الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٩ من سورة يوسف
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 6 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٩ من سورة يوسف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ) يقولون : هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم ، أعدموه من وجه أبيكم ، ليخلو لكم وحدكم ، إما بأن تقتلوه ، أو تلقوه في أرض من الأراضي ، تستريحوا منه ، وتختلوا أنتم بأبيكم ، وتكونوا من بعد إعدامه قوما صالحين .
فأضمروا التوبة قبل الذنب .
القول في تأويل قوله تعالى : اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال إخوة يوسف بعضهم لبعض: اقتلوا يوسف أو اطرحوه في أرض من الأرض ، يعنون مكانا من الأرض ، (يخلُ لكم وجه أبيكم) يعنون: يخلُ لكم وجه أبيكم من شغله بيوسف ، فإنه قد شغله عنّا، وصرف وَجهه عنَّا إليه (وتكونوا من بعده قومًا صالحين) ، يعنون أنهم يتوبون من قتلهم يوسف، وذنبهم الذي يركبونه فيه ، فيكونون بتوبتهم من قتله من بعد هلاك يوسف قومًا صالحين .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 18798- حدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي: (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين) ، قال: تتوبون مما صنعتم ، أو: من صنيعكم.
* * *
قوله تعالى : اقتلوا يوسف في الكلام حذف ; أي قال قائل منهم : اقتلوا يوسف ليكون أحسم لمادة الأمر .أو اطرحوه أرضا أي في أرض ، فأسقط الخافض وانتصب الأرض ; وأنشد سيبويه فيما حذف منه " في " :لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب[ ص: 117 ] قال النحاس : إلا أنه في الآية حسن كثير ; لأنه يتعدى إلى مفعولين ، أحدهما بحرف ، فإذا حذفت الحرف تعدى الفعل إليه .
والقائل قيل : هو شمعون ، قال وهب بن منبه .
وقال كعب الأحبار ; دان .
وقال مقاتل : روبيل ; والله أعلم .
والمعنى أرضا تبعد عن أبيه ; فلا بد من هذا الإضمار لأنه كان عند أبيه في أرض ." يخل " جزم لأنه جواب الأمر ; معناه : يخلص ويصفو .لكم وجه أبيكم فيقبل عليكم بكليته .وتكونوا من بعده أي من بعد الذنب ، وقيل : من بعد يوسف .قوما صالحين أي تائبين ; أي تحدثوا توبة بعد ذلك فيقبلها الله منكم ; وفي هذا دليل على أن توبة القاتل مقبولة ، لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم .
وقيل : صالحين أي يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أثرة ولا تفضيل .
{ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ْ} أي: غيبوه عن أبيه في أرض بعيدة لا يتمكن من رؤيته فيها.
فإنكم إذا فعلتم أحد هذين الأمرين { يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ْ} أي: يتفرغ لكم، ويقبل عليكم بالشفقة والمحبة، فإنه قد اشتغل قلبه بيوسف شغلا لا يتفرغ لكم، { وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ ْ} أي: من بعد هذا الصنيع { قَوْمًا صَالِحِينَ ْ} أي: تتوبون إلى الله، وتستغفرون من بعد ذنبكم.
فقدموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم تسهيلا لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطا من بعضهم لبعض.
( اقتلوا يوسف ) اختلفوا في قائل هذا القول; فقال وهب : قاله شمعون .
وقال كعب : قاله دان .
( أو اطرحوه أرضا ) أي : إلى أرض يبعد عن أبيه .
وقيل : في أرض تأكله السباع .
( يخل لكم ) يخلص لكم ويصف لكم .
( وجه أبيكم ) عن شغله بيوسف ( وتكونوا من بعده ) من بعد قتل يوسف ( قوما صالحين ) تائبين ، أي : توبوا بعدما فعلتم هذا يعف الله عنكم .
وقال مقاتل : يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم .
«اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا» أي بأرض بعيدة «يخل لكم وجه أبيكم» بأن يقبل عليكم ولا يلتفت لغيركم «وتكونوا من بعده» أي بعد قتل يوسف أو طرحه «قوما صالحين» بأن تتوبوا.
اقتلوا يوسف أو ألقوا به في أرض مجهولة بعيدة عن العُمران يخلُص لكم حب أبيكم وإقباله عليكم، ولا يلتفت عنكم إلى غيركم، وتكونوا مِنْ بعد قَتْل يوسف أو إبعاده تائبين إلى الله، مستغفرين له من بعد ذنبكم.
ثم أخبر - سبحانه - عما اقترحوه للقضاء على يوسف فقال - تعالى - : ( اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ ) .ولفظ " اطرحوه " مأخوذ من الطرح ، ومعناه رمى الشئ وإلقاؤه بعيداً ، ولفظ " أرضاً " منصوب على نزع الخافض ، والتنوين فيه للإِبهام .
أى : أرضا مجهولة .والمعنى : لقد بالغ أبونا فى تفضيل يوسف وأخيه علينا ، مع أننا أولى بذلك منهما؛ وما دام هو مصراً على ذلك ، فالحل أن تقتلوا يوسف ، أو أن تلقوا به فى أرض بعيدة مجهولة حتى يموت فيها غريبا .قال الآلوسى : " وحاصل المعنى : اقتلوه أو غربوه ، فإن التغريب كالقتل فى حصول المقصود ، ولعمرى لقد ذكروا أمرين مرين ، فإن الغربة كربة اية كبرة ، ولله - تعالى - در القائل :حسنوا القول وقالوا غربة ...
إنما الغربة للأحرار ذبحوالخلو : معناه الفراغ .
يقال خلا المكان يخلو خلوا وخلاء ، إذا لم يكن به أحد .والمعنى : اقتلوا يوسف أو اقذفوا به فى أرض بعيدة مجهولة حتى يموت ، فإنكم إن فعلتم ذلك ، خلصت لكم محبة أبيكم دون أن يشارككم فيها أحد ، فيقبل عليكم بكليته ، ويكن كل توجهه إليكم وحدكم ، بعد أن كان كل توجهه إلى يوسف .قال صاحب الكشاف : ( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) أى : يقبل عليكم إقبالة واحدة ، لا يلتفت عنكم إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها ، وينازعهم إياها ، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم ، لأن الرجل إذا أقبل على الشئ أقبل عليه بوجهه ..
.
"وقوله ( وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ ) معطوف على جواب الأمر .أى : وتكونوا من بعد الفراغ من أمر يوسف بسبب قتله أو طرحه فى أرض بعيدة ، قوما صالحين فى دينكم ، بأن تتوبوا إلى الله بعد ذلك فيقبل الله توبتكم ، وصالحين فى دنياكم بعد أن خلت من المنغصات التى كان يثيرها وجود يوسف بينكم .وهكذا النفوس عندما تسيطر علها الأحقاد ، وتقوى فيها رذيلة الحسد ، تفقد تقديرها الصحيح للأمور ، وتحاول التخلص ممن يزاحمها بالقضاء عليه ، وتصور الصغائر فى صورة الكبائر ، والكبائر فى صورة الصغائر .فإخوة يوسف هنا ، يرون أن محبة أبيهم لأخيهم جرم عظيم ، يستحق إرهاق روح الأخ .
وفى الوقت نفسه يرون أن هذا الإِزهاق للروح البريئة شئ هين ، فى الإِمكان أن يعودوا بعده قوما صالحين أمام خالقهم ، وأمام أبيهم ، وأمام أنفسهم .