الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٦١ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦١ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أي : سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن ولا نبقي مجهودا لتعلم صدقنا فيما قلناه .
وذكر السدي : أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم .
وفي هذا نظر; لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرا ، وهذا لحرصه على رجوعهم .
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف ليوسف إذ قال لهم: ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ : قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ، ونسأله أن يخليّه معنا حتى نجيء به إليك (16) ، وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ يعنون بذلك: وإنا لفاعلون ما قلنا لك إنا نفعله من مراودة أبينا عن أخينا منه ولنجتهدنَّ كما:- 19469- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ، لنجتهدنّ.
* * * ---------------------- الهوامش: (16) انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص : 138 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى : قالوا سنراود عنه أباه أي سنطلبه منه ، ونسأله أن يرسله معنا .وإنا لفاعلون أي لضامنون المجيء به ، ومحتالون في ذلك .مسألة : إن قيل : كيف استجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه ؟
قيل له : عن هذا أربعة أجوبة : أحدها : يجوز أن يكون الله - عز وجل - أمره بذلك ابتلاء ليعقوب ، ليعظم له الثواب ; فاتبع أمره فيه .
الثاني : يجوز أن يكون أراد بذلك أن ينبه يعقوب على حال يوسف - عليهما السلام - .
الثالث : لتتضاعف المسرة ليعقوب برجوع ولديه عليه .
الرابع : ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته ; لميل كان منه إليه ; والأول أظهر .
والله أعلم .
فـ { قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ } دل هذا على أن يعقوب عليه السلام كان مولعا به لا يصبر عنه، وكان يتسلى به بعد يوسف، فلذلك احتاج إلى مراودة في بعثه معهم { وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ } لما أمرتنا
( قالوا سنراود عنه أباه ) أي : نطلبه ونسأله أن يرسله معنا ( وإنا لفاعلون ) ما أمرتنا به .
«قالوا سنراود عنه أباه» سنجتهد في طلبه منه «وإنا لفاعلون» ذلك.
قالوا: سنبذل جهدنا لإقناع أبيه أن يرسله معنا، ولن نقصِّر في ذلك.
وقوله - سبحانه - : ( قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ) حكاية لما رد به إخوة يوسف عليه .أى قال إخوة يوسف له بعد أن أكد لهم وجوب إحضار أخيهم لأبيهم معهم : ( سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ) أى : سنطلب حضوره معنا من أبيه برفق ولين ومخادعة ومحايلة ( وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ) هذه المراودة باجتهاد لا كلل ولا ملل معه وفاء لحقك علينا .وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على أنهم كانوا يشعرون بأن إحضار أخيهم لأبيهم معهم - وهو " بنيامين " الشقيق الأصغر ليوسف - ، ليس أمراً سهلاً أو ميسوراً ، وإنما يحتاج إلى جهد كبير مع أبيهم حتى يقنعوه بإرساله معهم .
اعلم أنه لما عم القحط في البلاد، ووصل أيضاً إلى البلدة التي كان يسكنها يعقوب عليه السلام وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه إن بمصر رجلاً صالحاً يمير الناس فاذهبوا إليه بدراهمكم وخذوا الطعام فخرجوا إليه وهم عشرة ودخلوا على يوسف عليه السلام وصارت هذه الواقعة كالسبب في اجتماع يوسف عليه السلام مع إخوته وظهور صدق ما أخبر الله تعالى عنه في قوله ليوسف عليه السلام حال ما ألقوه في الجب ﴿ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ وأخبر تعالى أن يوسف عرفهم وهم ما عرفوه ألبتة، أما أنه عرفهم فلأنه تعالى كان قد أخبره في قوله: ﴿ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ ﴾ بأنهم يصلون إليه ويدخلون عليه، وأيضاً الرؤيا التي رآها كانت دليلاً على أنهم يصلون إليه، فلهذا السبب كان يوسف عليه السلام مترصداً لذلك الأمر، وكان كل من وصل إلى بابه من البلاد البعيدة يتفحص عنهم ويتعرف أحوالهم ليعرف أن هؤلاء الواصلين هل هم إخوته أم لا فلما وصل إخوة يوسف إلى باب داره تفحص عن أحوالهم تفحصاً ظهر له أنهم إخوته، وأما أنهم ما عرفوه فلوجوه: الأول: أنه عليه السلام أمر حجابه بأن يوقفوهم من البعد وما كان يتكلم معهم إلا بالواسطة ومتى كان الأمر كذلك لا جرم أنهم لم يعرفوه لا سيما مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف، وكل ذلك مما يمنع من التأمل التام الذي عنده يحصل العرفان.
والثاني: هو أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيراً.
ثم إنهم رأوه بعد وفور اللحية، وتغير الزي والهيئة فإنهم رأوه جالساً على سريره، وعليه ثياب الحرير، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج من ذهب، والقوم أيضاً نسوا واقعة يوسف عليه السلام لطول المدة.
فيقال: إن من وقت ما ألقوه في الجب إلى هذا الوقت كان قد مضى أربعون سنة، وكل واحد من هذه الأسباب يمنع من حصول المعرفة، لا سيما عند اجتماعها، والثالث: أن حصول العرفان والتذكير بخلق الله تعالى، فلعله تعالى ما خلق ذلك العرفان والتذكير في قلوبهم تحقيقاً لما أخبره عنه بقوله: ﴿ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ وكان ذلك من معجزات يوسف عليه السلام.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ ﴾ قال الليث: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازهم للسفر، وكذلك جهاز العروس والميت وهو ما يحتاج إليه في وجهه.
قال: وسمعت أهل البصرة يقولون: الجهاز بالكسر.
قال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم، والكسر لغة ليست بجيدة، قال المفسرون: حمل لكل رجل منهم بعيراً وأكرمهم أيضاً بالنزول وأعطاهم ما احتاجوا إليه في السفر، فذلك قوله: ﴿ جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ ﴾ ثم بين تعالى أنه لما جهزهم بجهازهم قال: ﴿ ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ ﴾ .
واعلم أنه لابد من كلام سابق حتى يصير ذلك الكلام سبباً لسؤال يوسف عن حال أخيهم، وذكروا فيه وجوهاً: الوجه الأول: وهو أحسنها إن عادة يوسف عليه السلام مع الكل أن يعطيه حمل بعير لا أزيد عليه ولا أنقص، وإخوة يوسف الذين ذهبوا إليه كانوا عشرة، فأعطاهم عشرة أحمال، فقالوا: إن لنا أباً شيخاً كبيراً وأخاً آخر بقي معه، وذكروا أن أباهم لأجل سنه وشدة حزنه لم يحضر، وأن أخاهم بقي في خدمة أبيه ولا بد لهما أيضاً من شيء من الطعام فجهز لهما أيضاً بعيرين آخرين من الطعام فلما ذكروا ذلك قال يوسف فهذا يدل على أن أحب أبيكم له أزيد من حبه لكم، وهذا شيء عجيب لأنكم مع جمالكم وعقلكم وأدبكم إذا كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم دل هذا على أن ذلك أعجوبة في العقل، وفي الفضل والأدب فجيئوني به حتى أراه فهذا السبب محتمل مناسب.
والوجه الثاني: أنهم لما دخلوا عليه، عليه السلام وأعطاهم الطعام قال لهم: من أنتم؟
قالوا: نحن قوم رعاة من أهل الشام أصابنا الجهد فجئنا نمتار فقال: لعلكم جئتم عيوناً فقالوا معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد شيخ صديق نبي اسمه يعقوب قال: كم أنتم قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد وبقي واحد مع الأب يتسلى به عن ذلك الذي هلك، ونحن عشرة وقد جئناك قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخ لكم من أبيكم ليبلغ إلي رسالة أبيكم فعند هذا أقرعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده.
والوجه الثالث: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيداً فريداً؟
قالوا: ما تركناه وحيداً، بل بقي عنده واحد.
فقال لهم: لم استخلصه لنفسه ولم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟
فقالوا: لا.
بل لأجل أنه يحبه أكثر من محبته لسائر الأولاد فعند هذا قال يوسف لما ذكرتم أن أباكم رجل عالم حكيم بعيد عن المجازفة، ثم إنه خصه بمزيد المحبة وجب أن يكون زائداً عليكم في الفضل، وصفات الكمال مع أني أراكم فضلاء علماء حكماء فاشتاقت نفسي إلى رؤية ذلك الأخ فائتوني به، والسبب الثاني: ذكره المفسرون، والأول والثالث محتمل والله أعلم.
ثم إنه تعالى حكى عنه أنه قال: ﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل ﴾ أي أتمه ولا أبخسه، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم، وأنا خير المنزلين، أي خير المضيفين لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم.
وأقول: هذا الكلام يضعف الوجه الثاني وهو الذي نقلناه عن المفسرين، لأن مدار ذلك الوجه على أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم جواسيس، ولو شافههم بذلك الكلام فلا يليق به أن يقوم لهم: ﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين ﴾ وأيضاً يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقاً أن يقول لهم أنتم جواسيس وعيون، مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة، لأن البهتان لا يليق بحال الصديق.
ثم قال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ .
واعلم أنه عليه السلام لما طلب منهم إحضار ذلك الأخ جمع بين الترغيب والترهيب.
أما الترغيب: فهو قوله: ﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين ﴾ وأما الترهيب: فهو قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ وذلك لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى تحصيل الطعام، وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده، فإذا منعهم من الحضور عنده كان ذلك نهاية الترهيب والتخويف، ثم إنهم لما سمعوا هذا الكلام من يوسف قالوا: ﴿ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لفاعلون ﴾ أي سنجتهد ونحتال على أن ننزعه من يده، وإنا لفاعلون هذه المراودة، والغرض من التكرير التأكيد، ويحتمل أن يكون ﴿ وَإِنَّا لفاعلون ﴾ أن نجيئك به، ويحتمل ﴿ وَإِنَّا لفاعلون ﴾ كل ما في وسعنا من هذا الباب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ ﴾ سنخادعه عنه، وسنجتهد ونحتال حتى ننتزعه من يده ﴿ وَإِنَّا لفاعلون ﴾ وإنا لقادرون على ذلك لا نتعانى به، أو وإنا لفاعلون ذلك لا محالة لا نفرط فيه ولا نتوانى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ ﴾ أصْلَحَهم بِعِدَّتِهِمْ وأوْقَرَ رَكائِبَهم بِما جاءُوا لِأجْلِهِ، والجَهازُ ما يُعَدُّ مِنَ الأمْتِعَةِ لِلنَّقْلَةِ كَعُدَدِ السَّفَرِ وما يُحْمَلُ مِن بَلْدَةٍ إلى أُخْرى وما تُزَفُّ بِهِ المَرْأةُ إلى زَوْجِها وقُرِئَ « بِجِهازِهِمْ» بِالكَسْرِ.
﴿ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ ﴾ رُوِيَ: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالَ: مَن أنْتُمْ وما أمْرُكم لَعَلَّكم عُيُونٌ ؟
قالُوا: مَعاذَ اللَّهِ إنَّما نَحْنُ بَنُو أبٍ واحِدٍ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ صِدِّيقٌ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ كَمْ أنْتُمْ ؟
قالُوا كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ فَذَهَبَ أحَدُنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، قالَ: فَكَمْ أنْتُمْ ها هُنا قالُوا عَشَرَةٌ، قالَ: فَأيْنَ الحادِي عَشَرَ ؟
قالُوا: عِنْدَ أبِينا يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ، قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم.
قالُوا: لا يَعْرِفُنا أحَدٌ ها هُنا فَيَشْهَدُ لَنا قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتَوِنِي بِأخِيكم مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتْ شَمْعُونَ.
وقِيلَ كانَ يُوسُفُ يُعْطِي لِكُلِّ نَفَرٍ حِمْلًا فَسَألُوهُ حِمْلًا زائِدًا لِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ فَأعْطاهم وشَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوهُ بِهِ لِيَعْلَمَ صِدْقَهم.
﴿ ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ ﴾ أُتِمُّهُ.
﴿ وَأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ ﴾ لِلضَّيْفِ والمُضِيفِينَ لَهم وكانَ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم.
﴿ فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ ﴾ أيْ ولا تَقْرَبُونِي ولا تَدْخُلُوا دِيارِي، وهو إمّا نَهْيٌ أوْ نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى الجَزاءِ.
﴿ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ ﴾ سَنَجْتَهِدُ في طَلَبِهِ مِن أبِيهِ.
﴿ وَإنّا لَفاعِلُونَ ﴾ ذَلِكَ لا نَتَوانى فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
{قَالُواْ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ} سنخادعه عنه ونحتال حتى
يوسف (٦١ _ ٦٥)
تنزعه من يده {وَإِنَّا لفاعلون} ذلك لا محالة لا نفرط فيه ولا نتوانى قال فدعوا بعضكم هنا فتركوا عنده شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف
﴿ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ ﴾ أيْ سَنُخادِعُهُ ونَسْتَمِيلُهُ بِرِفْقٍ ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِزِّ المَطْلَبِ وصُعُوبَةِ مَنالِهِ ﴿ وإنّا لَفاعِلُونَ ﴾ .
(61) .
أيْ إنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ لا نَتَعايا بِهِ وإنّا لَفاعِلُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ ولا نُفَرِّطُ فِيهِ ولا نَتَوانى والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الأُولى ويُحَقِّقُ حُصُولَ المَوْعُودِ مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ أعْنِي الفِعْلَ عَلى السَّبَبِ أعْنِي القُدْرَةَ وعَلى الثّانِي هي تَحْقِيقٌ لِلْوَفاءِ بِالوَعْدِ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْعُودَ يَحْصُلُ أوَّلًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ يعني: سنطلب من أبيه أن يبعثه معنا وَإِنَّا لَفاعِلُونَ يعني: لصانعون ذلك فنطلبه من أبيه ليبعثه.
ويقال: وإنا لضامنون ذلك وَقالَ لِفِتْيانِهِ قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص لِفِتْيانِهِ بالألف والنون، وقرأ الباقون لِفِتَيْتِهِ.
فقال أهل اللغة: الفتيان والفتية بمعنى واحد، وهم الغلمان والخدم.
يعني: قال يوسف لغلمانه وقومه الذين يكيلون، يعني: الطعام واجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ يعني: دسوا دراهمهم في رحالهم.
يعني: في جواليقهم لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها يعني: يعرفون كرامتي عليهم إِذَا انْقَلَبُوا يعني: إذا رجعوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الثانية.
قال الفراء: فيها قولان.
أحدهما: أن يوسف خاف ألا يكون عند أبيهم دراهم، فجعل البضاعة في رحالهم لعلهم يرجعون، ولا يتأخرون عن الرجوع بسبب الدراهم.
والآخر: أنهم إذا عرفوا بضاعتهم وقد اكتالوا الطعام، ردوها عليه ولا يستحلون إمساكها، لأنهم أنبياء الله تعالى لا يستحلون إمساك مال الغير فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فيما نستقبل يعني: الحنطة، وأخبروه بالقصة قالوا: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا بنيامين نَكْتَلْ يعني: يشتري هو ويكيلون لنا وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من الضيعة حتى نرده إليك.
قرأ حمزة والكسائي يَكْتَلْ بالياء، وقرأ الباقون بالنون.
فمن قرأ بالياء، يعني: هو يكتال لنفسه، لأنهم كانوا لا يبيعون من كل رجل إلا وقراً واحداً.
ومن قرأ بالنون، فمعناه: أن الملك قد أخبر أنه لا كيل لنا في المستقبل، فلو أرسلته معنا، فإنا نكتال منه.
فلما أخبروه بذلك قالَ يعقوب هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ يعني: هل أئتمنكم عليه إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ يوسف مِنْ قَبْلُ ومعناه: هكذا قلتم لي في أمر يوسف، ولا أقدر أن آخذ عليكم من العهد أكثر ما أخذت عليكم في يوسف من قبل.
قرأ ابن مسعود: هل تحفظونه إلا كما حفظتم من قبل أخاه يوسف فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً منكم إن أرسلته معكم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ حين خلصه من الجوع ولا بد من أن أرسله.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص حافِظاً بالألف، وقرأ الباقون حفظا بغير ألف، والحافظ الاسم، والحفظ المصدر.
<div class="verse-tafsir"
يقع العدلُ، وجائزٌ أيضاً للمرء أنْ يُثْنِيَ على نفسه بالحقّ، إذا جهل أمره، والخزائن:
لفظٌ عامٌّ لجميع ما تختزنه المَمْلَكَة من طعامٍ ومالٍ وغيره.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ: الإِشارة ب «ذلك» إِلى جميع ما تقدَّم من جميلِ صنعِ اللَّه به، فروي أن العزيز ماتَ في تلك الليالي، وقال ابنُ إِسحاق: بل عَزَلَه المَلِكُ «١» ، ثم مات أظفير، فولاه المَلِكُ مكانَهُ، وَزَوَّجَه زوجَتَهُ، فلما دخَلَتْ علَيْه عَرُوساً، قال لها: أَلَيْسَ هذا خيراً مما كُنْتِ أردتِّ، فدخَلَ يوسُفُ بها، فَوَجَدَهَا بكْراً، وولَدَتْ له ولدَيْنِ، ورُوِيَ أيضاً أَنَّ الملك عزَلَ العزيزَ، وولَّى يوسُفَ موضعَهُ، ثم عظُمَ مُلْكُ يوسُفَ وتغلَّب على حالِ المَلِكِ أجمع، قال مجاهدٌ: وأسْلَمَ المَلِكِ آخِرَ أمْره «٢» ، ودَرَسَ أمر العزيز، وذهبتْ دنياه، وماتَ، وافتقرت زوجته، وشاخَتْ، فلما كان في بعض الأيامِ، لَقِيَتْ يوسُفَ في طريقٍ، والجنودُ حوله ووراءه، وعلى رأسه بُنُودٌ عليها مكتوبٌ:
هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: ١٠٨] فَصَاحَتْ به، وقالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ أَعَزَّ العبيدَ بالطَّاعةَ، وأذَلَّ الأربابَ بالمَعْصِيةِ، فعرفَهَا، وقالَتْ له: تَعَطَّفَ عَلَيَّ وارزقني شيئاً، فدعا لها، وكلَّمها، وأشفَقَ لحالها، ودعا اللَّه تعالى فرَدَّ عليها جمالَهَا، وتزوَّجها، ورُوِيَ في نحو هذا مِنَ القصص ما لا يُوقَفُ على صحَّته، ويطولُ الكلامُ بسَوْقه، وباقي الآية بيِّن واضحٌ للمستبصرين، ونورٌ وشفاءٌ لقلوب العارفين.
وقوله: «لِيُوسُفَ» : أبو البقاء: اللام زائدةٌ، أي: مَكَّنّا يُوسُفَ، ويجوز ألا تكون زائدة، فالمفعول محذوفٌ، أي: مكنا ليوسف الأمورَ.
انتهى.
وقوله عز وجل: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، قال السدِّيُّ «١» وغيره: سبب مجيئهم أنَّ المجاعة اتصلت ببلادِهِمْ، وكان النَّاس يمتارُونَ مِنْ عنْد يوسُف، وهو في رتبة العزيز المتقدِّم، وكان لا يعطي الوارد أكثر مِنْ حِملٍ بَعِيرٍ يُسَوِّي بين الناس، فلما ورد إِخوته، عَرَفَهم، ولم يَعْرفُوه لِبُعْدِ العهد وتغيُّر سنِّه، ولم يقعْ لهم بَسَبِب مُلْكه ولسانِهِ القبْطِيِّ ظنٌّ عليه، ورُوِيَ في بعض القصص، أنه لما عرفهم أراد أنْ يخبروه بجميعِ أمرهم، فباحَثَهُمْ بأنْ قال لهم بتَرْجُمَانٍ: «أُظنُّكُمْ جواسِيسَ» ، فاحتاجوا حينئذٍ إِلى التعريفِ بأنفسهم، فقالوا: نَحْنُ أبناءُ رجُلٍ صِدِّيقٍ، وكنا اثْنَيْ عَشَرَ ذهب منَّا واحدٌ في البَرِّيَّة، وبقي أصغرنا عنْدَ أبينا، وجئْنَا نَحْن للميرة، وسقنا بعير الباقي منَّا، وكنا عَشَرَةً، ولهم أحدَ عَشَرَ بعيراً، فقال لهم يوسف: ولِمَ تخلَّفَ أحدكم؟
قالوا: لمحبَّة أبينا فيه، قال:
فأتوا بهذا الأخِ حتى/ أعلم حقيقة قَوْلِكم، وأرَى لِمَ أحَبُّهُ أبوكم أَكْثَرَ منكم إِن كنتم صادقين، وروي في القصص أنهم وَرَدُوا مصْرَ واستأذنوا على العزيز، وانتسبوا في الاستئذان، فعرفَهُمْ، وأمر بإِنزالهم وأدخَلَهم في ثاني يومٍ على هيئة عظيمةٍ لمُلْكِه، وروي أنه كان متلثِّماً أبداً سَتْراً لجماله، وأنه كان يأخذ الصُّوَاع، فينقره، ويَفْهم منْ طنينه صدْقَ الحديثِ منْ كذبه، فَسُئِلوا عن أخبارهم، فكلَّما صدقوا، قال لهم يوسف: صَدَقْتم، فلما قالوا: وكَانَ لَنَا أخٌ أكله الذِّئب، أطنَّ يوسُفُ الصُّواع، وقال: كَذَبْتم، ثم تغيَّر لهم، وقال:
أراكُمْ جواسيسَ، وكلَّفهم سَوْقَ الأخ الباقي ليظهر صدْقُهم في ذلك في قصصٍ طويلٍ، جاءت الإِشارة إِليه في القرآن، «والجهاز» ما يحتاج إِليه المسافر من زَادٍ ومتاعٍ.
وقوله: بِأَخٍ لَكُمْ ص: نَكَّرَهُ، ليريهم أنه لا يعرفُهُ، وفَرْقٌ بين غلامٍ لك، وبين غلامِكَ، ففي الأول أنت جاهلٌ به، وفي الثاني أنْتَ عالمٌ، لأن التعريف به يفيدُ نَوْعَ عهدٍ في الغلامِ بَيْنَكَ وبين المخاطَب، انتهى.
وقول يوسف: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ...
الآية: يرغِّبهم في نفسه آخرا
ويؤنّسهم ويستميلهم، والْمُنْزِلِينَ: يعني: المُضِيفين، ثم توعَّدهم بقوله: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ، أي: في المستأنف، وروي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كَانَ يُوسُفُ يُلْقِي حَصَاةً في إِنَاءِ فِضَّةٍ مَخُوصٍ بالذَّهَبِ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الإِنَاءَ يُخْبِرُنِي أَنَّ لَكُمْ أَباً شَيْخاً» ، ورُوِيَ أنَّ ذلك الإِناء به كان يَكِيلُ الطعامَ، إِظهاراً لِعزَّته بحسب غَلاَئِهِ، وروي أن يوسُفَ استوفى في تلك السنين أمْوَالَ الناسِ، ثم أملاكَهم، وظاهر كُلِّ ما فعله يوسُفُ معهم أنَّه بوحْيٍ وأمْرٍ، وإِلا فَكَانَ بِرُّ يعقوب يقتضي أن يبادِرَ إِلَيْهِ ويستَدْعيه، لكنَّ اللَّه تَعَالى أَعلمه بما يَصْنَعُ ليكمل أجْرَ يعقوب ومِحْنته، وتتفسَّر الرؤيا الأُولى.
وقوله: لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها: يريد: لعلَّهم يعرفون لها يداً وتكرمةً يَرَوْنَ حقَّها فيرغبون في الرجوعِ إِلينا، وأما مَيْزُ البِضَاعة، فلا يُقَالُ فيه: «لَعَلَّ» وقيل: قصد يوسف بِرَدِّ البضاعة أنْ يتحرَّجوا مِنْ أخْذِ الطعامِ بِلا ثَمنٍ، فيرجعوا لدَفْعِ الثمنِ، وهذا ضعيفٌ من وجوهٍ، وسرُورُهُم بالبضَاعةِ، وقولهم: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا يكشف أنَّ يوسف لم يَقْصِدْ هذا، وإِنما قصد أنْ يستميلهم، ويصلهم، ويُظْهِر أَنَّ ما فعله يوسف من صلتهم وجَبْرهم في تِلْكَ الشِّدَّة كان واجباً عليه، وقيلَ: عَلِمَ عَدَمَ البضاعةِ والدَّراهمِ عند أبيه فرَدَّ البضاعة إِليهم لئِلاَّ يمنعهم العُدْمُ من الرجوعِ إِليه، وقيل: جعلها توطئةً لجعل السقاية في رَحْلِ أخيه بعد ذلك، ليبيِّن أنه لم يَسْرِقْ لمن يتأمَّل القصَّة، والظاهر منَ القصَّة أنه إِنما أَراد الاستئلاف وصِلَةَ الرحِمِ، وأصْلُ «نَكْتَلْ» : «نَكْتَئِل» ، وقولهم: مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ: ظاهره أنهم أشاروا إِلى قوله: فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي، فهو خوفٌ في المستأنفِ، وقيل: أشاروا إِلى بعيرِ يَامِينَ، والأولْ أرجَحُ، ثم تضمَّنوا له حِفْظَه وحَيْطَته، وقول يعقوبَ عليه السلام:
هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ ...
الآية: «هَلْ» توقيفٌ وتقريرٌ/ ولم يصرِّح بمنعهم مِنْ حمله لما رأَى في ذلك مِنَ المصلحة، لكنَّه أعلمهم بقلَّة طَمَأْنينَتِهِ إِليهم، ولكنْ ظاهر أمرهم أنهم قد أنابُوا إِلى اللَّه سُبْحانه، وانتقلَتْ حالهم، فلم يَخَفْ على يَامِينَ، كخوفه علَى يوسُفَ، وقرأ نافعٌ وغيره «١» : «خَيْرٌ حِفْظاً» ، وقرأ حمزة وغيره: «خَيْرٌ حَافِظاً» ، ونصب ذلك في القراءتين على التمييز والمعنى: أنَّ حفظ اللَّه خَيْرٌ من حفْظِكم، فاستسلم يعقوبُ عليه
السلام للَّهِ، وتوكَّل علَيْه، وقولهم: مَا نَبْغِي: يحتمل أنْ تكون «ما» استفهاما قاله قتادة: ونَبْغِي: من البُغْية، أي: ماذا نَطْلُبُ بَعْدَ هذه التَّكْرِمَة هذا مَالُنَا رُدَّ إِلينا مع مِيرَتِنا، قال الزَّجَّاج «١» : ويحتمل أنْ تكون «ما» نافية، أي: ما بقي لنا ما نَطْلُبُ، ويحتمل أن تكون أيضا نافية، ونَبْغِي من البَغْيِ، أي: ما تَعَدَّيْنا فَكَذَبْنا على هذا المَلِكِ، ولا في وَصْف إِجماله وإِكرامه، هذه البضاعةُ رُدَّت إِلينا، وقرأ أبو حَيْوة «٢» : «ما تَبْغِي» على مخاطبة يعقوبَ، وهي بمعنى ما تُرِيدُ، وما تطلب وقولهم: وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ يريدون بَعِيرَ أخيهم إِذ كان يوسُفُ إِنما حمل لهم عَشَرَةَ أَبْعِرَةٍ، ولم يحملِ الحادِيَ عشر لغيب صاحبه، وقولهم: ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ: قيل: معناه: يسيرٌ على يوسف أنْ يعطيه.
وقال السدِّيَّ: يَسِيرٌ، أي: سريع لاَ نُحْبَسُ فيه ولا نُمْطَلُ «٣» .
وقوله تعالى: فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ الآية: أي لمَّا عاهدوه، أشْهَدَ اللَّه بينه وبينهم بقوله: اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، و «الوكيلُ» : القيِّم الحافظُ الضَّامن.
وقوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ: لفظٌ عامٌّ لجميع وجوه الغَلَبة، وانظر أنَّ يعقوبَ عليه السلام قد توثَّق في هذه القصَّة، وأشْهَدَ اللَّه تعالى، ووصَّى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكُّله، فهذا توكُّل مع سبب، وهو توكُّل جميعِ المؤمنين إِلا مَنْ شَذَّ في رَفْض السعْي بالكليَّة، وقَنِعَ بالماء وبَقْلِ البَرِّيَّة، فتلك غايَةُ التوكُّل، وعليها بعضُ الأنبياء عليهم السلام، والشارعُونَ منهم مثبتون سُنَنَ التسبُّب الجائز، قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جَمْرَةَ رضي اللَّه عنه: وقد اشتمل القُرْآنَ على أَحكامٍ عديدةٍ، فمنها: التعلُّق باللَّه تعالَى، وتركُ الأسبابِ، ومنها: عمل الأسبابِ في الظاهِرِ، وخُلُوُّ الباطن من التعلُّق بها، وهو أجلُّها وأزكاها لأن ذلك جَمْعٌ بينَ الحكمَةِ وحقيقة التَّوْحيد، وذلك لا يكُونُ إِلا للأفذاذِ الذين مَنَّ اللَّه عليهم بالتوْفِيق ولذلك مَدَحَ اللَّه تعالى يعقوب عليه الصلاة والسلام في كتابه، فقال: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٦٨] لأنه عمل الأسباب، واجتهد/ في توفيتها، وهو مقتضَى الحكمةِ، ثم رَدَّ الأمر كلَّه للَّه تعالى، واستسلم إِليه، وهو حقيقةُ التَّوحيد، فقال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ...
الآية، فأثنى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ ﴾ أيْ: نَطْلُبُهُ مِنهُ، والمُراوَدَةُ: الِاجْتِهادُ في الطَّلَبِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنّا لَفاعِلُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: وإنّا لَجاؤُوكَ بِهِ، وضامِنُونَ لَكَ المَجِيءَ بِهِ، هَذا مَذْهَبُ الكَلْبِيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ تَوْكِيدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ، فَعَلى هَذا، يَكُونُ الفِعْلُ الَّذِي ضَمِنُوهُ عائِدًا إلى المُراوَدَةِ، فَيَصِحُّ مَعْنى التَّوْكِيدِ.
والثّالِثُ: وإنّا لَمُدِيمُونَ المُطالَبَةَ بِهِ لِأبِينا، ومُتابِعُونَ المَشُورَةَ عَلَيْهِ بِتَوْجِيهِهِ، وهَذا غَيْرُ المُراوَدَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ لِيُوسُفَ أنْ يَطْلُبَ أخاهُ، وهو يَعْلَمُ مافِي ذَلِكَ مِن إدْخالِ الحُزْنِ عَلى أبِيهِ ؟
فَعَنْهُ خَمْسَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِأمْرٍ عَنِ اللَّهِ تَعالى زِيادَةً لِبَلاءِ يَعْقُوبَ لِيَعْظُمَ ثَوابُهُ، وهَذا الأظْهَرُ.
والثّانِي: أنَّهُ طَلَبَهُ لا لِيَحْبِسَهُ، فَلَمّا عَرَفَهُ قالَ: لا أُفارِقُكَ يا يُوسُفُ، قالَ: لا يُمْكِنُنِي حَبْسُكَ إلّا أنْ أنْسِبَكَ إلى أمْرٍ فَظِيعٍ، قالَ: افْعَلْ ما بَدا لَكَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَصَدَ تَنْبِيهَ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ عَلى حالِ يُوسُفَ.
والرّابِعُ: لِيَتَضاعَفَ سُرُورُ يَعْقُوبَ بِرُجُوعِ ولَدَيْهِ.
والخامِسُ: لِيُعَجِّلَ سُرُورَ أخِيهِ بِاجْتِماعِهِ بِهِ قَبْلَ إخْوَتِهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأجْوِبَةِ مَدْخُولَةٌ، إلّا الأوَّلَ، فَإنَّهُ الصَّحِيحُ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوَيْنا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: لَمّا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ يُوسُفَ ويَعْقُوبَ، قالَ لَهُ: يَعْقُوبُ بَيْنِي وبَيْنَكَ هَذِهِ المَسافَةَ القَرِيبَةَ، ولَمْ تَكْتُبْ إلى تُعَرِّفُنِي ؟!
فَقالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ لا أُعَرِّفَكَ، فَقالَ لَهُ: سَلْ جِبْرِيلَ، فَسَألَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِذَلِكَ، فَقالَ: سَلْ رَبَّكَ، فَسَألَهُ، فَقالَ: قُلْ لِيَعْقُوبَ خِفْتَ عَلَيْهِ الذِّئْبَ، ولَمْ تُؤَمِّنِي ؟
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا سَنُراوِدُ عنهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ تَقَدَّمَ مَعْنى "المُراوَدَةُ"، أيْ: سَنُفائِلُ أباهُ في أنْ يَتْرُكَهُ يَأْتِي مَعَنا إلَيْكَ، ثُمَّ شَدَّدُوا هَذِهِ المَقالَةَ بِأنِ التَزَمُوها لَهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿ وَإنّا لَفاعِلُونَ ﴾ ، وأرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ المُبالَغَةَ في اسْتِمالَتِهِمْ بِأنْ رَدَّ مالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم في رَحْلِهِ بَيْنَ طَعامِهِ، وأمَرَ بِذَلِكَ فِتْيانَهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "لِفِتْيَتِهِ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِفِتْيانِهِ"، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَفِتْيانٌ لِلْكَثْرَةِ عَلى مُراعاةِ المَأْمُورِينَ، وفِتْيَةٌ لِلْقِلَّةِ عَلى مُراعاةِ المُتَناوِلِينَ وهُمُ الخَدَمَةُ، ويَكُونُ هَذا الوَصْفُ لِلْحُرِّ والعَبْدِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقالَ لِفِتْيانِهِ وهو يُكايِلَهُمْ".
وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها ﴾ يُرِيدُ: لَعَلَّهم يَعْرِفُونَ لَها يَدًا أو تَكْرِمَةً يَرَوْنَ حَقَّها فَيَرْغَبُونَ فِينا فَلَعَلَّهم يَرْجِعُونَ حِينَئِذٍ، وأمّا مَيْزُ البِضاعَةَ فَلا يُقالُ فِيهِ: "لَعَلَّ"، وقِيلَ: قَصَدَ يُوسُفُ بِرَدِّ البِضاعَةِ أنْ يَتَحَرَّجُوا مِن أخْذِ الطَعامِ بِلا ثَمَنٍ فَيَرْجِعُوا لِدَفْعِ الثَمَنِ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ، وسُرُورِهِمْ بِالبِضاعَةِ وقَوْلِهِمْ: ﴿ هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ﴾ يَكْشِفُ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَقْصِدْ هَذا، وإنَّما قَصَدَ أنْ يَسْتَمِيلَهم ويَصِلَهم فَيُرَغِّبُهم في نَفْسِهِ كالَّذِي كانَ.
وخَصَّ البِضاعَةَ دُونَ أنْ يُعْطِيَهم غَيْرَها مِنَ الأمْوالِ لِأنَّها أوقَعُ في نُفُوسِهِمْ؛ إذْ يَعْرِفُونَ حِلَّها، ومالُهُ هو إنَّما كانَ عِنْدَهم مالًا مَجْهُولَ الحالِ، غايَتَهُ أنْ يُسْتَجازَ عَلى نَحْوِ اسْتِجازَتِهِمْ قَبُولَ المِيرَةِ، ويُظْهِرَ أنَّ ما فَعَلَ يُوسُفُ مِن صِلَتِهِمْ وجَبْرِهِمْ في تِلْكَ الشِدَّةِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، إذْ هو مَلِكٌ عَدْلٌ، وهم أهْلُ إيمانٍ ونُبُوَّةٍ.
وقِيلَ: عَلِمَ عَدَمَ البِضاعَةِ والدَراهِمِ عِنْدَ أبِيهِ فَرَدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَمْنَعَهُمُ العَدَمُ مِنَ الِانْصِرافِ إلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَها تَوْطِئَةً لَجَعَلِ السِقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ لِمَن يَتَأمَّلُ القِصَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِنَ القِصَّةِ أنَّهُ إنَّما أرادَ الِاسْتِئْلافَ وصِلَةَ الرَحِمِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وابْنُ عامِرٍ: "نَكْتَلْ" بِالنُونِ عَلى مُراعاةِ: ﴿ مُنِعَ مِنّا ﴾ ، ويُقَوِّيهِ: ﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ﴾ "وَنَزْدادُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَكْتَلْ" بِالياءِ، أيْ: يَكْتَلْ يامِينُ كَما اكْتَلْنا، وأصْلُ "نَكْتَلْ": نَكْتَيِلْ، وزْنُهُ نَفْتَعِلُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ مُنِعَ مِنّا ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهم أشارُوا إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ﴾ فَهو مَنعٌ في المُسْتَأْنَفِ، وقِيلَ: أشارُوا إلى بَعِيرِ يامِينَ الَّذِي لَمَّ يَمْتَرْ، والأوَّلُ أرْجَحُ، ثُمَّ تَضَمَّنُوا لَهُ حِفْظَهُ وحِيطَتَهُ.
<div class="verse-tafsir"
طوى القرآن أخَرة أمر امرأةِ العزيز وحلولَ سني الخصب والادّخار ثم اعتراء سني القحط لقلة جدوى ذلكَ كله في الغرض الذي نزلت السورة لأجله، وهو إظهار ما يلقاه الأنبياء من ذويهم وكيف تكون لهم عاقبة النصر والحسنى، ولأنه معلوم حصوله، ولذلك انتقلت القصة إلى ما فيها من مصير إخوة يوسف عليه السلام في حاجة إلى نعمته، ومن جمع الله بينه وبين أخيه الذي يحبه، ثم بينه وبين أبويه، ثم مظاهر عفوه عن إخوته وصلته رحمهُ، لأن لذلك كله أثراً في معرفة فضائله.
وكان مجيء إخوة يوسف عليه السلام إلى مصر للمِيرة عند حلول القحط بأرض مصر وما جاورها من بلاد فلسطين منازل آل يوسف عليه السلام، وكان مجيئهم في السنة الثانية من سني القحط.
وإنما جاء إخوته عدا بنيامين لصغره، وإنما رحلوا للميرة كلهم لعل ذلك لأن التزويد من الطعام كان بتقدير يراعى فيه عدد الممتارين، وأيضاً ليكونوا جماعة لا يَطمع فيهم قطاع الطريق، وكان الذين جاءوا عشرة.
وقد عُرف أنهم جاءوا ممتارين من تقدم قوله: ﴿ قال اجعلني على خزائن الأرض ﴾ [يوسف: 55] وقوله الآتي: ﴿ ألا ترون أني أوفي الكيل ﴾ [سورة يوسف: 59].
ودخولهم عليه يدلّ على أنه كان يراقب أمر بيع الطعام بحضوره ويأذن به في مجلسه خشية إضاعة الأقوات لأن بها حياة الأمة.
وعرف يوسف عليه السلام إخوته بعد مضي سنين على فراقهم لقوة فراسته وزكانة عقله دونهم.
وجملة وهم له منكرون } عطف على جملة ﴿ فعرفهم ﴾ .
ووقع الإخبار عنهم بالجملة الإسمية للدلالة على أن عدم معرفتهم به أمر ثابت متمكن منهم، وكان الإخبار عن معرفته إياهم بالجملة الفعلية المفيدة للتجدد للدلالة على أن معرفته إياهم حصلت بحدثان رؤيته إياهم دون توسم وتأمل.
وقُرن مفعول ﴿ منكرون ﴾ الذي هو ضمير يوسف عليه السلام بلام التقوية ولم يقل وهم منكرونه لزيادة تقوية جهلهم بمعرفته.
وتقديم المَجرور بلام التقوية في ﴿ له منكرون ﴾ للرعاية على الفاصلة، وللاهتمام بتعلق نكرتهم إياه للتنبيه على أن ذلك من صنع الله تعالى وإلا فإن شمائل يوسف عليه السلام ليست مما شأنه أن يجهل وينسَى.
والجهاز بفتح الجيم وكسرها ما يحتاج إليه المسافر، وأوله ما سافر لأجله من الأحمال.
والتجهيز: إعطاء الجهاز.
وقوله: ﴿ ايئتوني بأخ لكم ﴾ يقتضي وقوع حديث منهم عن أن لهم أخا من أبيهم لم يحضر معهم وإلا لكان إنبَاء يوسف عليه السلام لهم بهذا يشعرهم أنه يكلمهم عارفاً بهم وهو لا يريد أن يكشف ذلك لهم.
وفي التوراة أن يوسف عليه السلام احتال لذلك بأن أوهمهم أنه اتهمهم أن يكونوا جواسيس للعدو وأنهم تبرأوا من ذلك فعرفوه بمكانهم من قومهم وبأبيهم وعدد عائلتهم، فما ذكروا ذلك له أظهر أنه يأخذ أحدهم رهينة عنده إلى أن يرجعوا ويأتوا بأخيهم الأصغر ليصدّقوا قولهم فيما أخبروه، ولذلك قال: ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ﴾ .
و ﴿ من أبيكم ﴾ حال من (أخ لكم) أي أُخُوّته من جهة أبيكم، وهذا من مفهوم الاقتصار الدال على عدم إرادة غيره، أي من أبيكم وليس من أمكم، أي ليس بشقيق.
والعدول عن أن يقال: ايئتوني بأخيكم من أبيكم، لأن المراد حكاية ما اشتمل عليه كلام يوسف عليه السلام من إظهار عدم معرفته بأخيهم إلا من ذِكرهم إياه عنده، فعدل عن الإضافة المقتضية المعرفة إلى التنكير تنابهاً في التظاهر بجهله به.
﴿ ولا تقربون ﴾ أي لا تعودوا إلى مصر، وقد علم أنهم لا يتركون أخاهم رهينة.
وقوله: ﴿ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ ترغيب لهم في العود إليه؛ وقد عَلم أنهم مضطرون إلى العود إليه لعدم كفاية الميرة التي امتاروها لعائلة ذات عدد من النّاس مثلهم، كما دل عليه قولهم بعد ﴿ ذلك كيل يسير ﴾ [سورة يوسف: 65].
ودل قوله: خير المنزلين } على أنه كان ينزل الممتارين في ضيافته لكثرة الوافدين على مصر للميرة.
والمُنْزل: المُضيف.
وهذه الجملة كناية عن الوعد بأن يوفي لهم الكيل ويكرم ضيافتهم إن أتوا بأخيهم.
والكيل في الموضعين مرادٌ منه المصدر.
فمعنى ﴿ فلا كيل لكم عندي ﴾ أي لا يكال لكم، كناية عن منعهم من ابتياع الطعام.
﴿ قَالُواْ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لفاعلون ﴾ وعْد بأن يبذلوا قصارى جهدهم في الإتيان بأخيهم وإشعار بصعُوبة ذلك.
فمعنى ﴿ سنراود عنه أباه ﴾ سنحاول أن لا يشح به، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ﴾ [سورة يوسف: 24].
وجملة وإنا لفاعلون} عطف على الوعد بتحقيق الموعود به، فهو فعل ما أمرهم به، وأكدوا ذلك بالجملة الإسمية وحرف التأكيد.
(62) ﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجعلوا بضاعتهم فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ قرأ الجمهور ﴿ لفتيته ﴾ بوزن فعلة جمع تكسير فتى مثل أخ وإخوة.
وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف ﴿ لفتيانه ﴾ بوزن إخوان.
والأول صيغة قلة والثاني صيغة كثرة وكلاهما يستعمل في الآخر.
وعدد الفتيان لا يختلف.
والفتى: من كان في مبدإ الشباب، ومؤنثه فتاة، ويطلق على الخادم تلطفاً، لأنهم كانوا يستخفون بالشباب في الخدمة، وكانوا أكثر ما يستخدمون العبيد.
والبضاعة: المال أو المتاع المعدّ للتجارة.
والمراد بها هنا الدراهم التي ابتاعوا بها الطعام كما في التوراة.
وقوله: ﴿ لعلهم يعرفونها ﴾ رجاء أن يعرفوا أنها عين بضاعتهم إما بكونها مسكوك سكة بلادهم وإما بمعرفة الصَّرر التي كانت مصرورة فيها كما في التوراة، أي يعرفون أنها وضعت هنالك قصداً عطية من عزيز مصر.
والرحال: جمع رحْل، وهو ما يوضع على البعير من متاع الراكب، ولذا سمي البعير راحلة.
والانقلاب: الرجوع، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ انقلبتم على أعقابكم ﴾ في [سورة آل عمران: 144].
وجملة لعلهم يرجعون } جواب للأمر في قوله: ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ لأنه لمّا أمرهم بالرجوع استشعر بنفاذ رأيه أنهم قد يكونون غير واجدين بضاعة ليبتاعوا بها الميرة لأنه رأى مخايل الضيق عليهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ الآيَةِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ والسُّدِّيُّ: وإنَّما جاءُوا لِيَمْتارُوا مِن مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي ذَكَرَها يُوسُفُ في تَفْسِيرِ الرُّؤْيا، ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ لِأنَّهُ كانَ هو الَّذِي يَتَوَلّى بَيْعَ الطَّعامِ لِعِزَّتِهِ.
﴿ فَعَرَفَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَفَهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَعْرِيفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا إلَيْهِ فَعَرَفَهم، قالَهُ الحَسَنُ.
وَقِيلَ بَلْ عَرَفَهم بِلِسانِهِمُ العِبْرانِيِّ حِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما سُمِّيَتْ عِبْرانِيَّةً لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَرَ بِهِمْ فِلَسْطِينَ فَنَزَلَ مِن وراءِ نَهْرِ الأُرْدُنِ فَسُمُّوا العِبْرانِيَّةُ.
﴿ وَهم لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ لِأنَّهُ فارَقُوهُ صَغِيرًا فَكَبِرَ، وفَقِيرًا فاسْتَغْنى، وباعُوهُ عَبْدًا فَصارَ مَلِكًا، فَلِذَلِكَ أنْكَرُوهُ، ولَمْ يَتَعَرَّفْ إلَيْهِمْ لِيَعْرِفُوهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كالَ لَهُمُ الطَّعامَ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَمَّلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم بَعِيرًا بِعِدَّتِهِمْ.
﴿ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي بِنْيامِينَ وكانَ أخا يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أدْخَلَهُمُ الدّارَ وقالَ: قَدِ اسْتَرَبْتُ بِكم -تَنَكَّرُ عَلَيْهِمْ- فَأخْبِرُونِي مَن أنْتُمْ فَإنِّي أخافُ أنْ تَكُونُوا عُيُونًا ؟
فَذَكَرُوا حالَ أبِيهِمْ وحالَهَمْ وحالَ يُوسُفَ وحالَ أخِيهِ وتَخَلُّفِهِ مَعَ أبِيهِ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فائْتُونِي بِهَذا الأخِ الَّذِي لَكم مِن أبِيكم، وأظْهَرَ لَهم أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسْتَبْرِئَ بِهِ أحْوالَهم.
وَقِيلَ: بَلْ وصَفُوا لَهُ أنَّهُ أحَبُّ إلى أبِيهِمْ مِنهم، فَأظْهَرَ لَهم مَحَبَّةَ رُؤْيَتِهِ.
﴿ ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرْخَصَ لَهم في السِّعْرِ فَصارَ زِيادَةً في الكَيْلِ.
الثّانِي: أنَّهُ كالَ لَهم بِمِكْيالٍ وافٍ.
﴿ وَأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خَيْرُ المُضِيفِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: وهو مُحْتَمَلٌ، خَيْرُ مَن نَزَلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ المَأْمُونِينَ.
فَهو عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّزُلِ وهو الطَّعامُ، وعَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي مَأْخُوذٌ مِنَ المَنزِلِ وهو الدّارُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ﴾ يَعْنِي فِيما بَعْدُ؛ لِأنَّهُ قَدْ وفّاهم كَيْلَهم في هَذِهِ الحالِ.
﴿ وَلا تَقْرَبُونِ ﴾ أيْ لا أُنْزِلُكم عِنْدِي مَنزِلَةَ القَرِيبِ.
وَلَمْ يُرِدْ أنْ يَبْعُدُوا مِنهُ ولا يَعُودُوا إلَيْهِ لِأنَّهُ عَلى العَوْدِ حَثَّهم.
قالَ السُّدِّيُّ: وطَلَبُ مِنهم رَهِينَةً حَتّى يَرْجِعُوا، فارْتَهَنَ شَمْعُونَ عِنْدَهُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّما اخْتارَ شَمْعُونَ مِنهم لِأنَّهُ يَوْمَ الجُبِّ كانَ أجْمَلَهم قَوْلًا وأحْسَنَهم رَأْيًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ ﴾ والمُراوَدَةُ الِاجْتِهادُ في الطَّلَبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإرادَةِ.
﴿ وَإنّا لَفاعِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإنّا لَفاعِلُونَ مُراوَدَةَ أبِيهِ وطَلَبَهُ مِنهُ.
الثّانِي: وإنّا لَفاعِلُونَ لِلْعَوْدِ إلَيْهِ بِأخِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجازَ يُوسُفُ إدْخالَ الحُزْنِ عَلى أبِيهِ بِطَلَبِ أخِيهِ؟
قِيلَ عَنْ هَذا أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أمَرَهُ بِذَلِكَ ابْتِلاءً لِيَعْقُوبَ لِيُعَظِّمَ لَهُ الثَّوابَ فاتَّبَعَ أمْرَهُ فِيهِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِذَلِكَ أنْ يُنَبِّهَ يَعْقُوبَ عَلى حالِ يُوسُفَ.
الثّالِثُ: لِتُضاعَفَ المَسَرَّةُ لِيَعْقُوبَ بِرُجُوعِ ولَدَيْهِ عَلَيْهِ.
والرّابِعُ: لِيُقَدِّمَ سُرُورَ أخِيهِ بِالِاجْتِماعِ مَعَهُ قَبْلَ إخْوَتِهِ لِمَيْلِهِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ لِفِتْيانِهِ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم غِلْمانُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ كالُوا لَهُمُ الطَّعامَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِي بِضاعَتِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ورِقُهُمُ الَّتِي ابْتاعُوا الطَّعامَ بِها.
الثّانِي: أنَّها كانَتْ ثَمانِيَةَ جُرُبٍ فِيها سَوِيقُ المُقْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى بِرَدِّ بِضاعَتِهِمْ إلَيْهِمْ عَلى أنَّ أعْمالَ العِبادِ تَعُودُ إلَيْهِمْ فِيما يُثابُونَ إلَيْهِ مِنَ الطّاعاتِ ويُعاقَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي.
﴿ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها ﴾ أيْ لِيَعْرِفُوها.
و ﴿ إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي رَجَعُوا إلى أهْلِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ .
﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ أيْ لِيَرْجِعُوا.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ فَعَلَ ذَلِكَ يُوسُفُ؟
قِيلَ: يَحْتَمِلُ أوْجُهًا خَمْسَةً: أحَدُها: تَرْغِيبًا لَهم لِيَرْجِعُوا، عَلى ما صَرَّحَ بِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ عَلِمَ مِنهم أنَّهم لا يَسْتَحِلُّونَ إمْساكَها، وأنَّهم يَرْجِعُونَ لِتَعْرِيفِها.
الثّالِثُ: لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ طَلَبُهُ لِعَوْدِهِمْ طَمَعًا في أمْوالِهِمْ.
الرّابِعُ: أنَّهُ خَشِيَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ غَيْرُها لِلْقَحْطِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ.
الخامِسُ: أنَّهُ تَحَرَّجَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ قُوتِهِمْ مَعَ شِدَّةِ حاجَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ائتوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ قال: يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وأنا خير المنزلين ﴾ قال: خير من يضيف بمصر.
وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنا خير المنزلين ﴾ قال: خير المضيفين.
وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأنا خير المنزلين ﴾ قال يوسف عليه السلام: أنا خير من يضيف بمصر.
وأخرج سعيد بن منصور، عن إبراهيم أنه كان يقرأ ﴿ وقال لفتيته ﴾ أي لغلمانه ﴿ اجعلوا بضاعتهم ﴾ أي أوراقهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن إسحاق قال: كان منزل يعقوب وبنيه فيما ذكر لي، بعض أهل العلم بالعربات، من أرض فلسطين بغور الشام.
وبعض كان يقول بالأدلاج، من ناحية شعب أسفل من جسمي، وما كان صاحب بادية له بها شاء وإبل.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن المغيرة، عن أصحاب عبد الله ﴿ فأرسل معنا أخانا نكتل ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج، رضي الله عنه- ﴿ فأرسل معنا أخانا ﴾ يكتل له بعيراً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مغيرة، عن أصحاب عبد الله رضي الله عنه ﴿ فالله خير حافظاً ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وأبو عبيد وابن المنذر، عن علقمة أنه كان يقرأ ﴿ ردت إلينا ﴾ بكسر الراء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ﴾ يقول: ما نبغي هذه أوراقنا ردت إلينا، وقد أوفي لنا الكيل ﴿ ونزداد كيل بعير ﴾ أي حمل بعير.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونزداد كيل بعير ﴾ قال: حمل حمار.
قال: وهي لغة.
قال أبو عبيد يعني مجاهد أن الحمار، يقال له في بعض اللغات، بعير.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ الا أن يحاط بكم ﴾ قال: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك.
<div class="verse-tafsir"
فلما قال لهم يوسف هذا قالوا (١) ﴿ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ﴾ أي نطلب منه ونسأله أن يرسله معنا ﴿ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ﴾ قال الكلبي (٢) وقال ابن إسحاق (٣) (٤) ﴿ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ﴾ معناه التوكيد لما قبله، يعني من المراودة، كأنهم قالوا: نراوده عنه ونفعل ذلك.
(١) (قالوا) ساقط من (أ)، (ج).
(٢) "تنوير المقباس" ص 151، و"زاد المسير" 4/ 248.
(٣) الطبري 13/ 9.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 117.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ﴾ كان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم، فخرجوا إلى مصر ليشتروا بها من الطعام الذي ادخره يوسف ﴿ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ إنما أنكروه لبعد العهد به وتغيير سنة أو لأنه كان متلثماً، روى أنهم دخلوا عليه وهو على هيئة عظيمة من الملك وأنه سألهم عن أحوالهم، وأخبروه أنهم تركوا أخاً لهم، فحينئذ قال لهم: ائتوني بأخ لكم من أبيكم وهو بنيامين شقيق يوسف ﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ ﴾ الجهاز ما يحتاج إليه المسافر من زاد وغيره، والمراد به هنا الطعام الذي باع منهم ﴿ خَيْرُ المنزلين ﴾ أي المضيفين ﴿ وَإِنَّا لفاعلون ﴾ أي نفعل ذلك لا محالة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ حيث نشاء ﴾ بالنون: ابن كثير.
الآخرون بياء الغيبة ﴿ أني أوف ﴾ بفتح ياء المتكلم: نافع غير إسماعيل: ﴿ لفتيانه ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ حمزة وعلي وخلف غير أبي بكر وحماد.
الباقون ﴿ لفتيته ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ ﴿ يكتل ﴾ بيان الغيبة: حمزة علي وخلف.
الباقون بالنون.
﴿ تؤتوني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو يزيد وإسماعيل في الوصل.
الوقوف: ﴿ لنفسي ﴾ ج ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ حيث نشاء ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ من أبيكم ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ ولا تقربون ﴾ ه ﴿ لفاعلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ حافظاً ﴾ ص ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط لتمام جواب "لما" ﴿ ما نبغي ﴾ ط لأن ما بعده جملة مستأنفة موضحة للاستفهامية أو المنفية قبلها ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والعطف على ونحن نمير ﴿ كيل بعير ﴾ ه ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ قال الله ﴾ قيل: يسكت بين الفعل والاسم لأن القائل يعقوب لا الله ، والأحسن أن يفرق بينهما بقوة النغمة فقط لئلا يلزم الفصل بين القائل والمقول ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ متفرقة ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ توكلت ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ أبوهم ﴾ ط لأن جواب "لما" محذوف أي سلموا بإذن الله ﴿ قضاها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.
التفسير: الأظهر أن هذا الملك هو الريان لا العزيز لأن قوله ﴿ أستخلصه لنفسي ﴾ يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له وقد كان يوسف قبل ذلك خالصاً للعزيز.
وفي قول يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ دلالة أيضاً على ما قلنا.
والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك، ومن عادة الملوك أن يتفردوا بالأشياء النفسية.
روي أن جبريل دخل على يوسف في السجن وقال: قل اللَّهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب.
فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه فجاءه الرسول وقال: أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله وكتب على باب السجن: "هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء" ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً جدداً، فما دخل على الملك قال: اللَّهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه.
﴿ فلما كلمه ﴾ احتمل أن يكون ضمير الفاعل ليوسف وللملك.
وهذا أولى لأن مجالس الملوك لا يحسن ابتداء الكلام فيها لغيرهم.
يروى أن الملك قال له: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك.
قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن.
ومكان خروجهن، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك بعينها، فتعجب من وفور علمه وحدسه - وكان قد علم من حاله ما علم من نزاهة ساحته وعدم مسارعته في الخروج من السجن - وقد وصف له الشرابي من جده في الطاعة والإحسان إلى سكان السجن ما وصف فعظم اعتقاده فيه فعند ذلك ﴿ قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ ويندرج في المكان كمال القدرة والعلم.
أما القدرة فظاهرة، وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير يتوقف على العلم بأفعال الخير وبأضدادها، وكونه أميناً متفرع عن كونه حكيماً لأن لا يفعل لداعي الشهوة وإنما يفعله لداعي الحكمة.
قال المفسرون: لما حكى يوسف رؤيا الملك وعبرها بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟
قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن والأهراء وتجمع الطعام فيها فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟
فقال يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ اللام للعهد أي ولني خزائن أرض مصر.
والخزائن جمع الخزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ ﴿ إني حفيظ ﴾ للأمانات وأموال الخزائن ﴿ عليم ﴾ بوجوه التصرف فيها على وجه الغبطة والمصلحة.
وقيل: حفيظ لوجوه أياديكم عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والشفقة.
قال الواحدي: هذا الطلب خطيئة منه فكانت عقوبته أن أخر عنه المقصود سنة.
عن ابن عباس أن النبي قال: "رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكن لما قال ذلك أخره الله عنه سنة" وقال آخرون: إن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه لأن النبي يجب عليه رعاية الأصلح لأمته بقدر الإمكان، وقد علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضنك فأراد السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى دفع الظلم والضر عن الناس إلا بالاستعانة من كافر أو فاسق فله أن يستظهر به، على أن مجاهداً قد زعم أن الملك كان قد أسلم.
وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه فكان في حكم التابع لا المتبوع.
ووصف نفسه بالحفظ والعلم على سبيل المبالغة لم يكن لأجل التمدح ولكن للتوصل إلى الغرض المذكور.
﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقريب والإنجاء من السجن ﴿ مكنا ليوسف في الأرض ﴾ أرض مصر وهي أربعون فرسخاً في أربعين.
﴿ يتبؤّأ منها حيث يشاء ﴾ هو أو نشاء نحن على القراءتين والمراد بيان استقلاله بالتقلب والتصرف فيها بحيث لا ينازعه أحد.
﴿ نصيب برحمتنا من نشاء ﴾ فيه أن الكل من الله وبتيسيره.
وقالت المعتزلة: تلك المملكة لما لم تتم إلا بأمور فعلها الله صارت كأنها من قبل الله ، وعلقوا أيضاً المشيئة بالحكمة ورعاية الأصلح.
والأشاعرة ناقشوا في هذا القيد.
﴿ ولا نضيع أجر المحسنين ﴾ لأن إضاعة الأجر تكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حقه تعالى.
﴿ ولأجر الآخرة خير ﴾ من أجر الدنيا أو خير في نفسه.
وفي قوله المحسنين وقوله: ﴿ للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ إشارة إلى أن يوسف كان في الزمان السابق من المحسنين ومن المتقين ففيه دلالة على نزاهة يوسف عن كل سوء.
قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.
يروى.
أن الملك توجه وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقال له: أما السرير فأشدّ به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي.
فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك.
فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعد فزوّجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين: افراثيم وميشا.
وأقام العدل بمصر وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني مما ترى؟
قال: الرأي رأيك.
قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم.
وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس.
وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا فذلك قوله : ﴿ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ﴾ لم يعرفوه لأن طول العهد ينسي ولاعتقادهم أنه قد هلك أو لذهابه عن أوهامهم حين فارقوه مبيعاً بدراهم معدودة ثم رأوه ملكاً مهيباً جالساً على السرير في زي الفراعنة، ويحتمل أن يكون بينه وبينهم مسافة وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج.
وإنما عرفهم لأن أثر تغيير الهيئات عليهم كان أقل لأنه فارقهم وهم رجال ولم يغيروا زيهم عما هو عادتهم، ولأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، ويحتمل أن يكون عرفهم بالوحي.
وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرفوا له.
﴿ ولما جهزهم بجهازهم ﴾ هو ما يحتاج إليه في كل باب ومنه جهاز العروس والميت.
قال الليث: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازاً للسفر.
قال: وسمعت أهل البصرة يحكون الجهاز بالكسر.
وقال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة جيدة ﴿ قال ائتنوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ قال العلماء: لا بد من كلام يجر هذا الكلام فروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: ما أنتم؟
وما شأنكم فإني أنكركم.
قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد وجئنا نمتار.
فقال: لعلكم جئتم عيوناً؟
قالوا: معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب.
قال: كم أنتم؟
قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد.
فقال: فكم أنتم ههنا؟
قالوا: عشرة قال: فأين الأخ الحادي عشر؟
قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك.
قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون؟
قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد.
قال: فدعوا بعضكم عندي رهيناً وأتوني بأخيكم من أبيكم يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم.
فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده.
وقيل: كانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا: إن لنا شيخاً كبيراً وأخاً آخر فبقي معه ولا بد لهما من حملين آخرين.
فاستدل الملك ببقائه عند أبيه على زيادة محبته إياه وكونه فائقاً في الجمال والأدب فاستدعى منهم إحضاره.
وقيل: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيداً فريداً؟
فقالوا: بل بقي عنده واحد.
فقال لهم: لم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟
قالوا: لا بل لزيادة محبته.
فقال: إن أباكم رجل عالم حكيم.
ثم إنه خصه بمزيد المحبة مع أنكم فضلاء أدباء فلا بد أن يكون هو زائداً عليكم في الكمال والجمال فائتوني به لأشاهده.
والأوّل قول المفسرين، والآخران محتملان.
ولما طلب منهم إحضار الأخ جمع لهم بين الترغيب والترهيب فالأوّل قوله: ﴿ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ المضيفين وكان قد أحسن ضيافتهم أو زاد لكل من الأب والأخ الغائب حملاً، والثاني ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ﴾ مجزوم على النهي أو لأنه داخل في حكم الجزاء كأنه قيل: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا ﴿ قالوا سنراود عنه أباه ﴾ سنخادعه عنه ونجتهد حتى ننتزعه من يده ﴿ وإنا لفاعلون ﴾ كل ما في وسعنا في هذا الباب أو لقادرون على ذلك.
﴿ وقال لفتيانه ﴾ أو ﴿ لفتيته ﴾ قراءتان وهما جمع فتى كالأخوان والإخوة في أخ ففعلة للقلة ووجهه أن هذا العمل من الأسرار فوجب كتمانه عن العدد الكثير، وفعلان للكثرة ووجهه أنه قال: ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ والرحال عدد كثير ويناسبه الجم الغفير من الغلمان الكيالين، والبضاعة ما قطع من المال للتجارة، والرحال جمع رحل والمراد به ههنا ما يستصبحه الرجل معه من الأثاث.
والأكثرون على أنه أمر بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجه لا يعرفون بدليل قوله: ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ﴾ وفرغوا ظروفهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا وكانت بضاعتهم النعل والأدم.
وقيل: أمر بوصفها على وجه عرفوها، والمعنى لعلهم يعرفون حق ردّها.
أما السبب الذي لأجله أمر يوسف بذلك فقيل: ليعلموا كرم يوسف فيبعثهم ذلك على المعاودة.
وقيل: خاف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يدعوهم إلى الرجوع، أو أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان قحط، أو لأن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم، أو أراد أن يرجعوا ليعرفوا سبب الرد لأنهم أولاد الأنبياء فيحترزوا أن يكون ذلك على سبيل السهو، أو أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم عيب ولا منة فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه.
وقيل: ﴿ يرجعون ﴾ متعدٍ أي لعلهم يردونها.
﴿ قالوا: يا أبانا منع منا الكيل ﴾ أرادوا قول يوسف ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ﴾ لأن إنذار المنع بمنزلة المنع يؤيده قراءة من قرأ ﴿ نكتل ﴾ بالنون أي نرفع المانع ونأخذ من الطعام ما نحتاج إليه، ويحتمل أن يراد بالمنع أنهم إذا طلبوا الطعام لأبيهم والأخ المخلف فلعله منع من ذلك، ويقوّي هذا الاحتمال قراءة الغيبة أي ﴿ يكتل ﴾ أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا.
﴿ قال هل آمنكم عليه ﴾ ضمنوا كونهم حافظين له فقال يعقوب: إنك ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف فهل يكون أماني الآن إلا كأماني فيما قبل يعني كما لم يحصل الأمان وقتئذ فكذا الآن.
والظاهر أن ههنا إضماراً والتقدير فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وقال: ﴿ فالله خير حافظاً ﴾ و ﴿ حافظاً ﴾ نصب على التمييز واحتمل الثاني الحال نحو "لله درّه فارساً" وهو أرحم الراحمين} أرجوا أن لا يجمع عليّ مصيبتين.
وقيل: إنه تذكر يوسف فقال: فالله خير حافظاً أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي ﴿ ولما فتحوا متاعهم ﴾ هو عام في كل ما يستمتع به ويجوز أن يراد به ههنا الطعام أو الأوعية.
أما قوله ﴿ ما نبغي ﴾ فالبغي بمعنى الطلب و "ما" نافية أو استفهامية.
المعنى ما نطلب شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى أو أيّ شيء نطلب وراء هذا نستظهر بالبضاعة المردودة إلينا.
﴿ ونمير أهلنا ﴾ في رجوعنا إلى الملك ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ فما يصيبه شيء مما يخافه ﴿ ونزداد ﴾ باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا فأيّ شيء نبغي وراء هذه المباغي؟!.
ويجوز أن يكون البغي بمعنى الكذب والتزيد في القول على أن "ما" نافية أي ما نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا تلك الكرامة.
قال في الكشاف: فعلى هذا التفسير لا يكون قوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على معنى قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ وإنما يكون قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ بياناً لصدقهم، وقوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على ﴿ ما نبغي ﴾ أو يكون كلاماً مبتدأ أي ونبغي أن نمير كما تقول: سعيت في حاجة فلان ويجب أو ينبغي أن أسعى ويجوز أن يراد ما نبغي ما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا.
ثم بينوا كونهم مصيبين في رأيهم بقولهم: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ نستظهر بها ونميرأهلنا إلى آخره.
يقال: ماره يميره إذا أتاه بميرة أي بطعام ﴿ ذلك كيل يسير ﴾ أي ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه ما يكال لأجل أخينا.
وقال مقاتل.
ذلك إشارة إلى كيل بعير أي ذلك القدر سهل على الملك لا يضايقنا فيه ولا يطول مقامنا بسببه.
واختاره الزجاج.
وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام يعقوب يعني أن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.
﴿ قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً ﴾ تعطوني ما أثق به من عند الله وهو الحلف ﴿ لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ﴾ استثناء من أعم العام في المفعول وقد يقع مثل هذا الاستثناء في الإثبات إذا استقام المعنى نحو "قرأت إلا يوم كذا" وإن شئت فأوّله بالنفي أي لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا بعلة واحدة هي أن يحاط بكم أي تهلكوا جميعاً قاله مجاهد، أو تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به قاله قتادة: ﴿ على ما نقول ﴾ من طلب الموثق وإعطائه ﴿ وكيل ﴾ مطلع رقيب.
قال جمهور المفسرين: إنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد خوفاً عليهم من إصابة العين.
وههنا مقامان: الأوّل أن الإصابة بالعين حق لإطباق كثير من الأمة ولما روي أن رسول الله كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة." أي جامعة لشر من لمه إذا جمعه أو المراد ملمة والتغيير للمزاوجة.
وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله في أول النهار فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فرءَته معافى.
فقال: إن جبرائيل أتاني فرقاني وقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك.قال: فأفقت.
"وروي أنه دخل رسول الله بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين.
قال: أفلا تسترقون له من العين؟
وعنه : العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر" وقالت عائشة: كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين.
المقام الثاني في الكشف عن حقيقته.
قال الجاحظ: يمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم.
واعترض الجبائي وغيره بأنه لو كان كذلك لأثر في غير المستحسن كتأثيره في المستحسن.
وأجيب بأن المستحسن إن كان صديقاً للعائن عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، وإن كان عدواً حصل له خوف شديد من حصوله، وعلى التقديرين يسخن الروح وينحصر في داخل القلب ويحصل في الروح الباصرة كيفية مسخنة مؤثرة، فلهذا السبب أمر النبي العائن بالوضوء من أصابته العين بالاغتسال منه.
وقال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن غير الله ذلك الشخص حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به.
وقال الحكماء: ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً أو وهمياً كما للماشي على الجذع، أو تصوّرياً كما في الحركات البدنية، وقد يكون للنفوس خواص عجيبة تتصرف غير أبدانها بحسبها فمنها المعجز ومنها السحر ومنها الإصابة بالعين.
أما الجبائي وغيره ممن أنكر العين فقد قالوا: إن أولاد يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بكمالهم وجمالهم وهيئتهم فلم يأمن يعقوب أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم.
وقيل: إنه كان عالماً بأن الملك ولده إلا أن الله لم يأمره بإظهاره وكان غرضه أن يصل بنيامين إليه في غيبتهم قاله إبراهيم النخعي.
واعلم أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ولكنه بعد السعي البليغ يجب أن يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فهو بقضاء الله وقدره وأن الحذر لا يغني عن القدر فلهذا قال يعقوب: ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ فقوله الأوّل مبني على رعاية الأسباب والوسائط، وقوله الثاني إلى آخر الآية إشارة إلى الحقيقة وتفويض الأمر بالكلية إلى مسبب الأسباب.
وقد صدقه الله في ذلك بقوله: ﴿ ما كان يغني عنهم من الله من شيء ﴾ قال ابن عباس: ما كان ذلك التفرق يردّ قضاء الله .
وقال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم.
وقال آخرون: ما كان يغني عنهم رأي يعقوب شيئاً قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وأخذ الأخ وتضاعف المصيبة على الأب ﴿ إلا حاجة ﴾ استثناء منقطع أي ولكن حاجة ﴿ في نفس يعقوب قضاها ﴾ وهي إظهار الشفقة والنصيحة، أو الخوف من إصابة العين، أو من حسد أهل مصر، أو من قصد الملك.
ثم مدحه الله بقوله: ﴿ وإنه لذو علم ﴾ يعنى علمه بأن الحذر لا يدفع القدر ﴿ لما علمناه ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي لتعليمنا إياه، أو للذي علمناه.
وقيل: العلم الحفظ والمراقبة.
وقيل: المضاف محذوف أي لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وإشارة إلى كونه عاملاً بعلمه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ مثل علم يعقوب أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم.
وقيل: المراد بأكثر الناس المشركون لا يعلمون أنالله كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة.
التأويل: لما تبين لملك الروح قدر يوسف القلب وأمانته وصدقه وحسن استعداده سعى في خلاصه من سجن صفات البشرية ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لصلاح جميع رعايا ممكلة روحانية وجسمانية.
كما قال النبي : "إن في جسد بني آدم مضغة، إن صلحت صلح بها سائر الجسد وإن فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب" .
وللقلب اختصاص آخر بالله دون سائر المخلوقات قال : "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ اجعلني على خزائن ﴾ أرض الجسد فإن لله في كل عضو من الأعضاء خزانة من اللطف إن استعمله الإنسان فيما خلق ذلك العضو لأجله، وخزانة من القهر إن استعمله في ضده ﴿ إني حفيظ ﴾ للخزائن ﴿ عليم ﴾ باستعمالها فيما ينفعها دون ما يضرها ﴿ نصيب برحمتنا ﴾ فيه أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكولة إلى مشيئة الله .
﴿ وجاء إخوة يوسف ﴾ وهم الأوصاف البشرية ﴿ فعرفهم ﴾ يوسف القلب لأنه ينظر بنور الله ﴿ وهم له منكرون ﴾ لبقائهم في الظلمة حرمانهم عن النور.
﴿ ولما جهزهم ﴾ يشير إلى أن يوسف القلب لما التجأت إليه الأوصاف البشرية بدل صفاتها الذميمة النفسانية بالصفات الحميدة الروحانية، فاستدعى منهم إحضار بنيامين السر لأن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد التبديل المذكور، وإذا حضر معه يوفى بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ فيه أن البضاعة كل عمل من الأعمال البدنية التي تحيا بها الأوصاف البشرية إلى حضرة يوسف مردودة إليها، لأن القلب مستغن عنها.
وإنما الأوصاف البشرية محتاجة إليها لأن النفس تتأدب وتتزكى بها كما قال ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ﴾ وأن تربية القلب بالأعمال القلبية كالنيات الصالحة ولهذا قال : "نية المؤمن خير من عمله" .
وكالعزائم الخالصة والأخلاق الحميدة والتوكل والإخلاص.
ثم قال: كمال تربية القلب بالتخلية وتجلي صفات الحق وصفات ذاته ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ من صفة الأمارية إلا المأمورية والاطمئنان فيستحق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ردّت إلينا ﴾ فوائده ما ترجع إلى يوسف القلب ﴿ ونمير أهلنا ﴾ الأعضاء والجوارح نحصل لهم قوّة زائدة على الطاعة بواسطة رسوخ الملكة له ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ من الحوادث النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ونزداد ﴾ بواسطة حضور السر عند القلب ﴿ كيل بعير ﴾ من الفوائد الربانية ﴿ وذلك كيل يسير ﴾ لمن يسره الله ﴿ لتأتنني به ﴾ مع الفوائد الربانية ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ إلا أن يغالب عليكم الأحكام الأزلية ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ لا تتقربوا إلى القلب بنوع واحد من المعاملات فللأسباب مدخل في التقريب إلا أن الكل موكل إلى مسبب الأسباب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ .
لما أراد الله أن يبلغ أمر يوسف؛ فيما أراد أن يبلغ جعلهم بحيث لا يعرفونه؛ لذلك قال: ﴿ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ أي: لا يعرفونه؛ كقوله: ﴿ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ أي: غير معروفين عند إبراهيم، والمنكر: هو الذي لا يعرف في الشرع ولا في العقل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ ﴾ .
أي: أعطى لهم الطعام الذي طلبوا منه.
قال أبو عوسجة: الجهاز: المتاع.
والجهاز - أيضاً -: متاع المرأة التي تجهز به، ولا يقال: جِهاز بخفض الجيم.
وقال أهل التأويل: إن يوسف - - قال لهم حين دخلوا عليه أنتم عيون؛ بعثكم ملككم تنظرون إلى أهل مصر ثم تأتونه بالخبر وتأتونه بكذا.
ذلك مما لا نعلمه أنه قد كان قال لهم ذلك أم لا، وغير ذلك من الكلمات التي قالوا: إنه قال لهم كذا وقالوا هم له كذا، نحن كذا كذا رجلا؛ فهلك منا كذا، ولنا أب كذا: مثل هذا لا يكون كلام الأنبياء إنما هو كلام بعض العوام الغوغاء.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ ﴾ .
مثل هذا لا يحتمل أن يقوله يوسف ابتداء؛ على غير سبب أو كلام كان هنالك، لكنه لم يذكر الذي كان؛ ونحن لا نعرف ما الذي كان جرى هنالك فيما بينهم.
وكذلك قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ .
أمَّا أهل التأويل فإنهم قالوا: قال لهم ائتوني بأخ لكم من أبيكم إلى آخر ما ذكر؛ لأنه لما قال لهم: إنكم جئتم عيوناً لملككم؛ فأمر بحبسهم، فقالوا: نحن بنو يعقوب النبي، وكنا اثنى عشر رجلا؛ فهلك منا رجل في الغنم، ووجدنا على قميصه دماً؛ فأتينا أبانا فقلنا: كذا، وقد خلفنا عند أبينا أخاً له؛ من أم الذي هلك؛ فعند ذلك قال [لهم]: ﴿ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ ﴾ لكن هذا الذي ذكروا لا يكون سبباً ولا جواباً له، وقد ذكرنا أنه لا يصح هذا الكلام مبتدأ، لكنا نعلم بالعقل أنه كان هنالك سبب، ومعنى أمر يوسف أن يقول لهم ذلك، وإلا لا يحتمل أن يقول لهم يوسف: ﴿ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ وهو كان يعلم أن أباه يعقوب يحتاج إلى طعام، ويعرف حاجتهم في ذلك - هذا لا يسع إلا بسبب كان؛ فأمر يوسف بذلك.
وقوله: ﴿ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ فيما يستقبل؛ أي: لا تأتوني.
والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ ﴾ وجهين: أحدهما: قال ذلك لهم؛ إنه يوفي لهم الكيل؛ لأن أهل ذلك المكان كانوا ينقصون ويخسرون الكيل في الضيق؛ فقال هو: ألا ترون أني أوفي الكيل ولا أبخس.
والثاني: ألا ترى أني أوفي الكيل على غير الحاجة؛ وكان يجعل لغيرهم الطعام على الحاجة؛ لضيق الطعام.
إني أوفي الكيل على قدر الحاجة وأنا خير المنزلين في الإحسان إليكم والتوسيع عليكم؛ لأن أهل ذلك المكان لا يحسنون إلى النازلين بهم، ولا يوسعون [عليهم]؛ لضيق الطعام.
وكأن قوله: ﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ ﴾ مؤخر عن قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ ؛ كأن قال: ﴿ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ ﴾ ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ ؛ فعند ذلك قال: ﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ﴾ .
هذا الكلام في الظاهر ليس هو جواب قول يوسف؛ حيث قال: ﴿ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ ﴾ وجوابه أن يقولوا له: نأتي به أو لا نأتي، فأما أن يجعل قولهم: ﴿ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ﴾ جواباً له؛ فلا يحتمل مع ما أن في قلوبهم سنراود عنه اضطراب؛ يملكون أو لا يملكون.
قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ﴾ .
على القطع؛ لكن يشبه أن يخرج على وجهين: أحدهما: على الإضمار؛ سنراود عنه أباه فإن أذن له وإنا لفاعلون ذلك.
أو على التقديم والتأخير يكون جواب قوله: ﴿ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ ﴾ في قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ﴾ كأنه لما قال لهم يوسف: ائتوني بأخ لكم من أبيكم قالوا إنا لفاعلون، ثم قالوا فيما بينهم: سنراود عنه أباه.
على هذين الوجهين يشبه أن يخرج والله أعلم.
وقوله: ﴿ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ﴾ .
قال أبو عوسجة: المراودة: الممارسة، وهي شبه المخادعة، وهي المعالجة.
وقيل: سنراود: أي سنجهد وسنطلب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ﴾ لفتيته.
الفتية: الخدم؛ والفتيان: المماليك.
﴿ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ ﴾ .
قيل: اجعلوا دراهمهم في أوعيتهم، فيه دلالة أن الهبة قد تصح - وإن لم يصرح بها - إذا وقع في يدي الموهوب له وقبضه - وإن لم يعلم هو بذلك - وقتما جعل له؛ لأن يوسف جعل بضاعتهم في رحالهم؛ هبة لهم منه؛ وهم لم يعلموا بذلك، وهو وقتما جعل [ذلك لهم] مِلك ليوسف؛ ولهذا قال أصحابنا: إن من وضع ماله في طريق من طرق المسلمين؛ ليكون ذلك ملكاً لمن رفعه كان ما فعل.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يرجعون؛ مخافة أن يعرفوا بالسرقة لما عسى يقع عندهم أن واحداً منا جعل هذا في متاعنا وأوعيتنا سرّاً منهم ففعل يوسف هذا؛ ليرجعوا؛ مخافة أن يعرفوا بالسرقة.
والثاني: ما قاله أهل التأويل: لما تخوف يوسف ألا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى فجعل دراهمهم في أوعيتهم؛ لكي يرجعوا إلينا؛ فلا يحبسهم عنا عدم الدراهم؛ لأنهم كانوا أهل ماشية.
<div class="verse-tafsir"
فأجابه إخوته قائلين: سنطلبه من أبيه، ونجتهد في ذلك، وإنا لفاعلون ما أمرتنا به دون تقصير.
<div class="verse-tafsir" id="91.7d65r"