الآية ٢٥ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٢٥ من سورة النمل

أَلَّا يَسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 140 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ألا يسجدوا لله ) [ معناه : ( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله ) ] أي : لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من شيء من الكواكب وغيرها ، كما قال تعالى : ( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) [ فصلت : 37 ] .

وقرأ بعض القراء : " ألا يا اسجدوا لله " جعلها " ألا " الاستفتاحية ، و " يا " للنداء ، وحذف المنادى ، تقديره عنده : " ألا يا قوم ، اسجدوا لله " .

وقوله : ( الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ) : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعلم كل خبيئة في السماء والأرض .

وكذا قال عكرمة ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وغير واحد .

وقال سعيد بن المسيب : الخبء : الماء .

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : خبء السموات والأرض : ما جعل فيها من الأرزاق : المطر من السماء ، والنبات من الأرض .

وهذا مناسب من كلام الهدهد ، الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره ، من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض ودواخلها .

وقوله : ( ويعلم ما تخفون وما تعلنون ) أي : يعلم ما يخفيه العباد ، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال .

وهذا كقوله تعالى : ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) [ الرعد : 10 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف القرّاء في قراءة قوله (أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ ) فقرأ بعض المكيين وبعض المدنيين والكوفيين " ألا " بالتخفيف, بمعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا, فأضمروا " هؤلاء " اكتفاء &; 19-448 &; بدلالة " يا " عليها.

وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمنا, ألا يا تصدّق علينا; واستشهد أيضا ببيت الأخطل: ألا يـا اسْـلَمي يـا هِنْـدَ هنْدَ بَنِي بَدرٍ وَإنْ كـان حَيَّانـا عِـدًا آخِـرَ الدَّهْـر (1) فعلى هذه القراءة اسجدوا في هذا الموضع جزم, ولا موضع لقوله " ألا " في الإعراب.

وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والبصرة (أَلا يَسْجُدُوا ) بتشديد ألا بمعنى: وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله " ألا " في موضع نصب لما ذكرت من معناه أنه لئلا(ويسجدوا) في موضع نصب بأن.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء من القراء مع صحة معنييهما.

واختلف أهل العربية في وجه دخول " يا " في قراءة من قرأه على وجه الأمر, فقال بعض نحوييِّ البصرة: من قرأ ذلك كذلك, فكأنه جعله أمرا, كأنه قال لهم: اسجدوا, وزاد " يا " بينهما التي تكون للتنبيه, ثم أذهب ألف الوصل التي في اسجدوا, وأذهبت الألف التي في " يا "؛ لأنها ساكنة لقيت السين, فصار ألا يسجدوا.

وقال بعض نحويي الكوفة: هذه " يا " التي تدخل للنداء يكتفى بها من الاسم, ويكتفى بالاسم منها, فتقول: يا أقبل, وزيد أقبل, وما سقط من السواكن فعلى هذا.

ويعني بقوله: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) يخرج المخبوء في السموات والأرض من غيث في السماء, ونبات في الأرض ونحو ذلك.

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, وإن اختلفت عبارتهم عنه.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج, قراءة عن مجاهد: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ ) قال: الغيث.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) قال: الغيث.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: خبء السماء والأرض ما جعل الله فيها من الأرزاق, والمطر من السماء, والنبات من الأرض, كانتا رتقا لا تمطر هذه، ولا تنبت هذه, ففتق السماء, وأنـزل منها المطر, وأخرج النبات.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن حكيم بن جابر, في قوله: (أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) ويعلم كل خفية في السموات والأرض.

حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا أسامة بن زيد, عن معاذ بن عبد الله, قال: رأيت ابن عباس على بغلة يسأل تبعا ابن امرأة كعب: هل سألت كعبا عن البذر تنبت الأرضُ العامَ لم يصب العام الآخر؟

قال: سمعت كعبا يقول: البذر ينـزل من السماء ويخرج من الأرض, قال: صدقت.

قال أبو جعفر: إنما هو تبيع, ولكن هكذا قال محمد: وقيل: يخرج الخبء في السموات والأرض, لأن العرب تضع " من " مكان " في" و " في" مكان " من " في الاستخراج (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) يقول: ويعلم السرّ من أمور خلقه, هؤلاء الذين زين لهم الشيطان أعمالهم والعلانية منها, وذلك على قراءة من قرأ ألا بالتشديد.

وأما على قراءة من قرأ بالتخفيف فإن معناه: ويعلم ما يسره خلقه الذين أمرهم بالسجود بقوله: " ألا يا هؤلاء اسجدوا ".

وقد ذكر أن ذلك في قراءة أُبيّ: " ألا تَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي يَعْلَمُ سرَّكُمْ وما تُعْلِنُون ".

------------------------ الهوامش: (1) البيت: نسبه في (اللسان: عدا) إلى الأخطل التغلبي الشاعر الأموي.

قال: وقد جاء في الشعر العدى: بمعنى الأعداء.

وقال ابن الأعرابي في قول الأخطل: "ألا يا اسلمي.." البيت: العدى: التباعد.

وقوم عدى: إذا كانوا متباعدين لا أرحام بينهم ولا حلف.

وقوم عدى: إذا كانوا حربًا.

وقد روى البيت بالكسر والضم، مثل سوى وسوى.

الأصمعي: يقال: هؤلاء قوم عدى مقصور، يكون للأعداء وللغرباء.

ولا يقال: قوم عدى (بضم العين) إلا أن تدخل الهاء، فتقول: عداة، في وزن قضاة.

قال أبو زيد: طالت عدواءهم، أي تباعدهم وتفرقهم.

وشاهد المؤلف في هذا البيت: أن حرف النداء يا، داخل على منادي محذوف.

تقديره: ألا يا هذه اسلمي.

وهو نظير قول الله عز وجل: "ألا يا اسجدوا" تقديره: ألا يا هؤلاء اسجدوا.

فأضمر هؤلاء، اكتفاء بدلالة "يا" عليها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألا يسجدوا لله قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وحمزة : ألا يسجدوا لله بتشديد " ألا " قال ابن الأنباري : فهم لا يهتدون غير تام لمن شدد " ألا " لأن المعنى : وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا .

قال النحاس : هي ( أن ) دخلت عليها ( لا ) و ( أن ) في موضع نصب ; قال الأخفش : ب " زين " أي وزين لهم لئلا يسجدوا لله .

وقال الكسائي : ب " فصدهم " أي فصدهم ألا يسجدوا .

وهو في الوجهين مفعول له .

وقال اليزيدي وعلي بن سليمان : ( أن ) بدل من " أعمالهم " في موضع نصب .

وقال أبو عمرو : و ( أن ) في موضع خفض على البدل من السبيل وقيل : العامل فيها لا يهتدون أي فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله ; أي لا يعلمون أن ذلك واجب عليهم .

وعلى هذا القول ( لا ) زائدة ; كقوله : ما منعك ألا تسجد أي ما منعك أن تسجد .

وعلى هذه القراءة فليس بموضع سجدة ; لأن ذلك خبر عنهم بترك السجود ، إما بالتزيين أو بالصد أو بمنع الاهتداء .

وقرأ الزهري والكسائي وغيرهما : ( ألا يسجدوا لله ) بمعنى ألا يا هؤلاء اسجدوا ; لأن ( يا ) ينادى بها الأسماء دون الأفعال .

وأنشد سيبويه :يا لعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان من جارقال سيبويه : ( يا ) لغير اللعنة ، لأنه لو كان للعنة لنصبها ، لأنه كان يصير منادى مضافا ، ولكن تقديره يا هؤلاء لعنة الله والأقوام على سمعان .

وحكى بعضهم سماعا عن العرب : ألا يا ارحموا ألا يا اصدقوا .

يريدون ألا يا قوم ارحموا اصدقوا ، فعلى هذه القراءة ( اسجدوا ) في موضع جزم بالأمر والوقف على ( ألا يا ) ثم تبتدئ فتقول : ( اسجدوا ) .

قال الكسائي : ما كنت أسمع الأشياخ يقرءونها إلا بالتخفيف على نية الأمر .

وفي قراءة عبد الله : ( ألا هل تسجدون لله ) بالتاء والنون .

وفي قراءة أبي ( ألا تسجدون لله ) فهاتان القراءتان حجة لمن خفف .

الزجاج : وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون التشديد .

واختار أبو حاتم وأبو عبيدة قراءة التشديد .

وقال : التخفيف وجه حسن إلا أن فيه انقطاع الخبر من أمر سبأ ، ثم رجع بعد [ ص: 174 ] إلى ذكرهم ، والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه .

ونحوه قال النحاس .

قال : قراءة التخفيف بعيدة ; لأن الكلام يكون معترضا ، وقراءة التشديد يكون الكلام بها متسقا ، وأيضا فإن السواد على غير هذه القراءة ، لأنه قد حذف منه ألفان ، وإنما يختصر مثل هذا بحذف ألف واحدة نحو يا عيسى ابن مريم .

ابن الأنباري : وسقطت ألف ( اسجدوا ) كما تسقط مع هؤلاء إذا ظهر ، ولما سقطت ألف ( يا ) واتصلت بها ألف ( اسجدوا ) سقطت ، فعد سقوطها دلالة على الاختصار وإيثارا لما يخف وتقل ألفاظه .

وقال الجوهري في آخر كتابه : قال بعضهم : إن ( يا ) في هذا الموضع إنما هو للتنبيه كأنه قال : ألا اسجدوا لله ، فلما أدخل عليه ( يا ) للتنبيه سقطت الألف التي في ( اسجدوا ) لأنها ألف وصل ، وذهبت الألف التي في ( يا ) لاجتماع الساكنين ; لأنها والسين ساكنتان .

قال ذو الرمة :ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطروقال الجرجاني : هو كلام معترض من الهدهد أو سليمان أو من الله .

أي ألا ليسجدوا ; كقوله تعالى : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله قيل : إنه أمر أي ليغفروا .

وتنتظم على هذا كتابة المصحف ; أي ليس هاهنا نداء .

قال ابن عطية : قيل هو من كلام الهدهد إلى قوله ( العظيم ) وهو قول ابن زيد وابن إسحاق ; ويعترض بأنه غير مخاطب فكيف يتكلم في معنى شرع .

ويحتمل أن يكون من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم .

ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى فهو اعتراض بين الكلامين وهو الثابت مع التأمل ، وقراءة التشديد في ( ألا ) تعطي أن الكلام للهدهد ، وقراءة التخفيف تمنعه ، والتخفيف يقتضي الأمر بالسجود لله عز وجل للأمر ، على ما بيناه .

وقال الزمخشري : فإن قلت أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا أم في إحداهما ؟

قلت هي واجبة فيهما جميعا ; لأن مواضع السجدة إما أمر بها ، أو مدح لمن أتى بها ، أو ذم لمن تركها ، وإحدى القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك .قلت : وقد أخبر الله عن الكفار بأنهم لا يسجدون كما في ( الانشقاق ) وسجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، كما ثبت في البخاري وغيره فكذلك ( النمل ) .

والله أعلم .

الزمخشري : وما [ ص: 175 ] ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه .

الذي يخرج الخبء خبء السماء قطرها ، وخبء الأرض كنوزها ونباتها .

وقال قتادة : الخبء السر .

النحاس : وهذا أولى .

أي ما غاب في السماوات والأرض ، ويدل عليه ما يخفون وما يعلنون .

وقرأ عكرمة ومالك بن دينار : ( الخب ) بفتح الباء من غير همز .

قال المهدوي : وهو التخفيف القياسي ; وذكر من يترك الهمز في الوقف .

وقال النحاس : وحكى أبو حاتم أن عكرمة قرأ : ( الذي يخرج الخبا ) بألف غير مهموزة ، وزعم أن هذا لا يجوز في العربية ، واعتل بأنه إن خفف الهمزة ألقى حركتها على الباء فقال : ( الخب في السماوات والأرض ) وأنه إن حول الهمزة قال : ( الخبي ) بإسكان الباء وبعدها ياء .

قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو ولم يلحق بهم إلا أنه إذا خرج من بلده لم يلق أعلم منه .

وحكى سيبويه عن العرب أنها تبدل من الهمزة ألفا إذا كان قبلها ساكن وكانت مفتوحة ، وتبدل منها واوا إذا كان قبلها ساكن وكانت مضمومة ، وتبدل منها ياء إذا كان قبلها ساكن وكانت مكسورة ; فتقول : هذا الوثو وعجبت من الوثي ورأيت الوثا ; وهذا من وثئت يده ; وكذلك هذا الخبو وعجبت من الخبي ، ورأيت الخبا ; وإنما فعل هذا لأن الهمزة خفيفة فأبدل منها هذه الحروف .وحكى سيبويه عن قوم من بني تميم وبني أسد أنهم يقولون : هذا الخبؤ ; يضمون الساكن إذا كانت الهمزة مضمومة ، ويثبتون الهمزة ويكسرون الساكن إذا كانت الهمزة مكسورة ، ويفتحون الساكن إذا كانت الهمزة مفتوحة .

وحكى سيبويه أيضا أنهم يكسرون وإن كانت الهمزة مضمومة ، إلا أن هذا عن بني تميم ; فيقولون : الرديء ; وزعم أنهم لم يضموا الدال لأنهم كرهوا ضمة قبلها كسرة ; لأنه ليس في الكلام ( فعل ) .

وهذه كلها لغات داخلة على اللغة التي قرأ بها الجماعة ; وفي قراءة عبد الله ( الذي يخرج الخبا من السماوات ) و ( من ) و ( في ) يتعاقبان ; تقول العرب : لأستخرجن العلم فيكم يريد : منكم ; قاله الفراء .

ويعلم ما يخفون وما يعلنون قراءة العامة فيهما بياء الغائب ، وهذه القراءة تعطي أن الآية من كلام الهدهد ، وأن الله تعالى خصه من [ ص: 176 ] المعرفة بتوحيده ووجوب السجود له ، وإنكار سجودهم للشمس ، وإضافته للشيطان ، وتزيينه لهم ، ما خص به غيره من الطيور وسائر الحيوان ; من المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقول الراجحة تهتدي لها .

وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وحفص والكسائي : ( تخفون ) و ( تعلنون ) بالتاء على الخطاب ; وهذه القراءة تعطي أن الآية من خطاب الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال: أَلا أي: هلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أي: يعلم الخفي الخبيء في أقطار السماوات وأنحاء الأرض، من صغار المخلوقات وبذور النباتات وخفايا الصدور، ويخرج خبء الأرض والسماء بإنزال المطر وإنبات النباتات، ويخرج خبء الأرض عند النفخ في الصور وإخراج الأموات من الأرض ليجازيهم بأعمالهم وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألا يسجدوا ) قرأ أبو جعفر والكسائي : " ألا يسجدوا " بالتخفيف ، وإذا وقفوا يقفون " ألا يا " : ألا يا ثم يبتدئون : " اسجدوا " ، على معنى : ألا يا هؤلاء اسجدوا ، وجعلوه أمرا من عند الله مستأنفا ، وحذفوا هؤلاء اكتفاء بدلالة " يا " عليها ، وذكر بعضهم سماعا من العرب : ألا يا ارحمونا ، يريدون ألا يا قوم ، وقال الأخطل : ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر وإن كان حيانا عدا آخر الدهر يريد : ألا يا اسلمي يا هند ، وعلى هذا يكون قوله " ألا " كلاما معترضا من غير القصة ، إما من الهدهد ، وإما من سليمان .

قال أبو عبيدة : هذا أمر من الله مستأنف يعني : يا أيها الناس اسجدوا .

وقرأ الآخرون : " ألا يسجدوا " بالتشديد ، بمعنى : وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا ( لله الذي يخرج الخبء ) أي : الخفي المخبأ ) ( في السماوات والأرض ) أي : ما خبأت .

قال أكثر المفسرين : خبء السماء : المطر ، وخبء الأرض : النبات .

وفي قراءة عبد الله : " يخرج الخبء من السماوات والأرض " ، و " من " و " في " يتعاقبان ، تقول العرب : لأستخرجن العلم فيكم ، يريد : منكم .

وقيل : معنى " الخبء " الغيب ، يريد : يعلم غيب السماوات والأرض .

( ويعلم ما تخفون وما تعلنون ) قرأ الكسائي ، وحفص ، عن عاصم : بالتاء فيهما ، لأن أول الآية خطاب على قراءة الكسائي بتخفيف ألا وقرأ الآخرون بالياء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألاً يسجدوا لله» أي: أن يسجدوا له فزيدت لا وأدغم فيها نون أن كما في قوله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب) والجملة في محل مفعول يهتدون بإسقاط إلى «الذي يخرج الخبء» مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات «في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون» في قلوبهم «وما يعلنون» بألسنتهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حسَّن لهم الشيطان ذلك؛ لئلا يسجدوا لله الذي يُخرج المخبوء المستور في السموات والأرض من المطر والنبات وغير ذلك، ويعلم ما تُسرُّون وما تظهرون.

الله الذي لا معبود يستحق العبادة سواه، رب العرش العظيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض ) بيان لما ترتب على إغواء الشيطان لهم .

وقد قرأ عامة القراء ( أَلاَّ ) - بتشديد اللام - و ( يَسْجُدُواْ ) فعل مضارع منصوب بأن المدغمة فى لفظه لا ، وهو مع ناصبه فى تأويل مصدر ، فى محل نصب على أنه مفعول لأجله .والمعنى : وزين لهم الشيطان أعمالهم من أجل أن يتركوا السجود لله - تعالى - ( الذي يُخْرِجُ الخبء فِي ) أى : الذى يظهر الشىء المخبوء فى السموات والأرض ، كائناً ما كان هذا الشىء ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فيهما .قال الآلوسى : وقوله - تعالى - : ( أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ) أى : لئلا يسجدوا لله واللام للتعليل ، وهو متعلق بصدهم أو بزين .

والفاء فى ( فَصَدَّهُمْ ) لا يلزم أن تكون سببية لجواز كونها تفريعية أو تفصيلية ، أى : فصدهم عن ذلك لأجل أن لا يسجدوا لله - عز وجل - .أو زين لهم ذلك لأجل أن لا يسجدوا له - تعالى - .ثم قال : وقرأ الكسائى : ( أَلاَّ ) - بتخفيف اللام - على أنها حرف استفتاح وتنبيه .وقوله - تعالى - : ( وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) معطوف على ما قبله .والمعنى : زين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله الذى يعمل المخبوء والمستور فى السموات والأرض ، ويعلم ما تخفون من أسرار ، وما تعلنون من أقوال .قال بعض العلماء : " واعلم أن التحقيق أن آية النمل هذه ، محل سجدة على كلتا القراءتين ، لأن قراءة الكسائى فيها الأمر بالسجود ، وقراءة الجمهور فيها ذم تارك السجود وتوبيخه " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قوله تعالى: ﴿ أَلاَّ يَسْجُدُواْ ﴾ قراءات أحدها قراءة من قرأ بالتخفيف (ألا) للتنبيه ويا حرف النداء ومناداه محذوف، كما حذفه من قال: ألا يا اسلمى يا دار ميَّ على البلى *** ولا زال منهلاً بجرعائك القطر وثانيها: بالتشديد أراد فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا، فحذف الجار مع أن ويجوز أن تكون لا مزيدة، ويكون المعنى فهم لا يهتدون (إلا) أن يسجدوا.

وثالثها: وهي حرف عبدالله و(هي) قراءة الأعمش هلا بقلب الهمزة هاء، وعن عبدالله هلا تسجدون بمعنى ألا تسجدون على الخطاب.

ورابعها: قراءة أبي ﴿ ألا يَسْجُدُونَ للَّهِ الذي يُخْرِجُ الخبء (فِى السموات) والأرض وَيَعْلَمَ سِرَّكُمْ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ .

المسألة الثانية: قال أهل التحقيق قوله: ﴿ أَلاَّ يَسْجُدُواْ ﴾ يجب أن يكون بمعنى الأمر لأنه لو كان بمعنى المنع من السجدة لم يكن لوصفه تعالى بما يوجب أن يكون السجود له وهو كونه قادراً على إخراج الخبء عالماً بالأسرار معنى.

المسألة الثالثة: الآية دلت على وصف الله تعالى بالقدرة والعلم، أما القدرة فقوله: ﴿ يُخْرِجُ الخبء فِي السموات والأرض ﴾ وسمي المخبوء بالمصدر، وهو يتناول جميع أنواع الأرزاق والأموال وإخراجه من السماء بالغيث، ومن الأرض بالنبات.

وأما العلم فقوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ .

واعلم أن المقصود من هذا الكلام الرد على من يعبد الشمس وتحرير الدلالة هكذا: الإله يجب أن يكون قادراً على إخراج الخبء وعالماً بالخفيات، والشمس ليست كذلك فهي لا تكون إلهاً وإذا لم تكن إلهاً لم يجز السجود لها، أما أنه سبحانه وتعالى يجب أن يكون قادراً عالماً على الوجه المذكور، فلما أنه واجب لذاته فلا تختص قادريته وعالميته ببعض المقدورات والمعلومات دون البعض، وأما أن الشمس ليست كذلك فلأنها جسم متناه، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يعلم كونها قادرة على إخراج الخبء عالمة بالخفيات، فإذا لم يعلم من حالها ذلك لم يعلم من حالها كونها قادرة على جلب المنافع ودفع المضار، فرجع حاصل الدلالة إلى ما ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ وفي قوله: ﴿ للَّهِ الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السموات والأرض ﴾ وجه آخر وهو أن هذا إشارة إلى ما استدل به إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ رَبّيَ الذي يُحْىِ وَيُمِيتُ  ﴾ وفي قوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب  ﴾ وذلك لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخرج الشمس من المشرق بعد أفولها في المغرب فهذا هو إخراج الخبء في السموات وهو المراد من قول إبراهيم عليه السلام: ﴿ لا أُحِبُّ الآفلين  ﴾ ومن قوله: ﴿ فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب ﴾ ومن قوله موسى عليه السلام: ﴿ رَّبُّ المشرق والمغرب  ﴾ وحاصله يرجع إلى أن أفول الشمس وطلوعها يدلان على كونها تحت تدبير مدبر قاهر فكانت العبادة لقاهرها والمتصرف فيها أولى، وأما إخراج الخبء من الأرض فهو يتناول إخراج النطفة من الصلب والترائب وتكوين الجنين منه، فإن قيل إن إبراهيم وموسى عليهما السلام قدما دلالة الأنفس على دلالة الآفاق فإن إبراهيم قال: ﴿ رَبّيَ الذي يُحْىِ وَيُمِيتُ ﴾ ثم قال: ﴿ فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق ﴾ وموسى عليه السلام قال: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين  ﴾ ثم قال: ﴿ رَّبُّ المشرق والمغرب ﴾ فلم كان الأمر هاهنا بالعكس فقدم خبء السموات على خبء الأرض؟

جوابه: أن إبراهيم وموسى عليهما السلام ناظراً مع من ادعى إلهية البشر، فلا جرم ابتدأ بإبطال إلهية البشر ثم انتقلا إلى إبطال إلهية السموات، وهاهنا المناظرة مع من ادعى إلهية الشمس لقوله: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله ﴾ فلا جرم ابتدأ بذكر السماويات ثم بالأرضيات.

أما قوله: ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش العظيم ﴾ فالمراد منه أنه سبحانه لما بين افتقار السموات والأرض وما بينهما إلى المدبر ذكر بعد ذلك أن ما هو أعظم الأجسام فهي مخلوقة ومربوبة وذلك يدل على أنه سبحانه هو المنتهى في القدرة والربوبية إلى ما لا يزيد عليه، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قيل من ﴿ أَحَطتُ ﴾ إلى ﴿ العظيم ﴾ كلام الهدهد وقيل كلام رب العزة.

المسألة الخامسة: الحق أن سجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعاً وهو قول الشافعي وأبي حنيفة رحمة الله عليهما لأنهم أجمعوا على أن سجدات القرآن أربع عشرة سجدة، وهذا واحد منها ولأن مواضع السجدة إما أمر بها أو مدح لمن أتى بها أو ذم لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك فثبت أن الذي ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد غير ملتفت إليه.

المسألة السادسة: يقال هل يفرق الواقف بين القراءتين؟

جوابه: نعم إذا خفف وقف على ﴿ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ  ﴾ ثم ابتدأ بألا يسجدوا وإن شاء وقف على ألا يا ثم ابتدأ اسجدوا وإذا شدد لم يقف إلا على (العرش العظيم).

أما قوله: ﴿ سَنَنظُرُ ﴾ فمن النظر الذي هو التأمل، وأراد صدقت أم كذبت إلا أن ﴿ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين ﴾ أبلغ، لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً بالكذب فيما أخبر به فلم يوثق به، وإنما قال: ﴿ فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ﴾ على لفظ الجمع لأنه قال: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ  ﴾ فقال: ﴿ فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ﴾ أي إلى الذين هذا دينهم.

أما قوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ما يقولونه بمسمع منك و ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ من قوله تعالى: ﴿ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول  ﴾ ويقال دخل عليها من كوة وألقى إليها الكتاب وتوارى في الكوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: من أين للهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟

قلت: لا يبعد أن يلهمه الله ذلك كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان المعارف اللطيفة التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها، ومن أراد استقراء ذلك فعليه بكتاب الحيوان، خصوصاً في زمن نبيّ سخرت له الطيور وعلم منطقها، وجعل ذلك معجزة له.

من قرأ بالتشديد أراد: ﴿ فصدّهم عن السبيل ﴾ لئلا يسجدوا فحذف الجار مع أن.

ويجوز أن تكون (لا) مزيدة، ويكون المعنى: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا.

ومن قرأ بالتخفيف، فهو ﴿ ألا يسجدوا ﴾ .

ألا للتنبيه، ويا حرف النداء، ومناداه محذوف، كما حذفه من قال: أَلاَ يَا اسْلَمِي يَا دَارَ مَيٍّ عَلَى الْبِلَى وفي حرف عبد الله وهي قراءة الأعمش: ﴿ هلا ﴾ ، و ﴿ هلا ﴾ : بقلب الهمزتين هاء.

وعن عبد الله: ﴿ هلا تسجدون ﴾ بمعنى ألا تسجدون على الخطاب.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ ألا تسجدون لله الذي يخرج الخبء من السماء والأرض ويعلم سركم وما تعلنون ﴾ ، وسمي المخبوء بالمصدر: وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأهُ عز وعلا من غيوبه.

وقرئ: ﴿ الخب ﴾ ، على تخفيف الهمزة بالحذف.

والخبا، على تخفيفها بالقلب، وهي قراءة ابن مسعود ومالك بن دينار.

ووجهها: أن تخرج على لغة من يقول في الوقف: هذا الخبو، رأيت الخبا، ومررت بالخبي، ثم أجري الوصل مجرى الوقف، لا على لغة من يقول: الكمأة والحمأة؛ لأنها ضعيفة مسترذلة.

وقرئ: ﴿ يخفون ويعلنون ﴾ بالياء والتاء.

وقيل: من أحطت إلى العظيم هو كلام الهدهد.

وقيل: كلام رب العزة.

وفي إخراج الخبء: أمارة على أنه من كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض، وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السموات والأرض جلت قدرته ولطف علمه، ولا يكاد تخفى على ذي الفراسة النظار بنور الله مخائل كل مختص بصناعة أو فنّ من العلم في روائه ومنطقه وشمائله، ولهذا ورد: ما عمل عبد عملاً إلا ألقى الله عليه رداء عمله.

فإن قلت: أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعاً أم في إحداهما؟

قلت؛ هي واجبة فيهما جميعاً، لأنّ مواضع السجدة إما أمرٌ بها، أو مدحٌ لمن أتى بها، أو ذمٌ لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود، والأخرى ذم للتارك.

وقد اتفق أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله على أنّ سجدات القرآن أربع عشرة، وإنما اختلفا في سجدة ص: فهي عند أبي حنيفة سجدة تلاوة.

وعند الشافعي: سجدة شكر.

وفي سجدتي سورة الحج وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد، فغير مرجوع إليه.

فإن قلت: هل يفرق الواقف بين القراءتين؟

قلت: نعم إذا خفف وقف على ﴿ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ ﴾ ثم ابتداء ﴿ أَلاَّ يَسْجُدُواْ ﴾ ، وإن شاء وقف على (إلا) ثم ابتدأ ﴿ يَسْجُدُواْ ﴾ وإذا شدّد لم يقف إلا على ﴿ العرش العظيم ﴾ .

فإن قلت: كيف سوّى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف ب (العظيم)؟

قلت: بين الوصفين بون عظيم، لأنّ وصف عرشها بالعظم: تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك.

ووصف عرش الله بالعظم: تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض.

وقرئ: ﴿ العظيم ﴾ بالرفع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ ﴾ فَصَدَّهم لِئَلّا يَسْجُدُوا أوْ زَيَّنَ لَهم أنْ لا يَسْجُدُوا عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( أعْمالَهم )، أوْ ( لا يَهْتَدُونَ ) إلى أنْ يَسْجُدُوا بِزِيادَةِ ( لا ) .

وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ( ألا ) بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّها لِلتَّنْبِيهِ ويا لِلنِّداءِ ومُناداهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ألا يا قَوْمِ اسْجُدُوا كَقَوْلِهِ: وقالَتْ ألا يا اسْمَعْ أعِظْكَ بِخُطَّةٍ.

.

.

فَقُلْتُ سَمِيعًا فانْطِقِي وأصِيبِي وَعَلى هَذا صَحَّ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِنَ اللَّهِ أوْ مِن سُلَيْمانَ والوَقْفُ عَلى ﴿ لا يَهْتَدُونَ ﴾ ، فَيَكُونُ أمْرًا بِالسُّجُودِ وعَلى الأوَّلِ ذَمًّا عَلى تَرْكِهِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَقْتَضِي وُجُوبَ السُّجُودِ في الجُمْلَةِ لا عِنْدَ قِراءَتِها، وقُرِئَ «هَلّا» و «هَلا» بِقَلْبِ الهَمْزَةِ هاءً و «ألّا تَسْجُدُونَ» و «هَلّا تَسْجُدُونَ» عَلى الخِطابِ.

﴿ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ وصْفٌ لَهُ تَعالى بِما يُوجِبُ اخْتِصاصَهُ بِاسْتِحْقاقِ السُّجُودِ مِنَ التَّفَرُّدِ بِكَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ حَثًّا عَلى سُجُودِهِ ورَدًّا عَلى مَن يَسْجُدُ لِغَيْرِهِ، و ( الخَبْءَ ) ما خَفِيَ في غَيْرِهِ وَإخْراجُهُ إظْهارُهُ، وهو يَعُمُّ إشْراقَ الكَواكِبِ وإنْزالَ الأمْطارِ وإنْباتَ النَّباتِ بَلِ الإنْشاءَ فَإنَّهُ إخْراجُ ما في الشَّيْءِ بِالقُوَّةِ إلى الفِعْلِ والإبْداعِ، فَإنَّهُ إخْراجُ ما في الإمْكانِ والعَدَمِ إلى الوُجُوبِ والوُجُودِ ومَعْلُومٌ أنَّهُ يَخْتَصُّ بِالواجِبِ لِذاتِهِ.

وقَرَأ حَفْصٌ والكِسائِيُّ ﴿ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ بِالتّاءِ.

﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ الَّذِي هو أوَّلُ الأجْرامِ وأعْظَمُها والمُحِيطُ بِجُمْلَتِها فَبَيْنَ العَظِيمَيْنِ بَوْنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ألاّ يسجدوا} بالتشديد أي فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا فحذف الجار مع أن وأدغمت النون في اللام ويجوز أن تكون لا مزيدة ويكون المعنى فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا وبالتخفيف يزيد وعلى تقديره ألا يا هؤلاء اسجدوا فألا للتنبيه ويا حرف نداء ومناداه محدوف فمن شدد لم يقف إلا على العرش العظيم ومن خفف وقف على فهم لا يهتدون ثم ابتدأ ألا يسجدوا أو وقف على إلا ياتم أبتداء اسجدوا وسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعاً بخلاف ما يقوله الزجاج إنه لا يجب السجود مع التشديد لأن مواضع السجدة إما أمر بها أو مدح أو ذم لتاركها وإحدى القراءتين أمر والآخرى ذم للتارك {لله الذي يخرج الخبء} سمى المخبوء بالمصدر {في السّماوات والأرض} قتادة خبء السماء المطر وخبء الأرض النبات {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} وبالتاء فيهما على حفص

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ ﴾ أيْ: لِئَلّا يَسْجُدُوا، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(صَدَّهُمْ) أوْ بِـ(زَيَّنَ) والفاءُ في (فَصَدَّهُمْ) لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً لِجَوازِ كَوْنِها تَفْرِيعِيَّةً أوْ تَفْصِيلِيَّةً، أيْ: فَصَدَّهم عَنْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَسْجُدُوا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَسْجُدُوا لَهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ أنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ بَدَلًا مِن أعْمالِهِمْ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَدَمَ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ظاهِرٌ في عَدِّ عَدَمِ السُّجُودِ مِنَ الأعْمالِ وهو بَعِيدٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَدَلًا مِنَ السَّبِيلِ و(لا) زائِدَةً مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَصَدَّهم عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ إلى و(لا) زائِدَةً أيْضًا، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَهْتَدُونَ) كَأنَّهُ قِيلَ: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى السُّجُودِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ زِيادَةَ (لا) - وإنْ وقَعَتْ في الفَصِيحِ - خِلافُ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ تَقْدِيرٌ، والمَصْدَرُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: دَأْبُهم عَدَمُ السُّجُودِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هِيَ، أيْ: أعْمالُهم عَدَمُ السُّجُودِ، وفِيهِ ما مَرَّ آنِفًا.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والزُّهْرِيُّ، والسَّلُمِيُّ، والحَسَنُ، وحُمَيْدٌ، والكِسائِيُّ «ألا» بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْتاحِ، ويا حَرْفُ نِداءٍ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، أيْ: ألا يا قَوْمِ اسْجُدُوا كَما في قَوْلِهِ: ألا يا اسْلَمِي ذاتَ الدَّمالِيجِ والعُقَدِ ونَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ.

وسَقَطَتْ ألِفُ يا وألِفُ الوَصْلِ في (اسْجُدُوا) وكُتِبَتْ بِالياءِ مُتَّصِلَةً بِالسِّينِ عَلى خِلافِ القِياسِ.

ووَقَفَ الكِسائِيُّ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ياءٍ وابْتَدَأ بِـ(اسْجُدُوا) وهو وقْفُ اخْتِيارٍ، وفي البَحْرِ: الَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ الوارِدِ عَنِ العَرَبِ لَيْسَتْ يا فِيهِ لِلنِّداءِ والمُنادى مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ المُنادى عِنْدِي لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ حُذِفَ الفِعْلُ العامِلُ في النِّداءِ وانْحَذَفَ فاعِلُهُ لِحَذْفِهِ، فَلَوْ حَذَفْنا المُنادى لَكانَ في ذَلِكَ حَذْفُ جُمْلَةِ النِّداءِ وحَذْفُ مُتَعَلِّقِهِ - وهو المُنادى - وإذا لَمْ نَحْذِفْهُ كانَ دَلِيلًا عَلى العامِلِ فِيهِ وهو جُمْلَةُ النِّداءِ، ولَيْسَ حَرْفُ النَّداءِ حَرْفَ جَوابٍ كَنَعَمْ وبَلى ولا وأجَلْ، فَيَجُوزُ حَذْفُ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ كَما يَجُوزُ حَذْفُها بَعْدَهُنَّ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ مِنَ السُّؤالِ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ.

فَيا عِنْدِي في تِلْكَ التَّراكِيبِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ أُكِّدَ بِهِ (ألا) الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ، وجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ الحَرْفَيْنِ، ولِقَصْدِ المُبالَغَةِ في التَّوْكِيدِ، وإذا كانَ قَدْ وُجِدَ التَّأْكِيدُ في اجْتِماعِ الحَرْفَيْنِ المُخْتَلِفَيِ اللَّفْظِ العامِلَيْنِ في قَوْلِهِ: فَأصْبَحْنَ لا يَسْألْنَنِي عَنْ بِما بِهِ والمُتَّفِقِي اللَّفْظِ العامِلَيْنِ أيْضًا في قَوْلِهِ: فَلا واللَّهِ لا يُلْفى لِما بِي ∗∗∗ ولا لَلِما بِهِمْ أبَدًا دَواءُ وجازَ ذَلِكَ - وإنْ عَدُّوهُ ضَرُورَةً أوْ قَلِيلًا - فاجْتِماعُ غَيْرِ العامِلَيْنِ وهُما مُخْتَلِفا اللَّفْظِ يَكُونُ جائِزًا، ولَيْسَ (يا) في قَوْلِهِ: يا لَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ حَرْفَ نِداءٍ عِنْدِي بَلْ حَرْفَ تَنْبِيهِ، جاءَ بَعْدَهُ المُبْتَدَأُ ولَيْسَ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المُنادى لِما ذَكَرْناهُ انْتَهى، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ.

وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ اسْتِئْنافًا مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، إمّا خِطابًا لِقَوْمِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْحَثِّ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ لِقَوْمِ بِلْقِيسَ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُخاطَبِينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِن جِهَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ مِن سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما قِيلَ وهو حِينَئِذٍ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ.

ولَعَلَّ الأظْهَرَ احْتِمالُ كَوْنِهِ اسْتِئْنافًا مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَ سُبْحانَهُ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ ويُوقَفُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - عَلى (يَهْتَدُونَ) اسْتِحْسانًا، ويُوجِبُ ذَلِكَ زِيادَةَ عِدَّةِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ - عَلى ما قالُوهُ فِيها - عِنْدَ بَعْضٍ، وقِيلَ: لا يُوجِبُها فَإنَّ الآياتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، لَيْسَ مَدارُها عَلى الوَقْفِ وعَدَمِهِ، فَتَأمَّلْ.

والفَرْقُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى أنَّ في الآيَةِ عَلى الأُولى ذَمًّا عَلى تَرْكِ السُّجُودِ، وفِيها عَلى الثّانِيَةِ أمْرًا بِالسُّجُودِ، وأيًّا ما كانَ فالسُّجُودُ واجِبٌ عِنْدَ قِراءَةِ الآيَةِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ وُجُوبَهُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، وهو مُخالِفٌ لِما صَرَّحَ بِهِ الفُقَهاءُ، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ غَيْرُ مَرْجُوعٍ إلَيْهِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: «هَلّا يَسْجُدُونَ» عَلى التَّحْضِيضِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِينَ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ «ألا تَسْجُدُونَ» عَلى العَرْضِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ «ألا هَلْ تَسْجُدُونَ» بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ وهَلِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي الكَشّافِ ما فِيهِ مُخالَفَةُ ما لَهُ، والعالِمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ يُظْهِرُ الشَّيْءَ المَخْبُوءَ فِيهِما كائِنًا ما كانَ، فالخَبْءُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِالمَطَرِ والنَّباتِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالماءِ، والأوْلى التَّعْمِيمُ كَما رَوى ذَلِكَ جَماعَةٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وفِي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبْءِ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ (فِي) بِمَعْنى مِن، فالجارُّ والمَجْرُورُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُخْرِجُ) والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ.

واخْتِيارُ هَذا الوَصْفِ لِما أنَّهُ أوْفَقُ بِالقِصَّةِ حَيْثُ تَضَمَّنَتْ ما هو أشْبَهُ شَيْءٍ بِإخْراجِ الخَبْءِ وهو إظْهارُ أمْرِ بِلْقِيسَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وعَلى هَذا القِياسِ اخْتِيارُ ما ذُكِرَ بَعْدُ مِن صِفاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: إنَّ تَخْصِيصَ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الهُدْهُدَ أرْسَخُ في مَعْرِفَتِهِ والإحاطَةِ بِأحْكامِهِ بِمُشاهَدَةِ آثارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى في نَفْسِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى مَعْرِفَةِ الماءِ تَحْتَ الأرْضِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الهُدْهُدِ أُودِعَ فِيهِ القُدْرَةُ عَلى ما ذُكِرَ مِمّا لَمْ يَجِئْ فِيهِ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأيْضًا التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ لا يَتَسَنّى عَلى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ والسِّتَّةِ الَّذِينَ مَعَهُ (ألا يَسْجُدُوا) بِالتَّخْفِيفِ، إذا جُعِلَ الكَلامُ اسْتِئْنافًا مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ مِن جِهَةِ سُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وعِيسى «الخَبَ» بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى الباءِ وحَذْفِ الهَمْزَةِ، وحَكى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ عَنْ قَوْمٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ وبَنِي أسَدٍ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِألِفٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ، فَلَزِمَ فَتْحُ ما قَبْلَها، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وخُرِّجَتْ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ في الوَقْفِ: هَذا الخَبْوُ ومَرَرْتُ بِالخَبْيِ ورَأيْتُ الخَبا، وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ يُقالَ في المَرْأةِ والكَمْأةِ: المَراةُ والكَماةُ بِإبْدالٍ الهَمْزَةِ ألِفًا وفَتْحِ ما قَبْلَها، وذُكِرَ أنَّ هَذا الإبْدالَ لُغَةٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (الخَبْءَ) مِن ذَلِكَ، ومَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُدَّعِيًا أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ، وعُلِّلَ بِأنَّ الهَمْزَةَ إذا سَكَنَ ما قَبْلَها فَطَرِيقُ تَخْفِيفِها الحَذْفُ لا القَلْبُ، كَما يُقالُ في الكَمْءِ كَمَهْ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ فَقالَ: تَخْرِيجُهُ عَلى الوَقْفِ فِيهِ ضَعْفانِ؛ لِأنَّ الوَقْفَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ لَيْسَ مِن لُغَةِ الفُصَحاءِ، وإجْراءَ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ - فِيما لا يَكْثُرُ اسْتِعْمالُهُ - كَذَلِكَ، وأمّا تِلْكَ اللُّغَةُ فَعَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّها قِياسٌ، انْتَهى.

وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّ الخَبا بِالألِفِ لا يَجُوزُ أصْلًا، وهو مِن قُصُورِ العِلْمِ، قالَ المُبَرِّدُ: كانَ أبُو حاتِمٍ دُونَ أصْحابِهِ في النَّحْوِ ولَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ، إلّا أنَّهُ إذا خَرَجَ مِن بَلْدَتِهِمْ لَمْ يُلْقَ أعْلَمَ مِنهُ.

وأُشِيرَ بِعَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ عَلى (يُخْرِجُ) إلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ ما في العالَمِ الإنْسانِيِّ مِنَ الخَفايا كَما يُخْرِجُ ما في العالَمِ الكَبِيرِ مِنَ الخَبايا؛ لِما أنَّ المُرادَ: يُظْهِرُ ما تُخْفُونَهُ مِنَ الأحْوالِ فَيُجازِيكم بِها، وذِكْرُ (ما تُعْلِنُونَ) لِتَوْسِيعِ دائِرَةِ العِلْمِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَساوِيهِما بِالنِّسْبَةِ إلى العِلْمِ الإلَهِيِّ كَذا قِيلَ.

ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ أُشِيرَ بِما تَقَدَّمَ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وبِهَذا إلى كَمالِ عِلْمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأنَّهُ اسْتَوى فِيهِ الباطِنُ والظّاهِرُ.

وقُدِّمَ ( ما تُخْفُونَ) لِذَلِكَ مَعَ مُناسَبَتِهِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الخَبْءِ، وقُدِّمَ وصْفُهُ تَعالى بِإخْراجِ الخَبْءِ مِنَ السَّماواتِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ مُلاءَمَةً لِلْمَقامِ، والخِطابُ - عَلى ما قِيلَ - إمّا لِلنّاسِ أوْ لِقَوْمِ سُلَيْمانَ أوْ لِقَوْمِ بِلْقِيسَ، وفي الكَلامِ التِفاتٌ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والجُمْهُورُ «ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ، وفي الكَشّافِ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ: «ألا تَسْجُدُونَ لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قرأ عاصم بنصب الكاف، وقرأ الباقون بالضم، وهما لغتان ومعناهما واحد، يعني: لم يلبث إلا قليلاً.

ويقال: لم يطل الوقت حتى جاء الهدهد فَقالَ.

فقال له سليمان: أين كنت؟

فخرّ له ساجداً وقال: أَحَطْتُ وفي الآية مضمر، معناه: فمكث غير بعيد أن جاءه الهدهد فقال له سليمان: أين كنت؟

فخرّ له ساجدا، فقال أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ يعني: علمت ما لم تعلم به، وجئتك بخبر لم تكن تعلمه، ولم يخبرك عنه أحد.

ثم أخبره فقال: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ فإن قيل: كيف يجوز أن يقال إن سليمان لم يعلم به، وكانت أرض سبأ قريبة منه، وهناك ملك لم يعلم به سليمان؟

قيل له: علم سليمان ذلك، ولكنه لم يعلم أنهم يسجدون للشمس.

ويقال: إنه علم بها، ولكنه لم يعلم أن ملكها قد بلغ هذا المبلغ، وعلم أنهم أهل الضلالة، والإحاطة: هي العلم بالأشياء بما فيها وجهاتها كما قال وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ، يعني: من أرض سبأ، وهي مدينة باليمن بِنَبَإٍ يَقِينٍ يعني: بخبر صدق لا شك فيه.

ويقال: بخبر عجيب.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو سَبَإٍ بالنصب بغير تنوين.

وقرأ الباقون بالكسر والتنوين.

فمن قرأ بالنصب جعله اسم مدينة، وهي مؤنث لا ينصرف، ومن قرأ بالكسر والتنوين جعله اسم الرجل.

ويقال: جعله اسم مكان.

فقال له سليمان: وما ذلك الخبر؟

فقال: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ يعني: تملك أرض سبأ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يعني: أعطيت علم ما في بلادها.

ويقال: من كل صنف من الأموال والجنود، وأنواع الخير مما يعطى الملوك وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ يعني: سريراً كبيراً أعظم من سريرك.

ويقال: كان طول سريرها ثمانون ذراعاً في ثمانين مرصعاً بالذهب والدر والياقوت، وقوائمه من اللؤلؤ والياقوت، واسمها بلقيس.

قال مقاتل: كانت أمها من الجن.

ويقال: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ، أي شديد.

قوله عز وجل: وَجَدْتُها يعني: رأيتها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ يعني: يعبدون الشمس مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ الخبيثة فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ يعني: طريق الهدى، ومعناه: صدهم الشيطان عن الإسلام، فهم لا يهتدون.

يعني: لا يعرفون الدين.

قوله عز وجل: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ قرأ الكسائي أَلَّا يَسْجُدُوا بالتخفيف، وقرأ الباقون بتشديد أَلَّا، فمن قرأ بالتخفيف فمعناه: أن الهدهد قال عند ذلك: أنْ لاَ تسجدوا لله؟

وقال مقاتل: هذا قول سليمان قال لقومه: أَلَّا يَسْجُدُوا ويقال هذا كلام الله أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ وهذا من الاختصار، فكأنه قال: ألا يا هؤلاء اسجدوا لله.

ومن قرأ بالتشديد فمعناه: فصدهم عن السبيل أن لا يسجدوا لله، يعني: لأن لا يسجدوا.

ويقال: معناه وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ لئلا يسجدوا لله.

وقال بعضهم: وإذا قرئ بالتخفيف، فهو موضع السجدة، وإذا قرئ بالتشديد، فليس بموضع سجدة في الوجهين جميعاً، وهذا القول أحوط.

الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ يعني: المخبئات فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مثل المطر والثلج، ويعني: في الأرض مثل النبات والأشجار والكنوز والموتى.

ويقال: الذي يظهر سر أهل السموات والأرض ويعلنها، فذلك قوله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ.

ثم قال عز وجل: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أي الذي يعلم ذلك.

قرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص مَا تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ بالتاء على معنى المخاطبة لهم.

وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مُسَيْك.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «١» «سَبَأَ» - بفتح الهَمْزَةِ وتَرْكِ الصَّرْف- على أنه اسمُ بَلْدَةِ وقاله الحسن وقتادة.

وقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي: مما تحتاجُه المملكةُ، قال الحسن: من كل أمر الدنيا «٢» ، وهذه المرأةُ هي «بلقيس» ، وَوَصَفَ عرشَها بالعِظَم في الهيئةِ ورتبة الملك، ٥٢ أوأكثر بَعضِ النَّاسِ/ في قصَصها بما رأيتُ اختصارَه لعدَمِ صحَّتِه، وإنما اللازم من الآية:

أنها امرأةٌ مَلِكَةٌ عَلى مدائنَ اليمن، ذاتُ مُلْكٍ عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار.

وقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ إلى قوله الْعَظِيمِ، ظاهره: أنه من قوله الهدهد وهو قول ابن زيد وابن إسحاق، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى اعتراضاً بيْنَ الكَلاَمَيْن، وقراءةُ التشديدِ في أَلَّا تعطى: أن الكلامَ للهدهدِ وهي قراءةُ الجمهورِ «٣» ، وقراءة التخفيفِ وهي للكسائي تَمْنَعَهُ «٤» وتقوِّي الآخرَ فتأملْه، وقرأ الأعمشُ «٥» هَلاَّ يَسْجُدُونَ وفي حرف عبد الله «ألا هل تسجدون» بالتّاء، والْخَبْءَ: الخفيّ من

الأمور وهو من: خَبَأْتُ الشيءَ، واللفظةُ تَعُمّ كل ما خَفِي من الأمور وبه فسر ابن عباس «١» .

وقرأ الجمهورُ: «يُخْفُونَ وَيُعْلِنون» بياء الغائب وهذه القراءة تُعْطى أنَّ الآيةَ من كلامِ الهدهد.

وقرأ الكسائيُّ وحفصٌ عن «٢» عاصم «تُخْفُونَ وَتُعْلِنُونَ» بتاء الخطاب وهذه القراءة تعطى أنَّ الآية من خطاب الله تعالى لأمة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم.

قوله: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ، قال وهب بن مُنَبِّه: أمره بالتولِّي حُسنُ أدب ليَتَنَحَّى حَسْبَ ما يُتأَدَّبُ به مع الملوك، بمعنى: وكن قريبا حتى ترى مراجعاتهم، وليكل الأمر، إلى حُكْمِ ما في الكتابِ دونَ أن تكونَ للرسولِ ملازمةٌ ولا إلحاحٌ «٣» .

ورَوَى وهب بن منبِّه في قصص هذه الآية: أن الهدهدَ وصل فَوَجَدَ دون هذه المَلِكَةِ حُجُبَ جدراتٍ، فَعَمَدَ إلَى كُوَّةٍ كانتْ بلقيسُ صَنَعَتْهَا، لتَدْخُلَ منها الشمسُ عند طلوعها لمعنى عبادَتِهَا إيَّاهَا فدخل منها ورمى بالكتابِ إليها «٤» فقرأتْه وجَمَعَتْ أهْلَ مُلْكِها فخاطبتهم بما يأتي بعد.

قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ تعني: الأشراف: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ وصَفَتِ الكتابَ بالكريمِ إما لأنه من عند عظيمٍ، أو لأنه بُدِىء باسمٍ كريمٍ.

ثم أخذتْ تصف لهم ما في الكتابِ، ثم أخذتْ في حسْنِ الأدَبِ مَعَ رجَالِها ومشاورتهم في أمرها فراجعها قومُها بما يُقِرُّ عَيْنَها مِنْ إعلامِهم إيَّاها بالقوة، والبأس.

ثم سلَّمُوا الأمر إلى نَظَرِها وهذه محاورةٌ حسنة من الجميع.

وفي قراءة «٥» عبد الله: «ما كُنْتُ قَاضِيَةً أَمْراً» بالضاد من القضاء، ثم أخبرتْ بلقيسُ بفِعلِ الملوكِ بالقُرَى التي يَتَغَلَّبُونَ عليها، وفي كلامها خوفٌ على قومِها وحَيْطَة لهم، قال الدَّاوُودِيُّ: وعن ابن عباس: رضي الله عنه إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها قال: إذا أخذوهَا عَنْوَةً، أخربوها «٦» ، انتهى.

وقوله: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ قالت فرقة: هو من قول بلقيس، وقال ابن عباس: هو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ﴾ التَّفَقُّدُ: طَلَبُ ما غابَ عَنْكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ طَلَبَ ما فَقَدَ مِنَ الطَّيْرِ؛ والطَّيْرُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْجِنْسِ، وكانَتِ الطَّيْرُ تَصْحَبُ سُلَيْمانَ في سَفَرِهِ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِها ﴿ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: " ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ " بِفَتْحِ الياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ بِالسُّكُونِ، والمَعْنى: ما لِلْهُدْهُدِ [لا أراهُ]؟!

تَقُولُ العَرَبُ: ما لِي أراكَ كَئِيبًا، أيْ: ما لَكَ؟

فَهَذا مِنَ المَقْلُوبِ الَّذِي مَعْناهُ مَعْلُومٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا فَصَلَ سُلَيْمانُ عَنْ وادِي النَّمْلِ، وقَعَ في قَفْرٍ مِنَ الأرْضِ، فَعَطِشَ الجَيْشُ فَسَألُوهُ الماءَ، وكانَ الهُدْهُدُ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ، فَإذا قالَ لَهُ: هاهُنا الماءُ، شَقَّقَتِ الشَّياطِينُ الصَّخْرَ وفَجَّرَتِ العُيُونَ قَبْلَ أنْ يَضْرِبُوا أبْنِيَتَهم، وكانَ الهُدْهُدُ يَرى الماءَ في الأرْضِ كَما يَرى الماءَ في الزُّجاجَةِ، فَطَلَبَهُ يَوْمئِذٍ فَلَمْ يَجِدْهُ.

وَقالَ بَعْضُهم: إنَّما طَلَبُهُ لِأنَّ الطَّيْرَ كانَتْ تُظِلُّهم مِنَ الشَّمْسِ، فَأخَلَّ الهُدْهُدُ بِمَكانِهِ، فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَلَلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ كانَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: بَلْ كانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نَتْفُ رِيشِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: نَتْفُهُ وتَشْمِيسُهُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ.

والثّالِثُ: شَدُّ رِجْلِهِ وتَشْمِيسُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنْ يَطْلِيَهُ بِالقَطِرانِ ويُشَمِّسُهُ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والخامِسُ: أنْ يُودِعَهُ القَفَصَ والسّادِسُ: أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ لَيَأْتِيَنِّي ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " لَيَأْتِينَّنِي " بِنُونَيْنِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ.

فَأمّا السُّلْطانُ، فَهو الحُجَّةُ، وقِيلَ: العُذْرُ.

وَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ سُلَيْمانَ لَمّا نَزَلَ في بَعْضِ مَسِيرِهِ، قالَ الهُدْهُدُ: إنَّهُ قَدِ اشْتَغَلَ بِالنُّزُولِ فَأرْتَفِعُ أنا إلى السَّماءِ فانْظُرُ إلى طُولِ الدُّنْيا وعَرْضِها، فارْتَفَعَ فَرَأى بُسْتانًا لِبِلْقِيسَ، فَمالَ إلى الخُضْرَةِ فَوَقَعَ فِيهِ، فَإذا هو بِهُدْهُدٍ قَدْ لَقِيَهُ، فَقالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتَ؟

قالَ: مِنَ الشّامِ مَعَ صاحِبِي سُلَيْمانَ، فَمِن أيْنَ أنْتَ؟

قالَ: مِن هَذِهِ البِلادِ، ومَلِكُها امْرَأةٌ يُقالُ لَها: بِلْقِيسَ، فَهَلْ أنْتَ مُنْطَلِقٌ مَعِي حَتّى تَرى مُلْكَها؟

قالَ: أخافُ أنْ يَتَفَقَّدَنِي سُلَيْمانُ وقْتَ الصَّلاةِ إذا احْتاجَ إلى الماءِ، قالَ: إنَّ صاحِبَكَ يَسُرُّهُ أنْ تَأْتِيَهُ بِخَبَرِ هَذِهِ المَلِكَةِ، فانْطَلَقَ مَعَهُ، فَنَظَرَ إلى بِلْقِيسَ ومُلْكَها، ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " فَتَمْكُثُ " بِزِيادَةِ تاءٍ؛ والمَعْنى: لَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى جاءَ، فَقالَ سُلَيْمانُ: ما الَّذِي أبْطَأ بِكَ؟

﴿ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾ أيْ: عَلِمْتَ شَيْئًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ مِمّا لَمْ تُعْلَمْ [بِهِ] ﴿ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأبُو عَمْرٍو: " سَبَأ " نَصْبًا غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وقَرَأ الباقُونَ خَفْضًا مُنَوَّنًا.

وجاءَ في الحَدِيثِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّ سَبَأ رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ» .

وقالَ قَتادَةُ: هي أرْضٌ بِاليَمَنِ يُقالُ لَها: مَأْرِبٌ.

وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشِ: إنْ شِئْتَ صَرَفْتَ " سَبَأ " فَجَعَلْتَهُ اسْمَ أبِيهِمْ، أوِ اسْمَ الحَيِّ، وإنْ شِئْتَ لَمْ تَصْرِفْ فَجَعَلْتَهُ اسْمَ القَبِيلَةِ، أوِ اسْمَ الأرْضِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ.

وقالَ آخَرُونَ: الِاسْمُ إذا لَمْ يُدْرَ ما هو لَمْ يُصْرَفْ؛ وكِلا القَوْلَيْنِ خَطَأٌ، لِأنَّ الأسْماءَ حَقُّها الصَّرْفُ، وإذا لَمْ يُعْلَمْ هَلْ الِاسْمُ لِلْمُذَكَّرِ أمْ لِلْمُؤَنَّثِ، فَحَقُّهُ الصَّرْفُ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّ أصْلَ الأسْماءِ الصَّرْفُ.

وقَوْلُ الَّذِينَ قالُوا: هو اسْمُ رَجُلٍ، غَلَطٌ، لِأنَّ سَبَأ هي مَدِينَةٌ تُعْرَفُ بِمَأْرِبٍ مِنَ اليَمَنِ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَمَن لَمْ يَصْرِفْهُ جَعَلَهُ اسْمَ مَدِينَةٍ، ومَن صَرَفَهُ فَلِأنَّهُ اسْمُ البَلَدِ، فَيَكُونُ مُذَكَّرًا سُمِّيَ بِمُذَكِّرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ أيْ: بِخَبَرٍ صادِقٍ، ﴿ إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ ﴾ يَعْنِي بِلْقِيسَ ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يُعْطاهُ المُلُوكُ ويُؤْتاهُ النّاسُ.

والعَرْشُ: سَرِيرُ المُلْكِ.

قالَ قَتادَةُ: كانَ عَرْشُها مِن ذَهَبٍ، قَوائِمُهُ مِن جَوْهَرٍ مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلُؤِ، وكانَ أحَدُ أبَوَيْها مِنَ الجِنِّ، وكانَ مُؤَخَّرُ أحَدِ قَدَمَيْها مِثْلَ حافِرِ الدّابَّةِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ قَدَماها كَحافِرِ الحِمارِ.

وَقالَ ابْنُ السّائِبِ: لَمْ يَكُنْ بِقَدَمَيْها شَيْءٌ، إنَّما وقَعَ الجِنُّ فِيها عِنْدَ سُلَيْمانَ بِهَذا القَوْلِ، فَلَمّا جُعِلَ لَها الصَّرْحُ بانَ لَهُ كَذِبُهم.

قالَ مُقاتِلٌ: كانَ ارْتِفاعُ عَرْشِها ثَمانِينَ ذِراعًا في عَرْضِ ثَمانِينَ، وكانَتْ أُمُّها مِنَ الجِنِّ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وإنَّما صارَ هَذا الخَبَرُ عُذْرًا لِلْهُدْهُدِ، لِأنَّ سُلَيْمانَ كانَ لا يَرى لِأحَدٍ في الأرْضِ مَمْلَكَةً سِواهُ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ يُحِبُّ الجِهادَ، فَلَمّا دَلَّهُ الهُدْهُدُ عَلى مَمْلَكَةٍ لِغَيْرِهِ، وعَلى قَوْمٍ كَفَرَةٍ يُجاهِدُهم، صارَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَسْجُدُوا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " ألّا " بِالتَّشْدِيدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ألّا يَسْجُدُوا، أيْ: فَصَدَّهم لِئَلّا يَسْجُدُوا.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وحُمَيْدُ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيُّ: " ألّا يَسْجُدُوا " مُخَفَّفَةً، عَلى مَعْنى: ألا يا هَؤُلاءِ اسْجُدُوا، فَيَكُونُ في الكَلامِ إضْمارُ " هَؤُلاءِ " ويُكْتَفى مِنها بِ " يا "، ويَكُونُ الوَقْفُ " ألا يا " والِابْتِداءُ " اسْجُدُوا "؛ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ هي سَجْدَةٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن شَدَّدَ لا يَنْبَغِي لَها أنْ تَكُونَ سَجْدَةً.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ مُسْتَأْنَفٌ، يَعْنِي: ألا يا أيُّها النّاسُ اسْجُدُوا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبِيُّ: " هَلّا يَسْجُدُوا " بَهاءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيِ: المُسْتَتِرُ فِيهِما، وهو مِن خَبَّأْتُ الشَّيْءَ: إذا أخْفَيْتُهُ، ويُقالُ: خَبْءُ السَّمَواتِ: المَطَرُ، وخَبْءُ الأرْضِ: النَّباتُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما خَبَّأْتَهُ فَهو خَبْءٌ، فالخَبْءُ: كُلُّ ما غابَ؛ فالمَعْنى: يَعْلَمُ الغَيْبَ في السَّمَواتِ والأرْضِ.

٥٠ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: " في " بِمَعْنى " مِن "، فَتَقْدِيرُهُ: يُخْرِجُ الخَبْءَ مِنَ السَّمَواتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ قَرَأ حَفْصٌ [عَنْ] عاصِمٍ، والكِسائِيُّ بِالتّاءِ فِيهِما.

وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن قَوْلِهِ: ﴿ أحَطْتُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ العَظِيمِ ﴾ كَلامُ الهُدْهُدِ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " العَظِيمُ " بِرَفْعِ المِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عنهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ ﴾ كانَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ أُمَّةً تَعْبُدُ الشَمْسَ؛ لِأنَّهم كانُوا زَنادِقَةً فِيما رُوِيَ، وقِيلَ: كانُوا مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الأنْوارَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ألا يَسْجُدُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ ظاهِرٌ أنَّهُ مِن قَوْلِ الهُدْهُدِ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقٍ، ويَعْتَرِضُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُخاطَبٍ فَكَيْفَ يَتَكَلَّمُ في شَرْعٍ؟!

[وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ لِمّا أخْبَرَهُ الهُدْهُدُ عَنِ القَوْمِ]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى، فَهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، وهو الثابِتُ مَعَ التَأمُّلِ، وقِراءَةُ التَشْدِيدِ في "ألّا" تُعْطِيَ أنَّ الكَلامَ لِلْهُدْهُدِ، وقِراءَةُ التَخْفِيفِ تَمْنَعُهُ وتُقَوِّي الآخَرَ حَسَبَ ما سُمِعَ، ويَتَأمَّلُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "ألّا"، أيْ "لا يَسْجُدُوا"، فَـ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن "أعْمالَهُمْ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِنَ "السَبِيلِ"، أو يَكُونُ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ: "لِئَلّا يَسْجُدُوا"، فَـ "أنْ" مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِـ "زَيَّنَ"، وإمّا بِـ "فَصَدَّهُمْ"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "أنْ" داخِلَةٌ عَلى مَفْعُولٍ لَهُ.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والزَهْرِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ، والكِسائِيُّ، والحُسَيْنُ: "ألا يَسْجُدُوا" بِتَخْفِيفِ اللامِ، فَعَلى هَذا لَهُ أنْ يَقِفَ عَلى "فَهم لا يَهْتَدُونَ" ويَبْتَدِئُ بِـ "ألا يَسْجُدُوا"، وإنْ شاءَ وقَفَ عَلى "ألا يا" ثُمْ يَبْتَدِئُ: "اسْجُدُوا"، واحْتَجَّ الكِسائِيُّ لِقِراءَتِهِ هَذِهِ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ مَوْضِعُ سَجْدَةٍ وإنْ جَعَلْناهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، بِمَعْنى: ألا يا قَوْمِ ونَحْوَ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيِّ عَلى البِلى ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ ونَحْوَ قَوْلِ الأخْطَلِ: ألّا يا أسْلِمِي يا هِنْدُ هِنْدُ بُنِيَ بَدْرُ ∗∗∗ وإنْ كانَ حَيّانا عَدا آخِرِ الدَهْرِ ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ: ألا يا اسْمَعْ أعِظُكَ بِخِطْبَةٍ ∗∗∗ فَقُلْتُ سَمِعْنا فانْطِقِي وأصِيبِي وَتَحْتَمِلُ قِراءَةُ مَن شَدَّدَ "ألّا" أنَّ نَجْعَلَها بِمَعْنى التَخْضِيضِ، ويُقَدَّرُ هَذا النِداءُ بَعْدَها، ويَجِيءُ في الكَلامِ إضْمارٌ كَبِيرٌ ولَكِنَّهُ مُتَوَجِّهٌ، وسَقَطَتِ الألْفُ كَما كَتَبَتْ فِي: يا عِيسى، ويا قَوْمُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "هَلّا يَسْجُدُونَ"، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "ألا هَلْ تَسْجُدُونَ" بِالتاءِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: "ألّا تَسْجُدُوا" بِالتاءِ أيْضًا.

و"الخَبْءُ": الخَفِيُّ مِنَ الأُمُورِ، وهو مِن: "خَبَّأتُ الشَيْءَ"، وخَبْءُ السَماءِ: مَطَرُها، وخَبْءُ الأرْضِ: كُنُوزُها ونَباتُها، واللَفْظَةُ -بَعْدَ هَذا- تَعُمْ كُلَّ خَفِيٍّ مِنَ الأُمُورِ، وبِهِ فَسَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَبْءُ" بِسُكُونِ الباءِ، وبِالهَمْزِ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "الخَبَ" بِفَتْحِ الباءِ وتَرْكِ الهَمْزِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "الخَبّا" بِألِفٍ مَقْصُورَةٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ [يَقْلِبُ الهَمْزَةَ ألْفًا إذا كانَتْ مَفْتُوحَةً وقَبْلَها ساكِنٌ] ويَقْلِبُها واوًا إذا كانَتْ مَضْمُومَةً وقَبْلَها ساكِنٌ، ويَقْلِبُها ياءً إذا كانَتْ مَكْسُورَةً وقَبْلَها ساكِنٌ، ومَثَّلَ سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ بِالوَثْيِ، تَقُولُ: رَأيْتُ الوَثا، وهَذا الوَثْوُ، وعَجِبْتُ مِنَ الوَثْيِ، وكَذَلِكَ يَجِيءُ "الخَبا" في حالِ النَصْبِ، وتَقُولُ: اطَّلَعَتُ عَلى الخَبِيِ، وراقَنِي الخَبُو.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَيَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ" بِياءِ الغائِبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ القِراءَةُ تُعْطِي أنَّ الآيَةَ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، وعاصِمْ في رِوايَةِ حَفْصٍ "وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" بِتاءِ المُخاطَبَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُعْطِي أنَّ الآيَةَ مِن خِطابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ كَعْبٍ: "ألّا تَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يَخْرُجُ الخَبا مِنَ السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ".

وخَصَّ العَرْشَ بِالذِكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، وما عَداهُ في ضِمْنِهِ وفي قَبْضَتِهِ.

ثُمْ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَّرَ أمْرَ الهُدْهُدِ إلى أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ حَقَّهُ مِن باطِلِهِ، فَسَوَّفَهُ بِالنَظَرِ في ذَلِكَ، وأمَرَ بِكِتابٍ فَكُتِبَ، وحَمَّلَهُ إيّاهُ، وأمْرَهُ بِإلْقائِهِ إلى القَوْمِ والتَوَلِّي بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ وهَبَ بْنِ مُنَبِّهٍ: أمَرَهُ بِالتَوَلِّي حُسْنَ أدَبٍ لِيَتَنَحّى حَسَبَ ما يَتَأدَّبُ بِهِ مَعَ المُلُوكِ، بِمَعْنى: وكُنْ قَرِيبًا حَتّى تَرى مُراجَعاتِهِمْ، قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿ فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ ﴾ في مَعْنى التَقْدِيمِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واتِّساقُ رُتْبَةِ الكَلامِ أظْهَرُ، أيْ: ألْقِهِ ثُمْ تَوَلَّ، وفي خِلالِ ذَلِكَ فانْظُرْ، وإنَّما أرادَ أنْ يَكِلَ الأمْرَ إلى حُكْمٍ ما في الكِتابِ دُونَ أنْ يَكُونَ الرَسُولُ مُلازِمُهُ وبِلا إلْحاحٍ.

وقَرَأ نافِعٌ: "فَألْقِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، وفِرْقَةٌ: "فَألْقِهُ" بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ بِإشْباعٍ بَعْدَ الكَسْرَةِ في الهاءِ، ورَوى عنهُ ورَشٌّ بَعْدَ الهاءِ في الوَصْلِ بِياءٍ، وقَرَأ قَوْمٌ بِإشْباعِ واوٍ بَعْدَ الضَمَّةِ، وقَرَأ اليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرُو، وعاصِمْ، وحَمْزَةَ: "فَألْقِهِ" بِسُكُونِ الهاءِ.

ورُوِيَ عن وهَبَ بْنِ مُنَبِّهٍ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الهُدْهُدَ وصَلَ فَألْقى دُونَ هَذِهِ المَلِكَةِ حُجُبَ جُدْرانٍ، فَعَمَدَ إلى كُوَّةٍ كانَتْ بِلْقِيسُ صَنْعَتْها لِتَدْخُلَ مِنها الشَمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها لِمَعْنى عِبادَتِها إيّاها، فَدَخَلَ مِنها ورَمى الكِتابَ عَلى بِلْقِيسَ وهي -فِيما يُرْوى- نائِمَةٌ، فَلَمّا انْتَبَهَتْ وجَدَتْهُ، فَراعَها وظَنَّتْ أنَّهُ قَدْ دَخَلَ عَلَيْها أحَدٌ، ثُمْ قامَتْ فَوَجَدَتْ حالَها كَما عَهِدَتْهُ، فَنَظَرَتْ إلى الكُوَّةِ تَهَمُّمًا بِأمْرِ الشَمْسِ فَرَأتِ الهُدْهُدَ فَعَلِمَتْ أمْرَهُ، ثُمْ جَمَعَتْ أهْلَ مُلْكِها وعَلِيَّتَهم فَخاطَبَتُهم بِما يَأْتِي بَعْدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّى وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَئ وَلَهَا ﴾ ﴿ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم ﴾ .

الفاء لتفريع الحكاية عطفت جملة على جملة وضمير ﴿ مكث ﴾ للهدهد.

والمكث: البقاء في المكان وملازمته زمناً ما، وفعله من باب كرم ونصر.

وقرأه الجمهور بالأول.

وقرأ عاصم وروح عن يعقوب بالثاني.

وأطلق المكث هنا على البُطْء لأنّ الهدهد لم يكن ماكثاً بمكان ولكنه كان يطير وينتقل، فأطلق المكث على البُطء مجاز مرسل لأن المكث يستلزم زمناً.

و ﴿ غير بعيد ﴾ صفة لاسم زمن أو اسم مكان محذوف منصوب على الظرفية، أي مكث زمناً غير بعيد، أو في مكان غير بعيد، وكلا المعنيين يقتضي أنه رجع إلى سليمان بعد زمن قليل.

و ﴿ غير بعيد ﴾ قريب قرباً يوصف بضد البعد، أي يوشك أن يكون بعيداً.

وهذا وجه إيثار التعبير ب ﴿ غيرَ بعيد ﴾ لأن ﴿ غير ﴾ تفيد دفع توهم أن يكون بعيداً، وإنما يتوهم ذلك إذا كان القُرب يُشبه البُعد.

والبُعد والقرب حقيقتهما من أوصاف المكان ويستعاران لقلة الحصة بتشبيه الزمن القصير بالمكان القريب وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة قال تعالى: ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ [هود: 89].

والفاء في فقال} عاطفة على «مكُث» وجُعل القول عقيب المكث لأنه لما حضر صدر القول من جهته فالتعقيب حقيقي.

والقولُ المسند إلى الهدهد إنْ حمل على حقيقة القول وهو الكلام الذي من شأنه أن ينطق به الناس، فقول الهدهد هذا ليس من دلالة منطق الطير الذي عُلّمه سليمان لأن ذلك هو المنطق الدال على ما في نفوس الطير من المدركات وهي محدودة كما قدمنا بيانه عند قوله تعالى: ﴿ علّمنا منطق الطير ﴾ [النمل: 16].

وليس للهدهد قِبَل بإدراك ما اشتمل عليه القول المنسوب إليه ولا باستفادة الأحوال من مشاهدة الأقوام والبلدان حتى تَخطر في نفسه وحتى يعبر عنها بمنطقه الذي عُلّم سليمانُ دلالتَه كما قدمناه.

فهذا وحي لسليمان أجراه الله على لسان الهدهد.

وأما قول سليمان ﴿ سننظر أصدقتَ أم كنتَ من الكاذبين ﴾ [النمل: 27] فيجوز أن يكون سليمان خشي أن يكون ذلك الكلام الذي سمعه من تلقاء الهدهد كلاماً ألقاه الشيطان من جانب الهدهد ليضَلّل سليمان ويفتنه بالبحث عن مملكة موهومة ليسخر به كما يسخر بالمتثائِب، فعزم سليمان على استثبات الخبر بالبحث الذي لا يترك ريبة في صحته خزياً للشيطان.

ولنشتغل الآن بما اشتمل عليه هذا الكلام فابتداؤه ب ﴿ أحطتُ بما لم تُحِطْ به ﴾ تنبيه لسليمان بأن في مخلوقات الله ممالك وملوكاً تداني مُلكه أو تفوقه في بعض أحوال الملك جعله الله مثلاً له، كما جعل عِلم الخضر مثلاً لموسى عليه السلام لئلا يغتر بانتهاء الأمر إلى ما بلغه هو.

وفيه استدعاء لإقباله على ما سيُلقى إليه بشراشره لأهمية هذا المطلع في الكلام، فإن معرفة أحوال الممالك والأمم من أهم ما يعنى به ملوك الصلاح ليكونوا على استعداد بما يُفاجئهم من تلقائها، ولتكون من دواعي الازدياد من العمل النافع للمملكة بالاقتداء بالنافع من أحوال غيرها والانقباض عما في أحوال المملكة من الخلل بمشاهدة آثار مثله في غيرها.

ومن فقرات الوزير ابن الخطيب الأندلسي: فأخبارُ الأقطار مما تُنِفق فيه الملوك أسمارها، وترقم ببديع هالاته أقمارها، وتستفيد منه حسن السِيَر، والأمنَ من الغِيَر، فتستعين على الدهر بالتجارب..

وتستدل بالشاهد على الغايب اه.

والإحاطة: الاشتمال على الشيء وجعله في حَوزة المحيط.

وهي هنا مستعارة لاستيعاب العلم بالمعلومات كقوله تعالى: ﴿ وكيف تصبر على ما لم تُحطْ به خُبراً ﴾ [الكهف: 68] فما صْدَقُ ﴿ ما لم تحط به ﴾ معلومات لم يحط بها علم سليمان.

و ﴿ سبأ ﴾ : بهمزة في آخره وقد يخفف اسم رجل هو عَبَّشَمْس بن يشْجُب بن يَعرُب ابن قحطان.

لُقب بسبأ.

قالوا: لأنه أول من سبَى في غزوه.

وكان الهمز فيه لتغييره العلمية عن المصدر.

وهو جدّ جذم عظيم من أجذام العرب.

وذريته كانوا باليمن ثم تفرقوا كما سيأتي في سورة سبأ.

وأطلق هذا الاسم هنا على ديارهم لأن ﴿ من ﴾ ابتدائية وهي لابتداء الأمكنة غالباً.

فاسم ﴿ سبأ ﴾ غلب على القبيلة المتناسلة من سبأ المذكور وهم من الجذم القحطاني المعروف بالعرب المستعربة، أي الذين لم ينشأوا في بلاد العرب ولكنهم نزحوا من العراق إلى بلاد العرب، وأول نازح منهم هو يَعرب (بفتح التحتية وضم الراء) بن قحطان (وبالعبرانية يقطان) بن عَابر بن شالخ بن أرفخشد (وبالعبرانية أرفكشاد) بن سَام بن نوح.

وهذا النسب يتفق مع ما في سفر التكوين من سَام إلى عابر، فمن عابر يفترق نسب القحطانيين من نسب العبرانيين؛ فأما أهل أنساب العرب فيجعلون لعابر ابنين أحدهما اسمه قحطان والآخر اسمه (فالغ).

وأما سفر التكوين فيجعل أنّ أحدهما اسمه (يقطن) ولا شك أنه المسمى عند العرب قحطان، والآخر اسمه (فالج) بفاء في أوله وجيم في آخره، فوقع تغيير في بعض حروف الاسمين لاختلاف اللغتين.

ولما انتقل يعرب سكن جنوب البلاد العربية (اليمن) فاستقر بموضع بنى فيه مدينة ظَفارِ (بفتح الظاء المشالة المعجمة وكسر الراء) فهي أول مدينة في بلاد اليمن وانتشر أبناؤه في بلاد الجنوب الذي على البحر وهو بلاد (حضرموت) ثم بنى ابنه يَشجب (بفتح التحتية وضم الجيم) مدينة صنعاء وسمى البلاد باليمن، ثم خلفه ابنه عَبَّشمس (بتشديد الموحدة ومعناه ضوء الشمس) وساد قومه ولقب سَبأ (بفتحتين وهمزة في آخره) واستقل بأهله فبنى مدينة مأرب حاضرة سبأ، قال النابغة الجعدي: من سبأ الحاضرين مأرب إذ *** يبنون من دون سَيْله العَرِما وبين مأرب وصنعاء مسيرة ثلاث مراحل خفيفة.

ثم جاء بعد سبأ ابنُه حِمْير ويلقب العَرنْجح (أي العتيق)، ويظهر أنه جعل بلاده ظفار بعد أن انتقل أبناء يشجب منها إلى صنعاء.

وفي المثَل: من ظَفَّر حَمَّر، أي من دخل ظفار فليتكلم بالحميرية، ولهذا المثل قصة.

فكانت البلاد اليمنية أو القحطانية منقسمة إلى ثلاث قبائل: اليمنية، والسبئية، والحميرية.

وكان على كل قبية مَلِك منها، واستقلّت أفخاذهم بمواقع أطلقوا على الواحد منها اسم مخلاف (بكسر الميم) وكان لكل مخلاف رئيس يلقب بالقيل ويقال له: ذو كذا، بالإضافة إلى اسم مخلافه، مثل ذو رُعين.

والملك الذي تتبعه الأقيال كلها ويحكم اليمن كلّها يلقب تُبَّع لأنه متبوع بأمراء كثيرين.

وقد انفردت سبأ بالملك في حدود القرن السابع عشر قبل الهجرة وكان أشهر ملوكهم أو أولَهم الهَدهاد بن شرحبيل ويلقب اليَشَرَّح (بفتح التحتية وفتح الشين المعجمة وفتح الراء مشددة وبحاء مهملة في آخره).

ثم وليت بعده بلقيس ابنة شرحبيل أيضاً أو شراحيل ولم تكن ذات زوج فيما يظهر من سياق القرآن.

وقيل كانت متزوجة شَدد بن زرعة، فإن صح ذلك فلعله لم تطل مدته فمات.

وكان أهل سَبأ صابئة يعبدون الشمس.

وبقية ذكر حضارتهم تأتي في تفسير سورة سَبأ.

و ﴿ أحطت ﴾ يقرأ بطاء مشددة لأنه التقاء طاء الكلمة وتاء المتكلم فقلبت هذه التاء طاء وأدغمتا.

والباء في قوله: ﴿ بنبإ ﴾ للمصاحبة لأن النبأ كان مصاحباً للهدهد حين مجيئه، والنبأ: الخبر المهم.

وبين ب ﴿ سبأ ﴾ و ﴿ بنبإٍ ﴾ الجناس المزدوج.

وفيه أيضاً جناس الخط وهو أن تكون صورة الكلمتين واحدة في الخَط وإنما تختلفان في النطق.

ومنه قوله تعالى: ﴿ والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مَرضت فهو يَشفين ﴾ [الشعراء: 79، 80].

ووصفه ب ﴿ يقين ﴾ تحقيق لكون ما سيلقى إليه شيء محقق لا شبهة فيه فوصف بالمصدر للمبالغة.

وجملة: ﴿ إنى وجدت امرأة ﴾ بيان ل ﴿ نبأ ﴾ فلذلك لم تعطف.

وإدخال (إنّ) في صدر هذه الجملة لأهمية الخبر إذ لم يكن معهوداً في بني إسرائيل أن تكون المرأة ملكاً.

وفعل ﴿ تملكهم ﴾ هنا مشتق من المُلك بضم الميم وفعله كفعل مِلك الأشياء.

وروي حديث هرقل «هل كان في آبائه مِن مَلَك» بفتح اللام، أي كان مَلكاً، ويفرق بين الفعلين بالمصدر فمصدر هذا مُلك بضم الميم، والآخر بكسرها، وضمير الجمع راجع إلى سبأ.

وهذه المرأة أريد بها بلقيس (بكسر الموحدة وسكون اللام وكسر القافِ) ابنة شراحيل وفي ترتيبها مع ملوك سَبأ وتعيين اسمها واسم أبيها اضطراب للمؤرخين.

والموثوق به أنها كانت معاصرة سليمان في أوائل القرن السابع عَشر قبل الهجرة وكانت امرأة عاقلة.

ويقال: هي التي بَنت سُدّ مَأرب.

وكانت حاضرةُ ملكها مأربَ مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث مراحل وسيأتي ذكرها في سورة سبأ.

وتنكير ﴿ امرأة ﴾ وهو مفعول أول ل ﴿ وجدت ﴾ له حكم المبتدأ فهو كالابتداء بالنكرة إذا أريد بالنكرة التعجب من جنسها كقولهم: بقَرة تكلمتْ، لأن المراد حكاية أمر عجيب عندهم أن تكون امرأة ملكة على قوم.

ولذلك لم يقل: وجدتهم تملكهم امرأة.

والإيتاء: الإعطاء، وهو مشعر بأن المعطَى مرغوب فيه، وهو مستعمل في لازمه وهو النول.

ومعنى ﴿ أوتيت من كل شيء ﴾ نالت من كل شيء حسن من شؤون الملك.

فعموم كل شيء عموم عرفي من جهتين يفسره المقام كما فسر قول سليمان ﴿ أوتينا من كل شيء ﴾ [النمل: 16]، أي أوتيتْ من خصال الملوك ومن ذخائرهم وعددهم وجيوشهم وثراء مملكتهم وزخرفها ونحو ذلك من المحامد والمحاسن.

وبناء فِعل ﴿ أوتيت ﴾ إلى المجهول إذ لا يتعلق الغرض بتعيين أسباب ما نالته بل المقصود ما نالته على أن الوسائل والأسباب شتى، فمنه ما كان إرثاً من الملوك الذين سلفوها، ومنه ما كان كسباً من كسبها واقتنائها، ومنه ما وهبها الله من عقل وحكمة، وما منَح بلادها من خصب ووفرة مياه.

وقد كان اليونان يلقبون مملكة اليمن بالعربية السعيدة أخذاً من معنى اليُمْن في العربية، وقال تعالى: ﴿ لقد كان لسبإٍ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكُروا له بلدَةٌ طيبة وربٌ غفور ﴾ [سبأ: 15].

وأما رجاحة العقول ففي الحديث: «أتاكم أهل اليمن هُم أرق أفئدة، الإيمان يَماننٍ، والحكمةُ يمانية» فليس المراد خصوص ما آتاها الله في أصل خلقتها وخلقة أمتها وبلادها، ولذا فلم يتعين الفاعل عرفاً.

وكلّ من عند الله.

وخص من نفائس الأشياء عرشها إذ كان عرشاً بديعاً ولم يكن لسليمان عرش مثله.

وقد جاء في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول ما يقتضي أن سليمان صنع كرسيَّهُ البديع بعد أن زارته ملكة سبأ.

وسنشير إليه عند قوله تعالى: ﴿ أيُّكم يأتيني بعرشها ﴾ [النمل: 38].

والعظيم: مستعمل في عظمة القَدْر والنفاسة في ضخامة الهيكل والذات.

وأعقب التنويه بشأنها بالحط من حال اعتقادهم إذ هم يسجدون، أي يعبدون الشمس.

ولأجل الاهتمام بهذا الخبر أعيد فعل وَجَدْتُها إنكاراً لكونهم يسجدون للشمس، فذلك من انحطاط العقلية الاعتقادية فكان انحطاطهم في الجانب الغيبي من التفكير وهو ما يظهر فيه تفاوت عوض العقول على الحقائق لأنه جانب متمحّض لعمل الفكر لا يستعان فيه بالأدلة المحسوسة، فلا جرم أن تضل فيه عقول كثير من أهل العقول الصحيحة في الشؤون الخاضعة للحواس.

قال تعالى في المشركين ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ [الروم: 7، 8] وكان عرب اليمن أيامئذ من عَبدة الشمس ثم دخلت فيهم الديانة اليهودية في زمن تُبّع أسْعَد من ملوك حِمير، ولكونهم عبدة شمس كانوا يسمون عبد شمس كما تقدم في اسم سبأ.

وقد جمع هذا القولُ الذي ألقي إلى سليمان أصولَ الجغرافية السياسية من صفة المكان والأديان، وصبغة الدولة وثروتها، ووقع الاهتمام بأخبار مملكة سبأ لأن ذلك أهم لملك سليمان إذ كانت مجاورة لمملكته يفصل بينهما البحر الأحمر، فأمور هذه المملكة أجدى بعمله.

وقرأ الجمهور: ﴿ من سبأ ﴾ بالصرف.

وقرأه أبو عمرو والبَزي عن ابن كثير بفتحة غير مصروف على تأويل البلاد أو القبيلة.

وقرأه قنبل عن ابن كثير بسكون الهمزة على اعتبار الوقف إجراء للوصل مُجرى الوقف.

يجوز أن يكون هذا من جملة الكلام الذي ألقيَ على لسان الهدهد، فالواو للعطف.

والأظهر أنه كلام آخر من القرآن ذُيّل به الكلام الملقَى إلى سليمان، فالواو للاعتراض بين الكلام الملقَى لسليمان وبين جواب سليمان، والمقصود التعريض بالمشركين.

وقوله: ﴿ ألا يسجدوا ﴾ قرأه الجمهور بتشديد اللام على أنه مركب في الخط من (أَنْ) و(لاَ) النافية كتبتا كلمة واحدة اعتباراً بحالة النطق بها على كل المعاني المرادة منها.

و ﴿ يسجدوا ﴾ فعل مضارع منصوب.

ويقدر لاَم جر يتعلق ب ﴿ صدَّهم عن السبيل ﴾ أي صدهم لأجل أن لا يسجدوا لله، أي فسجدوا للشمس.

ويجوز أن يكون المصدر المسبوك من ﴿ ألا يسجدوا ﴾ بدل بعض من ﴿ أعمالهم ﴾ وما بينهما اعتراض.

وجُوز أن يكون ﴿ ألاّ ﴾ كلمة واحدة بمعنى (هلاّ) فإن هاءها تبدل همزة.

وجَعْل ﴿ يسجدوا ﴾ مركباً من ياء النداء المستعملة تأكيداً للتنبيه وفعللِ أمر من السجود كقول ذي الرمة: أَلاَ يا اسلمي يا دَار مَيَّ على البِلَى *** وهو لا يلائم رسم المصحف إلا أن يقال: إنه رسم كذلك على خلاف القياس.

وقرأ الكسائي بتخفيف اللام على أنها (أَلاَ) حرفُ الاستفتاح ويتعين أن يكون ﴿ يسجدوا ﴾ مركباً من ياء النداء وفعل الأمر، كما تقدم وفيه ما تقدم.

والوقف في هذه على (أَلاَ).

وتزيين الأعمال تقدم في أول السورة عند قوله تعالى: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زَّيَّنا لهم أعمالهم فهم يعمهون ﴾ [النمل: 4].

وإسناده هنا للشيطان حقيقي و ﴿ السبيل ﴾ مستعار للدين الذي باتباعه تكون النجاة من العذاب وبلوغ دار الثواب.

و ﴿ الخبء ﴾ : مصدر خبأ الشيء إذا أخفاه.

أطلق هنا على اسم المفعول، أي المَخبوء على طريقة المبالغة في الخفاء كما هو شأن الوصف بالمصدر.

ومناسبة وقوع الصفة بالموصول في قوله: ﴿ الذي يخرج الخبء ﴾ لحالة خبر الهدهد ظاهرة لأن فيها اطلاعاً على أمر خفِي.

وإخراج الخبء: إبرازه للناس، أي إعطاؤه، أي إعطاء ما هو غير معلوم لهم من المطر وإخراج النبات وإعطاء الأرزاق، وهذا مؤذن بصفة القدرة.

وقوله: ﴿ ويعلم ما يخفون وما يعلنون ﴾ مؤذن بعموم صفة العلم.

وقرأ الجمهور: ﴿ يخفون...

ويعلنون ﴾ بياء الغيبة.

وقرأه الكسائي وحفص عن عاصم بتاء الخطاب فهو التفات.

ومجيء جملة: ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ عقب ذلك استئناف هو بمنزلة النتيجة للصفات التي أجريت على اسم الجلالة وهو المقصود من هذا التذييل، أي ليس لغير الله شُبهة إلهية.

وقوله: ﴿ رب العرش العظيم ﴾ أي مالك الفلك الأعظم المحيط بالعوالم العليا وقد تقدم.

وفي هذا تعريض بأن عظمة مُلك بلقيس وعِظَم عرشها ما كان حقيقاً بأن يغرها بالإعراض عن عبادة الله تعالى لأن الله هو رب الملك الأعظم، فتعريف ﴿ العرش ﴾ للدلالة على معنى الكمال.

ووصفه ب ﴿ العظيم ﴾ للدلالة على كمال العظم في تجسم النفاسة.

وفي منتهى هذه الآية موضع سجود تلاوة تحقيقاً للعمل بمقتضى قوله: ﴿ ألا يسجدوا لله ﴾ .

وسواء قرئ بتشديد اللام من قوله: ﴿ ألاّ يسجدوا ﴾ أم بتخفيفها لأن مآل المعنى على القراءتين واحد وهو إنكار سجودهم لغير الله لأن الله هو الحقيق بالسجود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ أيْ أقامَ غَيْرَ طَوِيلٍ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَكَثَ سُلَيْمانُ غَيْرَ بَعِيدٍ حَتّى أتاهُ الهُدْهُدُ.

الثّانِي: فَمَكَثَ الهُدْهُدُ غَيْرَ بَعِيدٍ حَتّى أتى سُلَيْمانُ.

﴿ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَلَغْتُ ما لَمْ تَبْلُغْهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عَلِمْتُ ما لَمْ تَعْلَمْهُ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: اطَّلَعْتُ عَلى ما لَمْ تَطَّلِعْ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والإحاطَةُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ جاءَ الهُدْهُدُ فَسَألَهُ سُلَيْمانُ عَنْ غَيْبَتِهِ.

﴿ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ أيْ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ صِدْقٍ، وفي ﴿ سَبَإٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَدِينَةٌ بِأرْضِ اليَمَنِ يُقالُ لَها مَأْرِبَ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثِ لَيالٍ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ إلى سَبَأٍ اثْنَيْ عَشَرَ نَبِيًّا، وقالَ الشّاعِرُ مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِهِ العَرِما الثّانِي: أنَّ سَبَأ حَيٌّ مِن أحْياءِ اليَمَنِ واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا في نِسْبَتِهِمْ إلى هَذا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أمَّهم، ورَوى عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ سَبَأٍ فَقالَ: هو ولَدُ رَجُلٍ لَهُ عَشْرَةُ أوْلادٍ فَبِاليَمَنِ مِنهم سِتَّةٌ وبِالشّامِ مِنهم أرْبَعَةٌ، فَأمّا اليَمانِيُّونَ فَمَذْحِجُ وجُهَيْنَةُ وكِنْدَةُ وأنْمِارُ والأزْدُ والأشْعَرِيُّونَ وأمّا الشّامِيُّونَ فَلَخْمٌ وجُذامُ وعامِلَةُ وغَسّانُ» وقِيلَ هو سَبَأُ بْنُ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ.

قالَ المُفَضَّلُ وسُمِّيَ سَبَأً لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَبا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ ﴾ قالَ الحَسَنُ: هي بِلْقِيسُ بِنْتُ شَراحِيلَ مَلِكَةُ سَبَأٍ، وقالَ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هي بِلْقِيسُ بِنْتُ شُرَحْبِيلَ بْنِ مالِكِ بْنِ الدَّيّانِ وأُمُّها فارِعَةُ الجِنِّيَّةُ، وقِيلَ ولَدُها أرْبَعُونَ مَلِكًا آخِرُهم شُرَحْبِيلُ.

قالَ قَتادَةُ: كانَ أُولُو مَشُورَتِها ثَلاثَمائَةٍ واثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ رَجُلٍ مِنهم عَلى عَشَرَةِ آلافِ رَجُلٍ.

﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن كُلِّ شَيْءٍ في أرْضِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مِن أنْواعِ الدُّنْيا كُلِّها، قالَهُ سُفْيانُ.

﴿ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ السَّرِيرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الكُرْسِيُّ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: المَجْلِسُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: المُلْكُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَظِيمٌ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ضَخْمٌ.

الثّانِي: حَسَنُ الصَّنْعَةِ، قالَهُ زُهَيْرٌ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ كانَ مِن ذَهَبٍ وقَوائِمُهُ لُؤْلُؤٌ وكانَ مُسَتَّرًا بِالدِّيباجِ والحَرِيرِ عَلَيْهِ سَبْعَةُ تَعالِيقَ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ يَخْدُمُها النِّساءُ فَكانَ مَعَها لِخِدْمَتِها سِتُّمِائَةِ امْرَأةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّ خَبْءَ السَّماواتِ المَطَرُ وخَبْءَ الأرْضِ النَّباتُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والخَبْءُ بِمَعْنى المَخْبُوءِ وقَعَ المَصْدَرُ مَوْقِعَ الصِّفَةِ.

وَفي مَعْنى الخَبْءِ في اللُّغَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما غابَ.

الثّانِي: أنَّهُ ما اسْتَتَرَ.

وَقَرَأ الكِسائِيُّ (ألا يَسْجُدُوا ) بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ ﴿ ألا يَسْجُدُوا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَهو مَوْضِعُ سَجْدَةٍ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَلَيْسَ بِمَوْضِعِ سَجْدَةٍ.

وَفي قائِلِ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى أمَرَ فِيهِ بِالسُّجُودِ لَهُ، وهو أمْرٌ مِنهُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ألا يا ناسُ اسْجُدُوا لِلَّهِ.

الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ الهُدْهُدِ حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ هَذا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قالَهُ لِقَوْمِ بِلْقِيسَ حِينَ وجَدَهم يَسْجُدُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ قالَهُ لِسُلَيْمانَ عِنْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِ واسْتِكْبارًا لِما وجَدَهم عَلَيْهِ.

وَفي قَوْلِ الهُدْهُدِ لِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وإنْ يَكُنْ مِمَّنْ قَدْ عَلِمَ وُجُوبَ التَّكْلِيفِ بِالفِعْلِ فَهو مِمَّنْ قَدْ تَصَوَّرَ بِما أُلْهِمَ مِنَ الطّاعَةِ لِسُلَيْمانَ أنَّهُ نَبِيٌّ مُطاعٌ لا يُخالَفُ في قَوْلٍ ولا عَمَلٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كالصَّبِيِّ مِنّا إذا راهَقَ فَرَآنا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَصَوَّرَ أنَّ ما خالَفَها باطِلٌ فَكَذا الهُدْهُدُ في تَصَوُّرِهِ أنَّ ما خالَفَ فِعْلَ سُلَيْمانَ باطِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟

قال: إن سليمان نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه ففقده.

وقيل كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقي عليه التراب، ويضع له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيده؟

فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن يوسف بن ماهك أنه حدث: أن نافع بن الأزرق صاحب الازارقة كان يأتي عبد الله بن عباس؛ فإذا أفتى ابن عباس؛ يرى هو أنه ليس بمستقيم فيقول: قف من أين افتيت بكذا وكذا، ومن أين كان؟

فيقول ابن عباس رضي الله عنهما: أو مات من كذا وكذا.

حتى ذكر يوماً الهدهد فقال: يعرف بعد مسافة الماء في الأرض فقال له ابن الأزرق: قف قف..

يا ابن العباس.

كيف تزعم أن الهدهد يرى مسافة الماء من تحت الأرض، وهو ينصب له الفخ فيذر عليه التراب فيصطاد؟

فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: كذا وكذا لم أقل له شيئاً.

إن البصر ينفع ما لم يأت القدر، فإذا جاء القدر حال دون البصر.

فقال ابن الأزرق: لا أجادلك بعدها في شيء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان سليمان إذا أراد أن ينزل منزلاً دعا الهدهد ليخبره عن الماء.

فكان إذا قال: هاهنا شققت الشياطين الصخور فجرت العيون من قبل أن يضربوا أبنيتهم، فأراد أن ينزل منزلاً فتفقد الطير فلم يره، فقال: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ذكر لنا أن سليمان أراد أن يأخذ مفازة فدعا بالهدهد وكان سيد الهداهد ليعلم مسافة الماء.

وكان قد اعطي من البصر بذلك شيئاً لم يعطه شيء من الطير.

لقد ذكر لنا: أنه كان يبصر الماء في الأرض كما يبصر أحدكم الخيال من وراء الزجاجة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: اسم هدهد سليمان: عنبر.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ قال: نتف ريشه.

وأخرج الفريابي وابن جرير وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ قال: نُتِفَ ريشه كله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: نتف ريشة وإلقاؤه للنمل في الشمس.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن رومان قال: إن عذابه الذي كان يعذب به الطير: نتف ريش جناحه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ قال: خبر الحق الصدق البين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ قال: بعذر بين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن حجة، ونزع الآية التي في سورة سليمان ﴿ أو ليأتيني بسلطان ﴾ قال: وأي سلطان كان للهدهد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: إنما دفع الله عن الهدهد ببره والدته.

وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ في العظمة عن عكرمة قال: إنما صرف الله عذاب سليمان عن الهدهد لأنه كان باراً بوالديه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قال: اطلعت على ما لم تطلع عليه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجئتك من سبإ بنبإ يقين ﴾ قال: خبر حق.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وجئتك من سبإ ﴾ قال: سبأ بأرض اليمن يقال لها: مأرب.

بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال ﴿ بنبإ يقين ﴾ قال: بخبر حق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال: يقولون إن مأرب مدينة بلقيس.

لم يكن بينها وبين بيت المقدس الا ميل، فلما غضب الله عليها بعدها، وهي اليوم باليمن، وهي التي ذكر الله القرآن ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ [ سبأ: 15] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: بعث إلى سبأ اثنا عشر نبياً منهم: تبع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ ﴿ من سبإ بنبإ يقين ﴾ قال: بجعله أرضاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنه قرأ ﴿ من سبإ بنبإ ﴾ قال: يجعله رجلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إني وجدت امرأة تملكهم ﴾ قال: كان اسمها بلقيس بنت أبي شبرة، وكانت هلباء شعراء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إني وجدت امرأة تملكهم ﴾ قال: هي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة قال: بلغني إنها امرأة تسمى بلقيس بنت شراحيل، أحد أبويها من الجن.

مؤخر إحدى قدميها مثل حافر الدابة.

وكانت في بيت مملكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان، وأمها فارعة الجنية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: بلقيس بنت أبي شرح، وأمها بلقته.

وأخرج ابن مردويه عن سفيان الثوري، مثله.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: كانت ملكة سبأ اسمها ليلى، وسبأ مدينة باليمن، وبلقيس حميرية.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إحدى أبوي بلقيس كان جنياً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة قال: ذكر لنا أن ملك سبأ كانت امرأة باليمن.

كانت في بيت مملكة يقال لها بلقيس بنت شراحيل.

هلك أهل بيتها فملكها قومها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال: صاحبة سبأ كانت أمها جنية.

وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن عثمان بن حاضر قال: كانت أم بلقيس امرأة من الجن يقال لها: بلقمة بنت شيصان.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه سئل عن ملكة سبأ فقال: إن أحد أبويها جني.

فقال: الجن لا يتوالدون!

أي أن المرأة من الإِنس لا تلد من الجن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان لصاحبة سليمان اثنا عشر ألف قيل، تحت كل قيل مائة ألف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لما قال: ﴿ إني وجدت امرأة تملكهم ﴾ أنكر سليمان أن يكون لأحد على الأرض سلطان غيره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ قال: من كل شيء في أرضها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ قال: من أنواع الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولها عرش عظيم ﴾ قال: سرير كريم من ذهب، وقوائمه من جوهر ولؤلؤ، حسن الصنعة، غالي الثمن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ ولها عرش عظيم ﴾ قال: سرير من ذهب، وصفحتاه مرمول بالياقوت والزبرجد، طوله ثمانون ذراعاً في عرض أربعين ذراعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان في قوله: ﴿ وجدتها وقومها يسجدون للشمس ﴾ قال: كانت لها كوّة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: يعلم كل خفية في السماء والأرض.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: الغيب.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: السر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: الماء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن حكيم بن جابر في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: المطر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: خبء السموات والأرض؛ ما جعل من الأرزاق، والقطر من السماء، والنبات من الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ قال: لم يصدقه ولم يكذبه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ اذهب بكتابي هذا ﴾ قال: كتب معه بكتاب فقال: ﴿ اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم ﴾ يقول: كن قريباً منهم ﴿ فانظر ماذا يرجعون ﴾ فانطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها، فقرأه عليها فإذا فيه ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت صاحبة سبأ إذا رقدت غلقت الأبواب، وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها.

فلما غلقت الأبواب وآوت إلى فراشها، جاءها الهدهد حتى دخل من كوّة بيتها، فقذف الصحيفة على بطنها بين فخذيها، فأخذت الصحيفة فقرأتها فقالت ﴿ يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ تقول: حسن ما فيه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ قال: مختوم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ كتاب كريم ﴾ قال: تريد مختوم.

وكذلك الملوك تختم كتبها.

لا تجيز بينها كتاباً إلا بخاتم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قال: لم يزد زعموا على هذا الكتاب على ما قص الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: كتب بسم الله الرحمن الرحيم.

من سليمان بن داود إلى بلقيس بنت ذي شرح وقومها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد: أن سليمان بن داود كتب إلى ملكة سبأ.

بسم الله الرحمن الرحيم.

من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السلام على من اتبع الهدى.

أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لم يكن في كتاب سليمان إلى صاحبة سبأ إلا ما تقرأون في القرآن ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألاَّ تعلوا علي ﴾ يقول: لا تخالفوا علي ﴿ وأتوني مسلمين ﴾ قال: وكذلك كانت الأنبياء تكتب جميلا.

يطلبون ولا يكثرون.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن منصور قال: كان يقال كان سليمان بن داود أبلغ الناس في كتاب وأقله كلاماً.

ثم قرأ ﴿ إنه من سليمان ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم.

فكتب النبي صلى الله عليه وسلم أول ما كتب: باسمك اللهم.

حتى نزلت ﴿ بسم الله مجراها ومرساها ﴾ فكتب ﴿ بسم الله ﴾ ثم نزلت ﴿ ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ﴾ [ الرحمن: 110] فكتب ﴿ بسم الله الرحمن ﴾ ثم أنزلت الآية التي في ﴿ طس...

إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فكتب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحرث العكلي قال: قال لي الشعبي: كيف كان كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إليكم؟

قلت: باسمك اللهم فقال: ذاك الكتاب الأول كتب النبي صلى الله عليه وسلم «باسمك اللهم» فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت ﴿ بسم الله مجراها ومرساها ﴾ فكتب ﴿ بسم الله ﴾ فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ﴾ فكتب ﴿ بسم الله الرحمن ﴾ فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فكتب بذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب «باسمك اللهم» حتى نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: لم يكن الناس يكتبون إلا «باسمك اللهم» حتى نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب «باسمك اللهم» فلما نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ كتب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي «أما بعد: فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» فلما أتى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر فقرأه قال: إن هذا الكتاب لم أره بعد سليمان بن داود «بسم الله الرحمن الرحيم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف (١) (٢) ويجوز أن يُعلق: أنْ، بزين؛ كأنه زين لهم الشيطان لئلا يسجدوا.

وهذا قول الفراء (٣) واللام في الوجهين داخلة على مفعول له ثم حذفت، وموضع أن نصب بقوله: ﴿ فَصَدَّهُمْ ﴾ ، ويجوز أن يكون موضعها خفضًا ولو حذفت اللام.

والوجه: قراءة من قرأ بالتشديد لتجري القصة على سَنَنِها، ولا يفصل بين بعضها وبعضٍ بما ليس منها، وإن كان الفصل بهذا النحو غير ممتنع؛ لأنه يجري مجرى الاعتراض، وما يسدد القصة، وكأنه لما قيل: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ فدل هذا الكلام علي أنهم لا يسجدون لله، ولا يتدينون بدين.

قال الهدهد: ألا يا قوم، أو يا مسلمون اسجدوا لله الذي خلق السموات والأرض، خلافًا عليهم (٤) ووجه دخول حرف التنبيه على الأمر، أنه: موضع يُحتاج فيه إلى استعطاف المأمور، لتأكيد ما يؤمر به عليه، كما أن النداء موضع يُحتاج فيه إلى استعطاف المنادى، لما ينادى له من إخبار أو أمر أو نهي، ونحو ذلك مما يخاطب به، وإذا كان كذلك فقد يجوز أن لا يريد منادى في نحو قوله: ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا ﴾ ويجوز أن يراد بعد يا: مأمورون، فحذفوا كما حذف من قوله: يا لعنةُ الله والأقوامِ كلِّهم ...

والصالحينَ على سمعانَ مِنْ جَارِ (٥) وكما أن (يا)، هنا لا تكون إلا لغير اللعنة، كأنه قال: يا قوم أو يا هؤلاء، كذلك في الآية يجوز أن يكون المأمورون مرادِين، وحُذفوا من اللفظ، وقد جاء هذا في غير موضع من الشعر، فمِن ذلك ما أنشده أبو زيد: وقالت ألا يا اسمع نَعِظْكَ بِخُطَّةٍ ...

فقلتُ سمعنا فانطقي وأصيبي (٦) قال الفراء: من قرأ بالتخفيف فهو على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فيُضمر: هؤلاء، ويُكتفى منها بقوله: يا، وأنشد للأخطل: ألا يا اسلمي يا هندُ هندَ بني بدرِ ...

وإن كان حيَّانا عِدًى آخرَ الدهرِ (٧) ﴿ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ ﴾ (٨) ألا يا اسلمي يا دارَ ميَّ على البِلى ...

ولا زال مُنْهلًّا بجَرعائكِ القطرُ (٩) وقال العجاج: يا دارَ سلمى يا اسلمي ثُمَّ اسلَمي ...

عن سَمْسَمٍ وعن يمين سَمْسَم (١٠) قال: وإنما أكثرنا الشاهد في هذا الحرف كما فعل مَنْ قبلنا، وإنما فعلوا ذلك لقلة اعتياد العامَّة لدخول: ياء، إلا في النداء، لا تكاد تقول العامَّة: يا اذهب بسلام (١١) وقال أبو علي: ومما يؤكد قول من قال: (أَلَّا) مثقلة أنها لو كانت مخففة ما كتبت في (يسجدوا)؛ لأنها: اسجدوا، ففي ثبات الياء في: يسجدوا في المصحف دلالة على التشديد، وأن المعنى: أن لا يسجدوا؛ فانتصب الفعل بأن وثبتت ياء المضارعة في أول الفعل (١٢) وذكر صاحب النظم وجهين آخرين للقراءتين؛ فقال في قراءة العامَّة بالتشديد: إنه متصل بما قبله؛ لأن قوله: ﴿ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ واقع على قوله: ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا ﴾ على تأويل: فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله.

أي: لا يعلمون أن ذلك واجب عليهم، و (لا): زيادة، كما قال: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ  ﴾ أي: ما منعك أن تسجد.

قال: ومن قرأ بالتخفيف فما قبله تمام، وقوله: ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا ﴾ كلام معترض من غير القصة الماضية؛ إما من سليمان وإما من الهدهد (١٣) ﴿ فبَذَلِكَ فَليَفرَحُواْ  ﴾ ومنه قوله -عز وجل-: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ  ﴾ وقد قيل فيه: إنه أمر على تأويل: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ اغفروا أو ليغفروا.

وعلى هذا التوجيه لا يتأتى الترجيح الذي ذكره أبو علي: القراءة التشديد، غير أن الظاهر ما قال هو.

وقال الفراء والزجاج: من قرأ بالتخفيف فهو في موضع سجدة من القرآن.

ومن قرأ بالتشديد فليس بموضمع سجدة.

هذا قولهما (١٤) (١٥) ويحسن السجود في مثل هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ  ﴾ .

وقال أبو عبيد: من قرأ بالتخفيف، جعله أمرًا من الله مستأنفًا بمعنى: ألا يا أيها الناس اسجدوا؛ وهذا وجه حسن إلا أن فيه انقطاعُ الخبر الذي كان من أمر سبأ وقومها، ثم رجع بَعدُ إلى ذكرهم، والقراءة الأولى خبرٌ يتبع بعضه بعضا، لا انقطاع في وسطه (١٦) ويدل على ما قال أبو عبيد، ما روى عطاء عن ابن عباس، في قوله: ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا ﴾ : قال الله تعالى: ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا ﴾ .

فجعل هذا إخبارًا عن الله ومن قوله.

وقوله: ﴿ يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ يقال: خبأت الشيء أخبؤه، خبأً.

والخبء: ما خبأتَ من ذخيرة ليوم مَّا، وكل ما خبأته فهو: خبء (١٧) قال مجاهد ومقاتل: يعني: الغيث في السماوات والأرض (١٨) وقال الزجاج: وجاء في التفسير أن الخبء هاهنا: القطر من السماء، والنبات من الأرض (١٩) (٢٠) وذكر الفراء القولين أيضًا، وقال: وهي في قراءة عبد الله: ﴿ يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ قال: وصلحت: (في) مكان: (من)؛ لأنك تقول: لأستخرجن العلم فيكم.

تريد: لأستخرجن العلم الذي فيكم منكم، ثم تحذف أيهما شئت، أعني.

(مِنْ)، و (في)، فيكون المعنى قائمًا على حاله (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ قراءة الناس بالياء؛ لأن الكلام على الغيبة، وهو قوله: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ ﴾ وهو يعلم الغيب، وما يخفون وما يعلنون.

وقرأ الكسائي وحفص: بالتاء (٢٢) ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا ﴾ بالتخفيف (٢٣) والمعنى: اسجدوا لله الذي يعلم ما تخفون.

ورواية أبي بكر عن عاصم بالياء أشبه بقراءته من رواية حفص؛ لأنه غيبةٌ مع غيبةٍ (٢٤) قال مقاتل: ﴿ مَا تُخْفُونَ ﴾ في قلوبهم ﴿ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ بألسنتهم (٢٥) (١) كلهم شدد اللام، غير الكسائي.

"السبعة في القراءات" 480، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 148، و"المبسوط في القراءات العشر" 279، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 383، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 337.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 115.

وذكره أبو علي، ولم ينسبه، "الحجة" 5/ 383.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 290، ولفظه: زين لهم الشيطان ألا يسجدوا.

وهو قول الأخفش 2/ 649.

وذكره أبو علي، ولم ينسبه، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 383.

قال ابن كثير 6/ 188: ولما كان الهدهد داعياً إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له نُهي عن قتله.

ثم ساق حديث ابْنِ عَبَّاس قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ -  -: (نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوابِّ النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ).

أخرجه أبو داود 5/ 418، كتاب الأدب، رقم: 5267، وابن ماجه 2/ 1074، كتاب الصيد، رقم: 3223، وصححه الألباني، "صحيح أبي داود" 3/ 988، رقم (4387).

(٤) المعنى -والله أعلم-: لمخالفتكم لهم في عبادتهم، فاحمدوا الله.

(٥) أنشده سيبويه 2/ 219، ولم ينسبه، وفي الحاشية: البيت من شواهد سيبويه التي لم يعرف قائلها.

والشاهد فيه: حذف المدعو لدلالة حرف النداء عليه، والمعنى: يا قوم، أو يا هؤلاء، لعنة الله على سمعان، ولذا رفع: لعنة، بالابتداء، ولو أوقع النداء عليها لنصبها.

وأنشده المبرد، "الكامل" 3/ 1199، وأبو علي، "الحجة" 5/ 384، وأبو القاسم الزجاجي، في كتابه: "اشتقاق أسماء الله" 166، والنحاس، "إعراب القرآن" 3/ 207، والأنباري، "الإنصاف" 1/ 118، ولم ينسبوه.

وكذا البغدادي، "الخزانة" 11/ 197، وفي الحاشية: البيت مجهول القائل.

(٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 383 - 385.

من قوله: واللام في الوجهين.

بتصرف يسير.

وذكر البيت من إنشاد أبي زيد، وهو في كتاب النوادر في اللغة 22، منسوبًا للنمر بن تَوْلَب.

وأنشده الأنباري، "الإنصاف" 1/ 102، وفي الحاشية: الخطة: شبه القصة.

وأنشده أبو حيان 7/ 66، بلفظ: بخطبة.

وكذا في "الدر المصون" 8/ 601.

(٧) أنشده الفراء، "معاني القرآن" 2/ 290، وأبو عبيدة، "مجاز القرآن" 2/ 94، والزجاج، "معاني القرآن" 4/ 115، ونسبوه للأخطل.

العدى: التباعد، يخاطب صاحبته هندًا ويرجو لها السلامة، وينسبها إلى بني قومها، ويقول: إنه يأمل أن == يقيما على المودة بالرغم من الجفاء بين قوميهما.

"شرح ديوان الأخطل" 150.

وذكر ابن قتيبة هذا القول في "تأويل مشكل القرآن" 223، 306، دون ذكر البيت.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 115، وذكره أبو عبيدة، "مجاز القرآن" 2/ 93.

وهود الهواري 3/ 251.

وأشار إلى هذا القول سيبويه، "الكتاب" 3/ 545؛ قال: وإنما حذفت الهمزة هاهنا؛ لأنك لم ترد أن تتم وأردت إخفاء الصوت، فلم يكن ليلتقي ساكن وحرفٌ هذه قصته كما لم يكن ليلتقي ساكنان.

(٩) أنشده أبو عبيدة، "المجاز" 2/ 94، والزجاج 4/ 115، ونسباه لذي الرمة.

وهو في "ديوانه" ص 202، وفي شرحه: الانهلال: شدة الصب، والجرعاء من الرمل: رابية سهلة لينة.

(١٠) أنشد أبو عبيدة، الشطر الأول منه، ونسبه للعجاج.

"مجاز القرآن" 2/ 94.

وكذا ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 223، ولم ينسبه.

وأنشده الزجاج 4/ 115، ونسبه للعجاج.

وأنشده ابن خالويه، "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 148 ولم ينسبه.

وهو في "ديوان العجاج" 234، بلفظ: بسمسم أو عن يمين سمسم.

وفي النسخ الثلاث: عن سمسم أو عن يمين سسم.

وقال محقق الديوان: سمسم: بلد من شق بلاد تميم، أو كثبان رمل.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 115.

(١٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 385.

(١٣) ذكر هذا القول القرطبي 13/ 187، ونسبه للجرجاني.

ورجح ابن عطية أن يكون الكلام المعترض من قول الله تعالى؛ لأنه اعتراض بين كلامين، قال: وهو الثابت مع التأمل.

(١٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 290.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 115.

ونقد هذا القول الزمخشري 3/ 351، حيث قال: لأن موضع السجدة إما أمر بها، أو مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود، والأخرى ذم لتارك ..

وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد، فغير مرجوع إليه.

(١٥) سجدة سورة النمل ثابتة لا خلاف فيها كما ذكر الواحدي، وحكى ابن حزم اتفاق أهل العلم على ذلك.

مراتب الإجماع لابن حزم 31.

وأخرج السجدة فيها بسنده عبد الرزاق عن ابن عباس، وابن عمر.

"المصنف" لعبد الرزاق الصنعاني 3/ 335، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: إسناد عبد الرزاق جيد.

"التبيان في سجدات القرآن" 69.

وموضع السجدة بعد قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ عند الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة؛ "بدائع الصنائع" 1/ 193، و"حاشية الدسوقي" 1/ 307، و"الحاوي الكبير" للماوردي 2/ 202، و"المغني" لابن قدامة 2/ 357، لكن أشار في "المجموع" 3/ 510، إلى الخلاف في موضع السجدة فقال: وشذَّ العبدري من أصحابنا فقال في كتابه: الكفاية: هي عند قوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ قال: هذا مذهبنا، ومذهب أكثر الفقهاء ..

وهذا الذي أدعاه العبدري ونقله عن مذهبنا باطل مردود.

والله أعلم.

وبحثت عن هذه المسألة في كتاب "الأم" للشافعي فلم أجدها.

والله أعلم.

(١٦) ذكره عن أبي عبيد، القرطبي 13/ 186.

(١٧) "العين" 4/ 315 (خبأ)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 7/ 603.

(١٨) "تفسير مجاهد" 2/ 471.

و"تفسير مقاتل" 158.

وأخرجه ابن جرير 19/ 150، عن مجاهد.

وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2868، عن مجاهد، وسعيد بن المسيب.

(١٩) وهو قول ابن زيد، أخرجه ابن جرير 19/ 150، وابن أبي حاتم 9/ 2868.

وقال به ابن قتيبة، في غريب القرآن 323.

(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 116.

أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2868، عن ابن عباس: يعلم كل خفية في السموات والأرض.

وأخرج عبد الرزاق 2/ 81، عن قتادة: ﴿ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ ﴾ قال: هو السر.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2868، عن عكرمة.

وذكره الهواري 3/ 251، ولم ينسبه.

(٢١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 291.

(٢٢) قرأ الكسائي، وحفص عن عاصم: بالتاء فيهما.

وقرأ الباقون، وأبو بكر عن عاصم: بالياء فيهما.

"السبعة في القراءات" 481، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 149.

و"المبسوط في القراءات العشر" 279، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 385، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 337.

(٢٣) قال الكسائي: ما كنت أسمع المشيخة يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر.

"معاني القرآن" للفراء 2/ 290.

(٢٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 385، باختصار.

(٢٥) "تفسير مقاتل" 58 أ.

وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2869، عن ابن عباس: يعلم ما عملوا بالليل والنهار.

وعن الحسن: في ظلمة الليل، وفي أجواف بيوتهم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ﴾ من كلام الهدهد أو من كلام الله، وقرأ الجمهور ألاَّ بالتشديد، وأن في موضع نصب على البدن من أعمالهم، أو في موضع خفض على البدل من السبيل، أو يكون التقدير: لا يهتدون لأن يسجدوا بحذف اللام، وزيادة لا، وقرأ الكسائي: ألا يا اسجدوا بالتخفيف على أن تكون لا حرف تنبيه وأن تكون الياء حرف نداء فيوقف عليها بالألف على تقدير يا قوم ثم يبتدىء اسجدوا ﴿ يُخْرِجُ الخبء ﴾ في اللغة: الخفي، وقيل: معناه هنا: الغيب، وقيل: يخرج النبات من الأرض، واللفظ يعم كل خفيّ، وبه فسره ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وادي النمل ﴾ ممالة: عباس وقتيبة.

وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف.

﴿ لا يحطمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: عباس ورويس.

﴿ أوزعني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وكذلك في "الأحقاف" ﴿ ما لي لا ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وعلي وعاصم ﴿ ليأتيني ﴾ بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير.

﴿ فمكث ﴾ بفتح الكاف: عاصم وسهل ويعقوب غير رويس.

الآخرون بضمها ﴿ من سبأ ﴾ بفتح الهمزة لامتناع الصرف: البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة.

وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز.

الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ.

﴿ ألا يسجدوا ﴾ مخففاً: يزيد وعلي ورويس.

الآخرون بالتشديد.

وقال ابن مجاهد: إذا وقفوا على ﴿ إلا ﴾ وقفوا على "ألا ياء" والابتداء ﴿ اسجدوا ﴾ ﴿ تخفون ﴾ و ﴿ تعلنون ﴾ بتاء الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة ﴿ فألقه ﴾ بسكون الهاء: حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع ﴿ إني القي ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو جعفر ونافع ﴿ أتمدونني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل وافق به ابو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل ﴿ اتمدوني ﴾ بتشديد النون وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب.

الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء ﴿ أتاني الله ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص.

فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلاً ويعقوب فإنهما يقفان بالياء.

وقرأ علي ﴿ آتاني الله ﴾ بالإمالة ﴿ أنا آتيك ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه ﴿ فلما رايه ﴾ بكسر الراء: نصير ﴿ ليبلوني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

﴿ ساقيها ﴾ وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها.

قال في الكشاف: من همز فوجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد.

الوقوف: ﴿ علماً ﴾ ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكراً ووفاء ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ النمل ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ مساكنكم ﴾ ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل ﴿ وجنوده ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الهدهد ﴾ ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن "أم" متصل بمعنى الاستفهام في ﴿ مالي ﴾ أي أنا لا اراه أو هو غائب ﴿ الغائبين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يقيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه لا ومن خفف ﴿ ألا ﴾ وقف مطلقاً ﴿ تلعنون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه سجدة ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تأمرين ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج لأن قوله ﴿ وكذلك ﴾ يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ بمال ﴾ ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل ﴿ آتاكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين على أن "بل" ترجح جانب الوقف ﴿ تفرحون ﴾ ه ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ مقامك ﴾ ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ طرفك ﴾ ط للعدول ﴿ أم أكفر ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه ﴿ عرشك ﴾ ط ﴿ هو ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ الصرح ﴾ ج ﴿ ساقيها ﴾ ط ﴿ قوارير ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان.

والتنوين في ﴿ علماً ﴾ إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علماً غزيراً.

قال علماء المعاني: الواو في ﴿ وقالا ﴾ للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك: أعطيته فشكر.

فالتقدير: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه ﴿ وقالا الحمد لله ﴾ وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علماً فعملاَ به قلباً وقالباً ﴿ وقالا ﴾ باللسان ﴿ الحمد لله ﴾ قلت: لقائل أن يقول: الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك "أعطيته وشكر".

وقوله ﴿ على كثير من عباده ﴾ يجوز أن يكون واردا" على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما.

ويجوز أن يكون وارداً على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر، وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان.

وفي الآية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله  قلباً وقالباً وما التوفيق إلا منه.

قوله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضاً عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنماً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً.

ومات المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته.

والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معاً دليله قوله تشهيراً لنعمة الله ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة ﴿ يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير ﴾ والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيداً وغير مفيد، ومنه قولهم "نطقت الحمامة".

قال المفسرون: إنه  جعل الطير في ايامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله  الدقائق التي خصت بالحاجة إليها.

يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب.

وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.

وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان.

وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون.

والخطاف يقول: قدموا خيراً تجدوه.

والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وارضه.

والقمريّ يقول: سبحان ربي الأعلى.

والقطاة تقول: من سكت سلم.

والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه.

والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون.

والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.

والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.

ومعنى ﴿ من كل شيء ﴾ بعض كل شيء.

وقال في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول "فلان يقصده كل أحد" تريد كثرة قاصديه.

وإنما قال ﴿ علمنا ﴾ ﴿ وأوتينا ﴾ لأنه أراد نفسه واباه، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما قال رسول الله  "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أي أقول هذا شكراً لا فخراً.

يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ.

خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسيّ الذهب والعلماء على كراسيّ الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإن كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود.

ومعنى ﴿ يوزعون ﴾ يحبسون.

قيل: كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيلة منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم.

ومعنى ﴿ أتوا على واد النمل ﴾ قطعوه وبلغوا آخره من قولهم "أتى على الشيء" إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي.

ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحلهم في الهواء فلذلك عدي بـ "على" عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟

فسألوه فأفحم فقال ابو حنيفة: كانت أنثى لقوله  ﴿ قالت نملة ﴾ لو كان ذكراً لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد التمييز بالعلامة.

وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم أولي العقل فحكى أنها ﴿ قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ﴾ أما جواب للأمر وإما نهي بدلاً من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة "لا أرينك ههنا".

وفي قوله ﴿ سليمان وجنوده ﴾ دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول: أعجبني زيد وكرمه.

وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز.

وفي قوله ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو.

وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله  إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن.

وفيه تنيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.

قيل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال ﴿ فتبسم ضاحكاً ﴾ أي شارعاً في الضحك آخذاً فيه ولكن لم يبلغ حدّ القهقهة وكمال الضحك.

وما روي أنه  ضحك حتى بدت نواجذه فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي.

وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلاً: ﴿ رب أوزعني ﴾ قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكراً لك.

وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس.

ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: ﴿ وأن أعمل صالحاً ترضاه ﴾ ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود.

يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة.

القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد، يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياماً يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة.

ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض.

وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنويه فلذلك تفقده.

وقيل: إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خالٍ فدعا عفريت الطير -وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه.

ثم قال لسيد الطير -وهو العقاب- عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته.

وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟

قالت: بلى قال: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ أي بعذر واضح.

فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ سليمان براسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته.

وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن اصغر رعيتهم.

وأرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ مالي لا أرى ﴾ استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساتراً ستره ثم لاح له أنه غائب فقال ﴿ أم كان من الغائبين ﴾ وقد مر في الوقوف قوله ﴿ لأعذبنه ﴾ لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله.

فقيل: أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير.

وقيل: كان يطلي بالقطران ويشمس.

وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله.

وقيل: إيداعه القفص.

وقيل: التفريق بينه وبين إلفه.

وقييل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون مجالسة الأضداد.

وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.

ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي.

وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة.

ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه.

ثم أخبر الله  أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله ﴿ فمكث غير بعيد ﴾ أي غير زمان بعيد ﴿ فقال ﴾ مخاطباً لسليمان ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.

وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالاً منه.

والإحاطة بالشيء علماً هو أن يعلمه من جميع جهاته.

وقوله ﴿ من سبأ بنبأ ﴾ من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول "من سبأ بخبر" حسن على حسن.

وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مارب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم.

ثم شرع في النبأ وهو قوله ﴿ إني وجدت امرأة ﴾ واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابراً عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوساً عبدة الشمس.

والضمير في ﴿ تملكهم ﴾ يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة.

﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ اي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب.

﴿ ولها عرش عظيم ﴾ كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان.

ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض.

يحكى من عظم شأنه إنما كان مكعباً ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللاً بأنواع الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، قال بعض المعتزلة: في قوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان.

وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصاً في زمن سليمان  .

قوله ﴿ ألا يسجدوا ﴾ من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقاً بالصد فالتقدير صدهم لأن ﴿ لا يسجدوا ﴾ وإن كان متعلقاً بـ ﴿ لا يهتدون ﴾ فـ ﴿ لا ﴾ مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا.

ومن قرأ بالتخفيف فقوله ﴿ ألا ﴾ حرف تنبيه و ﴿ يا ﴾ حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله: ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى *** ولا زال منهلاً بجرعائك القطر قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد.

والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء.

والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرف بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي.

وفي تخصيص وصف الله  في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله  في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة.

ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية ﴿ قال ﴾ سليمان ﴿ سننظر ﴾ أي نتأمل في صفحات حالك ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال له "كذبت" لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً في كل ما أخبر به.

ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال ﴿ أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ لم يقل إليها لأنه كان قد قال ﴿ وجدتها وقومها ﴾ فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماماً فيه بأمر الدين.

ولمثل هذا قال في الكتاب ﴿ ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ﴾ ومعنى ﴿ ثم تول عنهم ﴾ تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون ﴿ يرجعون ﴾ من رجع القول كقوله ﴿ يرجع بعضهم إلى بعض القول  ﴾ يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة.

وقيل: نقرها فانتبهت فزعة.

وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها.

وقيل: كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها.

وههنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلاً سأل فماذا قالت بلقيس؟

فقيل ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم.

يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال  "كرم الكتاب ختمه" .

وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به.

ثم إن سائلاً كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟

فقالت ﴿ إنه من سليمان وإنه ﴾ كيت وكيت.

سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟

والجواب أنها لم وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ﴿ إنه من سليمان ﴾ فقرأت عنوانه أوّلاً ثم أخبرت بما في الكتاب.

أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله  .

و"أن" في ﴿ أن لا تعلوا ﴾ مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك.

يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى.

أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.

وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملاً وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد.

قوله ﴿ قالت يا ايها الملأ ﴾ استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة.

ومعنى ﴿ أفتوني ﴾ أشيروا عليّ بما يحدث لكم من الرأي.

والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم اصحاب القوى الجسداينة والخارجية، ولهم النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب.

ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشروة وإنما الرأي إليكن وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أهم مائلون إلى المحاربة، ارادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها ﴾ وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة.

ومفعول ﴿ مرسلة ﴾ محذوف اي مرسلة رسلاً مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي.

وإنما رأت الإهداء أوّلاً لأن الهدية سبب استمالة القلوب.

قال  "تهادوا تحابوا" قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل -وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً.

ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشاً لطيفاً فهو نبي.

فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ والأنس كذلك، ولاوحش والطير كذلك.

فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟

وقال: أين الحق؟

وأخبرهم بما فيه.

ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وذلك قوله على سبيل الإنكار ﴿ أتمدونني بمال ﴾ ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار ﴿ فما آتاني الله ﴾ من الكمالات والقربات والدرجات ﴿ خير مما آتاكم ﴾ ثم أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه.

والمعنى ﴿ بل أنتم بهديتكم ﴾ هذه التي أهديتموها ﴿ تفرحون ﴾ فرح افتخار على الملوك.

ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال.

بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر ﴿ ارجع إليهم ﴾ ومعنى ﴿ لا قبل ﴾ لا طاقة ولا مقابلة.

والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر الف قيل.

مع كل قيل ألوف.

وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فاراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ وعن قتادة: اراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا اسلمت لم يحل له أخذ مالها.

وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء.

وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه, والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر اقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ووزنه "فعليت".

قالوا: كان اسمه ذكوان.

و ﴿ آتيك به ﴾ في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً وأن يكون اسم فاعل.

ومعنى.

﴿ أن تقوم من مقامك ﴾ إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به.

وعلى هذا فقيل: المراد مجلس الحكم.

وقيل: مقدار فراغه من الخطبة.

وقيل: إلى انتصاف النهار.

﴿ وإني عليه ﴾ أي على حمله ﴿ لقوي أمين ﴾ آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء.

واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر  .

وقيل: جبرائيل.

وقيل: ملك أيد الله به سليمان.

وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه.

وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا اريك ما هو أسرع مما تقول.

وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوماً للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضاً كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه.

ومنها قول سليمان.

﴿ هذا من فضل ربي ﴾ ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه على الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزاً عن الإتيان بذلك الشيء.

واختلفوا ايضاً في الكتاب فقيل: هو اللوح.

وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع.

وقيل: كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء.

وما ذلك العلم؟

قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن.

والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه.

ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفياً بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم.

والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإِذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد اراتدّ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك.

يروى أن آصف قال له: مدّ عينك حتى ينتهي طرفك فمدّ عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتدّ طرفه.

ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده.

وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا في لحظةأو لمحة.

وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.

وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار.

قوله "أقشعت نافرة" أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها.

﴿ ومن كفر فان ربي غني ﴾ عن عبادة كل عابد فضلاً عن شكر شاكر ﴿ كريم ﴾ لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله.

زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له: إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله ﴿ نكروا لها عرشها ﴾ أي اجعلوه متنكراً متغيراً عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه.

قالوا: وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه اسفله.

وقوله ﴿ ننظر ﴾ بالجزم جواب للأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف.

﴿ أتهتدي ﴾ لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق.

وقوله ﴿ أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ أبلغ من أن لو قال "أم لا تهتدي" كما مر في قوله ﴿ أم كنت من الكاذبين ﴾ ﴿ فلما جاءت قيل أهكذا ﴾ أي مثل ذا ﴿ عرشك ﴾ لئلا يكون شبه تلقين فقالت ﴿ كأنه هو ﴾ ولم تقل: هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلاً على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف.

أما قوله ﴿ وأوتينا العلم ﴾ فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد اصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق.

﴿ وأوتينا ﴾ نحن ﴿ العلم ﴾ بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام ﴿ وصدّها ﴾ عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة.

والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام.

وقيل: هو موصول بكلام بلقيس.

والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر.

ثم قال  ﴿ وصدها ﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ﴿ ما كانت تعبد من دون الله ﴾ وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء والقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس.

ثم ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ أي القصر أو صحن الدار ﴿ فلما رأته حسبته لجة ﴾ أي ماء غامراً ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء، فصرف سليمان بصره وناداها ﴿ إنه صرح ممرد ﴾ أي مملس ﴿ من قوارير ﴾ هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرّة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له.

قالوا: كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها.

وقال آخرون: المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع.

عن ابن عباس: لما اسلمت قال لها: اختاري من أزوّجكه؟

فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان.

فقال: النكاح من الإسلام.

فقالت: إن كان كذلك فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ولم يزل بها ملكاً ﴿ قالت رب إني ظلمت نفسي ﴾ أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في الماء.

وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولها ﴿ مع سليمان ﴾ أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون معه في الدارين جميعاً والله أعلم.

التأويل: ﴿ ولقد آتينا داود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ علماً ﴾ لدنيا ﴿ على كثير من عباده ﴾ وهم الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية.

﴿ وورث سليمان داود ﴾ لأن كل إلهام وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان اقضى من داود.

قوله ﴿ منطق الطير ﴾ يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال الطائرين في سماء سناء الفناء.

وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية.

قوله ﴿ من الجن والإِنس والطير ﴾ أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية ﴿ فهم يوزعون ﴾ على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها ﴿ قالت نملة ﴾ هي النفس اللوامة ﴿ يا أيها النمل ﴾ هي الصفات النفسانية ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنهم على الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لا حس عندها من نورها ولا من الظلمة التي تزيلها ﴿ نعمتك التي أنعمت عليّ ﴾ بتسخير جنودي لي وعلى والديّ وهما الروح والجسد.

أنعم على الروح بإفاضة الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان الشريعة.

وفي قوله ﴿ بنبأ يقين ﴾ إشارة إلى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك.

وفي قول سليمان ﴿ سننظر أصدقت ﴾ إشارة إلى أن خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعوّل عليه إلا بأمارات أخر.

﴿ كتاب كريم ﴾ كأنها عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية ﴿ إذا دخلوا قرية ﴾ الشخص الإنساني ﴿ أفسدوها ﴾ بإفساد الطبيعة الحيوانية ﴿ وجعلوا أعزة أهلها ﴾ وهم النفس الأمارة وصفاتها ﴿ أذلة ﴾ بسطوات التجلي ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ مع الأنبياء والأولياء.

وفي قوله ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ إشارة إلى أن سليمان كان واقفاً على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة إعجاز الأنبياء ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوّز النظر إلى ساقيها.

﴿ وأسلمت نفسي ﴾ للنكاح ﴿ مع سليمان لله ﴾ وفي الله.

تأويل آخر: ﴿ وتفقد الطير ﴾ هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجوّ عالم الإنس.

والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار.

﴿ عذاباً شديداً ﴾ بالرياضة والمجاهدة.

﴿ أو لأذبحنه ﴾ بسكين مخالفات الإرادة.

سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال العبودية.

آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه.

والعفريت الرياضة الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ﴾ : عن ابن عباس -  ما - قال: "تدرون كيف تفقد سليمان الهدهد؟

ثم قال: إنه إذا كان في فلاة من الأرض، دعا الهدهد وسأله عن بعد الماء في الأرض وغوره، فهو يعلمه من بين غيره من الطيور؛ لذلك تفقد وسأل عن حاله".

وذكر أنه سأل ابن سلام عن ذلك، فأخبر ذلك.

لكن هذا بعيد؛ لأن سليمان - صلوات الله عليه - كانت له الريح مسخرة، ذكر أنها كانت تحمله وتسير به كل غداة مسيرة شهر وكل عشية كذلك، وهو قوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ  ﴾ ؛ فلا يحتمل أنه إذا وقعت له الحاجة إلى الماء ألا يبلغ إلى الماء حتى يحتاج إلى أن يحفر له البئر، فيستخرج منه الماء، وما كان له من الشياطين والجن مسخرين له مذللين حتى قال واحد منهم: ﴿ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ ﴾ يعني: عرش بلقيس ﴿ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ﴾ ، وقال الآخر: ﴿ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ ، فمن له سلطان وقوة على القدر الذي ذكر لا يحتمل أن يقع له الحاجة إلى الماء، وإذا وقعت لا يحتاج إلى أن يتكلف وصوله إليه بالهدهد مع تكلف الحفر في الأرض، هذا يبعد بمرة - والله أعلم - إلا أن يخرج على الامتحان، ويكون تفقده الطير لما كان عليه حفظهم جميعاً، ومنعه إياهم عن الانتشار في الأرض والتفرق، لا لما ذكروا هم - والله أعلم - لما على كل ملك وأمير حفظ رعيته وحاشيته، والتفقد عن أحوالهم وأسبابهم؛ فعلى ذلك هذا.

ثم يحتمل أن يكون من كل صنف من الطير واحد لا عدد حتى قال: ﴿ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ ﴾ ؛ إذ لو كان عددا من الهداهد لقال: مالي لا أرى هدهدا من الهداهد، إلا أن يكون الذي فقده كان رئيساً لغيره من الهداهد وسيدهم؛ فجائز أن يقال ذلك: ﴿ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ ﴾ من بين غيرهم يغيب عن بصري ولا أدركه ﴿ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ﴾ عنهم؛ فكأنه سأل واحدا منهم عن ذلك، فأخبر أنه من الغائبين، فعند ذلك قال: ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً...

﴾ الآية، فقالت الباطنية في ذلك: إن سليمان لا يحتمل أن يعذب من ليس بمخاطب في شيء، ولا يجري عليه القلم؛ فدل وعيده إياه من التعذيب والذبح أنه لم يكن هدهدا معروفاً، ولكن كان رجلا ممن يخاطب ويجري عليه القلم؛ وكذلك قالوا في النملة: إنه كان رجلا ممن يكون منه الكلام والفهم، وأما النملة المعروفة فلا يحتمل.

لكن الجواب لهم في ذلك: أن الله خلق هذه الدواب والطير وغيرها من الأشياء لمنافع البشر ولحاجاتهم، فجائز تعذيبها وذبحها للرد إلى منافعهم إذا امتنعت عن الانتفاع بها، على ما تؤدب الدواب وتعذب للرياضة والتعليم؛ لردها إلى الانتفاع بها.

أو يعذبه لما يشغله عن ذكر الله والقيام ببعض أموره، على ما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ...

﴾ الآية [ص: 31-32] لما شغله عن ذكر ربه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تعذيب الهدهد على الوجوه التي ذكرنا.

ومن الناس من استدل بهذا على مخاطبة الطيور والدواب وغيرها، وتكليفها بأمور كما يكلف غيرها من الخلائق، واحتج على هذا بقوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ  ﴾ ، أخبر أن الطير وغيره أمم أمثالنا، وقد أخبر في آية أخرى أنه لم تخل أمة عن أن يكون فيها نذير بقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ ، الأمة التي هي أمثالنا من الإنس والجن، دليله قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ...

 ﴾ ونحوه كثير، وقوله: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ  ﴾ ليس في الخطاب والتكليف، ولكن في أشياء كثيرة.

وقوله: ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ أي: لم يمكث طويلا حتى جاءه.

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ فمكث غير بعيد ثم جاءه ﴾ .

﴿ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾ : كأنه سأله: أين كنت؟

فقال عند ذلك له: ﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾ .

وفي حرف أبي: ﴿ أحطت بما لم تحط به أنت ولا أحد من جنودك ﴾ ، أي: بلغت ما لم تبلغ أنت، أي: علمت ما لم تعلم أنت ولا أحد من جنودك.

ثم قال: ﴿ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ : لا شك فيه؛ فكأنه سأله عن ذلك النبأ، فقال عند ذلك - والله أعلم -: ﴿ إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يؤتى الملوك على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

ثم العجب من أمر بلقيس أن كيف خفي خبرها وأمرها على سليمان كل ذلك الخفاء، وكانت بقرب منه، وكانت ملكة جبارة ذات سلطان وملك، وكان يذهب في كل غدو مسيرة شهر، وفي كل رواح كذلك، كيف لم يطلع على أمرها وخبرها؟!

وكانت الجن والشياطين مسخرين له ومذللين، يعملون له الأعمال الصعبة الشديدة، ويطوفون في الآفاق والأفق، وكان هو بعث إلى الدعاء إلى توحيد الله، كيف خفي عليه أمرها وخبرها كل هذا الخفاء، حتى أخبره بذلك الهدهد؟!

هذا - والله أعلم - أمر عجيب، ومن عادة الملوك - أيضاً - أنهم يطلع بعضهم على أمور بعض، ويعلم بأحواله.

لكن يحتمل خفاء خبرها عليه لما لا يتجاسر كل أحد أن يكلمه في ذلك، وأن يعلمه عن حالها - وإن كان لا يعلم هو ذلك - إلا بعد السؤال وطلب الخبر؛ تعظيماً له وإجلالا؛ وهكذا الملوك ليس يتجاسر كل أحد أن يخبره عن كل أمر وخبر إلا بعد السؤال إياه؛ تعظيماً لهم وتوقيرا، فعلى ذلك أمر سليمان مع بلقيس.

أو أن يكون لأمر وسبب لم يبلغنا ذلك، ولم نشعر به.

وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ ﴾ : إنما طلبه وتفقده؛ لأن الطير كانت تظله على رأسه من الشمس، فلما نظر إلى الطير وجد موضع الهدهد خاليا يقع عليه الشمس، فعند ذلك قال: ﴿ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ﴾ .

وقالوا في قوله: ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ أي: لأنتفن ريشه حتى تصيبه الشمس، فذلك هو العذاب الشديد، لكن لا نفسر ما ذلك العذاب الشديد الذي أوعده سليمان مخافة الكذب والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ : قال بعضهم: غير طويل.

وجائز أن يكون: فمكث وقتا يأتي في مثله مَن كان غير بعيد؛ لأنه إنما يعبر به عن المكان لا عن الوقت في الظاهر.

فقال: ﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ ﴾ كأنه يريه المناصحة له والشفقة، يقول: أتيتك من العلم والخبر ما لم تأت أنت ولا أحد من - جنودك، فكيف تعذبني؟!

وفي حرف عبد الله: ﴿ فمكث غير بعيد ثم جاءه ﴾ .

قال أبو معاذ: مكَث: بنصب الكاف ورفعها مكُث لغتان.

وقوله: ﴿ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ : قال بعضهم: حق لا شك فيه، أي: عند الهدهد، وأما عند سليمان فلا؛ ألا ترى أن سليمان قال له: ﴿ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ ، وقف في خبره لينظر أصدق ما يقول أم كذب؟

وقال بعضهم: ﴿ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ أي: عجيب.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ ﴾ ؛ قال بعضهم: سبأ: اسم رجل تنسب القرية إليه.

وقال بعضهم: اسم بلدة.

وقال أبو عوسجة: سبأ: أبو اليمن.

فمن جعلها اسم بلدة لم يجر، ومن جعلها اسم رجل جره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ﴾ : كأنه على الإضمار، أي: وجدت امرأة تملكهم، أي: تملك أهل سبأ، ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ذكر القوم في آخر الآية؛ دل أن (الأهل) كان مضمرا فيه.

وقوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي: أوتيت من كل شيء كما يؤتى الملوك من الذكور من الأسباب والهيئة وغير ذلك.

وقال بعضهم: وأوتيت من كل شيء في بلادها.

﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ : قال أهل التأويل: أي: لها سرير حسن عظيم ضخم، كذا كذا ذراعاً طوله، وكذا كذا ذراعاً عرضه.

وجائز أن يكون العرش كناية عن الملك؛ كأنه قال: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ أي: ملك عظيم.

وقوله: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ : ﴿ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يعبدون الشمس من دون الله.

وجائز: يطيعون للشمس ويخضعون لها من دون الله.

وقوله: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ الخبيثة السيئة حتى رأوها حسنة ﴿ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : وهو سبيل الله؛ لأن السبيل المطلق هو سبيل الله وهو الإسلام، والكتاب المطلق كتاب الله.

وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ ﴾ : فإن كان هذا القول من الهدهد؛ فتأويله: فصدّهم عن السبيل فهم غير مهتدين؛ لأنه لا يحتمل أن يعرف أنهم لا يهتدون في حادث الوقت.

وإن كان من الله فهو إخبار أنهم لا يهتدون أبدا، لما علم أنهم لا يهتدون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ ﴾ : اختلف في تلاوته بالتخفيف والتشديد: فمن قرأه بالتشديد: ﴿ أَلاَّ يَسْجُدُواْ ﴾ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: على طرح (لا) كأنه يقول: فهم لا يهتدون أن يسجدوا، أي: هم لا يهتدون أن يسجدوا.

والثاني: صلة قوله: ﴿ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ لئلا يسجدوا.

ومن قرأ بالتخفيف فهو يخرج على الأمر، أي: ألا فاسجدوا لله.

وقال بعضهم: ألا - بالتخفيف -: هلا يسجدون لله؛ وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ هلا يسجدوا لله ﴾ ، وهو حجة من قرأه بالتخفيف.

وفي حرف أبيّ: ﴿ ألا تسجدوا لله ﴾ ، بالتاء على المخاطبة إلى قوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ .

وذكر في حرف حفصة: ﴿ ألا يسجدون ﴾ بالنون.

قال الكسائي: ومن شدد ﴿ أَلاَّ ﴾ فتأويله: زين لهم الشيطان ألا يسجدوا على ما ذكرنا.

وأما التخفيف فهو على وجه الأمر، أي: اسجدوا و ﴿ أَلاَّ ﴾ صلة والياء صلة أيضاً.

ثم قال بعضهم: من قرأه بالتخفيف يلزمه السجود؛ لأنه أمر.

وأما من قرأه بالتشديد فلا يلزم.

لكن عندنا سواء يلزمه السجود بالتلاوتين جميعاً؛ لأنه لا يحتمل أن يلزم السجود فيما يأمر غيره بالسجود، ولا يلزم فيما يخبر عنهم أنهم لا يسجدون، بل لزوم السجود فيما يخبر أنهم لا يسجدون أولى؛ خلافاً لصنيعهم وإظهاراً للطاعة لله في ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ الخبء: ما يخبأ من الشيء ما كان.

قال بعضهم: خبأ في السماء المطر فيخرج، وفي الأرض النبات فيخرج ذلك النبت.

ويحتمل الخبء ما يخبئ بعضهم من بعض ويسر بعضهم بعضا، يخبر أنه يظهر ذلك ويعلمه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ على الوعيد؛ ليكونوا على حذر أبداً.

وفي حرف حفصة: ﴿ ألا يسجدون لله الذي له الغيب في السماوات والأرض ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - جواب قوله: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ ، يقول: رب العرش العظيم هو الله الذي لا إله إلا هو، لا هي، أعني: بلقيس.

وقوله: ﴿ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ أي: ننظر أصدقت فيما أخبرت وأتيت من أمر بلقيس، أم كنت من الكاذبين في ذلك؟

وقف في خبره، ولم يصدقه ولم يكذبه إلى أن يظهر له الصدق أو الكذب؛ وهكذا الواجب على كل من أخبر بخبر أن يقف فيه إلى أن يظهر له الحق في ذلك، إذا كان الخبر ممن يحتمل الغلط والكذب.

ثم قال له: ﴿ ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ﴾ : لا يحتمل أن يكون سليمان أمر الهدهد بذهاب الكتاب إليها ويوليه تبليغ ذلك إليها، وهو أعظم من خبره الذي أخبره بذلك بعدما وقف في خبره قبل أن يتبين ويظهر له صدقه في خبره؛ فدل توليته إياه تبليغ الكتاب إليها أنه قد ظهر له صدقه فيما أخبره من أمر تلك المرأة، إما بوحي من الله  إليه، أو انتهى إليه من الخبر ما قد علم بذلك علم يقين وإحاطة، فعند ذلك ولاه تبليغ الكتاب إليها حيث قال له: ﴿ ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ألق الكتاب إليهم ثم تول، أي: استتر واختف عنهم، فانظر ماذا يقولون، وماذا يرددون فيما بينهم من الكلام والجواب؟

والثاني: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ألق الكتاب إليهم، فانظر ماذا يرجعون من الجواب؟

ثم تول عنهم، أي: أعرض عنهم؛ ففعل ما قال له سليمان من إلقاء الكتاب إليها، وإن لم يذكر في الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حسَّن لهم الشيطان أعمال الشرك والمعاصي؛ لئلا يسجدوا لله وحده الَّذي يُخْرِج ما ستره في السماء من المطر، وفي الأرض من النبات، ويعلم ما تخفونه من الأعمال وما تظهرونه، لا يخفى عليه من ذلك شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.WVr57"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله