الآية ١٨ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ١٨ من سورة النمل

حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌۭ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُوا۟ مَسَـٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٨ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( حتى إذا أتوا على وادي النمل ) أي : حتى إذا مر سليمان ، عليه السلام ، بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل ، ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ) .

أورد ابن عساكر ، من طريق إسحاق بن بشر ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن : أن اسم هذه النملة حرس ، وأنها من قبيلة يقال لهم : بنو الشيصان ، وأنها كانت عرجاء ، وكانت بقدر الذيب .

أي : خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها ، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنها ففهم ذلك سليمان ، عليه السلام ، منها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني تعالى ذكره بقوله: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ ) حتى إذا أتى سليمان وجنوده على وادي النمل (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ) يقول: لا يكسرنكم ويقتلنكم سليمان وجنوده (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) يقول: وهم لا يعلمون أنهم يحطمونكم.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن ويحيى, قالا ثنا سفيان, عن الأعمش, عن رجل يقال له الحكم, عن عوف في قوله: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ) قال: كان نمل سليمان بن داود مثل الذباب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : حتى إذا أتوا على وادي النمل قال قتادة : ذكر لنا أنه واد بأرض الشام .

وقال كعب : هو بالطائف .

قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا قال الشعبي : كان للنملة جناحان فصارت من الطير ، فلذلك علم منطقها ولولا ذلك لما علمه .

وقد مضى هذا ويأتي .

وقرأ سليمان التيمي بمكة : ( نملة ) و ( النمل ) بفتح النون وضم الميم .

وعنه أيضا ضمهما جميعا .

وسميت النملة نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قرارها .

قال كعب : مر سليمان عليه السلام بوادي السدير من أودية الطائف ، فأتى على وادي النمل ، فقامت نملة تمشي وهي عرجاء تتكاوس مثل الذئب في العظم ; فنادت : يا أيها النمل الآية .

الزمخشري : سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال ، وكانت تمشي وهي عرجاء تتكاوس ; وقيل : كان اسمها طاخية .

وقال السهيلي : ذكروا اسم النملة المكلمة لسليمان عليه السلام ، وقالوا اسمها حرميا ، ولا أدري كيف يتصور للنملة اسم علم والنمل لا يسمي بعضهم بعضا ، ولا الآدميون يمكنهم تسمية واحدة منهم باسم علم ، لأنه لا يتميز للآدميين بعضهم من بعض ، ولا هم أيضا واقعون تحت ملكة بني آدم كالخيل والكلاب ونحوها ، فإن العلمية فيما كان كذلك موجودة عند العرب .

فإن قلت : إن العلمية موجودة في الأجناس كثعالة وأسامة وجعار وقثام في الضبع ، ونحو هذا كثير ; فليس اسم النملة من هذا ; لأنهم زعموا أنه اسم علم لنملة واحدة معينة من بين سائر النمل ، وثعالة ونحوه لا يختص بواحد من الجنس ، بل كل واحد رأيته من ذلك الجنس فهو ثعالة ، وكذلك أسامة وابن آوى وابن عرس وما أشبه ذلك .

فإن صح ما قالوه فله وجه ، وهو أن تكون هذه النملة الناطقة قد سميت بهذا الاسم في التوراة أو في الزبور أو في بعض الصحف سماها الله تعالى بهذا الاسم ، وعرفها به الأنبياء قبل سليمان أو بعضهم .

وخصت بالتسمية لنطقها وإيمانها فهذا وجه .

ومعنى قولنا بإيمانها أنها قالت للنمل : لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فقولها : وهم لا يشعرون التفاتة مؤمن .

أي [ ص: 159 ] من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بألا يشعروا .

وقد قيل : إن تبسم سليمان سرور بهذه الكلمة منها ; ولذلك أكد التبسم بقوله : ضاحكا إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا ، ألا تراهم يقولون تبسم تبسم الغضبان وتبسم تبسم المستهزئين .

وتبسم الضحك إنما هو عن سرور ، ولا يسر نبي بأمر دنيا ; وإنما سر بما كان من أمر الآخرة والدين .

وقولها : وهم لا يشعرون إشارة إلى الدين والعدل والرأفة .

ونظير قول النملة في جند سليمان : وهم لا يشعرون قول الله تعالى في جند محمد صلى الله عليه وسلم : فتصيبكم منهم معرة بغير علم .

التفاتا إلى أنهم لا يقصدون هدر مؤمن .

إلا أن المثني على جند سليمان هي النملة بإذن الله تعالى ، والمثني على جند محمد صلى الله عليه وسلم هو الله عز وجل بنفسه ; لما لجنود محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل على جند غيره من الأنبياء ; كما لمحمد صلى الله عليه وسلم فضل على جميع النبيين صلى الله عليهم وسلم أجمعين .

وقرأ شهر بن حوشب : ( مسكنكم ) بسكون السين على الإفراد .

وفي مصحف أبي ( مساكنكن لا يحطمنكم ) .

وقرأ سليمان التيمي : ( مساكنكم لا يحطمنكن ) ذكره النحاس ; أي لا يكسرنكم بوطئهم عليكم وهم لا يعلمون بكم قال المهدوي : وأفهم الله تعالى النملة هذا لتكون معجزة لسليمان .

وقال وهب : أمر الله تعالى الريح ألا يتكلم أحد بشيء إلا طرحته في سمع سليمان ; بسبب أن الشياطين أرادت كيده .

وقد قيل : إن هذا الوادي كان ببلاد اليمن وأنها كانت نملة صغيرة مثل النمل المعتاد قاله الكلبي .

وقال نوف الشامي وشقيق بن سلمة : كان نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظم .

وقال بريدة الأسلمي : كهيئة النعاج .

قال محمد بن علي الترمذي : فإن كان على هذه الخلقة فلها صوت ، وإنما افتقد صوت النمل لصغر خلقها ، وإلا فالأصوات في الطيور والبهائم كائنة ، وذلك منطقهم ، وفي تلك المناطق معاني التسبيح وغير ذلك ، وهو قوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .قلت : وقوله : لا يحطمنكم يدل على صحة قول الكلبي ; إذ لو كانت كهيئة الذئاب والنعاج لما حطمت بالوطء ; والله أعلم .

وقال : ادخلوا مساكنكم فجاء على خطاب الآدميين لأن النمل هاهنا أجري مجرى الآدميين حين نطق كما ينطق الآدميون .

قال أبو إسحاق الثعلبي : ورأيت في بعض الكتب أن سليمان قال لها لم حذرت النمل ؟

أخفت ظلمي ؟

أما [ ص: 160 ] علمت أني نبي عدل ؟

فلم قلت : يحطمنكم سليمان وجنوده فقالت النملة : أما سمعت قولي : وهم لا يشعرون مع أني لم أرد حطم النفوس ، وإنما أردت حطم القلوب خشية أن يتمنين مثل ما أعطيت ، أو يفتتن بالدنيا ، ويشغلن بالنظر إلى ملكك عن التسبيح والذكر .

فقال لها سليمان : عظيني .

فقالت النملة : أما علمت لم سمي أبوك داود ؟

قال : لا .

قالت : لأنه داوى جراحة فؤاده ; هل علمت لم سميت سليمان ؟

قال : لا .

قالت : لأنك سليم الناحية على ما أوتيته بسلامة صدرك ، وإن لك أن تلحق بأبيك .

ثم قالت : أتدري لم سخر الله لك الريح ؟

قال : لا .

قالت : أخبرك أن الدنيا كلها ريح .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ منبهة لرفقتها وبني جنسها: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فنصحت هذه النملة وأسمعت النمل إما بنفسها ويكون الله قد أعطى النمل أسماعا خارقة للعادة، لأن التنبيه للنمل الذي قد ملأ الوادي بصوت نملة واحدة من أعجب العجائب.

وإما بأنها أخبرت من حولها من النمل ثم سرى الخبر من بعضهن لبعض حتى بلغ الجميع وأمرتهن بالحذر، والطريق في ذلك وهو دخول مساكنهن.

وعرفت حالة سليمان وجنوده وعظمة سلطانه، واعتذرت عنهم أنهم إن حطموكم فليس عن قصد منهم ولا شعور، فسمع سليمان عليه الصلاة والسلام قولها وفهمه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( حتى إذا أتوا على وادي النمل ) روي عن وهب بن منبه عن كعب قال : كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه ، وقد اتخذ مطابخ ومخابز يحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام ، يسع كل قدر عشر جزائر وقد اتخذ ميادين للدواب أمامه ، فيطبخ الطباخون ، ويخبز الخبازون ، وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض ، والريح تهوي بهم ، فسار من اصطخر إلى اليمن فسلك مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال سليمان : هذه دار هجرة نبي في آخر الزمان ، طوبى لمن آمن به وطوبى لمن اتبعه ، ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله فلما جاوز سليمان البيت بكى البيت ، فأوحى الله إلى البيت ما يبكيك ؟

فقال : يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك وقوم من أوليائك مروا علي فلم يهبطوا ولم يصلوا عندي ، والأصنام تعبد حولي من دونك فأوحى الله إليه أن لا تبك ، فإني سوف أملؤك وجوها سجدا ، وأنزل فيك قرآنا جديدا وأبعث منك نبيا في آخر الزمان أحب أنبيائي إلي ، وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني ، وأفرض على عبادي فريضة يذفون إليك ذفيف النسور إلى وكرها ، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها ، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين ثم مضى سليمان حتى مر بوادي السدير واد من الطائف ، فأتى على وادي النمل ، هكذا قال كعب : إنه واد بالطائف .

وقال قتادة ومقاتل : هو أرض بالشام .

وقيل : واد كان يسكنه الجن ، وأولئك النمل مراكبهم وقال نوف الحميري : كان نمل ذلك الوادي أمثال الذباب .

وقيل : كالبخاتي .

والمشهور : أنه النمل الصغير .

وقال الشعبي : كانت تلك النملة ذات جناحين .

وقيل : كانت نملة عرجاء فنادت : ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) ولم تقل : ادخلن ، لأنه لما جعل لهم قولا كالآدميين خوطبوا بخطاب الآدميين ) ( لا يحطمنكم ) لا يكسرنكم ) ( سليمان وجنوده ) والحطم الكسر ) ( وهم لا يشعرون ) فسمع سليمان قولها ، وكان لا يتكلم خلق إلا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان .

قال مقاتل : سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال .

قال الضحاك : كان اسم تلك النملة طاحية ، قال مقاتل : كان اسمها جرمى .

فإن قيل : كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وكانت الريح تحمل سليمان وجنوده على بساط بين السماء والأرض ؟

قيل : كان جنوده ركبانا وفيهم مشاة على الأرض تطوى لهم .

وقيل : يحتمل أن يكون هذا قبل تسخير الله الريح لسليمان .

قال أهل التفسير : علم النمل أن سليمان نبي ليس فيه جبرية ولا ظلم .

ومعنى الآية : أنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطؤوكم ولم يشعروا بكم .

ويروى أن سليمان لما بلغ وادي النمل حبس جنوده حتى دخل النمل بيوتهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«حتى إذا أتوْا على وادِ النمل» هو بالطائف أو بالشام، نمله صغار أو كبار «قالت نملة» ملكة النمل وقد رأت جند سليمان «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم» يكسرنكم «سليمان وجنوده وهم لا يشعرون» نزل النمل منزلة العقلاء في الخطاب بخطابهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حتى إذا بلغوا وادي النمل قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يهلكنَّكم سليمان وجنوده، وهم لا يعلمون بذلك.

فتبسم ضاحكًا من قول هذه النملة لفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل، واستشعر نعمة الله عليه، فتوجَّه إليه داعيًا: ربِّ ألْهِمْني، ووفقني، أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ، وأن أعمل عملا صالحًا ترضاه مني، وأدخلني برحمتك في نعيم جنتك مع عبادك الصالحين الذين ارتضيت أعمالهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما قالته نملة عندما رأت هذا الجيس العظيم المنظم ، فقال - تعالى - : ( حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) .و ( حتى ) هنا ابتدائية .

أى : يبتدأ بها الكلام ، وقوله ( قَالَتْ نَمْلَةٌ ) جواب إذا .وقوله : ( لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ) من الحطم ، وأصله : كسر الشىء .

.

يقال : حطم فلان الشىء إذا كسره ، والمراد به هنا : الإهلاك والقتل .والمعنى : وحشر لسليمان جنوده ، فسار هؤلاء الجنود فى قوة ونظام ، ( حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل ) أى : على مكان يعيش فيه النمل فى مملكة سليمان ( قَالَتْ نَمْلَةٌ ) على سبيل النصح والتحذير بعد أن رأت سليمان وجنوده : ( ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ ) أى : ادخلوا أماكن سكناكم ، وابتعدوا عن طريق هذا الجيش الكبير ، وانجوا بأنفسكم ، كى لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عدى ( أَتَوْا ) بعلى؟

قلت : يتوجه على معنين : أحدهما : أن إتيانهم كان من فوق ، فأتى بحرف الاستعلاء .

.

.

والثانى : أن يراد قطع الوادى وبلوغ آخره ، من قولهم أتى على الشىء إذا أنفذه وبلغ آخره .

.

.فإن قلت : ( لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ) ما هو؟

قلت : يحتمل أن يكون جواباً للأمر ، وأن يكون نهيا بدلاً من الأمر .

والذى جوز أن يكون بدلاً منه : أنه فى معنى : لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم ، على طريقة : لاأرينك ههنا " .أى : لا تحضر ها هنا بحيث أراك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الثانية: قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام: أما قوله تعالى: ﴿ عِلْمًا ﴾ فالمراد طائفة من العلم أو علماً سنياً (عزيزاً)، فإن قيل أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك أعطيته فشكر (ومنعته فصبر)؟

جوابه: أن الشكر باللسان إنما يحسن موقعه إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات، ولما كان الشكر باللسان يجب كونه مسبوقاً بهما فلا جرم صار كأنه قال: ولقد آتيناهما علماً، فعملا به قلباً وقالباً، وقالا باللسان الحمد لله الذي فعل كذا وكذا.

وأما قوله تعالى: ﴿ الحمد الله الذي فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ المؤمنين ﴾ ففيها أبحاث: أحدها: أن الكثير المفضل عليه هو من لم يؤت علماً أو من لم يؤت مثل علمهما، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير.

وثانيها: في الآية دليل على علو مرتبة العلم لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم.

وثالثها: أنهم لم يفضلوا أنفسهم على الكل وذلك يدل على حسن التواضع.

ورابعها: أن الظاهر يقتضي أن تلك الفضيلة ليست إلا ذلك العلم، ثم العلم بالله وبصفاته أشرف من غيره، فوجب أن يكون هذا الشكر ليس إلا على هذا العلم، ثم إن هذا العلم حاصل لجميع المؤمنين فيستحيل أن يكون ذلك سبباً لفضيلتهم على المؤمنين فإذن الفضيلة هو أن يصير العلم بالله وبصفاته جلياً بحيث يصير المرء مستغرقاً فيه بحيث لا يخطر بباله شيء من الشبهات ولا يغفل القلب عنه في حين من الأحيان ولا ساعة من الساعات.

أما قوله تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سليمان دَاوُودُ ﴾ فقد اختلفوا فيه، فقال الحسن المال لأن النبوة عطية مبتدأة ولا تورث، وقال غيره بل النبوة، وقال آخرون بل الملك والسياسة، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال إذا ورثه الولد فهو أيضاً عطية مبتدأة من الله تعالى، ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمناً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً، لكن الله تعالى جعل سبب الإرث فيمن يرث الموت على شرائط، وليس كذلك النبوة لأن الموت لا يكون سبباً لنبوة الولد فمن هذا الوجه يفترقان، وذلك لا يمنع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام به عند موته، كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته ومما يبين ما قلناه أنه تعالى لو فصل فقال وورث سليمان داود ماله لم يكن لقوله: ﴿ وَقَالَ يا أَيُّهَا الناس عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير ﴾ معنى، وإذا قلنا وورث مقامه من النبوة والملك حسن ذلك لأن تعليم منطق الطير يكون داخلاً في جملة ما ورثه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيء ﴾ لأن وارث الملك يجمع ذلك ووارث المال لا يجمعه وقوله: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين ﴾ لا يليق أيضاً إلا بما ذكرنا دون المال الذي قد يحصل للكامل والناقص، وما ذكره الله تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلا بما ذكرناه، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنه لم يرث إلا المال، فأما إذا قيل ورث المال والملك معاً فهذا لا يبطل بالوجوه التي ذكرناها، بل بظاهر قوله عليه السلام: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».

فأما قوله: ﴿ ياْ أَيُّهَا الناس ﴾ فالمقصود منه تشهير نعمة الله تعالى والتنويه بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، قال صاحب الكشاف المنطق كل ما يصوّت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وقد ترجم يعقوب كتابه بإصلاح المنطق وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم، وقالت العرب نطقت الحمامة (وكل صنف من الطير يتفاهم أصواته) فالذي علم سليمان عليه السلام من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من مقاصده وأغراضه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيء ﴾ فالمراد كثرة ما أوتي وذلك لأن الكل والبعض الكثير يشتركان في صفة الكثرة، والمشاركة سبب لجواز الاستعارة فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثير ومثله قوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيء  ﴾ .

أما قوله: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين ﴾ فهو تقرير لقوله: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا ﴾ والمقصود منه الشكر والمحمدة كما قال عليه السلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» فإن قيل كيف قال: ﴿ عَلِمْنَا...

وَأُوتِينَا ﴾ وهو من كلام المتكبرين؟

جوابه من وجهين: الأول: أن يريد نفسه وأباه والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكاً مطاعاً، وقد يتعلق بتعظيم الملك مصالح فيصير ذلك التعظيم واجباً.

وأما قوله: ﴿ وَحُشِرَ لسليمان جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير ﴾ فالحشر هو الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة، والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذي يصح معه التكليف، أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد التكليف فلذلك قلنا إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل، وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره.

وأما قوله تعالى: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ معناه يحبسون وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع، ويكون له تسلط على من يرده ويكفه ويصرفه، فالظاهر يشهد بهذا القدر والذي جاء في الخبر من أنهم كانوا يمنعون من يتقدم ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب فغير ممتنع.

أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَتَوْا على وَادِى النمل ﴾ فقيل هو واد بالشام كثير النمل، ويقال لم عدى ﴿ أَتَوْا ﴾ بعلى؟

فجوابه من وجهين: الأول: أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء والثاني: أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشيء إذا (أنفذه و) بلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي، وقرئ ﴿ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النمل ﴾ بضم الميم وبضم النون والميم وكان الأصل النمل بوزن الرجل والنمل الذي عليه الاستعمال تخفيف عنه (كقولهم السبع في السبع).

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ فالمعنى أنها تكلمت بذلك وهذا غير مستبعد، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق فيها العقل والنطق.

وعن قتادة: أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة رحمه الله حاضراً وهو غلام حدث فقال سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟

فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه كانت أنثى فقيل له من أين عرفت؟

فقال من كتاب الله تعالى وهو قوله: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ ولو كان ذكراً لقال (قال نملة)، وذلك لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي.

أما قوله تعالى: ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ فاعلم أن النملة لما قاربت حد العقل، لا جرم ذكرت بما يذكر به العقلاء فلذلك قال تعالى: ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ فإن قلت ﴿ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ ما هو؟

قلت يحتمل أن يكون جواباً للأمر وأن يكون نهياً بدلاً من الأمر، والمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقة: لا أرينك هاهنا.

وفي هذه الآية تنبيه على أمور: أحدها: أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز، وإنما يلزم من في الطريق التحرز.

وثانيها: أن النملة قالت: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ كأنها عرفت أن النبي معصوم فلا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء عليهم السلام.

وثالثها: ما رأيت في بعض الكتب أن تلك النملة إنما أمرت غيرها بالدخول لأنها خافت على قومها أنها إذا رأت سليمان في جلالته، فربما وقعت في كفران نعمة الله تعالى وهذا هو المراد بقوله: ﴿ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سليمان ﴾ فأمرتها بالدخول في مساكنها لئلا ترى تلك النعم فلا تقع في كفران نعمة الله تعالى، وهذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.

ورابعها: قرئ (مسكنكم) و(لا يحطمنكم) بتخفيف النون، وقرئ (لا يحطمنكم) بفتح الطاء وكسرها وأصلها يحطمنكم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحكا مّن قَوْلِهَا ﴾ يعني تبسم شارعاً في الضحك (وآخذاً فيه)، بمعنى أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك، وإنما ضحك لأمرين: أحدهما: إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده (وشفقتهم) وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى، وذلك قولها: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ والثاني: سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحداً من سماعه لكلام النملة وإحاطته بمعناه.

أما قوله تعالى: ﴿ رَبّ أَوْزِعْنِى ﴾ فقال صاحب الكشاف: حقيقة أوزعني: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه عن أن ينقلب عني، حتى أكون شاكراً لك أبداً، وهذا يدل على مذهبنا فإن عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث.

وأما قوله تعالى: ﴿ وعلى وَالِدَىَّ ﴾ فذلك لأنه عد نعم الله تعالى على والديه نعمة عليه.

ومعنى قوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه ﴾ طلب الإعانة في الشكر وفي العمل الصالح، ثم قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ فلما طلب في الدنيا الإعانة على الخيرات طلب أن يجعل في الآخرة من الصالحين، وقوله: ﴿ بِرَحْمَتِكَ ﴾ يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق من جانب العبد واعلم أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرة أولاً ثم طلب ثواب الآخرة ثانياً، أما وسيلة الثواب فهي أمران: أحدهما: شكر النعمة السالفة والثاني: الاشتغال بسائر أنواع الخدمة، أما الاشتغال بشكر النعمة السالفة، فهي قوله تعالى: ﴿ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ ﴾ ولما كان الإنعام على الآباء إنعاماً على الأبناء لأن انتساب الابن إلى أب شريف نعمة من الله تعالى على الابن، لا جرم اشتغل بشكر نعم الله على الآباء بقوله: ﴿ وعلى وَالِدَىَّ ﴾ وأما الاشتغال بسائر أنواع الخدمة، فقوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه ﴾ وأما طلب ثواب الآخرة فقوله: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ فإن قيل درجات الأنبياء أعظم من درجات الأولياء والصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين فقال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ وقال سليمان: ﴿ أَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ ؟

جوابه: الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قيل: هو واد بالشام كثير النمل.

فإن قلت: لم عدّي ﴿ أَتَوْا ﴾ بعلى؟

قلت: يتوجه على معنيين أحدهما؛ أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء، كما قال أبو الطيب: وَلَشُدَّ مَا قَرُبَتْ عَلَيْكَ الأَنْجُمُ لما كان قرباً من فوق.

والثاني: أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره، من قولهم: أتى على الشيء إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي، لأنهم ما دامت الريح تحملهم في الهواء لا يخاف حطمهم.

وقرئ ﴿ نُمُلة يا أيها النمل ﴾ ، بضم الميم وبضم النون والميم، وكان الأصل: النمل، بوزن الرجل، والنمل الذي عليه الاستعمال: تخفيف عنه، كقولهم: (السبع) في السبع.

قيل: كانت تمشي وهي عرجاء تتكاوس، فنادت: ﴿ ياأيها النمل ﴾ : الآية، فسمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال.

وقيل: كان اسمها طاخية.

وعن قتادة أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس، فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة رحمه الله حاضراً- وهو غلام حدث- فقال: سلوه عن نملة سليمان، أكانت ذكراً أم أنثى؟

فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: من أين عرفت؟

قال: من كتاب الله، وهو قوله: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ ولو كانت ذكراً لقال: قال نملة.

وذلك أنّ النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم: حمامة ذكر، وحمامة أنثى، وهو وهي.

وقرئ: ﴿ مسكنكم ولا يحطمنكم ﴾ بتخفيف النون، وقرئ: ﴿ لا يحطمنكم ﴾ بفتح الحاء وكسرها.

وأصله: يحتطمنكم.

ولما جعلها قائلة والنمل مقولاً لهم كما يكون في أولي العقل: أجرى خطابهم مجرى خطابهم.

فإن قتل: لا يحطمنكم ما هو؟

قلت: يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وأن يكون نهياً بدلاً من الأمر، والذي جوّز أن يكون بدلاً منه: أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة: لا أرينك ههنا، أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ، ونحوه: عجبت من نفسي ومن إشفاقها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ ﴾ وادٍ بِالشّامِ كَثِيرِ النَّمْلِ، وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ إلَيْهِ بِـ ( عَلى ) إمّا لِأنَّ إتْيانَهم كانَ مِن عالٍ أوْ لِأنَّ المُرادَ قِطْعَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: أتى عَلى الشَّيْءِ إذا أنْفَدَهُ وبَلَغَ آخِرَهُ كَأنَّهم أرادُوا أنْ يَنْزِلُوا أُخْرَياتِ الوادِي.

﴿ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ﴾ كَأنَّها لَمّا رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى الوادِي فَرَّتْ عَنْهم مَخافَةَ حَطْمِهِمْ فَتَبِعَها غَيْرُها فَصاحَتْ صَيْحَةً نَبَّهَتْ بِها ما بِحَضْرَتِها مِنَ النُّمّالِ فَتَبِعَتْها، فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِمُخاطَبَةِ العُقَلاءِ ومُناصَحَتِهِمْ ولِذَلِكَ أُجْرُوا مَجْراهم مَعَ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ خَلَقَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها العَقْلَ والنُّطْقَ.

﴿ لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ ﴾ نَهْيٌ لَهم عَنِ الحَطْمِ، والمُرادُ نَهْيُها عَنِ التَّوَقُّفِ بِحَيْثُ يُحَطِّمُونَها كَقَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ ها هُنا، فَهو اسْتِئْنافٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأمْرِ لا جَوابَ لَهُ فَإنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُهُ في السِّعَةِ.

﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِأنَّهم يُحَطِّمُونَكم إذْ لَوْ شَعَرُوا لَمْ يَفْعَلُوا كَأنَّها شَعَرَتْ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ مِنَ الظُّلْمِ والإيذاءِ.

وقِيلَ اسْتِئْنافٌ أيْ فَهم سُلَيْمانُ والقَوْمُ لا يَشْعُرُونَ.

﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها ﴾ تَعَجُّبًا مِن حَذَرِها وتَحْذِيرِها واهْتِدائِها إلى مَصالِحِها، وسُرُورًا بِما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إدْراكِ هَمْسِها وفَهْمِ غَرَضِها ولِذَلِكَ سَألَ تَوْفِيقَ شُكْرِهِ.

﴿ وَقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ ﴾ أيِ اجْعَلْنِي أزَعُ شُكْرَ نِعْمَتِكَ عِنْدِي، أيْ أكْفِهِ وأرْتَبِطَهُ لا يَنْفَلِتُ عَنِّي بِحَيْثُ لا أنْفَكُّ عَنْهُ، وقَرَأ البَزِّيُّ ووَرْشٌ بِفَتْحِ ياءِ ( أوْزِعْنِي ) .

﴿ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ ﴾ أدْرَجَ فِيهِ ذِكْرَ والِدَيْهِ تَكْثِيرًا لِلنِّعْمَةِ أوْ تَعْمِيمًا لَها، فَإنَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِما نِعْمَةٌ عَلَيْهِ والنِّعْمَةَ عَلَيْهِ يَرْجِعُ نَفْعُها إلَيْهِما سِيَّما الدِّينِيَّةَ.

﴿ وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ إتْمامًا لِلشُّكْرِ واسْتِدامَةً لِلنِّعْمَةِ.

﴿ وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ ﴾ في عِدادِهِمُ الجَنَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{حتى إذا أتوا على وادي النّمل} أي ساروا حتى إذا بلغوا وادي النمل وهو واد بالشام كثير النمل وعدي بعلى لأن اتيانهم كان من فوق فأنى بحرف الاستعلاء {قالت نملةٌ} عرجاء تسمى طاخية أو منذرة وعن قتادة أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوا عما شئتم فسأله ابو حنيفة رضي الله عنه وهو شاب عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى فافحم فقال أبو حنيفة رضي الله عنه كانت أنثى فقيل له بماذا عرفت فقال بقوله قالت نملة ولو كانت ذكراً لقال قال نملة وذلك أن النملة مثل الحمامة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي {يا أيها النّمل ادخلوا مساكنكم} ولم يقل ادخلن لأنه لما جعلها قائلة والنمل مقولاتهم كما يكون في أولي العقل أجرى خطابهن مجرى خطابهم {لا يحطمنكم} لا يكسر نكم والحطم الكسر وهو نهي مستأنف وهو في الظاهر نهي لسليمان عن الحطم وفي الحقيقة نهي لهن عن البروز والوقوف على طريقة لا أرينك ههنا أي لا تحضر هذا الموضع وقيل هو جواب الأمر وهو ضعيف يدفعه نون التأكيد لأنه من ضرورات الشعر {سليمان وجنوده} قيل أراد يحطمنكم جنود سليمان

النمل (٢١ - ١٩)

فجاء بما هو أبلغ {وهم لا يشعرون} لا يعلمون بمكانكم أي لو شعروا لم يفعلوا قالت ذلك على وجه العذر واصفة سليمان وجنوده بالعدل فسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ ﴾ حَتّى هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، ومَعَ ذَلِكَ هي غايَةٌ لِما قَبْلَها وهي هاهُنا غايَةٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ مِنَ السَّيْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَسارُوا حَتّى إذا أتَوْا إلَخْ، ووادِي النَّمْلِ وادٍ بِأرْضِ الشّامِ كَثِيرُ النَّمْلِ - عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ - وقالَ كَعْبٌ: هو وادِي السَّدِيرِ مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: وادٍ بِأقْصى اليَمَنِ، وهو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ، مَذْكُورٌ في أشْعارِها، وقِيلَ: هو وادٍ تَسْكُنُهُ الجِنُّ والنَّمْلُ مَراكِبُهُمْ، وهَذا عِنْدِي مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ إلَيْهِ بِكَلِمَةِ عَلى - مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ أوْ بِإلى - إمّا لِأنَّ إتْيانَهم كانَ مِن جانِبٍ عالٍ فَعُدِّيَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، كَما قالَ المُتَنَبِّي: ولَشَدَّما جاوَزْتَ قَدْرَكَ صاعِدًا ولَشَدَّما قَرُبَتْ عَلَيْكَ الأنْجُمُ لِما كانَ قُرْبُ الأنْجُمِ - وإنْ أرادَ بِها أبْياتَ شِعْرِهِ - مِن فَوْقُ.

وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالإتْيانِ عَلَيْهِ قَطْعُهُ وبُلُوغُ آخِرِهِ مِن قَوْلِهِمْ: أتى عَلى الشَّيْءِ إذا أنْفَدَهُ وبَلَغَ آخِرَهُ، ثُمَّ الإتْيانُ عَلَيْهِ - بِمَعْنى قَطْعِهِ - مَجازٌ عَنْ إرادَةِ ذَلِكَ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ الحَطْمِ الآتِي وجْهٌ؛ إذْ لا مَعْنى لَهُ بَعْدَ قَطْعِ الوادِي الَّذِي فِيهِ النَّمْلُ ومُجاوَزَتِهِ، والظّاهِرُ - عَلى الوَجْهَيْنِ - أنَّهم أتَوْا عَلَيْهِ مُشاةً، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا يَسِيرُونَ في الهَواءِ فَأرادُوا أنْ يَنْزِلُوا هُناكَ، فَأحَسَّتِ النَّمْلَةُ بِنُزُولِهِمْ، فَأنْذَرَتِ النَّمْلَ.

﴿ قالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ جَوابُ (إذا) والظّاهِرُ أنَّها صَوَّتَتْ بِما فَهِمَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهُ مَعْنى ﴿ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ وهَذا كَما يَفْهَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أصْواتِ الطَّيْرِ ما يَفْهَمُ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُعَلَّمْ إلّا مَنطِقَ الطَّيْرِ؛ إمّا لِأنَّها كانَتْ مِنَ الطَّيْرِ ذاتَ جَناحَيْنِ، كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وهو وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، وكَمْ رَأيْنا نَمْلَةً لَها جَناحانِ تَطِيرُ بِهِما، وكَوْنُ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي عَدَّها مِنَ الطَّيْرِ مَحَلُّ نَظَرٍ.

وإمّا لِأنَّ فَهْمَ ما ذُكِرَ وقَعَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذِهِ المَرَّةَ فَقَطْ، ولَمْ يَطَّرِدْ كَفَهْمِ أصْواتِ الطَّيْرِ، ولَيْسَ في الآيَةِ السّابِقَةِ ولا في الأخْبارِ ما يَنْفِي فَهْمَ ما يَقْصِدُهُ غَيْرُ الطَّيْرِ مِنَ الحَيَواناتِ بِدُونِ اطِّرادٍ.

وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: إنَّها نَطَقَتْ بِذَلِكَ مُعْجِزَةً لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما نَطَقَ الضَّبُّ والذِّراعُ لِرَسُولِ اللَّهِ  قالَ مُقاتِلٌ: وقَدْ سَمِعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلَها مِن ثَلاثَةِ أمْيالٍ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّها أحَسَّتْ بِنُزُولِهِمْ مِن هَذِهِ المَسافَةِ، والسَّمْعُ مِن سُلَيْمانَ مِنها غَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِأنَّ الرِّيحَ - كَما جاءَ في الآثارِ - تُوصِلُ الصَّوْتَ إلَيْهِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وهَبَهُ إذْ ذاكَ قُوَّةً قُدْسِيَّةً سَمِعَ بِها، إلّا أنَّ إحْساسَ النَّمْلَةِ مِن تِلْكَ المَسافَةِ بَعِيدٌ، والمَشْهُورُ عِنْدَ العَرَبِ بِالإحْساسِ مِن بَعِيدٍ القُرادُ حَتّى ضَرَبُوا بِهِ المَثَلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا ضَرَرَ في إنْكارِ صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ.

وقِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَسْمَعْ صَوْتًا أصْلًا، وإنَّما فَهِمَ ما في نَفْسِ النَّمْلَةِ إلْهامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الكَلْبِيُّ: أخْبَرَهُ مَلَكٌ بِذَلِكَ،وإلى أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ صَوْتًا يُشِيرُ قَوْلُ جَرِيرٍ: لَوْ كُنْتُ أُوتِيتُ كَلامَ الحُكْلِ ∗∗∗ عَلِمَ سُلَيْمانُ كَلامَ النَّمْلِ فَإنَّهُ أرادَ بِالحُكْلِ ما لا يُسْمَعُ صَوْتُهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كَأنَّها لَمّا رَأتْهم مُتَوَجِّهِينَ إلى الوادِي فَرَّتْ عَنْهم مَخافَةَ حَطْمِهِمْ فَتَبِعَها غَيْرُها، وصاحَتْ صَيْحَةً تَنَبَّهَتْ بِها ما بِحَضْرَتِها مِنَ النَّمْلِ فَتَبِعَتْها، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِمُخاطَبَةِ العُقَلاءِ ومُناصَحَتِهِمْ، ولِذَلِكَ أُجْرُوا مَجْراهم حَيْثُ جُعِلَتْ هي قائِلَةً وما عَداها مِنَ النَّمْلِ مَقُولًا لَهُ، فَيَكُونُ الكَلامُ خارِجَ مَخْرَجِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ومَن تَتَبَّعَ أحْوالَ النَّمْلِ لا يَسْتَبْعِدُ أنْ تَكُونَ لَهُ نَفْسٌ ناطِقَةٌ؛ فَإنَّهُ يَدَّخِرُ في الصَّيْفِ ما يَقْتاتُ بِهِ في الشِّتاءِ، ويَشُقُّ ما يَدَّخِرُهُ مِنَ الحُبُوبِ نِصْفَيْنِ مَخافَةَ أنْ يُصِيبَهُ النَّدى فَيَنْبُتَ، إلّا الكُزْبَرَةَ والعَدَسَ فَإنَّهُ يَقْطَعُ الواحِدَةَ مِنهُما أرْبَعَ قِطَعٍ، ولا يَكْتَفِي بِشَقِّها نِصْفَيْنِ؛ لِأنَّها تَنْبُتُ كَما تَنْبُتُ إذا لَمْ تُشَقَّ.

وهَذا وأمْثالُهُ يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ كُلِّيٍّ اسْتِدْلالِيٍّ، وهو يَحْتاجُ إلى نَفْسٍ ناطِقَةٍ، وقَدْ بَرْهَنَ شَيْخُ الأشْرافِ عَلى ثُبُوتِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ لِجَمِيعِ الحَيَواناتِ، وظَواهِرُ الآياتِ والأخْبارِ الصَّحِيحَةِ تَقْتَضِيهِ - كَما سَمِعْتُ قَدِيمًا وحَدِيثًا - فَلا حاجَةَ بِكَ إلى أنْ تَقُولَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ خَلَقَ في النَّمْلَةِ إذْ ذاكَ النُّطْقَ وفِيما عَداها مِنَ النَّمْلِ العَقْلَ والفَهْمَ، وأمّا اليَوْمُ فَلَيْسَ في النَّمْلِ ذَلِكَ.

ثُمَّ إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ عِلْمَ النَّمْلَةِ بِأنَّ الآتِي هو سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجُنُودُهُ كانَ عَنْ إلْهامٍ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ كَعِلْمِ الضَّبِّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حِينَ تَكَلَّمَ مَعَهُ وشَهِدَ بِرِسالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والظّاهِرُ أيْضًا أنَّها كانَتْ كَسائِرِ النَّمْلِ في الجُثَّةِ، وفِيهِ اليَوْمَ ما يَقْرُبُ مِنَ الذُّبابَةِ ويُسَمّى بِالنَّمْلِ الفارِسِيِّ، وبالَغَ بَعْضُ القُصّاصِ في كِبَرِها، ولا يَصِحُّ لَهُ مُسْتَنَدٌ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّها كانَتْ عَرْجاءَ، واسْمُها طاخِيَةُ، وقِيلَ: جَرْمى، وفي البَحْرِ: اخْتَلَفَ في اسْمِها العِلْمُ ما لَفْظُهُ، ولَيْتَ شِعْرِي مَنِ الَّذِي وضَعَ لَها لَفْظًا يَخُصُّها أبَنُو آدَمَ أمِ النَّمْلُ؟!

انْتَهى.

والَّذِي يَذْهَبُ إلى أنَّ لِلْحَيَواناتِ نُفُوسًا ناطِقَةً لا يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ لَها أسْماءٌ وضَعَها بَعْضُها لِبَعْضٍ، لَكِنْ لا بِألْفاظٍ كَألْفاظِنا بَلْ بِأصْواتٍ تُؤَدّى عَلى نَحْوٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الأداءِ، ولَعَلَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلٌّ مِنها يَقُومُ مَقامَ حَرْفٍ مِنَ الحُرُوفِ المَأْلُوفَةِ لَنا إذا أرادَ أنْ يُتَرْجِمَ عَنْها مَن عَرَفَها مِن ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ تَرْجَمَها بِما نَعْرِفُ، ويُقَرِّبُ هَذا لَكَ أنَّ بَعْضَ كَلامِ الإفْرِنْجِ وأشْباهِهِمْ لا نَسْمَعُ مِنهُ إلّا كَما نَسْمَعُ مِن أصْواتِ العَصافِيرِ ونَحْوِها، وإذا تُرْجِمَ لَنا بِما نَعْرِفُهُ ظَهَرَ مُشْتَمِلًا عَلى الحُرُوفِ المَأْلُوفَةِ.

والظّاهِرُ أنَّ تاءَ (نَمْلَةٌ) لِلْوَحْدَةِ، فَتَأْنِيثُ الفِعْلِ لِمُراعاةِ ظاهِرِ التَّأْنِيثِ، فَلا دَلِيلَ في ذَلِكَ عَلى أنَّ النَّمْلَةَ كانَتْ أُنْثى، قالَهُ بَعْضُهم.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ دَخَلَ الكُوفَةَ فالتَفَّ عَلَيْهِ النّاسُ، فَقالَ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ - وكانَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حاضِرًا وهو غُلامٌ حَدَثٌ - فَقالَ: سَلُوهُ عَنْ نَمْلَةِ سُلَيْمانَ أكانَتْ ذَكَرًا أمْ أُنْثى؟

فَسَألُوهُ فَأفْحَمَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: كانَتْ أُنْثى فَقِيلَ لَهُ: مِن أيْنَ عَرَفْتَ؟

فَقالَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُهُ تَعالى: «قالَتْ نَمْلَةٌ» ولَوْ كانَ ذَكَرًا لَقالَ سُبْحانَهُ: قالَ نَمْلَةٌ، وذَلِكَ أنَّ النَّمْلَةَ مِثْلُ الحَمامَةِ والشّاةِ في وُقُوعِها عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى فَيُمَيَّزُ بَيْنَهُما بِعَلامَةٍ نَحْوِ قَوْلِهِمْ: حَمامَةٌ ذَكَرٌ وحَمامَةٌ أُنْثى، وهو وهِيَ، كَذا في الكَشّافِ.

وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ فَقالَ: لا أدْرِي العَجَبَ مِنهُ أمْ مِن أبِي حَنِيفَةَ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ النَّمْلَةَ كالحَمامَةِ والشّاةِ تَقَعُ عَلى الذَّكَرِ وعَلى الأُنْثى؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فَيُقالُ: نَمْلَةٌ ذَكَرٌ ونَمْلَةٌ أُنْثى، كَما يَقُولُونَ: حَمامَةٌ ذَكَرٌ وحَمامَةٌ أُنْثى، وشاةٌ ذَكَرٌ وشاةٌ أُنْثى، فَلَفْظُها مُؤَنَّثٌ ومَعْناها مُحْتَمِلٌ، فَيُمْكِنُ أنْ تُؤَنَّثَ لِأجْلِ لَفْظِها - وإنْ كانَتْ واقِعَةً عَلى ذَكَرٍ - بَلْ هَذا هو الفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ، ألا تَرى قَوْلَهُ  : ««لا يُضَحّى بِعَوْراءَ ولا عَمْياءَ ولا عَجْفاءَ»» كَيْفَ أخْرَجَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هَذِهِ الصِّفاتِ عَلى اللَّفْظِ مُؤَنَّثَةً، ولا يَعْنِي  الإناثَ مِنَ الأنْعامِ خاصَّةً، فَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعالى: (قالَتْ نَمْلَةٌ) رُوعِيَ فِيهِ تَأْنِيثُ اللَّفْظِ، وأمّا المَعْنى فَيَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ والتَّأْنِيثَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وكَيْفَ يَسْألُ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِهَذا ويُفْحِمُ بِهِ قَتادَةَ - مَعَ غَزارَةِ عِلْمِهِ - والأشْبَهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْهُما، اهـ.

وقالَ ابْنُ الحاجِبِ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ -: التَّأْنِيثُ اللَّفْظِيُّ هو أنْ لا يَكُونَ بِإزائِهِ ذَكَرٌ في الحَيَوانِ كَظُلْمَةٍ وعَيْنٍ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ حَيَوانًا أوْ غَيْرَهُ كَدَجاجَةٍ وحَمامَةٍ - إذا قُصِدَ بِهِ مُذَكَّرٌ - فَإنَّهُ مُؤَنَّثٌ لَفْظِيٌّ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ النَّمْلَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ أُنْثى لِوُرُودِ تاءِ التَّأْنِيثِ في (قالَتْ) وهْمًا؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مُذَكَّرًا في الحَقِيقَةِ، ووُرُودُ تاءِ التَّأْنِيثِ كَوُرُودِها في الفِعْلِ المُؤَنَّثِ اللَّفْظِيِّ نَحْوُ (جاءَتِ الظُّلْمَةُ).

وأجابَ بَعْضُ فُضَلاءِ ما وراءَ النَّهْرِ وقالَ: لَعَمْرِي إنَّهُ قَدْ تَعَسَّفَ هاهُنا ابْنُ الحاجِبِ وتَرَكَ الواجِبَ، حَيْثُ اعْتَرَضَ عَلى إمامِ أهْلِ الإسْلامِ، واعْتِراضُهُ بِقَوْلِهِ: ووُرُودُ تاءِ التَّأْنِيثِ كَوُرُودِها ...

إلَخْ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لَوْ كانَ جائِزًا أنْ يُؤْتى بِتاءِ التَّأْنِيثِ في الفِعْلِ لِمُجَرَّدِ صُورَةِ التَّأْنِيثِ في الفاعِلِ المُذَكَّرِ الحَقِيقِيِّ لَكانَ يَنْبَغِي جَوازُ أنْ يُقالَ: (جاءَتْنِي طَلْحَةُ ) مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ، وجَوابُهُ عَنْ ذَلِكَ في شَرْحِهِ بِقَوْلِهِ: ولَيْسَ ذَلِكَ كَتَأْنِيثِ أسْماءِ الأعْلامِ؛ فَإنَّها لا يُعْتَبَرُ فِيها إلّا المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، والسِّرُّ فِيهِ هو أنَّهم نَقَلُوها عَنْ مَعانِيها إلى مَدْلُولٍ آخَرَ فاعْتَبَرُوا فِيها المَدْلُولَ الثّانِيَ، ولَوِ اعْتَبَرُوا تَأْنِيثَها لَكانَ اعْتِبارًا لِلْمَدْلُولِ الأوَّلِ فَيَفْسَدُ المَعْنى، فَلِذَلِكَ لا يُقالُ: أعْجَبَتْنِي طَلْحَةُ - تَناقُضٌ مَحْضٌ، كَأنَّهُ نَسِيَ ما أمْضى في صَدْرِ كِتابِهِ مِن قَوْلِهِ: فَإنْ سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّرٌ فَشَرْطُهُ الزِّيادَةُ، يَعْنِي فَإنَّ سُمِّيَ بِالمُؤَنَّثِ المَعْنَوِيِّ فَشَرْطُهُ الزِّيادَةُ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ، فَلا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ أنَّ عَقْرَبَ - مَعَ أنَّ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ فِيهِ مُقَدَّرَةٌ لِلْعَلَمِيَّةِ - لا تَمْنَعُها عَنِ اعْتِبارِ تَأْنِيثِها حَتّى تُمْنَعَ مِنَ الصَّرْفِ فَكَيْفَ تَمْنَعُ العَلَمِيَّةُ عَنِ اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ في طَلْحَةَ - مَعَ أنَّ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ فِيهِ لَفْظِيَّةٌ - فَإذَنْ لَيْسَ طَرْحُ التّاءِ عَنِ الفِعْلِ إلّا لِأنَّ التّاءَ إنَّما يُجاءُ بِها عَلامَةً لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، والفاعِلُ هاهُنا مُذَكَّرٌ حَقِيقِيٌّ، فَكَذا النَّمْلَةُ لَوْ كانَ مُذَكَّرًا لَكانَ هو مَعَ ( طَلْحَةَ ) حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ.

ويَنْصُرُ قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: هَذا بَطَّةٌ ذَكَرٌ، وهَذا حَمامَةٌ ذَكَرٌ، وهَذا شاةٌ إذا عَنَيْتَ كَبْشًا، وهَذا بَقَرَةٌ إذا عَنَيْتَ ثَوْرًا، فَإنْ عَنَيْتَ بِهِ أُنْثى قُلْتَ: هَذِهِ بَقَرَةٌ اهـ.

وارْتَضاهُ الطِّيبِيُّ، ثُمَّ قالَ: فَظَهَرَ أنَّ القَوْلَ ما قالَتْ حَذامِ، والمَذْهَبَ ما سَلَكَهُ الإمامُ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ التّاءَ في نَمْلَةٍ لِلْوَحْدَةِ، فَهي في حُكْمِ المُؤَنَّثِ اللَّفْظِيِّ جازَ أنْ تُعامَلَ مُعامَلَتَهُ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ عَلى ما نُصَّ عَلَيْهِ في المُفَصَّلِ، ولا يُشْكَلُ بِنَحْوِ ( طَلْحَةَ ) حَيْثُ لَمْ يُجَزْ إلْحاقُ فِعْلِهِ التّاءَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ يُعْتَبَرُ فِيها المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ إلى آخِرِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِبِ، ولا نَقْضَ بِاعْتِبارِ التَّأْنِيثِ في (عَقْرَبَ) إنْ سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّرٌ، ولا في ( طَلْحَةَ ) نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ مَنعِ الصَّرْفِ، عَلى ما ظَنَّهُ بَعْضُ فُضَلاءِ ما وراءِ النَّهْرِ.

وصَوَّبَهُ شَيْخُنا الطِّيبِيُّ؛ لِأنَّ اعْتِبارَ المَعْنى هو فِيما يَرْجِعُ إلى المَعْنى لا فِيما يَرْجِعُ إلى اللَّفْظِ، وإلْحاقُ العَلامَةِ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ إمّا لِلتَّأْنِيثِ الحَقِيقِيِّ وإمّا لِشِبْهِ التَّأْنِيثِ مِنَ الوَحْدَةِ أوِ الجَمْعِيَّةِ ونَحْوِها، فَإذا لَمْ يَبْقَ المَعْنى - أعْنِي التَّأْنِيثَ وشِبْهَ التَّأْنِيثِ - فَلا وجْهَ لِلْإلْحاقِ.

وأمّا مَنعُ الصَّرْفِ فَلا نَظَرَ فِيهِ إلى مَعْنى التَّأْنِيثِ، بَلْ إلى هَذِهِ الزِّيادَةِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا، وذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ في المَنقُولِ والمَنقُولِ عَنْهُ، وكَفاكَ دَلِيلًا لِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وحْدَهُ في هَذا الحُكْمِ تَفْرِقَتُهم في (سَقَرَ) بَيْنَ تَسْمِيَةِ المُذَكَّرِ بِهِ والمُؤَنَّثِ دُونَ (عَقْرَبَ) فَلَوْ تَأمَّلَ المُناقِضُ لَكانَ ما أوْرَدَهُ عَلَيْهِ لا لَهُ، هَذا، وإنَّ الإمامَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كُوفِيٌّ، والقاعِدَةُ عَلى أصْلِهِ مَهْدُومَةٌ، انْتَهى، وهو كَلامٌ مَتِينٌ.

والحَزْمُ القَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ هَذِهِ الحِكايَةِ، فَأبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَن عَرَفْتَ - وإنْ كانَ إذْ ذاكَ غُلامًا حَدَثًا - وقَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ السَّدُوسِيُّ - بِإجْماعِ العارِفِينَ بِالرِّجالِ - كانَ بَصِيرًا بِالعَرَبِيَّةِ، فَيَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ وُقُوعُ ما ذُكِرَ مِنهُما، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

والحَطْمُ الكَسْرُ، والمُرادُ بِهِ الإهْلاكُ، والنَّهْيُ في الظّاهِرِ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجُنُودِهِ، وهو في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِلنَّمْلِ عَنِ التَّوَقُّفِ حَتّى تُحْطَمَ؛ لِأنَّ الحَطْمَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَها، نَحْوُ قَوْلِكَ: لا أرَيْنَكَ هاهُنا، فَإنَّهُ في الظّاهِرِ نَهْيٌ لِلْمُتَكَلِّمِ عَنْ رُؤْيَةِ المُخاطَبِ، والمَقْصُودُ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ الكَوْنِ بِحَيْثُ يَراهُ المُتَكَلِّمُ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ﴾ .

وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إذا كانَ المَعْنى النَّهْيَ عَنِ التَّوَقُّفِ حَتّى تُحْطَمَ يَحْصُلُ الِاتِّحادُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ يَقْتَضِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وعَلى ما ذُكِرَ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وبِالجُمْلَةِ اعْتِراضُ أبِي حَيّانَ عَلى وجْهِ الإبْدالِ بِاخْتِلافِ مَدْلُولَيِ الجُمْلَتَيْنِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ (لا يَحْطِمَنَّكُمْ) جَوابًا لِلْأمْرِ، أعْنِي (ادْخُلُوا) و(لا) حِينَئِذٍ نافِيَةٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ دُخُولَ النُّونِ في جَوابِ الشَّرْطِ مَخْصُوصٌ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: مَهْما تَشَأْ مِنهُ فَزارَةُ تُعْطَهُ ∗∗∗ ومَهْما تَشَأْ مِنهُ فَزارَةُ يَمْنَعا وفِي الكِتابِ: وهو قَلِيلٌ في الشِّعْرِ، شَبَّهُوهُ بِالنَّهْيِ حَيْثُ كانَ مَجْزُومًا غَيْرَ واجِبٍ، وأرادَتِ النَّمْلَةُ - عَلى ما في الكَشّافِ - لا يَحْطِمَنَّكم جُنُودُ سُلَيْمانَ فَجاءَتْ بِما هو أبْلَغُ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: عَجِبْتُ مِن نَفْسِي ومِن إشْفاقِها، حَيْثُ أرادَ عَجِبْتُ مِن إشْفاقِ نَفْسِي، فَجاءَ بِما هو أبْلَغُ لِلْإجْماعِ والتَّفْصِيلِ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّ فِيهِ القَوْلَ بِزِيادَةِ الأسْماءِ وهي لا تَجُوزُ، بَلِ الظّاهِرُ إسْنادُ الحَطْمِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلى جُنُودِهِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: خَيْلُ سُلَيْمانَ وجُنُودُهُ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، وجُمْلَةُ ( وهم لا يَشْعُرُونَ ) حالٌ مِن مَجْمُوعِ المُتَعاطِفَيْنِ، والضَّمِيرُ لَهُما.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الجُنُودِ، والضَّمِيرُ لَهُمْ، وأيًّا ما كانَ فَفي تَقْيِيدِ الحَطْمِ بِعَدَمِ الشُّعُورِ بِمَكانِهِمُ - المُشْعِرِ بِأنَّهُ لَوْ شَعَرُوا بِذَلِكَ لَمْ يَحْطِمُوا - ما يُشْعِرُ بِغايَةِ أدَبِ النَّمْلَةِ مَعَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجُنُودِهِ، ولَيْتَ مَن طَعَنَ في أصْحابِ النَّبِيِّ  ، ورَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - تَأسّى بِها، فَكَفَّ عَنْ ذَلِكَ، وأحْسَنَ الأدَبَ.

ورُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَمِعَ قَوْلَ النَّمْلَةِ: ﴿ يا أيُّها النَّمْلُ ﴾ إلَخْ قالَ: ائْتُونِي بِها، فَأتَوْا بِها، فَقالَ: لِمَ حَذَّرْتِ النَّمْلَ ظُلْمِي؟!

أما عَلِمْتِ أنِّي نَبِيٌّ عَدْلٌ؟!

فَلِمَ قُلْتِ: ﴿ لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ ﴾ ؟!

فَقالَتْ: أما سَمِعْتَ قَوْلِي: ﴿ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ومَعَ ذَلِكَ إنِّي لَمْ أُرِدْ حَطْمَ النُّفُوسِ، وإنَّما أرَدْتُ حَطْمَ القُلُوبِ، خَشِيتُ أنْ يَرَوْا ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْكَ مِنَ الجاهِ والمُلْكِ العَظِيمِ فَيَقَعُوا في كُفْرانِ النِّعَمِ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَشْتَغِلُوا بِالنَّظَرِ إلَيْكَ عَنِ التَّسْبِيحِ، فَقالَ لَهاسُلَيْمانُ: عِظِينِي، فَقالَتْ: أعَلِمْتَ لِمَ سُمِّيَ أبُوكَ داوُدَ ؟!

قالَ: لا، قالَتْ: لِأنَّهُ داوى جِراحَةَ قَلْبِهِ، وهَلْ تَدْرِي لِمَ سُمِّيتَ سُلَيْمانَ ؟!

قالَ: لا، قالَتْ: لِأنَّكَ سَلِيمُ القَلْبِ والصَّدْرِ، ثُمَّ قالَتْ: أتَدْرِي لِمَ سَخَّرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ الرِّيحَ؟

قالَ: لا، قالَتْ: أخْبَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ أنَّ الدُّنْيا كُلَّها رِيحٌ، فَمَنِ اعْتَمَدَ عَلَيْها فَكَأنَّما اعْتَمَدَ عَلى الرِّيحِ.

وهَذا ظاهِرُ الوَضْعِ - كَما لا يَخْفى - وفِيهِ ما يُشْبِهُ كَلامَ الصُّوفِيَّةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ما رُوِيَ مِن أنَّها أهْدَتْ إلَيْهِ نَبْقَةً، وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لِلنَّمْلِ بِالبَرَكَةِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ( هم لا يَشْعُرُونَ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النَّمْلَةِ، والضَّمِيرُ لِلْجُنُودِ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى إذا أتَوْا ﴾ وهي مِن كَلامِهِ تَعالى، أيْ: قالَتْ ذَلِكَ في حالِ كَوْنِ الجُنُودِ لا يَشْعُرُونَ بِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدْ يَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى مُقَدَّرٍ، وهي مِن كَلامِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَأنَّهُ قِيلَ: فَهِمَ سُلَيْمانُ ما قالَتْ والجُنُودُ لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وطَلْحَةُ، ومُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، وأبُو سُلَيْمانَ التَّيْمِيُّ (نَمُلَةٌ) بِضَمِّ المِيمِ كَسَمُرَةَ، وكَذَلِكَ النَّمُلُ كالرَّجْلِ والرَّجُلِ لُغَتانِ، وعَنْ أبِي سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ (نُمُلَةٌ) و(نُمُلٌ) بِضَمِّ النُّونِ والمِيمِ، وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ «مَسْكَنَكَمُ» عَلى الإفْرادِ، وعَنْ أُبَيٍّ «أدْخِلْنَ مَساكِنَكُنَّ لا يَحْطِمَنكُنَّ» مُخَفَّفَةَ النُّونِ الَّتِي قَبْلَ الكافِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ الكُوفِيُّ، ونُوحٌ القاضِي بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ الطّاءِ والنُّونِ مُضارِعَ (حَطَّمَ) مُشَدَّدًا.

وعَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الحاءِ وشَدِّ الطّاءِ، وعَنْهُ كَذَلِكَ مَعَ كَسْرِ الحاءِ، وأصْلُهُ (يَحْتَطِمَنَّكُمْ) مِنَ الِاحْتِطامِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عُبَيْدٍ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا أنَّهم سَكَّنُوا نُونَ التَّأْكِيدِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِحَذْفِ النُّونِ وجَزْمِ المِيمِ، ولا خِلافَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في جَوازِ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَجْزُومًا في جَوابِ الأمْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً يعني: علم القضاء، والعلم بكلام الطير والدوابّ وَقالا يعني: داود وسليمان الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بالكتاب والنبوة وكلام الطير والبهائم والملك، ويقال: فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مِّنْ الأنبياء، حيث لم يعط أحداً من الأنبياء عليهم السلام ما أعطانا.

وقال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكاً، وأقضى من داود، وكان داود أشدَّ تعبداً من سليمان عليهما السلام.

ثم قال عز وجل: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ يعني: ورث ملكه.

وقال الحسن: ورث المال والملك لا النبوة والعلم، لأن النبوة والعلم فضل الله تعالى، ولا يكون بالميراث ويقال: ورث العلم والحكم لأن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون دراهم ولا دنانير.

وَقالَ سليمان لبني إسرائيل: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ يعني: أفهمنا وألهمنا منطق الطير، وذلك أن سليمان كان جالساً في أصحابه إذ مرّ بهم طير يصوت، فقال لجلسائه: أتدرون ماذا يقول؟

قالوا: لا.

قال: إنه يقول: ليت الخلق لم يخلقوا، فإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا قال: وصاح عنده ديك فقال: هل تدرون ماذا يقول؟

قالوا: لا.

قال: إنه يقول اذكروا الله يا غافلون.

ثم قال: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يعني: أعطينا علم كل شيء.

ويقال: النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والرياح.

إِنَّ هَذَا الذي أعطينا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ يعني: البيّن ويقال: المبين، يبين للناس فضلهم.

ثم قال عز وجل: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ يعني: جموعه، والحشر: هو أن يجمع ليساق، ثم قال: مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ يعني: يساقون.

ويقال: يُوزَعُونَ يعني: يكفون ويحبس أوّلهم على آخرهم، وأصل الوزع: الكف، يقال: وزعت الرجل إذا كففته.

وعن الحسن أنه قال: لا بد للناس من وزعة، أي: من سلطان يكفهم.

وقال مقاتل: إنه استعمل جنياً عليهم، يرد أولهم على آخرهم.

ويقال: هكذا عادة القوافل والعساكر.

- ويقال: وَحُشِرَ، أي: جمع لسليمان جنوده في مسيرة له من الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ يجلس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا (١) قوله عز وجل: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ وذلك أن سليمان كان له بساط فرسخ في فرسخ، ويقال: أربع فراسخ في أربع فراسخ، وكان يضع عليه كرسيه وجميع عساكره عليه، ثم يأمر الريح فترفعه، وتذهب به مسيرة شهر في ساعة واحدة.

فركب ذات يوم في جموعه، فمر بواد النمل في أرض الشام.

قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ يعني: في بيوتكم، ويقال: حجركم لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ أي لا يهلكنكم، ويقال: لا يكسرنكم سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ بأن يظلموكم.

وإنما خاطبهم بقوله ادْخُلُوا بخطاب العقلاء، لأنه حكى عنهم ما يحكى عن العقلاء، ثم قال: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: قوم سليمان لا يشعرون بكم ولو كانوا يشعرون بكم، لا يحطمونكم لأنهم علموا أن سليمان ملك عادل لا بغي فيه ولا جور فيه، ولئن علم بها لم توطأ ويقال: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: جنوده خاصة، لأنه علم أن سليمان يعلم بمكانه ويتعاهده.

ويقال: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: النمل لا يشعرون بجنود سليمان حتى أخبرتهم النملة المنذرة، فرفع الريح صوتها إلى سليمان.

فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها كما يكون ضحك الأنبياء عليهم السلام، وإنما ضحك من ثنائها على سليمان بعدله في ملكه، يعني: أنه لو شعر بكم لم يحطمنّكم.

ويقال: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً أي متعجباً.

ويقال: فرحاً بما أنعم الله تعالى عليه.

ضاحِكاً صار نصباً على الحال.

ووَ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ يعني: ألهمني، ويقال: أوزعني من الكف أيضاً، كأنه قال: احفظ جوارحي لكيلا تشتغل بشيء سوى شكرك الذي أَنْعَمْتَ عَلَىَّ.

وَعَلى والِدَيَّ يعني: النبوة والملك.

وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ يعني: تقبله مني.

وذكر أنه مر بزارع، فقال الزارع: إنه ما أعطي مثل هذا الملك لأحد؟

فقال له سليمان: ألا أنبئك بما هو أفضل من هذا؟

القصد في الغنى والفقر، وتقوى الله تعالى في السر والعلانية، والقضاء بالعدل في الرضا والغضب.

ثم قال تعالى: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ يعني: في جنتك فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني: مع عبادك الصالحين، يعني: المرسلين.

فوقف سليمان  بموضعه ليدخل النمل مساكنهم، ثم مضى.

قرأ يعقوب الحضرمي وأبو عمرو في إحدى الروايتين لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ بسكون النون، وقراءة العامة بنصب النون والتشديد، وهذه النون تدخل للتأكيد فيجوز التخفيف والتثقيل، ولفظه لفظ النهي، ومعناه جواب الأمر، يعني: إن لم تدخلوا مساكنكم حطمكم.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الوازِع «١» ومنه قولُ الشاعر: [الطويل]

على حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ...

فَقُلْتُ: أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ «٢»

أي: كافٌّ، وهَكَذا نقل ابنُ العربيِّ «٣» عن مَالكٍ فقال: يُوزَعُونَ أي: يُكَفَّونَ.

قال ابن العربي «٤» : وقد يكُونُ بمعنى يُلهَمُونَ من قوله «أَوْزِعْنِي أن أَشكُرَ نعمَتَكَ» أي: ألهمني، انتهى من «الإحكام» .

حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)

وقولُه تَعَالَى: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها التبسمُ هو ضِحْكُ الأنبيَاءِ في غالِبِ أمْرهم لا يَليقُ بهم سِوَاهُ، وكان تَبَسُّمُه سروراً بنعمَةِ الله تَعالى عَلَيهِ في إسماعِهِ وتفهيمهِ.

وفي قول النملة: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ثناءٌ على سليمانَ وجنودِه يتضمنُ تنزيهِهم عن تعمدِ القبيحِ.

ثم دعا سليمانُ عليه السلام ربَّه أنْ يُعينَه ويُفَرِّغَهُ لشُكرِ نعمتهِ، وهذا معنى إيزاعِ الشُّكرِ، وقال الثعلبيُّ وغيرَه: «أوزِعْنِي» معناه: ألهِمْنِي، وكذلك قال العراقيّ: أَوْزِعْنِي ألهمني، انتهى.

وقوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ...

الآية، قالت فرقةٌ: ذلك بحسْبِ ما تقتَضِيه العنايةُ بالمَمْلَكَةِ والتَّهمُّمِ بكل جُزْءٍ منها، وهذا ظاهر الآيةِ أنَّه تَفَقَّدَ جميعَ الطيرِ، وقالت فِرقةٌ: بل تَفَقَّدَ الطيرَ لأَنَّ الشَّمْسَ دَخَلَتْ مِنْ مَوضِعِ الهُدْهُدِ فكان ذلك سببَ تفقدِ الطيرِ ليَبِينَ مِنْ أين دَخَلَتِ الشمسُ، وقال عبدُ اللهِ بن سلاَم: إنما طلبَ الهدهدَ لأنه احتاجَ إلى معرفةِ الماءِ على كَم هو مِنْ وَجهِ الأرضِ لأنه كانَ نَزَلَ في مفازةٍ عَدِمَ فيها الماءَ، وأن الهُدْهُدَ كان يَرَى بَاطِنَ الأرضِ وظاهرَها فكان يخبرُ سليمانَ بموضع الماءِ، ثم كانتِ الجنُّ تُخْرجُه في ساعةٍ، وقيل غير هذا والله أعلم بما صح من ذلك.

ثم توعد- عليه السلام- الهدهدَ بالعذابِ فروي عن ابن عباس وغيره: أن تعذيبَه للطير كانَ بنتفِ ريشِه «١» .

والسلطانُ:

الحجةُ حيث وقع في القرآن [العظيم] قاله ابن «٢» عباس.

وفعلَ سليمانُ هذا بالهدهدِ إغلاظاً على العاصينَ وعِقَاباً على إخلاله بنبوته ورتبته، والضميرُ في فَمَكَثَ يحتملُ أن يكونَ لسليمانَ أو للهدهدِ، وفي قراءة ابن مسعود «٣» «فتمكث ثم جاء فقال» وفي قراءة أُبَيِّ «٤» «فتمكث ثم قال أحطت» .

ت: وهاتان القراءتان تُبَيِّنَانِ أن الضميرَ في «مكث» للهدهدِ وهو الظاهرُ أيضاً في قراءة الجماعة، ومعنى مكثَ: أقامَ.

وقوله: غَيْرَ بَعِيدٍ يعني: في الزمن.

وقوله: أَحَطْتُ أي: عَلِمْتُ.

وقرأ الجمهورُ «٥» «سبأٍ» بالصرف على أنه اسمُ رجل وبه جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم من حديث فروةَ بن مسيك وغيره، سُئِلَ- عليه السلامُ- عَنْ سَبَإٍ فَقَالَ: «كَانَ رَجُلاً لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ تَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أرْبَعَة» «٦» .

ورواه الترمذي من طريقِ فروة بن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عِلْمًا بِالقَضاءِ وبِكَلامِ الطَّيْرِ والدَّوابِّ وتَسْبِيحِ الجِبالِ ﴿ وَقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا ﴾ بِالنُّبُوَّةِ والكِتابِ وإلانَةِ الحَدِيدِ وتَسْخِيرِ الشَّياطِينِ والجِنِّ والإنْسِ ﴿ عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ أشَدَّ تَعَبُّدًا مِن سُلَيْمانَ، وكانَ سُلَيْمانُ أعْظَمَ مُلْكًا مِنهُ وأفْطَنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ﴾ أيْ: ورِثَ نُبُوَّتَهُ وعِلْمَهُ ومُلْكَهُ، وكانَ لِداوُدَ تِسْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، فَخَصَّ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ، ولَوْ كانَتْ وِراثَةُ مالٍ لَكانَ جَمِيعُ أوْلادِهِ فِيها سَواءً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي سُلَيْمانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " عَلَّمْنا " بِفَتْحِ العَيْنِ واللّامِ.

قالَ الفَرّاءُ: ﴿ مَنطِقَ الطَّيْرِ ﴾ : كَلامُ الطَّيْرِ كالمَنطِقِ إذا فُهِمَ، قالَ الشّاعِرُ: عَجِبْتُ لَها أنّى يَكُونُ غِناؤُها فَصِيحًا ولَمْ تَفْغَرْ ( تَفْتَحْ ) بِمَنطِقِها فَما وَمَعْنى الآيَةِ: فَهِمْنا ما تَقُولُ الطَّيْرُ.

قالَ قَتادَةُ: والنَّمْلُ مِنَ الطَّيْرِ.

﴿ وَأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ أنَّ يُؤْتاهُ الأنْبِياءُ والنّاسُ.

وَقالَ مُقاتِلٌ: أعْطَيْنا المُلْكَ والنُّبُوَّةَ والكِتابَ والرِّياحَ ومَنطِقَ الطَّيْرِ، وسُخِّرَتْ لَنا الجِنُّ والشَّياطِينُ.

وَرَوى جَعْفَرُ بْنً مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ: أُعْطِيَ سُلَيْمانُ مُلْكَ مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، فَمَلَكَ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وسِتَّةَ أشْهُرٍ، ومُلْكَ أهْلِ الدُّنْيا كُلِّهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والشَّياطِينِ والدَّوابِّ والطَّيْرِ والسِّباعِ، وأُعْطِيَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ ومَنطِقَ كُلِّ شَيْءٍ، وفي زَمانِهِ صُنِعَتِ الصَّنائِعُ المُعَجِّبَةُ، فَذَلِكَ قَوْله: ﴿ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنِي: الَّذِي أعْطَيْنا ﴿ لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ ﴾ أيِ: الزِّيادَةُ الظّاهِرَةُ عَلى ما أُعْطِي غَيْرُنا.

﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ كُلُّ صِنْفٍ مِن جُنْدِهِ عَلى حِدَةٍ، وهَذا كانَ في مَسِيرٍ لَهُ، ﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آَخِرِهِمْ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ الوَزْعِ: الكَفُّ والمَنعُ.

يُقالُ: وزِعْتُ الرَّجُلَ، أيْ: كَفَفْتُهُ، ووازِعُ الجَيْشِ: الَّذِي يَكُفُّهم عَنِ التَّفَرُّقِ، ويَرُدُّ مَن شَذَّ مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أتَوْا ﴾ أيْ: أشْرَفُوا ﴿ عَلى وادِ النَّمْلِ ﴾ وفي مَوْضِعِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِالطّائِفِ، قالَهُ كَعْبٌ.

والثّانِي: بِالشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: " نَمُلَةٌ " بِضَمِّ المِيمِ؛ أيْ: صاحَتْ بِصَوْتٍ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مَفْهُومًا عَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ؛ ولَمّا نَطَقَ النَّمْلُ كَما يَنْطِقُ بَنُو آَدَمَ، أُجْرِيَ مَجْرى الآدَمِيِّينَ، فَقِيلَ: ﴿ ادْخُلُوا ﴾ ، وألْهَمَ اللَّهُ تِلْكَ النَّمْلَةَ مَعْرِفَةَ سُلَيْمانَ مُعْجِزًا لَهُ، وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ النَّمْلَ كَثِيرًا مِن مَصالِحِها تَزِيدُ بِهِ عَلى الحَيَواناتِ، فَمِن ذَلِكَ أنَّها تَكْسِرُ كُلَّ حَبَّةٍ تَدَّخِرُها قِطْعَتَيْنِ لِئَلّا تَنْبُتَ، إلّا الكُزْبَرَةَ فَإنَّها تَكْسِرُها أرْبَعَ قِطَعٍ، لِأنَّها تَنْبُتُ إذا كُسِرَتْ قِطْعَتَيْنِ، فَسُبْحانَ مَن ألْهَمَها هَذا!

وَفِي صِفَةِ تِلْكَ النَّمْلَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ النَّعْجَةِ، قالَ نُوفُ الشّامِيُّ: كانَ النَّمْلُ في زَمَنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ كَأمْثالِ الذِّئابِ.

والثّانِي: كانَتْ نَمْلَةً صَغِيرَةً.

﴿ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " مَسْكَنَكم " عَلى التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ الحَطْمُ: الكَسْرُ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ: " لَيَحْطِمَنَّكم " بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ اللّامِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " لا يَحْطِمْكم " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ وسُكُونِ المِيمِ وحَذْفِ النُّونِ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وأبانُ: " يَحْطمَنكم " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ والنُّونِ ساكِنَةً أيْضًا والطّاءُ خَفِيفَةٌ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو مِجْلَزٍ: " لا يَحِطِّمَنَّكم " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ والنُّونِ جَمِيعًا.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " يُحْطِمَنَّكم " بِرَفْعِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.

والحَطْمُ: الكَسْرُ، والحُطامُ: ما تَحَطَّمَ.

قالَ مُقاتِلٌ: سَمِعَ سُلَيْمانُ كَلامَها مِن ثَلاثَةِ أمْيالٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وأصْحابُ سُلَيْمانَ لَمْ يَشْعُرُوا بِكَلامِ النَّمْلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وأصْحابُ سُلَيْمانَ لا يَشْعُرُونَ بِمَكانِكم، أنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ مُلْكٌ لا بَغْيَ فِيهِ، وأنَّهم لَوْ عَلِمُوا بِالنَّمْلِ ما تَوَطَّؤُوهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ ضاحِكًا ﴾ مَنصُوبٌ، حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِأنَّ " تَبَسَّمَ " بِمَعْنى " ضَحِكَ " .

قالَ المُفَسِّرُونَ: تَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِمّا قالَتْ، وقِيلَ: مِن ثَنائِها عَلَيْهِ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ الآيَةُ مِن عَجائِبِ القُرْآَنِ، لِأنَّها بِلَفْظَةِ " يا " نادَتْ " أيُّها " نَبَّهَتِ " النَّمْلَ " عَيَّنَتْ " ادْخُلُوا " أمَرَتْ " مَساكِنَكم " نَصَّتْ ﴿ لا يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ حَذَّرَتْ ﴿ سُلَيْمانُ ﴾ خَصَّتْ ﴿ وَجُنُودُهُ ﴾ عَمَّتْ ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ عَذَرَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ألْهِمْنِي، أصْلُ الإيزاعِ: الإغْراءُ بالشَّيْءِ، يُقالُ: أوْزَعْتُهُ بِكَذا، أيْ: أغْرَيْتُهُ بِهِ، وهو مُوَزَّعٌ بِكَذا، ومُولَعٌ بِكَذا.

وقالَ الزَّجّاجُ.

تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ: كُفَّنِي عَنِ الأشْياءِ إلّا عَنْ شُكْرِ نِعْمَتِكَ؛ والمَعْنى: كُفَّنِي عَمّا يُباعِدُ مِنكَ، ﴿ وَأنْ أعْمَلَ ﴾ أيْ: وَألْهِمْنِي أنْ أعْمَلَ ﴿ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما شَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّ الرِّيحَ أبْلَغَتْ إلَيْهِ صَوْتَها فَفَهِمَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَمْلِ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصالِحِينَ ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ وجُنُودُهُ كانُوا مُشاةً في الأرْضِ، ولِذَلِكَ يَتَّفِقُ حَطْمُ النَمْلِ [بِنُزُولِهِمْ في وادِي النَمْلِ]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا في الكُرْسِيِّ المَحْمُولِ بِالرِيحِ، وأحَسَّتِ النَمْلُ بِنُزُولِهِمْ في وادِ النَمْلِ [وَوادِي النَمْلِ قِيلَ: بِالشامِ، وقِيلَ بِأقْصى اليَمَنِ، وهو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ مَذْكُورٌ في أشْعارِها].

وأمالَ أبُو عَمْرٍو الواوَ مِن "وادِي"، والجَمِيعُ فَخَّمَ، وبِالإمالَةِ قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ.

وقَرَأ المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عن أبِيهِ: "النَمْلُ" بِضَمِّ المِيمِ كالشَمْسِ، و[قالَتْ نَمْلَةٌ] أيْضًا بِالضَمِّ كَسُمْرَةَ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا ضَمُّ النُونِ والمِيمِ مِنَ "النَمْلِ".

وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: كانَ ذَلِكَ النَمْلُ عَلى قَدْرِ الذُبابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ صِغارًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُقالُ في هَذا أنَّ النَمْلَ كانَتْ نِسْبَتُها مِن هَذا الخَلْقِ نِسْبَةَ هَذا النَمْلِ مِنّا، فَيُحْتَمَلُ أنْ كانَ الخَلْقُ كُلُّهُ أكْمَلَ.

وهَذِهِ النَمْلَةُ قالَتْ هَذا المَعْنى -الَّذِي لا يَصْلُحُ لَهُ إلّا هَذِهِ العِبارَةُ- قَوْلًا فَهِمَهُ عنها النَمْلُ، فَسَمِعَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى بُعْدِهِ، وجاءَتِ المُخاطَبَةُ كَمَن يَعْقِلُ، لِأنَّها أمَرَتْهم بِما يُؤْمَرُ بِهِ مَن يَعْقِلُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ فَتَبَسَّمَ مِن قَوْلِها.

والتَبَسُّمُ ضِحْكُ الأنْبِياءِ في غالِبِ أمْرِهِمْ، لا يَلِيقُ بِهِمْ سِواهُ.

وكانَ ضَحِكُهُ سُرُورًا، واخْتَلَفَ بِمَ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في إسْماعِهِ وتَفَهُّمِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنَبَأِ النَمْلَةِ عَلَيْهِ وعَلى جُنُودِهِ في أنْ نَفَتْ عنهم تَعَمُّدَ القَبِيحِ مِنَ الفِعْلِ، فَجَعَلَتِ الحَطْمَ وهم لا يَشْعُرُونَ.

وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "مَسْكَنِكُمْ" بِسُكُونِ السِينِ عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ "مَساكِنُكُنَّ".

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا يَحْطِمَنَّكُمْ" بِشَدِّ النُونِ وسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وفي رِوايَةِ عُبَيْدَةَ: "لا يَحْطِمَنكُمْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "لا يُحَطِّمَنَّكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الطاءِ وشَدِّها وشَدِّ النُونِ، وعنهُ أيْضًا "لا يَحِطِّمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ والطاءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ: "لا يَحْطِمْكُمْ" مُخَفَّفَةً بِغَيْرِ نُونٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "لا يَحْطِمَنَكُمْ" مُخَفَّفَةَ النُونِ الَّتِي قَبِلَ الكافِ.

و"ضاحِكًا" نَصَبَ عَلى الحالِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "ضَحِكًا"، وهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ [بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ"تَبَسَّمَ"، كَأنَّهُ قالَ: "ضَحِكَ ضَحِكًا"، وهَذا مَذْهَبُ صاحِبِ الكِتابِ، أو يَكُونُ مَنصُوبًا بِنَفْسِ "تَبَسَّمَ" لِأنَّهُ في مَعْنى (ضَحِكَ)].

ثُمَّ دَعا سُلَيْمانُ -عَلَيْهِ السَلامُ- رَبَّهُ في أنْ يُعِينَهُ اللهُ تَعالى ويُفَرِّغَهُ لِشُكْرِ نِعْمَتِهِ، وهَذا هو مَعْنى إيزاعِ الشُكْرِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ حتّى ﴾ ابتدائية، ومعنى الغاية لا يفارقها، ولكنها مع الابتدائية غاية غيرُ نهاية.

و ﴿ إذا ﴾ ظرف زمان بمعنى حين، وهو يقتضي فعلين بعدهُ يشبهان فعلي الشرط وجوابِه لأن ﴿ إذا ﴾ مضمَّنة معنى الشرط، و ﴿ إذا ﴾ معمول لفعل جوابه، وأما فعل شرطه فهو جملة مضاف إليها ﴿ إذا ﴾ .

والتقدير: حتى قالت نملة حينَ أتوا على واد النمل.

وواد النمل يجوز أن يكون مراداً به الجنس لأن للنمل شقوقاً ومسالك هي بالنسبة إليها كالأودية للساكنين من الناس، ويجوز أن يراد به مكان مشتهر بالنمل غلب عليه هذا المضاف كما سمي وادي السباع موضع معلوم بين البصرة ومكة.

قيل: واد النمل في جهة الطائف، وقيل غير ذلك، وكله غير ظاهر من سياق الآية.

و ﴿ النمل ﴾ : اسم جنس لحشرات صغيرة ذات ست أرجل تسكن في شقوق من الأرض.

وهي أصناف متفاوتة في الحجم، والواحد منه نملة بتاء الوحدة، فكلمة نملة لا تدل إلا على فرد واحد من هذا النوع دون دلالة على تذكير ولا تأنيث فقوله: ﴿ نملة ﴾ مفاده: قال واحدٌ من هذا النوع.

واقتران فعله بتاء التأنيث جرى على مراعاة صورة لفظه لشبه هائه بهاء التأنيث وإنما هي علامة الوحدة، والعرب لا يقولون: مشَى شاة، إذا كان الماشي فحلاً من الغنم، وإنما يقولون: مَشت شاة، وطارت حمامة، فلو كان ذلك الفرد ذكراً وكان مما يفرق بين ذكره وأنثاه في أغراض الناس وأرادوا بيان كونه ذكراً قالوا: طارت حمامة ذكر، ولا يقولون طار حمامة، لأن ذلك لا يفيد التفرقة.

ألا ترى أنه لا يصلح أن يكون علامة على كون الفاعل أنثى، ألا ترى إلى قول النابغة: مَاذَا رُزئنا به من حَيَّة ذَكَر *** نَضناضة بالرزايا صِلِّ أصلال فجاء باسم (حية) وهو اسم للجنس مقترن بهاء التأنيث، ثم وصفه بوصف ذكر ثم أجرى عليه التأنيث في قوله: نضناضة، لأنه صفة ل (حية).

وفي حديث ابن عباس عن صلاة العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم «أقبلتُ راكباً على حمار أتان» فوصف (حمارٍ) الذي هو اسم جنس باسم خاص بأنثاه.

ولذلك فاقتران فعل ﴿ قالت ﴾ هنا بعلامَة التأنيث لمراعاة اللفظ فقط، على أنه لا يتعلق غرض بالتمييز بين أنثى النمل وذكره بلْه أن يتعلق به غرض القرآن لأن القصد وقوع هذا الحادث وبيان علم سليمان لا فيما دون ذلك من السفاسف.

وذكر في «الكشاف»: أن قتادة دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حَدَث، فقال لهم أبو حنيفة: سلوه عن نملة سليمان: أكانت ذكراً أم أنثى؟

فسألوه، فأفْحِم.

فقال أبو حنيفة: كانت أنثى.

فقيل له: من أين عرفت؟

قال: من كتاب الله وهو قوله تعالى: ﴿ قالت نملة ﴾ ولو كانت ذكراً لقال: قال نملة.

قال في «الكشاف»: وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وُقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامةٍ نحو قولهم: حمامةٌ ذكر وحمامةٌ أنثى، وقولِهم: وهُو وهِي.

اه.

ولعل مراد صاحب «الكشاف» إن كان قَصَدَ تأييدَ قَولة أبي حنيفة أن يقاس على الوصف بالتذكير ما يقوم مقامه في الدلالة على التفرقة بين الذكر والأنثى فتقاس حالة الفعل على حالة الوصف، إلا أن الزمخشري جاء بكلام غير صريح لا يدرى أهو تأييد لأبي حنيفة أم خروج من المضيق.

فلم يُقدم على التصريح بأن الفعل يقترن بتاء التأنيث إذا أريد التفرقة في حالة فاعله.

وقد رد عليه ابن المنيّر في «الانتصاف» وابن الحاجب في «إيضاح المفصّل» والقزويني في «الكشف على الكشاف».

ورأوا أن أبا حنيفة ذهل فيما قاله بأنه لا يساعد قول أحد من أيمة اللغة ولا يشهد به استعمال ولا سيما نحاة الكوفة ببلدِه فإنهم زادوا فجوزوا تأنيث الفعل إذا كان فعله علماً مؤنث اللفظ مثل: طلحة وحمزة.

واعلم أن إمامة أبي حنيفة في الدين والشريعة لا تنافي أن تكون مقالته في العربية غير ضليعة.

وأعجب من ذهول أبي حنيفة انفحام قتادة من مثل ذلك الكلام.

وغالب ظني أن القصة مختلقة اختلاقاً غير متقن.

ويجوز أن يخلق الله لها دلالة وللنمل الذي معها فهما لها وأن يخلق فيها إلهاماً بأن الجيش جيشُ سليمان على سبيل المعجزة له.

والحطم: حقيقته الكسر لشيء صلب.

واستعير هنا للرفس بجامع الإهلاك.

و ﴿ لا يحطمنّكم ﴾ إن جعلت ﴿ لا ﴾ فيه ناهية كانت الجملة مستأنفة تكريراً للتحذير ودلالة على الفزع لأن المحذِّر من شيء مُفزِع يأتي بجمل متعددة للتحذير من فرط المخافة والنهي عن حطم سليمان إياهن كناية عن نهيهن عن التسبب فيه وإهمال الحذر منه كما يقال: لا أعرفنك تفعل كذا، أي لا تفعله فأَعرِفَك بفعله، والنون توكيد للنهي؛ وإن جعلت ﴿ لا ﴾ نافية كانت الجملة واقعة في جواب الأمر فكان لها حكم جواب شرط مقدّر.

فالتقدير: إن تدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان، أي يَنْتفِ حطمُ سليمان إياكنّ، وإلاّ حطمكم.

وهذا مما جوّزه في «الكشاف».

وفي هذا الوجه كون الفعل مؤكداً بالنون وهو منفي ب ﴿ لا ﴾ وذلك جائز على رأي المحققين إلا أنه قليل.

وأما من منعه من النحاة فيمنع أن تجعل ﴿ لا ﴾ نافية هنا.

وصاحب «الكشاف» جعله من اقتران جواب الشرط بنون التوكيد لأن جواب الأمر في الحكم جواب الشرط وهو عنده أخف من دخولها في الفعل المنفي بناءً على أن النفي يضاد التوكيد.

وتسمية سليمان في حكاية كلام النملة يجوز أن تكون حكاية بالمعنى وإنما دلت دلالة النملة على الحذر من حطم ذلك المحاذي لواديها، فلما حكيت دلالتها حكيتْ بالمعنى لا باللفظ، ويجوز أن يكون قد خلق الله علماً في النملة علمت به أن المارّ بها يُدعى سليمان على سبيل المعجزة وخرق العادة.

وتبسُّم سليمان من قولها تبسم تعجب.

والتبسّم أضعف حالات الضحك فقوله: ﴿ ضاحكاً ﴾ حال موكدة ل ﴿ تبسَّم ﴾ وضحك الأنبياء التبسّم، كما ورد في صفة ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما يقرب من التبسّم مثل بدوّ النواجذ كما ورد في بعض صفات ضحكه.

وأما القهقهة فلا تكون للأنبياء، وفي الحديث " كثرة الضحك تميت القلب " وإنما تعجب من أنها عرفت اسمه وأنها قالت: ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فوسمته وجندَه بالصلاح والرأفة وأنهم لا يقتلون ما فيه روح لغير مصلحة، وهذا تنويه برأفتِه وعدله الشامل لكل مخلوق لا فساد منه أجراه الله على نملة ليعلَم شرفَ العدل ولا يحتقِرَ مواضعه، وأن وليّ الأمر إذا عدل سرى عدله في سائر الأشياء وظهرت آثاره فيها حتى كأنه معلوم عند ما لا إدراك له، فتسير جميع أمور الأمة على عدل.

ويضرب الله الأمثال للناس، فضرب هذا المثل لنبيئه سليمان بالوحي من دلالة نملة، وذلك سر بينه وبين ربّه جعله تنبيهاً له وداعية لشكر ربّه فقال: ﴿ رب أوزعني أن أشكر نعمتك ﴾ .

وأوزع: مزيد (وزع) الذي هو بمعنى كفّ كما تقدم آنفاً، والهمزة للإزالة، أي أزال الوزع، أي الكف.

والمراد أنه لم يترك غيره كافّاً عن عمل وأرادوا بذلك الكناية عن ضد معناه، أي كناية عن الحث على العمل.

وشاع هذا الإطلاق فصار معنى أوزع أغرى بالعمل.

فالمعنى: وفِّقني للشكر، ولذلك كان حقّه أن يتعدى بالباء.

فمعنى قوله: ﴿ أوزعني ﴾ ألهمني وأغْرِني.

و ﴿ أن أشكُر نعمتك ﴾ منصوب بنزع الخافض وهو الباء.

والمعنى: اجعلني ملازماً شكر نعمتك.

وإنما سأل الله الدوام على شكر النعمة لما في الشكر من الثواب ومن ازدياد النعم، فقد ورد: النعمة وحشية قيِّدوها بالشكر فإنها إذا شُكرت قرّت.

وإذا كُفرت فرّت.

ومن كلام الشيخ ابن عطاء الله: «من لم يشكر النعمة فقد تعرّض لزوالها، ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها».

وفي «الكشاف» عند قوله: ﴿ ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ﴾ [لقمان: 12] وفي كلام بعض المتقدمين «أن كُفران النعم بوار، وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنَها بكرم الجوار، واعلم أن سُبوغ ستر الله متقلص عما قريب إذا أنت لم ترجُ لله وقاراً».

وأدرج سليمان ذكر والديه عند ذكره إنعام الله تعالى عليه لأن صلاح الولد نعمة على الوالدين بما يدخل عليهما من مسرة في الدنيا وما ينالهما من دُعائه وصدقاته عنهما من الثواب.

ووالداه هما أبوه داود بن يسّي وأمه (بثشبع) بنت (اليعام) وهي التي كانت زوجة (أوريا) الحِثّي فاصطفاها داود لنفسه، وهي التي جاءت فيها قصة نبأ الخصم المذكورة في سورة ص.

و ﴿ أن أعمَل ﴾ عطف على ﴿ أن أشكر ﴾ .

والإدخال في العباد الصالحين مستعار لجعله واحداً منهم، فشبه إلحاقه بهم في الصلاح بإدخاله عليهم في زمرتهم، وسؤاله ذلك مراد به الاستمرار والزيادة من رفع الدرجات لأن لعباد الله الصالحين مراتبَ كثيرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَهْمًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: صَنْعَةَ الكِيمْياءِ وهو شاذٌّ.

الثّالِثُ: فَصْلَ القَضاءِ.

الرّابِعُ: عِلْمَ الدِّينِ.

الخامِسُ: مَنطِقَ الطَّيْرِ.

السّادِسُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

﴿ وَقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴾ وحَمْدُهُما لِلَّهِ شُكْرًا عَلى نِعَمِهِ.

وَفِيما فَضَّلَهُما بِهِ عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِالنُّبُوَّةِ.

الثّانِي: بِالمُلْكِ.

الثّالِثُ: بِالنُّبُوَّةِ والعِلْمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ورِثَ نَبُّوتَهُ ومُلْكَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الكَلْبِيُّ: وكانَ لِداوُدَ تِسْعَةَ عَشَرَ ولَدًا ذَكَرًا وإنَّما خُصَّ سُلَيْمانُ بِوِراثَتِهِ لِأنَّها وِراثَةُ نُبُوَّةٍ ومُلْكٍ، ولَوْ كانَتْ وِراثَةَ مالٍ لَكانَ جَمِيعُ أوْلادِهِ فِيهِ سَواءً.

الثّانِي: أنْ سَخَّرَ لَهُ الشَّياطِينَ والرِّياحَ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الثّالِثُ: أنَّ داوُدَ اسْتَخْلَفَهُ في حَياتِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وكانَتْ وِلايَتُهُ هي الوِراثَةَ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، ومِنهُ قِيلَ: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»، لِأنَّهم في الدِّينِ مَقامُ الأنْبِياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُساقُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

الثّانِي: يُدْفَعُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ اليَزِيدِيُّ: تُدْفَعُ أُخْراهم وتُوقَفُ أُولاهم.

الثّالِثُ: يُسْحَبُونَ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

الرّابِعُ: يُجْمَعُونَ.

الخامِسُ: يُسْجَنُونَ، قالَ الشّاعِرُ لِسانُ الفَتى سَبْعٌ عَلَيْهِ سُداتُهُ وإلّا يَزَعْ مِن عَرْبِهِ فَهو قاتِلُهُ ∗∗∗ وما الجَهْلُ إلّا مَنطِقٌ مُتَسَرِّعٌ ∗∗∗ سَواءٌ عَلَيْهِ حَقُّ أمْرٍ وباطِلُهُ السّادِسُ: يُمْنَعُونَ، مَأْخُوذٌ مِن وزَعَهُ عَنِ الظُّلْمِ، وهو مَنعُهُ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما وزَعَ اللَّهُ بِالسُّلْطانِ أكْبَرُ مِمّا وزَعَ بِالقُرْآنِ.

وَقالَ النّابِغَةُ عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمًا تَصَدَّعَ والشَّيْبُ وازِعُ والمُرادُ بِهَذا المَنعِ ما قالَهُ قَتادَةُ: أنْ يُرَدَّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَجْتَمِعُوا ولا يَتَفَرَّقُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ وادٍ بِأرْضِ الشّامِ.

وَقالَ كَعْبٌ: وهو بِالطّائِفِ.

﴿ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: كانَ لِلنَّمْلَةِ جَناحانِ فَصارَتْ مِنَ الطَّيْرِ، فَلِذَلِكَ عَلِمَ مَنطِقَها، ولَوْلا ذَلِكَ، ما عَلِمَهُ.

﴿ لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ ﴾ أيْ لا يُهْلِكَنَّكم.

﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: والنَّمْلُ لا يَشْعُرُونَ بِسُلَيْمانَ وجُنُودِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: وسُلَيْمانُ وجُنُودُهُ لا يَشْعُرُونَ بِهَلاكِ النَّمْلِ، وسُمِّيَتِ النَّمْلَةُ نَمْلَةً لِتَنَمُّلِها وهو كَثْرَةُ حَرَكَتِها وقِلَّةُ قَرارِها، وقِيلَ إنَّ النَّمْلَ أكْثَرُ جِنْسِهِ حِسًّا لِأنَّهُ إذا التَقَطَ الحَبَّةَ مِنَ الحِنْطَةِ والشَّعِيرَ لِلِادِّخارِ قَطَعَها اثْنَيْنِ لِئَلّا تَنْبُتُ، وإنْ كانَتْ كُزْبَرَةً قَطَعَها أرْبَعَ قِطَعٍ لِأنَّها تَنْبُتُ إذا قُطِعَتْ قِطْعَتَيْنِ، فَأُلْهِمَ بِحِسِّهِ فَرْقَ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَلِهَذا الحِسِّ قالَتْ: ﴿ لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ ﴾ فَحُكِيَ أنَّ الرِّيحَ أطارَتْ كَلامَها إلى سُلَيْمانَ حَتّى سَمِعَ قَوْلَها مِن ثَلاثَةِ أمْيالٍ فانْتَهى إلَيْها وهي تَأْمُرُ النَّمْلَ بِالمُغادَرَةِ.

﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ مِن حَذَرِها بِالمُغادَرَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَبَسَّمَ مِن ثَنائِها عَلَيْهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَبَسَّمَ مِنِ اسْتِبْقائِها لِلنَّمْلِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَوَقَفَ سُلَيْمانُ بِجُنُودِهِ حَتّى دَخَلَ النَّمْلُ مَساكِنَهُ.

﴿ وَقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ألْهِمْنِي، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: اجْعَلْنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: حَرِّضَنِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ فَحَكى سُفْيانُ أنْ رَجُلًا مِنَ الحَرَسِ قالَ لِسُلَيْمانَ، أنا بِمَقْدِرَتِي أشْكَرُ لِلَّهِ مِنكَ، قالَ فَخَرَّ سُلَيْمانُ عَنْ فَرَسِهِ ساجِدًا.

وَفِي سَبَبِ شُكْرِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ عَلِمَ مَنطِقَ الطَّيْرِ حَتّى فَهِمَ قَوْلَها.

الثّانِي: أنْ حَمَلَتِ الرِّيحُ قَوْلَها إلَيْهِ حَتّى سَمِعَهُ قَبْلَ وُصُولِهِ لِجُنُودِهِ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ فَأمْكَنَهُ الكَفُّ.

﴿ وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شُكْرُ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: حِفْظُ ما اسْتَرْعاهُ، وهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالنُّبُوَّةِ الَّتِي شَرَّفَتْنِي بِها.

الثّانِي: بِالمَعُونَةِ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِها.

﴿ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في جُمْلَةِ أنْبِيائِكَ.

الثّانِي: في الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُ أوْلِيائِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ حتى إذا أتوا على وادِ النمل ﴾ قال: ذكر لنا أنه واد بأرض الشام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت من الطير ذات جناحين، ولولا ذلك لم يعرف سليمان ما تقول.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: النمل من الطير.

وأخرج البخاري في تاريخه، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن نوف قال: كان النمل في زمن سليمان بن داود أمثال الذباب.

وفي لفظ مثل الذباب.

وأخرج عبد بن حميد عن الحكم قال: كان النمل في زمان سليمان أمثال الذباب.

وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه قال: أمر الله الريح قال: «لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء في الأرض بينهم إلا حملته فوضعته في أذن سليمان» فبذلك سمع كلام النملة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن التبسم في الصلاة، فقرأ هذه الآية ﴿ فتبسم ضاحكاً من قولها ﴾ وقال: لا أعلم التبسم إلا ضحكاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ أوزعني ﴾ قال: ألهمني.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ﴾ قال: مع الأنبياء والمؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ ﴾ أي: أشرفوا عليه (١) (٢) (٣) ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ ذكرنا أن القول والكلام والمنطق يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر، ويعبر به عن الصوت، كقوله: حتى إذا نطق العصفور.

أي: صاح (٤) ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ أي: صاحت بصوت خلق الله لها.

ولما كان ذلك الصوت مفهومًا لسليمان -  -، عبَّر عنه بالقول علي ما ذكر الفراء، في منطق الطير (٥) قال الكلبي: وكانت نملة صغيرة مثل النمل (٦) (٧) وعن بريدة الأسلمي: أنها كانت كهيئة النعاج (٨) ﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ﴾ ولو كانت كالذئاب والنعاج، ما حطمت بالوطء ولا خافت ذلك (٩) والنملة، جمعها: نَمْل، ونِمَال (١٠) دبيبُ نِمَالٍ في نَقًا يتهيّلُ (١١) ويقال: رجل نَمِل الأصابع، إذا كان خفيف الأصابع في العمل.

وفرسٌ نَمِل القوائم؛ لا يكاد يستقر (١٢) قال أهل المعاني: ومعرفة النملة سليمان معجزة له ألهمها الله تعالى معرفته حتى عرفت وحَذَّرت النملَ حَطْمَه، والنمل تعرف كثيرًا مما فيه نفعها وضرها؛ فمن ذلك: أنها تكسر الحبة بقطعتين لئلا تنبت، إلا الكُزْبَرَة (١٣) (١٤) قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ﴾ قال أبو إسحاق: جاء لفظ: (ادْخُلُوا) كلفظ ما يعقل؛ لأن النمل هاهنا أجري مجرى الآدميين حين نطق كما نطق الآدميون (١٥) وذكرنا استقصاء هذا عند قوله: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ ﴾ الآية [يوسف: 4] (١٦) قوله تعالى: ﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ الحَطم: كسر الشيء، والحُطَام: ما يُحطم من ذلك (١٧) ومعنى: ﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ لا يكسرنكم (١٨) (١٩) ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ الآية، [الأنفال: 25] وهذه الآية وتلك سواء (٢٠) وقوله: ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ أي: بحطمكم ووطئكم.

قال مقاتل: لقد علمت النملة أنه مَلِك لا بغي فيه، ولا فخر، وأنه إن علم بها قبل أن يغشاها لم يتوطاها (٢١) ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ (٢٢) ثم وقف سليمان بمَنْ معه ليدخل النمل مساكنها (٢٣) (٢٤) قال المفسرون: طارت الريح بكلام النملة فأدخلته أذن سليمان (٢٥) (٢٦) وفي هذه الآية ذكر أنواعٍ من المعجزة لسليمان؛ وهي: معرفة النمل لسليمان وجنوده، وكلامُ النملة للنمل، وفَهْمُ النمل عنها ما حذرتهم من الحطم؛ لأنها لما سمعت كلام النملة دخلت المساكن، وسماعُ سليمان كلام النملة.

(١) "تفسير الوسيط" 3/ 373، ولم ينسبه.

(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 124 أ.

و"تفسير الماوردي" 4/ 199.

و"تفسير البغوي" 6/ 150.

قال البقاعي 14/ 142: وهو الذي تميل إليه النفس، فإنه معروف عندهم بهذا الاسم، ويسمى أيضًا: نخب، وزن كتف، وقد رأيته لما قصدت تلك الديار.

والطائف مدينة معروفة في غريب المملكة العربية السعودية، على بعد 100كم من مكة المكرمة.

(٣) "تفسير مقاتل" 57 ب.

وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2857، عن قتادة.

و"تفسير == الثعلبي" 8/ 124 أ.

و"تنوير المقباس" 316.

واقتصر عليه الهواري 3/ 249، ولم ينسبه.

وذكره الزجاج 4/ 112، ولم ينسبه.

واقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 801، وذكر القولين في تفسيره الوسيط 3/ 373.

وكذا البغوي 6/ 150.

(٤) تقدم ذكر البيت عند قول الله تعالى: ﴿ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ  ﴾ .

(٥) وذهب إلى هذا سيبويه، الكتاب 2/ 46، وكذا المبرد، "المقتضب" 2/ 226.

(٦) نسبه للكلبي القرطبي 13/ 171، وفي "تنوير المقباس" 316: نملة عرجاء يقال لها: منذرة!.

وما دليل ذلك؟.

(٧) "تفسير القرطبي" 13/ 171.

وأخرجه ابن جرير 19/ 142، عن عوف، بلفظ: الذباب.

واقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 801.

وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2858، عن نوف الحميري: كان نمل سليمان مثل أمثال الذئاب.

وذكره كذلك الثعلبي 8/ 124 أ.

وذكر السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 347، عن كعب: وكانت مثل الذئب في العظم.

وذكره الزجاج 4/ 112، ولم ينسبه.

وذكره ابن كثير 6/ 183، عن الحسن، ثم نقد ابن كثير هذه الأقوال بقوله: ومن قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه التكملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها.

وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2857 عن الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات في حين.

(٨) ذكره عنه القرطبي 13/ 171.

(٩) ورجح ذلك القرطبي 13/ 171، ولم يذكر من سبقه له.

قال البغوي 6/ 151، والبرسوي 6/ 333: والمشهور أنه النمل الصغير.

(١٠) "تهذيب اللغة" 15/ 366 (نمل).

(١١) "تهذيب اللغة" 15/ 366 (نمل)، عن الليث، ونسبه للأخطل، وصدره: تدِب دبيبًا في العظام كأنه النقا: ما ارتفع من الرمل، يتهل: ينحدر.

"شرح ديوان الأخطل" 262.

(١٢) "تهذيب اللغة " 15/ 366 (نمل).

(١٣) نوع من أنواع البقول.

"لسان العرب" 5/ 138 (كزبر)، و"المعجم الوسيط" 2/ 786.

(١٤) "تفسير الوسيط" 3/ 373، ولم ينسبه.

و"تفسير الماوردي" 4/ 200، ولم يشبه.

وذكره الطوسي للدلالة على أن معرفة النمل لسليمان، ليس على سبيل المعجزة الخارقة للعادة؛ لأنه لا يمتنع أن تعرف البهيمة كثيرًا مما فيه نفعها وضرها.

== "التبيان في تفسير القرآن" 8/ 84.

وذكر ابن القيم عجائب صنع الله تعالى في المل، في كتابه "شفاء العليل" 69، 70.

(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 112.

(١٦) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: وقوله: ﴿ رَأَيْتَهُمْ ﴾ وهي مما لا يَفهم، ولا يُفهم وحسن ذلك؛ لأنه لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام: ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ  ﴾ .

(١٧) "تهذيب اللغة" 4/ 399 (حطم).

(١٨) "تنوير المقباس" 317.

و"تفسير ابن جرير" 19/ 141.

(١٩) "تفسير مقاتل" 75 ب.

(٢٠) قال الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة الأنفال: ووجه إعراب الآية على هذا القول ما ذكره أبو إسحاق، وهو أن قوله: ﴿ لَا تُصِيبَنَّ ﴾ نهي بعد أمر، والمعنى: اتقوا فتنة، ثم نهى بعدُ، ثم قال: ﴿ لَا تُصِيبَنَّ ﴾ الفتنة الذين ظلموا، أي: لا == يتعرضن الذين ظلموا لما ينزل بهم من العذاب.

ثم ذكر شرح ابن الأنباري لهذا القول، ثم ذكر قول أبي علي الفارسي: إنه نهي بعد أمر، واستغني عن استعمال حرف العطف معه لاتصال الجملة الثانية بالأولى كما استغني عن ذلك في قوله: ﴿ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ و ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ ومحال أن يكون جواب الأمر بلفظ النهي، ودخول النون هاهنا يمنع أن تكون: ﴿ لَا تُصِيبَنَّ ﴾ جوابًا للأمر.

قال أبو حيان: دخول نون التوكيد على المنفي بـ: لا، مختلف فيه؛ فالجمهور لا يجيزونه ويحملون ما جاء منه على الضرورة، أو الندور، والذي نختاره الجواز، وإليه ذهب بعض النحويين.

"البحر المحيط" 4/ 477، وأطال الحديث عن هذه المسألة في سورة الأنفال، وفي سورة النمل، وتبعه السمين الحلبي، "الدر المصون" 5/ 589.

قال ابن الأنباري: (لا) ناهية، ولهذا دخلت النون الشديدة في ﴿ يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ ولا يجوز أن يكون تقديره: إن دخلتم مساكنكم لم يحطمنكم، على ما ذهب إليه بعض الكوفيين؛ لأن نون التوكيد لا تدخل في الجزاء إلا في ضرورة الشعر.

"البيان" 2/ 220.

(٢١) "تفسير مقاتل" 75 ب.

(٢٢) أي: لا يعلمون أنهم يحطمونكم.

"تفسير ابن جرير" 19/ 141.

وذكر الهواري 3/ 249، قولاً آخر اقتصر عليه ولم ينسبه، فقال أي: والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم كلامهم.

وفي ذلك بعد، وقد نقد هذا القول محقق الكتاب.

واستبعده الشوكاني 4/ 127.

وذكر القولين السمرقندي 2/ 492.

والماوردي 4/ 200.

ورد هذا القول ابن العربي، في أحكام القرآن 3/ 475.

وذكر ابن الجوزي 6/ 162، عن ابن عباس: وأصحاب سليمان لم يشعروا بكلام النملة.

(٢٣) "تفسير مقاتل" 75 ب.

ونسبه "الماوردي" 4/ 200، لابن عباس.

(٢٤) أي: تتوطأهم الجنود.

ونحو هذا ذكر الحافظ ابن كثير، في "البداية والنهاية" 2/ 19.

وفي هذا رد على ما سبق من حمل الريح لجنود نبي الله سليمان -  -.

(٢٥) "تفسير الثعلبي" 8/ 124 أ.

و"الماوردي" 4/ 200.

و"تفسير الوسيط" 3/ 373.

(٢٦) "تفسير الثعلبي" 8/ 123 أ.

وظاهر الآية أنه سمع كلام النملة لقربه منها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل ﴾ ظاهر هذا أن سليمان وجنوده كانوا مشاة بالأرض، أو ركباناً حتى خافت منهم النمل، ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح، وأحست النملة بنزولهم في وادي النمل ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ النمل: حيوان بل حشرة فطن قويّ الحس يدخر قوته، ويقسم الحبة بقسمين لئلا تنبت، ويقسم حبة الكسبرة على أربع قطع لأنها تنبت إذا قمست قسمين، ولإفراط إدراكها قالت هذا القول، ورُوي أن سليمان سمع كلامها، وكان بينه وبينها ثلاثة أميال، وهذا لا يسمعه البشر إلى من خصة الله بذلك ﴿ ادخلوا ﴾ خاطبتهم مخطابة العقلاء، لأنها أمرتهم بما يؤمر به العقلاء ﴿ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون جواباً للأمر، أو نهياً بدلاً من الأمر لتقارب المعنى ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ الضمير لسليمان وجنوده، والمعنى اعتذار عنهم لو حطموا النمل أي لو شعروا بهم لم يحطموهم ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً ﴾ تبسم لأحد أمرين: أحدهما سروره بما أعطاه الله؛ والآخر ثناء النملة عليه وعلى جنوده، فإن قولها هم لا يشعرون: وصف لهم بالتقوى والتحفظ من مضرة الحيوان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وادي النمل ﴾ ممالة: عباس وقتيبة.

وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف.

﴿ لا يحطمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: عباس ورويس.

﴿ أوزعني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وكذلك في "الأحقاف" ﴿ ما لي لا ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وعلي وعاصم ﴿ ليأتيني ﴾ بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير.

﴿ فمكث ﴾ بفتح الكاف: عاصم وسهل ويعقوب غير رويس.

الآخرون بضمها ﴿ من سبأ ﴾ بفتح الهمزة لامتناع الصرف: البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة.

وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز.

الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ.

﴿ ألا يسجدوا ﴾ مخففاً: يزيد وعلي ورويس.

الآخرون بالتشديد.

وقال ابن مجاهد: إذا وقفوا على ﴿ إلا ﴾ وقفوا على "ألا ياء" والابتداء ﴿ اسجدوا ﴾ ﴿ تخفون ﴾ و ﴿ تعلنون ﴾ بتاء الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة ﴿ فألقه ﴾ بسكون الهاء: حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع ﴿ إني القي ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو جعفر ونافع ﴿ أتمدونني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل وافق به ابو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل ﴿ اتمدوني ﴾ بتشديد النون وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب.

الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء ﴿ أتاني الله ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص.

فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلاً ويعقوب فإنهما يقفان بالياء.

وقرأ علي ﴿ آتاني الله ﴾ بالإمالة ﴿ أنا آتيك ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه ﴿ فلما رايه ﴾ بكسر الراء: نصير ﴿ ليبلوني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

﴿ ساقيها ﴾ وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها.

قال في الكشاف: من همز فوجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد.

الوقوف: ﴿ علماً ﴾ ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكراً ووفاء ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ النمل ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ مساكنكم ﴾ ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل ﴿ وجنوده ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الهدهد ﴾ ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن "أم" متصل بمعنى الاستفهام في ﴿ مالي ﴾ أي أنا لا اراه أو هو غائب ﴿ الغائبين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يقيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه لا ومن خفف ﴿ ألا ﴾ وقف مطلقاً ﴿ تلعنون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه سجدة ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تأمرين ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج لأن قوله ﴿ وكذلك ﴾ يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ بمال ﴾ ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل ﴿ آتاكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين على أن "بل" ترجح جانب الوقف ﴿ تفرحون ﴾ ه ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ مقامك ﴾ ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ طرفك ﴾ ط للعدول ﴿ أم أكفر ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه ﴿ عرشك ﴾ ط ﴿ هو ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ الصرح ﴾ ج ﴿ ساقيها ﴾ ط ﴿ قوارير ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان.

والتنوين في ﴿ علماً ﴾ إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علماً غزيراً.

قال علماء المعاني: الواو في ﴿ وقالا ﴾ للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك: أعطيته فشكر.

فالتقدير: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه ﴿ وقالا الحمد لله ﴾ وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علماً فعملاَ به قلباً وقالباً ﴿ وقالا ﴾ باللسان ﴿ الحمد لله ﴾ قلت: لقائل أن يقول: الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك "أعطيته وشكر".

وقوله ﴿ على كثير من عباده ﴾ يجوز أن يكون واردا" على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما.

ويجوز أن يكون وارداً على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر، وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان.

وفي الآية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله  قلباً وقالباً وما التوفيق إلا منه.

قوله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضاً عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنماً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً.

ومات المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته.

والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معاً دليله قوله تشهيراً لنعمة الله ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة ﴿ يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير ﴾ والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيداً وغير مفيد، ومنه قولهم "نطقت الحمامة".

قال المفسرون: إنه  جعل الطير في ايامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله  الدقائق التي خصت بالحاجة إليها.

يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب.

وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.

وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان.

وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون.

والخطاف يقول: قدموا خيراً تجدوه.

والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وارضه.

والقمريّ يقول: سبحان ربي الأعلى.

والقطاة تقول: من سكت سلم.

والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه.

والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون.

والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.

والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.

ومعنى ﴿ من كل شيء ﴾ بعض كل شيء.

وقال في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول "فلان يقصده كل أحد" تريد كثرة قاصديه.

وإنما قال ﴿ علمنا ﴾ ﴿ وأوتينا ﴾ لأنه أراد نفسه واباه، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما قال رسول الله  "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أي أقول هذا شكراً لا فخراً.

يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ.

خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسيّ الذهب والعلماء على كراسيّ الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإن كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود.

ومعنى ﴿ يوزعون ﴾ يحبسون.

قيل: كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيلة منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم.

ومعنى ﴿ أتوا على واد النمل ﴾ قطعوه وبلغوا آخره من قولهم "أتى على الشيء" إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي.

ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحلهم في الهواء فلذلك عدي بـ "على" عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟

فسألوه فأفحم فقال ابو حنيفة: كانت أنثى لقوله  ﴿ قالت نملة ﴾ لو كان ذكراً لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد التمييز بالعلامة.

وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم أولي العقل فحكى أنها ﴿ قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ﴾ أما جواب للأمر وإما نهي بدلاً من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة "لا أرينك ههنا".

وفي قوله ﴿ سليمان وجنوده ﴾ دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول: أعجبني زيد وكرمه.

وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز.

وفي قوله ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو.

وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله  إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن.

وفيه تنيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.

قيل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال ﴿ فتبسم ضاحكاً ﴾ أي شارعاً في الضحك آخذاً فيه ولكن لم يبلغ حدّ القهقهة وكمال الضحك.

وما روي أنه  ضحك حتى بدت نواجذه فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي.

وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلاً: ﴿ رب أوزعني ﴾ قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكراً لك.

وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس.

ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: ﴿ وأن أعمل صالحاً ترضاه ﴾ ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود.

يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة.

القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد، يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياماً يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة.

ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض.

وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنويه فلذلك تفقده.

وقيل: إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خالٍ فدعا عفريت الطير -وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه.

ثم قال لسيد الطير -وهو العقاب- عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته.

وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟

قالت: بلى قال: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ أي بعذر واضح.

فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ سليمان براسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته.

وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن اصغر رعيتهم.

وأرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ مالي لا أرى ﴾ استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساتراً ستره ثم لاح له أنه غائب فقال ﴿ أم كان من الغائبين ﴾ وقد مر في الوقوف قوله ﴿ لأعذبنه ﴾ لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله.

فقيل: أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير.

وقيل: كان يطلي بالقطران ويشمس.

وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله.

وقيل: إيداعه القفص.

وقيل: التفريق بينه وبين إلفه.

وقييل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون مجالسة الأضداد.

وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.

ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي.

وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة.

ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه.

ثم أخبر الله  أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله ﴿ فمكث غير بعيد ﴾ أي غير زمان بعيد ﴿ فقال ﴾ مخاطباً لسليمان ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.

وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالاً منه.

والإحاطة بالشيء علماً هو أن يعلمه من جميع جهاته.

وقوله ﴿ من سبأ بنبأ ﴾ من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول "من سبأ بخبر" حسن على حسن.

وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مارب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم.

ثم شرع في النبأ وهو قوله ﴿ إني وجدت امرأة ﴾ واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابراً عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوساً عبدة الشمس.

والضمير في ﴿ تملكهم ﴾ يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة.

﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ اي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب.

﴿ ولها عرش عظيم ﴾ كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان.

ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض.

يحكى من عظم شأنه إنما كان مكعباً ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللاً بأنواع الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، قال بعض المعتزلة: في قوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان.

وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصاً في زمن سليمان  .

قوله ﴿ ألا يسجدوا ﴾ من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقاً بالصد فالتقدير صدهم لأن ﴿ لا يسجدوا ﴾ وإن كان متعلقاً بـ ﴿ لا يهتدون ﴾ فـ ﴿ لا ﴾ مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا.

ومن قرأ بالتخفيف فقوله ﴿ ألا ﴾ حرف تنبيه و ﴿ يا ﴾ حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله: ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى *** ولا زال منهلاً بجرعائك القطر قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد.

والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء.

والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرف بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي.

وفي تخصيص وصف الله  في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله  في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة.

ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية ﴿ قال ﴾ سليمان ﴿ سننظر ﴾ أي نتأمل في صفحات حالك ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال له "كذبت" لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً في كل ما أخبر به.

ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال ﴿ أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ لم يقل إليها لأنه كان قد قال ﴿ وجدتها وقومها ﴾ فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماماً فيه بأمر الدين.

ولمثل هذا قال في الكتاب ﴿ ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ﴾ ومعنى ﴿ ثم تول عنهم ﴾ تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون ﴿ يرجعون ﴾ من رجع القول كقوله ﴿ يرجع بعضهم إلى بعض القول  ﴾ يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة.

وقيل: نقرها فانتبهت فزعة.

وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها.

وقيل: كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها.

وههنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلاً سأل فماذا قالت بلقيس؟

فقيل ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم.

يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال  "كرم الكتاب ختمه" .

وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به.

ثم إن سائلاً كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟

فقالت ﴿ إنه من سليمان وإنه ﴾ كيت وكيت.

سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟

والجواب أنها لم وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ﴿ إنه من سليمان ﴾ فقرأت عنوانه أوّلاً ثم أخبرت بما في الكتاب.

أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله  .

و"أن" في ﴿ أن لا تعلوا ﴾ مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك.

يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى.

أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.

وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملاً وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد.

قوله ﴿ قالت يا ايها الملأ ﴾ استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة.

ومعنى ﴿ أفتوني ﴾ أشيروا عليّ بما يحدث لكم من الرأي.

والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم اصحاب القوى الجسداينة والخارجية، ولهم النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب.

ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشروة وإنما الرأي إليكن وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أهم مائلون إلى المحاربة، ارادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها ﴾ وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة.

ومفعول ﴿ مرسلة ﴾ محذوف اي مرسلة رسلاً مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي.

وإنما رأت الإهداء أوّلاً لأن الهدية سبب استمالة القلوب.

قال  "تهادوا تحابوا" قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل -وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً.

ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشاً لطيفاً فهو نبي.

فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ والأنس كذلك، ولاوحش والطير كذلك.

فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟

وقال: أين الحق؟

وأخبرهم بما فيه.

ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وذلك قوله على سبيل الإنكار ﴿ أتمدونني بمال ﴾ ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار ﴿ فما آتاني الله ﴾ من الكمالات والقربات والدرجات ﴿ خير مما آتاكم ﴾ ثم أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه.

والمعنى ﴿ بل أنتم بهديتكم ﴾ هذه التي أهديتموها ﴿ تفرحون ﴾ فرح افتخار على الملوك.

ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال.

بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر ﴿ ارجع إليهم ﴾ ومعنى ﴿ لا قبل ﴾ لا طاقة ولا مقابلة.

والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر الف قيل.

مع كل قيل ألوف.

وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فاراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ وعن قتادة: اراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا اسلمت لم يحل له أخذ مالها.

وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء.

وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه, والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر اقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ووزنه "فعليت".

قالوا: كان اسمه ذكوان.

و ﴿ آتيك به ﴾ في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً وأن يكون اسم فاعل.

ومعنى.

﴿ أن تقوم من مقامك ﴾ إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به.

وعلى هذا فقيل: المراد مجلس الحكم.

وقيل: مقدار فراغه من الخطبة.

وقيل: إلى انتصاف النهار.

﴿ وإني عليه ﴾ أي على حمله ﴿ لقوي أمين ﴾ آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء.

واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر  .

وقيل: جبرائيل.

وقيل: ملك أيد الله به سليمان.

وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه.

وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا اريك ما هو أسرع مما تقول.

وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوماً للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضاً كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه.

ومنها قول سليمان.

﴿ هذا من فضل ربي ﴾ ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه على الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزاً عن الإتيان بذلك الشيء.

واختلفوا ايضاً في الكتاب فقيل: هو اللوح.

وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع.

وقيل: كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء.

وما ذلك العلم؟

قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن.

والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه.

ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفياً بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم.

والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإِذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد اراتدّ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك.

يروى أن آصف قال له: مدّ عينك حتى ينتهي طرفك فمدّ عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتدّ طرفه.

ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده.

وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا في لحظةأو لمحة.

وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.

وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار.

قوله "أقشعت نافرة" أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها.

﴿ ومن كفر فان ربي غني ﴾ عن عبادة كل عابد فضلاً عن شكر شاكر ﴿ كريم ﴾ لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله.

زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له: إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله ﴿ نكروا لها عرشها ﴾ أي اجعلوه متنكراً متغيراً عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه.

قالوا: وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه اسفله.

وقوله ﴿ ننظر ﴾ بالجزم جواب للأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف.

﴿ أتهتدي ﴾ لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق.

وقوله ﴿ أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ أبلغ من أن لو قال "أم لا تهتدي" كما مر في قوله ﴿ أم كنت من الكاذبين ﴾ ﴿ فلما جاءت قيل أهكذا ﴾ أي مثل ذا ﴿ عرشك ﴾ لئلا يكون شبه تلقين فقالت ﴿ كأنه هو ﴾ ولم تقل: هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلاً على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف.

أما قوله ﴿ وأوتينا العلم ﴾ فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد اصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق.

﴿ وأوتينا ﴾ نحن ﴿ العلم ﴾ بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام ﴿ وصدّها ﴾ عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة.

والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام.

وقيل: هو موصول بكلام بلقيس.

والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر.

ثم قال  ﴿ وصدها ﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ﴿ ما كانت تعبد من دون الله ﴾ وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء والقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس.

ثم ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ أي القصر أو صحن الدار ﴿ فلما رأته حسبته لجة ﴾ أي ماء غامراً ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء، فصرف سليمان بصره وناداها ﴿ إنه صرح ممرد ﴾ أي مملس ﴿ من قوارير ﴾ هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرّة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له.

قالوا: كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها.

وقال آخرون: المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع.

عن ابن عباس: لما اسلمت قال لها: اختاري من أزوّجكه؟

فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان.

فقال: النكاح من الإسلام.

فقالت: إن كان كذلك فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ولم يزل بها ملكاً ﴿ قالت رب إني ظلمت نفسي ﴾ أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في الماء.

وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولها ﴿ مع سليمان ﴾ أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون معه في الدارين جميعاً والله أعلم.

التأويل: ﴿ ولقد آتينا داود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ علماً ﴾ لدنيا ﴿ على كثير من عباده ﴾ وهم الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية.

﴿ وورث سليمان داود ﴾ لأن كل إلهام وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان اقضى من داود.

قوله ﴿ منطق الطير ﴾ يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال الطائرين في سماء سناء الفناء.

وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية.

قوله ﴿ من الجن والإِنس والطير ﴾ أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية ﴿ فهم يوزعون ﴾ على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها ﴿ قالت نملة ﴾ هي النفس اللوامة ﴿ يا أيها النمل ﴾ هي الصفات النفسانية ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنهم على الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لا حس عندها من نورها ولا من الظلمة التي تزيلها ﴿ نعمتك التي أنعمت عليّ ﴾ بتسخير جنودي لي وعلى والديّ وهما الروح والجسد.

أنعم على الروح بإفاضة الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان الشريعة.

وفي قوله ﴿ بنبأ يقين ﴾ إشارة إلى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك.

وفي قول سليمان ﴿ سننظر أصدقت ﴾ إشارة إلى أن خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعوّل عليه إلا بأمارات أخر.

﴿ كتاب كريم ﴾ كأنها عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية ﴿ إذا دخلوا قرية ﴾ الشخص الإنساني ﴿ أفسدوها ﴾ بإفساد الطبيعة الحيوانية ﴿ وجعلوا أعزة أهلها ﴾ وهم النفس الأمارة وصفاتها ﴿ أذلة ﴾ بسطوات التجلي ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ مع الأنبياء والأولياء.

وفي قوله ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ إشارة إلى أن سليمان كان واقفاً على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة إعجاز الأنبياء ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوّز النظر إلى ساقيها.

﴿ وأسلمت نفسي ﴾ للنكاح ﴿ مع سليمان لله ﴾ وفي الله.

تأويل آخر: ﴿ وتفقد الطير ﴾ هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجوّ عالم الإنس.

والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار.

﴿ عذاباً شديداً ﴾ بالرياضة والمجاهدة.

﴿ أو لأذبحنه ﴾ بسكين مخالفات الإرادة.

سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال العبودية.

آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه.

والعفريت الرياضة الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : فيه وجهان من الاستدلال: أحدهما: في خلق أفعال العباد.

والثاني: في ترك الأصلح.

أمّا الاستدلال على خلق الأفعال: لأنه قال: ﴿ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً ﴾ ، وقال على أثره: ﴿ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ ﴾ ، وقال في رسول الله ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ  ﴾ ، وقال: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ  عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ  خَلَقَ ٱلإِنسَانَ  عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ ، ونحوه من الآيات فيما أضاف التعليم والفعل إلى نفسه، فلو لم يكن له في ذلك صنع لم يكن لإضافة ذلك إليه معنى؛ فدل أنه خلق أفعالهم منهم.

فإن قيل: إنما أضاف ذلك إلى نفسه بالأسباب التي أعطاهم.

قيل: لا يحتمل ذلك؛ لأنه قد أعطى رسول الله  جميع أسباب الشعر، ولم يكن غيره من الشعراء أحق بأسباب الشعر من رسول الله  ثم أخبر أنه لم يعلمه الشعر؛ دل أنه لم يرد به الأسباب، ولكن أراد ما ذكرنا.

وأما في ترك الأصلح: فهو ما ذكر من قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً ﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، أنه إنما ذكر هذا على الامتنان والإفضال، فلو كان لا يجوز له ألاَّ يعطيه ذلك، ولا كان له ترك ما فعل بهم من الإفضال - لم يكن لذكر ذلك له على الإفضال والامتنان معنى، ولا كان داود وسليمان يحمدانه على ما أعطاهما، ولا كان هو يستوجب الحمد بذلك؛ إذ فعل ما عليه أن يفعل؛ دل أنه إنما أعطى ذلك لهم وفعل بهم ذلك على جهة الإفضال والامتنان، وكان له ترك ما فعل، وإن كان ذلك ليس أصلح في الدين.

فهذان الوجهان ينقضان على المعتزلة مذهبهم في إنكارهم خلق الأفعال، وجواز ترك الأصلح في الدين.

ثم قوله: ﴿ عِلْماً ﴾ : قال بعضهم: علما بالقضاء والحكم والعلم بكلام الطير والدواب.

وقال بعضهم: فضلا بالنبوة والعلم.

لكن عندنا ذكر أنه آتاهما العلم، ولم يبين ما ذلك العلم أنه علم ماذا؟

مخافة الكذب على الله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾ : قال أهل التأويل: ورث النبوة والحكم، والوارث: هو الباقي بعد هلاك الآخر وفنائه، كقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ أي: نبقى بعد هلاك أهلها وفنائهم، وقوله: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ  ﴾ أي: الباقون بعد فنائهم، إلا أنه ورث شيئاً لم يكن له من قبل؛ وكذلك قوله: ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...

﴾ الآية [الأحزاب: 27]، أي: أبقاكم وترككم في أرضهم وديارهم، وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا  ﴾ أي: أبقيتم فيها، وأمثال ذلك كله راجع إلى البقاء؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾ أي: بقي في ملكه ونبوته؛ وعلى ذلك ما سأل زكريا ربه من الولد حيث قال: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً  يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ  ﴾ لا يحتمل أن يسأل ربه ولدا يرث ماله من بعد وفاته، ولكن كأنه سأل ربه الولد؛ ليبقى في نبوته ورسالته بعد وفاته؛ لتبقى النبوة في نسله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : لا يحتمل أن يذكر هذا - صلوات الله عليه - على الافتخار والنباهة، ولكن ذكر فضل الله ونعمه التي أعطاه ومنّ عليه؛ كقوله: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ  ﴾ ، ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : لا يحتمل كل شيء؛ لأنهم لم يؤتوا كل شيء حتى لم يبق شيء، إنما أوتوا شيئاً دون شيء، ولكن كأنه قال: وأوتينا من كل شيء سألناه أن يؤتينا.

أو أن يكون ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مما يؤتى الأنبياء والملوك وما يحتاج إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يحبس أولهم على آخرهم؛ كأنه لا يدعهم أن ينتشروا ويتفرقوا، ولكن يسيرهم مجموعين على كل صنف منهم وزعة ترد أولهم على آخرهم، وذلك من سيرة الملوك وأمراء العساكر أن يسيروا جنودهم مجموعة غير منتشرة ولا متفرقة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يساقون، ويقال: أوزعني، أي: ألهمني، والوزع: من الكف والسوق، تقول: وزع، أي: كف، ووزع، أي: ساق.

وقال مرة: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ : يجتمعون، يقال: وزعت الإبل - أي: جمعتها - أزع وزعاً.

وقال القتبي: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ ، أي: يدفعون، وأصل الوزع: الكف والمنع، يقال: وزعت الرجل إذا كففته، ووازع الجيش: هو الذي يكفهم عن التفرق والانتشار، وهو على ما ذكر.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ ﴾ : هذا يدل أن النمل وقتئذ لا تخالط الناس؛ حيث أضاف الوادي إليها بقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ ﴾ ، ولو كانت تخالط الناس كهي الآن لقال: حتى إذا أتوا على الوادي الذي فيه النمل؛ دل أنها كانت لا تخالط الناس، وكان لها مكان على حدة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : يخرج قوله: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ على وجهين: على حقيقة القول من النملة كما يكون من البشر، أطلع الله سليمان على ذلك، وألقاه على مسامعه؛ لطفاً منه وفضلا من بين سائر الخلائق على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ...

﴾ الآية [الإسراء: 44].

والثاني: أن يجعل الله في سرية النمل معنى يفهم بعضها من بعض لما يريدون فيما بينهم من أنواع الحوائج على غير حقيقة القول، أطلع الله سليمان على ذلك؛ حتى فهم منها ما كانت تفهم بعضها من بعض لطفاً منه وفضلا؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً  ﴾ ، ليس أحد يقول لآخر إذا تصدق عليه ذلك، لكن الله أخبر عما علم من ضميرهم ومرادهم من التصدق على غير حقيقة القول منهم؛ فعلى ذلك قول النملة، أخبر سليمان عما كان في سريتها فيما بينهم من غير أن كان منها نطق أو كلام يفهم منه الخلق، والله أعلم.

وقالت الباطنية: ليس المراد من ذكر النمل: النملة المعروفة وقولها؛ وكذلك قالوا في الهدهد: إنه لم يرد به: الهدهد المعروف؛ إذ لا يجوز للهدهد من العلم أكثر مما يكون لسليمان ولغيره، ولكن أراد به: الرجل، وهو الإمام الذي يدعو الناس إلى الهدى، ويدلهم على الرشد.

وليس كما قالوا؛ لأنه إنما ذكر هذا على التعجب، ولو كان ذلك إنساناً ممن يكون له قول وكلام، لم يكن لذكر ذلك منه كبير تعجيب ولا فائدة؛ دل أنه ليس كما قالوا.

وقوله: ﴿ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يكسرنكم، والحطم: هو الكسر.

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ لا يحطمكم ﴾ على طرح النون والتشديد.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : قال بعضهم: هذا من النملة ثناء على سليمان ومدح عليه لعدله في ملكه وسلطانه: أنه لو شعر بكم، لم يحطمكم ولم يهلككم.

وقال بعضهم: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي: لا يشعر جنوده كلام النملة، وهذا يدل أن النملة كانت رئيسة سائر النمل وسيدته؛ حيث قالت ذلك من بين غيرها من النمل، وعلى كل رئيس وسيد للقوم أن يحفظ رعيته وحواشيه عما يحملهم على الفساد.

وقول من قال: إن النمل يومئذ كان كالذباب عظيماً، لا يحتمل؛ لأنها لو كانت كما ذكر لم يكن لقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ معنى؛ لأنها لو كانت كالذباب يشعرون بها، فدل أنها كانت على ما هي اليوم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا ﴾ : قال بعضهم: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً ﴾ أي: سبح الله لما فهم من قول النمل وحمده عليه، وتبسم الأنبياء: التسبيح.

وجائز أن يكون التبسم: هو السرور؛ إذ التبسم إنما يكون لسرور يدخل في الإنسان، فقوله: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً ﴾ أي: سرّ بما أعطاه الله من عظم النعمة له والملك؛ ألا ترى أنه سأل ربه الإلهام؛ ليشكر نعمه التي آتاه الله حيث قال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ ، سأل ربه الإلهام واللطف الذي يكون منه؛ ليشكر نعمه، ولو كان الإلهام هو الإعلام على ما قاله بعض الناس، لم يكن سليمان ليسأله ذلك؛ لأنه كان يعلم أن عليه شكر نعمه؛ وكذلك يعلم كل أحد أن عليه شكر منعمه، فدل سؤاله الإلهام على الشكر أنه إنما سأل اللطف الذي عنده به يشكر نعمه إذا أعطاه، وهو التوفيق، لا الإعلام الذي قالوه.

وقوله: ﴿ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ فيه أنه يجب على المرء شكر النعم التي أنعم الله على والديه.

وسأل ربه - أيضاً - أن يوفقه على العمل الذي يرضاه منه، حيث قال: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : جائز أن يكون سؤاله هذا بإدخاله فيما ذكر كسؤال يوسف حيث قال: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ، سأل ربه التوفي على الإسلام والإلحاق بالصالحين؛ فعلى ذلك سؤال سليمان يشبه أن يخرج على ذلك.

ثم فيه دلالة أن النجاة ودخول الجنة إنما يكون برحمة الله لا بالعمل حيث قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ ﴾ بعدما سأل ربه العمل الصالح المرضي.

وقوله: ﴿ أَوْزِعْنِيۤ ﴾ أي: ألهمني، والإيزاع: الإلهام، والوزع: الكف والسوق.

وقال القتبي: وأصل الإيزاع: الإغراء بالشيء؛ يقال: أوزعته بكذا، أي: أغريته وهو موزع بكذا ومولع بكذا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلم يزالوا يُسَاقون حتَّى إذا جاؤوا إلى وادي النمل (موضع بالشام) قالت نملة من النمل: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم حتَّى لا يهلككم سليمان وجنوده وهم لا يعلمون بكم، إذ لو علموا بكم لما داسوكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.k6G9Q"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل