الله  خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من طريق الحواس،وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة،فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إل عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر.

ثم منها ما هي منتسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالأضغاث.

وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد يعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها.

ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: ﴿ إني أرى ﴾ حكاية حال ماضية.

وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع الوصف وصفاً للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا قيل سمان بالجر ليكون وصفاً لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولاً ثم يعلم من الوصف أن المميز بالجنس موصوف بالسمن.

والعجف هو الهزال الذل الذي ليس بعده هزال، والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه نقيضه.

وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: ﴿ وأخر يابسات ﴾ التقدير وسبعاً أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد.

وإنما لم يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده.

وقولهم "ثلاثة فرسان" و "خمسة أصحاب" لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله ﴿ وأخر ﴾ مجروراً عطفاً على ﴿ سنبلات ﴾ لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع بالسبع، وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في ﴿ للرؤيا ﴾ للبيان كما قلنا في ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين  ﴾ أو لأن عمل العامل فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر معموله، أو لأن قوله: ﴿ للرؤيا ﴾ خبر "كان" كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن مهن مستقل به و ﴿ تعبرون ﴾ خبر آخر أو حال أو لتضمن ﴿ تعبرون ﴾ معنى تنتدبون لعبارة الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر.

والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن الواحد قد يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار.

فالمراد هي حلم أضغاث أحلام.

وقد يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم "فلان يركب الخيل ويلبس العمائم" وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ولم يلبس إلا عمامة واحدة.

ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاماً أخر.

واللام في ﴿ الأحلام ﴾ اما للعهد كأنهم أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل الرؤيا.

ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وذلك قوله  : ﴿ واذكر ﴾ وأصله "اذتكر" قلبت التاء والذال كلاهما دالاً مهملة وأدغمت.

﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة.

وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة.

وقرىء ﴿ بعد أمه ﴾ بوزن عمه.

ومعنى ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ أخبركم به عمن عنده علمه ﴿ فأرسلون ﴾ إليه لأسلأله والخطاب للملك والجمع للتعظيم أو له وللملأ حوله.

والمعنى مروني باستعباره.

وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.

وههنا إضمار والمراد فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف ﴿ أيها الصديق ﴾ البليغ الكامل في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل.

وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ما يفيد المدح لمعلمه.

وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف باختلاف العبارات.

وقوله: ﴿ لعلي أرجع ﴾ فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من الموانع التي لا تحصى كثرة.

وكذا في قوله: ﴿ لعلهم يعلمون ﴾ فضلك ومكانك من العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر المعبرين وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا، و مثله في هذه السورة ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون  ﴾ .

﴿ قال ﴾ يوسف في جواب الفتوى ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ وهو خبر في معنى الأمر يفيد المبالغة في إيجاب أيجاد المأمور به.

قال في الكشاف: والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ وأقول: يمكن أن يكون قوله: ﴿ تزرعون ﴾ إخباراً عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، وقوله: ﴿ فما حصدتم ﴾ إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت.

و ﴿ دأباً ﴾ بتسكين الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه.

وانتصابه على الحال أي تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأباً.

وإنما أمرهم بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه السوس ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك ﴾ فيه دليل على أن ﴿ تزرعون ﴾ إخبار لا أمر ﴿ سبع ﴾ سنين ﴿ شداد ﴾ على الناس ﴿ يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون ﴿ إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ تحرزون وتخبؤن.

والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت ﴿ وفيه يعصرون ﴾ العنب والزيتون والسمسم.

وقيل: يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين.

ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن.

فقال المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي.

عن قتادة: زاده الله علم سنة.

وقيل: عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب.

والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال.

وأيضاً في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي.

ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: ﴿ ائتوني به ﴾ فجعل الله  علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه أن العلم سبب للخلاص في المحن الأخروية أيضاً.

﴿ فلما جاءه الرسول ﴾ وهو الشرابي فقال: أجب الملك ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ ما شأنهن وما حالهن ﴿ إن ربي ﴾ أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز الذي رباه ﴿ بكيدهن عليم ﴾ وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لعبد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه.

وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته عند العزيز حتى يرضى بسجنه.

ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش.

ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضاً فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا بالترغيب في الخيانة.

عن النبي  : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني.

ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة" قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك إلى تقبيح أمره عنده، وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .

﴿ قال ﴾ الملك بعد إحضار النسوة ﴿ ما خطبكن ﴾ ما شأنكن العظيم ﴿ إذ راودتن يوسف ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن أو إلى زليخا؟

قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم.

وقيل: خاطبهن جميعاً لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة العزيز.

﴿ قلن حاش لله ﴾ تعجباً من عفته ونزاهته ﴿ قالت امرأت العزيز ﴾ حين عرفت أن لا بد من الاعتراف ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض.

وقال الزجاج: اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.

أما قوله  : ﴿ ذلك ليعلم ﴾ إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول - وعليه الأكثرون - أنه حكاية قول يوسف.

قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به.

والإشارة إلى الحداثة الحاضرة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة.

وعن ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن عند عود الرسول إليه.

ومحل ﴿ بالغيب ﴾ نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو الاستتار وراء الأبواب المغلقة.

وقيل: هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟

وأجيب بأنه إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفي تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه خان حكم لله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائناً لم يهد الله كيده.

ولا يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من المرأة دليل على نزاهة يوسف  من كل سوء.

قال أهل التحقيق: إنه لما راعى حرمة سيدته في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي ﴾ دون أن يقول "ما بال زليخا" أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء الشهادة.

فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها.

فقالت المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه.

ولما كان قول يوسف  ذلك ليعلم جارياً مجرى تزكية النفس على الإطلاق أو في هذه الواقعة وقد قال  : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم  ﴾ أتبع ذلك قوله: ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لأمارة بالسوء ﴾ ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي.

وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله  وتسهيله وصرفه ﴿ إلا ما رحم ربي ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة: القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف  ما كان حاضراً في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن ﴿ وأن الله لا يهدي ﴾ فيه تعريض فأنها لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله منه ﴿ وما أبرىء نفسي ﴾ من الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قلت ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ أو حين أودعته السجن.

ثم إنها اعتذرت عما كان منها فقالت: ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ كنفس يوسف ﴿ إن ربي غفور رحيم ﴾ أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.

قال المحققون.

النفس الإنسانية شيء واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء.

وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة.

ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة.

وتمسكت الأشاعرة بقوله: ﴿ إلا ما رحم ﴾ ظاهراً لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه.

وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق.

التأويل: لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه.

والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني.

وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً ﴿ إني تركت ملة قوم ﴾ فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة ﴿ أما أحدكما فيسقي ربه ﴾ أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً ﴿ وأما الآخر ﴾ وهو البدن ﴿ فيصلب ﴾ بنخيل الموت ﴿ فيأكل ﴾ طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة ﴿ قضي ﴾ في الأزل هذا ﴿ الأمر ﴾ ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية.

ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان ﴾ هن الصفات المذكورة ﴿ يأكلهن سبع عجاف ﴾ هن أضدادها وهي: القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع ﴿ يا أيها الملأ ﴾ يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ أفتوني ﴾ فيما رأيت في غيب الملكوت ﴿ وما نحن بتأويل الأحلام ﴾ أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا ﴿ فأرسلون ﴾ فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات ولانفس فيما يفهم من لسان الغيب ﴿ أيها الصديق ﴾ لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ "حدثني قلبي عن ربي" قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ﴿ فذروه في سنبله ﴾ أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ﴿ إلا قليلاً ﴾ مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري.

ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان.

وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام ﴾ أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته.

ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ﴿ ما بال النسوة ﴾ لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله ﴿ قطعن أيديهن ﴾ من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ الذين يبيعون الدين بالدنيا.

ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة ﴿ فألهمها فجورها وتقواها  ﴾ وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ﴿ إن ربي غفور ﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿ رحيم ﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ ﴾ يعني: يوسف [فلما جاءه الرسول، قال: ﴿ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ : فيه دلالة أن قول يوسف] للرجل.

﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .

إنما طلب بذلك براءة نفسه فيما اتهم به، ليس كما قال أهل التأويل؛ لأنه لو كان غير ذلك لكان لا يرد الرسول إليه ولكنه خرج والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ .

يحتمل هذا من وجهين: أحدهما: أَهُنَّ على كيدهن بعدُ، أم رجعن عن ذلك؟

والثاني: ليعلم الملك براءته مما قرف به واتهم.

[ليظهر عنده أنه كان بريئاً مما قرف به واتهم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ .

إنهن كدن ثم قال لهن الملك: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ﴾ هذا يدل أن الملك قد علم أنهن راودن يوسف عن نفسه؛ لأنه قال: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ ﴾ ولم يقل لهن: أراودتن أم لا؟

ولكنه قطع القول فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .

بدأ بهن حتى أقررن أنه كان بريئاً ما قرف به واتهم، ثم أقرت امرأة الملك بعد ذلك لما أقر النسوة؛ فقالت: ﴿ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

قيل: الآن تبين الحق وتحقق.

﴿ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ في قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي  ﴾ .

وقوله: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ ما شأنكن وأمركن، والخطب: الشأن، وراودتن: قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ .

قيل: معاذ الله، وقيل: هي كلمة تنزيه وتبرئة من القبيح.

وقوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .

قال أهل التأويل: الزنا، ولكن قوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ هو السوء الذي قالت، ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا  ﴾ هو ذلك السوء قالت إنه أراده بها قلن ما علمنا منه ذلك.

وقوله: ﴿ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

قد ذكرناه أنه تبين وتحقق.

وفي قوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .

دلالة أن لم يكن منه ما قاله [أهل] التأويل من حلّ السراويل وغيره؛ لأنه لو كان منه ذلك لكُنّ قد علمن منه السوء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

قوله: ذلك الرد الذي كان منه وترك الإجابة لرسول الملك؛ حيث قال: ﴿ ٱئْتُونِي بِهِ ﴾ ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب؛ في أهله إذا غاب عني؛ ردّاً لقولها: ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ وتصديقاً لقوله؛ حيث قال: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي  ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ذلك ليعلم الله أني لم أخنه؛ يعني الزوج بالغيب، لكن هذا بعيد، إنه قد علم يوسف أن الله قد علم أنه لم يخنه بالغيب.

وقول أهل التأويل لما قال يوسف: ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ قال له الملك: ولا حين هممت ما هممت؟

فقال: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ ﴾ : هذا مما لا نعلمه.

وقد ذكرنا التأويل في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا  ﴾ ما يحل ويسع أن يتكلم به، وفساد تأويل أهل التأويل من الوجوه التي ذكرنا.

ومعنى قوله: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ .

أي: عصم ربي.

والله أعلم.

إنه لما قال ذلك؛ ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ؛ لما عصمني الله عن ذلك، ولو لم يكن عصمني لكنت أخونه ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ أي: [ما] عصم ربي؛ لأن النفس جبلت وطبعت على الميل إلى الشهوات واللذات، والهوى فيها والرغبة والتوقي عن المكروهات والشدائد؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ  وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا  فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ  فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  ﴾ أثبت للنفس الهوى وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها، هذا يدل أن قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ هو محبة الاختيار والإيثار في الدين لا ما تختار النفس وتؤثر، النفس أبداً تختار وتؤثر ما هو ألذّ وأشهى، وتنفر عن الشدائد والمكروهات، على هذا طبعت وجبلت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ ﴾ أي: [لا يجعل] فعل الكيد والخيانة هدى ورشداً، إنما يجعل فعل الكيد والخيانة ضلالا وغواية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ [أي: أجعله لنفسي خالصاً لحوائجي وأن يكون قوله: ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ ]: أصدر لرأيه وأطيع أمره، في هذا يقع استخلاصه إياه؛ ولذلك قال: ﴿ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ...

﴾ الآية لا أن يجعله لحاجة نفسه خالصاً دون الناس لا يشرك غيره فيه؛ دليله ما ذكر في حرف حَفْصَة (إنك اليوم لدينا مطاع أمين).

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ .

ولم يذكر فيه أنه أتى به، ولكن قال: فلما كلمه؛ فهذا يدل أنه قد أتى به وإن لم يذكر أنه أتى به؛ حيث قال: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ قيل: المكين: الوجيه، وقيل: المكين: الأمين المرضي عندنا والأمين على ما استأمناك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ ﴾ .

سأل هذا لما علم أنه ليس في وسعهم القيام بإصلاح ذلك الطعام، وعلم أنه لو ولي غيره الخزائن لم يعرف إنزال الناس منازلهم؛ في تقديم من يجب تقديمه، والقيام بحاجة الأحق من غيره.

وعلم أنه إليه يرجع، ويقع حوائج أكثر الناس، وبه قوام أبدانهم؛ فسأله ليقوم بذلك كله، وعلى يديه يجري.

ولذلك قال: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قال بعضهم: حفيظ لما وليت عليم بأمره.

وقيل: حفيظ أي: حاسب، عليم: أي بالألسن كلها.

وقيل: حفيظ لما في الأرض من غلة؛ عالم بها.

وعن ابن عباس  : حفيظ لما تحت يدي، عليم بالناس.

وقيل: حفيظ بصير بتقديره عالم بساعات الجوع حين يقع، إني حفيظ لما استحفظت عليم بحوائج الناس، أو عليم بتقديم الأحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: كما برأنا يوسف مما قرف به، وأظهرنا براءته منه؛ مكناه في الأرض حتى احتاج أهل نواحي مصر وأهل الآفاق إليه.

أو أن يقال: كما حفظناه وأنجيناه؛ مما قصد به إخوته من الهلاك؛ نمكن له في الأرض.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ ﴾ جوابه: كما مكنا ليوسف في الأرض بعدما أخرج من عليه الإيواء والضم، كذلك نمكنك في الأرض ونؤوي؛ بعدما أخرجك من عليه إيواؤك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ﴾ .

أي: ينزل منها حيث يشاء، أو يسكن منها حيث يشاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَتِنَا ﴾ سعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا  ﴾ .

ويحتمل ﴿ بِرَحْمَتِنَا ﴾ : أمر الدين من النبوة والعصمة، وهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يختص أحداً برحمته ولا يصيب من رحمته إنساناً دون إنسان، وعلى قولهم لم يكن من الله إلى رسول من الرحمة إلا وكان إلى إبليس مثله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

أي: لا نضيع أجر من أحسن صحبة الله في الدنيا والآخرة؛ أي نجزيه جزاء إحسانه أو يقول: ولا نضيع أجر من أحسن صحبة نعم الله وقبلها بالشكر له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

أي ثواب الآخرة وأجرها خير لهم من ثواب الدنيا وأجرها.

وقوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ .

صدقوا.

﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ الشرك.

أو ﴿ آمَنُواْ ﴾ صدقوا؛ ﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ المعاصي والفواحش.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالت امرأة العزيز: ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا الَّذي راودته، وأنه صادق أني لم أفترِ عليه في غيابه، فقد تبين لي مما حصل أن الله لا يوفق من يكذب ويمكر.

من فوائد الآيات من كمال أدب يوسف أنَّه أشار لحَدَث النسوة ولم يشر إلى حَدَث امرأة العزيز.

كمال علم يوسف  في حسن تعبير الرؤى.

مشروعية تبرئة النفس مما نُسب إليها ظلمًا، وطلب تقصّي الحقائق لإثبات الحق.

فضيلة الصدق وقول الحق ولو كان على النفس.

<div class="verse-tafsir" id="91.7wpZ0"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله