الآية ٣٥ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٣٥ من سورة النمل

وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍۢ فَنَاظِرَةٌۢ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 123 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم عدلت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والمخادعة والمصانعة ، فقالت : ( وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ) أي : سأبعث إليه بهدية تليق به وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك ، فلعله يقبل ذلك ويكف عنا ، أو يضرب علينا خراجا نحمله إليه في كل عام ، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا .

قال قتادة : رحمها الله ورضي عنها ، ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!!

علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس .

وقال ابن عباس وغير واحد : قالت لقومها : إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه ، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

ذكر أنها قالت: إني مرسلة إلى سليمان, لتختبره بذلك وتعرفه به, أملك هو, أم نبيّ؟

وقالت: إن يكن نبيا لم يقبل الهدية, ولم يرضه منا, إلا أن نتبعه على دينه, وإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف.

*ذكر الرواية عمن قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قالت: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) قال: وبعثت إليه بوصائف ووصفَاء, وألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى, فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى, ثم ردّ الهدية فإنه نبيّ, وينبغي لنا أن نترك ملكنا, ونتبع دينه, ونلحق به.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال: بجوار لباسهم لباس الغلمان, وغلمان لباسهم لباس الجواري.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قولها: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال: مائتي غلام ومائتي جارية.

قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: قوله: ( بِهَديَّةٍ ) قال: جوار ألبستهن لباس الغلمان, وغلمان ألبستهم لباس الجواري.

قال ابن جُرَيج: قال: قالت: فإن خلص الجواري من الغلمان, وردّ الهدية فإنه نبيّ, وينبغي لنا أن نتبعه.

قال ابن جُرَيج, قال مجاهد: فخلص سليمان بعضهم من بعض, ولم يقبل هديتها.

قال: ثنا الحسين, قال: ثنا سفيان, عن معمر, عن ثابت البُنَانيّ, قال: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج، فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجنّ فموّهوا له الآجرّ بالذهب, ثم أمر به فألقي في الطرق، فلما جاءوا فرأوه ملقى ما يُلتفت إليه, صغر في أعينهم ما جاءوا به.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ...

الآية, وقالت: إن هذا الرجل إن كان إنما همته الدنيا فسنرضيه, وإن كان إنما يريد الدين فلن يقبلَ غيره (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ).

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال: كانت بلقيس امرأة لبيبة أديبة في بيت ملك, لم تملك إلا لبقايا من مضى من أهلها, إنه قد سيست وساست حتى أحكمها ذلك, وكان دينها ودين قومها فيما ذكر الزنديقية; فلما قرأت الكتاب سمعت كتابا ليس من كتب الملوك التي كانت قبلها, فبعثت إلى المقَاولة من أهل اليمن, فقالت لهم: يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ إلى قوله (بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) ثم قالت: إنه قد جاءني كتاب لم يأتني مثله من ملك من الملوك قبله, فإن يكن الرجل نبيا مرسلا فلا طاقة لنا به ولا قوّة, وإن يكن الرجل ملكا يكاثر, فليس بأعز منا, ولا أعدّ.

فهيَّأت هدايا مما يُهدَى للملوك, مما يُفتنون به, فقالت: إن يكن ملكا فسيقبل الهدية ويرغب في المال, وإن يكن نبيا &; 19-457 &; فليس له في الدنيا حاجة, وليس إياها يريد, إنما يريد أن ندخل معه في دينه ونتبعه على أمره, أو كما قالت.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) بعثت بوصائف ووصفاء, لباسهم لباس واحد, فقالت: إن زيَّل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى, ثم رد الهدية فهو نبي, وينبغي لنا أن نتبعه, وندخل في دينه; فزيل سليمان بين الغلمان والجواري, وردّ الهدية, فقال (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ ).

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: كان في الهدايا التي بعثت بها وصائف ووصفاء يختلفون في ثيابهم, ليميز الغلمان من الجواري, قال: فدعا بماء, فجعل الجواري يتوضأن من المرفق إلى أسفل, وجعل الغلمان يتوضئون من المرفق إلى فوق.

قال: وكان أبي يحدثنا هذا الحديث.

حدثنا عبد الأعلى, قال: ثنا مروان بن معاوية, قال: ثنا إسماعيل, عن أبي صالح: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال: أرسلت بلبنة من ذهب, وقالت: إن كان يريد الدنيا علمته, وإن كان يريد الآخرة علمته.

وقوله: (فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) تقول: فأنظر بأيّ شيء من خبره وفعله في هديتي التي أرسلها إليه ترجع رسلي, أبقبول وانصراف عنا, أم بردّ الهدية والثبات على مطالبتنا باتباعه على دينه؟

وأسقطت الألف من " ما " في قوله ( بِمَ ) وأصله: بما, لأن العرب إذا كانت " ما " بمعنى: أي, ثم وصلوها بحرف خافض أسقطوا ألفها تفريقا بين الاستفهام وغيره, كما قال جلّ ثناؤه عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ و قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ , وربما أثبتوا فيها الألف, كما قال الشاعر: عَلامَـــا قــامَ يَشْــتُمِني لَئِــيمٌ كَخِــنزيرٍ تَمَــرَّغَ فِــي تُــرَاب (3) وقالت: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ ) وإنما أرسلت إلى سليمان وحده على النحو الذي بينا في قوله: عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ، ------------------------ الهوامش: (3) البيت لحسان بن ثابت وهو من شواهد كتاب المغني لابن هشام: "ما" وفي قافيته روايتان أخريان: (في دمان، في رماد).

قال ابن هشام: ويجب حذف ألف "ما" الاستفهامية إذا جرت، وإبقاء الفتحة دليلا عليها، نحو: فيم، وإلام، وعلام، وبم، وعلة حذف الألف: الفرق بين الاستفهام والخبر، فلهذا حذفت في نحو (فيم أنت من ذكراها)، (فناظرة بم يرجع المرسلون)، (لم تقولون ما لا تفعلون) وأما قراءة عكرمة وعيسى: (عما يتساءلون) فنادر، وأما قول حسان "على ما قام" البيت، فضرورة، والدمان كالرماد: وزنًا ومعنًى.

ويروى: في رماد، فلذلك رجحته على تفسير ابن الشجري له بالسرجين ومثله قول الآخر: إنـــا قتلنــا بقتلانــا ســراتكم أهــل اللـواء ففيمـا يكـثر القيـل وهذا يتضمن معنى قول المؤلف في هذا الشاهد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون .فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإني مرسلة إليهم بهدية هذا من حسن نظرها وتدبيرها ; أي إني أجرب هذا الرجل بهدية ، وأعطيه فيها نفائس من الأموال ، وأغرب عليه بأمور المملكة : فإن كان ملكا دنياويا أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك ، وإن كان نبيا لم يرضه المال ولازمنا [ ص: 183 ] في أمر الدين ، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتبعه على دينه ، فبعثت إليه بهدية عظيمة أكثر الناس في تفصيلها ، فقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : أرسلت إليه بلبنة من ذهب ، فرأت الرسل الحيطان من ذهب فصغر عندهم ما جاءوا به .

وقال مجاهد : أرسلت إليه بمائتي غلام ومائتي جارية .

وروي عن ابن عباس : باثنتي عشرة وصيفة مذكرين قد ألبستهم زي الغلمان ، واثني عشر غلاما مؤنثين قد ألبستهم زي النساء ، وعلى يد الوصائف أطباق مسك وعنبر ، وباثنتي عشرة نجيبة تحمل لبن الذهب ، وبخرزتين إحداهما غير مثقوبة ، والأخرى مثقوبة ثقبا معوجا ، وبقدح لا شيء فيه ، وبعصا كان يتوارثها ملوك حمير ، وأنفذت الهدية مع جماعة من قومها .

وقيل : كان الرسول واحدا ولكن كان في صحبته أتباع وخدم .

وقيل : أرسلت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو ، وضمت إليه رجالا ذوي رأي وعقل ، والهدية مائة وصيف ومائة وصيفة ، وقد خولف بينهم في اللباس ، وقالت للغلمان : إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث يشبه كلام النساء ، وقالت للجواري : كلمنه بكلام فيه غلظ يشبه كلام الرجال ; فيقال : إن الهدهد جاء وأخبر سليمان بذلك كله .وقيل : إن الله أخبر سليمان بذلك ، فأمر سليمان عليه السلام أن يبسط من موضعه إلى تسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة ، ثم قال : أي الدواب رأيتم أحسن في البر والبحر ؟

قالوا : يا نبي الله رأينا في بحر كذا دواب منقطة مختلفة ألوانها ، لها أجنحة وأعراف ونواصي ; فأمر بها فجاءت فشدت على يمين الميدان وعلى يساره ، وعلى لبنات الذهب والفضة ، وألقوا لها علوفاتها ; ثم قال : للجن علي بأولادكم ; فأقامهم - أحسن ما يكون من الشباب - عن يمين الميدان ويساره .

ثم قعد سليمان عليه السلام على كرسيه في مجلسه ، ووضع له أربعة آلاف كرسي من ذهب عن يمينه ومثلها عن يساره ، وأجلس عليها الأنبياء والعلماء ، وأمر الشياطين والجن والإنس أن يصطفوا صفوفا فراسخ ، وأمر السباع والوحوش والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله ، فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ، ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم أحسن منها تروث على لبنات الذهب والفضة ، تقاصرت إليهم أنفسهم ، ورموا ما معهم من الهدايا .

وفي بعض الروايات : إن سليمان لما أمرهم بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع بساط من الأرض غير مفروش ، فلما مروا به خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان ، فلما رأوا الشياطين رأوا منظرا هائلا فظيعا ففزعوا وخافوا ، فقالت لهم الشياطين : جوزوا لا بأس عليكم ; فكانوا يمرون على كردوس كردوس من الجن والإنس والبهائم والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان ، فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق ، وكانت قالت لرسولها : إن نظر إليك نظر مغضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره [ ص: 184 ] فأنا أعز منه ، وإن رأيت الرجل بشا لطيفا فاعلم أنه نبي مرسل فتفهم قوله ورد الجواب ، فأخبر الهدهد سليمان بذلك على ما تقدم .

وكانت عمدت إلى حقة من ذهب فجعلت فيها درة يتيمة غير مثقوبة ، وخرزة معوجة الثقب ، وكتبت كتابا مع رسولها تقول فيه : إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف ، وأخبر بما في الحقة ، وعرفني رأس العصا من أسفلها ، واثقب الدرة ثقبا مستويا ، وأدخل خيط الخرزة ، واملأ القدح ماء من ندى ليس من الأرض ولا من السماء ; فلما وصل الرسول ووقف بين يدي سليمان أعطاه كتاب الملكة فنظر فيه ، وقال : أين الحقة ؟

فأتى بها فحركها ; فأخبره جبريل بما فيها ، ثم أخبرهم سليمان .

فقال له الرسول : صدقت ; فاثقب الدرة ، وأدخل الخيط في الخرزة ; فسأل سليمان الجن والإنس عن ثقبها فعجزوا ; فقال للشياطين : ما الرأي فيها ؟

فقالوا : ترسل إلى الأرضة ، فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها حتى خرجت من الجانب الآخر ; فقال لها سليمان : ما حاجتك ؟

قالت : تصير رزقي في الشجرة ; فقال لها : لك ذلك .

ثم قال سليمان : من لهذه الخرزة يسلكها الخيط ؟

فقالت دودة بيضاء : أنا لها يا نبي الله ; فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر ; فقال لها سليمان : ما حاجتك ؟

قالت تجعل رزقي في الفواكه ; قال : ذلك لك .

ثم ميز بين الغلمان والجواري .

قال السدي : أمرهم بالوضوء ، فجعل الرجل يحدر الماء على اليد والرجل حدرا ، وجعل الجواري يصببن من اليد اليسرى على اليد اليمنى ، ومن اليمنى على اليسرى ، فميز بينهم بهذا .

وقيل : كانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ، ثم تحمله على الأخرى ، ثم تضرب به على الوجه ; والغلام كان يأخذ الماء من الآنية يضرب به في الوجه ، والجارية تصب على بطن ساعدها ، والغلام على ظهر الساعد ، والجارية تصب الماء صبا ، والغلام يحدر على يديه ; فميز بينهم بهذا .

وروى يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير قال : أرسلت بلقيس بمائتي وصيفة ووصيف ، وقالت : إن كان نبيا فسيعلم الذكور من الإناث ، فأمرهم فتوضئوا ; فمن توضأ منهم فبدأ بمرفقه قبل كفه قال هو من الإناث ، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال هو من الذكور ; ثم أرسل العصا إلى الهواء فقال : أي الرأسين سبق إلى الأرض فهو أصلها ، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها ، ثم رد سليمان الهدية ; فروي أنه لما صرف الهدية إليها وأخبرها رسولها بما شاهد ; قالت لقومها : هذا أمر من السماء .[ ص: 185 ] الثانية : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها ولا يقبل الصدقة ، وكذلك كان سليمان عليه السلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين .

وإنما جعلت بلقيس قبول الهدية أو ردها علامة على ما في نفسها ; على ما ذكرناه من كون سليمان ملكا أو نبيا ; لأنه قال لها في كتابه : ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين وهذا لا تقبل فيه فدية ، ولا يؤخذ عنه هدية ، وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة عن قبول الهدية بسبيل ، وإنما هي رشوة وبيع الحق بالباطل ، وهي الرشوة التي لا تحل .

وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد وعلى كل حال ، وهذا ما لم يكن من مشرك .الثالثة : فإن كانت من مشرك ففي الحديث نهيت عن زبد المشركين يعني رفدهم وعطاياهم .

وروي عنه عليه السلام أنه قبلها كما في حديث مالك عن ثور بن زيد الدبلي وغيره ، فقال جماعة من العلماء بالنسخ فيهما ، وقال آخرون : ليس فيها ناسخ ولا منسوخ ، والمعنى فيها : أنه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه وأخذ بلده ودخوله في الإسلام ، وبهذه الصفة كانت حالة سليمان عليه السلام ، فعن مثل هذا نهى أن تقبل هديته حملا على الكف عنه ; وهذا أحسن تأويل للعلماء في هذا ; فإنه جمع بين الأحاديث .

وقيل غير هذا .الرابعة : الهدية مندوب إليها ، وهي مما تورث المودة وتذهب العداوة ; روى مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء .

وروى معاوية بن الحكم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تهادوا فإنه يضعف الود ويذهب بغوائل الصدر .

وقال الدارقطني : تفرد به ابن بجير عن أبيه [ ص: 186 ] عن مالك ، ولم يكن بالرضي ، ولا يصح عن مالك ولا عن الزهري .

وعن ابن شهاب قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السخيمة قال ابن وهب : سألت يونس عن السخيمة ما هي فقال : الغل .

وهذا الحديث وصله الوقاصي عثمان عن الزهري وهو ضعيف .

وعلى الجملة : فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ، وفيه الأسوة الحسنة .

ومن فضل الهدية مع اتباع السنة أنها تزيل حزازات النفوس ، وتكسب المهدي والمهدى إليه رنة في اللقاء والجلوس .

ولقد أحسن من قال :هدايا الناس بعضهم لبعض تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوى ووداوتكسبهم إذا حضروا جمالاآخر :إن الهدايا لها حظ إذا وردت أحظى من الابن عند الوالد الحدبالخامسة : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : جلساؤكم شركاؤكم في الهدية واختلف في معناه ; فقيل : هو محمول على ظاهره .

وقيل : يشاركهم على وجه الكرم والمروءة ، فإن لم يفعل فلا يجبر عليه .

وقال أبو يوسف : ذلك في الفواكه ونحوها .

وقال بعضهم : هم شركاؤه في السرور لا في الهدية .

والخبر محمول في أمثال أصحاب الصفة والخوانق والرباطات ; أما إذا كان فقيها من الفقهاء اختص بها فلا شركة فيها لأصحابه ، فإن أشركهم فذلك كرم وجود منه .السادسة : قوله تعالى : فناظرة أي منتظرة بم يرجع المرسلون قال قتادة : يرحمها الله إن كانت لعاقلة في إسلامها وشركها ; قد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس .

وسقطت الألف في ( بم ) للفرق بين ( ما ) الخبرية .

وقد يجوز إثباتها ; قال [ حسان بن المنذر ] :على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقالت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ منه.

هل يستمر على رأيه وقوله؟

أم تخدعه الهدية وتتبدل فكرته وكيف أحواله وجنوده؟

فأرسلت له هدية مع رسل من عقلاء قومها وذوي الرأي: منهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم قالت : ( وإني مرسلة إليهم بهدية ) والهدية هي : العطية على طريق الملاطفة .

وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست ، فقالت للملأ من قومها : إني مرسلة إليهم ، أي : إلى سليمان وقومه ، بهدية أصانعه بها عن ملكي وأختبره بها أملك هو أم نبي ؟

فإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف ، وإن كان نبيا لم يقبل الهدية ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه ، فذلك قوله تعالى : ( فناظرة بم يرجع المرسلون ) فأهدت إليه وصفاء ووصائف ، قال ابن عباس ألبستهم لباسا واحدا كي لا يعرف ذكر من أنثى .

وقال مجاهد : ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لباس الغلمان .

واختلفوا في عددهم ، فقال ابن عباس : مائة وصيف ومائة وصيفة وقال مجاهد : ومقاتل مائتا غلام ومائتا جارية .

وقال قتادة ، وسعيد بن جبير : أرسلت إليه بلبنة من ذهب في حرير وديباج .

وقال ثابت البناني : أهدت إليه صفائح من الذهب في أوعية الديباج .

وقيل : كانت أربع لبنات من ذهب .

وقال وهب وغيره : عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية ، فألبست الغلمان لباس الجواري ، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب ، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب وفي آذانهم أقراطا وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر ، وألبست الجواري لباس الغلمان; الأقبية والمناطق ، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون ، على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملون ، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة ، وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع ، وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود الألنجوج ، وعمدت إلى حقة فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معوجة الثقب ، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو ، وضمت إليه ، رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل ، وكتبت معه كتابا بنسخة الهدية ، وقالت فيه : إن كنت نبيا فميز بين الوصائف والوصفاء ، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها ، واثقب الدر ثقبا مستويا ، وأدخل خيطا في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جن .

وأمرت بلقيس الغلمان ، فقالت : إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء ، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال .

ثم قالت للرسول : انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملك ولا يهولنك منظره ، فإنا أعز منه ، وإن رأيت الرجل بشاشا لطيفا فاعلم أنه نبي مرسل فتفهم قوله ، ورد الجواب .

فانطلق الرسول بالهدايا ، وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر كله ، فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا ، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة ، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا ، شرفها من الذهب والفضة ، ثم قال : أي الدواب أحسن مما رأيتم في البر والبحر ؟

قالوا : يا نبي الله إنا رأينا دوابا في بحر كذا وكذا منطقة مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص ، فقال : علي بها الساعة ، فأتوا بها ، فقال : شدوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة ، وألقوا لها علوفتها فيها ، ثم قال للجن : علي بأولادكم ، فاجتمع خلق كثير ، فأقامهم على يمين الميدان ويساره ، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره ، ووضع له أربعة آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره ، وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفا فراسخ ، وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير ، فاصطفوا فراسخ عن يمينه وعن يساره .

فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة ، تقاصرت أنفسهم ورموا بما معهم من الهدايا ، وفي بعض الروايات أن سليمان لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم ، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكل الأرض مفروشة خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان ، فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب ، ففزعوا ، فقالت لهم الشياطين : جوزوا فلا بأس عليكم ، فكانوا يمرون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والهوام والسباع والوحوش ، حتى وقفوا بين يدي سليمان ، فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق ، وقال : ما وراءكم ؟

فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا له ، وأعطاه كتاب الملكة ، فنظر فيه ، ثم قال : أين الحقة ؟

فأتى بها فحركها ، وجاء جبريل فأخبره بما في الحقة ، فقال : إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة ، وجزعة مثقوبة معوجة الثقب ، فقال الرسول : صدقت ، فاثقب الدرة ، وأدخل الخيط في الخرزة ، فقال سليمان : من لي بثقبها فسأل سليمان الإنس ثم الجن ، فلم يكن عندهم علم ذلك ، ثم سأل الشياطين ، فقالوا : نرسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر ، فقال لها سليمان : ما حاجتك ؟

فقالت : تصير رزقي في الشجرة ، فقال لك ذلك .

وروي أنه جاءت دودة تكون في الصفصاف فقالت : أنا أدخل الخيط في الثقب على أن يكون رزقي في الصفصاف ، فجعل لها ذلك ، فأخذت الخيط بفيها ودخلت الثقب وخرجت من الجانب الآخر .

ثم قال : من لهذه الخرزة فيسلكها في الخيط ؟

فقالت دودة بيضاء أنا لها يا رسول الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر ، فقال سليمان : ما حاجتك ؟

فقالت : تجعل رزقي في الفواكه ، قال : لك ذلك ، ثم ميز بين الجواري والغلمان ، بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم ، فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه ، والغلام كما يأخذه من الآنية يضرب به وجهه ، وكانت الجارية تصب الماء على بطن ساعدها ، والغلام على ظهر الساعد ، وكانت الجارية تصب الماء صبا وكان الغلام يحدر الماء على يديه حدرا ، فميز بينهم بذلك ، ثم رد سليمان الهدية ، كما قال الله تعالى : ( فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون» من قبول الهدية أو ردها إن كان ملكاً قبلها أو نبياً لم يقبلها فأرسلت خدماً ذكوراً وإناثاً ألفاً بالسوية وخمسمائة لبنة من الذهب وتاجاً مكللا بالجواهر ومسكاً وعنبراً وغير ذلك مع رسول بكتاب فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر فأمر أن تضرب لبنات الذهب والفضة وأن تبسط من موضعه إلى تسعة فراسخ ميداناً وأن يبنوا حوله حائطاً مشرفاً من الذهب والفضة وأن يؤتي بأحسن دواب البر والبحر مع أولاد الجن عن يمين الميدان وشماله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالت محذرةً لهم من مواجهة سليمان بالعداوة، ومبيِّنة لهم سوء مغبَّة القتال: إن الملوك إذا دخلوا بجيوشهم قريةً عنوةً وقهرًا خرَّبوها وصيَّروا أعزَّة أهلها أذلة، وقتلوا وأسروا، وهذه عادتهم المستمرة الثابتة لحمل الناس على أن يهابوهم.

وإني مرسلة إلى سليمان وقومه بهديَّة مشتملة على نفائس الأموال أصانعه بها، ومنتظرة ما يرجع به الرسل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صرحت لهم بما ستفعله معه فقالت : ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون ) .

وقوله : ( فَنَاظِرَةٌ ) معطوف على ( مُرْسِلَةٌ ) وهو من الانتظار بمعنى الترقب .أى : وإنى قد قررت أن أرسل إلى سليمان وجنوده هدية ثمينة تليق بالملوك أصحاب الجاه والقوة والسلطان ، وإنى لمنتظرة ماذا سيقول سليمان لرسلى عندما يرى تلك الهدية .

وماذا سيفعل معهم .قال ابن عباس : قالت لقومها إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه ، وإن لم يقبلها فهو نبى فاتبعوه .وقال قتادة : رحمها الله ورضى عنها ما كان أعقلها فى إسلامها وفى شركها!!

لقد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنها لما عرضت الواقعة على أكابر قومها وقالوا ما تقدم أظهرت رأيها، وهو أن الملوك إذا دخلوا قرية بالقهر أفسدوها، أي خربوها وأذلوا أعزتها، فذكرت لهم عاقبة الحرب.

وأما قوله: ﴿ وكذلك يَفْعَلُونَ ﴾ فقد اختلفوا أهو من كلامها أو من كلام الله تعالى كالتصويب لها والأقرب أنه من كلامها، وأنها ذكرته تأكيداً لما وصفته من حال الملوك.

فأما الكلام في صفة الهدية فالناس أكثروا فيها لكن لا ذكر لها في الكتاب وقولها: ﴿ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون ﴾ فيه دلالة على أنها لم تثق بالقبول وجوزت الرد، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان، ولما وصلت الهدايا إلى سليمان عليه السلام ذكر أمرين: الأول: قوله: ﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ﴾ فأظهر بهذا الكلام قلة الاكتراث بذلك المال.

أما قوله: ﴿ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الهدية اسم للمهدي، كما أن العطية اسم للمعطي، فتضاف إلى المهدي وإلى المهدى إليه، والمضاف إليه هاهنا هو المهدى إليه، والمعنى أن الله تعالى آتاني الدين الذي هو السعادة القصوى، وآتاني من الدنيا ما لا مزيد عليه، فكيف يستمال مثلي بمثل هذه الهدية، بل أنتم تفرحون بما يهدى إليكم، لكن حالي خلاف حالكم.

وثانيها: بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون من حيث إنكم قدرتم على إهداء مثلها.

وثالثها: كأنه قال: بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها الثاني: قوله: ﴿ ارجع إِلَيْهِمْ ﴾ فقيل ارجع خطاب للرسول، وقيل للهدهد محملاً كتاباً آخر.

أما قوله تعالى: ﴿ لاَّ قِبَلَ ﴾ أي لا طاقة، وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة، أي لا يقدرون أن يقابلوهم.

وقرأ ابن مسعود: (لا قبل لهم بهم)، والضمير في (منها) لسبأ، والذل أن يذهب عنهم ما كان عندهم من العز والملك، والصغار أن يقعوا في أسر واستعباد، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما أحست منهم الميل إلى المحاربة، رأت من الرأي الميل إلى الصلح والابتداء بما هو أحسن، ورتبت الجواب، فزيفت أولاً ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه ب ﴿ إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً ﴾ عنوة وقهراً ﴿ أَفْسَدُوهَا ﴾ أي خرّبوها- ومن ثمة قالوا للفساد: الخربة-، وأذلوا أعزتها، وأهانوا أشرافها؛ وقتلوا وأسروا، فذكرت لهم عاقبة الحرب وسوء مغبتها ثم قالت: ﴿ وكذلك يَفْعَلُونَ ﴾ أرادت: وهذه عادتهم المستمرة الثابتة التي لا تتغير، لأنها كانت في بيت الملك القديم، فسمعت نحو ذلك ورأت، ثم ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد.

وقيل: هو تصديق من الله لقولها، وقد يتعلق الساعون في الأرض بالفساد بهذه الآية ويجعلونها حجة لأنفسهم.

ومن استباح حراماً فقد كفر، فإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين ﴿ مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ أي مرسلة رسلاً بهدية أصانعه بها عن ملكي ﴿ فَنَاظِرَةٌ ﴾ ما يكون منه حتى أعمل على حسب ذلك، فروي: أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري، وحليهنّ الأساور والأطواق، والقِرَطَة راكبي خيل مغشاة بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجاً مكللاً بالدرّ والياقوت المرتفع والمسك والعنبر، وحقاً فيه درّة عذراء، وجزعة معوجة الثقب، وبعثت رجلين من أشراف قومها: المنذر بن عمرو، وآخر ذا رأي وعقل، وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري، وثقب الدرّة ثقباً مستوياً، وسلك في الخرزة خيطاً، ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك؛ فلا يهولنك، وإن رأيته بشاً لطيفاً فهو نبيّ، فأقبل الهدهد فأخبر سليمان، فأمر الجنّ فضربوا لبن الذهب والفضة، وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره والكراسيّ من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ، والإنس صفوفاً فراسخ، والوحش والسباع والهوام والطيور كذلك، فلما دنا القوم ونظروا: بهتوا، ورأوا الدواب تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟

وقال: أين الحقّ؟

وأخبره جبريل عليه السلام بما فيه فقال لهم: إن فيه كذا وكذا، ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت فيها، فجعل رزقها في الشجرة.

وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت فيها، فجعل رزقها في الفواكه.

ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وقال للمنذر: ارجع إليهم، فقالت: هو نبيّ وما لنا به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف.

وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿ فلما جاءوا ﴾ ﴿ أَتُمِدُّونَنِ ﴾ وقرئ: بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة بالإدغام، كقوله: ﴿ أتحاجوانى ﴾ وبنون واحدة: أتمدوني.

الهدية: اسم المهدَي؛ كما أن العطية اسم المعطي، فتضاف إلى المهدي والمهدى إليه، تقول هذه هدية فلان، تريد: هي التي أهداها أو أهديت إليه، والمضاف إليه هاهنا هو المهدي إليه.

والمعنى: أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر والغنى الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يمدّ بمال ويصانع به ﴿ بَلْ أَنتُمْ ﴾ قوم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا؛ فلذلك ﴿ تَفْرَحُونَ ﴾ بما تزادون ويُهدي إليكم، لأن ذلك مبلغ همتكم وحالي خلاف حالكم؛ وما أرضى منكم بشيء ولا أفرح به إلا بالإيمان وترك المجوسية.

فإن قلت: ما الفرق بين قولك: أتمدني بمال وأنا أغنى منك، وبين أن تقوله بالفاء؟

قلت: إذا قلته بالواو، فقد جعلت مخاطبي عالماً بزيادتي عليه في الغنى واليسار، وهو مع ذلك يمدني بالمال.

وإذا قلته بالفاء، فقد جعلته ممن خفيت عليه حالي، فأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج معه إلى إمداده، كأني أقول له: أنكر عليك ما فعلت، فإني غني عنه.

وعليه ورد قوله: ﴿ فَمَا ءاتاني الله ﴾ .

فإن قلت: فما وجه الإضراب؟

قلت: لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه: وهو أنهم لا يعرفون سبب رضا ولا فرح؛ إلا أن يهدي إليهم حظ من الدنيا التي لا يعلمون غيرها.

ويجوز أن تجعل الهدية مضافة إلى المهدي، ويكون المعنى: بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون فرح افتخار على الملوك، بأنكم قدرتم على إهداء مثلها.

ويحتمل أن يكون عبارة عن الردّ، كأنه قال: بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً ﴾ عَنْوَةً وغَلَبَةً.

﴿ أفْسَدُوها ﴾ تَزْيِيفٌ لَمّا أحَسَّتْ مِنهم مِنَ المَيْلِ إلى المُقاتَلَةِ بِادِّعائِهِمُ القُوى الذّاتِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ، وإشْعارٌ بِأنَّها تَرى الصُّلْحَ مَخافَةَ أنْ يَتَخَطّى سُلَيْمانُ خُطَطَهم فَيُسْرِعَ إلى إفْسادِ ما يُصادِفُهُ مِن أمْوالِهِمْ وعِماراتِهِمْ، ثُمَّ أنَّ الحَرْبَ سِجالٌ لا تَدْرِي عاقِبَتَها.

﴿ وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً ﴾ بِنَهْبِ أمْوالِهِمْ وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإهانَةِ والأسْرِ.

﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما وصَفَتْ مِن حالِهِمْ وتَقْرِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن عاداتِهِمُ الثّابِتَةِ المُسْتَمِرَّةِ، أوْ تَصْدِيقٌ لَها مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ بَيانٌ لِما تَرى تَقْدِيمَهُ في المُصالَحَةِ، والمَعْنى إنِّي مُرْسَلَةٌ رُسُلًا بِهَدِيَّةٍ أدْفَعُهُ بِها عَنْ مُلْكِي.

﴿ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ ﴾ مِن حالِهِ حَتّى أعْمَلَ بِحَسَبِ ذَلِكَ.

رُوِيَ أنَّها بَعَثَتْ مُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو في وفْدٍ وأرْسَلَتْ مَعَهم غِلْمانًا عَلى زِيِّ الجَوارِي وجِوارِي عَلى زِيِّ الغِلْمانِ، وحُقًّا فِيهِ دُرَّةٌ عَذْراءُ وجَزَعَةٌ مُعْوَجَّةُ الثُّقْبِ وقالَتْ: إنْ كانَ نَبِيًّا مَيَّزَ بَيْنَ الغِلْمانِ والجَوارِي وثُقْبِ الدُّرَّةِ ثُقْبًا مُسْتَوِيًا وسَلَكَ في الخَرَزَةِ خَيْطًا، فَلَمّا وصَلُوا إلى مُعَسْكَرِهِ ورَأوْا عَظَمَةَ شَأْنِهِ تَقاصَرَتْ إلَيْهِمْ نُفُوسُهم، فَلَمّا وقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وقَدْ سَبَقَهم جِبْرِيلُ بِالحالِ فَطَلَبَ الحَقَّ وأخْبَرَ عَمّا فِيهِ، فَأمَرَ الأرَضَةَ فَأخَذَتْ شَعْرَةً ونَفَذَتْ في الدُّرَّةِ وأمَرَ دُودَةً بَيْضاءَ فَأخَذَتِ الخَيْطَ ونَفَذَتْ في الجَزَعَةِ، ودَعا بِالماءِ فَكانَتِ الجارِيَةُ تَأْخُذُ الماءَ بِيَدِها فَتَجْعَلُهُ في الأُخْرى ثُمَّ تَضْرِبُ بِهِ وجْهَها والغُلامُ كَما يَأْخُذُهُ يَضْرِبُ بِهِ وجْهَهُ ثُمَّ رَدَّ الهَدِيَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فناظرة} فمنتظرة {بم} أي بما لأن الألف

النمل (٣٦)

تحذف مع حرف الجر في الاستفهام {يرجع المرسلون} بقبولها أم بردها لأنها عرفت عادة الملوك وحسن مواقع الهدايا عندهم فإن كان ملكا فبلها وانصرف وإن كان نبياً ردها ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه فبعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن راكبي خيل مغشاة بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجا مكللا بالدر والياقوت وحقافية درة عذراء وجزعة معوجة الثقب وبعثت رسلاً وأمرت عليهم المنذر بن عمرو بدليل قوله تعالى بم يرجع المرسلون وكتبت كتابا في نسخة الهدايا وقالت فيه إن كنت نبياً فميز بين الوصفاء والوصائف وأخبر بما في الحق واثقب الدرة ثقباً واسلك في الخرزة خيطاً ثم قالت للمنذر إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك منظره وإن رأيته بشاشاً لطيفاً فهو نبي فأقبل الهدهد وأخبر سليمان الخبر كله فأمر سليمان الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة وفرشوها في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبنات وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن

اليمين واليسار ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه واصطت الشياطين صفوفاً فراسخ والإنس صفوفاً فراسخ والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك فلما دنا القوم ورأوا الدواب تروث على اللبن رموا بما معهم من الهدايا ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم سليمان بوجه طلق فأعطوه كتاب الملكة فنظر فيه وقال أين الحق فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت فيها ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ثم رد الهدية وقال للمنذر ارجع إليهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ ﴾ حَتّى أعْمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّها لَمْ تَثِقْ بِقَبُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَدِيَّتَها.

ورُوِيَ أنَّها قالَتْ لِقَوْمِها: إنْ كانَ مَلِكًا دُنْياوِيًّا أرْضاهُ المالُ وعَمِلْنا مَعَهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهِ المالُ، ويَنْبَغِي أنْ نَتَّبِعَهُ عَلى دِينِهِ، والهَدِيَّةُ اسْمٌ لِما يُهْدى كالعَطِيَّةِ اسْمٌ لِما يُعْطى، والتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّعْظِيمِ، و(ناظِرَةٌ) عَطْفٌ عَلى (مُرْسِلَةٌ) و(بِمَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَرْجِعُ) ووَقَعَ لِلْحَوْفِيِّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(ناظِرَةٌ) وهو وهْمٌ فاحِشٌ كَما في البَحْرِ، والنَّظَرُ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ لَهُ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى الثَّباتِ المُصَدَّرَةُ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّها مُزْمِعَةٌ عَلى رَأْيِها، لا يَلْوِيها عَنْهُ صارِفٌ، ولا يَثْنِيها عاطِفٌ.

واخْتُلِفَ في هَدِيَّتِها، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها كانَتْ مِائَةَ وصِيفٍ ومِائَةَ وصِيفَةٍ، وقالَ وهْبٌ وغَيْرُهُ: عَمَدَتْ بِلْقِيسُ إلى خَمْسِمِائَةِ غُلامٍ وخَمْسِمِائَةِ جارِيَةٍ فَألْبَسَتِ الجَوارِيَ لُبْسَ الغِلْمانِ الأقْبِيَةَ والمَناطِقَ، وألْبَسَتِ الغِلْمانَ لِباسَ الجَوارِي، وجَعَلَتْ في أيْدِيهِمْ أساوِرَ الذَّهَبِ، وفي أعْناقِهِمْ أطْواقَ الذَّهَبِ، وفي آذانِهِمْ أقْرِطَةً وشُنُوفًا مُرَصَّعَةً بِأنْواعِ الجَواهِرِ، وحَمَلَتِ الجَوارِيَ عَلى خَمْسِمِائَةِ رَمَكَةٍ، والغِلْمانَ عَلى خَمْسِمِائَةِ بِرْذَوْنٍ، عَلى كُلِّ فَرَسٍ سَرْجٌ مِنَ الذَّهَبِ، مُرَصَّعٌ بِالجَوْهَرِ، وعَلَيْهِ أغْشِيَةُ الدِّيباجِ، وبَعَثَتْ إلَيْهِ لَبِناتٍ مِن ذَهَبٍ، ولَبِناتٍ مِن فِضَّةٍ، وتاجًا مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وأرْسَلَتْ بِالمِسْكِ والعَنْبَرِ والعُودِ، وعَمَدَتْ إلى حُقٍّ فَجَعَلَتْ فِيهِ دُرَّةً عَذْراءَ وخَرَزَةَ جِزْعٍ مُعْوَجَّةَ الثُّقْبِ.

ودَعَتْ رَجُلًا مِن أشْرافِ قَوْمِها يُقالُ لَهُ المُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وضَمَّتْ إلَيْهِ رِجالًا مِن قَوْمِها أصْحابَ رَأْيٍ وعَقْلٍ، وكَتَبَتْ مَعَهُ كِتابًا تَذْكُرُ فِيهِ الهَدِيَّةَ، وقالَتْ فِيهِ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا مَيِّزْ بَيْنَ الغِلْمانِ والجَوارِي، وأخْبِرْ بِما في الحُقِّ قَبْلَ أنْ تَفْتَحَهُ، ثُمَّ قالَتْ لِلرَّسُولِ: فَإنْ أخْبَرَ فَقُلْ لَهُ: اثْقُبِ الدُّرَّةَ ثَقْبًا مُسْتَوِيًا، وأدْخِلْ في الخَرَزَةِ خَيْطًا مِن غَيْرِ عِلاجِ إنْسٍ ولا جِنٍّ، وقالَتْ لِلْغِلْمانِ: إذا كَلَّمَكم سُلَيْمانُ فَكَلِّمُوهُ بِكَلامٍ فِيهِ تَأْنِيثٌ وتَخَنُّثٌ يُشْبِهُ كَلامَ النِّساءِ، وأمَرَتِ الجَوارِيَ أنْ يُكَلِّمُوهُ بِكَلامِ فِيهِ غِلْظَةٌ يُشْبِهُ كَلامَ الرِّجالِ، ثُمَّ قالَتْ لِلرَّسُولِ: انْظُرْ إلى الرَّجُلِ إذا دَخَلْتَ فَإنْ نَظَرَ إلَيْكَ نَظَرًا فِيهِ غَضَبٌ فاعْلَمْ أنَّهُ مَلِكٌ، فَلا يَهُولَنَّكَ مَنظَرُهُ؛ فَأنا أعَزُّ مِنهُ، وإنْ رَأيْتَ الرَّجُلَ بَشّاشًا لَطِيفًا فاعْلَمْ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَتَفَهَّمْ مِنهُ قَوْلَهُ ورَدَّ الجَوابِ.

فانْطَلَقَ الرَّجُلُ بِالهَدايا، وأقْبَلَ الهُدْهُدُ مُسْرِعًا إلى سُلَيْمانَ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَأمَرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجِنَّ أنْ يَضْرِبُوا لَبِنًا مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَفَعَلُوا، وأمَرَهم بِعَمَلِ مَيْدانٍ مِقْدارِ تِسْعِ فَراسِخَ، وأنْ يَفْرِشُوا فِيهِ لَبِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وأنْ يُخْلُوا قَدْرَ تِلْكَ اللَّبِناتِ الَّتِي مَعَهُمْ، وأنْ يَعْمَلُوا حَوْلَ المَيْدانِ حائِطًا مُشْرِفًا مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ قالَ: أيُّ دَوابِّ البَرِّ والبَحْرِ أحْسَنُ؟

فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما رَأيْنا أحْسَنَ مِن دَوابَّ في البَحْرِ يُقالُ لَها كَذا وكَذا، مُخْتَلِفَةٌ ألْوانُها، لَها أجْنِحَةٌ وأعْرافٌ ونَواصٍ، قالَ: عَلَيَّ بِها السّاعَةَ، فَأتَوْهُ بِها قالَ: شُدُّوها عَنْ يَمِينِ المَيْدانِ وشِمالِهِ، وقالَ لِلْجِنِّ: عَلَيَّ بِأوْلادِكُمْ، فاجْتَمَعَ مِنهم خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأقامَهم عَلى يَمِينِ المَيْدانِ وعَلى شِمالِهِ، وأمَرَ الجِنَّ والإنْسَ والشَّياطِينَ والوُحُوشَ والسِّباعَ والطَّيْرَ، ثُمَّ قَعَدَ في مَجْلِسِهِ عَلى سَرِيرِهِ، ووَضَعَ أرْبَعَةَ آلافِ كُرْسِيٍّ عَلى يَمِينِهِ وعَلى شِمالِهِ، وأمَرَ جَمِيعَ الإنْسِ والجِنِّ والشَّياطِينِ والوُحُوشِ والسِّباعِ والطَّيْرِ فاصْطَفَوْا فَراسِخَ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، فَلَمّا دَنا القَوْمُ مِنَ المَيْدانِ، ونَظَرُوا إلى مُلْكِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَأوُا الدَّوابَّ الَّتِي لَمْ يَرَوْا مِثْلَها تَرُوثُ عَلى لَبِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ تَصاغَرَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ، وخَبَّؤُوا ما كانَ مَعَهم مِنَ الهَدايا.

وقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا ذَلِكَ المَوْضِعَ الخالِيَ مِنَ اللَّبِناتِ خالِيًا خافُوا أنْ يُتَّهَمُوا بِذَلِكَ، فَوَضَعُوا ما مَعَهم مِنَ اللَّبِنِ فِيهِ، ولَمّا نَظَرُوا إلى الشَّياطِينِ هالَهم ما رَأوْا، وفَزِعُوا، فَقالَتْ لَهُمُ الشَّياطِينُ: جُوزُوا لا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، وكانُوا يَمُرُّونَ عَلى كَرادِيسِ الجِنِّ والوَحْشِ والطَّيْرِ حَتّى وقَفُوا بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وتَلَقّاهم مَلْقًى حَسَنًا، وسَألَهم عَنْ حالِهِمْ فَأخْبَرَهُ رَئِيسُ القَوْمِ بِما جاؤُوا فِيهِ، وأعْطاهُ الكِتابَ فَنَظَرَ فِيهِ، وقالَ: أيْنَ الحُقُّ؟

فَأُتِيَ بِهِ، فَحَرَّكَهُ فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأخْبَرَهُ بِما فِيهِ، فَقالَ لَهُمْ: إنَّ فِيهِ دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ وجِزْعَةً مُعْوَجَّةَ الثَّقْبِ، قالَ الرَّسُولُ: صَدَقْتَ، فَأثْقِبِ الدُّرَّةَ وأدْخِلِ الخَيْطَ في الجِزْعَةِ، فَقالَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَن لِي بِثَقْبِها؟

وسَألَ الجِنَّ والإنْسَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهم عِلْمُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَألَ الشَّياطِينَ فَقالُوا: نُرْسِلُ إلى الأرَضَةِ، فَلَمّا جاءَتْ أخَذَتْ شَعَرَةً بِفِيها ونَفَذَتْ في الدُّرَّةِ حَتّى خَرَجَتْ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَقالَ لَها: ما حاجَتُكِ؟

قالَتْ: تُصَيِّرُ رِزْقِي في الشَّجَرِ، فَقالَ: لَكِ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: مَن لِهَذِهِ الخَرَزَةِ؟

فَقالَتْ دُودَةٌ بَيْضاءُ: أنا لَها يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأخَذَتِ الخَيْطَ بِفِيها ودَخَلَتِ الثَّقْبُ حَتّى خَرَجَتْ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَقالَ: ما حاجَتُكِ؟

قالَتْ: يَكُونُ رِزْقِي في الفَواكِهِ، فَقالَ: لَكِ ذَلِكَ، ثُمَّ مَيَّزَ بَيْنَ الغِلْمانِ والجَوارِي، أمَرَهم أنْ يَغْسِلُوا وُجُوهَهم وأيْدِيَهُمْ، فَجَعَلَتِ الجارِيَةُ تَأْخُذُ الماءَ بِيَدِها وتَضْرِبُ بِها الأُخْرى وتَغْسِلُ وجْهَها، والغُلامُ يَأْخُذُ الماءَ بِيَدَيْهِ ويَضْرِبُ بِهِ وجْهَهُ، وكانَتِ الجارِيَةُ تَصُبُّ الماءَ عَلى باطِنِ ساعِدَيْها، والغُلامُ عَلى ظاهِرِهِ، ثُمَّ رَدَّ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الهَدِيَّةَ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى.

وقِيلَ: إنَّها أنَفَذَتْ مَعَ هَداياها عَصًا كانَ يَتَوارَثُها مُلُوكُ حِمْيَرَ، وقالَتْ: أُرِيدُ أنْ تُعَرِّفَنِي رَأْسَها مِن أسْفَلِها، وبِقَدَحِ ماءٍ وقالَتْ: تَمْلَؤُهُ ماءً رِواءً لَيْسَ مِنَ الأرْضِ ولا مِنَ السَّماءِ، فَأرْسَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَصا إلى الهَواءِ وقالَ، أيُّ الطَّرَفَيْنِ سَبَقَ إلى الأرْضِ فَهو أصْلُها، وأمَرَ بِالخَيْلِ فَأُجْرِيَتْ حَتّى عَرِقَتْ ومَلَأ القَدَحَ مِن عَرَقِها، وقالَ: هَذا لَيْسَ مِن ماءِ الأرْضِ ولا مِن ماءِ السَّماءِ، اهـ.

وكُلُّ ذَلِكَ أخْبارٌ لا يُدْرى صِحَّتُها ولا كَذِبُها، ولَعَلَّ في بَعْضِها ما يَمِيلُ القَلْبُ إلى القَوْلِ بِكَذِبِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قالَتْ يعني: المرأة إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً على وجه العنوة والغلبة أَفْسَدُوها يعني: أهلكوها وخربوها وقتلوا أهلها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً يعني: أهانوا أشرافها وكبراءها ليستقيم لهم الأَمر وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ قال ابن عباس: هذا قول الله تعالى للنبي  قال: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ تصديقاً لقول المرأة.

وقال الحسن: هذا قول بلقيس: إن سليمان وجنوده كذلك يفعلون، وأكثر المفسرين على خلاف ذلك.

ثم قالت المرأة: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ يعني: أصانعهم بالمال، فإن كان من أهل الدنيا فإنه يقبل ويرضى بذلك، ويقال: أختبره أملك هو أم نبي؟

فإن كان ملكاً قبلها، وإن كان نبياً لم يقبلها فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ يعني: أنظر بماذا يرجع المرسلون من الجواب من عنده؟

وذكر في الخبر: أنها بعثت إليه لبنتين من ذهب والمسك والعنبر، وبعثت بعشرة غلمان، وعشرة جواري.

وكان في الغلمان بعض اللين، وكان في الجواري بعض الغلظة، وأمرت بأن تخضب أيديهم جميعاً، وجعلتهم على هيئة الجواري، وبعثت إليه جوهرة في ثقبها اعوجاج، وطلبت أن يدخل الخيط فيها، فأمر سليمان الشياطين بأن يلقوا في طريق الرسل لبنا كثيرا من ذهب، فلما جاءت رسل بلقيس استحضروا هديتهم، فلما قدموا على سليمان أمر بماء فوضع، وأمر الغلمان والجواري بأن يتوضئوا منه، فجعل الغلام يحدر الماء على يده حدراً، وأما الجواري، فكن يصببن صباً.

وفي رواية أُخرى: كانت الجارية تأخذ الماء بكفها وتدلك ذراعيها.

وأما الجوهرة، فأخذ دودة حمراء عقد فيها خيطاً، ثم أدخلها في الحجر حتى خرجت من الجانب الآخر، فرد الهدية.

وقال للوفد: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ يعني: أتغرونني بالمال؟

قوله عز وجل: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قال بعضهم: يعني، جاء الرسول.

وقال بعضهم: يعني، جاء بريدها والأول أشبه، لأنه خاطب الرسول.

قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ قرأ حمزة أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ بنون واحدة والتشديد، وقرأ الباقون بنونين وأصله نونان، إلا أن حمزة أدغم إحداهما في الأخرى، وشددها.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أتمدونني بالياء في الوصل، لأنه في الأصل الياء، وهو ياء الإضافة.

وقرأ الباقون بغير ياء، لأن الكسر يدل عليه.

ثم قال: فَما آتانِيَ اللَّهُ يعني: ما أعطاني الله عز وجل من النبوة والحكمة والدين والإسلام والملك خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ يعني: خير مما أعطاكم من الدنيا والمال بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ يعني: إذا أهدى بعضكم إلى بعض، ويقال: معناه بل أنتم تفرحون بهديتكم إذا ردت إليكم، لأنكم قليلو المال.

ويقال: لأنكم مكاثرة بالدنيا.

قوله عز وجل: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ يعني: قال سليمان لأمير الوفد: ارجع إليهم بالهدية، فإن لم يحضروني فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِها يعني: لا طاقة لهم بها.

قال بعض المتقدمين: ومتى يكون لهم طاقة بجنود سليمان، وكان جنود سليمان من الجن والإنس والشياطين؟

وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها يعني: من أرض سبأٍ أَذِلَّةً يعني: مغلولة أيديهم إلى أعناقهم وَهُمْ صاغِرُونَ أي ذليلون.

فلما بلغ الخبر إلى المرأة ورسالة سليمان، لم تجد بداً من الخروج إليه، فخرجت نحوه، فلما علم سليمان بمسيرها إليه قالَ لجلسائه يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها يعني: بسرير بلقيس قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي: موحدين، لأنه قد كان أوحي إلى سليمان بأنها تسلم.

وقال بعضهم: إنما أراد سليمان بإحضار سريرها قبل أن تسلم ليكون السرير له، لأنها لو أسلمت حرم عليه مالها وكان سريرها من ذهب، وقوائمه من اللؤلؤ والجواهر، مستور بالحرير والديباج وعليه الحجلة وقال بعضهم: إنما أراد أن يبين دلالة نبوته عندها، فتعلم المرأة أنه نبي فتسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مُسَيْك.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «١» «سَبَأَ» - بفتح الهَمْزَةِ وتَرْكِ الصَّرْف- على أنه اسمُ بَلْدَةِ وقاله الحسن وقتادة.

وقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي: مما تحتاجُه المملكةُ، قال الحسن: من كل أمر الدنيا «٢» ، وهذه المرأةُ هي «بلقيس» ، وَوَصَفَ عرشَها بالعِظَم في الهيئةِ ورتبة الملك، ٥٢ أوأكثر بَعضِ النَّاسِ/ في قصَصها بما رأيتُ اختصارَه لعدَمِ صحَّتِه، وإنما اللازم من الآية:

أنها امرأةٌ مَلِكَةٌ عَلى مدائنَ اليمن، ذاتُ مُلْكٍ عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار.

وقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ إلى قوله الْعَظِيمِ، ظاهره: أنه من قوله الهدهد وهو قول ابن زيد وابن إسحاق، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى اعتراضاً بيْنَ الكَلاَمَيْن، وقراءةُ التشديدِ في أَلَّا تعطى: أن الكلامَ للهدهدِ وهي قراءةُ الجمهورِ «٣» ، وقراءة التخفيفِ وهي للكسائي تَمْنَعَهُ «٤» وتقوِّي الآخرَ فتأملْه، وقرأ الأعمشُ «٥» هَلاَّ يَسْجُدُونَ وفي حرف عبد الله «ألا هل تسجدون» بالتّاء، والْخَبْءَ: الخفيّ من

الأمور وهو من: خَبَأْتُ الشيءَ، واللفظةُ تَعُمّ كل ما خَفِي من الأمور وبه فسر ابن عباس «١» .

وقرأ الجمهورُ: «يُخْفُونَ وَيُعْلِنون» بياء الغائب وهذه القراءة تُعْطى أنَّ الآيةَ من كلامِ الهدهد.

وقرأ الكسائيُّ وحفصٌ عن «٢» عاصم «تُخْفُونَ وَتُعْلِنُونَ» بتاء الخطاب وهذه القراءة تعطى أنَّ الآية من خطاب الله تعالى لأمة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم.

قوله: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ، قال وهب بن مُنَبِّه: أمره بالتولِّي حُسنُ أدب ليَتَنَحَّى حَسْبَ ما يُتأَدَّبُ به مع الملوك، بمعنى: وكن قريبا حتى ترى مراجعاتهم، وليكل الأمر، إلى حُكْمِ ما في الكتابِ دونَ أن تكونَ للرسولِ ملازمةٌ ولا إلحاحٌ «٣» .

ورَوَى وهب بن منبِّه في قصص هذه الآية: أن الهدهدَ وصل فَوَجَدَ دون هذه المَلِكَةِ حُجُبَ جدراتٍ، فَعَمَدَ إلَى كُوَّةٍ كانتْ بلقيسُ صَنَعَتْهَا، لتَدْخُلَ منها الشمسُ عند طلوعها لمعنى عبادَتِهَا إيَّاهَا فدخل منها ورمى بالكتابِ إليها «٤» فقرأتْه وجَمَعَتْ أهْلَ مُلْكِها فخاطبتهم بما يأتي بعد.

قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ تعني: الأشراف: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ وصَفَتِ الكتابَ بالكريمِ إما لأنه من عند عظيمٍ، أو لأنه بُدِىء باسمٍ كريمٍ.

ثم أخذتْ تصف لهم ما في الكتابِ، ثم أخذتْ في حسْنِ الأدَبِ مَعَ رجَالِها ومشاورتهم في أمرها فراجعها قومُها بما يُقِرُّ عَيْنَها مِنْ إعلامِهم إيَّاها بالقوة، والبأس.

ثم سلَّمُوا الأمر إلى نَظَرِها وهذه محاورةٌ حسنة من الجميع.

وفي قراءة «٥» عبد الله: «ما كُنْتُ قَاضِيَةً أَمْراً» بالضاد من القضاء، ثم أخبرتْ بلقيسُ بفِعلِ الملوكِ بالقُرَى التي يَتَغَلَّبُونَ عليها، وفي كلامها خوفٌ على قومِها وحَيْطَة لهم، قال الدَّاوُودِيُّ: وعن ابن عباس: رضي الله عنه إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها قال: إذا أخذوهَا عَنْوَةً، أخربوها «٦» ، انتهى.

وقوله: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ قالت فرقة: هو من قول بلقيس، وقال ابن عباس: هو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفْتُونِي في أمْرِي ﴾ أيْ: بَيِّنُوا لِي ما أفْعَلُ، وأشِيرُوا عَلَيَّ.

قالَ الفَرّاءُ: جَعَلَتِ المَشُورَةَ فُتْيا، وذَلِكَ جائِزٌ لِسِعَةِ اللُّغَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا ﴾ أيْ: فاعِلَتُهُ ﴿ حَتّى تَشْهَدُونِ ﴾ أيْ.

تَحْضُرُونَ؛ والمَعْنى: إلّا بِحُضُورِكم ومَشُورَتِكم.

﴿ قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا القُوَّةَ في الأبْدانِ.

والثّانِي: كَثْرَةُ العَدَدِ والبَأْسِ والشَّجاعَةِ في الحَرْبِ.

وَفِيما أرادُوا بِذَلِكَ القَوْلِ قَوْلانِ أحَدُهُما: تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى رَأْيِها.

والثّانِي: تَعْرِيضٌ مِنهم بِالقِتالِ إنْ أمَرَتْهم.

ثُمَّ قالُوا: ﴿ والأمْرُ إلَيْكِ ﴾ أيْ: في القِتالِ وتَرْكِهِ.

﴿ قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفْسَدُوها ﴾ أيْ: خَرَّبُوها ﴿ وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً ﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها لِيَسْتَقِيمَ لَهُمُ الأمْرُ.

ومَعْنى الكَلامِ: أنَّها حَذَّرَتْهم مَسِيرَ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولَهُ بِلادَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِن تَصْدِيقِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: مِن تَمامِ كَلامِها؛ والمَعْنى: وكَذَلِكَ يَفْعَلُ سُلَيْمانُ وأصْحابُهُ إذا دَخَلُوا بِلادَنا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما أُرْسِلَتِ الهَدِيَّةُ لِتَعْلَمَ أنَّهُ إنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرِدِ الدُّنْيا، وإنْ كانَ مَلِكًا فَسَيَرْضى بِالحَمْلِ، وأنَّها بَعَثَتْ ثَلاثَ لَبِناتٍ مِن ذَهَبٍ في كُلِّ لَبِنَةٍ مِائَةُ رِطْلٍ؛ وياقُوتَةٍ حَمْراءَ طُولُها شِبْرٌ مَثْقُوبَةٌ، وثَلاثِينَ وصَيْفًا وثَلاثِينَ وصِيفَةً، وألْبَسَتْهم لِباسًا واحِدًا حَتّى لا يُعْرَفَ الذَّكَرُ مِنَ الأُنْثى، ثُمَّ كَتَبَتْ إلَيْهِ: إنِّي قَدْ بَعَثْتُ إلَيْكَ بِهَدِيَّةٍ فاقْبَلْها، وبَعَثْتُ إلَيْكَ بِياقُوتَةٍ طُولُها شِبْرٌ، فَأدْخِلْ فِيها خَيْطًا واخْتِمْ عَلى طَرَفَيِ الخَيْطِ بِخاتَمِكَ، وقَدْ بَعَثْتُ إلَيْكَ ثَلاثِينَ وصَيْفًا وثَلاثِينَ وصِيفَةً: فَمَيِّزْ بَيْنَ الجَوارِي والغِلْمانِ؛ فَجاءَ أمِيرُ الشَّياطِينِ فَأخْبَرَهُ بِما بَعَثَتْ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ: انْطَلِقْ فافْرِشْ عَلى طَرِيقِ القَوْمِ مِن بابِ مَجْلِسِي ثَمانِيَةَ أمْيالٍ في ثَمانِيَةِ أمْيالٍ [لَبَنًا] مِنَ الذَّهَبِ؛ فانْطَلَقَ، فَبَعَثَ الشَّياطِينَ، فَقَطَعُوا اللَّبَنَ مِنَ الجِبالِ وطَلَوْهُ بِالذَّهَبِ وفَرَشُوهُ، ونَصَبُوا في الطَّرِيقِ أساطِينَ الياقُوتِ الأحْمَرِ، فَلَمّا جاءَ الرُّسُلُ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: كَيْفَ تَدْخُلُونَ عَلى هَذا الرَّجُلِ بِثَلاثِ لَبِناتٍ، وعِنْدَهُ ما رَأيْتُمْ؟!

فَقالَ رَئِيسُهم: إنَّما نَحْنُ رُسُلٌ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَوَضَعُوا اللَّبَنَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ؟

ثُمَّ دَعا ذَرَّةً فَرَبَطَ فِيها خَيْطًا وأدْخَلَها في ثُقْبِ الياقُوتَةِ حَتّى خَرَجَتْ مِن طَرَفِها الآخَرِ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ طَرَفَيْ الخَيْطِ فَخَتَمَ عَلَيْهِ ودَفَعَها إلَيْهِمْ، ثُمَّ مَيَّزَ بَيْنَ الغِلْمانِ والجَوارِي، هَذا كُلُّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: جَعَلَتْ لِباسَ الغِلْمانِ لِلْجَوارِي ولِباسَ الجَوارِي لِلْغِلْمانِ، فَمَيَّزَهم ولَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّتَها.

وَفِي عَدَدِ الوَصائِفِ والوُصَفاءِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ثَلاثُونَ وصَيْفًا وثَلاثُونَ وصِيفَةً، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: خَمْسَمِائَةِ غُلامٍ وخَمْسَمِائَةِ جارِيَةٍ، قالَهُ وهْبٌ.

والثّالِثُ: مِائَتا غُلامٍ ومِائَتا جارِيَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: عَشْرَةُ غِلْمانٍ وعَشْرُ جَوارٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: مِائَةُ وصَيْفٍ ومِائَةُ وصِيفَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي ما مَيَّزَهم بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أمَرَهم بِالوُضُوءِ، فَبَدَأ الغُلامُ مِن مِرْفَقِهِ إلى كَفِّهِ، وبَدَأتِ الجارِيَةُ مِن كَفِّها إلى مِرْفَقِها، فَمَيَّزَهم بِذَلِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّ الغِلْمانَ بَدَؤُوا بِغَسْلِ ظُهُورِ السَّواعِدِ قَبْلَ بُطُونِها، والجَوارِي عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ الغُلامَ اغْتَرَفَ بِيَدِهِ، والجارِيَةَ أفْرَغَتْ عَلى يَدِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها أمَرَتِ الجَوارِي ان يُكَلِّمْنَ سُلَيْمانَ بِكَلامِ الرِّجالِ، وأمَرَتِ الرِّجالَ أنْ يُكَلِّمُوهُ كَلامَ النِّساءِ، وأرْسَلَتْ قَدَحًا تَسْألُهُ أنْ يَمْلَأها ماءً لَيْسَ مِن [ماءٍ] لِسَماءٍ ولا مِن ماءِ الأرْضِ، فَأجْرى الخَيْلَ ومَلَأهُ مِن عَرَقِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ ﴾ أيْ: بِقَبُولٍ أمْ بِرَدٍّ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ " بِمَ ":بِما، وإنَّما أُسْقِطَتِ الألِفَ لِأنَّ العَرَبَ إذا كانَتْ " ما " بِمَعْنى " أي " ثُمَّ وصَلُوها بِحَرْفٍ خافِضٍ، أسْقَطُوا ألِفَها، تَفْرِيقًا بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ  ﴾ و ﴿ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ ؟

[النِّساءِ: ٩٧]، ورُبَّما أثْبَتُوا فِيها الألِفَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ عَلى ما قامَ يَشْتُمُنا لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ ﴾ ﴿ ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ ﴾ رُوِيَ أنَّ بِلْقِيسَ قالَتْ لِقَوْمِها: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَجُلَ بِهَدِيَّةٍ أُعْطِيهِ فِيها نَفائِسَ الأمْوالِ، وأُغَرِّبُ عَلَيْهِ بِأُمُورِ المَمْلَكَةِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا دُنْياوِيّا أرْضاهُ المالُ فَعَمِلْنا مَعَهُ بِحَسَبَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهِ المالُ، ولازَمَنا في أمْرِ الدِينِ، فَيَنْبَغِي أنْ نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ عَلى دِينِهِ، فَبَعَثَتْ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ أكْثَرَ بَعْضُ الناسِ في تَفْصِيلِها، فَرَأيْتُ اخْتِصارَ ذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ.

واخْتَبَرَتْ عِلْمَهُ -فِيما رُوِيَ- بِأنْ بَعَثَتْ إلَيْهِ قَدَحًا فَقالَتْ لَهُ: امْلَأْهُ لِي مِمّا لَيْسَ مِنَ الأرْضِ ولا مِنَ السَماءِ، وبَعَثَتْ إلَيْهِ دُرَّةً فِيها ثُقْبُ مَخْلُوقٍ وقالَتْ: تَدْخُلُ سِلْكَها دُونَ أنْ يَقْرَبَها إنْسٌ ولا جانٌّ، وبَعَثَتْ أُخْرى غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ وقالَتْ: يَثْقُبُ هَذِهِ غَيْرَ الإنْسِ والجِنِّ، فَمَلَأ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ القَدَحَ مَن عَرَقِ الجَبَلِ، وأدْخَلَتِ السِلْكَ دُودَةً وثَقَبَتِ الدُرَّةَ أرَضَةٌ، وراجِعَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ في رَدِّ الهَدِيَّةِ بِما في الآيَةِ، وعَبَّرَ عَنِ "المُرْسَلِينَ" بِـ (جاءَ) وبِقَوْلِهِ: (ارْجِعْ) لَمّا أرادَ بِهِ "الرَسُولَ" الَّذِي يَقَعُ عَلى الجَمْعِ والإفْرادِ والتَأْنِيثِ والتَذْكِيرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلَمّا جاؤُوا سُلَيْمانَ"، وقَرَأ "ارْجِعُوا"، ووَعِيدُ سُلَيْمانَ لَهم مُقْتَرِنٌ بِدَوُامِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ أيْضًا أنَّها بَعَثَتْ في هَدِيَّتِها بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ العَبِيدِ بَيْنَ غِلْمانٍ وجَوارِي، وجَعَلَتْ زِيَّهم واحِدًا، وجَرَّبَتْهُ في التَفْرِيقِ بَيْنَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَيْسَ بِتَجْرِبَةٍ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الخَطِرِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أتُمِدُّونَنِي" بِنُونَيْنِ وياءٍ في الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ، والكِسائِيُّ: "أتُمِدُّونَنِ" بِغَيْرِ ياءٍ في وقْفٍ ووَصْلٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "أتُمِدُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وإثْباتِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمْ: "فَما آتانِ اللهُ" بِكَسْرِ النُونِ دُونَ ياءٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "آتانِيِ" بِياءٍ ساكِنَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، ونافِعٌ: "آتانِيَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

ثُمْ تَوَعَّدَهم بِالجُنُودِ والغَلَبَةِ والإخْراجِ، والمَعْنى: إذا لَمْ يُسَلِّمُوا، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: [لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ] عَلى جَمْعِ ضَمِيرِ الجُنُودِ، و"لا قِبَلَ" مَعْناهُ: لا طاقَةَ ولا مُقاوَمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ قالت ﴾ جواب محاورة فلذلك فُصل.

أبدت لهم رأيها مفضِّلةً جانب السلم على جانب الحرب، وحاذرة من الدخول تحت سلطة سليمان اختياراً لأن نهاية الحرب فيها احتمال أن ينتصر سليمان فتصير مملكة سبأ إليه، وفي الدخول تحت سلطة سليمان إلقاء للمملكة في تصرفه، وفي كلا الحالين يحصل تصرف مَلك جديد في مدينتها فعلمت بقياس شواهد التاريخ وبخبرة طبائع الملوك إذا تصرفوا في مملكة غيرهم أن يقلبوا نظامها إلى ما يساير مصالحهم واطمئنان نفوسهم من انقلاب الأمة المغلوبة عليهم في فُرص الضعف أو لوائح الاشتغال بحوادث مهمة، فأول ما يفعلونه إقصاء الذين كانوا في الحكم لأن الخطر يتوقع من جانبهم حيث زال سلطانهم بالسلطان الجديد، ثم يبدلون القوانين والنظم التي كانت تسير عليها الدولة، فأما إذا أخذوها عنوة فلا يخلو الأخذ من تخريب وسبي ومغانم، وذلك أشد فساداً.

وقد اندرج الحالان في قولها ﴿ إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ .

وافتتاح جملة: ﴿ إن الملوك ﴾ بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وتحقيقه، فقولها ﴿ إذا دخلوا قرية أفسدوها ﴾ استدلال بشواهد التاريخ الماضي ولهذا تكون ﴿ إذا ﴾ ظرفاً للماضي بقرينة المقام كقوله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ [الجمعة: 11] وقوله: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ﴾ [التوبة: 92].

وجملة: ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ استدلال على المستقبل بحكم الماضي على طريقة الاستصحاب وهو كالنتيجة للدليل الذي في قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ﴾ .

والإشارة إلى المذكور من الإفساد وجَعْللِ الأعزة أذلة، أي فكيف نلقي بأيدينا إلى من لا يألو إفساداً في حالنا.

فدبرت أن تتفادى من الحرب ومن الإلقاء باليد، بطريقة المصانعة والتزلف إلى سليمان بإرسال هدية إليه، وقد عزمت على ذلك ولم تستطلع رأي أهل مشورتها لأنهم فوضوا الرأي إليها، ولأن سكوتهم على ما تخبرهم به يُعدّ موافقة ورضى.

وهذا الكلام مقدمة لما ستلقيه إليهم من عزمها، ويتضمن تعليلاً لما عزمت عليه.

والباء في ﴿ بهدية ﴾ باء المصاحبة.

ومفعول ﴿ مرسلة ﴾ محذوف دل عليه وصف ﴿ مرسلة ﴾ وكون التشاور فيما تضمنه كتاب سليمان.

فالتقدير: مرسلة إليهم كتاباً ووَفداً مصحوباً بهدية إذ لا بد أن يكون الوفد مصحوباً بكتاب تجيب به كتاب سليمان فإن الجواب عن الكتاب عادة قديمة، وهو من سنن المسلمين، وعدّ من حق المسلم على المسلم، قال القرطبي: إذا ورد على إنسان في كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يَرد الجواب لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر.

وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجباً كرد السلام اه.

ولم أقف على حكم فيه من مذاهب الفقهاء.

والظاهر أن الجواب إن كان عن كتاب مشتمل على صيغة السلام أن يكون رد الجواب واجباً وأن يشتمل على رد السلام لأن الرد بالكتابة يقاس على الرد بالكلام مع إلغاء فارق ما في المكالمة من المواجهة التي يكون ترك الرد معها أقرب لإلقاء العداوة.

ولم أر في كتب النبي صلى الله عليه وسلم جواباً عن كتاب إلا جوابه عن كتاب مسيلمة والسلام على من اتّبع الهدى.

والهدية: فعيلة من أهدى: فالهدية ما يعطَى لقصد التقرب والتحبب، والجمع هَدايا على اللغة الفصحى، وهي لغة سُفلَى مَعَدَ.

وأصل هدايا: هدائيَ بهمزة بعد ألف الجمع ثم ياءٍ لأن فعيلة يجمع على فعائل بإبدال ياء فعيلة همزة لأنها حرف وقع في الجمع بعد حرف مدّ فلما وجدوا الضمة في حالة الرفع ثقيلة على الياء سكّنوا الياء طرداً للباب ثم قلبوا اليَاء الساكنة ألفاً للخفة فوقعت الهمزة بين ألفين فثقلت فقلبوها ياء لأنها مفتوحة وهي أخف، وأما لغة سُفلى معدّ فيقولون: هَدَاوَى بقلب الهمزة التي بين الألفين واواً لأنها أخت الياء وكلتاهما أخت الهمزة.

و ﴿ ناظرة ﴾ اسم فاعل من نَظر بمعنى انتظَر، أي مترقبةٌ، فتكون جملة: ﴿ بم يرجع المرسلون ﴾ مبيّنة لجملة ﴿ فناظرة ﴾ ، أو مستأنفة.

وأصل النظم: فناظرة ما يرجع المرسلون به، فغير النظم لمَّا أريد أنها مترددة فيما يرجع به المرسلون.

فالباء في قوله: ﴿ بم يرجع المرسلون ﴾ متعلقة بفعل ﴿ يرجع ﴾ قدمت على متعلَّقها لاقترانها بحرف (ما) الاستفهامية لأن الاستفهام له صدر الكلام.

ويجوز أن يكون ﴿ ناظرة ﴾ من النظر العقلي، أي عالمة، وتعلقَ الباء بفعل ﴿ يرجع ﴾ ، وعلى كلا الوجهين ف ﴿ ناظرة ﴾ معلَّق عن العمل في مفعوله أو مفعوليه لوجود الاستفهام، ولا يجوز تعلق الباء ب ﴿ ناظرة ﴾ لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده فمن ثم غلطوا الحوفي في «تفسيره» لتعليقه الباء ب ﴿ ناظرة ﴾ كما في الجهة السادسة من الباب الخامس من «مغني اللبيب».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ﴾ أشِيرُوا عَلَيَّ في هَذا الأمْرِ الَّذِي نَزَلَ بِي فَجَعَلَتِ المَشُورَةَ فُتْيا وقِيلَ: إنَّها أوَّلُ مَن وضَعَ المَشُورَةَ.

﴿ ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ ﴾ أيْ مُمْضِيَةً أمْرًا، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ قاضِيَةً أمْرًا، والمَعْنى واحِدٌ.

﴿ حَتّى تَشْهَدُونِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَتّى تُشِيرُوا، قالَهُ زُهَيْرٌ.

الثّانِي: حَتّى تَحْضُرُوا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ ﴾ أيْ أهْلُ عَدَدٍ وعُدَّةٍ.

﴿ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ أيْ شَجاعَةٍ وآلَةٍ، وفي هَذا القَوْلِ مِنهم وجْهانِ: أحَدُهُما: تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى رَأْيِها لِأنَّها المُدَبِّرَةُ لَهم.

الثّانِي: أنَّهم أجابُوها تُبادِرِينَ إلى قِتالِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ مُجاهِدٌ: كانَ تَحْتَ يَدَيْ مَلِكَةِ سَبَأ اثْنا عَشَرَ ألْفَ قِيلٍ، تَحْتَ كُلِّ قِيلٍ مِائَةُ ألْفِ مُقاتِلٍ وهَذا بَعِيدٌ.

﴿ والأمْرُ إلَيْكِ ﴾ الآيَةَ.

عَرَضُوا عَلَيْها الحَرْبَ ورَدُّوا إلَيْها الأمْرَ، قالَ الحَسَنُ: ولَّوْا أمْرَهم عِلْجَةً يَضْطَرِبُ ثَدْياها، حَدَّثَ أبُو بَكْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ تَمْلِكُهُمُ امْرَأةٌ)» .

قَوْلُهُ: ﴿ قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أخَذُوها عَنْوَةً، وأفْسَدُوها، وخَرَّبُوها.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنْ يَكُونَ بِالِاسْتِيلاءِ عَلى مَساكِنِها وإجْلاءِ أهْلِها عَنْها.

﴿ وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً ﴾ أيْ أشْرافَهم وعُظَماءَهم أذِلَّةً وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالسَّيْفِ، قالَهُ زُهَيْرٌ.

الثّانِي: بِالِاسْتِعْبادِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ بِأخْذِ أمْوالِهِمْ وحَطِّ أقْدارِهِمْ.

﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ المُلُوكُ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي أنَّ هَذا حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِ بِلْقِيسَ: كَذَلِكَ يَفْعَلُ سُلَيْمانُ إذا دَخَلَ بِلادَنا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ اخْتُلِفَ فِيها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ لَبِنَةً مِن ذَهَبَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ جَوْهَرًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ صَحائِفَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ، قالَهُ ثابِتٌ البُنانِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّها أهْدَتْ غِلْمانًا لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي، وجَوارِيَ لِباسُهم لِباسُ الغِلْمانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وزُهَيْرٌ، واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَمانِينَ غُلامًا وجارِيَةً، وقالَ زُهَيْرٌ كانُوا ثَمانِينَ غُلامًا وثَمانِينَ جارِيَةً.

﴿ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَرْحَمُها اللَّهُ إنْ كانَتْ لَعاقِلَةً في إسْلامِها وشِرْكِها، قَدْ عَلِمَتْ أنَّ الهَدِيَّةَ تَقَعُ مَوْقِعَها مِنَ النّاسِ.

واخْتُلِفَ فِيما قَصَدَتْ بِهَدِيَّتِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرَهُ قَتادَةُ مِنَ المُلاطَفَةِ والِاسْتِنْزالِ.

الثّانِي: اخْتِبارُ نُبُوَّتِهِ مِن مُلْكِهِ، ومَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا بِماذا اخْتَبَرَتْهُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها اخْتَبَرَتْهُ بِالقَبُولِ والرَّدِّ، فَقالَتْ: إنْ قَبِلَ الهَدِيَّةَ فَهو مَلِكٌ فَقاتِلُوهُ عَلى مُلْكِكُمْ، وإنْ لَمْ يَقْبَلِ الهَدِيَّةَ فَهو نَبِيٌّ لا طاقَةَ لَكم بِقِتالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزُهَيْرٌ.

الثّانِي: أنَّها اخْتَبَرَتْهُ بِتَمْيِيزِ الغِلْمانِ مِنَ الجَوارِي، ومَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا بِماذا مَيَّزَهم سُلَيْمانُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنْ أمَرَهم بِالوُضُوءِ فاغْتَرَفَ الغُلامُ بِيَدِهِ وأفْرَغَتِ الجارِيَةُ عَلى يَدَيْها فَمَيَّزَهم بِهَذا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لَمّا تَوَضَّؤُوا غَسَلَ الغِلْمانُ ظُهُورَ السَّواعِدِ قَبْلَ بُطُونِها، وغَسَلَ الجَوارِي بُطُونَ السَّواعِدِ قَبْلَ ظُهُورِها، فَمَيَّزَهم بِهَذا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا تَوَضَّؤُوا بَدَأ الغُلامُ مِن مِرْفَقِهِ إلى كَفِّهِ وبَدَأتِ الجارِيَةُ مِن كَفِّها إلى مِرْفَقِها، فَمَيَّزَهم بِهَذا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ﴾ قال: جمعت رؤوس مملكتها، فشاورتهم في أمرها، فاجتمع رأيهم ورأيها على أن يغزوه.

فسارت حتى إذا كانت قريبة قالت: أرسل إليه بهدية فإن قبلها فهو ملك أقاتله، وإن ردها تابعته فهو نبي.

فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم، فأمر الشياطين فهيئوا له ألف قصر من ذهب وفضة.

فلما رأت رسلها قصور ذهب قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا، وقصوره ذهب وفضة!

فلما دخلوا بهديتها قال: أتهدونني بمال، ثم قال سليمان ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ فقال كاتب سليمان: ارفع بصرك؛ فرفع بصره.

فلما رجع إليه طرفه إذا هو بسريرها ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ فنزع عنه فصوصه ومرافقه وما كان عليه من شيء فقيل لها ﴿ أهكذا عرشك؟

قالت كأنه هو ﴾ وأمر الشياطين: فجعلوا لها صرحاً من قوارير ممرداً، وجعل فيها تماثيل السمك فقيل لها ﴿ ادخلي الصرح...

وكشفت عن ساقيها ﴾ فإذا فيها الشعر.

فعند ذلك أمر بصنعة النورة فقيل لها ﴿ إنه صرح ممرد من قوارير، قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ أفتوني في أمري ﴾ تقول: أشيروا علي برأيكم ﴿ ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون ﴾ تريد: حتى تشيروا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول، تحت يدي كل قيول مائة ألف مقاتل، وهم الذين قالوا ﴿ نحن أولو قوة وأولوا بأس شديد ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أنه كان أول مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلاً.

كل رجل منهم على عشرة آلاف من الرجال.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ﴾ قال: إذا أخذوها عنوة أخربوها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ قال: بالسيف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت بلقيس ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ قال: يقول الرب تبارك وتعالى ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ قال: أرسلت بلبنة من ذهب، فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب فذلك قوله: ﴿ أتمدوننِ بمال ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قالت إني باعثة إليهم بهدية، فمصانعتهم بها عن ملكي أن كانوا أهل دنيا.

فبعثت إليهم بلبنة من ذهب في حرير وديباج، فبلغ ذلك سليمان، فأمر بلبنة من ذهب فصنعت، ثم قذفت تحت أرجل الدواب على طريقهم تبول عليها وتروث، فلما جاء رسلها واللبنة تحت أرجل الدواب، صغر في أعينهم الذي جاؤوا به.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت البناني قال: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج.

فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجن، فموّهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به، فألقي في الطريق.

فلما جاؤوا ورأوه ملقى في الطريق وفي كل مكان قالوا: جئنا نحمل شيئاً نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه.

فصغر في أعينهم ما جاؤوا به.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ قال: جوار لباسهن لباس الغلمان، وغلمان لباسهن لباس الجواري.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أرسلت بثمانين من وصيف ووصيفة، وحلقت رؤوسهم كلهم، وقالت: إن عرف الغلمان من الجواري فهو نبي، وإن لم يعرف الغلمان من الجواري فليس بنبي.

فدعا بوضوء فقال: توضئوا.

فجعل الغلام يأخذ من مرفقيه إلى كفيه، وجعلت الجارية تأخذ من كفها إلى مرفقها فقال: هؤلاء جوار وهؤلاء غلمان.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: كانت هدية بلقيس لسليمان مائتي فرس على كل فرس غلام وجارية.

الغلمان والجواري على هيئة واحدة، لا يعرف الجواري من الغلمان، ولا الغلمان من الجواري.

على كل فرس لون ليس على الآخر وكانت أول هديتهم عند سليمان وآخرها عندها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الهدية.

وصفان، ووصائف، ولبنة من ذهب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت الهدية.

جواهر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الهدية لما جاءت سليمان بين الغلمان والجواري امتحنهم بالوضوء.

فغسل الغلمان ظهور السواعد قبل بطونها، وغسلت الجواري بطون السواعد قبل ظهورها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قالت: إن هو قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه دون ملككم، وإن لم يقبل الهدية فهو نبي لا طاقة لكم بقتاله.

فبعثت إليه بهدية غلمان في هيئة الجواري وحليهم، وجوار في هيئة الغلمان ولباسهم، وبعثت إليه بلبنات من ذهب، وبخرزة مثقوبة مختلفة، وبعثت إليه بقدح، وبعثت إليه تعلمه.

فلما جاء سليمان الهدية أمر الشياطين، فموّهوا لبن المدينة وحيطانها ذهباً وفضة، فلما رأى ذلك رسلها قالوا: أين نذهب باللبنات في أرض هؤلاء وحيطانهم ذهب وفضة؟!

فحسبوا اللبنات وأدخلوا عليه ما سوى ذلك وقالوا: أخرج لنا الغلمان من الجواري.

فأمرهم فتوضأوا، وأخرج الغلمان من الجواري.

أما الجارية فافرغت على يدها، وأما الغلام فاغترف، وقالوا: ادخل لنا في هذه الخرزة خيطاً.

فدعا بالدساس فربط فيه خيطاً فأدخله فيها، فجال فيها واضطرب حتى خرج من الجانب الآخر.

وقالوا: املأ لنا هذا القدح بماء ليس من الأرض ولا من السماء.

فأمر بالخيل فأجريت حتى إذا اربدت مسح عرقها فجعله فيه حتى ملأه.

فلما رجعت رسلها فأخبروها: أن سليمان رد الهدية.

وفدت إليه وأمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات وغلقت عليها فأخذت المفاتيح.

فلما بلغ سليمان ما صنعت بعرشها ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: قال للهدهد ﴿ ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ﴾ يعني من الانس والجن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم صالح في قوله: ﴿ لا قبل لهم بها ﴾ قال: لا طاقة لهم بها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما بلغ سليمان أنها جاءته وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه.

وكان عرشها من ذهب، وقوائمه من لؤلؤ وجوهر، وكان مستتراً بالديباج والحرير، وكان عليه سبعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم.

وقد علم نبي الله سليمان أن القوم متى ما يسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم، فأحب أن يؤتى به قبل أن يكون ذلك من أمرهم فقال: ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ قال: سرير في أريكة.

وأخرج ابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ قال: طائعين.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قال عفريت من الجن ﴾ قال: مارد ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مقعدك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ قال عفريت ﴾ قال: عظيم كأنه جبل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: كان اسم العفريت.

كوزن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: اسمه كوزي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال عفريت من الجن ﴾ قال: هو صخر الجني ﴿ وإني عليه لقوي ﴾ قال: على حمله ﴿ أمين ﴾ قال: على ما استودع فيه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مجلسك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مجلسك الذي تجلس فيه للقضاء.

وكان سليمان إذا جلس للقضاء لم يقم حتى تزول الشمس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني عليه لقوي أمين ﴾ قال: على جوهره.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: إني أريد أعجل من هذا ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: فخرج العرش من نفق من الأرض.

وأخرج عبد بن حميد عن حماد بن سلمة قال: قرأت في مصحف أبي بن كعب ﴿ وإني عليه لقوي أمين ﴾ قال: أريد أعجل من ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: آصف: كاتب سليمان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: هو آصف بن برخيا.

وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان اسمه أسطوم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال: هو الخضر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: هو رجل من الإِنس يقال له: ذو النور.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: هو آصف بن برخيا بن مشعيا بن منكيل، واسم أمه باطورا من بني إسرائيل.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: كان اسمه تمليخا.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وهو ياذا الجلال والإِكرام.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: ادامة النظر حتى يرتد إليك الطرف خاسئاً.

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: في قراءة ابن مسعود «قال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» قال: فتكلم ذلك العالم بكلام، دخل العرش في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: قال لسليمان: انظر إلى السماء قال: فما اطرق حتى جاءه به فوضعه بين يديه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري قال: دعاء الذي عنده من الكتاب.

يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت: ائتني بعرشها.

قال: فمثل له بين يديه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال: لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء، ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سابط قال: دعا باسمه الأعظم، فدخل السرير فصار له نفق في الأرض حتى نبع بين يدي سليمان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: دعا باسم من أسماء الله.

فإذا عرشها يحمل بين عينيه.

ولا يدري ذلك الاسم.

قد خفي ذلك الإِسم على سليمان وقد أعظم ما أعطى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: كان رجلاً من بني إسرائيل يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي.

وارتداد الطرف أن يرى ببصره حيث بلغ ثم يرد طرفه.

فدعاه فلما رآه مستقراً عنده جزع وقال: رجل غيري أقدر على ما عند الله مني.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ﴾ إذا أتيت بالعرش ﴿ أم أكفر ﴾ إذا رأيت من هو أدنى مني في الدنيا أعلم مني.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ قال: زيد فيه ونقص ل ﴿ ننظر أتهتدي ﴾ قال: لننظر إلى عقلها.

فوجدت ثابتة العقل.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ قال: تنكيره أن يجعل أسفله أعلاه، ومقدمه مؤخره، ويزاد فيه أو ينقص منه، فلما جاءت ﴿ قيل أهكذا عرشك ﴾ قالت ﴿ كأنه هو ﴾ شبهته به وكانت قد تركته خلفها فوجدته أمامها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما دخلت وقد غير عرشها.

فجعل كل شيء من حليته أو فرشه في غير موضعه ليلبسوا عليها قيل ﴿ أهكذا عرشك ﴾ فرهبت أن تقول نعم هو.

فيقولون: ما هكذا كان حليته ولا كسوته، ورهبت أن تقول ليس هو، فيقال لها: بل هو ولكنا غيرناه.

فقالت كأنه هو.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ وأوتينا العلم من قبلها ﴾ قال: سليمان يقوله: أوتينا معرفة الله وتوحيده.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأوتينا العلم من قبلها ﴾ قال: سليمان يقوله.

وفي قوله: ﴿ وصدها ما كانت تعبد من دون الله ﴾ قال: كفرها بقضاء الله غير الوثن أن تهتدي للحق.

في قوله: ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير، وكانت بلقيس عليها شعر، قدماها حافر كحافر الحمار، وكانت أمها جنية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الصرح من زجاج وجعل فيه تماثيل السمك.

فلما رأته وقيل لها: أدخلي الصرح.

فكشفت عن ساقيها وظنت أنه ماء قال: ﴿ والممرد ﴾ : الطويل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان قد نعت لها خلقها، فأحب أن ينظر إلى ساقيها، فقيل لها ﴿ ادخلي الصرح ﴾ فلما رأته ظنت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها، فنظر إلى ساقيها أنه عليهما شعر كثير، فوقعت من عينيه وكرهها، فقالت له الشياطين: نحن نصنع لك شيئاً يذهب به.

فصنعوا له نورة من أصداف، فطلوها فذهب الشعر، ونكحها سليمان عليه السلام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله قالت ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ قال: ظنت أنه ماء.

وأن سليمان أراد قتلها فقالت: أراد قتلي- والله- على ذلك، لأقتحمن فيه.

فلما رأته أنه قوارير عرفت أنها ظلمت سليمان بما ظنت.

فذلك قولها ﴿ ظلمت نفسي ﴾ وإنما كانت هذه المكيدة من سليمان عليه السلام لها.

إن الجن تراجعوا فيما بينهم فقالوا: قد كنتم تصيبون من سليمان غرة، فإن نكح هذه المرأة اجتمعت فطنة الوحي والجن فلن تصيبوا له غرة.

فقدموا إليه فقالوا: إن النصيحة لك علينا حق، إنما قدماها حافر حمار.

فذلك حين ألبس البركة قوارير، وأرسل إلى نساء من نساء بني إسرائيل ينظرنها إذا كشفت عن ساقيها.

ما قدماها؟

فإذا هي أحسن الناس ساقاً من ساق شعراء، وإذا قدماها هما قدم إنسان، فبشرن سليمان.

وكره الشعر، فأمر الجن، فجعلت النورة.

فذلك أول ما كانت النورة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان سليمان بن داود عليه السلام إذا أراد سفراً قعد على سريره، ووضعت الكراسي يميناً وشمالاً، فيؤذن للإِنس عليه، ثم أذن للجن عليه بعد الانس، ثم أذن للشياطين بعد الجن، ثم أرسل إلى الطير فتظلهم، وأمر الريح فحملتهم وهو على سريره، والناس على الكراسي، والطير تظلهم، والريح تسير بهم.

غدوها شهر، ورواحها شهر، رخاء حيث أراد.

ليس بالعاصف، ولا باللين، وسطا بين ذلك.

وكان سليمان يختار من كل طير طيراً، فيجعله رأس تلك الطير.

فإذا أراد أن يسائل تلك الطير عن شيء سأل رأسها.

فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة فقال: كم بعد الماء ههنا؟

فسأل الإِنس فقالوا: لا ندري!

فسأل الشياطين فقالوا: لا ندري!

فغضب سليمان وقال: لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء ههنا؟

فقالت له الشياطين: يا رسول الله لا تغضب، فإن يك شيء يعلم فالهدهد يعلمه.

فقال سليمان: عليَّ بالهدهد.

فلم يوجد، فغضب سليمان وقال: ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ يقول: بعذر مبين غيبه عن مسيري هذا.

قال: ومر الهدهد على قصر بلقيس فرأى لها بستاناً خلف قصرها، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فإذا هو بهدهد في البستان فقال له: هدهد سليمان أين أنت عن سليمان وما تصنع ههنا؟

فقال له هدهد بلقيس: ومن سليمان؟!

فقال: بعث الله رجلاً يقال له: سليمان رسولاً وسخر له الجن والانس والريح والطير.

فقال له هدهد بلقيس: أي شيء تقول؟

قال: أقول لك ما تسمع.

قال: إن هذا لعجب!

وأعجب من ذلك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة ﴿ وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ﴾ جعلوا الشكر لله: أن يسجدوا للشمس من دون الله.

قال: وذكر لهدهد سليمان، فنهض عنه فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير فقالوا: تواعدك رسول الله، وأخبروه بما قال.

وكان عذاب سليمان للطير أن ينتفه، ثم يشمسه، فلا يطير أبداً ويصير مع هوام الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبداً.

قال الهدهد: وما استثنى نبي الله؟

قالوا: بلى.

قال: أو ليأتيني بعذر مبين.

فلما أتى سليمان قال: وما غيبتك عن مسيري؟

قال: ﴿ أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ﴾ قال: بل اعتللت ﴿ سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ وكتب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى بلقيس ﴿ ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين ﴾ فلما ألقى الهدهد الكتاب إليها، ألقى في روعها أنه كتاب كريم، وإنه من سليمان و ﴿ ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين...، قالوا نحن أولوا قوة ﴾ قالت ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها...، وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال ارجع إليهم.

فلما رجع إليها رسلها خرجت فزعة، فأقبل معها ألف قيل مع كل قيل مائة ألف.

قال: وكان سليمان رجلاً مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه.

فخرج يومئذ فجلس على سريره فرأى رهجاً قريباً منه قال: ما هذا؟

قالوا: بلقيس يا رسول الله قال: وقد نزلت منا بهذا المكان؟

قال ابن عباس: وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بين الكوفة والحيرة قال: فأقبل على جنوده فقال: أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟

قال: وبين سليمان وبين عرشها حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين ﴿ قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ .

قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما تجلس الأمراء، ثم يقوم قال سليمان: أريد اعجل من ذلك.

قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا انظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.

فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه، رد سليمان بصره، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان.

من تحت كرسي كان يضع عليه رجله، ثم يصعد إلى السرير، فلما رأى سليمان عرشها مستقراً عنده ﴿ قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ﴾ إذ أتاني به قبل أن يرتد إليَّ طرفي ﴿ أم أكفر ﴾ إذ جعل من هو تحت يدي أقدر على المجيء مني، ثم ﴿ قال نكروا لها عرشها...، فلما جاءت ﴾ تقدمت إلى سليمان ﴿ قيل لها أهكذا عرشك فقالت كأنه هو ﴾ ثم قالت: يا سليمان إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرني به قال: سلي.

قالت: أخبرني عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء.

قال: وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه يسأل الإِنس عنه، فإن كان عند الإِنس منه علم...

وإلا سأل الجن، فإن لم يكن عند الجن علم سأل الشياطين، فقالت له الشياطين: ما أهون هذا يا رسول الله!

مر بالخيل فتجري ثم لتملأ الآنية من عرقها فقال لها سليمان: عرق الخيل قالت: صدقت قالت: فأخبرني عن لون الرب قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره فخر ساجداً فقامت عنه، وتفرقت عنه جنوده، وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك ما شأنك؟

قال: يا رب أنت أعلم بما قالت قال: فإن الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتقعد عليه، وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودها، وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروك فيدخلوا عليك، فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه قال: ففعل سليمان ذلك.

فلما دخلوا عليه جميعاً قال لها: عم سألتيني؟

قالت: سألتك عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء قال: قلت لك عرق الخيل قالت: صدقت.

قال: وعن أي شيء سألتيني؟

قالت: ما سألتك عن شيء إلا عن هذا قال لها سليمان: فلأي شيء خررت عن سريري؟!

قالت: كان ذلك لشيء لا أدري ما هو.

فسأل جنودها فقالوا: مثل قولها.

فسأل جنوده من الإِنس، والجن، والطير، وكل شيء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألتك يا رسول الله عن شيء إلا عن ماء رواء قال: وقد كان.

قال له الرسول: يقول الله لك: ارجع ثمة إلى مكانك فإني قد كفيتكم فقال سليمان للشياطين: ابنو لي صرحاً تدخل علي فيه بلقيس، فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض فقالوا لسليمان: يا رسول الله قد سخر الله لك ما سخر، وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاماً فلا ننفك له من العبودية أبداً قال: وكانت امرأة شَعْرَاء الساقين فقالت الشياطين: ابنو له بنياناً كأنه الماء يرى ذلك منها فلا يتزوجها، فبنوا له صرحاً من قوارير، فجعلوا له طوابيق من قوارير، وجعلوا من باطن الطوابيق كل شيء يكون من الدواب في البحر.

من السمك وغيره ثمَّ اطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصرح.

فألقي كرسياً في أقصى الصرح.

فلما دخله أتى الكرسي فصعد عليه ثم قال: أدخلوا عليَّ بلقيس فقيل لها ادخلي الصرح فلما ذهبت تدخله فرأت صورة السمك، وما يكون في الماء من الدواب ﴿ حسبته لجة فكشفت عن ساقيها ﴾ لتدخل.

وكان شعر ساقها ملتوياً على ساقيها.

فلما رآه سليمان ناداها وصرف وجهه عنها ﴿ إنه صرح ممرد من قوارير ﴾ فألقت ثوبها وقالت ﴿ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ .

فدعا سليمان الإِنس فقال: ما أقبح هذا!

ما يذهب هذا!

قالوا: يا رسول الله الموسى.

فقال: الموسى تقطع ساقي المرأة، ثم دعا الشياطين فقال مثل ذلك، فتلكؤوا عليه ثم جعلوا له النورة قال ابن عباس: فإنه لأول يوم رؤيت فيه النورة قال: واستنكحها سليمان عليه السلام.

قال ابن أبي حاتم: قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث!

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد قال: كان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يسير وضع كرسيه، فيأتي من أراد من الانس والجن، ثم يأمر الريح فتحملهم، ثم يأمر الطير فتظلهم.

فبينا هو يسير إذ عطشوا فقال: ما ترون بعد الماء؟

قالوا: لا ندري.

فتفقد الهدهد وكان له منه منزلة ليس بها طير غيره فقال: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ وكان عذابه إذا عذب الطير نتفه، ثم يجففه في الشمس ﴿ أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ يعني بعذر بين.

فلما جاء الهدهد استقبلته الطير فقالت له: قد أوعدك سليمان فقال لهم: هل استثنى؟

فقالوا له: نعم.

قد قال: إلا أن يجيء بعذر بين.

فجاء بخبر صاحبة سبأ، فكتب معه إليها ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين ﴾ فأقبلت بلقيس، فلما كانت على قدر فرسخ قال سليمان ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ فقال سليمان: أريد أعجل من ذلك.

فقال الذي عنده علم من الكتاب ﴿ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ فأتى بالعرش في نفق في الأرض، يعني سرب في الأرض قال سليمان: غيروه.

فلما جاءت ﴿ قيل لها أهكذا عرشك ﴾ فاستنكرت السرعة ورأت العرش ﴿ فقالت كأنه هو..، قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته ﴾ لجة ماء ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ فإذا هي امرأة شعراء فقال سليمان: ما يذهب هذا؟

فقال بعض الجن: أنا أذهبه.

وصنعت له النورة.

وكان أول ما صنعت النورة، وكان اسمها بلقيس.

وأخرج ابن عساكر عن عكرمة قال: لما تزوج سليمان بلقيس قال: ما مستني حديدة قط فقال للشياطين: أنظروا أي شيء يذهب بالشعر غير الحديد؟

فوضعوا له النورة، فكان أول من وضعها شياطين سليمان.

وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من صنعت له الحمامات سليمان» .

وأخرج الطبراني وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من دخل الحمام سليمان، فلما وجد حره أوَّهَ من عذاب الله» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: لما قدمت ملكة سبأ على سليمان رأت حطباً جزلاً فقالت لغلام سليمان: هل يعرف مولاك كم وزن هذا الدخان؟

فقال: أنا أعلم فكيف مولاي؟

قالت: فكم وزنه؟

فقال الغلام: يوزن الحطب ثم يحرق، ثم يوزن الرماد فما نقص فهو دخانه.

وأخرج البيهقي في الزهد عن الأوزاعي قال: كسر برج من أبراج تدمر، فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طي الطوامير، عليها عمامة طولها ثمانون ذراعاً، مكتوب على طرف العمامة بالذهب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أنا بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود، ملكت الدنيا كافرة ومؤمنة، ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي، صار مصيري إلى الموت فأقصروا يا طلاب الدنيا.

وأخرج ابن عساكر عن سلمة بن عبد الله بن ربعي قال: لما أسلمت بلقيس تزوجها سليمان وأمهرها باعلبك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴾ قال مقاتل: أصانعهم على ملكي إن كانوا أهل دنيا (١) وقال السدي: تختبر بذلك سليمان وتعرفه أملِك هو أم نبي (٢) قال ابن عباس: أرسلت إليهم بمائة وصيف ومائة وصيفة.

وهو قول مقاتل (٣) وقال مجاهد: مائتي غلام، ومائتي جارية (٤) (٥) وقال ثابت البناني: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج (٦) ﴿ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴾ من عنده بقبولٍ أم بِرَدٍ (٧) ﴿ فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ \[النساء97\] و ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ  ﴾ وإن أتممتها فصواب (٨) (٩) إنا قتلنا بقتلانا سَراتَكم ...

أهلَ اللواء ففيما يكثرُ القِيلُ (١٠) قال: وأنشدنىِ أيضًا: على ما قام يشتمني لئيمٌ ...

كخنزيرٍ تمرَّغَ في رمادِ (١١) وقال الزجاج: حروف الجر مع (ما) في الاستفهام تحذف معها الألف من (ما)؛ لأنهما كالشيء الواحد، وليُفصل بين الخبر والاستفهام، تقول: قد رغبت فيما عندك، فتثبت الألف، وتقول: فيم نظرت يا هذا؟

فتحذف الألف (١٢) قال المفسرون: دعت بلقيس رجلاً من أشراف قومها يقال له: المنذر بن عمرو، وضمت إليه رجالًا أصحاب رأي وعقل، وبعثتهم وفدًا إلى سليمان مع الهدية، وهم المرسلون في قوله: ﴿ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴾ (١٣) (١) "تفسير مقاتل" 59 أ.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2877، عن قتادة.

وأخرج عنه في 2879: رحمها الله إن كانت لعاقلة في إسلامها، وشركها، قد علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس.

(٢) "تفسير هود الهواري" 3/ 253، بمعناه، ولم ينسبه.

وأخرجه ابن جرير 19/ 156، عن ابن زيد.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2879، عن ابن عباس.

(٣) أخرجه ابن جرير 19/ 155.

و"تفسير مقاتل" 59 أ.

(٤) ذكره في "الوسيط" 3/ 377، بنصه.

وأخرجه ابن جرير 19/ 155، وليس فيه ذكر العدد، وكذا في "تفسير مجاهد" 2/ 471.

(٥) أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2877، عن سعيد بن جبير: أرسلت إليهم ثمانين من وصيف ووصيفة.

(٦) أخرجه عبد الرزاق 2/ 81.

وابن جرير 19/ 155.

ورواه ابن أبي حاتم 9/ 2877، 2879، عنه، وعن قتادة.

وهناك زيادات على ما ذكر الواحدي في ماهية هذه الهدية، وقد ذكر ذلك بطوله الثعلبي 8/ 128، وكله مما لا دليل عليه، وقد أحسن الواحدي رحمه الله في ترك ذكرها، والأولى الوقوف عند ظاهر الآية، فهي هدية مالية كبيرة، لقوله تعالى: ﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ﴾ وأما تعيينها فلا دليل عليه.

والله أعلم.

(٧) "تفسير ابن جرير" 19/ 156.

(٨) قال النحاس: وأجاز الفراء إثباتها في الاستفهام، وهذا من الشذوذ التي جاء القرآن بخلافها.

"إعراب القرآن" 3/ 211.

(٩) هو أبو طالب المفضل بن سلمة.

(١٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 292، ولم ينسبه.

بلفظ: القيل، وفي نسخة (أ)، (ب): الفتك، وأورده البغدادي في "الخزانة" 6/ 106، وقال: البيت من قصيدة لكعب ابن مالك، شاعر رسول الله -  -، أجاب بها ابن الزبعرى، وعمرو بن العاص، عن كلمتين افتخرا بها يوم أحد.

وسراة القوم: خيارهم.

وهو في "ديوان كعب" ص 83.

(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 292.

ولم ينسب البيت، وكذا ابن جرير 19/ 156، والشاهد فيه: دخول الألف على: ما.

والبيت في "ديوان حسان" 79، من قصيدة يهجو فيه بني عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 120.

(١٣) "تفسير مقاتل" 59 أ.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 129 أ.

واختار ابن قتببة أن يكون المراد به واحدًا، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ﴾ .

"تأويل مشكل القرآن" 284.

ولا تعارض بين اللفظين؛ فيحمل الجمع على مخاطبة رئيس الوفد، ومن معه، ويحمل الإفراد على مخاطبة رئيس الوفد وحده.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ قالت لقومها إني أجرب هذا الرجل بهدية من نفائس الأموال، قإن كان ملكاً دنيوياً: أرضاه المال، ون كان نبياً لم يرضه المال، وإنما يرضيه دخولنا في دينه، فبعثت إليه هدية عظيمة وصفها الناس، واختصرنا وصفها لعدم صحته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وادي النمل ﴾ ممالة: عباس وقتيبة.

وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف.

﴿ لا يحطمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: عباس ورويس.

﴿ أوزعني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وكذلك في "الأحقاف" ﴿ ما لي لا ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وعلي وعاصم ﴿ ليأتيني ﴾ بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير.

﴿ فمكث ﴾ بفتح الكاف: عاصم وسهل ويعقوب غير رويس.

الآخرون بضمها ﴿ من سبأ ﴾ بفتح الهمزة لامتناع الصرف: البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة.

وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز.

الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ.

﴿ ألا يسجدوا ﴾ مخففاً: يزيد وعلي ورويس.

الآخرون بالتشديد.

وقال ابن مجاهد: إذا وقفوا على ﴿ إلا ﴾ وقفوا على "ألا ياء" والابتداء ﴿ اسجدوا ﴾ ﴿ تخفون ﴾ و ﴿ تعلنون ﴾ بتاء الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة ﴿ فألقه ﴾ بسكون الهاء: حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع ﴿ إني القي ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو جعفر ونافع ﴿ أتمدونني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل وافق به ابو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل ﴿ اتمدوني ﴾ بتشديد النون وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب.

الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء ﴿ أتاني الله ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص.

فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلاً ويعقوب فإنهما يقفان بالياء.

وقرأ علي ﴿ آتاني الله ﴾ بالإمالة ﴿ أنا آتيك ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه ﴿ فلما رايه ﴾ بكسر الراء: نصير ﴿ ليبلوني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

﴿ ساقيها ﴾ وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها.

قال في الكشاف: من همز فوجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد.

الوقوف: ﴿ علماً ﴾ ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكراً ووفاء ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ النمل ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ مساكنكم ﴾ ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل ﴿ وجنوده ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الهدهد ﴾ ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن "أم" متصل بمعنى الاستفهام في ﴿ مالي ﴾ أي أنا لا اراه أو هو غائب ﴿ الغائبين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يقيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه لا ومن خفف ﴿ ألا ﴾ وقف مطلقاً ﴿ تلعنون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه سجدة ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تأمرين ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج لأن قوله ﴿ وكذلك ﴾ يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ بمال ﴾ ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل ﴿ آتاكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين على أن "بل" ترجح جانب الوقف ﴿ تفرحون ﴾ ه ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ مقامك ﴾ ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ طرفك ﴾ ط للعدول ﴿ أم أكفر ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه ﴿ عرشك ﴾ ط ﴿ هو ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ الصرح ﴾ ج ﴿ ساقيها ﴾ ط ﴿ قوارير ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان.

والتنوين في ﴿ علماً ﴾ إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علماً غزيراً.

قال علماء المعاني: الواو في ﴿ وقالا ﴾ للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك: أعطيته فشكر.

فالتقدير: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه ﴿ وقالا الحمد لله ﴾ وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علماً فعملاَ به قلباً وقالباً ﴿ وقالا ﴾ باللسان ﴿ الحمد لله ﴾ قلت: لقائل أن يقول: الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك "أعطيته وشكر".

وقوله ﴿ على كثير من عباده ﴾ يجوز أن يكون واردا" على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما.

ويجوز أن يكون وارداً على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر، وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان.

وفي الآية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله  قلباً وقالباً وما التوفيق إلا منه.

قوله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضاً عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنماً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً.

ومات المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته.

والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معاً دليله قوله تشهيراً لنعمة الله ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة ﴿ يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير ﴾ والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيداً وغير مفيد، ومنه قولهم "نطقت الحمامة".

قال المفسرون: إنه  جعل الطير في ايامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله  الدقائق التي خصت بالحاجة إليها.

يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب.

وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.

وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان.

وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون.

والخطاف يقول: قدموا خيراً تجدوه.

والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وارضه.

والقمريّ يقول: سبحان ربي الأعلى.

والقطاة تقول: من سكت سلم.

والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه.

والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون.

والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.

والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.

ومعنى ﴿ من كل شيء ﴾ بعض كل شيء.

وقال في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول "فلان يقصده كل أحد" تريد كثرة قاصديه.

وإنما قال ﴿ علمنا ﴾ ﴿ وأوتينا ﴾ لأنه أراد نفسه واباه، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما قال رسول الله  "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أي أقول هذا شكراً لا فخراً.

يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ.

خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسيّ الذهب والعلماء على كراسيّ الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإن كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود.

ومعنى ﴿ يوزعون ﴾ يحبسون.

قيل: كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيلة منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم.

ومعنى ﴿ أتوا على واد النمل ﴾ قطعوه وبلغوا آخره من قولهم "أتى على الشيء" إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي.

ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحلهم في الهواء فلذلك عدي بـ "على" عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟

فسألوه فأفحم فقال ابو حنيفة: كانت أنثى لقوله  ﴿ قالت نملة ﴾ لو كان ذكراً لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد التمييز بالعلامة.

وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم أولي العقل فحكى أنها ﴿ قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ﴾ أما جواب للأمر وإما نهي بدلاً من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة "لا أرينك ههنا".

وفي قوله ﴿ سليمان وجنوده ﴾ دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول: أعجبني زيد وكرمه.

وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز.

وفي قوله ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو.

وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله  إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن.

وفيه تنيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.

قيل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال ﴿ فتبسم ضاحكاً ﴾ أي شارعاً في الضحك آخذاً فيه ولكن لم يبلغ حدّ القهقهة وكمال الضحك.

وما روي أنه  ضحك حتى بدت نواجذه فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي.

وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلاً: ﴿ رب أوزعني ﴾ قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكراً لك.

وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس.

ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: ﴿ وأن أعمل صالحاً ترضاه ﴾ ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود.

يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة.

القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد، يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياماً يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة.

ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض.

وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنويه فلذلك تفقده.

وقيل: إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خالٍ فدعا عفريت الطير -وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه.

ثم قال لسيد الطير -وهو العقاب- عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته.

وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟

قالت: بلى قال: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ أي بعذر واضح.

فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ سليمان براسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته.

وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن اصغر رعيتهم.

وأرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ مالي لا أرى ﴾ استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساتراً ستره ثم لاح له أنه غائب فقال ﴿ أم كان من الغائبين ﴾ وقد مر في الوقوف قوله ﴿ لأعذبنه ﴾ لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله.

فقيل: أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير.

وقيل: كان يطلي بالقطران ويشمس.

وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله.

وقيل: إيداعه القفص.

وقيل: التفريق بينه وبين إلفه.

وقييل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون مجالسة الأضداد.

وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.

ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي.

وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة.

ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه.

ثم أخبر الله  أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله ﴿ فمكث غير بعيد ﴾ أي غير زمان بعيد ﴿ فقال ﴾ مخاطباً لسليمان ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.

وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالاً منه.

والإحاطة بالشيء علماً هو أن يعلمه من جميع جهاته.

وقوله ﴿ من سبأ بنبأ ﴾ من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول "من سبأ بخبر" حسن على حسن.

وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مارب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم.

ثم شرع في النبأ وهو قوله ﴿ إني وجدت امرأة ﴾ واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابراً عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوساً عبدة الشمس.

والضمير في ﴿ تملكهم ﴾ يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة.

﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ اي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب.

﴿ ولها عرش عظيم ﴾ كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان.

ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض.

يحكى من عظم شأنه إنما كان مكعباً ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللاً بأنواع الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، قال بعض المعتزلة: في قوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان.

وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصاً في زمن سليمان  .

قوله ﴿ ألا يسجدوا ﴾ من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقاً بالصد فالتقدير صدهم لأن ﴿ لا يسجدوا ﴾ وإن كان متعلقاً بـ ﴿ لا يهتدون ﴾ فـ ﴿ لا ﴾ مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا.

ومن قرأ بالتخفيف فقوله ﴿ ألا ﴾ حرف تنبيه و ﴿ يا ﴾ حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله: ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى *** ولا زال منهلاً بجرعائك القطر قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد.

والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء.

والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرف بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي.

وفي تخصيص وصف الله  في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله  في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة.

ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية ﴿ قال ﴾ سليمان ﴿ سننظر ﴾ أي نتأمل في صفحات حالك ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال له "كذبت" لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً في كل ما أخبر به.

ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال ﴿ أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ لم يقل إليها لأنه كان قد قال ﴿ وجدتها وقومها ﴾ فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماماً فيه بأمر الدين.

ولمثل هذا قال في الكتاب ﴿ ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ﴾ ومعنى ﴿ ثم تول عنهم ﴾ تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون ﴿ يرجعون ﴾ من رجع القول كقوله ﴿ يرجع بعضهم إلى بعض القول  ﴾ يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة.

وقيل: نقرها فانتبهت فزعة.

وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها.

وقيل: كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها.

وههنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلاً سأل فماذا قالت بلقيس؟

فقيل ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم.

يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال  "كرم الكتاب ختمه" .

وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به.

ثم إن سائلاً كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟

فقالت ﴿ إنه من سليمان وإنه ﴾ كيت وكيت.

سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟

والجواب أنها لم وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ﴿ إنه من سليمان ﴾ فقرأت عنوانه أوّلاً ثم أخبرت بما في الكتاب.

أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله  .

و"أن" في ﴿ أن لا تعلوا ﴾ مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك.

يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى.

أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.

وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملاً وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد.

قوله ﴿ قالت يا ايها الملأ ﴾ استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة.

ومعنى ﴿ أفتوني ﴾ أشيروا عليّ بما يحدث لكم من الرأي.

والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم اصحاب القوى الجسداينة والخارجية، ولهم النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب.

ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشروة وإنما الرأي إليكن وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أهم مائلون إلى المحاربة، ارادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها ﴾ وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة.

ومفعول ﴿ مرسلة ﴾ محذوف اي مرسلة رسلاً مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي.

وإنما رأت الإهداء أوّلاً لأن الهدية سبب استمالة القلوب.

قال  "تهادوا تحابوا" قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل -وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً.

ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشاً لطيفاً فهو نبي.

فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ والأنس كذلك، ولاوحش والطير كذلك.

فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟

وقال: أين الحق؟

وأخبرهم بما فيه.

ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وذلك قوله على سبيل الإنكار ﴿ أتمدونني بمال ﴾ ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار ﴿ فما آتاني الله ﴾ من الكمالات والقربات والدرجات ﴿ خير مما آتاكم ﴾ ثم أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه.

والمعنى ﴿ بل أنتم بهديتكم ﴾ هذه التي أهديتموها ﴿ تفرحون ﴾ فرح افتخار على الملوك.

ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال.

بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر ﴿ ارجع إليهم ﴾ ومعنى ﴿ لا قبل ﴾ لا طاقة ولا مقابلة.

والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر الف قيل.

مع كل قيل ألوف.

وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فاراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ وعن قتادة: اراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا اسلمت لم يحل له أخذ مالها.

وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء.

وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه, والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر اقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ووزنه "فعليت".

قالوا: كان اسمه ذكوان.

و ﴿ آتيك به ﴾ في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً وأن يكون اسم فاعل.

ومعنى.

﴿ أن تقوم من مقامك ﴾ إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به.

وعلى هذا فقيل: المراد مجلس الحكم.

وقيل: مقدار فراغه من الخطبة.

وقيل: إلى انتصاف النهار.

﴿ وإني عليه ﴾ أي على حمله ﴿ لقوي أمين ﴾ آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء.

واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر  .

وقيل: جبرائيل.

وقيل: ملك أيد الله به سليمان.

وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه.

وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا اريك ما هو أسرع مما تقول.

وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوماً للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضاً كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه.

ومنها قول سليمان.

﴿ هذا من فضل ربي ﴾ ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه على الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزاً عن الإتيان بذلك الشيء.

واختلفوا ايضاً في الكتاب فقيل: هو اللوح.

وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع.

وقيل: كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء.

وما ذلك العلم؟

قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن.

والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه.

ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفياً بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم.

والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإِذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد اراتدّ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك.

يروى أن آصف قال له: مدّ عينك حتى ينتهي طرفك فمدّ عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتدّ طرفه.

ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده.

وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا في لحظةأو لمحة.

وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.

وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار.

قوله "أقشعت نافرة" أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها.

﴿ ومن كفر فان ربي غني ﴾ عن عبادة كل عابد فضلاً عن شكر شاكر ﴿ كريم ﴾ لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله.

زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له: إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله ﴿ نكروا لها عرشها ﴾ أي اجعلوه متنكراً متغيراً عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه.

قالوا: وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه اسفله.

وقوله ﴿ ننظر ﴾ بالجزم جواب للأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف.

﴿ أتهتدي ﴾ لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق.

وقوله ﴿ أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ أبلغ من أن لو قال "أم لا تهتدي" كما مر في قوله ﴿ أم كنت من الكاذبين ﴾ ﴿ فلما جاءت قيل أهكذا ﴾ أي مثل ذا ﴿ عرشك ﴾ لئلا يكون شبه تلقين فقالت ﴿ كأنه هو ﴾ ولم تقل: هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلاً على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف.

أما قوله ﴿ وأوتينا العلم ﴾ فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد اصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق.

﴿ وأوتينا ﴾ نحن ﴿ العلم ﴾ بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام ﴿ وصدّها ﴾ عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة.

والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام.

وقيل: هو موصول بكلام بلقيس.

والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر.

ثم قال  ﴿ وصدها ﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ﴿ ما كانت تعبد من دون الله ﴾ وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء والقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس.

ثم ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ أي القصر أو صحن الدار ﴿ فلما رأته حسبته لجة ﴾ أي ماء غامراً ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء، فصرف سليمان بصره وناداها ﴿ إنه صرح ممرد ﴾ أي مملس ﴿ من قوارير ﴾ هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرّة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له.

قالوا: كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها.

وقال آخرون: المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع.

عن ابن عباس: لما اسلمت قال لها: اختاري من أزوّجكه؟

فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان.

فقال: النكاح من الإسلام.

فقالت: إن كان كذلك فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ولم يزل بها ملكاً ﴿ قالت رب إني ظلمت نفسي ﴾ أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في الماء.

وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولها ﴿ مع سليمان ﴾ أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون معه في الدارين جميعاً والله أعلم.

التأويل: ﴿ ولقد آتينا داود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ علماً ﴾ لدنيا ﴿ على كثير من عباده ﴾ وهم الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية.

﴿ وورث سليمان داود ﴾ لأن كل إلهام وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان اقضى من داود.

قوله ﴿ منطق الطير ﴾ يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال الطائرين في سماء سناء الفناء.

وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية.

قوله ﴿ من الجن والإِنس والطير ﴾ أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية ﴿ فهم يوزعون ﴾ على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها ﴿ قالت نملة ﴾ هي النفس اللوامة ﴿ يا أيها النمل ﴾ هي الصفات النفسانية ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنهم على الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لا حس عندها من نورها ولا من الظلمة التي تزيلها ﴿ نعمتك التي أنعمت عليّ ﴾ بتسخير جنودي لي وعلى والديّ وهما الروح والجسد.

أنعم على الروح بإفاضة الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان الشريعة.

وفي قوله ﴿ بنبأ يقين ﴾ إشارة إلى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك.

وفي قول سليمان ﴿ سننظر أصدقت ﴾ إشارة إلى أن خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعوّل عليه إلا بأمارات أخر.

﴿ كتاب كريم ﴾ كأنها عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية ﴿ إذا دخلوا قرية ﴾ الشخص الإنساني ﴿ أفسدوها ﴾ بإفساد الطبيعة الحيوانية ﴿ وجعلوا أعزة أهلها ﴾ وهم النفس الأمارة وصفاتها ﴿ أذلة ﴾ بسطوات التجلي ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ مع الأنبياء والأولياء.

وفي قوله ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ إشارة إلى أن سليمان كان واقفاً على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة إعجاز الأنبياء ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوّز النظر إلى ساقيها.

﴿ وأسلمت نفسي ﴾ للنكاح ﴿ مع سليمان لله ﴾ وفي الله.

تأويل آخر: ﴿ وتفقد الطير ﴾ هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجوّ عالم الإنس.

والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار.

﴿ عذاباً شديداً ﴾ بالرياضة والمجاهدة.

﴿ أو لأذبحنه ﴾ بسكين مخالفات الإرادة.

سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال العبودية.

آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه.

والعفريت الرياضة الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

حيث قالت: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾ فكأنهم قالوا: ممن ذلك الكتاب؟

فقالت عند ذلك ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ ﴾ .

وقوله: ﴿ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾ : قال بعضهم: أي: حسن؛ لما رأت فيه من الكلام الحسن والقول اللطيف.

وقال بعضهم: ﴿ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾ أي: مختوم، وقد ذكر في الخبر عن رسول الله  قال: "من كرم الكتاب ختمه" أو كلام نحو هذا أو شبهه.

وجائز أن يكون فيه إضمار، أي: إني ألقي إليَّ كتاب من إنسان كريم، وسليمان كان معروفاً بالكرم، يشبه أن يكون قد أتاها خبر كرمه.

و ﴿ ٱلْمَلأُ ﴾ قالوا: هم الأشراف وأهل السؤدد.

وقال الزجاج: سموا لما اجتمع عندهم من حاجات الناس، وحسن الرأي والتدبير في كل شيء من الأمور، أو كلام نحو هذا.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ : هو ما ذكرنا كأنهم سألوها ممن ذلك الكتاب؟

فقالت: ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ ﴾ ، وسألوها - أيضاً -: ما في ذلك الكتاب؟

فقالت: ﴿ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ ﴾ أي: لا تتكبروا ولا تتعظموا عليّ.

﴿ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ : مخلصين لله بالتوحيد، أي: اجعلوا أنفسكم سالمة لله خالصة له، لا تجعلوا لأحد سواه فيها شركا ولا حقّاً؛ لأنه أخبر أنهم كانوا يسجدون للشمس من دون الله فيخبر في الكتاب، حيث افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم: أن الذي يستحق السجود والعبادة هو الله الرحمن الرحيم لا ما تعبدون أنتم.

ثم إن من عادة الأنبياء والرسل الإيجاز في الكلام والرسائل، لا يشتغلون بفضول الكلام وتطويله، على ما ذكر من كتاب سليمان إلى بلقيس: ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ ذكر هذا القدر كان الكتاب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ﴾ : استشارت أشراف قومها وطلبت منهم الرأي في ذلك، وهكذا عمل الملوك وعادتهم أنهم إذا أرادوا أمرا أو استقبلهم أمر يستشيرون أولي الرأي من قومهم وأهل الحجى والتدبير منهم، ثم يعملون بتدبير يكون لهم وما يرون ذلك صواباً؛ وعلى ذلك أمر الله رسوله أن يشاور أصحابه بقوله: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ  ﴾ ، ثم أمره إذا عزم على الأمر أن يتوكل على الله في ذلك، وأن يكل أمره إليه.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ﴾ : يحتمل وجهين: ما كنت قاطعة أمرا حتى تحضروا.

أو ما كانت قاطعة أمرا حتى تشهدوا أنه صواب حق.

فأجابوها فيما طلبت منهم الرأي والتدبير في ذلك، فقالوا: ﴿ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ، أي: نحن أولو قوة في أنفسنا وأولو بأس شديد، أي: حرب وقتال شديد، أي: لنا معرفة في ذلك، ومع ما قالوا وكلوا الأمر إليها حيث قالوا: ﴿ وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾ ، وهكذا الواجب على وزراء الملوك والرعية أنهم إذا استشاروهم في أمر أن يدلوهم على الأصوب والحسن لهم، ثم يكلوا الأمر إليهم.

وقصة سليمان صلوات الله عليه مع ما فيها من العجائب والآداب، ففيها معرفة سياسة الملوك وتعلم آدابهم؛ من ذلك: ما قال سليمان: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ ، ومن ذلك قوله: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ...

﴾ الآية، وقوله: ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ، أو من ذلك استشارة بلقيس أشراف قومها في ذلك وجوابات قومها لها، وإخبارها إياهم من طبع الملوك وعاداتهم من الإفساد والقتل والإذلال؛ حيث قالت: ﴿ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: هذه شهادة من الله لها بما قالت والتصديق لها فيما أخبرت أنهم كذلك يفعلون بكبرائهم.

ثم قال: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ : ذكر أنها قالت: إن لي في هذا رأيا، فإن يك صاحب دنيا فعسى أن نرضيه بالمال فيسكت عنا ويكف شره، وإن يكن نبيّاً فلا يقبل ذلك منا وسنعرف، فعملت ذلك وأرسلت إليه بهدايا، فلم يقبلها سليمان فعرفت أنه نبي، وهذا كان منها تدبيراً أو حسن الرأي في الأمر واحتيالا وفقت في ذلك، لم تشتغل بالحرب والقتال على ما أشار لها قومها.

وقال ابن عباس: "قالت بلقيس لما أتاها كتاب سليمان، واستشارت قومها في ذلك وطلبت فتياهم، فأفتوا لها بما أفتوا - قالت: أبعث إليه بهدية، فإن قبلها فهو ملك فأحاربه، وإن لم يقبلها فهو نبي أتابعه".

قال أبو عوسجة: ﴿ فَنَاظِرَةٌ ﴾ يقال: أنظرته نظرة، أي: أمهلته، والنظرة في الدين خاصة وهو الإنظار.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإني مرسلة إلى صاحب الكتاب وقومه هدية، وأنظر ماذا تأتي به الرسل بعد إرسال هذه الهدية.

من فوائد الآيات إنكار الهدهد على قوم سبأ ما هم عليه من الشرك والكفر دليل على أن الإيمان فطري عند الخلائق.

التحقيق مع المتهم والتثبت من حججه.

مشروعية الكشف عن أخبار الأعداء.

من آداب الرسائل افتتاحها بالبسملة.

إظهار عزة المؤمن أمام أهل الباطل أمر مطلوب.

<div class="verse-tafsir" id="91.1q8jy"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله