الآية ٩٢ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٩٢ من سورة يوسف

قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٢ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٢ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال لا تثريب عليكم اليوم ) يقول : لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم ، ولا أعيد ذنبكم في حقي بعد اليوم .

ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال : ( يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) قال السدي : اعتذروا إلى يوسف ، فقال : ( لا تثريب عليكم اليوم ) يقول : لا أذكر لكم ذنبكم .

وقال ابن إسحاق والثوري : ( لا تثريب عليكم [ اليوم ] ) أي : لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم ( يغفر الله لكم ) أي : يستر الله عليكم فيما فعلتم ، ( وهو أرحم الراحمين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:قال يوسف لإخوته: ( لا تثريب ) يقول:لا تعيير عليكم (25) ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحقّ الأخوة ، ولكن لكم عندي الصفح والعفو .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 19795- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد ، قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ( لا تثريب عليكم ) ، لم يثرِّب عليهم أعمالهم.

19796- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق ، قال، حدثنا عبد الله بن الزبير ، قوله: ( لا تثريب عليكم اليوم ) ، قال:قال سفيان:لا تعيير عليكم.

19797- حدثنا ابن حميد ، قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: ( قال لا تثريب عليكم اليوم ) :، أي لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم.

19798- وحدثنا ابن وكيع ، قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي قال، اعتذروا إلى يوسف فقال: ( لا تثريب عليكم اليوم، ) يقول:لا أذكر لكم ذنبكم.

* * * وقوله: ( يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) ، وهذا دعاء من يوسف لإخوته بأن يغفر الله لهم ذنبهم فيما أتوا إليه وركبوا منه من الظلم ، يقول:عفا الله لكم عن ذنبكم وظلمكم ، فستره عليكم ، ( وهو أرحم الراحمين ) ، يقول:والله أرحم الراحمين لمن تاب من ذنبه، (26) وأناب إلى طاعته بالتوبة من معصيته .

كما:- 19799- حدثنا ابن حميد ، قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: ( يغفر الله وهو أرحم الراحمين ) حين اعترفوا بذنبهم.

---------------------- الهوامش: (25) في المطبوعة والمخطوطة :" تغيير" ، بالغين ، والصواب ما أثبته بالعين المهملة ، وهو صريح اللغة .

وقد صححته في كل موضع يأتي بعد هذا .

(26) في المطبوعة والمخطوطة :" ممن تاب" ، وصواب الكلام ما أثبت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال لا تثريب عليكم اليوم أي قال يوسف - وكان حليما موفقا : لا تثريب عليكم اليوم وتم الكلام .

ومعنى " اليوم " : الوقت .

والتثريب التعيير والتوبيخ ، أي لا [ ص: 225 ] تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم ; قال سفيان الثوري وغيره ; ومنه قوله - عليه السلام - : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها أي لا يعيرها ; وقال بشر :فعفوت عنهم عفو غير مثرب وتركتهم لعقاب يوم سرمدوقال الأصمعي : ثربت عليه وعربت عليه بمعنى إذا قبحت عليه فعله .

وقال الزجاج : المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة ، وحق الإخوة ، ولكم عندي العفو والصفح ; وأصل التثريب الإفساد ، وهي لغة أهل الحجاز .

وعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بعضادتي الباب يوم فتح مكة ، وقد لاذ الناس بالبيت فقال : الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم قال : ماذا تظنون يا معشر قريش قالوا : خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم وقد قدرت ; قال : " وأنا أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم " فقال عمر - رضي الله عنه - : ففضت عرقا من الحياء من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة : اليوم ننتقم منكم ونفعل ، فلما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال استحييت من قولي .يغفر الله لكم مستقبل فيه معنى الدعاء ; سأل الله أن يستر عليهم ويرحمهم .

وأجاز الأخفش الوقف على " عليكم " والأول هو المستعمل ; فإن في الوقف على " عليكم " والابتداء ب اليوم يغفر الله لكم جزما بالمغفرة في اليوم ، وذلك لا يكون إلا عن وحي ، وهذا بين .

وقال عطاء الخراساني : طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ ; ألم تر قول يوسف : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وقال يعقوب : سوف أستغفر لكم ربي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فـ { قَالَ } لهم يوسف عليه السلام، كرما وجودا: { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } أي: لا أثرب عليكم ولا ألومكم { يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } فسمح لهم سماحا تاما، من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان، الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) يوسف وكان حليما ( لا تثريب عليكم اليوم ) لا تعيير عليكم اليوم ، ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم ( يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) .

فلما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه ، فقال : ما فعل أبي بعدي قالوا : ذهبت عيناه فأعطاهم قميصه ، وقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال لا تثريب» عتب «عليكم اليوم» خصه بالذكر لأنه مظنة التثريب فغيره أولى «يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» وسألهم عن أبيه فقالوا ذهبت عيناه فقال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال لهم يوسف: لا تأنيب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين لمن تاب من ذنبه وأناب إلى طاعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فرد عليهم يوسف - عليه السلام - بقوله : ( قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين ) .والتثريب : التعبير والتوبيخ والتأنيب .

وأصله كما يقول الآلوسى : من الثرب ، وهو الشحم الرقيق فى الجوف وعلى الكرش .

.

.

فاستعير للتأنيب الذى يمزق الأعراض ويذهب بهاء الوجه ، لأنه بإزالة الشحم يبدو الهزال ، كما أنه بالتأنيب واللوم تظهر العيوب ، فالجامع بينهما طريان النقص بعد الكمال .أى : قال يوسف لإِخوته على سبيل الصفح والعفو يا إخوتى : لا لوم ولا تأنيب ولا تعيير عليكم اليوم ، فقد عقوت عما صدر منكم فى حقى وفى حق أخى من أخطاء وآثام وأرجو الله - تعالى - أن يغفر لكم ما فرط منكم من ذنوب وهو - سبحانه - أرحم الراحمين بعباده .وقوله ( لاَ تَثْرِيبَ ) اسم لا النافية للجنس ، و ( عَلَيْكُمُ ) متعلق بمحذوف خبر لا ، و ( اليوم ) متعلق بذلك الخبر المحذوف .أى : لا تقريع ولا تأنيب ثابت أو مستقر عليكم اليوم .وليس التقييد باليوم لإِفادة أن التقريع ثابت فى غيره ، بل المراد نفيه عنهمفى كل ما مضى من الزمان ، لأن الإِنسان إذا لم يوبخ صاحبه فى أول لقاء معه على أخطائه فلأن يترك ذلك بعد أول لقاء أولى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن يوسف عليه السلام لما ذكر لإخوته أن الله تعالى منَّ عليه وأن من يتق المعاصي ويصبر على أذى الناس فإنه لا يضيعه الله صدقوه فيه، واعترفوا له بالفضل والمزية ﴿ قَالُواْ تالله لَقَدْ اثَرَكَ الله عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لخاطئين ﴾ قال الأصمعي: يقال: آثرك إيثاراً، أي فضلك الله، وفلان آثر عبد فلان، إذا كان يؤثره بفضله وصلته، والمعنى: لقد فضلك الله علينا بالعلم والحلم والعقل والفضل والحسن والملك، واحتج بعضهم بهذه الآية على أن إخوته ما كانوا أنبياء، لأن جميع المناصب التي تكون مغايرة لمنصب النبوة كالعدم بالنسبة إليه فلو شاركوه في منصب النبوة لما قالوا: ﴿ تالله لَقَدْ اثَرَكَ الله عَلَيْنَا ﴾ وبهذا التقدير يذهب سؤال من يقول لعل المراد كونه زائداً عليهم في الملك وأحوال الدنيا وإن شاركوه في النبوة لأنا بينا أن أحوال الدنيا لا يعبأ بها في جنب منصب النبوة.

وأما قوله: ﴿ وَإِن كُنَّا لخاطئين ﴾ قيل الخاطئ هو الذي أتى بالخطيئة عمداً وفرق بين الخاطئ والمخطئ، فلهذا الفرق يقال لمن يجتهد في الأحكام فلا يصيب إنه مخطئ، ولا يقال إنه خاطئ وأكثر المفسرين على أن الذي اعتذروا منه هو إقدامهم على إلقائه في الجب وبيعه وتبعيده عن البيت والأب، وقال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا إليه من ذلك، لأن ذلك وقع منهم قبل البلوغ فلا يكون ذنباً فلا يعتذر منه، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطؤا بعد ذلك بأن لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه، ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله وهذا الكلام ضعيف من وجوه: الوجه الأول: أنا بينا أنه لا يجوز أن يقال إنهم أقدموا على تلك الأعمال في زمن الصبا لأنه من البعيد في مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان غير البالغين من غير أن يبعث معهم رجلاً عاقلاً يمنعهم عما لا ينبغي ويحملهم على ما ينبغي.

الوجه الثاني: هب أن الأمر على ما ذكره الجبائي إلا أنا نقول غاية ما في الباب أنه لا يجب الاعتذار عن ذلك إلا أنه يمكن أن يقال إنه يحسن الاعتذار عنه، والدليل عليه أن المذنب إذا تاب زال عقابه ثم قد يعيد التوبة والاعتذار مرة أخرى، فعلمنا أن الإنسان أيضاً قد يتوب عند ما لا تكون التوبة واجبة عليه.

واعلم أنهم لما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم مجرمين خاطئين قال يوسف: ﴿ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: التثريب التوبيخ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا زنت أمة أحدكم فليضربها الحد ولا يثربها» أي ولا يعيرها بالزنا، فقوله: ﴿ لاَ تَثْرَيبَ ﴾ أي لا توبيخ ولا عيب وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش.

ومعناه إزالة الثرب كما أن التجليد إزالة الجلد قال عطاء الخراساني طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ ألا ترى إلى قول يوسف عليه السلام لإخوته ﴿ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ وقوله يعقوب: ﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى  ﴾ .

البحث الثاني: إن قوله: ﴿ اليوم ﴾ متعلق بماذا وفيه قولان: القول الأول: إنه متعلق بقوله: ﴿ لاَ تَثْرَيبَ ﴾ أي لا أثر بكم اليوم وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بسائر الأيام، وفيه احتمال آخر وهو أني حكمت في هذا اليوم بأن لا تثريب مطلقاً لأن قوله: ﴿ لاَ تَثْرَيبَ ﴾ نفي للماهية ونفي الماهية يقتضي انتفاء جميع أفراد الماهية، فكان ذلك مفيداً للنفي المتناول لكل الأوقات والأحوال فتقدير الكلام اليوم حكمت بهذا الحكم العام المتناول لكل الأوقات والأحوال ثم إنه لما بين لهم أنه أزال عنهم ملامة الدنيا طلب من الله أن يزيل عنهم عقاب الآخرة فقال: ﴿ يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ والمراد منه الدعاء.

والقول الثاني: أن قوله: ﴿ اليوم ﴾ متعلق بقوله: ﴿ يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ كأنه لما نفى التثريب مطلقاً بشرهم بأن الله غفر ذنبهم في هذا اليوم، وذلك لأنهم لما انكسروا وخجلوا واعترفوا وتابوا فالله قبل توبتهم وغفر ذنبهم، فلذلك قال: ﴿ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ ﴾ روي أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، وقال لقريش: ما تروني فاعلاً بكم فقالوا نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، فقال: أقول ما قال أخي يوسف لا تقريب عليكم اليوم وروي أن أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس: إذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتل عليه: ﴿ قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم ﴾ ففعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك ولمن علمك».

وروي أن إخوة يوسف لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تحضرنا في مائدتك بكرة وعشيا ونحن نستحي منك لما صدر منا من الإساءة إليك، فقال يوسف عليه السلام إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظروني بالعين الأولى ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بإتيانكم وعظمت في العيون لما جئتم وعلم الناس أنكم إخوتي وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام.

ثم قال يوسف عليه السلام: ﴿ اذهبوا بِقَمِيصِى هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ قال المفسرون: لما عرفهم يوسف سألهم عن أبيه فقالوا ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه، قال المحققون: إنما عرف أن إلقاء ذلك القميص على وجهه يوجب قوة البصر بوحي من الله تعالى ولولا الوحي لما عرف ذلك، لأن العقل لا يدل عليه ويمكن أن يقال: لعل يوسف عليه السلام علم أن أباه ما صار أعمى إلا أنه من كثرة البكاء وضيق القلب ضعف بصره فإذا ألقي عليه قميصه فلابد أن ينشرح صدره وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد، وذلك يقوي الروح ويزيل الضعف عن القوي، فحينئذ يقوى بصره، ويزول عنه ذلك النقصان، فهذا القدر مما يمكن معرفته بالقلب فإن القوانين الطبية تدل على صحة هذا المعنى، وقوله: ﴿ يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ أي يصير بصيراً ويشهد له: ﴿ فارتد بَصِيرًا  ﴾ ويقال: المراد يأت إلي وهو بصير، وإنما أفرده بالذكر تعظيماً له، وقال في الباقين: ﴿ وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قال الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً وقال مسروق دخل قوم يوسف عليه السلام مصر.

وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة، وروي أن يهودا حمل الكتاب وقال أنا أحزنته بحمل القميص الملطخ بالدم إليه فأفرحه كما أحزنته.

وقيل حمله وهو حاف وحاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ أئنك ﴾ على الاستفهام.

وأنك، على الإيجاب وفي قراءة أبيّ: ﴿ أئنك أو أنت يوسف ﴾ ، على معنى أئنك يوسف أو أنت يوسف، فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع، فهو يكرر الاستثبات فإن قلت: كيف عرفوه؟

قلت: رأوا في روائه وشمائله حين كلمهم بذلك ما شعروا به أنه هو، مع علمهم بأنّ ما خاطبهم به لا يصدر مثله إلا عن حنيف مسلم من سنخ إبراهيم، لا عن بعض أعزاء مصر.

وقيل: تبسم عند ذلك فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم.

وقيل: ما عرفوه حتى رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه كانت ليعقوب وسارة مثلها، تشبه الشامة البيضاء.

فإن قلت: قد سألوه عن نفسه فلم أجابهم عنها وعن أخيه؟

عن أن أخاه كان معلوماً لهم.

قلت: لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه ﴿ مَن يَتَّقِ ﴾ من يخف الله وعقابه ﴿ وَيِصْبِرْ ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات ﴿ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ ﴾ أجرهم، فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين ﴿ لَقَدْ ءَاثَرَكَ الله عَلَيْنَا ﴾ أي فضلك علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين.

وإنّ شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم، لم نتق ولم نصبر، لا جرم أنّ الله أعزّك بالملك وأذلنا بالتمسكن بين يديك ﴿ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ لا تأنيب عليكم ولا عتب.

وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش.

ومعناه: إزالة الثرب، كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع، لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال والعجف الذي ليس بعده، فضرب مثلا للتقريع الذي يمزق الأعراض ويذهب بماء الوجوه.

فإن قلت بم تعلق اليوم؟

قلت: بالتثريب، أو بالمقدر في ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ من معنى الاستقرار.

أو بيغفر.

والمعنى: لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام، ثم ابتدأ فقال ﴿ يَغْفِرُ الله لَكُمْ ﴾ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم.

يقال: غفر الله لك، ويغفر الله لك، على لفظ الماضي والمضارع جميعاً، ومنه قول المشمت (يهديكم الله ويصلح بالكم) و ﴿ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ ﴾ بشارة بعاجل غفران الله، لما تجدّد يومئذ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم.

وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟

قالوا: نظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم؛ وقد قدرت فقال: أقول ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم.

وروي: أنّ أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس: إذا أتيت الرسول فاتل عليه ﴿ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ ففعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك ولمن علمك» ويروى أن إخوته لما عرفوه وأرسلوا إليه: إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشية، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال يوسف: إنّ أهل مصر وإن ملكت فيهم، فإنهم ينظرون إليّ بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي.

وأني من حفدة إبراهيم ﴿ اذهبوا بِقَمِيصِى هذا ﴾ قيل هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف وكان من الجنة، أمره جبريل عليه السلام أن يرسله إليه فإنّ فيه ريح الجنة، لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي ﴿ يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ يصر بصيراً، كقولك: جاء البناء محكماً، بمعنى صار.

ويشهد له ﴿ فارتد بَصِيرًا ﴾ [يوسف: 96] أو يأت إليّ وهو بصير.

وينصره قوله ﴿ وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ أي يأتني أبي، ويأتني آله جميعاً وقيل: يهوذا هو الحامل، قال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم إليه، فأفرّحه كما أحزنته، وقيل: حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان، وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ لا تَأْنِيبَ عَلَيْكم تَفْعِيلٌ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي يَغْشى الكِرْشَ لِلْإزالَةِ كالتَّجْلِيدِ، فاسْتُعِيرَ لِلتَّقْرِيعِ الَّذِي يُمَزِّقُ العِرْضَ ويُذْهِبُ ماءَ الوَجْهِ.

﴿ اليَوْمَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالـ ﴿ تَثْرِيبَ ﴾ أوْ بِالمُقَدَّرِ لِلْجارِّ الواقِعِ خَبَرًا لِـ ﴿ لا تَثْرِيبَ ﴾ والمَعْنى لا أُثَرِّبُكُمُ اليَوْمَ الَّذِي هو مَظِنَّتُهُ فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الأيّامِ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ لِأنَّهُ صَفَحَ عَنْ جَرِيمَتِهِمْ حِينَئِذٍ واعْتَرَفُوا بِها.

﴿ وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ فَإنَّهُ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ ويَتَفَضَّلُ عَلى التّائِبِ، ومِن كَرَمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لَمّا عَرَفُوهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ وقالُوا: إنَّكَ تَدْعُونا بِالبُكْرَةِ والعَشِيِّ إلى الطَّعامِ ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ لِما فَرَطَ مِنّا فِيكَ، فَقالَ إنَّ أهْلَ مِصْرَ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِالعَيْنِ الأُولى ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شَرُفْتُ بِكم وعَظُمْتُ في عُيُونِهِمْ حَيْثُ عَلِمُوا أنَّكم إخْوَتِي وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا ﴾ القَمِيصِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ.

وقِيلَ القَمِيصُ المُتَوارَثُ الَّذِي كانَ في التَّعْوِيذِ.

﴿ فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ أيْ يَرْجِعُ بَصِيرًا أيْ ذا بَصَرٍ.

﴿ وَأْتُونِي ﴾ أنْتُمْ وأبِي.

﴿ بِأهْلِكم أجْمَعِينَ ﴾ بِنِسائِكم وذَرارِيكم ومُوالِيكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ} لا تعيير عليكم {اليوم} متعلق بالتثريب أو بيغفر والمعنى لا أثر بكم اليوم وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره من الأيام ثم ابتدأ فقال {يَغْفِرَ الله لَكُمْ} فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم يقال غفر الله لك ويغفر لك على لفظ الماضي والمضارع أو اليوم يغفر الله لكم بشارة بعاجل غفران الله وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح فقال لقريش ما ترونني فاعلاً بكم قالوا نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت فقال أقول ما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم ورُوي أن أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس إذا أتيت رسول الله فاتلُ عليه قال لا تثريب عليكم اليوم ففعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غفر الله لك ولمن علمك ويُروى

أن أخوته لما عرفوه أرسلوا إليه أنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك فقال يوسف إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليَّ بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ ولقد شرفت الآن بكم حيث علم الناس

يوسف (٩٢ _ ٩٨)

أنى من حفدة ابراهيم {وهو أرحم الراحمين} أي إذا رحمتكم وأنا الفقير القتور فما ظنكم بالغني الغفور

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ لا تَثْرِيبَ ﴾ أيْ لا تَأْنِيبَ ولا لَوْمَ عَلَيْكم وأصْلُهُ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الرَّقِيقُ في الجَوْفِ وعَلى الكِرْشِ وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلسَّلْبِ أيْ إزالَةُ الثَّرْبِ كالتَّجْلِيدِ والتَّقْرِيعِ بِمَعْنى إزالَةِ الجِلْدِ والقَرْعِ واسْتُعِيرَ لِلَّوْمِ الَّذِي يُمَزِّقُ الأعْراضَ ويُذْهِبُ بَهاءَ الوَجْهِ لِأنَّهُ بِإزالَةِ الشَّحْمِ يَبْدُو الهُزالُ وما لا يُرْضِي كَما أنَّهُ بِاللَّوْمِ تَظْهَرُ العُيُوبُ فالجامِعُ بَيْنَهُما طَرَيانُ النَّقْصِ بَعْدَ الكَمالِ وإزالَةِ ما بِهِ الكَمالُ والجَمالُ وهو اسْمُ لا و ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ خَبَرًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الخَبَرِ المُقَدَّرِ أوْ بِالظَّرْفِ أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولَيْسَ التَّقْيِيدُ بِهِ لِإفادَةِ وُقُوعِ التَّثْرِيبِ في غَيْرِهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يُثَرِّبْ أوَّلَ لِقائِهِ واشْتِعالَ نارِهِ فَبَعْدَهُ بِطَرِيقٍ الأوْلى وقالَ المُرْتَضِي: إنَّ اليَوْمَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الزَّمانِ كُلِّهِ كَقَوْلِهِ: اليَوْمَ يَرْحَمُنا مَن كانَ يَغْبِطُنا واليَوْمَ نَتَّبِعُ مَن كانُوا لَنا تَبَعا كَأنَّهُ أُرِيدَ بَعْدَ اليَوْمِ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِتَثْرِيبَ وتَعَقَّبَهِ أبُو حَيّانَ قائِلًا: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِعَلَيْكم وهو إمّا خَبَرٌ أوْ صِفَةٌ ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِنَحْوِ ذَلِكَ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ مِن تَمامِهِ وأيْضًا لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَمْ يَجُزْ بِناؤُهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ وهو الَّذِي يُسَمّى المُطَوَّلَ والمَمْطُولَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُعَرَّبًا مُنَوَّنًا ولَوْ قِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ و ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ تَثْرِيبَ ﴾ وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في اليَوْمِ والتَّقْدِيرُ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ كَما قَدَّرُوا في ﴿ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا عاصِمَ يَعْصِمُ اليَوْمَ لَكانَ وجْهًا قَوِيًّا لِأنَّ خَبَرَ لا إذا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ ولَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ وكَذا مَنَعَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ وعَلَّلَهُ بِلُزُومِ الإعْرابِ والتَّنْوِينِ أيْضًا واعْتُرِضَ بِأنَّ المُصَرَّحَ بِهِ في مُتُونِ النَّحْوِ بِأنَّ شَبِيهَ المُضافِ سُمِعَ فِيهِ عَدَمُ التَّنْوِينِ نَحْوَ لا طالِعَ جَبَلًا ووَقَعَ في الحَدِيثِ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ بِاتِّفاقِ الرُّواةِ فِيهِ وإنَّما الخِلافُ فِيهِ هَلْ هو مَبْنِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ تُرِكَ تَنْوِينُهُ وفي التَّصْرِيحِ نَقْلًا عَنِ المُغْنِي أنَّ نَصْبَ الشَّبِيهِ بِالمُضافِ وتَنْوِينَهُ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وأجازَ البَغْدادِيُّونَ لا طالِعَ جَبَلًا بِلا تَنْوِينٍ أجْرَوْهُ في ذَلِكَ مَجْرى المُضافِ كَما أجْرَوْهُ مَجْراهُ في الإعْرابِ وعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ الحَدِيثُ لا مانِعَ ..

إلَخْ.

فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَبْنى ما قالَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ والحَدِيثُ المَذْكُورُ لا يَتَعَيَّنُ كَما قالَ الدَّنُوشَرِيُّ أخْذًا مِن كَلامِ المُغْنِي في الجِهَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ حَمْلُهُ عَلى ما ذُكِرَ لِجَوازِ كَوْنِ اسْمِ لا فِيهِ مُفْرَدًا واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَبَرِ والتَّقْدِيرُ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ وكَذا فِيما بَعْدَهُ وذَكَرَ الرَّضِيُّ أنَّ الظَّرْفَ بَعْدَ النَّفْيِ لا يَتَعَلَّقُ بِالمَنفِيِّ بَلْ بِمَحْذُوفٍ وهو خَبَرٌ وأنَّ ﴿ اليَوْمَ ﴾ في الآيَةِ مَعْمُولُ ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ ويَجُوزُ العَكْسُ واعْتُرِضَ أيْضًا حَدِيثُ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِما فِيهِ ما فِيهِ وقِيلَ: ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ بَيانٌ كَلَكَ في سُقْيا لَكَ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ و ﴿ اليَوْمَ ﴾ خَبَرٌ.

وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ الخَبَرِ ذاكَ و ﴿ اليَوْمَ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ونُقِلَ عَنِ المُرْتَضى أنَّهُ قالَ في الدُّرَرِ: قَدْ ضَعَّفَ هَذا قَوْمٌ مِن جِهَةِ أنَّ الدُّعاءَ لا يَنْصُبُ ما قَبْلَهُ ولَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَقَطَعُوا بِالمَغْفِرَةِ بِإخْبارِ الصِّدِّيقِ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَهُ لِأنَّ المَغْفِرَةَ وهي سَتْرُ الذَّنْبِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى لا يُؤاخَذُوا بِهِ ولا يُقَرَّعُوا إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الوَقْتُ وأمّا قَبْلَهُ لِحاصِلٍ هو الإعْلامُ بِهِ والعِلْمُ بِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ بِخَبَرِ الصّادِقِ لا يُمْنَعُ الطَّلَبُ لِأنَّ المُمْتَنِعَ طَلَبُ الحاصِلِ لا طَلَبَ ما يُعْلَمُ حُصُولُهُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَضْمًا لِلنَّفْسِ واعْتُبِرَ بِاسْتِغْفارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا فَرْقَ بَيْنَ الدُّعاءِ والإخْبارِ هُنا.

انْتَهى.

وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّ الَّذِي طَلَبُوهُ مِن أبِيهِمْ مَغْفِرَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ ويَرْجِعُ إلى حَقِّهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهم عِلْمٌ بِتَحَقُّقِ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا إذْ ذاكَ نُبُوَّتَهُ وظَنُّوهُ مِثْلَهم غَيْرَ نَبِيٍّ فَإنَّهُ لَمْ يَمْضِ وقْتٌ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أنَّهُ يُوسُفُ يَسَعُ مَعْرِفَةَ أنَّهُ نَبِيٌّ أيْضًا وما جَرى مِنَ المُفاوَضَةِ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فافْهَمْ وإلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى الدُّعاءِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ وذَهَبَ جَمْعٌ أيْضًا إلى كَوْنِهِ خَبَرًا والحُكْمُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ غَيْبٌ قِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَفْحٌ عَنْ جَرِيمَتِهِمْ حِينَئِذٍ وهم قَدِ اعْتَرَفُوا بِها أيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَغْفِرُ لَهم ما يَتَعَلَّقُ بِهِ تَعالى وما يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُقْتَضى وعْدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العِبادِ وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ القُرّاءِ عَلى الوَقْفِ عَلى ( اليَوْمَ ) وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِيَغْفِرُ وهو اخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ وابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِمْ واخْتارُوا كَوْنَ الجُمْلَةِ بَعْدُ دِعائِيَّةً وهو الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الذَّوْقُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ .

فَإنَّ كُلَّ مَن يَرْحَمُ سِواهُ جَلَّ وعَلا فَإنَّما يَرْحَمُ بِرَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ولا أقَلَّ مِن دَفْعِ ما يَجِدُهُ في نَفْسِهِ مِنَ التَّألُّمِ الرُّوحانِيِّ مِمّا يَجِدُهُ في المَرْحُومِ وقِيلَ: لِأنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ الَّتِي لا يَغْفِرُها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ويَتَفَضَّلُ عَلى التّائِبِ بِالقَبُولِ والجُمْلَةُ إمّا بَيانٌ لِلْوُثُوقِ بِإجابَةِ الدُّعاءِ أوْ تَحْقِيقٌ لِحُصُولِ المَغْفِرَةِ لِأنَّهُ عَفا عَنْهم فاللَّهُ تَعالى أوْلى بِالعَفْوِ والرَّحْمَةِ لَهم هَذا.

ومِن كَرَمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّ إخْوَتَهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ إنَّكَ تَدْعُونا إلى طَعامِكَ بِكُرَةً وعَشِيَّةً ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ بِما فَرَطَ مِنّا فِيكَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ أهْلَ مِصْرَ وإنْ مَلَكْتُ فِيهِمْ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِالعَيْنِ الأُولى ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبَدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ ولَقَدْ شَرُفْتُ بِكُمُ الآنَ وعَظُمْتُ في العُيُونِ حَيْثُ عَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ حَصَلَ بِذَلِكَ مِنَ العِلْمِ لِلنّاسِ ما لَمْ يَحْصُلْ قَبْلُ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآياتِ السّابِقَةِ والأخْبارُ قَدْ أخْبَرَهم أنَّهُ ابْنُ مَن ومِمَّنْ.

وكَذا ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المَلِكُ يَوْمًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنِّي أُحِبُّ أنْ تُخالِطَنِي في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في أهْلِي وأنا آنَفُ أنْ تَأْكُلَ مَعِي فَغَضِبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: أنا أحَقُّ أنْ آنَفَ أنا ابْنُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ وأنا ابْنُ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ وأنا ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ لَكِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُفِدِ النّاسَ عِلْمًا وفي التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن إخْوَتِهِ مَزِيدَ الخَجَلِ أدْناهم إلَيْهِ وقالَ: لا يَشُقُّ عَلَيْكم إنْ بِعْتُمُونِي وإلى هَذا المَكانِ أوْصَلْتُمُونِي فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ ما يَقَعُ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ وما يَنْزِلُ بِكم مِن ذَلِكَ فَفَعَلَ ما أوْصَلَنِي بِهِ إلى هَذا المَكانِ والمَكانَةِ لِيُزِيلَ عَنْكم بِي ما يَنْزِلُ بِكم ويَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِبَقائِكم في الأرْضِ وانْتِشارِ ذَرارِيكم فِيها وقَدْ مَضَتْ مِن سِنِي الجَدْبِ سَنَتانِ وبَقِيَ خَمْسُ سِنِينَ وأنا اليَوْمَ قَدْ صَيَّرَنِي اللَّهُ تَعالى مَرْجِعًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِأهْلِهِ وسُلْطانًا عَلى جَمِيعِ أهْلِ مِصْرَ فَلا يَضِقْ عَلَيْكم أمْرُكُمُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قرأ ابن كثير إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ بهمزة واحدة، وكسر الألف، يعني: حققوا أنه يوسف.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر: أإنّك بهمزتين على معنى الاستفهام.

يعني: إنك يوسف أم لا؟

وقرأ نافع وأبو عمرو، آينك بهمزة واحدة مع المد.

ومعناه: مثل الأول على معنى الاستفهام قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: أنعم علينا بالصبر إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله تعالى وَيَصْبِرْ على البلاء فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي: ثواب الصابرين.

قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: إخوة يوسف اعتذروا إليه فقالوا: لقد فضلك الله علينا، واختارك وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ يقول: وقد كنا لعاصين لله تعالى فيما صنعنا بك قالَ يوسف  لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يعني: لا تعيير عليكم اليوم، ولا عيب، ولا عار عليكم.

وأصل التثريب: الإفساد.

ويقال: ثرب الأمر علينا علينا إذا أفسد.

ثم قال: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فيما فعلتم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ من غيره.

ثم قال تعالى: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا وروي عن وهب بن منبه قال: كان القميص من الجنة، وهو القميص الذي ألبس جبريل لإبراهيم، حين ألقي في النار، فبردت عليه النار، فصار عند إسحاق، ثم صار عند يعقوب، فجعله يعقوب في عوذة، وعلقه في عنق يوسف، فكان معه حين ألقي في الجب، ونزع عنه قميصه، فبشره جبريل، وألبسه في الجبّ، وكان القميص معه، وقال لإخوته: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً أي: يعود إليه بصره.

وذلك أنه سألهم فقال: ما فعل أبي بعدي؟

قالوا: لما فارقه بنيامين، عمي من الحزن.

قال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فألقوه على وجه أبى، يأت بصيراً، كما كان أول مرة.

ثم قال: وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ فاختلفوا فيما بينهم، فقال كل واحد منهم: أنا أذهب به، فقال يوسف: يذهب به الذي ذهب بقميصي الأول.

فقال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص الأول، وهو ملطخ بالدم وأخبرته بأنه قد أكله الذئب، وأنا اليوم أذهب بالقميص فأخبره أنه حي وأفرحه كما أحزنته.

وأمر لهم بالهدايا والدواب والرواحل، فتوجهوا نحو كنعان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وبالجملة فمَنْ يسوق شيئاً، ويتلطَّف في تسييره، فقد أزجاه، فإِذا كانَتِ الدراهمُ مدفوعةً نازلةَ القَدْر، تحتاج أنْ يُعْتَذَرَ معها، ويُشْفَعَ لها، فهي مزجاةٌ، فقيل: كان ذلك لأنها كانَتْ زيوفاً، قاله ابن عباس «١» .

وقيل: كانَتْ بضاعتهم عروضاً، وقولهم: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا: معناه ما بَيْنَ الدراهم الجيادَ وبَيْنَ هذه المُزْجَاة، قاله السُّدِّيُّ وغيره «٢» وقال الداوديّ عن ابن جريجٍ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا: قال: اردد علينا أخانا، انتهى «٣» ، وهو حسن.

وقوله تعالى: هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، روي أنَّ يوسُف عليه السلام لما قال له إخوته: مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ [يوسف: ٨٨] ، واستعطفوه رَقَّ ورحمهم، قال ابنُ إِسحاق: وارفض دمعه باكياً، فَشَرَعَ في كَشْفِ أمره إِليهم، فروي أنه حَسَرَ قناعه، وقال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ...

«٤» الآية، وما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ: أي:

التَّفْريق بينَهُما في الصِّغَر وما نالهما بسَبَبِكُم من المِحَن إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، نسبهم إِمَّا إِلى جَهْلِ المعصيةِ، وإِما إِلى جَهْلِ الشَبَابِ وقلَّةِ الحُنْكَة، فلمَّا خاطبهم هذه المخاطبة، تنبَّهوا، ووقَعَ لهم من الظَّنِّ القويِّ وقرائنِ الحال أنه يوسُفُ فقالوا: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ مستفهمين، فأجابهم يوسف كاشفاً عن أمره، قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ: هذا منهم استنزال ليوسُفَ، وإِقرار بالذنْبِ في ضِمْنه استغفار منه، وآثَرَكَ: لفظ يعمّ جميع التفضيل.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا إلى مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَـ ﴿ قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ وكانُوا يُسَمُّونَ مِلِكَهم بِذَلِكَ، ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ يَعْنُونَ الفَقْرَ والحاجَةَ ﴿ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ .

وَفِي ماهِيَّةٍ تِلْكَ البِضاعَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَتاعًا رَثًّا كالحَبْلِ والغِرارَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: كانَتْ أقِطًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: كانَتْ نِعالًا وأدَمًا، رَواهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ.

والخامِسُ: كانَتْ سَوِيقَ المُقْلِ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا.

والسّادِسُ: حَبَّةُ الخَضْراءِ وصَنَوْبَرٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والسّابِعُ: كانَتْ صُوفًا وشَيْئًا مِن سَمْنٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ.

وَفِي المُزْجاةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها القَلِيلَةُ.

رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَراهِمُ غَيْرُ طائِلَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ التَّزْجِيَةَ: الشَّيْءُ الَّذِي يُدافَعُ بِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ، أيْ: يَدْفَعُ بِالقَلِيلِ ويَكْتَفِي بِهِ، فالمَعْنى: جِئْنا بِبِضاعَةٍ إنَّما نُدافِعُ بِها ونَتَقَوَّتُ، ولَيْسَتْ مِمّا يُتَّسَعُ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ: الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها أيْ: تَدْفَعُ أطْفالَها.

والثّانِي: أنَّها الرَّدِيئَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ: السَّوْقُ والدَّفْعُ، وأنْشَدَ: لِيَبْكِ عَلى مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا أيْ: تَسُوقُهُ.

والثّالِثُ: الكاسِدَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: الرَّثَّةُ، وهي المَتاعُ الخَلَقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: النّاقِصَةُ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ أيْ: أتِمَّهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِرَداءَةِ بِضاعَتِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ سِعْرِ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الَّذِي سَألُوهُ مِنَ المُسامَحَةِ يُشْبِهُ التَّصَدُّقَ، ولَيْسَ بِهِ.

والثّانِي: بِرَدِّ أخِينا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، والصَّدَقَةُ لا تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ.

والثّالِثُ: وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وذَهَبَ إلى أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كانَتْ تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ نَبِيِّنا  ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وأبُو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ، وأبُو يَعْلى بْنُ الفَرّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ أيْ: بِالثَّوابِ.

قالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ إنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْنا، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مُؤْمِنٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِ لَهم هَذا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَ إلَيْهِمْ نُسْخَةَ الكِتابِ الَّذِي كَتَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِبَيْعِهِ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ، وفي آخِرِ الكِتابِ: " وكَتَبَ يَهُوذا " فَلَمّا قَرَؤُوا الكِتابَ اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ وقالُوا: هَذا كِتابٌ كَتَبْناهُ عَلى أنْفُسِنا عِنْدَ بَيْعِ عَبْدٍ كانَ لَنا، فَقالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّكم تَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ، وأمَرَ بِهِمْ لِيُقْتَلُوا، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ فاعِلًا، فاذْهَبْ بِأمْتِعَتِنا إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ أقْبَلَ يَهُوذا عَلى بَعْضِ إخْوَتِهِ، وقالَ: قَدْ كانَ أبُونا مُتَّصِلَ الحُزْنِ لِفَقْدِ واحِدٍ مِن ولَدِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا أُخْبِرَ بِهُلْكِنا أجْمَعِينَ ؟

فَرَقَّ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ وكَشَفَ لَهم أمَرَهُ، وقالَ لَهم هَذا القَوْلَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهم لَمّا قالُوا: " ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ أدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَقالَ لَهم هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا: إنْ رَدَدْتَ ولَدِي، وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَبَكى، وقالَ لَهم هَذا.

وَفِي هَلْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ لِتَعْظِيم القِصَّةِ لا يُرادُ بِهِ نَفْسُ الِاسْتِفْهامِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ، وما أسْمَجَ ما آثَرْتُمْ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتَضْيِيعِ الحَقِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِيِّ: أتَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟

هَلْ تَعْرِفُ مَن عادَيْتَ ؟

لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ، ولَكِنْ يُرِيدُ تَفْظِيعَ الأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي لَمْ يُرِدِ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما أرادَ أنَّ هَذا غَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَهم.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ عَلِمْتُمْ عُقْبى ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ مِن تَسْلِيمِ اللَّهِ لَهُما مِنَ المَكْرُوهِ ؟

وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقُ قَوْلِهِ: " لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ " .

والثّانِي: أنَّ " هَلْ " بِمَعْنى " قَدْ " ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ.

فَإنْ قِيلَ: فالَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَعْلُومٌ، فَما الَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ، وما سَعَوْا في حَبْسِهِ ولا أرادُوهُ ؟

فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَنَغَّصُوا عَيْشَهُ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهم آذَوْهُ بَعْدَ فَقْدِ يُوسُفَ.

والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ لَمّا قُذِفَ بِسَرِقَةِ الصّاعِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إذْ أنْتُمْ صِبْيانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مُذْنِبُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: جاهِلُونَ بِعُقُوقِ الأبِ، وقَطْعِ الرَّحِمِ، ومُوافَقَةِ الهَوى.

والرّابِعُ: جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ، وقَرَأهُ آخَرُونَ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وأدْخَلَ بَعْضُهم بَيْنَهُما ألِفًا.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ عَرَفُوهُ، أمْ شَبَّهُوهُ ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ.

والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

وفي سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ، فَشَبَّهُوا ثَناياهُ بِثَنايا يُوسُفَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهُ عَلامَةٌ كالشّامَةِ في قَرْنِهِ، وكانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُها، ولِإسْحاقَ مِثْلُها، ولِسارَّةَ مِثْلُها، فَلَمّا وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، عَرَفُوهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كَشَفَ الحِجابَ، فَعَرَفُوهُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أنا يُوسُفُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ: أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ، المُرادُ قَتْلُهُ، فَكَفى ظُهُورُ الِاسْمِ مِن هَذِهِ المَعانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿ وَهَذا أخِي ﴾ وهم يَعْرِفُونَهُ، وإنَّما قَصَدَ: وهَذا المَظْلُومُ كَظُلْمِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والثّانِي: بِالجَمْعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ.

والثّالِثُ: بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَة قُنْبُلٍ: " مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى البَلاءِ.

والثّانِي: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى العَزْبَةِ.

والثّالِثُ: مَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الأقْوالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: يَتَّقِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى السِّجْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ: أجْرَ مَن كانَ هَذا حالَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ أيِ: اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ.

وَبِماذا عَنَوْا أنَّهُ فَضَّلَهُ فِيهِ ؟

أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِالمُلْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِالصَّبْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بِالحِلْمِ والصَّفْحِ عَنّا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والرّابِعُ: بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحُسْنِ وسائِرِ الفَضائِلِ الَّتِي أعْطاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ في أمْرِكَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِهَذا اِخْتِيرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " وإنْ كانَ " أخَطَأ " عَلى ألْسُنِ النّاسِ أكْثَرَ مِن " خَطِئَ يَخَطَأُ " لِأنَّ مَعْنى خَطِئَ يَخَطَأُ، فَهو خاطِئٌ: آثِمٌ، ومَعْنى أخْطَأ يُخْطِئُ، فَهو مُخْطِئٌ: تَرَكَ الصَّوابَ ولَمْ يَأْثَمْ، قالَ الشّاعِرُ: عِبادُكَ يَخْطَأُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ أرادَ: يَأْثَمُونَ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آثَرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآياتِ، لِأنَّ " خاطِئِينَ " أشْبَهُ بِما قَبْلَها.

وَذَكَرَ الفَرّاءُ في مَعْنى " إنْ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما وقَدْ كُنّا خاطِئِينَ.

والثّانِي: وما كُنّا إلّا خاطِئِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا أُعَيِّرُكم بَعْدَ اليَوْمِ بِهَذا أبَدًا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعُ عُقُوبَةً.

وقالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ: إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَعْيِيرَ عَلَيْكم بَعْدَ هَذا اليَوْمِ بِما صَنَعْتُمْ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ: الإفْسادُ، يُقالُ: ثَرَّبَ عَلَيْنا إذا أفْسَدَ، وفي الحَدِيثِ: " «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ» " أيْ: لا يُعَيِّرْها بِالزِّنى.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهم في حِلٍّ، وسَألَ اللَّهَ المَغْفِرَةَ لَهم.

وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا عَرَّفَهم نَفْسَهُ، سَألَهم عَنْ أبِيهِ، فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، وقالَ: ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ وهَذا القَمِيصُ كانَ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ مُعَلَّقًا في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ [يُوسُفَ:١٨،٢٥،٢٦،٢٧،٢٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعُودُ مُبْصِرًا.

فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ قَطَعَ عَلى الغَيْبِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالوَحْيِ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ ﴾ ﴿ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكم وهو أرْحَمُ الراحِمِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ إخْوَتُهُ: ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ  ﴾ واسْتَعْطَفُوهُ -رَقَّ ورَحِمَهُمْ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا فَشَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ إلَيْهِمْ، فَيُرْوى أنَّهُ حَسَرَ قِناعَهُ وقالَ لَهُمْ: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ﴾ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ التَفْرِيقِ بَيْنَهُما في الصِغَرِ، والتَمَرُّسِ بِهِما، وإذايَةِ (يامِينَ) بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ، فَإنَّهم كانُوا يُذِلُّونَهُ ويَشْتُمُونَهُ، ولَمْ يُشِرْ إلى قِصَّةِ (يامِينَ) الآخِيرَةِ لِأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا هم فِيها شَيْئًا، ونَسَبَهم إمّا إلى جَهْلِ المَعْصِيَةِ، وَإمّا إلى جَهْلِ الشَبابِ وقِلَّةِ الحِنْكَةِ، فَلَمّا خاطَبَهم هَذِهِ المُخاطَبَةَ -وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَنَ بِها مِن هَيْئَتِهِ وبِشْرِهِ وتَبَسُّمِهِ ما دَلَّهُمْ- تَنَبَّهُوا ووَقَعَ لَهم مِنَ الظَنِّ القَوِيِّ أنَّهُ يُوسُفُ، فَخاطَبُوهُ مُسْتَفْهِمِينَ اسْتِفْهامَ تَقْرِيرٍ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ﴿ أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ وتَحْقِيقِهِما: "آئِنَّكَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَسْهِيلِ الثانِيَةِ "أيِنَّكَ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "إنَّكَ" عَلى الخَبَرِ وتَأْكِيدِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "أئِنَّكَ أو أنْتَ يُوسُفُ "، قالَ أبُو الفَتْحِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا عَلى حَذْفِ خَبَرِ (إنَّ)، كَأنَّهُ قالَ: أئِنَّكَ لَغَيْرُ يُوسُفَ أو أنْتَ يُوسُفُ ؟

وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أو أنْتَ يُوسُفُ ".

وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "إنَّكَ" أنَّها اسْتِفْهامٌ بِإسْقاطِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، فَأجابَهم يُوسُفُ كاشِفًا أمْرَهُ، قالَ: ﴿ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِ المَعْصِيَةِ ويَصْبِرْ في السِجْنِ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِنى ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَقْصِدُ اللَفْظِ إنَّما هو العُمُومُ في العَظائِمِ، وإنَّما قالَ هَذانِ ما خَصَّصْنا ؛ لِأنَّها كانَتْ مِن نَوازِلِهِ، ولَوْ فَرَضْنا نُزُولَ غَيْرِها بِهِ لاتَّقى وصَبَرَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَّقِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يَتَّقِي" بِإثْباتِ الياءِ، واخْتُلِفَ في وجْهِ ذَلِكَ -فَقِيلَ: قَدَّرَ الياءَ مُتَحَرِّكَةً وجَعَلَ الجَزْمَ في حَذْفِ الحَرَكَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ: ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا لا نَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ يَجِيءُ في الشِعْرِ لا في الكَلامِ، وقِيلَ: "مَن" بِمَعْنى الَّذِي، و"يَتَّقِي" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ، و"يَصْبِرْ" عُطِفَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ "مَن" وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَفِيها مَعْنى الشَرْطِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ  ﴾ ، وقِيلَ: أرادَ: "يَصْبِرُ" بِالرَفْعِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ الراءَ تَخْفِيفًا، كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَيَأْمُرْكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا ﴾ الآيَةَ، هَذا مِنهُمُ اسْتِنْزالٌ لِيُوسُفَ، وإقْرارٌ بِالذَنْبِ في ضِمْنِهِ اسْتِغْفارٌ مِنهُ، و"آثَرَكَ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ التَفْضِيلِ وأنْواعِ العَطايا، والأصْلُ فِيها هَمْزَتانِ وخُفِّفَتِ الثانِيَةُ، ولا يَجُوزُ تَحْقِيقُها، والمَصْدَرُ إيثارٌ.

وخاطِئِينَ: مِن خَطِئَ يَخْطَأُ، وهو المُتَعَمِّدُ لِلْخَطَأِ، والمُخْطِئُ: مِن أخْطَأ وهو الَّذِي قَصَدَ الصَوابَ فَلَمْ يُوَفَّقْ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ -وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ الأسْكَرِ -: وإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ لَقَدْ خَطِئا وخابا وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ عَفْوٌ جَمِيلٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "أوحى اللهُ إلى يُوسُفَ: بِعَفْوِكَ عن إخْوَتِكَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ".

وفي الحَدِيثِ «أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ لَمّا ورَدا مُهاجِرَيْنِ عَلى رَسُولِ اللهِ  أعْرَضَ عنهُما لِقُبْحِ فِعْلِهِما مَعَهُ قَبْلُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِما وأتَيا أبا بَكْرٍ فَكَلَّفاهُ الشَفاعَةَ، فَأبى، وأتَيا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَكَذَلِكَ، فَذَهَبَ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ إلى ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَهَبَ عَبْدُ اللهِ إلى أُخْتِهِ أمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الرَأْيُ أنْ تَلْقَيا رَسُولَ اللهِ  في الحَفْلِ فَتَصِيحانِ بِهِ: "تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ"، فَإنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ دُونَ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلا بُدَّ لِذَلِكَ أنْ يَقُولَ: "لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُما"، فَفَعَلا ذَلِكَ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ  : ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ الآيَةَ.» والتَثْرِيبُ: اللَوْمُ والعُقُوبَةُ وما جَرى مَعَهُما مِن سُوءِ مُعْتَقَدٍ ونَحْوِهِ، وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ الناسِ عَنِ التَثْرِيبِ بِالتَعْيِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يُثَرِّبْ"،» أيْ: لا يُعَيِّرْ، أخْرَجَهُ الشَيْخانِ في الحُدُودِ.

ووَقَفَ بَعْضُ القَرَأةِ: "عَلَيْكُمْ"، وابْتَدَأ: ﴿ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ﴾ ، ووَقَفَ أكْثَرُهُمُ: "اليَوْمَ"، وابْتَدَأ: ﴿ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ﴾ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَبَرِيِّ، وهو الصَحِيحُ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وعَلى هَذا فالعامِلُ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ "عَلَيْكُمْ"، تَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ ثابِتٌ أو مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ.

وهَذا الوَقْفُ أرْجَحُ في المَعْنى، لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللهِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الاستفهام مستعمل في التوبيخ.

و ﴿ هل ﴾ مفيدة للتحْقيق لأنها بمعنى ﴿ قد ﴾ في الاستفهام.

فهو توبيخ على ما يعلمونه محققاً من أفعالهم مع يوسف عليه السلام وأخيه، أي أفعالهم الذميمة بقرينة التوبيخ، وهي بالنسبة ليوسف عليه السلام واضحة، وأما بالنسبة إلى بنيامين فهي ما كانوا يعاملونه به مع أخيه يوسف عليه السلام من الإهانة التي تنافيها الأخوة، ولذلك جعل ذلك الزمن زمن جهالتهم بقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ .

وفيه تعريض بأنهم قد صلح حالهم من بعد.

وذلك إما بوحي من الله إن كان صار نبيئاً أو بالفراسة لأنه لما رآهم حريصين على رغبات أبيهم في طلب فداء (بنيامين) حين أُخذ في حكم تهمة السرقة وفي طلب سراحه في هذا الموقف مع الإلحاح في ذلك وكان يعرف منهم معاكسة أبيهم في شأن بنيامين علم أنهم ثابوا إلى صلاح.

وإنما كاشفهم بحاله الآن لأن الاطلاع على حاله يقتضي استجلاب أبيه وأهله إلى السكنى بأرض ولايته، وذلك كان متوقفاً على أشياء لعلها لم تتهيأ إلا حينئذٍ.

وقد أشرنا إلى ذلك عند قوله تعالى: ﴿ قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ﴾ [يوسف: 79] فقد صار يوسف عليه السلام جِدّ مكين عند فرعون.

وفي الإصحاح (45) من سفر التكوين أن يوسف عليه السلام قال لإخوته حينئذٍ وهو أي الله قد جعلني أباً لفرعون وسيداً لكل بيته ومتسلطاً على كل أرض مصر.

فالظاهر أن الملك الذي أطلق يوسف عليه السلام من السجن وجعله عزيز مصر قد توفّي وخلفه ابن له فجبه يوسفُ عليه السلام وصار للملك الشاب بمنزلة الأب، وصار متصرّفاً بما يريد، فرأى الحال مساعداً لجلب عشيرته إلى أرض مصر.

ولا تعرف أسماء ملوك مصر في هذا الزمن الذي كان فيه يوسف عليه السلام لأن المملكة أيامئذٍ كانت منقسمة إلى مملكتين: إحداهما ملوكها من القبط وهم الملوك الذين يُقسهم المؤرخون الإفرنج إلى العائلات الخامسة عشرة، والسادسة عشرة، والسابعة عشرة، وبعض الثامنة عشرة.

والمملكة الثانية ملوكها من الهكسوس، ويقال لهم: العمالقة أو الرعاة وهم عَرب.

ودام هذا الانقسام خمسمائة سنة وإحدى عشرة سنة من سنة (2214) قبل المسيح إلى سنة (1703) قبل المسيح.

وقولهم: أإنك لأنت يوسف } يدل على أنهم استشعروا من كلامه ثم من ملامحه ثم من تفهم قَول أبيهم لهم: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ إذ قد اتضح لهم المعنى التعريضي من كلامه فعرفوا أنه يتكلم مريداً نفسه.

وتأكيد الجملة ب ﴿ إنّ ﴾ ولام الابتداء وضمير الفصل لشدة تحققهم أنه يوسف عليه السلام.

وأدخل الاستفهام التقريري على الجملة المؤكّدة لأنهم تطلبوا تأييده لعلِمهم به.

وقرأ ابن كثير ﴿ إنك ﴾ بغير استفهام على الخبرية، والمراد لازم فائدة الخبر، أي عرفناك، ألا ترى أن جوابه ب ﴿ أنَا يوسف ﴾ مجرد عن التأكيد لأنهم كانوا متحققين ذلك فلم يبق إلا تأييده لذلك.

وقوله: ﴿ وهذا أخي ﴾ خبر مستعمل في التعجيب من جمع الله بينهما بعد طول الفرقة، فجملة ﴿ قد من الله علينا ﴾ بيان للمقصود من جملة ﴿ وهذا أخي ﴾ .

وجملة ﴿ إنه من يتق ويصبر ﴾ تعليل لجملة ﴿ منَّ الله علينا ﴾ .

فيوسف عليه السلام اتّقى الله وصبر وبنيامين صَبر ولم يعْص الله فكان تقياً.

أراد يوسف عليه السلام تعليمهم وسائل التعرض إلى نعم الله تعالى، وحثهم على التقوى والتخلق بالصبر تعريضاً بأنهم لم يتقوا الله فيه وفي أخيه ولم يصبروا على إيثار أبيهم إياهما عليهم.

وهذا من أفانين الخطابة أن يغتنم الواعظ الفرصة لإلقاء الموعظة، وهي فرصة تأثر السامع وانفعاله وظهور شواهد صدق الواعظ في موعظته.

وذكر المحسنين وضعٌ للظاهر موضع المضمر إذ مقتضى الظاهر أن يقال: فإن الله لا يضيع أجرهُم.

فعدل عنه إلى المحسنين للدلالة على أن ذلك من الإحسان، وللتعميم في الحكم ليكون كالتذييل، ويدخل في عمومه هو وأخوه.

ثم إن هذا في مقام التحدث بالنعمة وإظهار الموعظة سائغ للأنبياء لأنه من التبليغ كقول النبي صلى الله عليه وسلم «إنّي لأتقاكم لله وأعلمكم به».

والإيثار: التفضيل بالعطاء.

وصيغة اليمين مستعملة في لازم الفائدة، وهي علمهم ويقينهم بأن ما ناله هو تفضيل من الله وأنهم عرفوا مرتبتَه، وليس المقصود إفادة تحصيل ذلك لأن يوسف عليه السلام يعلمه.

والمراد: الإيثار في الدنيا بما أعطاه الله من النعم.

واعترفوا بذنبهم إذ قالوا: ﴿ وإنّ كنا لخاطئين ﴾ .

والخاطئ: فاعل الخطيئة، أي الجريمة، فنفعت فيهم الموعظة.

ولذلك أعلمهم بأن الذنب قد غفر فرفع عنهم الذم فقال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ .

والتثريب: التوبيخ والتقريع.

والظاهر أن منتهى الجملة هو قوله: ﴿ عليكم ﴾ ، لأن مثل هذا القول مِمّا يجري مجرى المثل فيُبنى على الاختصار فيكتفي ب ﴿ لا تثريب ﴾ مثل قولهم: لا بأس، وقوله تعالى: ﴿ لا وزر ﴾ [القيامة: 11].

وزيادة عليكم } للتأكيد مثل زيادة ﴿ لَك ﴾ بعد (سقياً ورعياً)، فلا يكون قوله: ﴿ اليوم ﴾ من تمام الجملة ولكنه متعلق بفعل ﴿ يغفر الله لكم ﴾ .

وأعقب ذلك بأن أعلمهُم بأن الله يغفر لهم في تلك الساعة لأنها ساعة توبة، فالذنب مغفور لإخبار الله في شرائعه السالفة دون احتياج إلى وحي سوى أن الوحي لمعرفة إخلاص توبتهم.

وأطلق ﴿ اليوم ﴾ على الزمن، وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ في أول سورة العقود (3).

وقوله: اذهبوا بقميصي هذا} يدل على أنه أعطاهم قميصاً، فلعلّه جعل قميصه علامة لأبيه على حياته، ولعلّ ذلك كان مصطلحاً عليه بينهما.

وكان للعائلات في النظام القديم علامات يصطلحون عليها ويحتفظون بها لتكون وسائل للتعارف بينهم عند الفتن والاغتراب، إذ كانت تعتريهم حوادث الفقد والفراق بالغزو والغارات وقطع الطريق، وتلك العلامات من لباس ومِن كلمات يتعارفون بها وهي الشعار، ومن علامات في البَدن وشَامات.

وفائدة إرساله إلى أبيه القميصَ أن يثق أبوه بحياته ووجوده في مصر، فلا يظن الدعوة إلى قدومه مكيدة من ملك مصر، ولقصد تعجيل المسرة له.

والأظهر أنه جعل إرسال قميصه علامة على صدق إخوته فيما يبلغونه إلى أبيهم من أمر يوسف عليه السلام بجلبه فإنّ قمصان الملوك والكبراء تنسج إليهم خصيصاً ولا توجد أمثالها عند الناس وكان الملوك يخلعونها على خاصتهم، فجعل يوسف عليه السلام إرسال قميصه علامة لأبيه على صدق إخوته أنهم جاءوا من عند يوسف عليه السلام بخبر صدق.

ومن البعيد مَا قيل: إن القميص كان قميص إبراهيم عليه السلام مع أن قميص يوسف قد جاء به إخوته إلى أبيهم حين جاءوا عليه بدم كذب.

وأما إلقاء القميص على وجه أبيه فلقصد المفاجأة بالبُشرى لأنه كان لا يبصر من بعيد فلا يتبين رفعة القميص إلا من قرب.

وأما كونه يصير بصيراً فحصل ليوسف عليه السلام بالوحي فبشرهم به من ذلك الحين.

ولعل يوسف عليه السلام نُبيءَ ساعتئذٍ.

وأدمج الأمر بالإتيان بأبيه في ضمن تبشيره بوجوده إدماجاً بليغاً إذ قال: ﴿ يأت بصيراً ﴾ ثم قال: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ لقصد صلة أرحام عشيرته.

قال المفسرون: وكانت عشيرة يعقوب عليه السلام ستا وسبعين نفساً بين رجال ونساء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ ﴾ أيْ قَدْ عَلِمْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ﴾ أيْ قَدْ أتى.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ذَكَرَ لَنا أنَّهم لَمّا قالُوا ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ رَحِمَهم ورَقَّ لَهم، فَقالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ؟

وعَدَّدَ عَلَيْهِمْ ما صَنَعُوا بِهِما.

﴿ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي جَهْلَ الصِّغَرِ.

الثّانِي: جَهْلَ المَعاصِي.

الثّالِثُ: الجَهْلُ بِعَواقِبِ أفْعالِهِمْ.

فَحِينَئِذٍ عَرَفُوهُ.

﴿ قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي ﴾ وحَكى الضَّحّاكُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وهَذا أخِي وبَيْنِي وبَيْنَهُ قُرْبى ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ يَعْنِي بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ، ويَحْتَمِلُ بِالِاجْتِماعِ بَعْدَ طُولِ الفِرْقَةِ.

﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَّقِي الزِّنا ويَصْبِرُ عَلى العُزُوبَةِ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّانِي: يَتَّقِي اللَّهَ تَعالى ويَصْبِرُ عَلى بَلْواهُ.

وَهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا.

الثّانِي: في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ الإيثارِ، وهو إرادَةُ تَفْضِيلِ أحَدِ النَّفْسَيْنِ عَلى الآخَرِ، قالَ الشّاعِرُ: واللَّهُ أسْماكَ سُمًا مُبارَكا آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا ﴿ وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ ﴾ أيْ فِيما صَنَعُوا بِيُوسُفَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: آثِمِينَ.

الثّانِي: مُخْطِئِينَ.

والفَرْقُ بَيْنَ الخاطِئِ والمُخْطِئِ أنَّ الخاطِئَ آثِمٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ كانُوا عِنْدَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِهِ صِغارًا تُرْفَعُ عَنْهُمُ الخَطايا.

قِيلَ لَمّا كَبِرُوا واسْتَدامُوا إخْفاءَ ما صَنَعُوا صارُوا حِينَئِذٍ خاطِئِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أرْبَعَةِ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَغْيِيرَ عَلَيْكم، وهو قَوْلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.

الثّانِي: لا تَأْنِيبَ فِيما صَنَعْتُمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّالِثُ: لا إباءَ عَلَيْكم في قَوْلِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: لا عِقابَ عَلَيْكم وقالَ الشّاعِرُ: فَعَفَوْتُ عَنْهم عَفْوَ غَيْرِ مُثَرِّبِ ∗∗∗ وتَرَكْتُهم لِعِقابِ يَوْمٍ سَرْمَدِ ﴿ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِتَوْبَتِهِمْ بِالِاعْتِرافِ والنَّدَمِ.

الثّانِي: لِإحْلالِهِ لَهم بِالعَفْوِ عَنْهم.

﴿ وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في صُنْعِهِ بِي حِينَ جَعَلَنِي مَلِكًا.

الثّانِي: في عَفْوِهِ عَنْكم عَمّا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تثريب ﴾ قال لا تعيير.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تثريب ﴾ قال لا إباء.

وأخرج أبو الشيخ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: لما استفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، التفت إلى الناس فقال: «ماذا تقولون، وماذا تظنون؟...

قالوا: ابن عم كريم.

فقال: ﴿ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا أهل مكة، ماذا تظنون، ماذا تقولون؟

قالوا: نظن خيراً ونقول خيراً: ابن عم كريم قد قدرت، قال: فإني أقول كما قال أخي يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ﴾ » .

وأخرج البيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، طاف بالبيت وصلى ركعتين، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب، فقال: «ماذا تقولون، وماذا تظنون؟

قالوا: نقول ابن أخ وابن عم حليم رحيم، فقال: أقول كما قال يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ﴾ فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإِسلام» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: طلب الحوائج إلى الشباب، أسهل منها إلى الشيوخ.

ألم تر إلى قول يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ وقال يعقوب عليه السلام ﴿ سوف أستغفر لكم ربي ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال: أما والله، ما سمعنا بعفو قط مثل عفو يوسف.

وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لما كان من أمر إخوة يوسف ما كان، كتب يعقوب إلى يوسف- وهو لا يعلم أنه يوسف- بسم الله الرحمن الرحيم.

من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون، سلام عليك.

فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنا أهل بيت، مولع بنا أسباب البلاء.

كان جدي إبراهيم، خليل الله عليه السلام ألقي في النار في طاعة ربه، فجعلها عليه الله برداً وسلاماً.

وأمر الله جدي أن يذبح له أبي، ففداه الله بما فداه الله به.

وكان لي ابن وكان من أحب الناس إلي ففقدته.

فأذهب حزني عليه نور بصري، وكان له أخ من أمه، كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري.

فأذهب عني وهو المحبوس عندك في السرقة، وأني أخبرك أني لم أسرق ولم ألد سارقاً.

فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب، بكى وصاح وقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا ﴾ «إن نمرود لما ألقى إبراهيم في النار، نزل إليه جبريل بقميص من الجنة، وطنفسة من الجنة، فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة، وقعد معه يتحدث، فأوحى الله إلى النار ﴿ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ [ الأنبياء: 69] ولولا أنه قال: وسلاماً، لأذاه البرد ولقتله البرد» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا خير البشر، فقال: «ذاك يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن اسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.

إن الله كسا إبراهيم ثوباً من الجنة، فكساه إبراهيم إسحاق، فكساه اسحاق يعقوب، فأخذه يعقوب فجعله في قصبة حديد، وعلقه في عنق يوسف، ولو علم إخوته إذ ألقوه في الجب لأخذوه، فلما أراد الله أن يرد يوسف على يعقوب وكان بين رؤياه وتعبيرها أربعين سنة، أمر البشير أن يبشره من ثمان مراحل، فوجد يعقوب ريحه فقال: ﴿ إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ﴾ فلما ألقاه على وجهه ارتد بصيراً، وليس يقع شيء من الجنة على عاهة من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله تعالى» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن المطلب بن عبدالله بن حنطب رضي الله عنه قال: لما ألقي إبراهيم في النار، كساه الله تعالى قميصاً من الجنة، فكساه إبراهيم اسحاق، وكساه اسحاق يعقوب، وكساه يعقوب يوسف، فطواه وجعله في قصبة فضة، فجعله في عنقه وكان في عنقه حين ألقي في الجب، وحين سجن، وحين دخل عليه إخوته.

وأخرج القميص من القصبة فقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ فشم يعقوب عليه السلام ريح الجنة وهو بأرض كنعان، بأرض فلسطين، فقال: ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ .

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان أهله حين أرسل إليهم، فأتوا مصر ثلاثة وتسعين إنساناً، رجالهم أنبياء، ونساؤهم صِدِّيقات، والله ما خرجوا مع موسى عليه السلام، حتى بلغوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: خرج يعقوب عليه السلام إلى يوسف عليه السلام بمصر، في اثنين وسبعين من ولده وولد ولده، فخرجوا منها مع موسى عليه السلام وهم ستمائة ألف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ الآية، روى ثعلب عن ابن الأعرابي (١) ومنه الحديث (٢) (٣) (٤) (٥) وروى ابن الأنباري عن أبي العباس (٦) قال ابن عباس: يريد لا لوم عليكم، وقال محمد بن إسحاق (٧) (٨) (٩) وقال الكلبي (١٠) فإن قيل: لِمَ خص اليوم ونيته العفو وترك التوبيخ أبدًا؟.

قال أبو بكر (١١) ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ أي: قد إنقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب، فكان ذكر اليوم دلالة على انقطاع التأنيب، وعلى أن ما بعده من الأيام يجري مجراه، واليوم قد يذكر ويراد به: الحين والزمان، كقول امرئ القيس: فاليوم أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِب ...

إثمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ ليس يريد يومًا بعينه، قال (١٢) ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ ألبتة ﴿ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فتعلق اليوم بالغفران وتناول: غفر الله لكم اليوم، قال: وفيه ضعف، إذ الدعاء لا ينصب قبله، وهو على ما فيه محتمل، من قبل أن لفظ (يغفر) لفظ الخبر إذ عرى من الجزم وعوامله فينصرف منصوبه عليه كما ينصرف على الأفعال المرفوعة في الأخبار، وهذا الذي ذكره أبو بكر مذهب الأخفش (١٣) ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ قال ابن عباس (١٤) (١) "تهذيب اللغة" (ثرب) 1/ 476، و"اللسان" (ثرب) 1/ 475.

(٢) الحديث أخرجه البخاري (2152) كتاب البيوع، باب بيع العبد الزاني، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "إذا زنت الأمة فتبين زناها، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر" وبلفظ "ولا يثرب عليها" (ح 2233) كتاب البيوع، باب: بيع الرقيق، وأطرافه في (ح 2234، 2555، 6837، 6839)، وأخرجه مسلم (ح 1703) كتاب الحدود، باب رجم اليهود، وأهل الذمة، في الزَّنا، وأحمد في "مسنده" 2/ 249.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 128.

(٤) "مجاز القرآن" 1/ 318.

والسياق يوهم أن البيت أورده أبو عبيدة، ولم أجده في "مجاز القرآن".

(٥) القائل بشر بن أبي خازم وهو في ملحق "ديوانه" ص 229 برواية عجزه: أولى لهم بعقاب يوم سرمد أوله في "اللسان" (ثرب) 1/ 475، ونسب لتبع في "اللسان" (ولى) 8/ 4924، وكتاب "العين" 7/ 219، و"أساس البلاغة" (ثرب) / 44، وقيل هو لتبع.

(٦) "تهذيب اللغة" (ثرب) 1/ 476.

(٧) الطبري 13/ 56.

(٨) (لا): ساقط من (ب).

(٩) الطبري 13/ 56.

(١٠) "تنوير المقباس" ص 153، و"زاد المسير" 4/ 282.

(١١) "زاد المسير" 4/ 282 بنحوه.

(١٢) أي أبو بكر.

(١٣) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 593.

(١٤) "زاد المسير" 4/ 283.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ لما شكوا إليه رقَّ لهم وعرّفهم بنفسه، ورُوِي أنه كان يكلمهم وعلى وجهه لثام، ثم أزال اللثام ليعرفوه، وأراد بقوله ما فعلتم بيوسف وأخيه: التفريق بينهما في الصغر، ومضرتهم ليوسف وإذايتهم أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه ﴿ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ اعتذار عنهم، فيحتمل أن يريد الجهل بقبح ما فعلوه أو جهل الشبابُ ﴿ قالوا أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ ﴾ قرئ بالاستفهام والخبر، فالخبر على أنهم عرفوه؛ والاستفهام على أنهم عرفوه؛ والاستفهام على أنهم توهموا أنه هو ولم يحققوه ﴿ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ ﴾ قيل إنه أراد من يتق في ترك المعصية، ويصبر على السجن، واللفظ أعم من ذلك ﴿ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا ﴾ أي فضلك ﴿ لخاطئين ﴾ أي عاصين، وفي كلامهم استعطاف واعتراف ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ عفو جميل، والتثريب التعنيف والعقوبة، وقوله اليوم راجع إلى ما قبله فيوقف عليه، وهو يتعلق بالتثريب، أو بالمقدر في عليكم من معنى الاستقرار؛ وقيل: إنه يتعلق بيغفر، وهذا بعيد لأنه تحكم على الله؛ وإنما يغفر دعاء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: لا تثريب عليكم اليوم، ثم دعا إلى الله أن يغفر لهم حقه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مزجاة ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ حزني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

﴿ قالوا إنك ﴾ على الخبر أو على حذف حرف الاستفهام: ابن كثير ويزيد.

﴿ أئنك ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما مدة.

﴿ أينك ﴾ بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينك ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون.

﴿ من يتقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون بغير ياء ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي إنه ﴾ بالفتح أيضاً: أبو جعفر وأبو عمرو ﴿ أبي إذ ﴾ بالفتح أيضاً عندهم ﴿ إخوتي ﴾ ﴿ ربي ﴾ بفتح الياء أيضاً: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني والله أعلم.

الوقوف: ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ الهالكين ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ وتصدق علينا ﴾ ط ﴿ المتصدقين ﴾ ه ﴿ جاهلون ﴾ ه ﴿ لأنت يوسف ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين.

﴿ علينا ﴾ ط لاحتمال أنه ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقوف أيضاً لاتحاد القائل مع الابتداء بأن ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط لاختلاف الجملتين نفياً وإثباتاً أو خبراً ودعاء ﴿ لكم ﴾ ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ يأتي بصيراً ﴾ ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تفندون ﴾ ه ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب "لما" وقوله ﴿ ألقاه ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ سجداً ﴾ ج ﴿ من قبل ﴾ ز لتمام الجملة لفظاً دون المعنى.

﴿ حقاً ﴾ ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء جملة عظمى ﴿ إخوتي ﴾ ط ﴿ لما يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الأحاديث ﴾ ج لحق حذف حرف النداء مع اتصال الكلام ﴿ والآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء ﴿ الصالحين ﴾ ه.

التفسير: لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جداً ﴿ وتولى عنهم ﴾ أي أعرض عن بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم ﴿ وقال يا أسفي على يوسف ﴾ الأسف أشد الحزن.

والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في المائدة.

والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية.

وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟

الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفاً على الكل ولأنه كان عالماً بحياة الآخرين دون حياة يوسف ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ أي من البكاء الذي كان سببه الحزن.

قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرنية وانصباب الفضول الردية إليها.

قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.

وقال آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكاً ضعيفاً، أو المراد بالبياض غلبة البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء.

روي أنه لم تجف عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.

وعن رسول الله  أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟

وجد سبعين ثكلى.

قال: فما كان له من الأجر؟

قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط.

ونقل أن جبريل  دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك.

فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزناً على أبي، قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى.

وقال بعضهم: الحزن بالضم فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح، وقد روى يونس عن أبي عمروا قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله ﴿ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً  ﴾ وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن.

وقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟

وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، فلقد بكى رسول الله  على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.

ومما يدل على أن يعقوب  أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ "فعيل" بمعنى "مفعول" أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه.

والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولاً بذكر ﴿ يا أسفا ﴾ والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءاً من الحزن.

ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب.

يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟

قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك.

عن النبي  : " لم تعط أمة من الأمم ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا" وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه.

وأقول: هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصاً عند المصيبة وقد أخبر الصادق  أن هذا مما خصت هذه الأمة به والله أعلم، ﴿ قالوا ﴾ الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده.

﴿ تالله تفتؤ ﴾ أراد "لا تفتؤ" فحذف حرف النفي لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون.

قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أي لا تزال تذكر.

وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.

قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم به إلا مع الجحد ﴿ حتى تكون حرضاً ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة.

والحرض فساد في الجسم والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هماً، وإذا لم يقدر على إسراره فذكر لغيره كان بثاً.

فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس.

فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ملتجئاً إليه وداعياً له فخلوني وشكايتي.

وهذا مقام العارفين الصديقين كقول نبينا  "أعوذ بك منك" .

ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية إليه.

يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً.

فقال: الذي بي لكثرة غمومي.

فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟

فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له.

فكان بعد ذلك إذا سأل قال: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت - أي غضبت - عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين.

وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.

واعلم أن حال يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة؛ فتارة كان مستغرقاً في بحار معرفة الله، وتارة كان يستولى عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله  بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟‍!

أما قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب.

وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟

قال: لا يا نبي الله.

ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا.

وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء.

وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف.

وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال.

ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: ﴿ يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف ﴾ وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم.

وقد قرىء بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ من فرجه وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد.

قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله  غير قادر على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله.

ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ﴾ أي الملك القادر المنيع ﴿ مسنا وأهلنا الضر ﴾ الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته قال  ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً  ﴾ ومنه قوله: "فلان يزجي العيش" أي يدفع الزمان بالقليل.

قال الكلبي.

هي من لغة العجم.

وقيل: لغة القبط.

والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها.

قيل: كانت بضاعتهم الصوف والسمن.

وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء.

وقيل: سويق المقل والأقط.

وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم مصر ينقش عليها صورته.

﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ الذي هو حقنا.

﴿ وتصدق علينا ﴾ واعلم أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد.

واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟

فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء سوى محمد  .

وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم.

وقوله: ﴿ إن الله يجزي المتصدقين ﴾ يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللَّهم تصدق علي بل يجب أن يقال: اللَّهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني.

كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء.

فبدأوا بالعجز والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله  قلبه وارفضت عيناه فعند ذلك قال: ﴿ هل علمتم ما فعلتم بيوسف ﴾ وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء.

أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله  وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهب عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنما أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.

فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك.

وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".

وقوله: ﴿ هل علمتم ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت.

وفيه تصديق لقوله  : ﴿ لتنبئهم بأمرهم هذا  ﴾ وأما فعلهم بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بالاحتقار والامتهان.

وقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ جارٍ مجرى الاعتذار عنهم كأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا وزمان الجهالة: والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحاً لهم في الدين أي هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالباً فآثر كما هو عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ويدرك ثأره الموتور.

وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم.

ولما كلمهم بذلك ﴿ قالوا أئنك لأنت يوسف ﴾ عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم  فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها ﴿ قال أنا يوسف ﴾ صرح بالاسم تعظيماً لما جرى عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ولهذا قال: ﴿ وهذا أخي ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت صار منعماً عليه من الله وذلك قوله: ﴿ قد منَّ الله علينا ﴾ أي بكل خير دنيوي وأخروي أو بالجمع بعد التفرقة ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يتق ﴾ عقاب الله ﴿ ويصبر ﴾ عن معاصيه وعلى طاعته ﴿ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ أراد أجرهم فاكتفى من الربط بالعموم.

ومن قرأ ﴿ يتقي ﴾ بإثبات الياء فوجهه أن يجعل "من" بمعنى "الذي"، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ ويصبر ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذفت الحركة للتخفيف أو المشاكلة.

وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين.

﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ﴾ اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين.

ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض  ﴾ ﴿ وإن كنا ﴾ وإن شأننا أنا كنا خاطئين.

قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد.

وقال الأموي: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: "المجتهد يخطىء ويصيب".

والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي.

قال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ذنباً، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله.

واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلاً بالغاً عاقلاً، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ.

سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ لا تأنيب ولا توبيخ.

وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم.

وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم.

وقيل: لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلاً للتقريع المدنف المضني.

وقوله: ﴿ اليوم ﴾ إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر على عليكم أي لا أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره.

ثم ابتدأ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالاً عنهم.

وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك للتفاؤل، ويحتمل أن يكون ﴿ اليوم ﴾ متعلقاً بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم.

يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك.

فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليّ شزراً ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم.

عن رسول الله  أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟

قالوا: نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.

فقال  : أقول ما قال أخي يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ .

قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ وقول يعقوب: ﴿ سوف أستغفر لكم ﴾ ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ كقولك جاء البنيان محكماً ومثله ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أو المراد يأت إلى وهو بصير دليله قوله: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف.

وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم.

وقالت الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه.

روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.

عن الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً.

وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف.

﴿ ولما فصلت العير ﴾ خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعدياً كان مصدره الفصل ﴿ قال أبوهم ﴾ لمن حوله من قومه ﴿ إن لأجد ﴾ بحاسة الشم ﴿ ريح يوسف ﴾ قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص.

قال أهل التحقيق: إن الله  أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل.وقوله: ﴿ لولا أن تفندون ﴾ جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدّقتموني.

والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر.

﴿ قالوا ﴾ يعني الحاضرين عنده ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ أي فيما كنت فيه قدماً من البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين  ﴾ .

وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان.

قال الحسن: إنما قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات.

﴿ فلما أن جاء ﴾ "أن صلة" أي فلما جاء مثل ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع  ﴾ وقيل: هي مع الفعل في محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا ﴿ ألقاه ﴾ طرحه البشير أو يعقوب على وجهه ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أي انقلب من العمى إلى البصر أو من الضعف إلى القوة ﴿ قال ألم أقل لكم ﴾ جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفاً وهو قوله: ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ أو قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ويكون قوله: ﴿ إني أعلم ﴾ كلاماً مستأنفاً.

والظاهر أن مفعوله قوله: ﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وذلك أنه كان قال لهم: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟

فقال: هو ملك مصر.

قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟

قال: على دين الإسلام.

قال: الآن تمت النعمة.

ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار.

قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإجابة.

وقيل: أخر لتعرف حالهم في الإخلاص.

وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار في الاستقبال.

فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.

روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللَّهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين.

وروي أنهم قالوا له - وقد علتهم الكآبة - وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبداً.

فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة.

واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه،وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟

قال: لا هذا ولدك: فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.

فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟

قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.

ومعنى ﴿ آوى إليه أبويه ﴾ ضمهما إليه واعتنقهما.

قال ابن إسحق: كانت أمة باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلى أن الله  أحياها ونشرها من قبرها تحقيقاً لرؤيا يوسف.

وقيل: المراد بأوبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله  أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أماً لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فيكف وقد اجتمع ههنا الأمران.

قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه ﴿ وقال ادخلوا مصر ﴾ فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائداً إلى الدخول.

وعن ابن عباس: ادخلوا مصر أي أقيموا بها.

وقوله: ﴿ إن شاء الله آمنين ﴾ تعلق بالدخول المكيف بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحداً وكانوا فيما سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم بالجرم السالف.

﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟

وأيضاً تعظيم الأبوين تالي تعظيم الله  فمن أين جاز سجدة أبويه له؟

والجواب عن ابن عباس في رواية عطاء أن المراد خرّوا لأجل وجدانه سجداً لله فكانت سجدة الشكر لله  ، وكذا التأويل في قوله: ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي.

وأحسن من هذا أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً على لقائه، أو يراد بالسجدة التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجبهة.

واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه.

بأن الخرور قد يعني به المرور قال  .

﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً  ﴾ أي لم يمروا.

وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط.

ورد بأن قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ من قبل ينبو عنه.

وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقاً للرؤيا من كل الوجوه فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد.

وقيل: إنما سجد الأبوان لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سبباً لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله  أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله  ، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن لم يقل شيئاً وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله أعلم.

﴿ وقد أحسن بي ﴾ يقال: أحسن به وإليه بمعنى.

﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ لم يذكر إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ ولأنه لم يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبداً وصار.

مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب وأشمل ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه والصحارى.

قال ابن الأنباري.

بدا موضع معروف هنالك.

روي عن ابن عباس أن يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط.

قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه  أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر.

وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه.

﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام.

﴿ إنه هو العليم ﴾ بالوجه الذي تسهل به الصعاب ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل!

قال: أمرني جبريل.

قال: أو ما تسأله؟

قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب  ﴾ قال: فهلا خفتني.

ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة.

فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: ﴿ رب آتيتني من الملك ﴾ شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾ بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض ﴿ أنت وليي في الدنيا والآخرة ﴾ لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك.

ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال ﴿ توفني مسلماً ﴾ أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: ﴿ ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون  ﴾ ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ من آبائي أو على العموم.

قيل: الصلاح أول درجات المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة كيف يليق به أن يطلب البداية؟

والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاة لو لم يكن من فعل الله  كان طلبه من الله جارياً مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل.

وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟

أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل.

سؤال آخر: الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام ألبتة.

فما الفائدة في الطلب؟

الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية والرهبة.

وقال في التفسير الكبير: المطلوب ههنا حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه.

وعن قتادة وكثير من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن الموت نبي قبله ولا بعده.

قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله  وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت.

وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها مما فوقها والكمال الإلهي غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت.

ومنها أن سعادات الدنيا ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل موته ليتخلص من هذه الآفات.

ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن حاصلها يرجع إلى دفع الآلام.

وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف.

ومنها أن مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل منها عيوب؛ فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يتخلط بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة فيها.

وأيضاً اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح وعيوبها مع أن فيها احتياجاً إلى زيادة المال، والنفقة للزوج والولد وما يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من سواه.

ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائماً في الحزن والخوف.

فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح في اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائماً في بحر الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة.

وقد سبق منا في تمني الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين  ﴾ فليتذكر.

قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعاً.

وولد له إفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله  أعلم بحقائق الأمور.

التأويل: إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك أبيضت عيناه في انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم ﴿ تفتؤ تذكر يوسف ﴾ وأين أهل السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق فأول ملامتي آدم  حين قالت الملائكة لأجله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ بل أول ملامتي هو الله  حين قالوا له: ﴿ أتجعل فيها ﴾ وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله ﴿ يحبهم ﴾ ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون  ﴾ من جماله وكماله ﴿ اذهبوا فتحسسوا ﴾ فيه أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر.

فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرداقات حضرة القلب ﴿ قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ﴾ وهم القوى الإنسانية ﴿ ضر ﴾ البعد عن الحضرة الربانية ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ من الأعمال البدنية ﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ إذ كنتم على صفة الظلومية والجهولية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال ﴿ وإن كنا لخاطئين ﴾ في الإقبال على استيفاء الحظوظ الحيوانية التي تضر القلب والسر والروح ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ لأنه صدر منها ما صدر بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضراً له ظاهراً كما أن صنيع إخوة يوسف في البداية صار سبباً لرفعة منزلته في النهاية ﴿ اذهبوا بقميصي ﴾ وهو نور جمال الله ﴿ ولما فصلت ﴾ عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق ﴿ إنك لفي ضلالك القديم ﴾ .

يا عاذل العاشقين دع فئة *** أضلها الله كيف ترشدها ﴿ فارتد بصيراً ﴾ لأن الروح كان بصيراً في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم صار بصيراً بوارد من القلب: ورد البشير بما أقر الأعينا *** وشفى النفوس فنلن غايات المنى والقلب في بدو الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صار الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته في النهاية لتقبل بواسطة النار ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله ﴾ لأنه لا يصل إلى الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق  ، فالسجدة كانت في الحقيقة لرب العرش لا للعرش ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ إن كنت نائماً في نوم العدم ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب البشرية ما دام في الدنيا ﴿ من البدو ﴾ بدو الطبيعة ﴿ آتيتني من الملك ﴾ ملك الوصال والوصول ﴿ فاطر سموات ﴾ عالم الأرواح وأرض البشرية ﴿ توفني مسلماً ﴾ أخرجني من قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ ﴾ أي على يوسف ﴿ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ ﴾ سموه عزيزاً، لما لعلهم يسمّون كل ملك عزيزاً، أو سمعوه عزيزاً؛ لما كان عند ذلك عزيزاً؛ بقوله: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ  ﴾ أو لما كان بالناس إليه حاجة بالطعام الذي في يده؛ وهو كان غنيّاً عما في أيديهم والله أعلم.

قولهم: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ ﴾ .

قال أهل التأويل: أصابنا الشدة والبلاء من الجوع.

﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ﴾ .

قيل: دراهم نُفَاية مبهرجة لا تنفق في الطعام؛ كاسدة؛ لأنه كان في عزّة؛ وتُنفَق في غيره.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ﴾ أي قليلة.

وكذلك قال القتبي: أي قليلة.

وقال ابن عباس: هي الورق الرّديئة التي لا تنفق حتى يوضع منها.

وقال أبو عبيد: الإزجاء في كلام العرب: الدفع والسَّوق؛ وهو كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً  ﴾ أي يسوق ويدفع.

وقال بعضهم: ناقصة.

وقال بعضهم: جاءوا بسمن وصوف.

وقيل: جاءوا بصنوبر وحبة الخضراء، وأمثال هذا.

قالوا: ويشبه أن يكون ﴿ مُّزْجَاةٍ ﴾ من التزجية: كما يقال: نزجي يوماً بيوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ ﴾ .

قال بعضهم: أوف لنا الكيل بسعر الجياد؛ وتأخذ النُّفَاية وتكيل لنا الطعام بسعر الجياد.

لكن قوله: ﴿ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ ﴾ أي سلم لنا الكيل تامّاً؛ لأن الإيفاء هو التسليم على الوفاء؛ كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ  ﴾ ، وتصدق علينا بفضل ما بين الثمنين في الوزن.

وقيل: ما بين الكيلين.

وقال بعضهم: وتصدق علينا: أي زد لنا شيئاً يكون ذلك صدقة لنا منك.

لكن يشبه على ما قالوا: وطلبوا منه الصدقة؛ حط الثمن؛ لأن الصدقة لا تحل للأنبياء، ويجوز الحط لهم، ويجوز حطّ من لا يجوز صدقته؛ نحو العبد المأذون له في التجارة؛ يجوز حطه ولا يجوز صدقته، وكذلك نبي الله كان يجوز [له الشراء] بدون ثمنه؛ ولا تحل له الصدقة.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ ﴾ بذهاب بصر أبيهم؛ مسهم بذلك وأهلهم الضر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ﴾ .

أي رُدَّ علينا بنيامين؛ لعل الله يرد بصره عليه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ .

قال أهل التأويل: إن الله يجزي المتصدقين إن كانوا على دين الإسلام؛ كأنهم ظنوا أنه ليس على دين الإسلام؛ ولو أنهم ظنوا أنه مسلم؛ لقالوا: إن الله يجزيك بالصدقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .

هو ظاهر لا يحتاج إلى ذكره وأما ما فعلوه بأخيه: قال أهل التأويل: هو ما قالوا إنه سرق؛ لكنهم لم يقولوا إلا قدر ما ظهر عندهم؛ فلم يلحقهم بذلك القول فضل تعيير؛ لكن يشبه أن يكونوا آذوه بأنواع الأذى، ولا شك أنهم كانوا يبغضون يوسف وأخاه؛ حيث قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا  ﴾ .

وقوله: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .

قد كانوا علموا هم ما فعلوا بيوسف لكنه [كأنه] قال: هل تذكرون ما فعلتم بيوسف؛ أو أنتم جاهلون ذلك؛ ناسون؟

يقول لهم: اذكروا ما فعلتم بيوسف، وتوبوا إلى الله عن ذلك، ولا تكونوا جاهلين عن ذلك.

أو يقول لهم: هل رجعتم وتبتم عن ذلك؟، أو أنتم بعد فيه؟.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ أي: مذنبون؛ ولكن إذ أنتم جاهلون قدر يوسف ومنزلته، لأنهم لو علموا ما قدر يوسف عند الله؛ وما منزلته ما قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا  ﴾ وما خطئوا أباهم في حبّه إياه حيث قالوا: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ  ﴾ ، وما فعلوا به ما فعلوا.

والله أعلم.

﴿ قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ ﴾ .

كأنهم عرفوا أنه يوسف؛ بقول يوسف لهم: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ [أو عرفوا بقول أبيهم؛ حيث قال: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ ] لما ذكر أخاه ورأوه معه عرفوا أنه يوسف؛ لذلك قالوا.

والله أعلم.

﴿ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ ﴾ .

يحتمل: من يتّق معاصيه، ويصبر على بلاياه.

أو اتقى مناهيه؛ وصبر على أداء ما أمر به.

أو من اتقى وصبر؛ فقد أحسن.

أو يقول: إنه من يتق الجَفاء؛ ويصبر على البلاء؛ فقد أحسن.

﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ﴾ .

أي رُدَّ أخانا علينا، وهو ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ .

﴿ تَٱللَّهِ ﴾ قسم قد اعتادوه في فحوى كلامهم؛ على غير إرادة يمين بذلك؛ هكذا عادة العرب؛ وإلا كان يعلم يوسف أن الله قد آثره عليهم.

ويشبه أن يكون يخرج القسم هاهنا على تأكيد معرفتهم فضله ومنزلته؛ أي: لم تزل كنت مُؤْثَراً مفضّلا علينا.

﴿ وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ .

أي: وقد كنا خاطئين؛ فيما كان منا إليك من الصنيع.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ ؛ فيما قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا  ﴾ أي لما كان يؤثرهما عليهم؛ فقالوا: كنت مؤثَراً على ما كان أبونا يؤثرك علينا وقد كنا ﴿ لَخَاطِئِينَ ﴾ ؛ فقال يوسف.

﴿ قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ .

قال القتبي: قوله: ﴿ لاَ تَثْرِيبَ ﴾ : أي لا تعيير عليكم بعد هذا اليوم؛ بما صنعتم.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ أي: لا تنغيث عليكم.

وقيل: أصل التثريب: الإفساد؛ يقال: ثرب علينا الأمر: أي أفسده.

وقال أبو عوسجة: التثريب: الملامة؛ يقول: لا لوم عليكم في صنيعكم.

وقال ابن عباس - رضي لله عنه -: لا تثريب عليكم: أي لا أعيّركم بعد هذا اليوم أبداً؛ ولا أعيره عليكم.

وهو يحتمل هذين الوجهين: أحدهما: لا تعيير عليكم ولا ملامة؛ أي ليس عليكم في العقل تعيير ولا ملامة؛ إذا تبتم وأقررتم بالخطأ، وهكذا كل من أذنب ذنباً أو ارتكب كبيرة؛ ثم انتزع عنها وتاب منها؛ لا يعيَّر - هو - عليه ولا يلام.

وكذلك قيل في قوله: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ  ﴾ ذكر أنهم كانوا يعيَّرون أهل الكفر في كفرهم؛ وينابزونهم؛ ثم أسلموا؛ فنهوا أن ينابزوهم؛ ويصنعوا بهم مثل صنيعهم بهم في حال كفرهم، ولو وجب التعيير والملامة بعد الانتزع عنه والتوبة؛ أو يجوز ذلك لكان أصحاب رسول الله معيَّرين ملامين؛ لأنهم كانوا أهل الكفر في الابتداء، فهذا مما لا يحل في العقل.

والثاني: قوله: ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ : لا أعيَّركم؛ على ما قال ابن عباس -  - أي: لا أذكر ما كان منكم إلينا؛ أمنهم عن أن يذكر شيئاً مما كان منهم إليه؛ ولذلك قال: ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ  ﴾ .

ذكر أن الشيطان هو الذي فعل ما كان بينه وبين إخوته؛ وكذلك فعل؛ حيث قال: ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ  ﴾ أضاف ذلك إلى الشيطان، ولم يضف إلى إخوته.

وقوله - عز جل -: ﴿ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قطع فيه القول بالمغفرة لهم؛ حين أقروا بالخطايا وتابوا عما فعلوا، وهكذا كل من تاب عن ذنب ارتكبه ونزع عنه؛ أن يقطع القول فيه بالمغفرة والرحمة.

وقوله: ﴿ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ يخرج على الدعاء لهم بالمغفرة، أو على الإخبار بالوحي أنه يغفر لهم، أو قد غفر لهم، أو يقول: استغفروا الله؛ الذي كان بين الله وبينكم يغفر لكم.

﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ لأن كل من يرحم من الخلائق؛ إنما يرحم برحمة منه إليه؛ فهو أرحم الراحمين؛ بما قلنا؛ على ما قلنا في قوله: ﴿ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ  ﴾ و ﴿ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ  ﴾ لأن من يحكم من الخلائق بحكم يجوز إنما يحكم بحكم ناله منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ﴾ .

دل هذا من يوسف؛ حيث قطع القول فيه أنه يصير بصيراً؛ إنه عن وحي قال هذا لا عن رأي منه واجتهاد؛ إذ قطع القول فيه أنه إذا ألقى على وجهه يصير بصيراً.

وقوله: ﴿ يَأْتِ بَصِيراً ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يصير بصيراً على ما ذكرنا.

والثاني: يأتيني بصيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

أراد - والله أعلم - حيث أمرهم أن يأتوا بأهلهم أجمع - أن يبرّهم ويكرمهم؛ حين تابوا عما فعلوا به؛ وأقروا له بالخطأ في أمره.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فقبل يوسف اعتذارهم، وقال: لا لوم عليكم اليوم يقتضي عقابكم ولا توبيخ، أسأل الله أن يغفر لكم، وهو سبحانه أرحم الراحمين.

<div class="verse-tafsir" id="91.zGokV"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله