الآية ٤٣ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٤٣ من سورة الرعد

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًۭا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول : ويكذبك هؤلاء الكفار ويقولون : ( لست مرسلا ) أي : ما أرسلك الله ، ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ) أي : حسبي الله ، وهو الشاهد علي وعليكم ، شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة ، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان .

وقوله : ( ومن عنده علم الكتاب ) قيل : نزلت في عبد الله بن سلام .

قاله مجاهد .

وهذا القول غريب; لأن هذه الآية مكية ، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة .

والأظهر في هذا ما قاله العوفي ، عن ابن عباس قال : هم من اليهود والنصارى .

وقال قتادة : منهم ابن سلام ، وسلمان ، وتميم الداري .

وقال مجاهد - في رواية - عنه : هو الله تعالى .

وكان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بن سلام ، ويقول : هي مكية ، وكان يقرؤها : " ومن عنده علم الكتاب " ، ويقول : من عند الله .

وكذا قرأها مجاهد والحسن البصري .

وقد روى ابن جرير من حديث ، هارون الأعور ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأها : " " ومن عنده علم الكتاب " ، ثم قال : لا أصل له من حديث الزهري عند الثقات .

قلت : وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده ، من طريق هارون بن موسى هذا ، عن سليمان بن أرقم - وهو ضعيف - عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه مرفوعا كذلك .

ولا يثبت .

والله أعلم والصحيح في هذا : أن ) ومن عنده ) اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعته في كتبهم المتقدمة ، من بشارات الأنبياء به ، كما قال تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) الآية [ الأعراف : 156 ، 157 ] وقال تعالى : ( أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ) الآية : [ الشعراء : 197 ] .

وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل : أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة .

وقد ورد في حديث الأحبار ، عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة .

قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب " دلائل النبوة " ، وهو كتاب جليل : حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني ، حدثنا عبدان بن أحمد ، حدثنا محمد بن مصفى ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن محمد بن حمزة بن يوسف ، بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، أن عبد الله بن سلام قال لأحبار اليهود : إني أردت أن أجدد بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عهدا فانطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة ، فوافاهم وقد انصرفوا من الحج ، فوجد رسول الله ، بمنى ، والناس حوله ، فقام مع الناس ، فلما نظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أنت عبد الله بن سلام ؟

" قال : قلت : نعم .

قال : " ادن " .

فدنوت منه ، قال : " أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام ، أما تجدني في التوراة رسول الله ؟

" فقلت له : انعت ربنا .

قال : فجاء جبريل حتى وقف بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) [ سورة الإخلاص ] فقرأها علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ابن سلام : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله .

ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة فكتم إسلامه .

فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وأنا فوق نخلة لي أجدها ، فألقيت نفسي ، فقالت أمي : [ لله ] أنت ، لو كان موسى بن عمران ما كان لك أن تلقي نفسك من رأس النخلة .

فقلت : والله لأني أسر بقدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من موسى بن عمران إذ بعث .

وهذا حديث غريب جدا .

آخر تفسير سورة الرعد ولله الحمد والمنة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ويقول الذين كفروا بالله من قومك يا محمد لست مرسلا!

تكذيبا منهم لك, وجحودًا لنبوّتك، (1) فقل لهم إذا قالوا ذلك: (كفى بالله) ، يقول: قل حَسْبي الله (2) (شهيدًا) , يعني شاهدًا (3) (بيني وبينكم) ، عليّ وعليكم، بصدقي وكذبكم(ومن عنده علمُ الكتاب) * * * فـ" مَنْ" إذا قرئ كذلك في موضع خفضٍ عطفًا به على اسم الله, وكذلك قرأته قرَأَة الأمصار (4) بمعنى: والذين عندهم علم الكتاب أي الكتب التي نـزلت قبلَ القرآن كالتوراة والإنجيل .

وعلى هذه القراءة فسَّر ذلك المفسِّرون .

*ذكر الرواية بذلك: 20535- حدثني علي بن سعيد الكنْدي قال: حدثنا أبو مُحيَّاة يحيى بن يعلى, عن عبد الملك بن عمير, عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال: قال عبد الله بن سَلام: نـزلت فيَّ: (كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) .

(5) 20536- حدثنا الحسين بن علي الصُّدائي قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال، حدثنا شعيب بن صفوان قال: حدثنا عبد الملك بن عمير, أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: قال عبد الله بن سلام: أنـزل فيّ: ( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) .

(6) 20537- حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) ، فالذين عندهم علم الكتاب: هم أهل الكتاب من اليهود والنَّصارَى .

20538- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا الأشجعي, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: (ومن عنده علم الكتاب) قال: هو عبد الله بن سلام .

(7) 20539- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح, في قوله: (ومن عنده علم الكتاب) قال: رجل من الإنس, ولم يُسمّه .

20540- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (ومن عنده علم الكتاب) ، هو عبد الله بن سلام .

20541- ...

قال: حدثنا يحيى بن عباد قال: حدثنا شعبة, عن الحكم, عن مجاهد: (ومن عنده علم الكتاب) .

(8) 20542- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا ) ، قال: قول مشركي قريش: ( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) ، أناس من أهل الكتاب كانوا يشهدون بالحقّ ويقرُّون به, ويعلمون أن محمدًا رسول الله, كما يُحدَّث أن منهم عبد الله بن سَلام .

20543- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن قتادة: (ومن عنده علم الكتاب) قال: كان منهم عبدُ الله بن سَلام, وسَلْمَان الفارسي, وتميمٌ الدَّاريّ .

20544- حدثنا الحسن قال: حدثنا عبد الوهاب, عن سعيد, عن قتادة: ( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) قال هو عبد الله بن سَلام .

* * * وقد ذُكر عن جماعة من المتقدِّمين أنهم كانوا يقرأونَه: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" ، بمعنى: مِنْ عِند الله عُلِمَ الكتاب .

(9) *ذكر من ذكر ذلك عنه: 20545- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء, عن هارون, عن جعفر بن أبي وحشية, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" ، يقول: مِنْ عند الله عُلِمَ الكتاب .

(10) 20546- حدثني محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر, عن شعبة, عن الحكم, عن مجاهد: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" قال: من عند الله .

20547- ...

قال: حدثنا ابن أبي عدي, عن شعبة, عن الحكم, عن مجاهد: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" قال: من عند الله عُلِمَ الكتاب وقد حدثنا هذا الحديثَ الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا شعبة, عن الحكم, عن مجاهد: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" قال: هو الله هكذا قرأ الحسن: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" .

20548- ...

قال: حدثنا شعبة, عن منصور بن زاذان, عن الحسن, مثله .

20549- قال: حدثنا علي يعني ابن الجعد قال: حدثنا شعبة, عن منصور بن زاذان, عن الحسن: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" قال: الله قال شعبة: فذكرت ذلك للحكم, فقال: قال مجاهد, مثله .

(11) 20550- حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت منصور بن زاذان يحدث عن الحسن, أنه قال في هذه الآية: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" ، قال: من عند الله .

20551- ...

قال: حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا هوذة قال: حدثنا عوف, عن الحسن: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" ، قال: مِنْ عند الله عُلِم الكتاب .

20552- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" قال: من عند الله عِلْمُ الكِتَابِ (12) هكذا قال ابن عبد الأعلى .

20553- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقرؤها: " قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" ، يقول: مِنْ عِنْد الله عُلِمَ الكتابُ وجملته قال أبو جعفر: هكذا حدثنا به بشر: " عُلِمَ الكتابُ" وأنا أحسِبَه وَهِم فيه, وأنه: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" ، (13) لأن قوله " وجملته "، اسم لا يُعْطف باسم على فعل ماضٍ .

20554- حدثنا الحسن قال: حدثنا عبد الوهاب, عن هارون: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" ، يقول: مِنْ عند الله عُلِم الكتاب .

20555- حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج بن المنهال قال: حدثنا أبو عوانة, عن أبي بشر قال: قلت لسعيد بن جبير: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" أهو عبد الله بن سَلام؟

قال: هذه السورة مكية, فكيف يكون عبد الله بن سلام!

قال: وكان يقرؤها: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" يقول: مِنْ عند الله .

(14) 20556- حدثنا الحسن قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا أبو عوانة, عن أبي بشر قال: سألت سعيد بن جبير, عن قول الله ( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) أهو عبد الله بن سلام؟

قال: فكيف وهذه السورة مكية؟

وكان سعيد يقرؤها: " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" .

20557- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني عباد, عن عوف, عن الحسن وجُوَيبر, عن الضحاك بن مزاحم قالا " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" ، (15) قال: من عند الله .

* * * قال أبو جعفر: وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ بتصحيح هذه القراءة وهذا التأويل, غير أنّ في إسناده نظرًا, وذلك ما:- 20558- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني عباد بن العوّام, عن هارون الأعور, عن الزهري, عن سالم بن عبد الله, عن أبيه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ"، عند الله عُلِم الكتاب .

(16) * * * قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ ليس له أصلٌ عند الثِّقات من أصحاب الزهريّ .

فإذْ كان ذلك كذلك وكانت قراء الأمصار من أهل الحجاز والشأم والعراق على القراءة الأخرى, وهي: ( ومن عنده علم الكتاب ) ، كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب ممّا خالفه , (17) إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحقَّ بالصواب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويقول الذين كفروا لست مرسلا قال قتادة : هم مشركو العرب ; أي لست بنبي ولا رسول ، وإنما أنت متقول ; أي لما لم يأتهم بما اقترحوا قالوا ذلك .قل كفى بالله أي قل لهم يا محمد : كفى بالله أي كفى بالله شهيدا بيني وبينكم بصدقي وكذبكم .

ومن عنده علم الكتاب وهذا احتجاج على مشركي العرب لأنهم كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب - من آمن منهم - في التفاسير .

وقيل : كانت شهادتهم قاطعة لقول الخصوم ; وهم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري والنجاشي وأصحابه ، قاله قتادة وسعيد بن جبير .

وروى الترمذي عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال : لما أريد قتل عثمان جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان : ما جاء بك ؟

قال : جئت في نصرتك ; قال : اخرج إلى الناس فاطردهم عني ، فإنك خارجا خير لي من داخل ; قال فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس فقال : أيها الناس !

إنه كان اسمي في الجاهلية فلان ، فسماني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله ، ونزلت في آيات من كتاب الله ; فنزلت في .

وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ونزلت في .

قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب الحديث .

وقد كتبناه بكماله في كتاب " التذكرة " .

وقال فيه أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب .

وكان اسمه في الجاهلية حصين فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله .

وقال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير ومن عنده علم الكتاب ؟

قال : هو عبد الله بن سلام .قلت : وكيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية وابن سلام ما أسلم إلا بالمدينة ؟

!

ذكره الثعلبي .

وقال القشيري : وقال ابن جبير السورة مكية وابن سلام أسلم بالمدينة بعد هذه السورة ; فلا يجوز أن تحمل هذه الآية على ابن سلام ; فمن عنده علم الكتاب جبريل ; وهو قول ابن عباس .

وقال الحسن ومجاهد والضحاك : هو الله تعالى ; وكانوا يقرءون " ومن عنده علم الكتاب " وينكرون على من يقول : هو عبد الله بن سلام وسلمان ; لأنهم يرون أن السورة مكية ، وهؤلاء أسلموا بالمدينة .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ ومن عنده علم الكتاب وإن كان في الرواية ضعف ، وروى ذلك سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ; وروى محبوب عن إسماعيل بن محمد اليماني أنه قرأ كذلك - ومن عنده [ ص: 294 ] بكسر الميم والعين والدال علم الكتاب بضم العين ورفع الكتاب .

وقال عبد الله بن عطاء : قلت ، لأبي جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - زعموا أن الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام فقال : إنما ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ; وكذلك قال محمد ابن الحنفية .

وقيل : جميع المؤمنين ، والله أعلم .

قال القاضي أبو بكر بن العربي : أما من قال إنه علي فعول على أحد وجهين : إما لأنه عنده أعلم المؤمنين وليس كذلك ; بل أبو بكر وعمر وعثمان أعلم منه .

ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - .

( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) وهو حديث باطل ; النبي - صلى الله عليه وسلم - مدينة علم وأصحابه أبوابها ; فمنهم الباب المنفسح ، ومنهم المتوسط ، على قدر منازلهم في العلوم .

وأما من قال إنهم جميع المؤمنين فصدق ; لأن كل مؤمن يعلم الكتاب ، ويدرك وجه إعجازه ، ويشهد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بصدقه .قلت : فالكتاب على هذا هو القرآن .

وأما من قال هو عبد الله بن سلام فعول على حديث الترمذي ; وليس يمتنع أن ينزل في عبد الله بن سلام شيئا ويتناول جميع المؤمنين لفظا ; ويعضده من النظام أن قوله تعالى : ويقول الذين كفروا يعني قريشا ; فالذين عندهم علم الكتاب هم المؤمنون من اليهود والنصارى ، الذين هم إلى معرفة النبوة والكتاب أقرب من عبدة الأوثان .

قال النحاس : وقول من قال هو عبد الله بن سلام وغيره يحتمل أيضا ; لأن البراهين إذا صحت وعرفها من قرأ الكتب التي أنزلت قبل القرآن كان أمرا مؤكدا ; والله أعلم بحقيقة ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا } أي: يكذبونك ويكذبون ما أرسلت به، { قُلْ } لهم -إن طلبوا على ذلك شهيدا: { كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } وشهادته بقوله وفعله وإقراره، أما قوله فبما أوحاه الله إلى أصدق خلقه مما يثبت به رسالته.

وأما فعله فلأن الله تعالى أيد رسوله ونصره نصرا خارجا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه وهذا شهادة منه له بالفعل والتأييد.

وأما إقراره، فإنه أخبر الرسول عنه أنه رسوله، وأنه أمر الناس باتباعه، فمن اتبعه فله رضوان الله وكرامته، ومن لم يتبعه فله النار والسخط وحل له ماله ودمه والله يقره على ذلك، فلو تقول عليه بعض الأقاويل لعاجله بالعقوبة.

{ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } وهذا شامل لكل علماء أهل الكتابين، فإنهم يشهدون للرسول من آمن واتبع الحق، صرح بتلك الشهادة التي عليه، ومن كتم ذلك فإخبار الله عنه أن عنده شهادة أبلغ من خبره، ولو لم يكن عنده شهادة لرد استشهاده بالبرهان، فسكوته يدل على أن عنده شهادة مكتومة.

وإنما أمر الله باستشهاد أهل الكتاب لأنهم أهل هذا الشأن، وكل أمر إنما يستشهد فيه أهله ومن هم أعلم به من غيرهم، بخلاف من هو أجنبي عنه، كالأميين من مشركي العرب وغيرهم، فلا فائدة في استشهادهم لعدم خبرتهم ومعرفتهم والله أعلم.

تم تفسير سورة الرعد ,والحمد لله رب العالمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ) إني رسوله إليكم ( ومن عنده علم الكتاب ) يريد : مؤمني أهل الكتاب يشهدون أيضا على ذلك .

قال قتادة : هو عبد الله بن سلام .

وأنكر الشعبي هذا وقال : السورة مكية وعبد الله بن سلام أسلم بالمدينة .

وقال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير ( ومن عنده علم الكتاب ) أهو عبد الله بن سلام ؟

فقال : وكيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية ؟

وقال الحسن ، ومجاهد : ( ومن عنده علم الكتاب ) هو الله عز وجل يدل عليه : قراءة عبد الله بن عباس ( ومن عنده ) بكسر الميم والدال ، أي : من عند الله عز وجل ، وقرأ الحسن ، وسعيد بن جبير : ( ومن عنده ) بكسر الميم والدال ( علم الكتاب ) على الفعل المجهول دليل هذه القراءة قوله تعالى : ( وعلمناه من لدنا علما ) ( الكهف - 65 ) وقوله : ( الرحمن علم القرآن ) ( الرحمن - 1 ، 2 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويقول الذين كفروا» لك «لست مرسلا قل» لهم «كفى بالله شهيدا بيني وبينكم» على صدقي «ومن عنده علم الكتاب» من مؤمني اليهود والنصارى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويقول الذين كفروا لنبي الله: -يا محمد- ما أرسلك الله، قل لهم: كفى بالله شهيدًا بصدقي وكذبكم، وكَفَتْ شهادة مَن عنده علم الكتاب من اليهود والنصارى ممن آمن برسالتي، وما جئتُ به من عند الله، واتبع الحق فصرَّح بتلك الشهادة، ولم يكتمها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صادق فى رسالته فقال : ( وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً ) .أى : لست مرسلا من عند الله - تعالى - ، وقد حكى - سبحانه - قولهم الباطل هذا بصيغة الفعل المضارع ، للإِشارة إلى تكرار هذا القول منهم ، ولاستحضار أحوالهم العجيبة الدالة على إصرارهم على العناد والجحود .وقوله : ( قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ) أمر من الله - تعالى - لرسوله بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم .والباء الداخلة على اسم الجلالة الذى هو فاعل ( كفى ) فى المعنى ، مزيدة للتأكيد ، وقوله ( وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ) معطوف على اسم الجلالة ، والمراد بالموصول وبالكتاب الجنس .والمعنى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - تكفى شهادة الله بينى وبينكم ، فهو يعلم صدق دعوتى ، ويعلم كذبكم ، ويعلم ذلك - أيضا - كل من كان على علم بالكتب السماوية السابقة فإنها قد بشرت برسالتى ، وجاءت أوصافى فيها .

.

.وممن شهد لى بالنبوة ورقة بن نوفل ، فأنتم تعلمون أنه قال لى عندما أخبرته بما حدث لى فى غار حراء : " هذا هو الناموس - أى الوحى - الذى أنزله الله على موسى " .

.

.وقيل المراد بمن عنده علم الكتاب : المسلمون ، وبالكتاب : القرآن ، والأول أرجح لشموله لكل من كان عنده بالكتب السماوية السابقة ، إذ هذا الشمول أكثر دلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه .وبعد : فهذه هى سورة الرعد .

وهذا تفسير وسيط لآياتها .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى حكى عن القوم أنهم أنكروا كونه رسولاً من عند الله.

ثم إنه تعالى احتج عليهم بأمرين: الأول: شهادة الله على نبوته، والمراد من تلك الشهادة أنه تعالى أظهر المعجزات الدالة على كونه صادقاً في ادعاء الرسالة، وهذا أعلى مراتب الشهادة لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كذلك.

أما المعجز فإنه فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولاً من عند الله تعالى، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة.

والثاني: قوله: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ﴾ وفيه قراءتان: إحداهما: القراءة المشهورة: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ ﴾ يعني والذي عنده علم الكتاب.

والثانية: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ﴾ وكلمة من هاهنا لابتداء الغاية أي ومن عند الله حصل علم الكتاب.

أما على القراءة الأولى ففي تفسير الآية أقوال: القول الأول: أن المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهم: عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري.

ويروى عن سعيد بن جبير: أنه كان يبطل هذا الوجه ويقول: السورة مكية فلا يجوز أن يراد به ابن سلام وأصحابه، لأنهم آمنوا في المدينة بعد الهجرة.

وأجيب عن هذا السؤال بأن قيل: هذه السورة وإن كانت مكية إلا أن هذه الآية مدنية، وأيضاً فإثبات النبوة بقول الواحد والإثنين مع كونهما غير معصومين عن الكذب لا يجوز، وهذا السؤال واقع.

القول الثاني: أراد بالكتاب القرآن، أي أن الكتاب الذي جئتكم به معجز قاهر وبرهان باهر، إلا أنه لا يحصل العلم بكونه معجزاً إلا لمن علم ما في هذا الكتاب من الفصاحة والبلاغة، واشتماله على الغيوب وعلى العلوم الكثيرة.

فمن عرف هذا الكتاب على هذا الوجه علم كونه معجزاً.

فقوله: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ﴾ أي ومن عنده علم القرآن وهو قول الأصم.

القول الثالث: ومن عنده علم الكتاب المراد به: الذي حصل عنده علم التوراة والإنجيل، يعني: أن كل من كان عالماً بهذين الكتابين علم اشتمالهما على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا أنصف ذلك العالم ولم يكذب كان شاهداً على أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول حق من عند الله تعالى.

القول الرابع: ومن عنده علم الكتاب هو الله تعالى، وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، والزجاج قال الحسن: لا والله ما يعني إلا الله، والمعنى: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيداً بيني وبينكم، وقال الزجاج: الأشبه أن الله تعالى لا يستشهد على صحة حكمه بغيره، وهذا القول مشكل، لأن عطف الصفة على الموصوف وإن كان جائزاً في الجملة إلا أنه خلاف الأصل.

لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، بل يقال: شهد به زيد الفقيه، وأما قوله إن الله تعالى لا يستشهد بغيره على صدق حكمه فبعيد، لأنه لما جاز أن يقسم الله تعالى على صدق قوله بقوله: ﴿ والتين والزيتون  ﴾ فأي امتناع فيما ذكره الزجاج.

وأما القراءة الثانية: وهي قوله: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ﴾ على من الجارة فالمعنى: ومن لدنه علم الكتاب، لأن أحداً لا يعلم الكتاب إلا من فضله وإحسانه وتعليمه، ثم على هذه القراءة ففيه أيضاً قراءتان: ومن عنده علم الكتاب، والمراد العلم الذي هو ضد الجهل، أي هذا العلم إنما حصل من عند الله.

والقراءة الثانية: ومن عنده علم الكتاب بضم العين وبكسر اللام وفتح الميم على ما لم يسم فاعله، والمعنى: أنه تعالى لما أمر نبيه أن يحتج عليهم بشهادة الله تعالى على ما ذكرناه، وكان لا معنى لشهادة الله تعالى على نبوته إلا إظهار القرآن على وفق دعواه، ولا يعلم كون القرآن معجزاً إلا بعد الإحاطة بما في القرآن وأسراره، بين تعالى أن هذا العلم لا يحصل إلا من عند الله، والمعنى: أن الوقوف على كون القرآن معجزاً لا يحصل إلا إذا شرف الله تعالى ذلك العبد بأن يعلمه علم القرآن، والله تعالى أعلم بالصواب.

تم تفسير هذه السورة يوم الأحد الثامن عشر من شعبان سنة إحدى وستمائة.

وأنا ألتمس من كل من نظر في كتابي هذا وانتفع به، أن يخص ولدي محمداً بالرحمة والغفران، وأن يذكرني بالدعاء.

وأقول في مرثية ذلك الولد شعراً: أرى معالم هذا العالم الفاني *** ممزوجة بمخافات وأحزان خيراته مثل أحلام مفزعة *** وشره في البرايا دائم داني

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كفى بالله شَهِيدًا ﴾ لما أظهر من الأدلة على رسالتي ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ﴾ والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز الفائت لقوى البشر.

وقيل: ومن هو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا.

لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم: وقيل: هو الله عز وعلا والكتاب: اللوح المحفوظ وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.

والمعنى: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو، شهيداً بيني وبينكم.

وتعضده قراءة من قرأ: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ على من الجارّة، أي ومن لدنه علم الكتاب، لأن علم من علمه من فضله ولطفه.

وقرئ: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ على من الجارّة، وعلم، على البناء للمفعول وقرئ: ﴿ وبمن عنده علم الكتاب ﴾ .

فإن قلت: بم ارتفع علم الكتاب؟

قلت: في القراءة التي وقع فيها عنده صلة يرتفع العلم بالمقدّر في الظرف، فيكون فاعلاً؛ لأنّ الظرف إذا وقع صلة أوغل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول، فعمل عمل الفعل، كقولك، مررت بالذي في الدار أخوه، فأخوه فاعل، كما تقول: بالذي استقرّ في الدار أخوه.

وفي القراءة التي لم يقع فيها عنده صلة يرتفع العلم بالإبتداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة، وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله»

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا ﴾ قِيلَ المُرادُ بِهِمْ رُؤَساءُ اليَهُودِ.

﴿ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ فَإنَّهُ أظْهَرُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِي ما يُغْنِي عَنْ شاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْها.

﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ عِلْمُ القُرْآنِ وما أُلِّفَ عَلَيْهِ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ، أوْ عِلْمُ التَّوْراةِ وهو ابْنُ سَلامٍ وأضْرابُهُ، أوْ عِلْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ كَفى بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وبِالَّذِي لا يَعْلَمُ ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلّا هو شَهِيدًا بَيْنَنا فَيُخْزِيَ الكاذِبَ مِنّا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (وَمِن عِنْدِهِ) بِالكَسْرِ و ﴿ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ وعَلى الأوَّلِ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ فَإنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلى المَوْصُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والظَّرْفُ خَبَرُهُ وهو مُتَعَيَّنٌ عَلى الثّانِي.

وقُرِئَ « ومِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ» عَلى الحَرْفِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  «مَن قَرَأ سُورَةَ الرَّعْدِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِوَزْنِ كُلِّ سَحابٍ مَضى، وكُلِّ سَحابٍ يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وبُعِثَ يَوْمُ القِيامَةِ مِنَ المُوفِينَ بِعَهْدِ اللَّهِ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً} المراد بهم كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود قالوا لست مرسلا لهذا قال عطاء هي مكية إلا هذه الآية {قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} بما أظهر من الأدلة على رسالتي

والباء دخلت على الفاعل وشهيدا تمييز {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب} قيل هو الله عز وجل والكتاب اللوح المحفوظ دليله قراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب أي ومن لدنه علم الكتاب لأن علم من علمه من فضله ولطفه وقيل ومن هو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم وقال ابن سلام فيّ نزلت هذه الآية وقيل هو جبريل عليه السلام ومن في موضع الجر بالعطف على لفظ الله أو في موضع الرفع بالعطف على محل الجار والمجرور إذ التقدير كفى الله وعلم الكتاب ويرتفع بالمقدر في الظرف فيكون فاعلاً لأن الظرف صلة لمن ومن هنا بمعنى الذي والتقدير من ثبت عنده علم الكتاب وهذا لأن الظرف إذا وقع صلة يعمل عمل الفعل نحو مررت بالذي في الدار أخوه فأخوه فاعل كما تقول بالذي استقر في الدار أخوه وفي القراءة بكسر ميم من يرتفع العلم بالابتداء

سورة إبراهيم عليه السلام مكية اثنتان وخمسون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

إبراهيم (١)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا ﴾ قِيلَ: قالَهُ رُؤَساءُ اليَهُودِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْقُفٌ مِنَ اليَمَنِ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلْ تَجِدُنِي في الإنْجِيلِ رَسُولًا قالَ: لا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ» فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى هَذا هَذا ومَن وافَقَهُ ورَضِيَ بِقَوْلِهِ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ كَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ تَعْجِيبًا مِنها أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ مِنهم واسْتِمْرارِهِ ﴿ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا قَدْ أظْهَرَ عَلى رِسالَتِي مِنَ الأدِلَّةِ والحُجَجِ ما فِيهِ غِنًى عَنْ شَهادَةِ شاهِدٍ آخَرَ وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ شَهادَةً مَعَ أنَّهُ فِعْلٌ وهي قَوْلٌ مَجازٌ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُغْنِي غِناها بَلْ هو أقْوى مِنها ﴿ ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ .

(43) .

أيْ عِلْمُ القُرْآنِ وما عَلَيْهِ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ قِيلَ: والشَّهادَةُ إنْ أُرِيدَ بِها تُحَمُّلُها فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ أُرِيدَ أداؤُها فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ العُنْوانِ مَن تَرَكَ العِنادَ وآمَنَ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ المَعْنى كَفى هَذا العالَمُ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ولا يَلْزَمُ مِن كِفايَتِهِ في الشَّهادَةِ أنْ يُؤَدِّيَها فَمَن أدّاها فَهو شاهِدٌ أمِينٌ ومَن لَمْ يُؤَدِّها فَهو خائِنٌ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بَلِيغٌ بِأنَّهم لَوْ أنْصَفُوا شَهِدُوا وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والمُرادُ بِمَن عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ فَإنَّهم يَشْهَدُونَ بِنَعْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كِتابِهِمْ وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ ويَعْرِفُونَهُ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ والجارُودُ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وجاءَ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ولَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جُنْدُبٍ قالَ: جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ حَتّى أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ المَسْجِدِ ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ تَعالى أتَعْلَمُونَ أنِّي الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ ﴿ ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ وأنْكَرَ ابْنُ جُبَيْرٍ ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ أهَذا الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ فَقالَ: كَيْفَ وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ والشَّعْبِيُّ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ نَزَلَ فِيهِ وهَذا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَمَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ وأُجِيبَ عَنْ شُبْهَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ بِأنَّهم قَدْ يَقُولُونَ: إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وبَعْضُ آياتِها مَدَنِيَّةٌ فَلْتَكُنْ هَذِهِ مِن ذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا مِن نَقْلٍ.

وفِي البَحْرِ أنَّ ما ذُكِرَ لا يَسْتَقِيمُ إلّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَ الآيَةِ مَكِّيَّةً بِأنْ يَكُونَ الكَلامُ إخْبارًا عَمّا سَيَشْهَدُ بِهِ ولَكَ أنْ تَقُولَ إذا كانَ المَعْنى عَلى طُرُزِ ما في الكَشْفِ وأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كِفايَةِ مَن ذُكِرَ في الشَّهادَةِ أداؤُها لَمْ يَضُرَّ كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةً وعَدَمَ إسْلامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ نُزُولِها بَلْ ولا عَدَمَ حُضُورِهِ ولا مانِعَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أهْلُ مَكَّةَ ﴿ ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَكُونُ حاصِلُ الجَوابِ بِذَلِكَ إنَّكم لَسْتُمْ بِأهْلِ كِتابٍ فاسْألُوا أهْلَهُ فَإنَّهم في جِوارِكم نَعَمْ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وكَأنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى الخِلافِ وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ و( مَن ) عِبارَةٌ عَنْهُ تَعالى ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ والزَّجّاجِ وعَنِ الحَسَنِ لا واللَّهِ ما يَعْنِي إلّا اللَّهَ تَعالى والمَعْنى كَما في الكَشّافِ كَفى بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وبِالَّذِي لا يَعْلَمُ عِلْمَ ما في اللَّوْحِ إلّا هو شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وبِهَذا التَّأْوِيلِ صارَ العَطْفُ مِثْلَهُ في قَوْلِهِ: .

إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ فَلا مَحْذُورَ في العَطْفِ والحَصْرُ إمّا مِنَ الخارِجِ لِأنَّ عِلْمَ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ تَعالى أوْ لِلذَّهابِ إلى أنَّ الظَّرْفَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ فَيُفِيدُ الحَصْرَ وقَسَمُ الحَسَنِ لِلْمُبالَغَةِ في رَدِّ ما زَعَمُوا عَلى ما قِيلَ: وفي الكَشْفِ إنَّما بالَغَ الحَسَنُ لِما قَدَّمْنا مِن بِناءِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى ما بُنِيَ وجَعَلَ السّابِقَةَ مِثْلَ الخاتِمَةِ وما في العَطْفِ مِنَ النُّكْتَةِ ولِهَذا فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: كَفى بِالَّذِي ..

إلَخْ عَطَفَهُ عَطْفَ ذاتٍ عَلى ذاتٍ إشارَةً إلى الِاسْتِقْلالِ بِالشَّهادَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَصْفَيْنِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الآخِرِ فالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ قَدْ شَهِدَ بِما شَحَنَ الكِتابَ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى عِبادَتِهِ وبِما أيَّدَ عَبْدَهُ مَن عِنْدَهُ بِأنْواعِ التَّأْيِيدِ والَّذِي لا يَعْلَمُ عِلْمَ ما في اللَّوْحِ أيْ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا هو قَدْ شَهِدَ بِما ضَمَّنَ الكِتابَ مِنَ المَعارِفِ وأنْزَلَهُ عَلى أُسْلُوبٍ فائِقٍ عَلى المُتَعارَفِ ويُعَضِّدُ ذَلِكَ القَوْلَ أنَّهُ قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ والضَّحّاكُ وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ومُجاهِدٌ والحَكَمُ والأعْمَشُ ( ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ ) بِجَعْلِ مِن حَرْفَ جَرٍّ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وعِلَمُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا وابْنُ السَّمَيْقَعِ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ( ومِن ) عِنْدِهِ بِحَرْفِ الجَرِّ و( عُلِمَ الكِتابُ ) عَلى أنَّ عُلِمَ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ و( الكِتابُ ) نائِبُ الفاعِلِ فَإنَّ ضَمِيرَ ( عِنْدَهُ ) عَلى القِراءَتَيْنِ راجِعٌ لِلَّهِ تَعالى كَما في القِراءَةِ السّابِقَةِ عَلى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ وبِمَن جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْرَجَ تَفْسِيرُ ( مَن ) بِذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وهو كَما تَرى.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ والباقِرُ كَما في البَحْرِ: المُرادُ بِـ ( مَن ) عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ حِينَئِذٍ القُرْآنُ ولَعَمْرِي أنَّ عِنْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِلْمَ الكِتابِ كامِلًا لَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ غَيْرُ مُرادٍ والظّاهِرُ أنَّ ( مَن ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ في مَحَلِّ جَرٍّ بِالعَطْفِ عَلى لَفْظِ الِاسْمِ الجَلِيلِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ بِإعادَةِ الباءِ في الشَّواذِّ وقِيلَ: إنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّهِ لِأنَّ الباءَ زائِدَةٌ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أعْدَلُ أوْ أمْضى قَوْلًا أوْ نَحْوَ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ ﴿ شَهِيدًا ﴾ ويُرادُ بِذَلِكَ اللَّهُ تَعالى وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى والعِلْمُ في القِراءَةِ الَّتِي وقَعَ ﴿ عِنْدَهُ ﴾ فِيها صِلَةُ مَرْفُوعٍ بِالمُقَدَّرِ في الظَّرْفِ فَيَكُونُ فاعِلًا لِأنَّ الظَّرْفَ إذا وقَعَ صِلَةً أوْغَلَ في شِبْهِ الفِعْلِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُولِ فَعَمِلَ عَمَلَ الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالَّذِي في الدّارِ أخُوهُ فَأخُوهُ فاعِلٌ كَما تَقُولُ: بِالَّذِي اسْتَقَرَّ في الدّارِ أخُوهُ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ولَيْسَ بِالمُتَحَتَّمِ لِأنَّ الظَّرْفَ وشِبْهَهُ إذا وقَعا صِلَتَيْنِ أوْ صِفَتَيْنِ أوْ حالَيْنِ أوْ خَبَرَيْنِ أوْ تَقَدُّمَهُما أداةُ نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ جازَ فِيما بَعْدَهُما مِنَ الِاسْمِ الظّاهِرِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو الأجْوَدُ وجازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والظَّرْفُ أوْ شِبْهُهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ خَبَرٌ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَكَما جازَ ذَلِكَ فِيهِ وإنْ كانَ الأحْسَنُ أعْمالَهُ في الِاسْمِ الظّاهِرِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِيما نابَ عَنْهُ مِن ظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى إجازَةِ ذَلِكَ في نَحْوِ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٌ وجْهُهُ فَأجازَ رَفْعَ حَسَنٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهم أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا اعْتَمَدَ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ تَحَتَّمَ إعْمالُهُ في الظّاهِرِ ولَيْسَ كَذَلِكَ وقَدْ أعْرَبَ الحَوْفِيُّ ﴿ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا في صِلَةِ ( مَن ) وهو مَيْلٌ إلى المَرْجُوحِ وفي الآيَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِمِنَ الجارَّةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَشْرِيفَ العَبْدِ بِعُلُومِ القُرْآنِ مِن إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ وتَوْفِيقِهِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُشَرِّفَنا بَهاتِيكَ العُلُومِ ويُوَفِّقَنا لِلْوُقُوفِ عَلى أسْرارِ ما فِيهِ مِنَ المَنطُوقِ والمَفْهُومِ ويَجْعَلَنا مِمَّنْ تَمَسَّكَ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقى واهْتَدى بِهُداهُ حَتّى لا يَضِلَّ ولا يُشْقى بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ  .

* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) .

﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ قِيلَ: عَهْدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ المُؤْمِنِينَ القِيامُ لَهُ سُبْحانَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ﴿ والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ فَيَصِلُونَ بِقُلُوبِهِمْ مَحَبَّتَهُ وبِأسْرارِهِمْ مُشاهَدَتَهُ سُبْحانَهُ وقُرْبَتَهُ ﴿ ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عِنْدَ تَجَلِّي الصِّفاتِ في مَقامِ القَلْبِ فَيُشاهِدُونَ جَلالَ صِفَةِ العَظَمَةِ ويَلْزَمُهُمُ الهَيْبَةُ والخَشْيَةُ ﴿ ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ عِنْدَ تَجَلِّي الأفْعالِ في مَقامِ النَّفْسِ فَيَنْظُرُونَ إلى البَطْشِ والعِقابِ فَيَلْزَمُهُمُ الخَوْفُ.

وسُئِلَ ابْنُ عَطاءٍ ما الفَرْقُ بَيْنَ الخَشْيَةِ والخَوْفِ فَقالَ: الخَشْيَةُ مِنَ السُّقُوطِ عَنْ دَرَجاتِ الزُّلْفى والخَوْفُ مِنَ اللُّحُوقِ بِدَرَكاتِ المَقْتِ والجَفا وقالَ بَعْضُهُمُ: الخَشْيَةُ أدَقُّ والخَوْفُ أصْلَبُ ﴿ والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ صَبَرُوا عَمّا دُونِ اللَّهِ تَعالى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لِكَشْفِ أنْوارِ وجْهِهِ الكَرِيمِ أوْ صَبَرُوا في سُلُوكِ سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ عَنِ المَأْلُوفاتِ طَلَبًا لِرِضاهُ ﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ صَلاةَ المُشاهَدَةِ أوِ اشْتَغَلُوا بِالتَّزْكِيَةِ بِالعِباداتِ البَدَنِيَّةِ ﴿ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ أفادُوا مِمّا مَنَنّا عَلَيْهِمْ مِنَ الأحْوالِ والمَقاماتِ والكُشُوفِ وهَذَّبُوا المُرِيدِينَ حَتّى صارَ لَهم ما صارَ لَهم ظاهِرًا وباطِنًا أوِ اشْتَغَلُوا بِالتَّزْكِيَةِ بِالعِباداتِ المالِيَّةِ أيْضًا ﴿ ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ ﴾ الحاصِلَةِ لَهم مِن تَجَلِّي الصِّفَةِ الإلَهِيَّةِ السَّنِيَّةِ ﴿ السَّيِّئَةَ ﴾ الَّتِي هي صِفَةُ النَّفْسِ وقالَ بَعْضُهم: يُعاشِرُونَ النّاسَ بِحُسْنِ الخُلُقِ فَإنْ عامَلَهم أحَدٌ بِالجَفاءِ قابَلُوهُ بِالوَفاءِ ﴿ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ ﴾ البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ أوِ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ ﴾ قِيلَ: يَدْخُلُونَ جَنَّةَ الذّاتِ ومَن صَلَحَ مِن آباءِ الأرْواحِ ويَدْخُلُونَ جَنَّةَ الصِّفاتِ بِالقُلُوبِ ويَدْخُلُونَ جَنَّةَ الأفْعالِ ومَن صَلَحَ مِن أزْواجِ النُّفُوسِ وذُرِّيّاتِ القُوى أوْ يَدْخُلُونَ جَنّاتِ القُرْبِ والمُشاهَدَةِ والوِصالِ ومَن صَلَحَ مِنَ المَذْكُورِينَ تَبَعٌ لَهم ولِأجْلِ عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ ﴿ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ ﴾ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ أهْلُ الجَبَرُوتِ والمَلَكُوتِ مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ الصِّفاتِ مُحَيِّينَ لَهم بِتَحايا الإشْراقاتِ النُّورِيَّةِ والإمْداداتِ القُدُسِيَّةِ أوْ يَدْخُلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ صَحِبُوهم في الدُّنْيا مَن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ الطّاعَةِ مُسَلِّمِينَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ اسْتِقْرارِهِمْ في مَنازِلِهِمْ كَما يُسَلِّمُ أصْحابُ الغائِبِ عَلَيْهِ إذا قَدِمَ إلى مَنزِلِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ العِلْمِيَّ بِالغَيْبِ ﴿ وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قالُوا: ذِكْرُ النَّفْسِ بِاللِّسانِ والتَّفَكُّرُ في النِّعَمِ وذِكْرُ القَلْبِ بِالتَّفَكُّرِ في المَلَكُوتِ ومُطالَعَةِ صِفاتِ الجَمالِ وذِكْرُ السِّرِّ بِالمُناجاةِ وذِكْرُ الرُّوحِ بِالمُشاهَدَةِ وذِكْرُ الخَفاءِ بِالمُناغاةِ في العِشْقِ وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى بِالفَناءِ فِيهِ ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّفْسَ تَضْطَرِبُ بِظُهُورِ صِفاتِها وأحادِيثِها وتَطِيشُ فَيَتَلَوَّنُ القَلْبُ ويَتَغَيَّرُ لِذَلِكَ فَإذا تَفَكَّرَ في المَلَكُوتِ ومُطالَعَةِ أنْوارِ الجَمالِ والجَبَرُوتِ اسْتَقَرَّ واطْمَأنَّ وسائِرُ أنْواعِ الذِّكْرِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الِاطْمِئْنانِ قالَ الهَزْجُورِيُّ: قُلُوبُ الأوْلِياءِ مُطْمَئِنَّةٌ لا تَتَحَرَّكُ دائِمًا خَشْيَةَ أنْ يَتَجَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْها فَجْأةً فَيَجِدَها غَيْرَ مُتَّسِمَةٍ بِالأدَبِ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ تَخْلِيَةٌ وتَحْلِيَةٌ ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ بِالوُصُولِ إلى الفِطْرَةِ وكَمالِ الصِّفاتِ ﴿ وحُسْنُ مَآبٍ ﴾ بِالدُّخُولِ في جَنَّةِ القَلْبِ وهي جَنَّةُ الصِّفاتِ أوْ طُوبى لَهُمُ الآنَ حَيْثُ لَمْ يُوجَدُ مِنهم ما يُخالِفُ رِضاءَ مَحْبُوبِهِمْ وحُسْنُ مَآبٍ في الآخِرَةِ حَيْثُ لا يَجِدُونَ مِن مَحْبُوبِهِمْ خِلافَ مَأْمُولِهِمْ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ أيْ بِحَسَبِ كَسْبِها ومُقْتَضاهُ أيْ كَما تَقْتَضِي مَكْسُوباتُها مِنَ الصِّفاتِ والأحْوالِ الَّتِي تَعْرِضُ لِاسْتِعْدادِها يَفِيضُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ ﴿ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ ﴾ ما أخْرَجَ سُبْحانَهُ أحَدًا مِنَ العُبُودِيَّةِ حَتّى سَيِّدَ أحْرارِ البَرِيَّةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَسَّرَها أبُو حَفْصٍ بِأنَّها تَرْكُ كُلِّ مُلْكٍ ومُلازَمَةُ المَأْمُورِ بِهِ.

وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: لا يَرْتَقِي أحَدٌ في دَرَجاتِ العُبُودِيَّةِ حَتّى يُحَكِّمَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى أوائِلَ البِداياتِ وهي الفُرُوضُ والواجِباتُ والسُّنَنُ والأوْرادُ ومَطايا الفَضْلِ عَزائِمُ الأُمُورِ فَمَن أحْكَمَ عَلى نَفْسِهِ هَذا مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِما بَعْدَهُ ﴿ ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً ﴾ فِيهِ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ إذا شَرَّفَ اللَّهُ تَعالى شَخْصًا بِوِلايَتِهِ لَمْ يَضُرَّ بِهِ مُباشَرَةُ أحْكامِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الأهْلِ والوَلَدِ ولَمْ يَكُنْ بَسْطُ الدُّنْيا لَهُ قَدْحًا في وِلايَتِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ مَنعُ طَلَبِ الكَراماتِ واقْتِراحِها مِنَ المَشايِخِ ﴿ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ لِكُلِّ وقْتٍ أمْرٌ مَكْتُوبٌ يَقَعُ فِيهِ ولا يَقَعُ في غَيْرِهِ ومِن هُنا قِيلَ: الأُمُورُ مَرْهُونَةٌ لِأوْقاتِها وقِيلَ: لِلَّهِ تَعالى خَواصُّ في الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والأشْخاصِ ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ قِيلَ: يَمْحُو عَنْ ألْواحِ العُقُولِ صُوَرَ الأفْكارِ ويَثْبُتُ فِيها أنْوارَ الأذْكارِ ويَمْحُو عَنِ أوْراقِ القُلُوبِ عُلُومَ الحِدْثانِ ويَثْبُتُ فِيها لَدُنِيّاتِ عِلْمِ العِرْفانِ وقِيلَ: يَمْحُو العارِفِينَ بِكَشْفِ جَلالِهِ ويُثْبِتُهم في وقْتٍ آخَرَ بِلُطْفِ جِمالِهِ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: يَمْحُو أوْصافَهم ويُثْبِتُ أسْرارَهم لِأنَّها مَوْضِعُ المُشاهَدَةِ وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ عَنِ الألْواحِ الجُزْئِيَّةِ الَّتِي هي النُّفُوسُ السَّماوِيَّةُ مِنَ النُّقُوشِ الثّابِتَةِ فِيها فَيُعْدِمُ عَنِ المَوادِّ ويُفْنِي ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فِيها فَيُوجِدُ ﴿ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ العِلْمُ الأزَلِيُّ القائِمُ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ وقِيلَ: لَوْحُ القَضاءِ السّابِقِ الَّذِي هو عَقْلُ الكُلِّ وفِيهِ كُلُّ ما كانَ ويَكُونُ أزَلًا وأبَدًا عَلى الوَجْهِ الكُلِّيِّ المُنَزَّهِ عَنِ المَحْوِ والإثْباتِ وذَكَرُوا أنَّ الألْواحَ أرْبَعَةٌ لَوْحُ القَضاءِ السّابِقِ العالِي عَنِ المَحْوِ والإثْباتِ وهو لَوْحُ العَقْلِ الأوَّلِ ولَوْحُ القَدَرِ وهو لَوْحُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي يَفْصِلُ فِيها كُلِّيّاتُ اللَّوْحِ الأوَّلِ وهو المُسَمّى بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ ولَوْحُ النُّفُوسِ الجُزْئِيَّةِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي يَنْتَقِشُ فِيها كُلُّ ما في هَذا العالَمِ بِشَكْلِهِ وهَيْئَتِهِ ومِقْدارِهِ وهو المُسَمّى بِالسَّماءِ الدُّنْيا وهو بِمَثابَةِ خَيالِ العالَمِ كَما أنَّ الأوَّلَ بِمَثابَةِ رُوحِهِ والثّانِي بِمَثابَةِ قَلْبِهِ ثُمَّ لَوْحُ الهَيُولِيِّ القابِلُ لِلصُّوَرِ في عالَمِ الشَّهادَةِ.

اهَـ.

وهو كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ قِيلَ: ذَلِكَ بِذَهابِ أهْلِ الوِلايَةِ الَّذِينَ بِهِمْ عِمارَةُ الأرْضِ وقِيلَ: الإشارَةُ أنّا نَقْصِدُ أرْضَ وقْتِ الجَسَدِ الشَّيْخُوخَةَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِضَعْفِ الأعْضاءِ والقُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى يَحْصُلَ المَوْتُ أوْ نَأْتِي أرْضَ النَّفْسِ وقْتَ السُّلُوكِ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِإفْناءِ أفْعالِها بِأفْعالِنا أوَّلًا وبِإفْناءِ صِفاتِها ثانِيًا وبِإفْناءِ ذاتِها في ذاتِنا ثالِثًا ﴿ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ لا رادَّ ولا مُبَدِّلَ لِكُلِّ ما حَكَمَ بِهِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَحْكُمَ لَنا بِما هو خَيْرٌ وأوْلى في الآخِرَةِ والأُولى بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرَفٍ وعِظَمٍ وكَرَمٍ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا يعني: كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر اليهود.

ويقال: يعني، أهل مكة قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ يقول: كفى بالله شاهداً بيني وبينكم على مقالتكم وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ يعني: ومن آمن من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، وأصحابه شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ لأنهم وجدوا نعته وصفته في كتبهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ بجزم الثاء والتخفيف.

وقرأ الباقون: بنصب الثاء، وتشديد الباء ومعناهما واحد.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: وسيعلم الكافر بلفظ الجماعة.

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ وَمَنْ عِنْدَهُ بالكسر، يعني: القرآن من عند الله تعالى.

وروي عنه أيضاً: وَسَيَعْلَمْ الكافرون.

وقرأ أبي بن كعب: وَسَيَعْلَمْ الذين كَفَرُواْ.

وقال عبد الله بن مسعود: هذه السورة مكية، وعبد الله بن سلام أسلم بعد ذلك بمدة، فكيف يجوز أن يكون المراد به عبد الله بن سلام؟

وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قرأ: بالكسر.

وقرأ بعضهم وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب بضم العين، وكسر اللام، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: هذه الآية مدنية، وكان يقرأ وَمَنْ عِنْدَهُ بالنصب والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بالآية: مَنْ آمَنَ مِنْ أهْل الكتاب كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «١» وغيره.

قال ع «٢» : والمعنى مدحهم، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ: المعنى أنَّ اللَّه سبحانه يمحو من الأمور ما يشاء، ويغيِّرها عن أحوالها مما سَبَقَ في علْمه مَحْوُهُ وتغييرُهُ، ويثبتها في الحَالةِ التي يَنْقُلُها إِليها حَسَبَ ما سَبَقَ في علْمه.

قال ع «٣» : وأصوَبُ ما يفسَّر به أُمُّ الْكِتابِ: أنه كتاب الأمورِ المجزومَةِ التي قدْ سَبَقَ القضاء فيها بمَا هو كائنٌ، وسبق ألاَّ تبدَّل ويبقَى المحْوُ والتثبيت في الأمور التي قد سَبَقَ في القضاء أنْ تبدَّل وتمحَى وتُثْبَتَ قال نحوه قتادة «٤» ، وقوله سبحانه: وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ: «إِن» : شرطٌ دخلَتْ عليها «ما» ، وقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، «أو» عاطفةٌ، وقوله: فَإِنَّما: جوابُ الشرط، ومعنى الآية: إِنْ نُبَقْكَ يا محمَّد، لترَى بعض الذي نَعِدُهم، أو نتوفينَّك قبل ذلك، فعلى كلا الوجْهَيْن، فإِنما يلزمُكَ البلاغَ فقَطْ، والضمير في قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا: عائد على كفَّار قريش كالذي في نَعِدُهُمْ.

وقوله: نَأْتِي: معناه: بالقُدْرة والأمر.

والْأَرْضَ: يريد بها اسم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفَّار المذكورين، المعنى: أو لم يروا أنا نأتي أرْضَ هؤلاء بالفَتْح/ عليك، فننقصها بمَا يَدْخُلُ في دِينِكَ من القبائلِ والبلادِ المجاورَة لهم، فما يؤمنهم أنْ نمكِّنك منْهم أيضاً قاله ابن عباس، وهذا على أن الآية مدنيّة «٥» ، ومن قال: إن الأرض

اسم جنسٍ، جعل انتقاص الأرض بتخريبِ العُمْران الذي يُحِلُّه اللَّه بالكُفَّار، وقيل:

الانتقاص بمَوْت البشر، ونقص الثمرات والبَرَكَةِ، وقيل: بموتِ العلماءِ والأخيارِ قاله ابن عباس أيضاً «١» ، وكلُّ ما ذكر يدخل في لفظ الآية، وجملةُ معنَى هذه الآية: الموعظَةُ وضَرْبُ المثل، وقال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ في كتاب العلم بسنده عن عطاء بن أبي رَبَاح في معنَى نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال: بذَهَابِ فقهائها، وخيار أهلها وعن وكيع «٢» نحوه.

وقال الحسن: نقصانُهَا: هو بظهور المسلمين على المُشْركين «٣» .

قال أبو عمر: وقول عطاء في تأويل الآية حَسَنٌ جِدًّا، تلَقَّاه أهل العلْمِ بالقبول، وقولُ الحسن أيضاً حسن.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً: أي: العقوبات التي أحلَّها بهم، وسمَّاها مكراً على عُرْفِ تسمية العقوبة باسم الذنب، وباقي الآية تحذيرٌ ووعيدٌ.

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا: المعنى: ويكذِّبك يا محمَّد هؤلاءِ الكفرةُ ويقولون: لستَ مرسلاً.

قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً: أي: شاهداً بيني وبينكم، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ: قال قتادة: يريدُ مَنْ آمَنَ منهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وغيره «٤» ، كَمُلَ تفسيرُ السُّورة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.

والثّانِي: كُفّارُ قُرَيْشٍ.

﴿ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ أيْ: شاهِدًا ﴿ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ بِما أظْهَرَ مِنَ الآياتِ، وأبانَ مِنَ الدَّلالاتِ عَلى نُبُوَّتِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وتَمِيمٌ الدّارِيُّ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ بِنْيامِينُ، قالَهُ شَمَّرُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ واحْتَجَّ لَهُ بِقِراءَةِ مَن قَرَأ: " ومِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ " وهي قِراءَةُ ابْنِ السَّمَيْفَعِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، ومُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ.

ورِوايَةِ ابْنِ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: " ومِن " بِكَسْرِ المِيمِ " عِنْدِهِ " بِكَسْرِ الدّالِ " عُلِمَ " بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ المِيمِ.

" الكِتابُ " بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ الحَسَنُ " ومِن " بِكَسْرِ المِيمِ " عِنْدِهِ " بِكَسْرِ الدّالِ " عِلْمُ " بِكَسْرِ العَيْنِ وضَمِّ المِيمِ " الكِتابِ " مُضافٌ، كَأنَّهُ قالَ: أُنْزِلَ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدارِ ﴾ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ "إنْ" شَرْطٌ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"، وهي قَبْلَ الفِعْلِ، فَصارَتْ بَعْدُ في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في القِسْمِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ الفِعْلِ في قَوْلِكَ: "واللهِ لَتَخْرُجَنَّ"، فَلِذَلِكَ يَحْسُنُ أنْ تَدْخُلَ النُونُ الثَقِيلَةُ في قَوْلِكَ "نُرِيَنَّكَ" لِحُلُولِها هُنا مَحَلَّ اللامِ هُناكَ، ولَوْ لَمْ تَدْخُلْ "ما" لَما جازَ ذَلِكَ إلّا في الشِعْرِ.

وخُصَّ "البَعْضُ" بِالذِكْرِ إذْ مَفْهُومٌ أنَّ الأعْمارَ تَقْصُرُ عن إدْراكِ جَمِيعِ ما تَأْتِي بِهِ الأقْدارُ مِمّا يُوعَدُ بِهِ الكُفّارُ، وكَذَلِكَ أعْطى الوُجُودَ، ألّا تَرى أنَّ أكْثَرَ الفُتُوحِ إنَّما كانَ بَعْدَ النَبِيِّ  ، و"أوَ" عاطِفَةٌ.

وقَوْلُهُ: "فَإنَّما" جَوابُ الشَرْطِ، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ تَبْقَ يا مُحَمَّدُ لِتَرى، أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ إنَّما يَلْزَمُكَ البَلاغُ فَقَطْ.

وقَوْلُهُ: "نَعِدُهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَضارَّ الَّتِي تَوَعَّدَ بِها الكُفّارَ، فَأطْلَقَ فِيها لِفْظَةَ الوَعْدِ لَمّا كانَتْ تِلْكَ المَضارُّ مَعْلُومَةً مُصَرَّحًا بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الوَعْدَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في إهْلاكِ الكُفْرِ، ثُمَّ أضافَ الوَعْدَ إلَيْهِمْ لَمّا كانَ في شَأْنِهِمْ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "يَرَوْا" عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وهُمُ المُتَقَدِّمُ ضَمِيرُهم في قَوْلِهِ: "نَعِدُهُمْ"، وقَوْلُهُ: ﴿ نَأْتِي الأرْضَ ﴾ مَعْناهُ: بِالقُدْرَةِ والأمْرِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ  ﴾ .

و"الأرْضُ" يُرِيدُ بِهِ اسْمَ الجِنْسِ، وقِيلَ: يُرِيدُ أرْضَ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ، وهَذا بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَنْقُصُها" وقَرَأ الضَحّاكُ: "نُنَقِّصُها" وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أطْرافِها ﴾ ، مَن قالَ: " إنَّها أرْضُ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ" قالَ: مَعْناهُ: ألَمْ يَرَوْا أنا نَأْتِي أرْضَ هَؤُلاءِ بِالفَتْحِ عَلَيْكَ فَنَنْقُصُها بِما يَدْخُلُ في دِينِكَ مِنَ القَبائِلِ والبِلادِ المُجاوِرَةِ لَهُمْ، فَما يُؤَمِّنُهم أنْ نُمَكِّنَكَ مِنهم أيْضًا كَما فَعَلْنا بِمُجاوَرِيهِمْ؟

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وهَذا القَوْلُ لا يَتَأتّى إلّا بِأنْ نُقَدِّرَ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَدِينَةِ.

ومَن قالَ: "إنَّ "الأرْضَ" اسْمُ جِنْسٍ" جَعَلَ الِانْتِقاصَ مِنَ الأطْرافِ بِتَخْرِيبِ العُمْرانِ الَّذِي يُحِلُّهُ اللهُ بِالكَفَرَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ البَشَرِ، وهَلاكِ الثَمَراتِ، ونَقْصِ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والشَعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ الأخْيارِ والعُلَماءِ، قالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ يَدْخُلُ في لَفْظِ الآيَةِ.

والطَرَفُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: خِيارُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "العُلُومُ أودِيَةٌ، في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها حُسِرْتَ، فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا"، يَعْنِي خِيارًا.

وجُمْلَةُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ المَوْعِظَةُ وضَرْبُ المَثَلِ، أيْ: ألَمْ يَرَوْا فَيَقَعَ مِنهُمُ اتِّعاظَ، وألْيَقُ ما يَقْصِدُ لَفْظُ الآيَةِ هو تَنْقُصُ الأرْضُ بِالفُتُوحِ عَلى مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ لا مُعَقِّبَ ﴾ أيْ: لا رادَّ ولا مُناقِضَ يَتَعَقَّبُ أحْكامَهُ، أيْ: يَنْظُرُ في أعْقابِها، أمُصِيبَةٌ هي أمْ لا؟

وسُرْعَةُ حِسابِ اللهِ واجِبَةٌ لِأنَّها بِالإحاطَةِ لَيْسَتْ بِعَدَدٍ.

وَ"المَكْرُ": ما يَتَمَرَّسُ بِالإنْسانِ ويَسْعى عَلَيْهِ، عَلِمَ بِذَلِكَ أو لَمْ يَعْلَمْ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى الأُمَمَ الَّتِي سَعَتْ عَلى أنْبِيائِها، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِمُحَمَّدٍ  بِالمَكْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا ﴾ ، أيِ العُقُوباتِ الَّتِي أحَلَّها بِهِمْ، وسَمّاها مَكْرًا عَلى عُرْفِ تَسْمِيَةِ المُعاقَبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ونَحْوِ هَذا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ تَنْبِيهٌ وتَحْذِيرٌ في طَيِّ إخْبارٍ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدارِ ﴾ ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "الكافِرُ" عَلى الإفْرادِ، وهو اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "الكُفّارُ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الكافِرُونَ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "الَّذِينَ كَفَرُوا"، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ قُبَلَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ويُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدٍ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، ويَقُولُونَ: لَسْتَ مُرْسَلًا مِنَ اللهِ، وإنَّما أنْتَ مُدَّعٍ، قُلْ لَهُمْ: ﴿ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ، و"بِاللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَقْدِيرُ: كَفى اللهُ، و"شَهِيدٌ" بِمَعْنى: شاهِدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ ، قِيلَ: يُرِيدُ اليَهُودَ والنَصارى الَّذِينَ عِنْدَهُمُ الكُتُبَ الناطِقَةَ السابِقَةَ بِرَفْضِ الأصْنامِ وتَوْحِيدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، يُرِيدُ مَن آمَنَ مِنهُمْ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وتَمِيمٍ الدارِيِّ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلامٍ خاصَّةً، قالَ هُوَ: فِيَّ نَزَلَتْ ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ القَوْلانِ الأخِيرانِ لا يَسْتَقِيمانِ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ: لا يَصِحَّ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ لِكَوْنِها مَكِّيَّةً، وكانَ يَقْرَأُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ .

وَقِيلَ: يُرِيدُ اللهَ تَعالى، كَأنَّهُ اسْتَشْهَدَ بِاللهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ صِفَةَ تَعْظِيمٍ، ويُعْتَرَضُ هَذا القَوْلَ بِأنَّ فِيهِ عَطْفَ الصِفَةِ عَلى المَوْصُوفِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ وإنَّما تُعْطَفُ الصِفاتُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مِن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَقْدِيرُ: أعْدَلَ وأمْضى قَوْلًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ "شَهِيدًا"، ويُرادُ بِذَلِكَ اللهُ تَعالى.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، والحَكَمُ، وغَيْرُهُمْ: "وَمِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ" بِكَسْرِ المِيمِ مِن (مِن) وخَفْضِ الدالِّ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، والحُسْنُ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "وَمِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ" بِكَسْرِ المِيمِ والدالِ، وبِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِ اللامِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعِ "الكِتابُ"، وهَذِهِ القِراءاتُ يُرادُ فِيها اللهُ تَعالى، لا يَحْتَمِلُ لَفْظُها غَيْرَ ذَلِكَ.

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَعْدِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ما تضمنته جملة ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ [الرعد: 42] من التعريض بأن قولهم: لولا أنزل عليه آية من ربه [سورة الأنعام: 37] ضَرْب من المكر بإظهارهم أنهم يتطلبون الآيات الدالة على صدق الرسول، مظهرين أنهم في شك من صدقه وهم يبطنون التصميم على التكذيب.

فذكرت هذه الآيةُ أنهم قد أفصحوا تارات بما أبطنوه فنطقوا بصريح التكذيب وخرجوا من طور المكر إلى طور المجاهرة بالكفر فقالوا: لست مرسلاً } .

وقد حكي قولهم بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم ولاستحضار حالهم العجيبة من الاستمرار على التكذيب بعد أن رأوا دلائل الصدق، كما عبر بالمضارع في قوله تعالى: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ [سورة هود: 38] وقوله: ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ [سورة هود: 11].

ولما كانت مقالتهم المحكية هنا صريحة لا مواربة فيها أمر الرسول بجواب لا جدال فيه وهو تحكيم الله بينه وبينهم.

وقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يجيبهم جواب الواثق بصدقه المستشهد على ذلك بشهادة الصدق من إشهاد الله تعالى وإشهاد العالمين بالكتب والشرائع.

ولما كانت الشهادة للرسول عليه الصلاة والسلام بالصدق شهادة على الذين كفروا بأنهم كاذبون جعلت الشهادة بينه وبينهم.

وإشهاد الله في معنى الحلف على الصدق كقول هود عليه السلام ﴿ إنّي أشهد الله ﴾ [هود: 54].

والباء الداخلة على اسم الجلالة الذي هو فاعل كفى } في المعنى للتأكيد وأصل التركيب: كفى اللّهُ.

و ﴿ شهيداً ﴾ حال لازمة أو تمييز، أي كفى الله من جهة الشاهد.

﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ معطوف على اسم الجلالة.

والموصول في ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ يجوز أن يراد به جنس من يتصف بالصلة.

والمعنى: وكل من عندهم علم الكتاب.

وإفراد الضمير المضاف إليه ﴿ عِنْدَ ﴾ لمراعاة لفظ ﴿ من ﴾ .

وتعريف ﴿ الكتاب ﴾ تعريف للعهد، وهو التوراة، أي وشهادة علماء الكتاب.

وذلك أن اليهود كانوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يستظهرون على المشركين بمجيء النبي المصدق للتوراة.

ويحتمل أن يكون المراد بمن عنده علم الكتاب معيّناً، فهو ورقة بن نوفل إذ علم أهل مكة أنه شهد بأن ما أوحي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الناموس الذي أنزل على موسى عليه السلام كما في حديث بدء الوحي في الصحيح.

وكان ورقة منفرداً بمعرفة التوراة والإنجيل.

وقد كان خبر قوله للنبيء صلى الله عليه وسلم ما قاله معروفاً عند قريش.

فالتعريف في ﴿ الكتاب ﴾ تعريف الجنس المنحصر في التوراة والإنجيل.

وقيل: أريد به عبد الله بن سلام الذي آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول مقدمهِ المدينة.

ويبعده أن السورة مكية كما تقدم.

ووجه شهادة علماء الكتاب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وجدانهم البشارة بنبيء خاتم للرسل صلى الله عليه وسلم ووجدانهم ما جاء في القرآن موافقاً لسنن الشرائع الإلهية ومفسراً للرموز الواردة في التوراة والإنجيل في صفة النبي صلى الله عليه وسلم المصدق الموعود به.

ولهذا المعنى كان التعبير في هذه الآية ب ﴿ من عنده علم الكتاب ﴾ دون أهل الكتاب لأن تطبيق ذلك لا يدركه إلا علماؤهم.

قال تعالى: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ [سورة الشعراء: 97].

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ.

﴿ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ أيْ يَشْهَدُ بِصِدْقِي وكَذِبِكم.

﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وسَلْمانُ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: هو اللَّهُ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.

وَكانُوا يَقْرَءُونَ ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ أيْ مِن عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ، ويُنْكِرُونَ عَلى مَن قالَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وسَلْمانُ لِأنَّهم يَرَوْنَ السُّورَةَ مَكِّيَّةً، وهَؤُلاءِ أسْلَمُوا بِالمَدِينَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقف من اليمن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تجدني في الإِنجيل رسولاً؟

قال: لا.

فأنزل الله: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ » يقول: عبد الله بن سلام.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير، أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: قال عبد الله بن سلام: قد أنزل الله فيّ في القرآن ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ .

وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير، عن جندب رضي الله عنه قال: جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه حتى أخذ بعضادتي باب المسجد، ثم قال: أنشدكم بالله، أتعلمون أني أنا الذي أنزلت فيه ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ ؟

قالوا اللهم نعم.

وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه لقي الذين أرادوا قتل عثمان رضي الله عنه فناشدهم بالله فيمن تعلمون نزل ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ قالوا فيك.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ قال: هو عبد الله بن سلام.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ قال: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: كان من أهل الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه، منهم: عبد الله بن سلام والجارود وتميم الداري وسلمان الفارسي.

وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن مردويه وابن عدي بسند ضعيف، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ قال: من عند الله علم الكتاب.

وأخرج تمام في فوائده وابن مردويه، عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ قال: من عند الله علم الكتاب.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه كان يقرأ ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ يقول: ومن عند الله علم الكتاب.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أهو عبد الله بن سلام- رضي الله عنه؟

قال: وكيف، وهذه السورة مكية؟!

وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال: ما نزل في عبد الله بن سلام رضي الله عنه شيء من القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ قال: جبريل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ قال: هو الله عز وجل.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق يوماً حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسمعه وهو يقرأ ﴿ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون...

﴾ [ العنكبوت: 48] حتى بلغ ﴿ الظالمون...

﴾ [ العنكبوت: 49] وسمعه وهو يقرأ يقول ﴿ الذين كفروا لست مرسلاً...

﴾ إلى قوله: ﴿ علم الكتاب ﴾ فانتظره حتى سلم، فأسرع في أثره فأسلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ ﴾ .

قال الزجاج (١) ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ ومعنى ﴿ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ أي (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾ قال مجاهد (٣) (٤) قال أبو بكر: فعلى هذا القول عطف "من" على اسم الله تعالى، وهو لزيادة معنى في المعطوف، كما تقول: قام عبد الله والظريف العاقل، وجلس زيد والذي يفوق في الخير أصحابه، فيعطفون الثاني على الأول، لما يريد فيه من معنى المدح.

وقال ابن عباس (٥) (٦) ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾ يعني الذين آمنوا من اليهود والنصارى، منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري.

وأنكر سعيد بن جبير (٧) قال ابن الأنباري: وعلى هذا القول شهادة هؤلاء قاطعة لقول الخصوم، واحتج عليهم بشهادتهم؛ لأنهم رضوا بقولهم، وقالوا: هم الرؤساء في العلوم، والعالمون بالأخبار القديمة وكتب الله تعالى، فقيل لهم: كفى بهؤلاء شهودًا عليكم، إذ كان محلكم في أنفسكم محل من يلزمكم قبول قوله.

وقال عطاء عن ابن عباس (٨) ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾ يعني جبريل -  - (٩) قال ابن الأنباري: على القول الأول وهو قول مجاهد، يكون في محل (من) أربعة أوجه: الخفض بالنسق على اسم الله في اللفظ، والرفع بالنسق في المعنى؛ لأن التقدير: كفى الله شهيدًا، والنصب على المدح بمعنى: واذكر الذي عنده علم الكتاب، والرفع على المدح أيضاً بإضمار هو، كما تقول العرب: سعى عبد الله في حاجتك، والبارُّ المتفضِّلُ، والبارَّ المتفضِّلَ بالنصب والرفع على ما ذكرنا.

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 151.

(٢) "زاد المسير" 4/ 341.

(٣) الطبري 13/ 177، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 129، وابن كثير 2/ 572، و"زاد المسير" 4/ 342، والقرطبي 9/ 336، وهذا القول مروي عن الحسن وغيره، انظر المراجع السابقة.

وانظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 317.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 151.

(٥) المروي عن ابن عباس قوله: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

انظر: الطبري 13/ 176، و"الدر" 128/ 4، و"زاد المسير" 4/ 341، وابن كثير 2/ 572، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 317.

(٦) عبد الرزاق 2/ 339، والطبري 13/ 176، 177، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 128، و"زاد المسير" 4/ 341، والقرطبي 9/ 335، و"البحر المحيط" 5/ 401، وابن كثير 2/ 572.

(٧) الطبري: 13/ 178 وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه كما في "الدر" 4/ 129، الثعلبي 7/ 144 ب، ابن كثير 2/ 572.

(٨) القرطبي 9/ 336.

وأخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير كما في "الدر" 4/ 129.

(٩) قلت: الراجح -والله أعلم- من هذه الأقوال هو قول ابن عباس: أن المراد به علماء اليهود والنصارى من غير تخصيص، فإن المشركين في مكة كانوا يسألونهم ويستشهدون بأقوالهم، وقد ورد آيات أخر فيها الاستشهاد بهم، وبما يعلمونه من تجهم من صحة رسالة محمد  ؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ  ﴾ وقوله ﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ الشعراء: 197، وغير ذلك، وقد رجح هذا القول الإمام الطبري: 13/ 176، وابن كثير: 2/ 572 فقال: والصحيح في هذا: أن ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ ﴾ اسم جنس يشمل علماء الكتاب الذين يجدون صفة محمد  ونعته في كتبهم المتقدمة، من بشارات الأنبياء به.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ ﴾ إن شرط دخلت عليها ما المؤكدة وجوابها: فإنما ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ الاتيان هنا بالقدرة والأمر، والأرض أرض الكفار ونقصها هو بما يفتح الله على المسلمين منها، والمعنى أو لم يروا ذلك فيخافوا أن نمكنك منهم، وقيل: الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات وخراب البلاد وشبه ذلك ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ المعقب الذي يكر على لاشيء فيبطله ﴿ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً ﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ تهديد، والمراد بالكافر الجنس بدليل قراءة الكفار بالجمع، وعقبى الدار الدنيا والآخرة ﴿ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ أمره الله أن يستشهد الله على صحة نبوته وشهادة الله له هي: علمه بذلك وإظهاره الآيات الدالة على ذلك ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب ﴾ معطوف على اسم الله على وجه الاستشهاد به، وقيل: المراد عبد الله بن سلام ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين يعلمون صفته صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، وقيل: المراد المؤمنون الذين يعلمون علم القرآن ودلالته على النبوّة، وقيل: المراد الله تعالى، فهو الذي عنده علم الكتاب، ويضعف هذا، لأنه عطف صفة على موصوف، ويقويه قراءة: ومن عنده بمن الجارة وخفض عنده.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ متابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ و ﴿ مآبي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ بل زين ﴾ ونحوه بالإدغام: علي وهشام ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الباقون بفتحها.

﴿ ويثبت ﴾ مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الآخرون بالتشديد من التثبيت ﴿ الكافر لمن ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون ﴿ الكفار ﴾ على الجمع.

الوقوف: ﴿ بالرحمن ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: ﴿ متاب ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن.

﴿ جميعاً ﴾ ط في الموضعين ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أخذتهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ بما كسبت ﴾ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ سموهم ﴾ ط لحق الاستفهام ﴿ من القول ﴾ ط ﴿ عن السبيل ﴾ ه ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ أشق ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية ﴿ واق ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير.

﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وظلها ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ بعضه ﴾ ط ﴿ ولا أشرك به ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عربياً ﴾ ط ﴿ العلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب.

﴿ واق ﴾ ه ﴿ وذرية ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ كتاب ﴾ ه ﴿ ويثبت ﴾ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام ﴿ الكتاب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ أطرافها ﴾ ط ﴿ لحكمه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ كل نفس ﴾ ط ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ مرسلاً ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط للعطف ﴿ الكتاب ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس والحسن ﴿ أرسلناك ﴾ كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟

وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.

ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء.

ثم ذكر مقصود الإرسال فقال ﴿ لتتلو ﴾ أي لتقرأ ﴿ عليهم ﴾ الكتاب العظيم ﴿ الذي أوحينا إليك وهم يكفرون ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.

وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي  : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟

فقيل للنبي  : ﴿ قل ﴾ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته ﴿ هو ربي لا إله إلا هو ﴾ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء.

﴿ عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.

وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله  لعلي  : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.

فأنزل الله الآية.

فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله  لا على جحودهم أو إِشراكهم.

روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله  وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ عن مقارها وأزيلت عن مراكزها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.

قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة.

وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة  ﴾ الآية.

وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن.

ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ﴿ ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً  ﴾ ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.

وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض.

ثم قال رداً عليهم ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.

قالوا: ويعضده قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ﴾ مشيئة الإلجاء ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين.

أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.

ومعنى ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.

وهذا لغة قوم من النخع.

وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي  وابن عباس وجماعة ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير ﴿ أفلم ييأس ﴾ .

وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات.

وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.

وجوز أن يتعلق ﴿ أن لو يشاء ﴾ بـ ﴿ آمنوا ﴾ معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.

ثم أوعد الكافرين بقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا ﴾ يعني عامة الكفار ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قارعة ﴾ داهية تقرعهم من السبي والقتل ﴿ أو تحل ﴾ القارعة ﴿ قريباً من دارهم ﴾ فيتطاير إليهم شررها.

﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة.

وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله  لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: ﴿ أو تحل ﴾ خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: ﴿ ولقد استهزىء ﴾ الآية.

والإملاء الإمهال وقد مر هناك.

والاستفهام في قوله: ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ للتقرير والتهديد.

ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك.

وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له ﴿ شركاء ﴾ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي.

ثم زاد في المحاجة فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم.

وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل.

وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.

قال في الكشاف: "أم" في قوله ﴿ أم تنبئونه ﴾ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف.

أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم  ﴾ وقد مر في أول "يونس".

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها  ﴾ وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل.

ثم بين سوء طريقتهم فقال: ﴿ بل للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا.

والكلام في أن المزين هو الله  أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أشد وأدوم ﴿ وما لهم من الله ﴾ أي من عذابه ﴿ من واق ﴾ من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ مثل الجنة ﴾ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة.

وقال غيره: الخبر ﴿ تجري ﴾ كما تقول صفة زيد أسمر.

وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار.

وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ كأنه قال مثل الجنة ﴿ التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه ﴿ أكلها دائم ﴾ كقوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة  ﴾ ﴿ وظلها ﴾ دائم أيضاً.

والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: ﴿ وندخله ظلاً ظليلاً  ﴾ قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.

قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله  : ﴿ كل من عليها فان  ﴾ ، { ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.

وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: ﴿ أعدت للمتقين  ﴾ .

ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ من الشرائع والعلوم ﴿ ومن الأحزاب ﴾ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم.

وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة.

واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره.

ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة.

وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس.

وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه.

واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا.

وقوله: ﴿ بما أنزل ﴾ يفيد العموم.

وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص.

ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: ﴿ قال إنما أمرت أن أعبد الله ﴾ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية.

ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: ﴿ إليه أدعو ﴾ خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان.

ثم ختم بذكر المعاد فقال: ﴿ وإليه أدعو ﴾ لا مرجع لي إلا إليه.

ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد.

ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ الضمير يعود إلى ما في قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ أو إلى القرآن في قوله: ﴿ ولو أن قرآنا ﴾ ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن.

وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿ حكماً عربياً ﴾ نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب.

وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.

روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله  إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.

وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.

قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله  وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح.

ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله  : ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته  ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله  يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه.

وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين.

والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية.

والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها.

وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه  يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله  .

والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به.

الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية  ﴾ وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره.

واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله  { ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها.

ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً.

وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ .

وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.

وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.

أما قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.

عن النبي  : "كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.

روى أبو الدرداء عن النبي  : "إن الله  في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" .

وقيل: هو علم الله  المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.

ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: ﴿ وإما نرينك ﴾ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا.

والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام.

ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائهاوصلحائها.

قال الواحدي.

الأليق بالمقام هو القول الأول.

وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ والله يحكم ﴾ ومحل ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه.

﴿ وهو سريع الحساب ﴾ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة.

ثم سلى نبيه  بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى.

﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .

قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره.

وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.

وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين.

قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله  وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه.

وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد.

وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد.

ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس.

وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل.

وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.

ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً ﴾ والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته.

ثم عطف على اسم الله قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر.

فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق.

وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ.

والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً.

ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة.

واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه.

وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم.

والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز.

وقال الزجاج: الأشبه أن الله  لا يستشهد على صحة حكمه بغيره.

وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.

وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً  ﴾ ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: ﴿ هو ربي ﴾ الذي رباني ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي ﴿ سيرت به ﴾ جبال النفوس ﴿ أو قطعت به ﴾ أرض البشرية ﴿ أو كلم به ﴾ القلوب الميتة بتلاوته عليهم ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم بالرحمن ﴿ قارعة ﴾ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة ﴿ أو تحل قريباً من دراهم ﴾ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ يدرك الشقاء الأزلي.

ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ﴿ ثم أخذتهم ﴾ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات ﴿ أكلها دائم ﴾ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال ﴿ وظلها ﴾ أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ﴿ ومن الأحزاب ﴾ النفس والهوى والقوى ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ﴿ ولئن اتبعت أهواء ﴾ المخالفين بالشرك في الطلب ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله  في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام  ﴾ ﴿ يمحوا الله ما يشاء ﴾ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة ﴿ ويثبت ﴾ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين ﴿ وإما نرينك ﴾ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار.

﴿ أنا نأتي الأرض ﴾ أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أنه إنما هو حرف تعجب وتنبيه؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر؛ أي: قد رأوا أنا فعلنا ما ذكر.

والثاني: على الأمر؛ أي: [رَوْا أنَّا] فعلنا ما ذكر؛ وهو ما ذكر من قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: قد ساروا في الأرض؛ أو سيروا.

﴿ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ .

قال بعضهم: هو ما جعل من أرض الكفرة للمسلمين؛ بالفتح لهم؛ والنصر على أولئك؛ والإخراج من سلطان أولئك الكفرة وأيديهم، وإدخالها في أيدي المسلمين؛ فذلك النقصان.

[وهو] والله أعلم لما وعد لرسوله أن يريه بعض ما وعد لهم؛ فقال الكفرة عند ذلك: أين ما وعد أن يريك؟

فقال عند ذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا ﴾ أي: ألم يروا أنه جعل بعض ما كان لهم من الأرضين للمسلمين؛ فإذا قدر على جعل البعض - الذي كان لهم لهؤلاء؛ لقادر أن يجعل الكل لهم؛ فهلا يعتبرون.

هذا والله أعلم ما أراد بما ذكر من النقصان.

وقال قائلون: نقصان الأرض: موت فقهائها وعلمائها وفنائها.

ووجه هذا: وهو أن الفقهاء والعلماء - هم عمّار الأرض وأهلها؛ وبهم صلاح الأرض؛ فوصف الأرض بالنقصان بذهاب أهلها، وهو كما وصف الأرض بالفساد؛ وهو قوله: ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ  ﴾ وقوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ فالأرض لا تفسد بنفسها؛ ولكن وصفت بالفساد؛ لفساد أهلها، فعلى ذلك لا تنقص هي بنفسها؛ ولكن وصفت بالنقصان؛ لذهاب أهلها، وعمارها وفقهائها وعلمائها.

ثم يحتمل ذهاب العلماء المتقدمين، الذين تقدموا رسول الله في الأمم السالفة؛ وهم علماء أهل الكتاب؛ فيقول ألا يعتبرون بأولئك الذين قبضوا وتفانوا من علمائهم؟

فلا بدّ من رسول يعلمهم الآداب والعلوم؛ ويجدد لهم ما دَرَس من الرسوم [وذهب] من الآثار؛ فكيف أنكروا رسالته؟

وفي بعث الرسول حدوث العلماء؛ وذلك وقت حدوث العلماء وزمانه؛ فإن كان أراد العلماء المتأخرين وفقهاءهم - فيخرج ذلك مخرج التعزية له؛ أي: تصير الأرض بحال توصف بالنقصان، بذهاب العلماء والفقهاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ .

قيل: لا رادّ لحكمه، وحكمه: يحتمل: العذاب الذي حكم على الكفرة؛ يقول: لا رادَّ للعذاب الذي حكم عليهم؛ [وهو كقوله: ﴿ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ أي: احكم بالعذاب الذي حكمت عليهم].

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ أي: لا يتعقب أحد حكمه؛ ولا يعقب أحد سلطانه؛ كما يكون في حكم الخلائق يتعقب بعض عن بعض، وكما ذكر في الحفظة: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ  ﴾ يتعقب بعض عن بعض في الحفظ؛ وفيما سلطوا.

والله أعلم.

﴿ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ هذا قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

أى: مكر الذين من قبلهم برسلهم؛ كمكر هؤلاء بك يصبر رسوله على أذاهم به.

ثم يحتمل المكر به وجهين: أحدهما: مكروا بنفسه؛ همّوا قتله وإهلاكه.

والثاني: مكروا بدينه الذي دعاهم إليه وأراد إظهاره؛ هموا هم إطفاء ذلك وإبطاله وكذلك مكر الذين من قبلهم برسلهم يخرج على هذا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ .

هذا أيضاً يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: فلله جزاء المكر جميعاً؛ يجزى كلا بمكره.

والثاني: أي: لله حقيقة المكر يأخذهم جميعاً بالحق من حيث لا يشعرون، وأما هم فإنما يأخذون ما يأخذون لا بالحق ولكن بالباطل، ولا يقدرون على الأخذ من حيث لا يشعرون إلا قليلا من ذلك، فحقيقة المكر الذي هو مكر بالحق في الحقيقة لله لا لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ أي: لله تدبير الأمر جميعاً، إن شاء أمضاه؛ وإن شاء منعه، إليه ذلك لا إليهم.

أو لله حقيقة المكر يغلب مكره مكر أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ من خير أو شرّ.

﴿ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴾ .

يشبه أن يكون عقبى الدار معروفاً عندهم؛ وهي الجنة؛ فيكون صلة قولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ فيقول - والله أعلم - سيعلمون هم لمن عقبى الدار؛ أهي لهم أم هي للمؤمنين؟

أو أن يكون جواب قوله: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ أنهم لما رأوهم مفضلين في أمر الدنيا ووسع عليهم الدنيا - ظنوا أن لهم في الآخرة كذلك؛ فقال ذلك جواباً لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي: قالوا.

﴿ لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾ أي: لن يبعثك الله رسولا، وهم كانوا يقولون كذلك له فأمره أن يقول لهم.

﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ إني نبي رسول الله إليكم بالآيات التي آتي بها، أو كان قال لهم ذلك؛ لما بالغ في الحجاج والبراهين في إثبات الرسالة والنبوة؛ فلم يقبلوا ذلك فأيس من تصديقهم؛ فعند ذلك قال: ﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ أي: يعلم من كان عنده علم الكتاب؛ يعني التوراة: فيشهد أيضاً أني رسول نبي؛ أي: يعلم من كان عنده علم الكتاب أني على حق؛ وأني رسول الله؛ وهو كقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً...

﴾ الآية [الشعراء: 197] وقوله: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ  ﴾ ومن قرأ بالخفض: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ فتأويله - والله أعلم -: أي: من عند الله جاء علم هذا الكتاب؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وكذلك روي في بعض الأخبار؛ عن النبي  : أنه كان يقرأ: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ بالخفض، وأما القراء جميعاً فإنهم يختارون النصب ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

قال أبو عبيد: وقرأ بعضهم: ومن عنده علم الكتاب بخفض الميم والدال ورفع العين؛ وقال: لكن لا أدري عمن هو.

وروي عن عبد الله بن سلام أنه قال: فيَّ نَزَلَ: ﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ هذا يؤيد أن يثبت قول أهل التأويل؛ حيث قالوا: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : عبد الله بن سلام وأصحابه.

والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقول الذين كفروا: لست -يا محمد- مرسلًا من الله، قل لهم -أيها الرسول-: كفى بالله شاهدًا بيني وبينكم على أني مرسل من ربي إليكم، ومن عنده علم من الكتب السماوية التي جاء فيها نَعْتِي، ومن كان الله شاهدًا بصدقه، فلا يضره تكذيب من كذّب.

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل