الآية ١٢ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ١٢ من سورة النمل

وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍۢ ۖ فِى تِسْعِ ءَايَـٰتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٢ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ) هذه آية أخرى ، ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار ، وصدق من جعل له معجزة ، وذلك أن الله - تعالى - أمره أن يدخل يده في جيب درعه ، فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطعة ، كأنها قطعة قمر ، لها لمعان يتلألأ كالبرق الخاطف .

وقوله : ( في تسع آيات ) أي : هاتان ثنتان من تسع آيات أؤيدك بهن ، وأجعلهن برهانا لك إلى فرعون وقومه ( إنهم كانوا قوما فاسقين ) .وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى : ( ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ) [ الإسراء : 101 ] كما تقدم تقرير ذلك هنالك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله لنبيه موسى: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ) ذكر أنه تعالى ذكره أمره أن يدخل كفه في جيبه; وإنما أمره بإدخاله في جيبه, لأن الذي كان عليه يومئذ مِدرعة من صوف.

قال بعضهم: لم يكن لها كُمٌّ.

وقال بعضهم: كان كمها إلى بعض يده.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين قال ثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ) قال: الكف فقط في جيبك، قال: كانت مدرعة إلى بعض يده, ولو كان لها كُمٌّ أمره أن يدخل يده في كمه.

قال: ثني حجاج, عن يونس بن أبي إسحاق, عن أبيه, عن عمرو بن ميمون قال: قال ابن مسعود: إن موسى أتى فرعون حين أتاه في ذُرْ مانقة, يعني جبة صوف.

وقوله: (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ ) يقول: تخرج اليد بيضاء بغير لون موسى (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) يقول: من غير برص (فِي تِسْعِ آيَاتٍ ) , يقول تعالى ذكره: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء, فهي آية في تسع آيات مُرسل أنت بهنّ إلى فرعون; وترك ذكر مرسل لدلالة قوله (إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ) على أن ذلك معناه, كما قال الشاعر: رأتْنِــي بِحَبْلَيْهــا فَصَـدَّتْ مخافَـةً وفِـي الحَـبْلِ رَوْعـاءُ الفُـؤَادِ فَرُوقُ (4) ومعنى الكلام: رأتني مقبلا بحبليها, فترك ذكر " مقبل " استغناء بمعرفة السامعين معناه في ذلك, إذ قال: رأتني بحبليها; ونظائر ذلك في كلام العرب كثيرة.

والآيات التسع: هنّ الآيات التي بيَّناهنّ فيما مضى.

وقد حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ) قال: هي التي ذكر الله في القرآن: العصا, واليد, والجراد, والقمل, والضفادع, والطوفان, والدم, والحجر, والطمس الذي أصاب آل فرعون في أموالهم.

وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) يقول: إن فرعون وقومه من القبط كانوا قوما فاسقين, يعني كافرين بالله، وقد بيَّنا معنى الفسق فيما مضى.

------------------------ الهوامش: (4) سبق الكلام مفصلا على هذا الشاهد في الجزء (7: 113) وهو لحميد بن ثور الهلالي.

وانظره في (اللسان: حبل) وفرق.

وفي الأساس (روع).

وفي معاني القرآن للفراء (الورقة 232) قال الفراء أراد رأتني أقبلت بحبليها: بحبلى الناقة، فأضمر فعلا، كأنه قال: رأتني مقبلا

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء تقدم في ( طه ) القول فيه .

في تسع آيات قال النحاس أحسن ما قيل فيه أن المعنى : هذه الآية داخلة في تسع [ ص: 152 ] آيات .

المهدوي : المعنى : ألق عصاك وأدخل يدك في جيبك فهما آيتان من تسع آيات .

وقال القشيري معناه : كما تقول خرجت في عشرة نفر وأنت أحدهم .

أي خرجت عاشر عشرة .

ف ( في ) بمعنى ( من ) لقربها منها كما تقول خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان أي منها .

وقال الأصمعي في قول امرئ القيس :وهل ينعمن من كان آخر عهده ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال" في " بمعنى " من " .

وقيل : " في " بمعنى " مع " فالآيات عشرة منها اليد ، والتسع : الفلق والعصا والجراد والقمل والطوفان والدم والضفادع والسنين والطمس .

وقد تقدم بيان جميعه .

إلى فرعون وقومه قال الفراء : في الكلام إضمار لدلالة الكلام عليه ، أي إنك مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه .

إنهم كانوا قوما فاسقين أي خارجين عن طاعة الله ; وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ لا برص ولا نقص، بل بياض يبهر الناظرين شعاعه.

فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ أي: هاتان الآيتان انقلاب العصا حية تسعى وإخراج اليد من الجيب فتخرج بيضاء في جملة تسع آيات تذهب بها وتدعو فرعون وقومه، إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فسقوا بشركهم وعتوهم وعلوهم على عباد الله واستكبارهم في الأرض بغير الحق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم أراه الله آية أخرى فقال : ( وأدخل يدك في جيبك ) والجيب حيث جيب من القميص ، أي : قطع ، قال أهل التفسير : كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار ، فأدخل يده في جيبه وأخرجها ، فإذا هي تبرق مثل البرق ، فذلك قوله : ( تخرج بيضاء من غير سوء ) من غير برص ) ( في تسع آيات ) يقول هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن ( إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأدخل يدك في جيبك» طوق قميصك «تخرج» خلاف لونها من الأدمة «بيضاء من غير سوءٍ» برص لها شعاع يغشى البصر، آية «في تسع آيات» مرسلا بها «إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوماً فاسقين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما جاء موسى النارَ ناداه الله وأخبره أن هذا مكانٌ قدَّسه الله وباركه فجعله موضعًا لتكليم موسى وإرساله، وأن الله بارك مَن في النار ومَن حولها مِنَ الملائكة، وتنزيهًا لله رب الخلائق عما لا يليق به.

يا موسى إنه أنا الله المستحق للعبادة وحدي، العزيز الغالب في انتقامي من أعدائي، الحكيم في تدبير خلقي.

وألق عصاك فألقاها فصارت حية، فلما رآها تتحرك في خفة تَحَرُّكَ الحية السريعة ولَّى هاربًا ولم يرجع إليها، فطمأنه الله بقوله: يا موسى لا تَخَفْ، إني لا يخاف لديَّ من أرسلتهم برسالتي، لكن مَن تجاوز الحدَّ بذنب، ثم تاب فبدَّل حُسْن التوبة بعد قبح الذنب، فإني غفور له رحيم به، فلا ييئس أحدٌ من رحمة الله ومغفرته.

وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء كالثلج من غير بَرَص في جملة تسع معجزات، وهي مع اليد: العصا، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم؛ لتأييدك في رسالتك إلى فرعون وقومه، إنهم كانوا قومًا خارجين عن أمر الله كافرين به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أرشد - سبحانه - موسى - عليه السلام - إلى معجزة أخرى .

لتكون دليلاً على صدقه فى رسالته إلى من سيرسله إليهم فقال : ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء ) .والمراد بجيبه : فتحة ثوبه أو قميصه عند مدخل رأسه ، أو عند جانبه الأيمن ، وأصل الجيب : القطع .

يقال : جاب الشىء إذا قطعه .والمعنى : وأدخل يا موسى يدك اليمنى فى فتحة ثوبك ، ثم أخرجها تراها تخرج بيضاء من غير سوء .

أى : تخرج منيرة مشرقة واضحة البياض دون أن يكون بها أى سوء من مرض أو برص أو غيرهما .

وإنما يكون بياضها بياضاً مشرقاً مصحوباً بالسلامة بقدرة الله - تعالى - وإرادته .قال الحسن البصرى : أخرجها - والله - كأنها مصباح ، فعلم موسى أنه قد لقى ربه ،وقوله : ( تَخْرُجْ ) جواب الأمر فى قوله : ( وَأَدْخِلْ ) ، و ( بَيْضَآءَ ) حال من فاعل تخرج ، و ( مِنْ غَيْرِ سواء ) يجوز أن يكون حالاً أخرى .

أو صفة لبيضاء .والمراد باليد هنا : كف يده اليمنى .

والسوء : الردئ والقبيح من كل شىء ، وهو هنا كناية عن البرص لشدة قبحه .وقوله - تعالى - : ( فِي تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ) يصح أن يكون حالاً ثالثة من فاعل ( تَخْرُجْ ) فيكون المعنى : وأدخل يا موسى يدك فى جيبك تخرج حالة كونها بيضاء .وحالة كونها من غير سوء ، وحالة كونها مندرجة أو معدودة فى ضمن تسع آيات وزدناك بها ، لتكون معجزات لك أمام فرعون وقومه ، على أنك صادق فيما تبلغه عن ربك .قال الجمل " وقوله : ( فِي تِسْعِ آيَاتٍ ) فيه وجوه : أحدها : أنه حال ثالثة يعنى من فاعل تخرج ، أى : آية فى تسع آيات .الثانى : أنه متعلق بمحذوف أى : اذهب فى تسع آيات .

.

.

" .والمراد بالآيات التسع التى أعطاها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - : العصا ، واليد ، والسنون ، والبحر ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم .

كما جاء ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم .وقد جاء الحديث عن هذه الآيات فى مواضع أخرى من القرآن الكريم منها قوله - تعالى - : ( فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ ) وقوله - سبحانه - : ( وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) وقوله - عز وجل - : ( فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم ) وقال - تعالى - : ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم .

.

.

) وتحديد الآيات بالتسع ، لا ينفى أن هناك معجزات أخرى ، أعطاها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - إذ من المعروف عند علماء الأصول أن تحديد العدد بالذكر ، لا يدل على نفى الزائد عنه .قال ابن كثير : " ولقد أوتى موسى - عليه السلام - آيات أخرى كثيرة ، منها ضربه الحجر بالعصا ، وخروج الماء منه .

.

.

وغير ذلك .

مما أوتوه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر .

ولكن ذكر هنا هذه الآيات التسع التى شاهدها فرعون وقومه ، وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفراً وجحوداً .وقوله - تعالى - : ( إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ ) استئناف مسوق لبيان سبب إرسال موسى إلى فرعون وقومه .أى : هذه الآيات التسع أرسلناك بها يا موسى إلى فرعون وقومه ، لأنهم كانوا قوماً فاسقين عن أمرنا ، وخارجين على شرعنا ، وعابدين لغيرنا من مخلوقاتنا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن أكثر ما في هذا الآيات قد مر شرحه، ولنذكر ما هو من خواص هذا الموضع: يقال علام عطف قوله: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ ؟

جوابه: على ﴿ بُورِكَ  ﴾ لأن المعنى: نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك، كلاهما تفسير لنودي.

أما قوله: ﴿ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ فالجان الحية الصغيرة، سميت جاناً، لأنها تستتر عن الناس، وقرأ الحسن ﴿ جَانٌّ ﴾ على لغة من يهرب من التقاء الساكنين، فيقول شأبة ودأبة.

أما قوله: ﴿ وَلَمْ يُعَقّبْ ﴾ معناه لم يرجع، يقال عقب المقاتل إذا (مر) بعد الفرار، وإنما خاف لظنه أن ذلك لأمر أريد به، ويدل عليه ﴿ إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون ﴾ وقال بعضهم: المراد إني إذا أمرتهم بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة.

أما قوله تعالى: ﴿ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ معناه لكن من ظلم وهو محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل أو الصغيرة، ويحتمل أن يكون المقصود منه التعريض بما وجد من موسى وهو من التعريضات اللطيفة.

قال الحسن رحمه الله: كان والله موسى ممن ظلم بقتل القبطي ثم بدل، فإنه عليه السلام قال: ﴿ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى  ﴾ وقرئ (ألا من ظلم) بحرف التنبيه.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء ﴾ فالمراد حسن التوبة وسوء الذنب، وعن أبي بكر في رواية عاصم (حسناً).

أما قوله: ﴿ في تسع آيات ﴾ فهو كلام مستأنف، وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف، والمعنى اذهب في تسع آيات إلى فرعون، ولقائل أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة، اثنتان منها اليد والعصا، والتسع: الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا مُبْصِرَةً ﴾ فقد جعل الإبصار لها، وهو في الحقيقة لمتأملها، وذلك بسبب نظرهم وتفكرهم فيها، أو جعلت كأنها لظهورها تبصر فتهتدي، وقرأ علي بن الحسين وقتادة ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ وهو نحو مجبنة ومبخلة، أي مكاناً يكثر فيه التبصر.

أما قوله: ﴿ واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ﴾ فالواو فيها واو الحال، وقد بعدها مضمرة وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم، والاستيقان أبلغ من الإيقان.

أما قوله: ﴿ ظُلْماً وَعُلُوّاً ﴾ فأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة من عند الله تعالى، ثم كابر بتسميتها سحراً بيناً.

وأما العلو فهو التكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى كقوله: ﴿ فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً عالين  ﴾ وقرئ (علياً) و(علياً) بالضم والكسر، كما قرئ (عتياً) و ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا  قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا  قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٍ سَوِيًّا  فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا  يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا  وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً وَكَانَ تَقِيًّا  وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا  وَسَلَٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا  وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا  فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا  قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا  قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمًا زَكِيًّا  قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا  قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا  فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًا قَصِيًّا  فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا  فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا  وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا  فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا  فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ قَالُوا يَٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا  يَٰٓأُخْتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا  فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا  قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا  وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا  وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا  وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا  ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ  مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَٰنَهُۥٓ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ  وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ  فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ  أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ  وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ  وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِبْرَٰهِيمَ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا  إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا  يَٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا  يَٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَٰنَ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا  يَٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَٰنِ وَلِيًّا  قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا  قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا  وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا  فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا  وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا  وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مُوسَىٰٓ إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا  وَنَٰدَيْنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَٰهُ نَجِيًّا  وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيًّا  وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِسْمَٰعِيلَ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا  وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا  وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا  وَرَفَعْنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا  أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُ ٱلرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا  فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا  جَنَّٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّا  لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَٰمًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا  تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا  وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا  رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَٰدَتِهِۦ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا  وَيَقُولُ ٱلْإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا  أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا  فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا  ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

و ﴿ فِى تِسْعِ ءايات ﴾ كلام مستأنف، وحرف الجرّ فيه يتعلق بمحذوف.

والمعنى: اذهب في تسع آيات ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ ونحوه: فَقُلتُ إلَى الطَّعَامِ فَقَالَ مِنْهُمْ ** فَرِيقٌ نَحْسُدُ الإِنسَ الطَّعَامَا ويجوز أن يكون المعنى: وألق عصاك، وأدخل يدك: في تسع آيات، أي: في جملة تسع آيات وعدادهنّ.

ولقائل أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة: ثنتان منها اليد والعصا، والتسع: الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ ﴾ لِأنَّهُ كانَ بِمَدْرَعَةٍ صُوفٍ لا كُمَّ لَها.

وقِيلَ الجَيْبُ القَمِيصُ لِأنَّهُ يُجابُ أيْ يُقْطَعُ.

﴿ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ آفَةٍ كَبَرَصٍ.

﴿ فِي تِسْعِ آياتٍ ﴾ في جُمْلَتِها أوْ مَعَها عَلى أنَّ التِّسْعَ هي، الفَلْقُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والطَّمْسَةُ، والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ، والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ ولِمَن عَدَّ العَصا واليَدَ مِنَ التِّسْعِ أنْ يَعُدَّ الأخِيرَيْنِ واحِدًا ولا يَعُدُّ الفَلْقَ لِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ.

أوِ اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بِالإرْسالِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ.

﴿ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴾ وعَلى الأوَّلَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِنَحْوِ مَبْعُوثًا أوْ مُرْسَلًا.

﴿ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإرْسالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ} جيب قميصك وأخرجها {تَخْرُجْ بَيْضَاء} نيرة تغلب نور الشمس {مِنْ غَيْرِ سُوء} برص وبيضاء ومن غير سوء حالان {في تسع آيات} كلام مستأنف وفي يتعلق بمحذوف أي اذهب في تسع آيات أو وألق عصاك وأدخل يدك في جملة تسع آيات {إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} إلى يتعلق بمحذوف أي مرسلاً إلى فرعون

وقومه {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين} خارجين عن أمر الله كافرين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ ﴾ أيْ: جَيْبِ قَمِيصِكَ، وهو مَدْخَلُ الرَّأْسِ مِنهُ المَفْتُوحُ إلى الصَّدْرِ، لا ما يُوضَعُ فِيهِ الدَّراهِمُ ونَحْوُها كَما هو مَعْرُوفٌ الآنَ؛ لِأنَّهُ مُوَلَّدٌ، ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: (فِي كُمِّكَ) لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لابِسًا إذْ ذاكَ مُدَرَّعَةً مِن صُوفٍ لا كُمَّ لَها، وقِيلَ: الجَيْبُ القَمِيصُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ يُجابُ أيْ يُقْطَعُ، فَهو فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: (فِي جَيْبِكَ) أيْ: تَحْتَ إبِطِكَ.

ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ المَعْنى: أدْخِلْها في جَيْبِكَ وضَعْها تَحْتَ إبِطِكَ، وكانَتْ مُدَرَّعَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لا أزْرارَ لَها، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ نَبِيَّنا  كانَ مُطْلَقَ القَمِيصِ في بَعْضِ الأوْقاتِ.

فَفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ، بابٌ في حَلِّ الأزْرارِ، ثُمَّ أخْرَجَ فِيهِ مِن طَرِيقِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  في رَهْطٍ مِن مُزَيْنَةَ فَبايَعْناهُ وإنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ - وفي رِوايَةِ البَغَوِيِّ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ (لَمُطْلَقُ الأزْرارِ) - قالَ: فَبايَعْتُهُ، ثُمَّ أدْخَلْتُ يَدِي في جَيْبِ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الخاتَمَ، قالَ عُرْوَةُ: فَما رَأيْتُ مُعاوِيَةَ ولا أباهُ قَطُّ إلّا مُطْلِقِي أزْرارَهُما، ولا يَزِرّانِها أبَدًا.

وجاءَ أيْضًا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أمَرَ بِزَرِّ الأزْرارِ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  نَظَرَ إلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَإذا أزْرارُهُ مَحْلُولَةً فَزَرَّها رَسُولُ اللَّهِ  - بِيَدِهِ، وقالَ: «اجْمَعْ عَطْفَيْ رِدائِكَ عَلى نَحْرِكَ»».

وفِي هَذَيْنِ الأثَرَيْنِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ جَيْبَ القَمِيصِ كانَ إذْ ذاكَ عَلى الصَّدْرِ كَما هو اليَوْمَ عِنْدَ العَرَبِ، وهو يُبْطِلُ القَوْلَ بِأنَّهُ خِلافُ السُّنَّةِ، وأنَّهُ مِن شَعائِرِ اليَهُودِ، وأمْرُهُ تَعالى إيّاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإدْخالِ يَدِهِ في جَيْبِهِ - مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَها بَيْضاءَ مِن غَيْرِ إدْخالٍ - لِلِامْتِحانِ، ولَهُ سُبْحانُهُ أنْ يَمْتَحِنَ عِبادَهُ بِما شاءَ.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ تَخْرُجْ ﴾ جَوابُ الأمْرِ؛ لِأنَّ خُرُوجَها مُتَرَتِّبٌ عَلى إدْخالِها، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَدْخُلْ وأخْرِجْها تَخْرُجْ، فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، فَيَكُونُ في الكَلامِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ، وهو تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ.

وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بَيْضاءَ ﴾ حالٌ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ وهو احْتِراسٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي تِسْعِ آياتٍ ﴾ أيْ: آيَةً مَعْدُودَةً مِن جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ، أوْ مُعْجِزَةً لَكَ مَعَها، عَلى أنَّ التِّسْعَ هِيَ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والطِّمْسَةُ - وهي جَعْلُ أسْبابِهِمْ حِجارَةً - والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ، والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ، ولِمَن عَدَّ العَصا واليَدَ مِنَ التِّسْعِ أنْ يَعُدَّ الجَدْبَ والنُّقْصانَ في المَزارِعِ واحِدًا، ولا يَعُدَّ الفَلْقَ مِنها؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُبْعَثْ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، وإنَّ تَقَدَّمَهُ بِيَسِيرٍ، ومَن عَدَّهُ يَقُولُ: يَكْفِي مُعايَنَتُهُ لَهُ في البَعْثِ بِهِ، أوْ هو بَعْثٌ بِهِ لِمَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ ولِمَن تَخَلَّفَ مِنَ القِبْطِ ولَمْ يُؤْمِن، وفي التَّقْرِيبِ أنَّ الطِّمْسَةَ والجَدْبَ والنُّقْصانَ يَرْجِعُ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالتِّسْعُ هَذا الواحِدُ والعَصا واليَدُ وما بَقِيَ مِنَ المَذْكُوراتِ.

وذَهَبَ صاحِبُ الفَرائِدِ إلى أنَّ الجَرادَ والقُمَّلَ واحِدٌ، والجَدْبَ والنُّقْصانَ واحِدٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (فِي تِسْعٍ) مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿ فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا ﴾ وفي بِمَعْنى مَعَ، ونَظِيرُ هَذا الحَذْفِ ما في قَوْلِهِ: أتَوْا نارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أنْتُمْ فَقالُوا الجِنُّ قُلْتُ عَمُوا ظَلامًا وقُلْتُ إلى الطَّعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ فَرِيقٌ يَحْسُدُ الإنْسَ الطَّعاما فَإنَّ التَّقْدِيرَ هَلُمُّوا إلى الطَّعامِ، ويَتَعَلَّقُ بِهَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴾ وعَلى ما تَقَدَّمَ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، أيْ مَبْعُوثًا أوْ مُرْسَلًا إلى فِرْعَوْنَ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ أرْسَلْتَ إلَيْهِمْ بِما ذُكِرَ؟

فَقِيلَ: إنَّهم إلَخْ، والمُرادُ بِالفِسْقِ إمّا الخُرُوجُ عَمّا ألْزَمَهُمُ الشَّرْعُ إيّاهُ إنْ قُلْنا بِأنَّهم قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَن يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُهُ وهو يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإمّا الخُرُوجُ عَمّا ألْزَمَهُ العَقْلُ واقْتِضاءُ الفِطْرَةِ إنْ قُلْنا بِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ أحَدٌ قَبْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَلَمَّا جاءَها يعني: النار، ويقال يعني: الشجرة نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ يعني: بورك مَنْ عند النار، وهو موسى  وَمَنْ حَوْلَها يعني: الملائكة عليهم السلام وهو على وجه التقديم: فَلَمَّا جاءَها ومن حولها من الملائكة، نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ أي: عند النار.

ويقال: من في طلب النار، وقصدها والمعنى: بورك فيك يا موسى.

وقال أهل اللغة: بارك فلان وبارك فيه، وبارك عليه واحد، وهذا تحية من الله تعالى لموسى  ثم قال: وَسُبْحانَ اللَّهِ يعني: قيل له: قل سبحان الله تنزيهاً لله تعالى من السُّوء ويقال: إنه أي الله في النداء قال: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال بعض المفسرين: كان ذلك نور رب العزة، وإنما أراد به تعظيم ذلك النور، كما يقال للمساجد بيوت الله تعظيماً لها.

ثم قال عز وجل: يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ وذكر عن الفراء أنه قال: هذه الهاء عماد، وإنما يراد به وصل الكلام، كما يقال: إنما، وما يكون للوصل، كذلك هاهنا، فكأنه قَالَ: يَا موسى إِنّى أنا الله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ويقال: معناه إن الذي تسمع نداءه هو الله العزيز الحكيم.

قوله عز وجل: وَأَلْقِ عَصاكَ يعني: من يدك فألقاها، فصارت حية، وقد يجوز أن يضمر الكلام إذا كان في ظاهره دليل فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ يعني: تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ يعني: حية والجان هي الحية الخفيفة الأهلية، فإن قيل: إنه قال في موضع آخر، فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [الأعراف: 107] والثعبان الحية الكبيرة، فأجاب بعض أصحاب المعاني: أنه كان في كبر الثعبان، وفي خفة الجان.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: والجواب الصحيح: أن الثعبان كان عند فرعون، والجان عند الطور.

ثم قال: وَلَّى مُدْبِراً يعني: أدبر هارباً من الخوف وَلَمْ يُعَقِّبْ يعني: لم يرجع.

ويقال: لم يلتفت.

يقول الله تعالى لموسى يا مُوسى لاَ تَخَفْ من الحية إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ يعني: إَلاَّ مَن ظَلَمَ، ثُمَّ استثنى فقال: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ قال مقاتل: إلا من ظلم نفسه من المرسلين، مثل آدم وسليمان، وإخوة يوسف، وداود وموسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ويقال: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ يعني: لكن من ظلم ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً أي: فعل إحساناً بَعْدَ سُوءٍ أي بعد إساءته فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ قال الكلبي: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ يعني: أشرك فهذا الذي يخاف ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً يعني: توحيداً بعد سوء، يعني: بعد شرك فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.

قال أبو الليث رحمه الله: وتكون إلا على هذا التفسير، بمعنى: لكن، لا على وجه الاستثناء، وذكر عن الفراء أنه قال: الاستثناء وقع في معنى مضمر من الكلام، كأنه قال: لا يخاف لدى المرسلون، بل غيرهم يخاف إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ فإنه لا يخاف.

وقال القتبي: هذا لا يصح، لأن الإضمار يصح إذا كان في ظاهره دليل، ولكن معناه: أن الله تعالى لما قال: إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، علم أن موسى كان مستشعراً خيفة من قبل القبطي، فقال: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فإنه يخاف، ولكني أغفر له، فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.

ثم قال عز وجل: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ يعني: جيب المدرعة، ثم أخرجها تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يعني: من غير برص فِي تِسْعِ آياتٍ يعني: هذه الآية من تسع آيات، كما تقول أعطيت لفلان عشرة أبعرة فيها فحلان، أي منها وقد بيّن في موضع آخر حيث قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [الإسراء: 101] وقد ذكرناها.

إِلى فِرْعَوْنَ يعني: اذهب إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: إنهم كانوا قوماً عاصين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الكوكب المنقضّ في أثر مسترقِ السمعِ وكل ما يُقال له «شهابٌ» من المنيرات فعلى التَّشْبِيهِ، والقبسُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يكون اسماً، ويُحْتملُ أن يكونَ صفةً.

وقرأ الجمهورُ بإضافة «شِهَابٍ» إلى «قَبَسٍ» ، وقرأ حَمزَةُ والكِسائِيُّ «١» وعاصمُ بتنوينِ «شِهَابٍ قَبَسٍ» : فَهَذَا على الصِّفَةِ.

ص: وقوله: جاءَها ضميرُ المفعولِ، عائدٌ على النّار، وقيل على الشجرة، انتهى.

وبُورِكَ معناه: قُدِّسَ ونُمِيَ خَيْرُه، والبركة، مختصَّة بالخير.

وقولهِ تعالى: مَنْ فِي النَّارِ قال ابنُ عباس: أرادَ النُّورَ «٢» ، وقال الحسنُ وابنُ عباس: وأراد ب مَنْ حَوْلَها الملائكةٍ وموسى «٣» .

قال ع «٤» : ويُحتمَلُ أن تكونَ مَنْ للملائكةِ لأن ذلكَ النورَ الذي حَسِبَه موسى ناراً لم يخْلُ من ملائكة، وَمَنْ حَوْلَها لموسَى والمَلائِكَةِ المُطِيفينَ بهِ.

وقرأ أُبَيُّ بنُ كعب «٥» «أن بُوركَتِ النَّارُ وَمَنْ حَولَها» .

وقوله تعالى: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هو تنزيهٌ للَّه تعالى مما عساه أن يخطر/ ببال في معنى النِّداءِ من الشَّجَرَةِ، أي: هو منزَّه عن جميع ما تتوّهمه الأوهام ٥١ أوعن التَّشبيهِ والتَّكْيِيفِ، والضميرُ في إِنَّهُ للأمرِ والشأنِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ أنا اللَّهُ ﴾ الهاءُ عِمادٌ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ؛ وعَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ: هي كِنايَةٌ عَنِ المُنادِي، لِأنَّ مُوسى قالَ: مَن هَذا الَّذِي يُنادِينِي؟

فَقِيلَ: ﴿ إنَّهُ أنا اللَّهُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقِ عَصاكَ ﴾ في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَألْقاها فَصارَتْ حَيَّةً، ﴿ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجانُّ: الحَيَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِالعَظِيمَةِ ولا بِالصَّغِيرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَمْ يَلْتَفِتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لَمْ يَرْجِعْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأهْلُ النَّظَرِ يَرَوْنَ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العَقِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ : أيْ: لا يَخافُونَ عِنْدِي.

وقِيلَ: المُرادُ: في المَوْضِعِ الَّذِي يُوحِي إلَيْهِمْ فِيهِ، فَكَأنَّهُ نَبَّهَهُ عَلى أنَّ مَن أمَّنَهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ مِن عَذابِهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ مِن حَيَّةٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن ظَلَمَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ صَحِيحٌ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ؛ والمَعْنى: إلّا مَن ظُلِمَ مِنهم فَإنَّهُ يَخافُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى مُسْتَشْعِرٌ خِيفَةً مِن ذَنْبِهِ في الرَّجُلِ الَّذِي وكَزَهُ، فَقالَ: ﴿ إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا ﴾ أيْ: تَوْبَةً ونَدَمًا، فَإنَّهُ يَخافُ، وإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ والمَعْنى: لَكِنَّ مَن ظَلَمَ فَإنَّهُ يَخافُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والزَّجّاجُ.

وقالَ الفَرّاءُ: " مِن " مُسْتَثْناةٌ مِنَ الَّذِينَ تَرَكُوا في الكَلامِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ، إنَّما الخَوْفُ عَلى غَيْرِهِمْ، إلّا مَن ظَلَمَ، فَتَكُونُ " مِن " مُسْتَثْناةً.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: إلّا مَن ظَلَمَ، فَمَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا.

والثّالِثُ: أنْ " إلّا " بِمَعْنى الواوِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ  ﴾ ، حَكاهُ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، ولَمْ يَرْضَهُ.

وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: " ألا مَن ظَلَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالظُّلْمِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَعاصِي.

والثّانِي: الشِّرْكُ.

ومَعْنًى " حَسَنًا ":تَوْبَةً ونَدَمًا.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.

﴿ بَعْدَ سُوءٍ ﴾ أيْ: بَعْدَ إساءَةٍ.

وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَذا إلى أنَّ مُوسى وإنْ كانَ [قَدْ] ظَلَمَ نَفْسَهُ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، لِأنَّهُ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ وتابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ ﴾ الجَيْبُ حَيْثُ جِيبَ مِنَ القَمِيصِ، أيْ: قُطِعَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما أمَرَ بِإدْخالِهِ يَدَهُ في جَيْبِهِ، لِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مُدَرَّعَةٌ مِن صُوفٍ لَيْسَ لَها كُمٌّ.

والسُّوءُ: البَرَصُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي تِسْعِ آياتٍ ﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ: " في " مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ وَألْقِ عَصاكَ ﴾ ﴿ وَأدْخِلْ يَدَكَ ﴾ ، فالتَّأْوِيلُ: أظْهَرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في تِسْعِ آَياتٍ.

و " في " بِمَعْنى " مِن "، فَتَأْوِيلُهُ: مِن تِسْعِ آَياتٍ؛ تَقُولُ: خُذْ لِي عَشْرًا مِنَ الإبِلِ فِيها فَحْلانِ، أيْ: مِنها فَحْلانِ.

وقَدْ شَرَحْنا الآَياتِ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ١٠١) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴾ أيْ: مُرْسَلًا إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْرُوفٌ.

﴿ فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً ﴾ أيْ: بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً  ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا هَذا ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي نَراهُ عِيانًا ﴿ سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ .

﴿ وَجَحَدُوا بِها ﴾ أيْ: أنْكَرُوها ﴿ واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ﴾ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿ ظُلْمًا ﴾ أيْ: شِرْكًا ﴿ وَعُلُوًّا ﴾ أيْ: تَكَبُّرًا.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وجَحَدُوا بِها ظُلْمًا وعُلُوًّا، أيْ: تَرْفُّعًا عَنْ أنْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَ بِهِ مُوسى وهم يَعْلَمُونَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ تَدْرِيبًا لَهُ في اسْتِعْمالِهِما، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "فَألْقى مُوسى العَصا"، ﴿ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ ﴾ .

وأمالَ "رَآها" بَعْضُ القُرّاءِ، و"الجانُّ": الحَيّاتُ؛ لِأنَّها تُخْفِي أنْفُسَها، أيْ: تَسْتُرُها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الجانُّ": صِغارُ الحَيّاتِ، وعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ صارَتْ حَيَّةً ثُعْبانًا وهو العَظِيمُ، وإنَّما شُبِّهَتْ بِالجانِّ في سُرْعَةِ الِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ الصِغارَ أكْثَرُ حَرَكَةً مِنَ الكِبارِ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فَإنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَ في العَصا وغَيَّرَ أوصافَها وأعْراضَها فَصارَتْ حَيَّةً.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "جَأْنَ" بِالهَمْزِ.

فَلَمّا أبْصَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هَوْلَ ذَلِكَ المَنظَرِ ﴿ وَلّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَرْجِعْ، وقالَ قَتادَةُ: ولَمْ يَلْتَفِتْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَقَّبَ الرَجُلُ: إذا ولِيَ عن أمْرٍ ثُمَّ صَرَفَ بَدَنَهُ أو وجْهَهُ إلَيْهِ كَأنَّهُ انْصَرَفَ عَلى عَقِبَيْهِ، وناداهُ اللهُ مُؤْنِسًا ومُقَوِّيًا عَلى الأمْرِ: ﴿ يا مُوسى لا تَخَفْ ﴾ فَإنَّ رُسُلِي الَّذِينَ اصْطَفَيْتُهم لِلنُّبُوَّةِ لا يَخافُونَ عِنْدِي ومَعِي، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الحَيَّةَ فَرَجَعَتْ عَصاهُ، ثُمَّ صارَتْ لَهُ عادَةً.

واخْتَلَفَ الناسُ في الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَن ظَلَمَ ﴾ ، فَقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وهو مِنَ الأنْبِياءِ، ورَوى الحَسَنُ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: أخْفَتُكَ لِقَتْلِكَ النَفْسَ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: كانَتِ الأنْبِياءُ تُذْنِبُ فَتُعاقَبُ، ثُمَّ تُذْنِبُ -واللهِ- فَتُعاقَبُ، فَكَيْفَ بِنا؟، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا يُخِيفُ اللهُ تَعالى الأنْبِياءَ إلّا بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ أحَدُهُمْ، فَإنْ أصابَهُ أخافَهُ حَتّى يَأْخُذَهُ مِنهُ، قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ لَهم مِن ذَنْبٍ إلّا ما رُوِيَ عن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي هي رَذائِلُ، واخْتَلَفَ فِيما عَدا هَذا، فَعَسى أنْ يُشِيرَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ إلى ما عَدا ذَلِكَ.

وفِي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- حَذْفٌ اقْتَضى الإيجازَ والفَصاحَةَ تَرْكُ نَصِّهِ، تَقْدِيرُهُ: فَمَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ.

وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وهو إخْبارٌ عن غَيْرِ الأنْبِياءِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن ظَلَمَ مِنَ الناسِ ثُمَّ تابَ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إلّا" بِمَعْنى الواوِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ لا وجْهَ لَهُ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "ألا مَن ظَلَمَ" عَلى الِاسْتِفْتاحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا ﴾ مَعْناهُ: عَمَلًا صالِحًا مُقْتَرِنًا بِتَوْبَةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي حَتْمَ المَغْفِرَةِ لِلتّائِبِ، وأجْمَعَ الناسُ عَلى ذَلِكَ في التَوْبَةِ مِنَ الشِرْكِ، وأهْلُ السُنَّةِ في التائِبِ مِنَ المَعاصِي، عَلى أنَّهُ في المَشِيئَةِ كالمُصِرِّ، لَكِنْ يَغْلُبُ الرَجاءُ عَلى التائِبِ والخَوْفُ عَلى المُصِرِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ  ﴾ عَمَّتِ الجَمِيعُ مِنَ التائِبِ والمُصِرِّ، ولا فَرْقَ بَيْنَ المُشْرِكِ وغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ يُذْهِبُ فائِدَتَهُ، إذِ الشِرْكُ يُغْفَرُ لِلتّائِبِ، وما دُونَهُ كَذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِهِمْ، فَما فائِدَةُ التَفْصِيلِ في الآيَةِ، وهَذا الِاحْتِجاجُ لازِمٌ فَتَأمَّلْهُ.

ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "حَسَنًا بَعْدَ سُوءٍ" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ: "حُسْنى" مِثْلُ فُعْلى.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يُدْخِلَ يَدَهُ في جَيْبِ جُبَّتِهِ لِأنَّها لَمْ يَكُنْ لَها كُمٌّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ مُجاهِدٌ: مُدَرَّعَةُ صُوفٍ إلى بَعْضِ يَدِهِ، و"الجَيْبُ": الفَتْحُ في الثَوْبِ لِرَأْسِ الإنْسانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ تَخْرُجُ كَأنَّها قِطْعَةُ نُورٍ تَلَأْلَأ، ومَعْنى إدْخالُ اليَدِ في الجَيْبِ ضَمُّ الآيَةِ إلى مُوسى، وإظْهارُ تَلَبُّسِها بِهِ؛ لِأنَّ المُعْجِزاتِ مِن شُرُوطِها أنْ يَكُونَ لَها اتِّصالٌ بِالرائِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا عِلَّةٍ، وإنَّما هي آيَةٌ تَجِيءُ وتَذْهَبُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأدْخِلْ يَدَكَ فِي ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "ألْقِ" و"أدْخِلْ"، وفِيهِ اقْتِضابٌ وحَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُمَهِّدُ وتُيَسِّرُ لَكَ ذَلِكَ في جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ، وهِيَ: العَصا، واليَدُ البَيْضاءُ، والطُوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَفادِعُ، والدَمُ، والطَمْسُ، والحَجْرُ، وفي هَذَيْنَ الأخِيرَيْنِ اخْتِلافٌ، والمَعْنى: يَجِيءُ بِهِنَّ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ وألق عصاك ﴾ [النمل: 10] وما بينهما اعتراض، بعد أن أراه آية انقلاب العصا ثعباناً أراه آية أخرى ليطمئن قلبه بالتأييد، وقد مضى في «طه» التصريح بأنه أراه آية أخرى.

والمقصود من ذلك أن يعجل له ما تطمئن له نفسه من تأييد الله تعالى إياه عند لقاء فرعون.

وقوله: ﴿ في تسع آيات ﴾ حال من ﴿ تخرج بيضاء ﴾ أي حالة كونها آية من تسع آيات، و ﴿ إلى فرعون ﴾ صفة لآيات، أي آيات مسوقة إلى فرعون.

وفي هذا إيذان بكلام محذوف إيجازاً وهو أمر الله موسى بأن يذهب إلى فرعون كما بيّن في سورة الشعراء.

والآيات هي: العصا، واليَد، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، والقحط، وانفلاق البحر وهو أعظمها، وقد عدّ بعضها في سورة الأعراف.

وجمعها الفيروزآبادي في بيت ذكره في مادة (تسع) من «القاموس» وهو: عصاً سَنَةٌ بحر جراد وقُمَّل *** يَدٌ ودَمٌ بعدَ الضفادع طُوفان <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَأيْتُ نارًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ ومِنهُ سُمِّيَ الإنْسانُ إنْسًا لِأنَّهم مَرْئِيُّونَ.

الثّانِي: أحْسَسْتُ نارًا، قالَهُ قَتادَةُ، والإيناسُ: الإحْساسُ مِن جِهَةٍ يُؤْنَسُ بِها.

﴿ سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَأُخْبِرُكم عَنْها بِعِلْمٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: بِخَبَرِ الطَّرِيقِ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ ضَلَّ الطَّرِيقَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ والشِّهابُ الشُّعاعُ المُضِيءُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَوْكَبِ الَّذِي يَمُرُّ ضَوْؤُهُ في السَّماءِ شِهابٌ، قالَ الشّاعِرُ: في كَفِّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ فِيها سِنانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ والقَبَسُ هو القِطْعَةُ مِنَ النّارِ، ومِنهُ اقْتَبَسْتُ النّارَ، أخَذْتُ مِنها قِطْعَةً، واقْتَبَسْتُ مِنهُ عِلْمًا إذا أخَذْتَ مِنهُ عِلْمًا، لِأنَّكَ تَسْتَضِيءُ بِهِ كَما تَسْتَضِيءُ بِالنّارِ.

﴿ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ تَصْطَلُونَ مِنَ البَرْدِ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ شِتاءً.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَمّا جاءَها ﴾ يَعْنِي ظَنَّ أنَّها نارٌ، وهي نُورٌ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فَلَمّا رَأى مُوسى النّارَ وقَفَ قَرِيبًا مِنها فَرَآها تَخْرُجُ مِن فَرْعِ شَجَرَةٍ خَضْراءَ شَدِيدَةِ الخُضْرَةِ يُقالُ لَها العَلِيقُ، لا تَزْدادُ النّارُ إلّا تَضَرُّمًا وعِظَمًا، ولا تَزْدادُ الشَّجَرَةُ إلّا خُضْرَةً وحُسْنًا، فَعَجِبَ مِنها ودَنا وأهْوى إلَيْها بِضِغْثٍ في يَدِهِ لِيَقْتَبِسَ مِنها، فَمالَتْ إلَيْهِ فَخافَها فَتَأخَّرَ عَنْها، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ فِيها إلى أنْ وضَعَ أمْرَها عَلى أنَّها مَأْمُورَةٌ ولا يَدْرِي ما أمْرُها، إلى أنْ: ﴿ نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها ﴾ وفي ﴿ بُورِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي قُدِّسَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: تَبارَكَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: البَرَكَةُ في النّارِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، وأنْشَدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: فَبُورِكَ في بَنِيكَ وفي بَنِيهِمْ ∗∗∗ إذا ذُكِرُوا ونَحْنُ لَكَ الفِداءُ وَفِي النّارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها نارٌ فِيها نُورٌ.

الثّانِي: أنَّها نُورٌ لَيْسَ فِيها نارٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَفِي ﴿ بُورِكَ مَن في النّارِ ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بُورِكَتِ النّارُ، و ﴿ مَن ﴾ زِيادَةٌ، وهي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ( بُورِكَتِ النّارُ ومَن حَوْلَها ) قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بُورِكَ النُّورُ الَّذِي في النّارِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: بُورِكَ اللَّهُ الَّذِي في النُّورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: الشَّجَرَةُ لِأنَّ النّارَ اشْتَعَلَتْ فِيها وهي خَضْراءُ لا تَحْتَرِقُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن حَوْلَها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مُوسى، قالَها أبُو صَخْرٍ.

﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى قالَ حِينَ فَرَغَ مِن سَماعِ النِّداءِ مِن قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ اسْتِعانَةً بِاللَّهِ وتَنْزِيهًا لَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ ومَعْناهُ: وبُورِكَ فِيمَن يُسَبِّحُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي نُودِيَ بِهِ مُوسى.

وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى مِنَ السَّماءِ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ثُمَّ لَمْ يَمَسَّ مُوسى امْرَأةً بَعْدَما كَلَّمَهُ رَبُّهُ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الشَّجَرَةِ كَلامًا خَرَجَ مِنها حَتّى سَمِعَهُ مُوسى، حَكاهُ النَّقّاشُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقِ عَصاكَ ﴾ قالَ وهْبٌ: ظَنَّ مُوسى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِرَفْضِها فَرَفَضَها.

﴿ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجانَّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِنانِها واسْتِتارِها.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالجانِّ الشَّيْطانَ مِنَ الجِنِّ، لِأنَّهم يُشَبِّهُونَ كُلَّ ما اسْتَهْوَلُوهُ بِالشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ  ﴾ .

وقَدْ كانَ انْقِلابُ العَصا إلى أعْظَمِ الحَيّاتِ لا إلى أصْغَرِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ  ﴾ و [الشُّعَراءِ: ٣٣] .

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: وكانَتِ العَصا قَدْ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ وكانَ اسْمُها: ما شاءَ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وكانَتْ مِن عَوْسَجٍ.

﴿ وَلّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَمْ يَرْجِعْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ قُطْرُبٌ: مَأْخُوذٌ مِنَ العَقِبِ.

الثّانِي: ولَمْ يَنْتَظِرْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: ولَمْ يَلْتَفِتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ بَقِيَ ولَمْ يَمْشِ، لِأنَّهُ في المَشِيءِ مُعَقِّبٌ لِابْتِدائِهِ بِوَضْعِ عُقْبَةٍ قَبْلَ قَدَمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ أرادَ في المَوْضِعِ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلَيْهِمْ، وإلّا فالمُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ أخْوَفُ.

﴿ إلا مَن ظَلَمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُ مِنهُمُ الظُّلْمُ، ويَكُونُ مِنهم هَذا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى المُرْسَلِينَ.

وَفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: فِيما كانَ مِنهم قَبْلَ النُّبُوَّةِ كالَّذِي كانَ مِن مُوسى في قَتْلِ القِبْطِيِّ، فَأمّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ جَمِيعًا.

الوَجْهُ الثّانِي: بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَإنَّهم مَعْصُومُونَ فِيها مَعَ وُجُودِ الصَّغائِرِ مِنهم، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِهِمْ في تَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ مِنها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ﴾ يَعْنِي تَوْبَةً بَعْدَ سَيِّئَةٍ.

﴿ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ غَفُورٌ لِذَنْبِهِمْ، رَحِيمٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فلما رآها تهتز كأنها جان ﴾ قال: حين تحوّلت حية تسعى.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولم يعقب يا موسى ﴾ قال: لم يرجع وفي قوله: ﴿ إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ قال: ثم تاب من بعد ظلمه واساءته.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولى مدبراً ﴾ قال: فاراً ﴿ ولم يعقب ﴾ قال: لم يلتفت.

وفي قوله: ﴿ لا يخاف لدي ﴾ قال: عندي وفي قوله: ﴿ إلا من ظلم ﴾ قال: إن الله لم يجز ظالماً.

ثم عاد الله بعائدته وبرحمته فقال: ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي فعمل عملاً صالحاً بعد عمل سيء عمله ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ميمون قال: إن الله قال لموسى ﴿ إنه لا يخاف لديَّ المرسلون إلا من ظلم ﴾ وليس للظالم عندي أمان حتى يتوب.

وأخرج سعيد بن منصور عن زيد بن أسلم أنه قرأ ﴿ إلا من ظلم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت على موسى جبة لا تبلغ مرفقيه فقال له ﴿ أدخل يدك في جيبك ﴾ فادخلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مقسم قال: إنما قيل ﴿ أدخل يدك في جيبك ﴾ لأنه لم يكن لها كم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كانت عليه مدرعة إلى بعض يده، ولو كان لها كم أمره أن يدخل يده في كمه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأدخل يدك في جيبك ﴾ قال: جيب القميص.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وأدخل يدك في جيبك ﴾ قال: في جيب قميصك ﴿ تخرج بيضاء من غير سوء ﴾ قال: من غير برص ﴿ في تسع آيات ﴾ قال: يقول هاتان الآيتان: يد موسى، وعصاه ﴿ في تسع آيات ﴾ وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: التسع آيات: يد موسى، وعصاه، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين في بواديهم ومواشيهم، ونقص من الثمرات في أمصارهم.

وفي قوله: ﴿ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ﴾ قال: بينة ﴿ وجحدوا بها ﴾ قال: كذبت القوم بآيات الله بعدما استيقنتها أنفسهم أنها حق.

والجحود لا يكون إلا من بعد المعرفة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ قال: تعظماً واستكباراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ قال: تكبروا وقد استيقنتها أنفسهم؛ وهذا من التقديم والتأخير.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ ظلماً وعلياً ﴾ وقرأ عاصم ﴿ وعلواً ﴾ برفع العين واللام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ ﴾ قال مجاهد: كفك في جيبك (١) قال المفسرون: كانت عليه مِدْرَعةٌ إلى بعض يده (٢) (٣) (٤) قوله تعالى: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى وأخرجها تخرج بيضاء.

قال مقاتل: لها شعاع مثل شعاع الشمس ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ﴾ من غير برص [["تفسير مقاتل" 57 أ.

وذكره الهواري 3/ 248.

وابن جرير 19/ 139، والثعلبي 8/ 121 ب.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2851، عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس.

وذكر ابن الأنباري أن السوء يطلق ويراد به: الآفة والعلة، قال تعالى: ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ﴾ \[الأعراف 73\] أي: بآفة وعقر، "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 365، وأما أبو عبيدة 2/ 18، فقد قيد السوء بالمرض والبرص، فقال: السوء: كل داء معضل من جذام أو برص، أو غير ذلك.]].

وهذا مما فسرناه في سورة طه [22] (٥) قوله: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ قال أبو إسحاق: (في) من صلة قوله: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ ﴾ والتأويل: وأظهر هاتين الآيتين ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ والمعنى من تسع آيات.

كما تقول: خذ لي عشرة من الإبل فيها فحلان؛ والمعنى: منها فحلان (٦) وفسر الآيات التسع في سورة بني إسرائيل [[ليس في سورة بني إسرائيل تفصيل الآيات التسع، وإنما فيها ذكر العدد جملة، في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ  ﴾ قال الواحدي في تفسير هذه الآية: اختلفوا في الآيات التسع مع اتفاقهم أن منها: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، فهذه خمس، وأما الأربعة الباقية، فروى قتادة عن ابن عباس قال: هي يده البيضاء عن غير سوء، وعصاه إذا ألقاها، وما ذكر في قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ \[الاعراف 130\] قال: ﴿ السِّنِينَ ﴾ لأهل البوادي حتى هلكت مواشيهم ﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ لأهل القرى، وهاتان آيتان، ونحو هذا روى أبو صالح وعكرمة، وهذا قول مجاهد، وقال محمد بن كعب القرظي بدل السنين ونقص من الثمرات فلق البحر والطمس ==وهي أن الله تعالى مسخ أموالهم حجارة من النخل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير، وهذا الذي ذكرنا أجود ما قيل في تفسير الآيات.

"البسيط" 3/ 165 ب، النسخة الأزهرية.

ويعني بالطمس قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ  ﴾ .

ومن جعل الآية التاسعة: الطمس، أو: نقص الثمرات، فلا تعارض بينهما، لما في ذلك من التلازم، والله أعلم.]].

وقوله: ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ قال الفراء: (إِلَى) من صلة الإرسال والبعث، المعنى: مرسلًا إلى فرعون أو مبعوثًا، فترك ذكر الإرسال والبعث؛ لأن شأن موسى في أنه كان مبعوثًا إلى فرعون معروف (٧) (١) أخرجه ابن جرير 138/ 19.

(٢) "تفسير مقاتل" 57 أ.

(٣) أخرجه ابن جرير 19/ 138، عن مجاهد.

وكذا ابن أبي حاتم 9/ 2850، وأخرج نحوه عن ابن عباس.

قال الزجاج 4/ 110: وجاء أيضًا أنه كانت عليه مدرعة صوف بغير كُمين.

وذكره الثعلبي 8/ 121 ب.

(٤) "تهذيب اللغة" 11/ 218 (جاب)، وفيه: يقال: جِبتُ القميص وجُبته.

وذكره الواحدي في: الوسيط 3/ 370.

وكذا ابن الجوزي 6/ 158.

أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2850، عن السدي: الجيب جيب القميص.

قال ابن عطية 11/ 178: الجيب: الفتح في الثوب لرأس الإنسان.

(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ﴾ من غير برص في قول جميع المفسرين.

قال الليث: ويكنى بالسوء عن اسم البرص.

وقال أبو عمرو: ﴿ سُوءٍ ﴾ أي: برص.

وقال المبرد: السوء إذا أطلق فهو البرص، وإذا وصلوه بشيء فهو كل ما يسوء، والأغلب عند العرب من الأدواء: البرص.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 110.

وذكره السمرقندي 2/ 490، ولم ينسبه.

و"تفسير الوجيز" 2/ 800.

وهو قول ابن كثير 6/ 180.

قال الهواري 3/ 248: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ أي: مع تسع آيات.

وذكر ذلك ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 217، و"غريب القرآن" 323، ولم ينسبه.

وهو قول الثعلبي 8/ 122 أ.

وأما ابن جرير، فقد جعل: في، على ظاهرها فقال 19/ 139: فهي آية في تسع آيات مرسل أنت بهن إلى فرعون.

ولم يذكر غير هذا القول.

واستحسنه النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 201.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 288، بمعناه.

وكذا ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 217.

وذكره أبو علي، "الإيضاح العضدي" 1/ 265.

وكذا الثعلبي 8/ 122 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ هذه الجملة معطوفة على قوله: ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار ﴾ ، لأن المعنى يؤدي إلى أن: ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار ﴾ ، وأن ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ وكلاهما تفسير للنداء ﴿ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾ الجان: الحية، وقيل: الحية الصغيرة، وعلى هذا يشكل قوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ ﴾ [الأعراف: 107، الشعراء: 32]، والجواب أنها ثعبان في جِرْمها، جانٌ في سرعة حركتها ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ لم يرجع أو لم يلتفت ﴿ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ استثناء منقطع تقديره: لكن من ظلم من سائر الناس، لا من المرسلين، وقيل: إنه متصل على القول بتجويز الذنوب عليهم، وهذا بعيد؛ لأن الصحيح عصمتهم من الذنوب، وأيضاً فإن تسميتهم ظالمين شنيع على القول بتجويز الذنوب عليهم ﴿ بَدَّلَ حُسْناً ﴾ أي عمل صالحاً ﴿ فِي جَيْبِكَ ﴾ ذكر في [طه: 22] ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ متصل بقوله: ألق وأدخل، تقديره: نسير لك في جملة تسع آيات، وقد ذكرت الآيات التسع في [الإسراء: 101] ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ متعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام تقديره: اذهب بالآيات التسع إلى فرعون ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ أي ظاهرة واضحة الدلالة، وأسند الإبصار لها مجازاً، وهو في الحقيقة لمتأملها ﴿ واستيقنتهآ ﴾ يعني أنهم جحدوا بها مع أنهم تيقنوا أنها الحق فكفرهم عناد، ولذلك قال فيه: ﴿ ظُلْماً ﴾ .

والواو فيه واو الحال، وأضمرت بعدها قد عَلَوْا يعني تكبروا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني آنست ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ بشهاب ﴾ منوناً على أن قبساً وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة: عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس.

الباقون بالإضافة ﴿ من في النار ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وابي حمدون وحمدويه وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد وكذلك في "القصص".

الوقوف: ﴿ طس ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ هدى ﴾ حال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ أو هو مرفوع بدلاً من ﴿ الآيات ﴾ أو خبراً بعد خبر وإن كان التقدير هي هدى به فلك الوقف ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ط تنصيصاً على أن ﴿ أولئك ﴾ مبتدأ مستأنف ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه ﴿ تصطلون ﴾ ﴿ حولها ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه لا للعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء ﴿ عصاك ﴾ ط للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت ﴿ ولم يعقب ﴾ ط لابتداء النداء ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن "إلاّ" إن كان بمعنى "لكن" فالاستدراك يوجب الوصل أيضاً.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وقومه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ج ه للآية والعطف ﴿ وعلواً ﴾ ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي فأغرقناهم ﴿ المفسدين ﴾ ه.

التفسير: تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك مصدق لما بين يديه وكتاب مبين.

فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل كائن، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير.

فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يفخى، ولأن الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما ههنا وبين ما في أول "الحجر".

ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم بالثواب.

قال جار الله: يحتمل أن يكون قوله ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ من تتمة الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل: وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل عليهم متاعب التكاليف.

وأقول: إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم المبتدأ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال، وهذه إشارة إلى وسط.

ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق.

وفيه أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقناً بأحوال المعاد لا شاكاً فيها، آتياً بالطاعات للاحتياط قائلاً: إن كنت مصيباً فيها فقد نلت السعادة وإن كنت مخطئاً فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة.

ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة، وأما المعتزلة فتأولوه بوجوه منها: أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك أعمالهم.

ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات.

ولا ريب أن إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم  ﴾ ملابسة ظاهرة للتزيين.

ومنها أنه أراد زيناً لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك أن بينا لهم حسنه وما لهم فيه من الثواب ﴿ فهم يعمهون ﴾ يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن ﴿ لهم سوء العذاب ﴾ أي القتل والأسر كيوم بدر.

ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من الأخبار العجيبة فقال ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لتؤتاه وتلقنه من عند أيّ حكيم وأيّ عليم.

و ﴿ إذ قال ﴾ منصوب بـ ﴿ عليم ﴾ أو باذكر كأنه قيل: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى العجيبة الشأن.

والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله.

وفي قوله ﴿ سآتيكم ﴾ مع قوله في "طه" و "القصص" ﴿ لعلي آتيكم  ﴾ دليل على أنه كان قوي الرجاء إلا أنه كان يجوّز النقيض، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن أبطأ لبعد المسافة أو غيره.

قالوا: في "أو" دليل على أنه جزم بوجدان أحد الأمرين ثقة بعناية الله  أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة بقوله ﴿ فلما جاءها ﴾ وقد قال في "طه" و"القصص" ﴿ فلما أتاها  ﴾ ﴿ نودي ﴾ لأنه كرر لفظ ﴿ آتيكم ﴾ ههنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق مرة أخرى.

و ﴿ أن ﴾ مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان "قد" في فعلها.

قال جار الله: معنى ﴿ بورك من في النار ﴾ بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص ﴿ نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة  ﴾ وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه.

وقيل: معنى بورك تبارك، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله  مروي عن ابن عباس.

وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله، ومن حولها الملائكة.

وقال الجبائي: ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة وهي الشأم فكانت الشجرة محلاً للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها، ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة.

وقيل: من في النار هو موسى لقربه منها، ومن حولها الملائكة.

وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشأم.

وفي قوله ﴿ وسبحان الله رب العالمين ﴾ تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين.

والهاء في ﴿ إنه ﴾ إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم ﴿ انا ﴾ وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافاً ولا عبثاً.

وقوله ﴿ وألق عصاك ﴾ معطوف على ﴿ بورك ﴾ وكلاهما تفسير ﴿ نودي ﴾ والمعنى: قيل له بورك وألق: ومعنى ﴿ لم يعقب ﴾ لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد الفر.

وإنما اقتصر ههنا على قوله ﴿ لا تخف ﴾ ولم يضف إليه أقبل كما في "القصص" لأنه أراد أن يبني عليه قوله ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون ﴾ وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم.

ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول "البقرة".

وفي الآية لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله ﴿ أني لا يخاف لديّ المرسلون ﴾ إلى أن موسى قد جعل رسولاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ إلا من ظلم ﴾ إلى ما وجد من موسى في حق القبطي، وبقوله ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى ﴿ رب إِنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي  ﴾ وقرئ "الا" بحرف التنبيه.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ ثم بدل ﴾ معطوفاً على ﴿ ظلم ﴾ إلى أن النبي المرسل بدّل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعاً عن الكلام ضائعاً، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفاً أيضاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضاً بسبب غفرانه ورحمته، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: هو البدر إلا أنه البحر زاخر *** وكقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صواباً إن شاء العزيز.

قوله ﴿ وأدخل يدك ﴾ وفي "القصص" ﴿ اسلك يدك  ﴾ موافقة لأضمم ولأن المبالغة في ﴿ أدخل ﴾ أكثر منها في ﴿ أسلك ﴾ لأن سلك لازم ومتعد.

وهناك قال ﴿ فذانك برهانان  ﴾ وههنا قال ﴿ في تسع آيات ﴾ وكان أبلغ في العدد فناسب الأبلغ في اللفظ.

قال النحويون: متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع آيات.

أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن، اذهب إلى فرعون.

وتفسير التسع قد مر في آخر "سبحان" وإنما قال ههنا ﴿ إلى فرعون وقومه ﴾ دون أن يقول ﴿ وملئه  ﴾ كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ههنا بقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ إلى قوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ينبئ عن المدح.

ومعنى ﴿ مبصرة ﴾ ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي، ويجوز أن يكون الإِبصار مجازاً باعتبار إبصار صاحبها وهو كل ذي عقل أو فرعون وقومه.

والواو في ﴿ واستيقنتها ﴾ للحال وقد مضمرة وفي زيادة ﴿ انفسهم ﴾ إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان.

وقوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ أي كبراً وترفعاً مفعول لأجلهما.

وقرئ ﴿ مبصرة ﴾ بفتح الميم نحو "مبخلة" قرأها علي بن السحين وقتادة والله أعلم.

التأويل: طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره ﴿ وكتاب مبين ﴾ فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال ﴿ هدى وبشرى للمؤمنين ﴾ بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين ﴿ زيناً لهم أعمالهم ﴾ الدنيوية النفسانية ﴿ فهم يعمهون ﴾ لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان اصم وأبكم ولهذا قال  "حبك للشيء يعمي ويصم" فيُحب الدنيا صمت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللداني والنطق به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحاً إذا ربح المولى.

وجد أبو زيد في البادية قحفاً مكتوباً عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال: هذا رأس صوفي.

وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي  بقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لا من عند جبريل بل ﴿ من لدن حكيم ﴾ تجلى لقلبك بحكمة القرآن ﴿ عليم ﴾ يعلم حيث يجعل رسالته.

ثم ضرب مثالاً لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة (قال لأهله) وهم النفس وصفاتها ﴿ إني آنست ناراً ﴾ بوادي أيمن السر ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ بتلك النار عن جمود الطبيعة ﴿ فلما جاءها ﴾ على قدمي الشوق وصدق الطلب ﴿ نودي ﴾ من الشجرة الروحانية ﴿ أن بورك من في ﴾ نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴿ ومن حولها ﴾ كالفراش يريد أن يقع فيها و ﴿ ألق ﴾ عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة ﴿ ولى مدبراً ﴾ هارباً إلى الله ﴿ ولم يعقب ﴾ لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي بـ ﴿ لا تخف ﴾ فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والالطاف لا تخاف سوى الله ﴿ إلاَّ من ظلم ﴾ نفسه بالرجوع إلى الغير ﴿ وأدخل ﴾ يد همتك في جيب قناعتك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية من لوث الدارين ﴿ في تسع آيات ﴾ من أسباب هلاك النفس وصفاتها ﴿ فانظر كيف كان عاقبة ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : قيل: رأيت وأبصرت.

﴿ سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى  ﴾ ، هذا يدل أنه كان ضل الطريق على ما ذكره أهل التأويل، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ ، ذكر على التقديم والتأخير على اختلاف الألفاظ والحروف، والقصة واحدة، والممتحن بذلك موسى لا غير؛ فهذا يدل أن ليس على الناس تكلف حفظ الألفاظ والحروف بلا تقديم ولا تأخير ولا تغيير، بعد أن أصابوا المعنى المودع فيها - أعني: في الألفاظ - وحفظوها من غير تغيير يدخل في المعنى المودع؛ إذ قصة موسى هذه وغيرها من قصص الأنبياء - عليهم السلام - ذكرت في الكتاب في التقديم والتأخير على اختلاف الألفاظ والحروف فدل: أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف في كثير من الأحكام في الشهادات والأخبار وغيرها، وإنما عليهم إصابة المعنى.

ثم قوله: ﴿ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ قال بعضهم: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والقبس: النار وشهبان: جمع، ولا تسمى النار: قبسا إلا ما يحمل من موضع إلى موضع، يقال: قبست النار قبسا واقتبست؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.

وقال بعضهم: القبس: الجمر، والشهاب: النار الموقدة: وهو قول أبي عبيدة.

وقال بعضهم: الشهاب: النور، والشهاب: الكواكب، سمي: شهاباً لضوءه.

وقال بعضهم: ﴿ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ أي: شعلة من نار، والجذوة: كأنها خشبة فيها نار؛ وهو مثل الأول.

ودل قوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ على أن الوقت وقت البرد وأيام الشتاء؛ حيث ذكر الاصطلاء وهو الاستدفاء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ : اضطربت أقاويل أهل التأويل في هذا.

صرف بعضهم تأويله إلى (ما) لا يزيده إلى سماجة وبعداً عن الحق والصواب وعمى، لكن لو جاز أن يعبر ويكنى بحرف (من) عن غير مميز وغير ذي فهم وعقل، لاستقام التأويل فيه ولم يقع فيه شبهة؛ فيجعل كأنه قال: أن بورك ما فيه من النار وما حولها، ويكون عبارة عن المكان الذي فيه النار وما حولها من الأمكنة، أي: بورك في ذلك المكان الذي فيه النار وما حولها؛ لأنه قال له في آية أخرى: ﴿ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى  ﴾ أي: طوي فيه البركات.

وقال في آية: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ عن بركة ذلك المكان؛ فعلى ذلك لو جاز أن يعبر بحرف (من) عن غير المميز والفهم، ويكنى به - جاز صرف التأويل إلى ما ذكرنا من المكان.

أو يقال: ﴿ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ ، أي: بورك ما في النار من النور وما حول ذلك، وما يستنار به ويستضاء، وهو ما استفاد به من النبوة والرسالة.

هذا كله إذا جازت العبارة والكناية بحرف (من) عن غير ذي التمييز والفهم، فإن جاز هذا لاستقام أن يقال: هذا.

أو أن يكون التأويل منصرفاً إلى ما ذكره في حرف ابن مسعود وأبي على طرح حرف (من) وحرف (في) ذكر: أن في حرفهما: ﴿ نودي أن بوركت النار ومن حولها ﴾ ، وذلك جائز في اللغة أن يقال: بورك في فلان وبورك فلانٌ وبوركت وبورك فيك؛ وكذلك ذكر عن الكسائي أنه قال ذلك، فإن كان ما ذكر عن ابن مسعود وأبيّ ثابتاً صحيحاً - لم يقع فيه شبهة ولا ريب.

أو إن لم يجز العبارة بحرف (من) عن غير ذي التمييز، فجائز أن يصرف حرف (من) إلى موسى؛ فيكون كأنه قال: بورك في الذي أتى النار وهو موسى، أو بورك فيمن جعل له اقتباس النار؛ فينصرف تأويل (من) إلى موسى، وقد جعل له من البركة في تلك النار ما لا يحصى من استفادة النبوة والإرشاد إلى الطريق والاصطلاء وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - تنزيهاً عن جميع ما قاله بعض أهل التأويل؛ تبرئة منه عن ذلك كله من نحو مقاتل، ومن قال بمثل قوله مما يؤدي إلى التشبيه والشبه.

وقوله: ﴿ يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : أي: الذي أعطاك ذلك الله العزيز الحكيم.

أو يقول: إن الذي جعل لك ذلك الله العزيز الحكيم.

أو أن يقول: إنه الذي أراك هذا وأكرمك به أنا الله العزيز الحكيم.

أو أن يقول: إن الذي أراك - أي: الذي جعل لك ذلك - الله العزيز الحكيم؛ العزيز: الذي لا يعجزه شيء، الحكيم: المصيب في فعله غير مخطئ، أو أن يقال: عزيز لا يذل أبداً قط؛ لأنه عزيز بذاته، الحكيم: يضع كل شيء موضعه لا يخطئ.

قال أبو معاذ: قال مقاتل بن سليمان: إنه يقول: يا موسى، إن النور الذي رأيت أنا الله، وهذا محال لا وجه له؛ لأنك لا تقول: "إن الذي رأيت أنا" لإنسان رآه أو لشيء رآه، ولكن تقول: أنا الذي رأيت.

ومحال - أيضاً - قوله؛ لما ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ نودي يا موسى لا تخف ﴾ يكلمه الله ويخاطبه ثم يقول: إن النور الذي رأيت أنا.

ومحال - أيضاً - لقول الله: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ  ﴾ ، قال الله: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا  ﴾ ، ولم يقل: أتاه.

ومحال أيضاً -: أن يكون الله نعتاً؛ لأنك لا تقول بأن الذي رأيت أنا أخوك.

فقال: قول مقاتل محال من أربعة أوجه خلافاً لظاهر الآية، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ : في الآية الأمر بإلقاء العصا، ولم يذكر أنه ألقاها، ولكن فيه: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ فألقاها، ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ ، أي: تتحرك كأنها جان.

ذكر أهل التأويل أن الجان هي الحية الصغيرة ليست بعظيمة.

لكنه أخبر أن موسى خافها وولى مدبرا، وموسى لا يحتمل أن يخاف من حية صغيرة على الوصف الذي ذكر، فكأنها كانت عظيمة لكنها في تحركها والتوائها كأنها صغيرة؛ إذ الحية العظيمة الكبيرة لا تقدر على التحرك والالتواء كالصغيرة؛ لذلك خافها موسى، حتى نهاه الله عن ذلك وقال له: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ : قال بعضهم: لم يرجع.

وقال بعضهم: لم يلتفت، وهو مأخوذ من العقب.

والجان: قال بعضهم: من الجنّ، والجانّ: الحية، ولا تكون إلا من الجن.

وقول أبي عبيدة: وقوله: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ فإن قيل: كيف نهاه عن الخوف، وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون، وقد مدح الله الملائكة وغيرهم من الخلائق بالخوف من ربهم؛ حيث قال: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ ، و ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً  ﴾ ، وأمثال ذلك من الآيات مما فيها مدحهم بالخوف من ربهم؟

لكنه يخرج على وجوه: أحدها: أنه قد أمن موسى حيث قال: ﴿ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ  ﴾ ؛ فكأنه قال هاهنا: لا تخف بعدما أمنتك؛ ﴿ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ إذا أمنتهم.

والثاني: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ من غيري؛ ﴿ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ من غيري؛ فكأنه قال - والله أعلم - على هذا التأويل: إنما نهاه عن الخوف من غيره، وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون.

والثالث: أخبر أنه أمنه من خوف الآخرة وأهوالها؛ كأنه قال: لا تخف فإني سأؤمن المرسلين من خوف يومئذ.

ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ ﴾ : هذا - أيضاً - يخرج على وجوه: أحدها: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم إذا بدل حسنا بعده سوء.

والثاني: لا يخاف لدي المرسلون، ولكن من ظلم ممن سواهم ثم بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم، رجاء المغفرة وطمع العفو عما كان منه.

والثالث: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم منهم؛ نحو: موسى بقتله النفس، وإخوة يوسف، ثم بدل حسنا وتاب عن ذلك - فإنه يخاف أيضاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : فالله  قادر أن يجعل يده بيضاء من غير إدخاله إياها في جيبه، لكنه امتحن موسى بالأمر بإدخالها في جيبه؛ وكذلك قادر أن يصير عصاه في يده حية، لكنه امتحن بالأمر بإلقائها، ولله أن يمتحن عباده بكل أنواع المحن.

وقوله: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : قيل: من غير آفة من برص أو غيره، وقد ذكرنا معناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ : قال بعضهم: موسى من تسع آيات، وقد يجوز استعمال حرف في مكان من كما يقال: لفلان كذا كذا نوقاً فيها فحلان، أي: منها فحلان.

وقال بعضهم: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ : قال أبو معاذ: قد يكون معنى (في) و(مع) واحداً فيما لا يحصى عدده، تقول: (خرجت في أهل مرو إلى مكة)، و(مع أهل مرو إلى مكة)، فإذا قلت: (خرجت في تسعة) اختلفا؛ لأنك أحصيت العد في تسعة أنت تاسعهم، و(مع تسعة) أنت عاشرهم.

وقال بعضهم: هو على الانقطاع من الأول؛ كأنه قال لرسوله محمد: ولقد بعثنا موسى في تسع آيات إلى فرعون؛ كما قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ : دل هذا أنه كان مبعوثاً إلى فرعون وقومه جميعاً؛ إذ ذكر في آية إلى فرعون خاصة، وفي آية أخرى: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ  ﴾ ، وذكر هاهنا ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ فكان مبعوثاً إلى الكل.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ﴾ أي: يبصر بها ويعلم، كقوله: ﴿ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً  ﴾ أي: يبصر به.

وقرأ بعضهم: ﴿ مبصَرة ﴾ بنصب الصاد، أي: بينة ظاهرة يبصر فيها؛ وكذلك قال موسى لفرعون: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ  ﴾ .

وقالوا: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ : لم يزل عادة فرعون اللعين تلبيس أمر موسى وآياته على قومه؛ لئلا يؤمنوا به ولا يطيعوه فيما يدعوهم؛ مرة قال: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، و ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ  يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ ، وأمثال ذلك مما يلبس على قومه أمره ويغويهم عليه؛ لئلا يطيعوه فيما يدعوهم إليه ولا يجيبوه.

وقوله: ﴿ وَجَحَدُواْ ﴾ بالآيات: جائز في اللغة أن يقال: (جحد بها) و(جحدها)؛ كلاهما واحد.

ثم قال بعضهم: إن الجحود لا يكون إلا بعد العلم به والإيقان.

ولكن يجوز أن يقال: جحد بعد المعرفة والعلم، وقبل أن يعلم به ويعرف؛ إذ الجحود ليس إلا الإنكار، وقد يكون الإنكار للشيء للجهل به وبعد المعرفة.

وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة جحدوا بها ظلماً وعلوا.

﴿ وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ﴾ : أنها من الله، وأنها آياته، ليست بسحر، ولو كان سحرا في الحقيقة لكان آية؛ لأن السحر على غير تعلم يكون منه آية سماوية.

وقوله: ﴿ ظُلْماً ﴾ : لأنهم جحدوا الآيات وسموها سحرا، فوضعوا الآيات موضع السحر، لم يضعوها موضعها، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.

وقوله: ﴿ وَعُلُوّاً ﴾ أي: تكبرا وعنادا.

﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : ليس على الأمر له بالنظر في ذلك، ولكن على تنبيه أولئك، والزجر لهم عما هم فيه، أي: انظر ما ينزل بهم لجحود الآيات وعنادهم فيها على ما نزل بأوائلهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأدخل يدك في فتحة قميصك مما يلي الرقبة تخرج بعد إدخالك لها بيضاء مثل الثلج من غير برص، ضمن تسع آيات تشهد بصدقك -هي مع اليد: العصا، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم- إلى فرعون وقومه، إنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله بالكفر به.

<div class="verse-tafsir" id="91.W4jev"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده