الآية ٨٢ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٨٢ من سورة يوسف

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ٨٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٢ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٢ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( واسأل القرية التي كنا فيها ) قيل : المراد مصر .

قاله قتادة ، وقيل : غيرها ، ( والعير التي أقبلنا فيها ) أي : التي رافقناها ، عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا ، ( وإنا لصادقون ) فيما أخبرناك به ، من أنه سرق وأخذوه بسرقته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قال أبو جعفر : يقول: وإن كنتَ مُتَّهمًا لنا، لا تصدقنا على ما نقول من أن ابنك سرق: ( فاسأل القرية التي كنا فيها )، وهي مصر، يقول: سل من فيها من أهلها ، (والعير التي أقبلنا فيها) ، وهي القافلة التي كنا فيها ، (13) التي أقبلنا منها معها ، عن خبر ابنك وحقيقة ما أخبرناك عنه من سَرَقِهِ ، (14) فإنك تَخْبُرمصداق ذلك ، (وإنّا لصادقون) فيما أخبرناك من خبره .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 19641 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (واسأل القرية التي كنا فيها)، وهي مصر.

19642 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (واسأل القرية التي كنا فيها) قال: يعنون مصر.

19643 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: قد عرف رُوبيل في رَجْع قوله لإخوته، أنهم أهلُ تُهمةٍ عند أبيهم ، لما كانوا صنعوا في يوسف .

وقولهم له: (اسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) ، فقد علموا ما علمنا وشهدوا ما شهدنا، إن كنت لا تصدقنا ، (وإنا لصادقون).

* * * ---------------------- الهوامش: (13) انظر تفسير :" العير" فيما سلف ص : 173 ، 174 .

(14) سرق الشيء يسرقه سرقًا ( بفتحتين ) ، وسرقًا ( بفتح السين وكسر الراء ) ، وسرقة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : واسأل القرية التي كنا فيها والعير حققوا بها شهادتهم عنده ، ورفعوا التهمة عن أنفسهم لئلا يتهمهم .

فقولهم : واسأل القرية أي أهلها ; فحذف ; ويريدون بالقرية مصر .

وقيل : قرية من قراها نزلوا بها وامتاروا منها .

وقيل المعنى واسأل القرية وإن كانت جمادا ، فأنت نبي الله ، وهو ينطق الجماد لك ; وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار ; قال سيبويه : ولا يجوز كلم هندا وأنت تريد غلام هند ; لأن هذا يشكل .

والقول في العير كالقول في القرية سواء .

وإنا لصادقون في قولنا .الثانية : في هذه الآية من الفقه أن كل من كان على حق ، وعلم أنه قد يظن به أنه على خلاف ما هو عليه أو يتوهم أن يرفع التهمة وكل ريبة عن نفسه ، ويصرح بالحق الذي هو عليه ، [ ص: 215 ] حتى لا يبقى لأحد متكلم ; وقد فعل هذا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله للرجلين اللذين مرا وهو قد خرج مع صفية يقلبها من المسجد : على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي فقالا : سبحان الله وكبر عليهما فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا رواه البخاري ومسلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَاسْأَلِ } إن شككت في قولنا { الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا } فقد اطلعوا على ما أخبرناك به { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } لم نكذب ولم نغير ولم نبدل، بل هذا الواقع.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( واسأل القرية التي كنا فيها ) أي : أهل القرية وهي مصر .

قال ابن عباس : هي قرية من قرى مصر كانوا ارتحلوا منها إلى مصر .

( والعير التي أقبلنا فيها ) أي : القافلة التي كنا فيها .

وكان صحبهم قوم من كنعان من جيران يعقوب .

قال ابن إسحاق : عرف الأخ المحتبس بمصر أن إخوته أهل تهمة عند أبيهم لما كانوا صنعوا في أمر يوسف فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم .

( وإنا لصادقون ) فإن قيل : كيف استجاز يوسف أن يعمل مثل هذا بأبيه ولم يخبره بمكانه ، وحبس أخاه مع علمه بشدة وجد أبيه عليه ، وفيه معنى العقوق ، وقطيعة الرحم ، وقلة الشفقة ؟

.

قيل : قد أكثر الناس فيه ، والصحيح أنه عمل ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى ، أمره بذلك ، ليزيد في بلاء يعقوب فيضاعف له الأجر ، ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين .

وقيل : إنه لم يظهر نفسه لإخوته; لأنه لم يأمن أن يدبروا في أمره تدبيرا فيكتموه عن أبيه .

والأول أصح .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واسأل القرية التي كنا فيها» هي مصر أي أرسل إلى أهلها فاسألهم «والعير» أصحاب العير «التي أقبلنا فيها» وهم قوم من كنعان «وإنا لصادقون» في قولنا فرجعوا إليه وقالوا له ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واسأل -يا أبانا- أهل "مصر"، ومَن كان معنا في القافلة التي كنا فيها، وإننا صادقون فيما أخبرناك به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقولوا كذلك على سبيل زيادة التأكيد ، إن كنت فى شك من قولنا هذا فاسأل ( القرية التي كُنَّا فِيهَا ) والمراد بالقرية أهلها .أى : فأرسل من تريد إرساله إلى أهل القرية التى حصلت فيها حادثة السرقة فإنهم سيذكرون لك تفاصيلها .قالوا : ومرادهم بالقرية مدينة مصر التى حدث فيها ما حدث ، وعبروا عنها بالقرية لأنهم يقصدون مكانا معيناً منها ، وهو الذى حصل فيه التفتيش لرحالهم ، والمراجعة بينهم وبين عزيز مصر ومعاونيه .وقوله : ( والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا ) معطوف على ما قبله .أى : اسأل أهل القرية التى كنا فيها ، واسأل ( العير ) أى : قوافل التجارة التى كنا فيها عند ذهابنا وإيابنا فإن أصحاب هذه القوافل يعلمون ما حدث من ابنك " بنيامين " .وقوله ( وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) أى : وإنا لصادقون فى كل ما أخبرناك به .

فكن واثقاً من صدقنا .وقد ختم كبيرهم كلامه بهذه الجملة ، زيادة فى تأكيد صدقهم ، لأن ماضيهم معه يبعث على الريبة والشك ، فهم الذين قالوا له قبل ذلك فى شأن يوسف : ( أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ثم ألقوا به الجب ، ( وجآءوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ ) وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت بأسلوب حافل بالإِثارة والمحاورة ، والأخذ والرد ، والترغيب والترهيب .

.

ما دار بين يوسف وإخوته عندما قدموا إليه للمرة الثانية ومعهم شقيقة " بنيامين " .فماذا كان بعد ذلك؟

لقد كان بعد ذلك أن عاد الإِخوة إلى أبيهم وتركوا بمصر كبيرهم وأخاهم بنيامين ، ويطوى القرآن الحكيم - على عادته فى هذه السورة الكريمة - أثر ذلك على قلب أبيهم المفجوع ، إلا أنه يسوق لنا رده عليهم ، الذى يدل على كمال إيمانه ، وسعة آماله فى رحمة الله - تعالى - فيقول :( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنهم لما تفكروا في الأصوب ما هو ظهر لهم أن الأصوب هو الرجوع، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة على الوجه من غير تفاوت، والظاهر أن هذا القول قاله ذلك الكبير الذي قال: ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الارض حتى يَأْذَنَ لِى أَبِى ﴾ قيل إنه روبيل، وبقي هو في مصر وبعث سائر إخوته إلى الأب.

فإن قيل: كيف حكموا عليه بأنه سرق من غير بينة، لا سيما وهو قد أجاب بالجواب الشافي، فقال الذي جعل الصواع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحلكم.

والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أنهم شاهدوا أن الصواع كان موضوعاً في موضع ما كان يدخله أحد إلا هم، فلما شاهدوا أنهم أخرجوا الصواع من رحله غلب على ظنونهم أنه هو الذي أخذ الصواع، وأما قوله: وضع الصواع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم فالفرق ظاهر، لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأما هذا الصواع فإن أحداً لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصواع في رحله فظهر الفرق فلهذا السبب غلب على ظنونهم أنه سرق، فشهدوا بناء على هذا الظن، ثم بينهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم: ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافظين ﴾ .

والوجه الثاني: في الجواب أن تقدير الكلام ﴿ إِنَّ ابنك سَرَقَ ﴾ في قول الملك وأصحابه ومثله كثير في القرآن.

قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لاَنتَ الحليم الرشيد  ﴾ أي عند نفسك، وقال تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم  ﴾ أي عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا هاهنا.

الوجه الثالث: في الجواب أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة ومثل هذا الشيء يسمى سرقة فإن إطلاق اسم أحد الشبيهين على الشبيه الآخر جائز في القرآن قال تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ .

الوجه الرابع: أن القوم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت فلا يبعد أن يقال: إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة لا سيما وقد شاهدوا شيئاً يوهم ذلك.

الوجه الخامس: أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأ ﴿ إِنَّ ابنك سَرَقَ ﴾ بالتشديد، أي نسب إلى السرقة فهذه القراءة لا حاجة بها إلى التأويل لأن القوم نسبوه إلى السرقة، إلا أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه القراآت لا تدفع السؤال، لأن الإشكال إنما يدفع إذا قلنا القراءة الأولى باطلة، والقراءة الحقة هي هذه.

أما إذا سلمنا أن القراءة الأولى حقة كان الإشكال باقياً سواء صحت هذه القراءة الثانية أو لم تصح، فثبت أنه لابد من الرجوع إلى أحد الوجوه المذكورة أما قوله: ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ فمعناه ظاهر لأنه يدل على أن الشهادة غير العلم بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ وذلك يقتضي كون الشهادة مغايرة للعلم ولأنه عليه السلام قال: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد»، وذلك أيضاً يقتضي ما ذكرنا وليست الشهادة أيضاً عبارة عن قوله أشهد لأن قوله «اشهد» إخبار عن الشهادة والإخبار عن الشهادة غير الشهادة.

إذا ثبت هذا فنقول: الشهادة عبارة عن الحكم الذهني وهو الذي يسميه المتكلمون بكلام النفس، وأما قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافظين ﴾ ففيه وجوه: الأول: أنا قد رأينا أنهم أخرجوا الصواع من رحله، وأما حقيقة الحال فغير معلومة لنا فإن الغيب لا يعلمه إلا الله.

والثاني: قال عكرمة معناه: لعل الصواع دس في متاعه بالليل، فإن الغيب اسم لليل على بعض اللغات.

والثالث: قال مجاهد والحسن وقتادة: وما كنا نعلم أن ابنك يسرق، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به إلى الملك وما أعطيناك موثقاً من الله في رده إليك.

والرابع: نقل أن يعقوب عليه السلام قال لهم: فهب أنه سرق ولكن كيف عرف الملك أن شرع بني إسرائيل أن من سرق يسترق، بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم فقالوا عند هذا الكلام: أنا قد ذكرنا له هذا الحكم قبل وقوعنا في هذه الواقعة وما كنا نعلم أن هذه الواقعة نقع فيها فقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافظين ﴾ إشارة إلى هذا المعنى.

فإن قيل: فهل يجوز من يعقوب عليه السلام أن يسعى في إخفاء حكم الله تعالى على هذا القول.

قلنا: لعله كان ذلك الحكم مخصوصاً بما إذا كان المسروق منه مسلماً فلهذا أنكر ذكر هذا الحكم عند الملك الذي ظنه كافراً.

ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿ واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ .

واعلم أنهم لما كانوا متهمين بسبب واقعة يوسف عليه السلام بالغوا في إزالة التهمة عن أنفسهم فقالوا: ﴿ واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا ﴾ والأكثرون اتفقوا على أن المراد من هذه القرية مصر وقال قوم، بل المراد منه قرية على باب مصر جرى فيها حديث السرقة والتفتيش، ثم فيه قولان: الأول: المراد واسأل أهل القرية إلا أنه حذف المضاف للإيجاز والاختصار، وهذا النوع من المجاز مشهور في لغة العرب قال أبو علي الفارسي ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضروريات وجاحد المحسوسات.

والثاني: قال أبو بكر الأنباري المعنى: اسأل القرية والعير والجدار والحيطان فإنها تجيبك وتذكر لك صحة ما ذكرناه لأنك من أكابر أنبياء الله فلا يبعد أن ينطق الله هذه الجمادات معجزة لك حتى تخبر بصحة ما ذكرناه، وفيه وجه ثالث، وهو أن الشيء إذا ظهر ظهوراً تاماً كاملاً فقد يقال فيه، سل السماء والأرض وجميع الأشياء عنه، والمراد أنه بلغ في الظهور إلى الغاية التي ما بقي للشك فيه مجال.

أما قوله: ﴿ والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ فقال المفسرون كان قد صحبهم قوم من الكنعانيين فقالوا: سلهم عن هذه الواقعة.

ثم إنهم لما بالغوا في التأكيد والتقرير قالوا: ﴿ وِإِنَّا لصادقون ﴾ يعني سواء نسبتنا إلى التهمة أو لم تنسبنا إليها فنحن صادقون، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم بأنفسهم لأن هذا يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه، بل الإنسان إذا قدم ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده وأنا صادق في ذلك يعني فتأمل فيما ذكرته من الدلائل والبينات لتزول عنك الشبهة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ القرية التى كُنَّا فِيهَا ﴾ هي مصر، أي أرسل إلى أهلها فسلهم عن كنه القصة ﴿ والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ وأصحاب العير، وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب.

وقيل من أهل صنعاء، معناه: فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ما قال لهم أخوهم ف ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ أردتموه وإلا فما أدرى ذلك الرجل أنّ السارق يؤخذ بسرقته لولا فتواكم وتعليمكم ﴿ بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ بيوسف وأخيه وروبيل أو غيره ﴿ إِنَّهُ هُوَ العليم ﴾ بحالي في الحزن والأسف ﴿ الحكيم ﴾ الذي لم يبتلني بذلك إلا لحكمة ومصلحة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ عَلى ما شاهَدْناهُ مِن ظاهِرِ الأمْرِ.

وقُرِئَ « سُرِّقَ» أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ.

﴿ وَما شَهِدْنا ﴾ عَلَيْهِ.

﴿ إلا بِما عَلِمْنا ﴾ بِأنْ رَأيْنا أنَّ الصُّواعَ اسْتُخْرِجَ مِن وِعائِهِ.

﴿ وَما كُنّا لِلْغَيْبِ ﴾ لِباطِنِ الحالِ.

﴿ حافِظِينَ ﴾ فَلا نَدْرِي أنَّهُ سَرَقَ أوْ سِرِّقَ ودُسَّ الصُّواعُ في رَحْلِهِ، أوْ وما كُنّا لِلْعَواقِبِ عالِمِينَ فَلَمْ نَدْرِ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ أنَّهُ سَيَسْرِقُ، أوْ أنَّكَ تُصابُ بِهِ كَما أُصِبْتَ بِيُوسُفَ.

﴿ واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها ﴾ يَعْنُونَ مِصْرَ أوْ قَرْيَةً بِقُرْبِها لَحِقَهُمُ المُنادِي فِيها، والمَعْنى أرْسِلْ إلى أهْلِها واسْألْهم عَنِ القِصَّةِ.

﴿ والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها ﴾ وأصْحابَ العِيرِ الَّتِي تَوَجَّهْنا فِيهِمْ وكُنّا مَعَهم.

﴿ وَإنّا لَصادِقُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واسأل القرية التى كُنَّا فِيهَا} يعني مصر أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة {والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا} وأصحاب العير وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب عليه السلام {وِإِنَّا لصادقون} في قولنا فرجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال لهم أخوهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها ﴾ يَعْنُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ مِصْرَ وقِيلَ: قَرْيَةٌ بِقُرْبِها لِحَقَهُمُ المُنادِي بِها والأوَّلُ ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُفَتِّشَ لَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ والثّانِي الظّاهِرُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ المُؤَذِّنُ وسُؤالُ القَرْيَةِ عِبارَةٌ عَنْ سُؤالِ أهْلِها إمّا مَجازًا في القَرْيَةِ لْإطْلاقِها عَلَيْها بِعَلاقَةِ الحالِيَّةِ والمَحَلِّيَّةِ أوْ في النِّسْبَةِ أوْ يُقَدَّرُ فِيهِ مُضافٌ وهو مَجازٌ أيْضًا عِنْدَسِيبَوَيْهِ وجَماعَةٍ وفي المَحْصُولِ وغَيْرِهِ أنَّ الإضْمارَ والمَجازَ مُتَبايِنانِ لَيْسَ أحَدُهُما قِسْمًا مِنَ الآخَرِ والأكْثَرُونَ عَلى المُقابَلَةِ بَيْنَهُما وأيًّا ما كانَ فالمَسْؤُولُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وحاصِلُ المَعْنى أرْسِلْ مَن تَثِقُ بِهِ إلى أهْلِ القَرْيَةِ واسْألْهم عَنِ القِصَّةِ ﴿ والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها ﴾ أيْ أصْحابَها الَّذِينَ تَوَجَّهْنا فِيهِمْ وكُنّا مَعَهم فَإنَّ القِصَّةَ مَعْرُوفَةٌ فِيما بَيْنَهم وكانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: مِن أهْلِ صَنْعاءَ والكَلامُ هُنا في التَّجَوُّزِ والإضْمارِ كالكَلامِ سابِقًا.

وقِيلَ: لا تَجَوُّزَ ولا إضْمارَ في المَوْضِعَيْنِ والمَقْصُودُ إحالَةُ تَحْقِيقِ الحالِ والِاطِّلاعِ عَلى كُنْهِ القِصَّةِ عَلى السُّؤالِ مِنَ الجَماداتِ والبَهائِمِ أنْفُسِها بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نَبِيٌّ فَلا يَبْعُدُ أنْ تَنْطِقَ وتُخْبِرَهُ بِذَلِكَ عَلى خَرْقِ العادَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُرادًا ولا يَقْتَضِيهِ المَقامُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِصَدَدِ إظْهارِ المُعْجِزَةِ وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الأوْلى إبْقاءُ القَرْيَةِ والعِيرِ عَلى ظاهِرِهِما وعَدَمُ إضْمارِ مُضافٍ إلَيْهِما ويَكُونُ الكَلامُ مَبْنِيًّا عَلى دَعْوى ظُهُورِ الأمْرِ بِحَيْثُ أنَّ الجَماداتِ والبَهائِمَ قَدْ عَلِمَتْ بِهِ وقَدْ شاعَ مِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ قَدِيمًا وحَدِيثًا ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ: سَلِ القاعَةَ الوَعْسا مِنَ الأجْرَعِ الَّذِي بِهِ البانُ هَلْ حَيِيَتْ أطْلالُ دارِكَ وقَوْلُهُ: سَلُوا مَضْجَعِيَ عَنِّي وعَنْها فَإنَّنا ∗∗∗ رَضِينا بِما يُخْبِرْنَ عَنّا المَضاجِعُ وقَوْلُهُ: واسْألْ نُجُومَ اللَّيْلِ هَلْ زارَ الكَرى ∗∗∗ جَفْنِيَ وكَيْفَ يَزُورُ مَن لَمْ يَعْرِفِ ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا لا يَخْلُو عَنِ ارْتِكابِ مَجازٍ نَعَمْ هو مَعْنًى لَطِيفٌ بَيْدَ أنَّ الجُمْهُورَ عَلى خِلافِهِ وأكْثَرُهم عَلى اعْتِبارِ مَجازِ الحَذْفِ ﴿ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ .

(82) .

فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ ولَيْسَ المُرادُ إثْباتَ صِدَقِهِمْ بِما ذُكِرَ حَتّى يَكُونَ مُصادَرَةً بَلْ تَأْكِيدُ صِدْقِهِمْ بِما يُفِيدُ ذَلِكَ مِنَ الِاسْمِيَّةِ وإنَّ واللّامِ وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ تَأْكِيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ ويُحْتَمَلُ عَلى ما قِيلَ أنْ يُرِيدَ أنَّ هُنا قَسَمًا مُقَدَّرًا وقِيلَ: المُرادُ الإثْباتُ ولا مُصادَرَةَ عَلى مَعْنى أنّا قَوْمٌ عادَتُنا الصِّدْقُ فَلا يَكُونُ ما أخْبَرْناكَ بِهِ كَذِبًا ولا نَظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يعني: سل أهل القرية.

قال الكلبي: وهي قرية من قرى مصر.

ويقال: هي مصر بعينها.

ويقال: هو المنزل الذي أذن المؤذن فيه، إنكم لسارقون وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها يعني: سل أهل العير الذين كانوا معنا من أرض كنعان وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا.

فرجعوا إلى يعقوب بذلك القول، فاتهمهم يعقوب فقال: كلما خرجتم من عندي، نقصتم واحداً، ذهبتم مرة فنقصتم يوسف.

وذهبتم مرة فنقصتم شمعون، وذهبتم الآن ونقصتم بنيامين، فقد صرتم كالذئاب يأكل بعضهم بعضاً.

ثم قال تعالى: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يعني: قال يعقوب: اشتهت وزينت لكم قلوبكم أَمْراً فصنعتموه فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يعني: على صبر جميل حسن، من غير جزع، لا أشكو فيه إلى أحد عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً يعني: لعل الله أن يرد عليّ يوسف ويهوذا وبنيامين إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بمكانهم الْحَكِيمُ أن يحكم بردّهم عليّ.

قوله تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني: أعرض عن بنيه وخرج عنهم وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ يعني: يا حزنا على يوسف، والأسف: أشد الحسرة وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ يعني: من البكاء فَهُوَ كَظِيمٌ يعني: مغموماً مكروباً، يتردد الحزن في جوفه.

والكظيم والكاظم بمعنى واحد، مثل القدير والقادر.

وهو الممسك على حزنه، لا يظهره ولا يشكوه.

وروي عن الحسن أنه قال: مكث يعقوب ثمانين سنة ما تجف دموعه، ولا يفارق قلبه الحزن يوماً، وما كان على الأرض يومئذٍ أحد أكرم على الله منه.

قال: وألقي يوسف في الجب وهو يومئذٍ ابن سبع سنين، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ما جمع الله شمله ثلاثاً وعشرين سنة.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «غاب يوسف عنه اثنين وعشرين سنة» .

وقال سعيد بن جبير: ما أعطيت أمة من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: 156] غير هذه الأمة، ولو كان أوتيها أحد قبلكم لأوتيها يعقوب حين قال: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وروي عن إبراهيم بن ميسرة أنه قال: لو أن الله أدخلني الجنة، لعاتبت يوسف بما فعل بأبيه، حيث لم يكتب إليه كتابا، ولم يعلمه حاله، ليسكن ما به من الغم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ...

الآية: الظاهر منه أنه قالها إِفصاحاً كأنه أسَرَّ لهم كراهيةَ مقالتهم، ثم نجَهَهُمْ بقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً: أي: لسوءِ أفعالكم، واللَّه أعلم أنْ كان ما وصفتموه حقًّا، وفي اللفظ إِشارةٌ إِلى تكذيبهم وممَّا يُقَوِّي هذا عِنْدِي أنهم تركُوا الشَّفاعة بأنفسهم، وعدَلُوا إِلى الشفاعة بأبيهم عليه السلام، وقالتْ فرقة: لم يقُلْ هذا الكلامَ إِلا في نَفْسه، وإِنه تفسيرٌ للذي أسَرَّ في نفسه، فكأَنَّ المراد: قال في نَفْسِهِ: أنتم شرُّ مكاناً، وذكر الطبريُّ هنا قصصاً اختصاره أنَّه لما استخرجت السقايةُ مِنْ رَحْلِ يامين، قال إخوته:

يا بَنِي رَاحِيلَ، لاَ يَزَالُ البلاءُ يَنَالُنَا مِنْ جِهَتِكُمْ، فقال يَامِينُ: بل بَنُو رَاحِيلَ ينالُهُمُ البلاءُ منكم، ذهبتم بأخِي، فَأَهْلَكْتُمُوهُ، ووضع هذا الصُّواعَ في رَحْلِي الذي وَضَعَ الدراهمَ في رحالِكُمْ، فقالوا: لا تَذْكُر الدراهم، لَئَلاَّ نؤْخَذَ بها، ثم دَخَلُوا على يوسُفَ، فأخذ الصُّواع، فَنَقَرَهُ، فَطَنَّ، فقال: إِنه يخبر أنَّكم ذهبتم بأخٍ لكم، فَبِعْتُمُوهُ، فَسَجَدَ يامين، وقال: أيها العزيزُ، سَلْ صُوَاعَكَ هذا يُخْبِرُكَ بالحقِّ، في قصص يَطولُ آثرنا اختصاره.

وروي أن رُوبِيلَ غَضِبَ، وقَفَّ شَعْرَه، حتى خرج من ثيابِهِ، فأمر يوسُفُ بنيًّا له، فمسَّه فسكَنَ غضبه، فقال رُوبيلُ: لقد مسَّني أحدٌ من ولد يعقُوبَ، ثم إِنهم تشاوَرُوا في محارَبَةِ يُوسُفَ، وكانوا أَهْلَ قُوَّةٍ، لا/ يُدَانَوْنَ في ذلك، فلما أحَسَّ يوسُفُ بذلك، قام إِلى رُوبِيلَ، فلبَّبه وصَرَعَهُ، فرأَوا من قوّته ما استعظموه، وقالوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ...

الآية، وخاطبوه باسم العزيز، إِذ كان في تِلْكَ الخُطَّةَ بعَزْلِ الأول أو موته، على ما رُوِيَ في ذلك، وقولهم: فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ يحتمل أنْ يكونَ ذلك منْهم مجازاً، ويحتمل أنْ يكون حقيقةً علَى طريقِ الحَمَالَةِ حتى يَصِلَ يَامِينُ إِلى أَبيه، ويعرف يعقوبُ جليَّة الأمر، فمَنَع يوسُفُ من ذلك، وقال: مَعاذَ اللَّهِ ...

الآية.

وقوله سبحانه: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ...

الآية: يقال: يَئِسَ واستيأس بمعنًى واحدٍ، قال البخاريُّ: خَلَصُوا نَجِيًّا: اعتزلوا، والجَمْع أَنْجِيَةٌ، وللاثنين والجمع نَجِيٌّ

وأَنْجِيَة انتهى.

وقال الهَرَوِيُّ: خَلَصُوا نَجِيًّا: أي تميّزوا عن الناس متناجين انتهى.

وكَبِيرُهُمْ: قال مجاهدٌ هو شَمْعُونُ، كان كبيرهم رَأْياً وعِلْماً، وإِن كان رُوبِيلُ أَسنَّهم «١» ، وقال قتادة: هو روبيلُ، لأَنه أسنُّهم «٢» ، وهذا أظهرُ ورجَّحه الطبريُّ «٣» ، وذكرهم أخوهم ميثاقَ أبيهم: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف: ٦٦] .

وقوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ: قال: ص: «بَرَحَ» التامَّةُ بمعنى ذَهَبَ وظَهَرَ ومنه: برح الخَفَاء، أي: ظهر، والمتوجَّه هنا: معنى «ذهب» ، لكنَّه لا ينصب الظرف المكانيَّ المختصَّ إِلا بواسطة، فاحتيج إِلى تضمينه معنى «فارق» ، والأرض مفعولٌ به، ولا يجوزُ أنْ تكون «أبرح» : ناقصةٌ انتهى.

وقوله: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ: الأمر بالرجُوعِ قيلَ: هُوَ مِنْ قولِ كبيرهم، وقيل: من قَوْلِ يوسُفَ، والأول أظهرُ، وذكر الطبرِيُّ أَنَّ يوسُفَ قال لهم: إِذا أتيتم أباكم فاقرؤوا علَيْه السَّلام، وقولوا له: إِنَّ مَلِكَ مِصْرَ يدْعُو لك أَلاَّ تمُوتَ حَتَّى تَرَى ولدك يوسُفَ، ليعلم أَنَّ في أرض مِصْرَ صِدِّيقين مثله، وقرأ الجمهور: «سَرَقَ» ، وروي عن الكسائي «٤» وغيره:

«سُرِقَ» - ببنائه للمفعول-.

وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا: أي: باعتبار الظَّاهر، والعِلْمُ في الغَيْبِ إِلى اللَّه، ليْسَ ذلك في حِفْظنا، هذا تأويل ابْن إِسحاق، ثم استشهدوا بالقرية التي كانوا فيهَا، وهي مِصْر قاله ابن عباس «٥» ، والمراد أهْلُها، قال البُخَارِيُّ: سَوَّلَتْ: أي: زَيَّنَتْ، وقولُ يعقُوبَ:

عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً يعنى بيوسُفَ ويَامِينَ ورُوبِيلَ الذي لَمْ يَبْرَحِ الأرض،

ورجاؤه هذا مِنْ جهاتٍ، منها: حُسْن ظَنِّه باللَّه سبحانه في كلِّ حالٍ، ومنها: رؤيا يوسُفَ المتقدِّمة فإِنه كان ينتظرُها، ومنها: ما أخبروهُ عَنْ مَلِكِ مِصْر أنه يدعو له برؤْية ابنه.

وقوله سبحانه: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ: أي: زال بوجْهه عنْهم مُلْتَجِئاً إِلى اللَّه: وَقالَ: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ.

قال الحسن: خُصَّت هذه الأمَّة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب:

يا أَسَفى «١» .

قال ع «٢» : والمراد يا أسفَي، لكنْ هذه لُغَةُ مَنْ يردُّ ياء الإِضافة ألفاً نحو:

يا غُلاَما، ويَا أَبَتَا، ولا يبعد أَنْ يجتمع الاسترجاع، ويَا أَسْفَى لهذه الأُمَّة، وليعقوب عليه السلام، وروي أن يعقوبَ عليه السلام/ حَزِنَ حُزْنَ سبعين ثَكْلَى، وأُعطِيَ أَجْرَ مَائَةِ شهيدٍ، وما ساءَ ظَنَّهُ باللَّه قطُّ، رواه الحسن عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، فَهُوَ كَظِيمٌ بمعنى: كاظِمٍ، كما قال: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: ١٣٤] ووصف يعقوب بذلك، لأنه لم يَشْكُ إِلى أحَدٍ، وإِنما كان يكْمد في نَفْسه، ويُمْسِك همَّه في صَدْره، فكان يكظمه، أي: يردُّه إِلى قلبه.

ت وهذا ينظر إلى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «القَلْبُ يَحْزَنُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يرضي الرّبّ ...

» الحديث، ذكر هذا صلّى الله عليه وسلّم عنْدَ مَوْتِ ولده إِبراهيم «٤» ، قال ابن المبارِك في «رقائقه» : أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالَ: كَظم على الحُزْنِ، فلم يقُلْ إِلا خَيْراً «٥» انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» : وفي الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنَّه قال في ابنه إِبراهيم: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالَقْلَبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» ، وقال أيضا في الصحيح صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ» «٦» انتهى.

خرَّجه البخاريُّ وغيره.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ المَعْنى: قُولُوا لِأبِيكم: سَلْ أهْلَ القَرْيَةِ ﴿ الَّتِي كُنّا فِيها ﴾ يَعْنُونَ مِصْرَ ﴿ والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها ﴾ أيْ: وأهْلَ العِيرِ، وكانَ قَدْ صَحِبَهم قَوْمٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وسَلِ القَرْيَةَ والعِيرَ فَإنَّها تَعْقِلُ عَنْكَ لِأنَّكَ نَبِيٌّ، والأنْبِياءُ قَدْ تُخاطِبُهُمُ الأحْجارُ والبَهائِمُ، فَعَلى هَذا تَسْلَمُ الآيَةُ مِن إضْمارٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ ﴿ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ الأمْرُ بِالرُجُوعِ قِيلَ: هو مِن قَوْلِ كَبِيرِهِمْ، وقِيلَ: بَلْ هو مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهُمْ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَرَقَ" عَلى تَحْقِيقِ السَرِقَةِ عَلى "يامِينَ" بِحَسْبَ ظاهِرِ الأمْرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ: "سُرِّقَ" بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِ الراءِ وتَشْدِيدِها، وكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَهم تَحَرٍّ ولَمْ يَقْطَعُوا عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ، وإنَّما أرادُوا: جُعِلَ سارِقًا بِما ظَهَرَ مِنَ الحالِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "إنَّ ابْنَكَ سارِقٌ" بِالألِفِ وتَنْوِينِ القافِ، ثُمَّ تَحَرَّوْا بَعْدُ -عَلى القِراءَتَيْنِ- في قَوْلِهِمْ: ﴿ وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا ﴾ ، أيْ: وقَوْلُنا لَكَ: ﴿ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ إنَّما هي شَهادَةٌ عِنْدَكَ بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ ما جَرى، والعِلْمُ في الغَيْبِ إلى اللهِ، لَيْسَ في ذَلِكَ حِفْظُنا، هَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُمْ: ﴿ وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا ﴾ أرادُوا بِهِ: وما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السارِقَ يُسْتَرَقُّ في شَرْعِكَ إلّا بِما عَلِمْنا مِن ذَلِكَ، وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أنَّ السَرِقَةَ تُخْرَجُ مِن رَحْلِ أحَدِنا، بَلْ حَسِبْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ، فَشَهِدْنا عِنْدَهُ -حِينَ سَألْنا- بِعِلْمِنا.

وقَرَأ الحَسَنُ: "وَما شَهِدْنا عَلَيْهِ إلّا بِما عَلِمْنا" بِزِيادَةِ "عَلَيْهِ".

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ أيْ حِينَ واثَقْناكَ إنَّما قَصَدْنا ألّا يَقَعَ مِنّا نَحْنُ في جِهَتِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَمْ نَعْلَمِ الغَيْبَ في أنَّهُ سَيَأْتِي هو بِما يُوجِبُ رِقَّهُ، ورُوِيَ أنَّ مَعْنى "لِلْغَيْبِ" أيْ: لِلَّيْلِ، والغَيْبُ: اللَيْلُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، فَكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا عِنْدَكَ إلّا بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ حالِهِ، وما كُنّا بِاللَيْلِ حافِظِينَ لِما يَقَعُ مِن سَرِقَتِهِ هو أوِ التَدْلِيسِ عَلَيْهِ.

ثُمَّ اسْتَشْهَدُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها، وهي مِصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وهَذا مَجازٌ، والمُرادُ أهْلُها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "والعِيرَ"، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَحِيحُ، وحَكى أبُو المَعالِي في التَلْخِيصِ عن بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ قالَ: هَذا مِنَ الحَذْفِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ، وإنَّما المَجازُ لَفْظَةٌ تُسْتَعارُ لِغَيْرِ ما هي لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَذْفُ المُضافِ هو عَيْنُ المَجازِ وعَظْمُهُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ النَظَرِ، ولَيْسَ كُلُّ حَذْفٍ مَجازًا، ورَجَّحَ أبُو المَعالِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مَجازٌ، وحَكى أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ أو نَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالُوهُ عَلى سُؤالِ الجَماداتِ والبَهائِمِ حَقِيقَةً، ومِن حَيْثُ هو نَبِيٌّ فَلا يَبْعُدُ أنْ تُخْبِرَهُ بِالحَقِيقَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وإنْ جُوِّزَ فَبَعِيدٌ، والأوَّلُ أقْوى.

وهُنا كَلامٌ مُقَدَّرٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِأبِيهِمْ قالَ: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ ، وهَذا عَلى أنْ يَتَّصِلَ كَلامُ كَبِيرِهِمْ إلى هُنا، ومَن يَرى أنَّ كَلامَ كَبِيرِهِمْ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ فَإنَّهُ يَجْعَلُ الكَلامَ هُنالِكَ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا رَجَعُوا قالُوا: ﴿ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ الآيَةُ، والظاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ إنَّما هو ظَنٌّ سَيِّئٌ بِهِمْ، كَما كانَ في قِصَّةِ يُوسُفَ قَبْلُ، فاتَّفَقَ أنَّ صِدْقَ ظَنِّهِ هُناكَ ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا.

و"سَوَّلَتْ" مَعْناهُ: زَيَّنَتْ وخَيَّلَتْ وجَعَلَتْهُ سُولًا، والسُولُ: ما يَتَمَنّاهُ الإنْسانُ ويَحْرِصُ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ إمّا ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ: أمْثَلُ أو أولى، وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ مِن حَيْثُ وُصِفَتْ.

وإمّا خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: فَأمْرِي، أو شَأْنِي، أو صَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وهَذا ألْيَقُ بِالنَكِرَةِ، أنْ تَكُونَ خَبَرًا، ومَعْنى وصْفِهِ بِالجَمالِ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَكْوًى إلى بَشَرٍ ولا ضَجَرٌ بِقَضاءِ اللهِ تَعالى.

ثُمَّ تَرَجّى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ اللهِ أنْ يَجْبُرَهم عَلَيْهِ، وهُمْ: يُوسُفُ ويامِينُ ورُوبِيلُ الَّذِي لَمْ يَبْرَحِ الأرْضَ، ورَجاؤُهُ هَذا مِن جِهاتٍ: إحْداها: الرُؤْيا الَّتِي رَأى يُوسُفُ، فَكانَ يَعْقُوبُ يَنْتَظِرُها.

والثانِيَةُ: حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى في كُلِّ حالٍ.

والثالِثَةُ: ما أخْبَرُوهُ بِهِ عن مَلِكِ مِصْرَ أنَّهُ يَدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ،فَوَقَعَ لَهُ -مِن هُنا- تَحَسُّسٌ ورَجاءٌ، والوَصْفُ بِالعِلْمِ والإحْكامِ لائِقٌ بِما يَرْجُوهُ مِن لِقاءِ بَنِيهِ، وفِيها تَسْلِيمٌ لِحِكْمَةِ اللهِ تَعالى في جَمِيعِ ما جَرى عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ استيأسوا ﴾ بمعنى يئسوا فالسين والتاء للتأكيد، ومثلها ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ [سورة يوسف: 34] واستعصَم } .

واليأس منه: اليأس من إطلاقه أخاهم، فهو من تعليق الحكم بالذات.

والمراد بعض أحوالها بقرينة المقام للمبالغة.

وقرأ الجمهور ﴿ استيأسوا ﴾ بتحتية بعد الفوقية وهمزة بعد التحتية على أصل التصريف.

وقرأه البزي عن ابن كثير بخلف عنه بألف بعد الفوقية ثم تحتية على اعتبار القلب في المكان ثم إبدال الهمزة.

و ﴿ خلصوا ﴾ بمعنى اعتزلوا وانفردوا.

وأصله من الخلوص وهو الصفاء من الأخلاط.

ومنه قول عبد الرحمان بن عوف لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في آخر حجة حجّها حيث عزم عمر رضي الله عنه على أن يخطب في الناس فيحذرهم من قوم يريدون المزاحمة في الخلافة بغير حق، قال عبد الرحمان بن عوف رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين إن المَوسم يجمع رَعاع الناس فأمهل حتى تقدم المدينة فتخلص بأهل الفقه...» إلخ.

والنجيّ: اسم من المناجاة، وانتصابه على الحال.

ولما كان الوصف بالمصدر يلازم الإفراد والتذكير كقوله تعالى: ﴿ وإذْ هم نجوى ﴾ .

والمعنى: انفردوا تناجيا.

والتناجي: المحادثة سراً، أي متناجين.

وجملة ﴿ قال كبيرهم ﴾ بدل من جملة ﴿ خلصوا نجيا ﴾ وهو بدل اشتمال، لأن المناجاة تشتمل على أقوال كثيرة منها قَول كبيرهم هذا، وكبيرهم هو أكبرهم سناً وهو رُوبين بِكرُ يعقوب عليه السلام.

والاستفهام في ﴿ ألم تعلموا ﴾ تقريري مستعمل في التذكير بعدم اطمئنان أبيهم بحفظهم لابنه.

وجملة ﴿ ومن قبل ما فرطتم ﴾ جملة معترضة.

و ﴿ ما ﴾ مصدرية، أي تفريطكم في يوسف عليه السلام كان من قبل المَوثق، أي فهو غير مصدقكم فيما تخبرون به من أخذ بنيامين في سرقة الصُّوَاع.

وفرع عليه كبيرهم أنه يبقى في مصر ليكون بقاؤه علامة عند يعقوب عليه السلام يعرف بها صدقهم في سبب تخلف بنيامين، إذ لا يرضى لنفسه أن يبقى غريباً لولا خوفه من أبيه، ولا يرضى بقية أشقائه أن يكيدوا له كما يكيدون لغير الشقيق.

وقوله: ﴿ أو يحكم الله لي ﴾ ترديد بين ما رسمه هو لنفسه وبين ما عسى أن يكون الله قد قدره له مما لا قبل له بدفعه، فحذف متعلّق ﴿ يحكم ﴾ المجرور بالباء لتنزيل فعل ﴿ يحكم ﴾ منزلة ما لا يطلب متعلقاً.

واللام للأجل، أي يحكم الله بما فيه نفعي.

والمراد بالحكم التقدير.

وجملة ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ تذييل.

و ﴿ خير الحاكمين ﴾ إن كان على التعميم فهو الذي حكمه لا جور فيه أو الذي حكمه لا يستطيع أحد نقضه، وإن كان على إرادة وهو خير الحاكمين لي فالخبر مستعمل في الثناء للتعريض بالسؤال أن يقدر له ما فيه رأفة في رد غربته.

وعدم التعرّض لقول صدَر من بنيامين يدافع به عن نفسه يدل على أنه لازم السكوت لأنه كان مطلعاً على مراد يوسف عليه السلام من استبقائه عنده، كما تقدم في قوله: ﴿ آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك ﴾ [يوسف: 69].

ثم لقنّهم كبيرهم ما يقولون لأبيهم.

ومعنى وما كنا للغيب حافظين} احتراس من تحقق كونه سرق، وهو إما لقصد التلطف مع أبيهم في نسبة ابنه إلى السرقة وإما لأنهم علموا من أمانة أخيهم ما خالجهم به الشك في وقوع السرقة منه.

والغيب: الأحوال الغائبة عن المرء.

والحفظ: بمعنى العلم.

وسؤال القرية مجاز عن سؤال أهلها.

والمراد بها مدينة مصر.

والمدينة والقرية مترادفتان.

وقد خصت المدينة في العرف بالقرية الكبيرة.

والمراد بالعير التي كانوا فيها رفاقهم في عيرهم القادمين إلى مصر من أرض كنعان، فأما سؤال العير فسهل وأما سؤال القرية فيكون بالإرسال أو المراسلة أو الذهاب بنفسه إن أراد الاستثبات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن رَدِّ أخِيهِمْ عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: اسْتَيْقَنُوا أنَّهُ لا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: أقُولُ لَها بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسَ زَهْدَمِ ﴿ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾ أيْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ يَتَناجَوْنَ ويَتَشاوَرُونَ لا يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهم.

﴿ قالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى كَبِيرَهم في العَقْلِ والعِلْمِ وهو شَمْعُونُ الَّذِي كانَ قَدِ ارْتَهَنَ يُوسُفُ عِنْدَهُ حِينَ رَجَعَ إخْوَتُهُ إلى أبِيهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى كَبِيرَهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ ابْنُ خالَةِ يُوسُفَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَنى كَبِيرَهم في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ وهو يَهُوذا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي عِنْدَ إيفادِ ابْنِهِ هَذا مَعَكم.

﴿ وَمِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ ﴾ أيْ ضَيَّعْتُمُوهُ.

﴿ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ ﴾ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ.

﴿ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي ﴾ يَعْنِي بِالرُّجُوعِ.

﴿ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أوْ يَقْضِيَ اللَّهُ لِي بِالخُرُوجِ مِنها، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: أوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ والمُحارَبَةِ لِأنَّهم هَمُّوا بِذَلِكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (سُرِقَ) بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها.

﴿ وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: وما شَهِدْنا عِنْدَكَ بِأنَّ ابْنَكَ سَرَقَ إلّا بِما عَلِمْنا مِن وُجُودِ السَّرِقَةِ في رَحْلِهِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّانِي: وما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السّارِقَ يُسْتَرَقُّ إلّا بِما عَلِمْنا مِن دِينِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يُسْتَرَقُّ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها ﴾ وهي مِصْرُ، والمَعْنى واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ فَحَذَفَ ذِكْرَ الأهْلِ إيجازًا، لِأنَّ الحالَ تَشْهَدُ بِهِ.

﴿ والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها ﴾ وفي "والعِيرَ" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها القافِلَةُ، وقافِلَةُ الإبِلِ تُسَمّى عِيرًا عَلى التَّشْبِيهِ.

الثّانِي: الحَمِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والمَعْنى: أهْلَ العِيرِ.

وَقِيلَ فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهم أرادُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْألَ القَرْيَةَ وإنْ كانَتْ جَمادًا، أوْ نَفْسَ العِيرِ وإنْ كانَتْ حَيَوانًا بَهِيمًا لِأنَّهُ نَبِيٌّ، والأنْبِياءُ قَدْ سُخِّرَ لَهُمُ الجَمادُ والحَيَوانُ بِما يَحْدُثُ فِيهِمْ مِنَ المَعْرِفَةِ إعْجازًا لِأنْبِيائِهِ، فَأحالُوهُ عَلى سُؤالِ القَرْيَةِ والعِيرِ لِيَكُونَ أوْضَحَ بُرْهانًا.

﴿ وَإنّا لَصادِقُونَ ﴾ أيْ يَسْتَشْهِدُونَ بِصِدْقِنا أنَّ ابْنَكَ سَرَقَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قرأ ﴿ إن ابنك سرق ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد رضي الله عنه قال: قال يعقوب عليه السلام لبنيه: ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم.

قالوا: ما شهدنا إلا بما علمنا، لم نشهد أن السارق يؤخذ بسرقته إلا وذاك الذي علمنا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم رضي الله عنه أنه كره أن يكتب الرجل شهادته، فإذا استشهد شهد، ويقرأ ﴿ وما شهدنا إلا بما علمنا ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كنا للغيب حافظين ﴾ قال: لم نعلم أنه سيسرق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كنا للغيب حافظين ﴾ قال: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كنا للغيب حافظين ﴾ قال: يقولون ما كنا نظن أن ابنك يسرق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسأل القرية ﴾ قال: مصر.

وفي قوله: ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً ﴾ قال: بيوسف وأخيه وروبيل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً ﴾ قال: بيوسف وأخيه وكبيرهم الذي تخلف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي روق رضي الله عنه قال: لما حبس يوسف عليه السلام أخاه بسبب السرقة، كتب إليه يعقوب عليه السلام: من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله إلى يوسف عزيز فرعون، أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، إن أبي إبراهيم عليه السلام ألقي في النار في الله فصبر، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وإن أبي إسحاق عليه السلام قرب للذبح في الله فصبر، ففداه الله بذبح عظيم.

وإن الله كان وهب لي قرة عين فسلبنيه، فأذهب حزنه بصري، وأيبس لحمي على عظمي، فلا ليلي ليل، ولا نهاري نهار، والأسير الذي في يديك بما ادعي عليه من السرق أخوه لأمه، فكنت إذا ذكرت أسفي عليه قربته مني، فيسلي عني بعض ما كنت أجد.

وقد بلغني أنك حبسته بسبب سرقة، فخل سبيله، فإني لم ألد سارقاً وليس بسارق، والسلام.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الجلد رضي الله عنه قال: قال له أخوه: يا أيها العزيز، لقد ذهب لي أخ ما رأيت أحداً أشبه به منك، لكأنه الشمس.

فقال له يوسف عليه السلام: اسأل إله يعقوب أن يرحم صباك، وإن يرد إليك أخاك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) قال أبو علي (٣) (٤) أي: بغام عناق.

وقد اتسع هذا في كلام، حتى إن الشعراء قد أقاموا المضاف في بعض ما يدخله الناس، من ذلك أنشده النحويون: يَحْمِلْنَ عَبَّاسَ بنَ عَبْدَ المُطَّلِبْ (٥) يريد ابن عباس، وقول آخر (٦) أرَى الخُطَفيَّ بزَّ الفَرَزْدَقَ شِعْرَه ...

ولَكِن خَيْرًا من كُليبٍ مُجَاشِعُ أراد جرير بن الخطفي.

ومثله كثير، فإذا جاز إقامة المضاف مقام المضاف إليه في هذا النحو مع أن (٧) وذكر أبو بكر (٨) وابن عباس (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ ، قال ابن عباس (١٣) (١٤) قال ابن إسحاق (١٥) (١٦) (١) الطبري 13/ 37.

(٢) انظر: الطبري 13/ 37، البغوي 4/ 267، القرطبي 9/ 246، "الدر المصون" 6/ 544، الزاهر 1/ 284، الرازي 18/ 190.

(٣) "الإغفال" 2/ 810، وانظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 24، الرازي 18/ 190.

(٤) الشاهد لذي الخرق الطهوي.

انظر: "نوادر أبي زيد" 116، و"مجالس ثعلب" 76، و"اللسان" (بغم) 1/ 320، و"تذكرة النحاة" 18، و"تاج العروس" (بغم)، وبلا نسبة في "الإنصاف" ص 316، و"معاني القرآن" 1/ 62، 2/ 124، و"اللسان" (ويب) 8/ 4937، و"الإغفال" 2/ 810.

(٥) الرجز بلا نسبة في اللسان (نفس) 7/ 446، (وصى) 8/ 4854، و"جمهرة اللغة" 1328 وقبله: صبّحن من كاظمة الحصين الخرب (٦) البيت للصلتان العبدي من قصيدة يحكم فيها بين جرير والفرزدق، و"خزانة الأدب" 4/ 372، وفيه (كلاب) بدل (كليب)، و (بذّ) بدل (بزّ).

(٧) في (أ): (مع الإشكال من غير أن).

(٨) "زاد المسير" 4/ 268 و"الدر المصون" 6/ 544.

(٩) الطبري 13/ 37، ابن عطية 8/ 46.

(١٠) البغوي 4/ 267، الرازي 18/ 190، القرطبي 9/ 246 من غير نسبة.

(١١) الطبري13/ 37، وابن أبي حاتم 7/ 2183، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 55.

(١٢) الثعلبي 7/ 102 ب، البغوي 4/ 267.

(١٣) قال به الطبري 13/ 37، والثعلبي 7/ 102 ب، و"زاد المسير" 4/ 268.

(١٤) الثعلبي 7/ 102 ب.

(١٥) الطبري 3/ 37، الثعلبي 7/ 102 ب، البغوي 4/ 267.

(١٦) في (ب): (اللظعنة).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ﴾ استعطافاً وكانوا قد أعلموه بشدّة محبة أبيه فيه ﴿ فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ﴾ على وجه الضمان والاسترهان، والانقياد، وهذا هو الأظهر لقوله: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ﴿ مِنَ المحسنين ﴾ أي أحسنت إلينا فيما فعلت معنا من قبل أو على الإطلاق ﴿ استيأسوا ﴾ أي يئسوا ﴿ خَلَصُواْ نَجِيّاً ﴾ أي انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضاً، والنجي يكون بمعنى المناجي أو مصدراً ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ قيل: كبيرهم في السن وهو روبيل، وقيل كبيرهم في الرأي هو: شمعون، وقيل: يهوذا ﴿ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ تحتمل ﴿ ما ﴾ وجوها: الأول: أن تكون زائدة، والثاني: أن تكون مصدرية ومحلها الرفع بالابتداء تقديره وقع من قبل تفريطكم في يوسف، والثالث: أن تكون موصولة ومحلها أيضاً الرفع كذلك، والأول أظهر ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض ﴾ يريد الموضع الذي وقعت فيه القصة ﴿ ارجعوا إلى أَبِيكُمْ ﴾ من قول كبيرهم، وقيل: من قول يوسف وهو بعيد ﴿ إِنَّ ابنك سَرَقَ ﴾ قرأ الجمهور بفتح الراء والسين، وروي عن الكسائي سرق بضم السين وكسر وتشديد الراء أي نسبت له السرقة ﴿ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ أي قولنا لك إن ابنك: إنما هو شهادة بما علمنا من ظاهر ما جرى ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ أي لا نعلم الغيب هل ذلك حق في نفس الأمر، أم لا، إذ يمكن أن يدس الصواع في رحله من غير علمه.

وقال الزمخشري: المعنى ما شهدنا إلا بما علمنا من سرقته وتيقناه، لأن الصواع استخرج من وعائه، وما كنا للغيب حافظين أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق، وقراءة سرق بالفتح تعضد قول الزمخشري، والقراءة بالضم تعضد القول الأول ﴿ وَسْئَلِ القرية ﴾ واسأل أهل القرية، وكذلك أهل العير: يعنون الرفقة، هذا هو قول الجمهور وقيل: المراد سؤال القرية بنفسها والعير بنفسها ولا يبعد أن تخبره الجمادات لأنه نبيّ والأول أظهر وأشهر على أنه مجاز، والقرية هنا هي مصر ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ قبله محذوف تقديره: فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له هذا الكلام فقال بل سولت الآية ﴿ بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ وأخاه بنيامين، وأخاهم الكبير الذي قال لن أبرح الأرض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أني أنا أخوك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بالإضافة وبياء الغيبة في الفعلين: سهل ويعقوب.

بالنون وبالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون وعلى الإضافة.

﴿ فلما استيأسوا ﴾ وبابه بالألف ثم الياء: أبو ربيعة عن البزي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة الباقون: بياء ثم همزة على الأصل ﴿ لي أبي ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وافق ابن كثير في أبي.

الوقوف: ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لسارقون ﴾ ه ﴿ تفقدون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه ﴿ سارقين ﴾ ه ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فهو جزاؤه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من وعاء أخيه ﴾ ط ﴿ ليوسف ﴾ ط ﴿ يشاء الله ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مكاناً ﴾ ج ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ مكانه ﴾ ج الثلاثة لانقطاع النظم مع اتصال المعنى المحسنين} ه عنده لا لتعلق "إذا" بما قبلها ﴿ لظالمون ﴾ ه ﴿ نجيا ﴾ ط ﴿ يوسف ﴾ ط للابتداء بالنفي مع فاء التعقيب ﴿ يحكم الله لي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء أو الحال ﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ سرق ﴾ ج لانقطاع النظممع اتحاد القائل ﴿ حافظين ﴾ ه ﴿ أقبلنا فيها ﴾ ط لاختلاف الجملتين والابتداء بأنّ: ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: روي أنهم لما أتوه بأخيهم بنيامين أنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه.

فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدته.

ثم أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتاً وقال: هذا لا ثاني له فاتركوه معى فآواه إليه أي أنزله في المنزل الذي كان يأوي إليه: فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح.

ولما رأى تأسفه لأخ هلك قال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟

قال: من يجد أخاً مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل: فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و ﴿ قال إني أنا أخوك ﴾ قال وهب: أراد إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس وعدم التوحش.

وقال ابن عباس وسائر المفسرين: أراد تعريف النسب لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة ولا وجه لصرف اللفظ عن ظاهره من غير ضرورة ﴿ فلا تبتئس ﴾ افتعال من البؤس الشدّة والضر أراد نهيه عن اجتلاب الحزن ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ من دواعي الحسد والأعمال المنكرة التي أقدموا عليها.

يروى أن بنيامين قال ليوسف: أنا لا أفارقك.

فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي فإذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن أنسبك إلى ما ليس يحسن.

قال: أنا راض بما رضيت.

قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك أنك قد سرقته فذلك قوله  ﴿ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ والسقاية مشربة يسقى بها وهي الصواع كان يسقى بها الملك أو الدواب ثم جعلت صاعاً يكال به.

وكان مستطيلاً من ذهب أو فضة مموهة بالذهب أو مرصعاً بالجواهر أقوال ﴿ ثم أذن مؤذن ﴾ نادى منادٍ ومعناه راجع إلى الإيذان والإعلام إلا أن التشديد يفيد التكثير أو التصويب بالنداء ﴿ أيتها العير ﴾ أراد أصحاب العير كقوله  : "يا خيل الله اركبي" والعير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء.

وقيل: هي قافلة الحمير كأنها جمع عير وأصلها "فعل" بالضم كسقف فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء كما في "بيض" ثم كثر في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز لنبي الله أن يرضى بنسبة قومه إلى السرقة وهم برآء؟

وأجاب العلماء بأنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا السقاية غلب على ظنونهم أنهم أخذوها، أو المؤذن ذكر ما ذكر على سبيل الاستفهام، أو المراد أنهم سرقوا يوسف  من أبيهم، أو المراد أن فيكم سارقاً وهو الأخ الذي رضي بذلك البهتان فلا ذنب لأن الخصم رضي بأن يقال في حقه ذلك.

ثم إن إخوة يوسف ﴿ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ﴾ قيل: صواع اسم للصاع والسقاية وصف ﴿ ولمن جاء به ﴾ أي بالصواع ﴿ حمل بعير ﴾ من طعام جعلاً لمن حصله ﴿ وأنا به زعيم ﴾ كفيل هو من قول المؤذن وفيه أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم أيضاً إذا كان معلوماً فكأن حمل بعير كان عندهم شيئاً معلوماً كوسق مثلاً إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهو كفالة ما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم ﴿ قالوا تالله ﴾ التاء مبدلة من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل.

حلفوا على أمرين معجبين: أحدهما أنهم علموا أن إخوة يوسف ما جاءوا لأجل الفساد في الأرض بالنهب والغصب ونحو ذلك حتى روي أنهم دخلوا وأفواه دوابهم مشدودة خوفاً من أن تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد في الطرق والأسواق، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ورد المظالم حتى حكي أنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم.

وثانيهما أنهم ما وصفوا قط بالسرقة.

﴿ قالوا ﴾ أي أصحاب يوسف: ﴿ فما جزاؤه ﴾ قال في الكشاف: الضمير للصواع والمضاف محذوف أي فما جزاء سرقته إن كنتم من الكاذبين في جحودكم وادعائكم البراءة؟

قلت: ويحتمل أن يعود إلى السارق، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوا في الجزاء حتى ﴿ قالوا جزاؤه من وجد في رحله ﴾ أي جزاؤه الرق.

قال الزجاج: وقوله ﴿ فهو جزاؤه ﴾ زيادة في البيان أي فأخد السارق نفسه هو جزاؤه لا غير كما يقال حق السارق القطع جزاؤه لتقرر ما ذكر من استحقاقه، ويجوز أن يكون مبتدأ وباقي الكلام جملة شرطية مرفوعة المحل بالخبرية على أن الأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ليكون الضمير الثاني عائد إلى المبتدأ والأول إلى "من" ولكنه وضع المظهر مقام المضمر للتأكيد والمبالغة.

وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ جزاؤه ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي المسؤول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم من وجد في رحله فهو جزاؤه.

أما قوله: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء ﴿ نجزي الظالمين ﴾ فيحتمل أن يكون من بقية كلام إخوة يوسف وأن يكون من كلام أصحاب يوسف والله أعلم.

ثم قال لهم المؤذن ومن معه: لا بد من تفتيش أوعيتكم فانصرف بهم إلى يوسف ﴿ فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ﴾ لنفي التهمة والوعاء كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به.

قال قتاة: كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثماً مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا أخوه قال: ما أظن هذا أخذ شيئاً.

فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله فنظر.

﴿ ثم استخرجها ﴾ أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث.

﴿ من وعاء أخيه ﴾ فأخذوا برقبته وحكموا برقيته.

ثم قال  ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الكيد العظيم ﴿ كدنا ليوسف ﴾ يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه.

والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر به في أمر مكروه ولا سبيل إلى دفعه، وقد سبق فيما تقدم أن أمثال هذه الألفاظ في حقه  محمولة على النهايات لا على البدايات.

وما هذا الكيد؟

قيل: هو أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره والله  نصره وقواه.

وقيل: الكيد يستعمل في الخير أيضاً والمعنى كفعلنا بيوسف من الإحسان إليه ابتداء فعلنا به انتهاء وقيل: تفسير هذا الكيد هو قوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ لأن حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم مثلي ما سرق فما كان يوسف قادراً على حبس أخيه بناء على دين الملك وحكمه.

ومعنى ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ هو أن الله كاد له فأجرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق حتى توصل بذلك إلى أخذ أخيه، وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى بعض الأغراض الدينية والدنيوية.

ثم مدحه على الهداية إلى هذه الحيلة كما مدح إبراهيم على ما حكى عنه من دلائل التوحيد والبراءة من إلهية الكوكب ثم القمر ثم الشمس فقال: ﴿ نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ﴾ فوقه أرفع درجة منه في علمه.

ثم إن أطلق على الله  أنه ذو علم كان هذا العام مخصوصاً لأنه لا عليم فوقه، وإن قيل: إنه عالم بلا علم كما يقوله بعض المعتزلة كان النص باقياً على عمومه، وإن قلنا إن الكل بمعنى المجموع كان المعنى وفوق جميع العلماء عليم هم دونه في العلم وهو الله  والميل إلى هذا التفسير لأن قوله: ﴿ ذو علم ﴾ مشعر بكون علمه زائداً على حقيقته ووصفه  عين ذاته، وفي هذا البحث طول وفي الرمز كفاية.

يروى أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت ففضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصاع؟

فقال: بنو راحيل هم الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم فعند ذلك ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ عنوا به يوسف.

واختلف في تلك السرقة فعن سعيد بن جبير أن جده أبا أمه كان يعبد الوثن فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادتها.

وقيل: سرق عناقاً من أبيه أو دجاجة ودفعها إلى مسكين.

وقيل: كانت لإبراهيم  منطقة يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته عمة يوسف فحضنت يوسف إلى أن شب فأراد يعقوب أن ينتزعه منها وكانت تحبه حباً شديداً فشدت المنطقة على يوسف تحت ثيابه ثم زعمت أنه قد سرقها، وكان في شرعهم استرقاق السارق فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها.

وقيل إنهم كذبوا عليه وبهتوه حسداً وغيظاً.

﴿ فأسرّها يوسف ﴾ قال الزجاج وغيره: الضمير يعود إلى الكلمة أو الجملة كأنه قيل: فأسر الجملة في نفسه ولم يبدها لهم، ثم فسرها بقوله: ﴿ قال أنتم شر مكاناً ﴾ والمعنى أنه قال هذه الجملة على سبيل الخفية.

وطعن الفارسي في هذا الوجه فقال: إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل، والحق أن القرآن حجة على غيره.

وقيل: الضمير: عائد على الإجابة أي أسر يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر.

وقيل: يعود إلى المقالة أو السرقة أي لم يبين يوسف أن تلك السرقة كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والعار.

وعن ابن عباس أنه قال: عوقب يوسف ثلاث مرات: عوقب بالحبس لأجل همه بها، وبالحبس الطويل لقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وبقولهم: ﴿ فقد سرق أخ له من قبل ﴾ لقوله: ﴿ إنكم لسارقون ﴾ ومعنى ﴿ شر مكاناً ﴾ شر منزلة لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم على التحقيق وقلتم أكله الذئب ﴿ والله أعلم بما تصفون ﴾ المراد أنه يعلم أني لست بسارق في التحقيق ولا أخي، أو الله أعلم بأن الذي وصفتموه هل يوجب ذماً أم لا.

قال ابن عباس: لما قال يوسف هذا القول غضب يهوذا وكان إذا غضب وصاح لم تسمع صوته حامل إلا وضعت وقام شعره على جلده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه.

فقال لبعض إخوته: اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف لابن صغير له: مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف رجله على الأرض ليريه أن شديد وجذبه فسقط فعند ذلك ﴿ قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً ﴾ في السن أو في القدر وهو أحب إليه منا ﴿ فخذ أحدنا مكانه ﴾ استعباداً أو رهناً حتى نبعث الفداء إليك فلعل العفو أو الفداء كان جائزاً أيضاً عندهم ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ لو فعلت ذلك أو من المحسنين إلينا بأنواع الكرامة ورد البضاعة إلى رحالنا أو أرادوا الإحسان إلى أهل مصر حيث أعتقهم بعدما اشترى رقابهم بالطعام ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ معاذ الله ﴾ من ﴿ أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً ﴾ أي إذا أخذنا غيره ﴿ لظالمون ﴾ في مذهبكم لأن استعباد غير من وجد الصواع في رحله ظلم عندكم، أو أراد إن الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملاً بخلاف الوحي ﴿ فلما استيأسوا منه ﴾ حيث لم يقبل الشفاعة أي يئسوا والزيادة للبالغة.

﴿ خلصوا ﴾ اعتزلوا عن الناس خالصين لا يخالطهم غيرهم ﴿ نجياً ﴾ مصدر والمضاف محذوف أي ذوي نجوى، أو المراد أنهم التناجي في أنفسهم لاستجماعهم بذلك واندفاعهم فيه بجد واهتمام كما يقال: رجل جور ورجال عدل، أو صفة لموصوف محذوف أي فوجاً نجياً بمعنى مناجياً بعضهم لبعض كالعشير بمعنى المعاشر.

وفيم كان تناجيهم؟

الجواب في تدبير أمرهم على أيّ وجه يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم فعند ذلك ﴿ قال كبيرهم ﴾ في السن وهو روبيل، أو في القدر وهو شمعون لأنه كان رئيسهم، أو في العقل والرأي وهو يهوذا.

وقوله: ﴿ ما فرطتم ﴾ إما أن تكون "ما" صلة أي ومن قبل هذا قصرتم ﴿ في ﴾ شأن ﴿ يوسف ﴾ ولم توفوا بعهدكم أباكم، وإما أن تكون مصدرية محله الرفع على الابتداء وخبره بالظرف تقديره ومن قبل تفريطكم أي وقع من قبل تقصيركم في حقه، أو النصب عطفاً على مفعول ألم تعلموا كأنه ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطكم من قبل، وإما أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في شأن يوسف من الجناية والخيانة ومحل الموصول الرفع أو النصب على الوجهين.

﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ فلن أفارق أرض مصر ﴿ حتى يأذن لي أبي ﴾ في الانصراف ﴿ أو يحكم الله لي ﴾ بالخروج منها أو بالانتصاف من أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب.

ثم إنه بقي ذلك الكبير في مصر وقال لغيره من الإخوة.

﴿ ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق ﴾ قاله بناء على ما شاهد من استخراج الصواع من وعائه، أو أراد أنه سرق في قول الملك وأصحابه كقول قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ أي في زعمك واعتقادك، أو المراد إن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة.

وإطلاق اسم أحد الشبيهين على الآخر جائز أو القوم ما كانوا حينئذ أنبياء فلا يبعد منهم الذنب.

وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ سرق ﴾ مشدداً مبنياً للمفعول أي نسب إلى السرقة.

وعلى هذا فلا إشكال، ومما يدل على أنهم بنوا الأمر على الظاهر قوله ﴿ وما شهدنا إلا بما علمنا ﴾ أي إلا بقدر ما تيقناه من رؤية الصواع في وعائه ﴿ وما كنا للغيب ﴾ للأمر الخفي ﴿ حافظين ﴾ فإن الغيب لا يعلمه إلا الله.

وعن عكرمة أن الغيب الليل معناه لعل الصواع دس في رحله بالليل من حيث لا يشعر، أو ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق قاله مجاهد والحسن وقتادة، أو ما علمنا أنا إذا قلنا إن شرع بني إسرائيل هو استرقاق السارق أخذ أخونا بتلك الحيلة.

ثم بالغوا في إزالة التهمة فقالوا: ﴿ واسأل القرية التي كنا فيها ﴾ الأكثرون على أنها مصر.

وقيل: قرية على باب مصر وقع فيها التفتيش أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة ﴿ و ﴾ اسأل أصحاب ﴿ العير التي أقبلنا فيها ﴾ وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب.

وقيل: قوماً من أهل صنعاء.

وقال ابن الأنباري: إن يعقوب كان من أكابر الأنبياء فلا يبعد أن يحمل سؤال القرية على الحقيقة بأن ينطق الله الجمادات لأجله معجزة، فالمراد اسأل القرية والعير والجدران والحيطان فإنها تجبيك بصحة ما ذكرنا.

وقيل: إن الشيء إذا ظهر ظهوراً تاماً فقد يقال سل عنه السماء والأرض وجميع الأشياء ويراد إنه ليس للشك فيه مجال.

ثم زادوا في تأكيد نفي التهمة قائلين ﴿ وإنا لصادقون ﴾ وليس غرضهم إثبات صدقهم فإن ذلك يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ولكن الإنسان إذا ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده أنا صادق فتأمل فيما ذكرته ليزول عنك الشك.

وههنا إضمار التقدير فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ما قال لهم أخوهم فعند ذلك: ﴿ قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ وقد مر تفسيره في أول السورة.

ولكن المفسرين زادوا شيئاً آخر فقيل: المراد أنه خيل إليكم أنه سرق وما سرق.

وقيل: أراد سوّلت لكم أنفسكم إخراج بنيامين والمسير به إلى مصر طلباً للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألححتم عليّ في إرساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله ربما جاء على خلاف تقديركم.

وقيل: أراد فتواهم وتعليمهم وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته.

واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز على يعقوب السعي في إخفاء حكم الله  ؟

وأجيب بأن ذلك الحكم لعله كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق له مسلماً وكان الملك في ظن يعقوب كافراً، ولما طال بلاؤه ومحنته علم بحسن الظن والرجاء أنه  سيجعل له فرجاً ومخرجاً عما قريب، أو لعله علم بالوحي أن يوسف حي وكان بنيامين والكبير الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ قد بقيا في مصر فلذلك قال: ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم ﴾ أي بالثلاثة الغائبين ﴿ جميعاً إنه هو العليم ﴾ بحالي ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما يفعله من الابتلاء والإبلاء.

التأويل: لما دخل الأوصاف البشرية ومعهم السر ﴿ على يوسف ﴾ القلب ﴿ آوى ﴾ القلب السر ﴿ إليه ﴾ لأنه أخوه الحقيقي بالمناسبة الروحانية ﴿ فلا تبتئس ﴾ إذا وصلت بي ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ معك في مفارقتي لأن السر مهما كان مفارقاً من قلب مقارناً للأوصاف كان محروماً عن كمالات هو مستعد لها ﴿ فلما جهزهم ﴾ جهز القلب الأوصاف بما يلائم أحوالها ﴿ جعل السقاية ﴾ وهي مشربة كان منها شربه ﴿ في رحل أخيه ﴾ لأنهما رضيعا لبان واحد ﴿ إنكم لسارقون ﴾ سرقتم في الأول يوسف القلب وشريتموه بثمن بخس من متاع الدنيا وشهواتها، وسرقتم في الآخر مشربة ليست من مشاربكم، وفيه أن من ادعى الشرب من مشارب الرجال وهو طفل بعد أخذ بالسرقة واستردت منه ﴿ ولمن جاء به حمل بعير ﴾ من علف الدواب ومراتع الحيوانات لأنه ليس مستحقاً للشرب من مشارب الملوك ﴿ لقد علمتم ﴾ أن المقبولين المقبلين على يوسف القلب لا نريد الإفساد في أرض الدنيا كما قالت الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ ﴿ وما كنا سارقين ﴾ إذ أخذنا يوسف القلب وألقيناه في غيابة الجب البشرية بل سعينا في أن ينال مملكة مصر العبودية ليكون عزيزاً فيها ونحن أذلاء له ﴿ جزاؤه من وجد في رحله ﴾ أي لكل شارب مشرب ولكل شرب فدية.

ففدية الشارب من مشرب الدنيا صنعته وحرفته وكسبه، وفدية الشارب من مشرب الآخرة الدنيا وشهواتها، وفدية الشارب من شرب المحبة بذل الوجود ﴿ كذلك نجزي الظالمين ﴾ الذين وضعوا صواع الملك في غير موضعه طمعاً في أن يكونوا حريف الملك وشريبه ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ أي كما كاد الأوصاف البشرية في الابتداء بيوسف القلب إذ ألقوه في جب البشرية كدنا بهم عند قسمة الأقوات من خزانة الملك فجعلنا قسمتهم من مراتع الحيوانات يأكلون كما تأكل الأنعام، وقسمة بنيامين السر من مشربة الملك.

﴿ وفوق كل ذي علم ﴾ آتيناه علم الصعود ﴿ عليم ﴾ بجذبه من المصعد الذي يصعد إليه بالعلم المخلوق إلى مصعد لا يصعد إليه إلا بالعلم القديم وهو السير في الله بالله إلى الله، وهذا صواع لا تسعه أوعية الإنسانية ﴿ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ فيه إشارة إلى السر والقلب مع أنهما مخصوصان بالحظوظ الأخروية والروحانية فإنهم قابلان للاسترقاق من الشهوات الدنياوية والنفسانية ولما رأت الأوصاف البشرية عزة القلب وعرفت اختصاص البشرية أرادت أن تفدي نفسها وسيلة إلى يعقوب الروح فقالت: ﴿ فخذ أحدنا مكانه ﴾ ﴿ قال معاذ الله ﴾ أن نقبل بالصحبة والمخالطة ﴿ إلا من وجدنا متاعنا ﴾ من الصدق والمحبة والإخلاص عنده أي لا تكون صحبتنا بالكراهية والنفاق وإنما تكون بعلة الجنسية ﴿ فلما استيأسوا ﴾ من صحبة القلب ﴿ خلصوا ﴾ عن الأوصاف الذميمة للتناجي ﴿ قال كبيرهم ﴾ هو العقل ألم تعلموا أن أباكم وهو الروح ﴿ قد أخذ عليكم موثقاً من الله ﴾ يوم الميثاق أن لا تعبدوا إلا الله ﴿ فلن أبرح ﴾ أرض فناء القلب وهي الصدر.

والحاصل أن صفة العقل لما تخلصت عن الأوصاف البشرية خرجت عن أوامر النفس وتصرفاتها وصارت محكومة لأوامر الروح مستسلمة لأحكام الحق.

﴿ ارجعوا إلى أبيكم ﴾ الروح على أقدام العبودية وتبديل الأخلاق ﴿ إن ابنك سرق ﴾ لأنه وجد في رحله مشربة المحبة التي بها يكال الحب على وفده.

﴿ وما كنا للغيب ﴾ عند ارتحالنا من الغيب إلى الشهادة ﴿ حافظين ﴾ لأنه جعل السقاية في رحله في غيبتنا.

﴿ واسأل ﴾ أهل مصر الملكوت وأرواح الأنبياء والأولياء ﴿ قال بل سولت ﴾ فيه أن للنفس تزيينات وللأوصاف البشرية خيالات يتأذى بها يعقوب الروح لكن عليه أن يصبر على إمضاء أحكام الله وتنفيذ قضائه ﴿ عسى الله أن يأتيني ﴾ فيه أن متولدات الروح من القلب والأوصاف وغيرها وإن تفرقوا وتباعدوا عن الروح في الجسد للاستكمال فإن الله بجذبات العناية يجمعهم في مقعد صدق عنده مليك مقتدر ﴿ إنه هو العليم ﴾ بافتراقهم ﴿ الحكيم ﴾ بما في التفريق والجمع من الفوائد.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ ﴾ .

قيل: أيسوا عن أن يُرَدّ إليهم أخوهم.

﴿ خَلَصُواْ نَجِيّاً ﴾ .

قيل: خلوا من الناس وخلصوا منهم؛ يتناجون فيما بينهم في أمر أخيهم، أو في الانصراف إلى أبيهم، أو في المقام فيه.

﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ ﴾ .

قال أهل التأويل: كبيرهم في العقل ليس في السن؛ وهو فلان.

قال بعضهم: وهو يهوذا، وقال بعضهم: هو شمعون.

ولكن لا نعلم من كان قائل هذا لهم، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ سوى أن فيه: ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ إمَّا أن كان كبيرهم في العقل؛ أو كبيرهم في السن.

﴿ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ ﴾ (ألم تعلموا) و(ألم تروا) حرفان يستعملان في أحد أمرين: في الأمر؛ أن اعلموا ذلك، أو في موضع التنبيه والتقرير؛ وهاهنا كأنه قال ذلك على التقرير والتنبيه؛ أي: قد علمتم ﴿ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ .

هذا يدل أن التأويل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ  ﴾ هو إلا أن يعمكم أمرٌ ويجمعكم؛ فتهلكون فيه جميعاً، وليس كما قال بعض أهل التأويل: إلا أن يجيء ما يمنعكم عن ردّه؛ أي: إلا أن تغلبوا فتعجزوا عن ردّه؛ لأنه قد جاء ما يمنعهم عن ردّه، ثم أبي أكبرهم الرجوع إلى أبيه؛ دل أن التأويل هو هذا، ومن يقول: إن التأويل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ  ﴾ إلا أن يجيء ما يمنعكم عن الردّ؛ استدل بقوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ ﴾ ؛ فلو كان على ما يعمهم ويجمعهم، لم يكن ليأمرهم بالرجوع إلى أبيهم؛ دل أنه ما ذكر.

وأما أهل التأويل الأول يقولون: إن قوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن إذا رجعتم إلى أبيكم؛ فقولوا: إن ابنك سرق وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه كما قلنا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن لو رجعتم إليه؛ فقولوا كذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ ﴾ .

أي: من قبل ما ضيعتم أمر أبيكم في يوسف؛ أو ضيعتم أمر الله ووعده في يوسف.

﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ ﴾ .

[هذا يحتمل وجهين: يحتمل حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه؛ إذا ظهر عنده عذرنا وصدقنا في أمره ابنه أو يأذن لي أبي] بالمنازعة في القتال مع الملك حتى أستنقذ أخي وأستخلصه منه.

﴿ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي ﴾ في الرجوع أيضاً أو في القتال معه.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ أو يحكم الله لي بإظهار عذرنا وصدقنا عند أبينا.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ في إظهار العذر؛ لأنه إذا حكم بإظهار العذر ظهر ذلك في الخلق جميعاً، ولا كذلك حكم غيره؛ لأن كل من يحكم بحكم؛ يجوز إنما يحكم بحكم؛ هو حكم الله؛ فهو خير الحاكمين وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ  ﴾ لأن من رحم من الخلق؛ إنما يرحم برحمته؛ فهو أرحم الراحمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ﴾ .

يحتمل على الأمر؛ على ما هو [في] الظاهر.

ويحتمل ما ذكرنا؛ أي: لو رجعتم إليه؛ فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق يشبه أن يكون هذا منه تعريضاً في التخطئة؛ على ما كان يؤثره على غيره من الأولاد؛ أي الذي كنت تؤثره علينا بالمحبة وميل القلب إليه - قد سرق، ويشبه أن يكون ليس على التعريض؛ ولكن على الإخبار؛ على ما ظهر عندهم من ظاهر الأمر.

﴿ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ بما أخرج المتاع من وعائه.

﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ .

هذا على التأويل الذي قيل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ أي: يعمكم ويجمعكم؛ أي: ما كنا نعلم - وقت إعطاء العهد والميثاق - أنه يسرق؛ وإلا لم نعطك العهد على ذلك.

ويحتمل: ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ وقت ما أخرج المتاع من وعائه؛ واتهم أنه سرق، أو لم يسرق، أو هو وضع الصاع في رحله، أو غيره وضع أي: ما كنا نعلم في الابتداء أن الأمر يرجع إلى هذا؛ وإلا لم نخرجه معنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ .

أي لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه على ما نقول.

﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ على ذلك؛ على ما ظهر لنا؛ من استخراج الإناء من وعائه والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ .

فإن قيل: كيف قال لهم: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ وجعل ما أخبروه من تسويل أنفسهم وتزيينها؛ ولم يخالفوه فيما أمرهم في أمر بنيامين، ولا تركوا شيئاً مما أمرهم به؛ وليس هذا كالأول؛ الذي قال لهم في أمر يوسف: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً...

﴾ الآية؛ لأنه قد كان منهم خلاف لما أمرهم به؛ والسعي على إهلاكه، فكان ما ذكر من تسويل أنفسهم وتزيينها في موضع التسويل والتزيين، وأمَّا هاهنا فلم يأت منهم إليه خلاف، ولا ترك لأمره؛ فكيف قال: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ لكن يشبه أن يكون قال ذلك؛ لأنهم لما اتّهموا جميعاً بالسرقة؛ فقيل: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ  ﴾ قالوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ  ﴾ قطعوا فيه القول؛ أنهم لم يكونوا سارقين، وهو كان فيهم؛ فكيف قطعتم فيه القول بالسرقة ﴿ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ ﴾ ؛ ولكن سولت لكم أنفسكم أمراً من البغض والعداوة؛ من الإيثار له وليوسف عليهم؛ والميل إليهما دونهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ  ﴾ والله أعلم.

فسولت لكم أنفسكم ببغضكم وعداوتكم حتى تركتم التفحص عن حاله وأمره، أن لا كل من وجد في رحله شيء يكون هو واضع ذلك الشيء؛ بل قد يضع غيره فيه؛ على غير علم منه.

وقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ .

قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .

قال أهل التأويل: قال: ﴿ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ ؛ لأنهم صاروا جماعة؛ يوسف وبنيامين أخوه، ويهوذا وشمعون قد تخلفا لسبب حبس يوسف أخاه، أو يوسف وأخوه.

وقال بعض أهل التأويل: إن جبريل أتى يعقوب على أحسن صورة؛ فسأله عن يوسف؛ أفي الأحياء أم في الأموات؟

فقال: بل هو في الأحياء؛ فقال عند ذلك: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .

أو علم يعقوب أن يوسف في الأحياء، وأنه غير هالك؛ لما رأى يوسف؛ من الرؤيا؛ من سجود الكواكب والشمس والقمر له؛ علم أنه في الأحياء، وأنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه، وغير ذلك من الدلائل، لكنه كان لا يعلم أين هو؟

فقال ذلك ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ .

أي أعرض عنهم وعاتبهم؛ حين أخبروه أن ابنه سرق.

وقال: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .

قيل: يا حزنا على يوسف، وقيل يا جزعا.

وقال القتبي: الأسف أشد الحسرة؛ وأصله: أن الأسف كأنه النهاية في الحزن: أن الحزين إذا بلغ غايته ونهايته؛ يقال: أسف.

وهو النهاية في الغضب أيضاً.

كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا  ﴾ أي: لما أغضبونا ﴿ ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ  ﴾ وقوله  : ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .

يحتمل أن يكون لا على إظهار القول باللسان؛ ولكن إخبار عما في ضميره، وذلك جائز؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ  ﴾ أخبر عما في قلوبهم؛ لا أن قالوا ذلك باللسان.

ويحتمل القول به على غير قصد منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .

الكظم: هو كف النفس عن الجزع؛ وترديد الحزن في الجوف على غير إظهار في أفعاله، والجزع هو ما يظهر في أفعاله؛ والذي يهيج الحزن هو الذي يهيج الغضب، إلا أن الحزن يكون على من فوقه؛ والغضب على من تحت يده، وسبب هيجانهما واحد، أو أن يكون الكظيم: هو الذي يمسك الحزن في قلبه والغم، كأنه هو الذي يستر ويغطي القلب؛ إذا حل به، والهم: هو ما يبعث على القصد من الهم به.

والحزن: هو على ما يؤثر التغيير في الخلقة؛ ولا يظهر في الأفعال [والجزع يظهر في الأفعال] ولا يغير الخلقة عن حالها، لذلك عمل في ضعف نفس يعقوب، وعمل في إهلاك بعضه، حيث ذهبت عيناه وابيضت من الحزن، والكظيم: ما ذكرنا؛ هو الذي يردد الحزن في جوفه ولا يظهر ويكفه عن الجزع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَاللهِ ﴾ .

هو يمينهم مكان: والله أو بالله، وكذلك قال إبراهيم: ﴿ وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ .

أي لا تزال تذكر يوسف ولا تنسى ذكره؛ حتى تسلو؛ من حزنه، كأنهم دَعَوْه إلى السلوّ من حزنه؛ لأنه بالذكر يتجدد الحزن ويحدث، فقالوا له: لا تزال تذكر يوسف.

﴿ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً ﴾ .

قيل: دنفاً وقيل: ﴿ حَرَضاً ﴾ : هرماً؛ وأصل الحرض: الضعف.

﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ ﴾ .

كذلك صار يعقوب ضعيفاً في بدنه من الحزن؛ وصار بعض بدنه من الهالكين؛ حيث ابيضت عيناه؛ وذهبتا من الحزن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .

قال القتبي: الحرض: الدنف، والبث: أشدّ الحزن؛ لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يَبُثَّه؛ أي: يشكوه، وكذلك روي في الخبر: (مَنْ بَثَّ فلم يصبر)؛ أي: شكا، وما ذكر من الشكاية إلى الله ليس على إظهار ذلك باللسان؛ ولكن إمساك في القلب.

وقال الحسن: ﴿ أَشْكُو بَثِّي ﴾ أي: حاجتي وحزني إلى الله، ويشبه أن يكون البث والحزن واحداً ذكر على التكرار.

وقال بعضهم: الحرض: الذي قد ذهب عقله من الكبر.

﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ ﴾ فتموت والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قوله: أعلم من الله من تحقيق رؤيا يوسف؛ أنه كائن ما لا تعلمون: أنتم وأنا سنسجد له.

وقال ابن عباس -  -: [قوله]: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه حي لم يمت وهو ما ذكر؛ أنه كان يعلم من الله ما لا يعلمون هم.

ويشبه أن يكون قوله: أعلم من الله؛ أي: أنتفع بعلمي ما لا تنتفعون أنتم، وأصله: أن إخوة يوسف لو علموا أن أمر يوسف يبلغ ما بلغ من الملك والعز - ما قصدوا قصد تغييبه عن والده، ولا سعوا فيه فيما سعوا من إفساد أمره، لكنهم لم يعلموا والله أعلم - أو علم من الله شيئاً لم يبين ما لا يعلمون هم؛ كقول إبراهيم [...]، وما ذكر أهل التأويل: أن يعقوب قال: كذا؛ من النياح على يوسف والجزع عليه؛ لا يحتمل ذلك؛ لأنه قال - حين أخبروه بذلك -: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وما ذكروا هم منه ليس هو بصبر؛ فضلا أن يكون جميلا.

وقوله: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .

قال أهل التأويل: تحسسوا: اطلبوه واستخبروا عنه وعن أخيه، لكن غير هذا كأنه أقرب؛ وهو من وقوع الحس عليه؛ كأنه قال: اذهبوا فانظروا إليه وإلى أخيه؛ لأنهم إن لم يكونوا يعلمون أن يوسف أين هو - فلقد كانوا يعلمون من حال أخيه بنيامين أنه أين هو؛ فلو كان على الطلب والبحث والاستخبار؛ على ما قاله أهل التأويل؛ إن احتمل في يوسف فذلك لا يحتمل في أخيه؛ إذ هم كانوا يعلمون مكانه وأين هو؛ وإن كانوا لا يعلمون مكان يوسف ولا أين هو، وهو إنما أمرهم أن يتحسسوا عنهما جميعاً؛ فدل - والله أعلم - أنه من وقوع الحسّ والبصر عليهما؛ لا من البحث والطلب - والله أعلم - فكأنه علم بالوحي أنه هنالك وأخوه معه، لكنه لم يخبر بنيه أنه هنالك؛ لما علم أنهم يتكاسلون ويتثاقلون عن الذهاب إليه؛ فإنما أمرهم بذلك أمر تعريض لا أمر تصريح.

أو أن يكون قوله: ﴿ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ ﴾ على الإضمار؛ أي: تحسسوا من يوسف واسألوا منه ردَّ أخيه؛ لما علم أن أخاه يكون معه.

وقال عامة أهل التأويل: إنما قال لهم هذا؛ وعلم أنه في الأحياء؛ لأنه رأى ملك الموت؛ فقال له: هل قبضت روح يوسف مما قبضت من الأرواح؟

قال: لا.

وقال بعضهم: رأى في المنام ملك الموت؛ فقال له ما ذكرنا؛ فعند ذلك قال هذا القول.

لكنا نقول: إنه كان عالماً بأنه في الأحياء؛ ليس بهالك؛ لما رأى من الرؤيا وغيره؛ فعلم أنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه على الصدق والحق، لكنه لم يكن يعلم أنه أين هو من قبل، ثم علم من بعدُ بالوحي عن مكانه وحاله؛ فأمر بنيه أن يأتوه؛ فينظروا إليه وإلى أخيه.

وأصل هذا: أن ما حَلّ بيعقوب - من فوت يوسف وغيبته عنه - محنة امتحنه ربه، وبلية ابتلاه بها؛ يبتلى بذلك؛ حسرة عليه؛ ألا ترى أن يوسف لو أراد أن يُعْلِم أباه يعقوب عن مكانه وحاله؛ لقدر عليه؛ لأنه كان يعلم بمكان أبيه، وأن يعقوب لا يعلم بمكان يوسف؛ فلم يعلمه إلا بعد الأمر بالإعلام.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: من رحمة الله.

﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .

أخبر أنه لا ييئس من رحمة الله إلا القوم الكافرون؛ لأن مَنْ آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته فلا ييئس من رحمته، وأمّا الكافر؛ فإنه لا يعلم رحمة الله ولا تقلبه في رحمته؛ فييئس من رحمته.

فنهاهم عن الإياس؛ لما كان عندهم أنه هالك؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ  ﴾ لما قال لهم: ﴿ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ  ﴾ وأخوه كان محبوساً بالسرقة؛ والمحبوس لا يرد في حكمهم.

أو يقول: نهاهم؛ وإن لم يكونوا آيسين؛ ثم قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ خبر عن الله؛ أخبر أنه لا ييئس من [رحمة الله] إلا القوم الكافرون، وكذلك ما بشر إبراهيم بالولد؛ حيث قالوا: ﴿ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ  ﴾ نهاه عن القنوط؛ ولا يحتمل أن يكون إبراهيم قانطاً عن ذلك؛ لكنه نهاه ثم أخبر فقال: ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ  ﴾ والآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لقولهم: إن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار وأنه ليس بكافر؛ وهو آيس - على قولهم - من رَوْح الله، وقد أخبر أنه ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ وهم يقولون: إن صاحب الكبيرة آيس من رَوْح الله، وهو ليس بكافر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولتتحقق من صدقنا اسأل -يا أبانا- أهل مصر التي كنا فيها، واسأل أصحاب القافلة التي جئنا معها يخبروك بما أخبرناك به، وإنا لصادقون حقًّا فيما أخبرناك به من سرقته.

<div class="verse-tafsir" id="91.O0LGq"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله