الآية ٤ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٤ من سورة النمل

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 48 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٤ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال هاهنا : ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ) أي : يكذبون بها ، ويستبعدون وقوعها ( زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ) أي : حسنا لهم ما هم فيه ، ومددنا لهم في غيهم فهم يتيهون في ضلالهم .

وكان هذا جزاء على ما كذبوا به من الدار الآخرة ، كما قال تعالى : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) [ الأنعام : 110 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: إن الذين لا يصدّقون بالدار الآخرة, وقيام الساعة, وبالمعاد إلى الله بعد الممات والثواب والعقاب.( زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ) يقول: حببنا إليهم قبيح أعمالهم, وسهَّلنا ذلك عليهم.( فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) يقول: فهم في ضلال أعمالهم القبيحة التي زيَّناها لهم يتردّدون حيارى يحسبون أنهم يحسنون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي لا يصدقون بالبعث .

زينا لهم أعمالهم قيل : أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة .

وقيل : زينا لهم أعمالهم الحسنة فلم يعملوها .

وقال الزجاج : جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه .

فهم يعمهون أي يترددون في أعمالهم الخبيثة ، وفي ضلالتهم .

عن ابن عباس .

أبو العالية : يتمادون .

قتادة : يلعبون .

الحسن : يتحيرون ; قال الراجز [ رؤبة ] :ومهمه أطرافه في مهمه وعمى الهدى بالحائرين العمه

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) ويكذبون بها ويكذبون من جاء بإثباتها، ( زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) حائرين مترددين مؤثرين سخط الله على رضاه، قد انقلبت عليهم الحقائق فرأوا الباطل حقا والحق باطلا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم ) القبيحة حتى رأوها حسنة ( فهم يعمهون ) أي : يترددون فيها متحيرين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم» القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة «فهم يعمهون» يتحيرون فيها لقبحها عندنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين لا يُصَدِّقون بالدار الآخرة، ولا يعملون لها حسَّنَّا لهم أعمالهم السيئة، فرأوها حسنة، فهم يترددون فيها متحيِّرين.

أولئك الذين لهم العذاب السيِّئ في الدنيا قتلا وأَسْرًا وذُلا وهزيمةً، وهم في الآخرة أشد الناس خسرانًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن مدح - سبحانه - المؤمنين بتلك الصفات الطيبة ، أتبع ذلك ببيان ما عليه غيرهم من ضلال وحيرة فقال : ( إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) .وقوله : ( زَيَّنَّا ) من التزيين ، بمعنى التحسين والتجميل .و ( يَعْمَهُونَ ) من العمه بمعنى التحير والتردد .

يقال : عمه فلان - كفرح ومنع - إذا تحير وتردد فى أمره .والمعنى : إن الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة وما فيه من ثواب وعقاب ، ( زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ) أى : حسناها لهم ، وحببناها إليهم ، بسبب استحبابهم العمى على الهدى ، والغى على الرشد ( فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) أى : فهم يتحيرون ويتخبطون ويرتكبون ما يرتكبون من قبائح ، ظنا منهم أنها محاسن .وصدق الله إذ يقول : ( أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ .

.

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين ما للمؤمنين من البشرى أتبعه بما على الكفار من سوء العذاب فقال: ﴿ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم ﴾ ، واختلف الناس في أنه كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته مع أنه أسنده إلى الشيطان في قوله: ﴿ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطن أَعْمَالَهُمْ  ﴾ ؟

فأما أصحابنا فقد أجروا الآية على ظاهرها وذلك لأن الإنسان لا يفعل شيئاً ألبتة إلا إذا دعاه الداعي إلى الفعل والمعقول من الداعي هو العلم والاعتقاد والظن بكون الفعل مشتملاً على منفعة، وهذا الداعي لابد وأن يكون من فعل الله تعالى لوجهين: الأول: أنه لو كان من فعل العبد لافتقر فيه إلى داع آخر ويلزم التسلسل وهو محال الثاني: وهو أن العلم إما أن يكون ضرورياً أو كسبياً، فإن كان ضرورياً فلابد فيه من تصورين والتصور يمتنع أن يكون مكتسباً لأن المكتسب إن كان شاعراً به فهو متصور له، وتحصيل الحاصل محال وإن لم يكن شاعراً به كان غافلاً عنه والغافل عن الشيء يمتنع أن يكون طالباً له، فإن قلت هو مشعور به من وجه دون وجه، قلت فالمشعور به غير ما هو غير مشعور به فيعود التقسيم المتقدم في كل واحد من هذين الوجهين، وإذا ثبت أن التصور غير مكتسب ألبتة والعلم الضروري هو الذي يكون حضور كل واحد من تصوريه كافياً في حصول التصديق، فالتصورات غير كسبية وهي مستلزمة للتصديقات، فإذن متى حصلت التصورات حصل التصديق لا محالة، ومتى لم تحصل لم يحصل التصديق ألبتة، فحصول هذه التصديقات البديهية ليس بالكسب، ثم إن التصديقات البديهية إن كانت مستلزمة للتصديقات النظرية لم تكن التصديقات النظرية كسبية، لأن لازم الضروري ضروري، وإن لم تكن مستلزمة لها لم تكن تلك الأشياء التي فرضناها علوماً نظرية كذلك بل هي اعتقادات تقليدية، لأنه لا معنى لاعتقاد المقلد إلا اعتقاد تحسيني يفعله ابتداء من غير أن يكون له موجب فثبت بهذا أن العلوم بأسرها ضرورية، وثبت أن مبادئ الأفعال هي العلوم فأفعال العباد بأسرها ضرورية، والإنسان مضطر في صورة مختار، فثبت أن الله تعالى هو الذي زين لكل عامل عمله.

والمراد من التزيين هو أنه يخلق في قلبه العلم بما فيه من المنافع واللذات ولا يخلق في قلبه العلم بما فيه من المضار والآفات، فقد ثبت بهذه الدلائل القاطعة العقلية وجوب إجراء هذه الآية على ظاهرها، أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تأويلها وجوهاً: أحدها: أن المراد بينا لهم أمر الدين وما يلزمهم أن يتمسكوا به وزيناه بأن بينا حسنه وما لهم فيه من الثواب، لأن التزيين من الله تعالى للعمل ليس إلا وصفه بأنه حسن وواجب وحميد العاقبة، وهو المراد من قوله: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ ومعنى ﴿ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾ يدل على ذلك لأن المراد فهم يعدلون وينحرفون عما زينا من أعمالهم.

وثانيها: أنه تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق جعلوا إنعام الله تعالى بذلك عليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وعدم الانقياد لما يلزمهم من التكاليف، فكأنه تعالى زين بذلك أعمالهم وإليه إشارة الملائكة عليهم السلام في قولهم: ﴿ ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حتى نَسُواْ الذكر  ﴾ .

وثالثها: أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين فأسند إليه والجواب: عن الأول أن قوله تعالى: ﴿ أعمالهم ﴾ صيغة عموم توجب أن يكون الله تعالى قد زين لهم كل أعمالهم حسناً كان العمل أو قبيحاً ومعنى التزيين قد قدمناه، وعن الثاني أن الله تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق فهل لهذه الأمور أثر في ترجيح فاعلية المعصية على تركها أوليس لها فيه أثر، فإن كان الأول فقد دللنا على أن الترجيح متى حصل فلابد وأن ينتهي إلى حد الاستلزام وحينئذ يحصل الغرض وإن لم يكن فيه أثر صارت هذه الأشياء بالنسبة إلى أعمالهم كصرير الباب ونعيق الغراب، وذلك يمنع من إسناد فعلهم إليها وهذا بعينه هو الجواب عن التأويل الثالث الذي ذكروه، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾ فالعمه التحير والتردد كما يكون حال الضال عن الطريق.

أما قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين لَهُمْ سُوء العذاب ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه القتل والأسر يوم بدر والثاني: مطلق العذاب سواء كان في الدنيا أو في الآخرة والمراد بالسوء شدته وعظمه.

وأما قوله: ﴿ هُمُ الأخسرون ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه لا خسران أعظم من أن يخسر المرء نفسه بأن يسلب عنه الصحة والسلامة في الدنيا ويسلم في الآخرة إلى العذاب العظيم الثاني: المراد أنهم خسروا منازلهم في الجنة لو أطاعوا، فإنه لا مكلف إلا وعين له منزل في الجنة لو أطاع فإذا عصى عدل به إلى غيره فيكون قد خسر ذلك المنزل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته، وقد أسنده إلى الشيطان في قوله: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم ﴾ [النمل: 24] ، [العنكبوت: 38] ؟

قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك أنّ إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله عز وجل مجاز، وله طريقان في علم البيان.

أحدهما: أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة.

والثاني: أن يكون من المجاز الحكميّ، فالطريق الأوّل: أنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق.

وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وبطرهم وإيثارهم الروح والترفة، ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة والمشاق المتعبة، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم.

وإليه أشارت الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم في قولهم: ﴿ ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حتى نَسُواْ الذكر ﴾ [الفرقان: 18] والطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه لأن المجاز الحكميّ يصححه بعض الملابسات، وقيل: هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها: زينها لهم الله فعمهوا عنها وضلوا، وعزى إلى الحسن.

والعمه: التحير والتردّد، كما يكون حال الضال عن الطريق.

وعن بعض الأعراب: أنه دخل السوق وما أبصرها قط، فقال: رأيت الناس عمهين، أراد: متردّدين في أعمالهم وأشغالهم ﴿ سُوء العذاب ﴾ القتل والأسر يوم بدر.

و ﴿ الأخسرون ﴾ أشدّ الناس خسراناً؛ لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم، فخسروا ذلك مع خسران النجاة وثواب الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ ﴾ زَيَّنَ لَهم أعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ بِأنَّ جَعَلَها مُشْتَهاةً لِلطَّبْعِ مَحْبُوبَةً لِلنَّفْسِ، أوِ الأعْمالَ الحَسَنَةَ الَّتِي وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْمَلُوها بِتَرْتِيبِ المَثُوباتِ عَلَيْها.

﴿ فَهم يَعْمَهُونَ ﴾ عَنْها لا يُدْرِكُونَ ما يَتْبَعُها مِن ضُرٍّ أوْ نَفْعٍ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ ﴾ كالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ وَهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ أشَدُّ النّاسِ خُسْرانًا لِفَواتِ المَثُوبَةِ واسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ.

﴿ وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ ﴾ لَتُؤْتاهُ.

﴿ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ أيِّ حَكِيمٍ وأيِّ عَلِيمٍ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مَعَ أنَّ العِلْمَ داخِلٌ في الحِكْمَةِ لِعُمُومِ العِلْمِ ودَلالَةِ الحِكْمَةِ عَلى إتْقانِ الفِعْلِ والإشْعارِ بِأنَّ عُلُومَ القُرْآنِ مِنها ما هي حِكْمَةٌ كالعَقائِدِ والشَّرائِعِ ومِنها ما لَيْسَ كَذَلِكَ كالقِصَصِ والأخْبارِ عَنِ المُغَيَّباتِ، ثُمَّ شَرَعَ في بَيانِ بَعْضِ تِلْكَ العُلُومِ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم} يخلق الشهوة حتى رأوا ذلك حسناً كما قال افمن زين له سوء عمله فرآه حسنا {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} يترددون في ضلالتهم كما يكون حال الضال عن الطريق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ بَيانٌ لِأحْوالِ الكَفَرَةِ بَعْدَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِها وبِما فِيها مِنَ الثَّوابِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ والعِقابِ عَلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ القُرْآنُ ﴿ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ ﴾ القَبِيحَةَ بِما رَكَّبْنا فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ والأمانِيِّ حَتّى رَأوْها حَسَنَةً ﴿ فَهم يَعْمَهُونَ ﴾ يَتَحَيَّرُونَ ويَتَرَدَّدُونَ، والِاسْتِمْرارُ في الِاشْتِغالِ بِها والِانْهِماكِ فِيها مِن غَيْرِ مُلاحِظَةٍ لِما يَتْبَعُها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، ونِسْبَةُ التَّزْيِينِ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - عِنْدَ الجَماعَةِ حَقِيقَةٌ وكَذا التَّزْيِينُ نَفْسُهُ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ التَّزْيِينَ إمّا مُسْتَعارٌ لِلتَّمْتِيعِ بِطُولِ العُمُرِ وسَعَةِ الرِّزْقِ، وإمّا حَقِيقَةٌ، وإسْنادُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَجازٌ، وهو حَقِيقَةٌ لِلشَّيْطانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ ﴾ .

والمُصَحِّحُ لِهَذا المَجازِ إمْهالُهُ تَعالى الشَّيْطانَ وتَخْلِيَتُهُ حَتّى يُزَيِّنَ لَهُمْ، والدّاعِي لَهُ إلى أحَدِ الأمْرَيْنِ إيجابُ رِعايَةِ الأصْلَحِ عَلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - ونُسِبَ إلى الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِالأعْمالِ الأعْمالُ الحَسَنَةُ، وتَزْيِينُها بَيانُ حُسْنِها في أنْفُسِها حالًا واسْتِتْباعُها لِفُنُونِ المَنافِعِ مَآلًا، أيْ: زَيَّنا لَهُمُ الأعْمالَ الحَسَنَةَ فَهم يَتَرَدَّدُونَ في الضَّلالِ والإعْراضِ عَنْها.

والفاءُ عَلَيْهِ لِتَرْتِيبِ ضِدِّ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ كَما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ عُتُوِّهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ وتَعْكِيسِهِمُ الأُمُورَ، وتُعُقِّبَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ التَّزْيِينَ قَدْ ورَدَ غالِبًا في غَيْرِ الخَيْرِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ﴾ ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ ﴿ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ إلَخْ، ووُرُودُهُ في الخَيْرِ قَلِيلٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ ﴾ ويُبْعِدُ حَمْلَ الأعْمالِ عَلى الأعْمالِ الحَسَنَةِ إضافَتُها إلى ضَمِيرِهِمْ وهم لَمْ يَعْمَلُوا حَسَنَةً أصْلًا، وكَوْنُ إضافَتِها إلى ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أمْرِهِمْ بِها وإيجابِها عَلَيْهِمْ لا يَدْفَعُ البُعْدَ.

وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ يُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ أوَّلًا أنَّ وِزانَ فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هاهُنا وِزانُ فاتِحَةِ البَقَرَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ ﴾ كَقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ .

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ وجْهِ دَلالَةِ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ هُناكَ، وأنَّ التَّرْكِيبَ مِن بابِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ، وأنَّ المَعْنى اسْتِمْرارُهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهم بِحَيْثُ لا يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ الإيمانُ ساعَةً فَساعَةً أمارَةً لِرَقْمِ الشَّقاءِ عَلَيْهِمْ في الأزَلِ والخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى زَيَّنَ لَهم سُوءَ أعْمالِهِمْ فَهم لِذَلِكَ في تِيهِ الضَّلالِ يَتَرَدَّدُونَ، وفي بَيْداءِ الكُفْرِ يَعْمَهُونَ، ودَلَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إيقاعُ لَفْظِ المُضارِعِ في صِلَةِ المَوْصُولِ والماضِي في خَبَرِهِ، وتَرْتِيبُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهم يَعْمَهُونَ ﴾ بِالفاءِ عَلَيْهِ، واخْتِصاصُ الخِطابِ بِما يَدُلُّ عَلى الكِبْرِياءِ والجَبَرُوتِ مِن بابِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وِدَّها غُولُ وفِي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَنْصُرُ هَذا التَّأْوِيلَ أيْضًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كلها مكية، وهي تسعون وأربع آيات مكية قول الله سبحانه وتعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ يعني: هذه الأحكام، ويقال: تلك الآيات التي وعدتم بها، وذلك أنهم وعدوا بالقرآن في كتبهم.

ويقال: آياتُ يعني: العلامات ويقال: جميع أحرف القرآن وَكِتابٍ مُبِينٍ كلاهما واحد، وإنما كرر اللفظ للتأكيد مُبِينٍ يعني: بيّن ما فيه من أمره ونهيه.

ويقال: مبين لأحكام الحلال والحرام.

ثم قال: هُدىً يعني: القرآن هدى وبياناً من الضلالة لمن عمل به.

ويقال هُدىً يعني: هادياً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: ما فيه من الثواب للمؤمنين.

قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وَبُشْرى بإمالة الراء، وقرأ الباقون بالتفخيم، وكلاهما جائز، والإمالة أكثر في كلام العرب، والتفخيم أفصح، وهي لغة أهل الحجاز لِلْمُؤْمِنِينَ، يعني: للمصدقين بالقرآن أنه من الله تعالى.

ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني: يقرون بها ويتمونها وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني: يقرون بها ويعطونها وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ يعني: يصدقون بأنها كائنة.

ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي: لا يصدقون بالبعث بعد الموت زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ يعني: ضلالتهم عقوبة لهم ولما عملوا، ومجازاة لكفرهم زينا لهم سوء أعمالهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ يعني: يترددون فيها، ويتحيرون في ضلالتهم.

قوله عز وجل: أُوْلئِكَ يعني: أهل هذه الصفة الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ يعني: شدة العذاب وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ يعني: الخاسرون بحرمان النجاة، والمنع من الحسنات.

ويقال: هم أخسر من غيرهم.

وقال أهل اللغة: متى ذكر الأخسر مع الألف واللام، فيجوز أن يراد به الأخسر من غيرهم.

وإن لم يذكر غيرهم، وإن ذكر بغير ألف ولام، فلا يجوز أن يراد به أنه أخسر إلا أن يقال هو أخسر من فلان أو من غيره.

قوله عز وجل: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ يعني: لتؤتى بالقرآن، يعني: كقوله وَما يُلَقَّاها [فصلت: 35] يعني: وما يؤتي بها.

ويقال: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ يعني: لتلقن القرآن.

وقال أهل اللغة: تلقى وتلقن بمعنى واحد إذا أخذ وَقُبِلَ من غيره.

ويقال وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ، أي يلقى إليك القرآن وحيا من الله عز وجل.

ثم قال: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ يعني: نزل عليك جبريل من عند حَكِيمٍ عليم في أمره، عَلِيمٍ بأعمال الخلق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الكوكب المنقضّ في أثر مسترقِ السمعِ وكل ما يُقال له «شهابٌ» من المنيرات فعلى التَّشْبِيهِ، والقبسُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يكون اسماً، ويُحْتملُ أن يكونَ صفةً.

وقرأ الجمهورُ بإضافة «شِهَابٍ» إلى «قَبَسٍ» ، وقرأ حَمزَةُ والكِسائِيُّ «١» وعاصمُ بتنوينِ «شِهَابٍ قَبَسٍ» : فَهَذَا على الصِّفَةِ.

ص: وقوله: جاءَها ضميرُ المفعولِ، عائدٌ على النّار، وقيل على الشجرة، انتهى.

وبُورِكَ معناه: قُدِّسَ ونُمِيَ خَيْرُه، والبركة، مختصَّة بالخير.

وقولهِ تعالى: مَنْ فِي النَّارِ قال ابنُ عباس: أرادَ النُّورَ «٢» ، وقال الحسنُ وابنُ عباس: وأراد ب مَنْ حَوْلَها الملائكةٍ وموسى «٣» .

قال ع «٤» : ويُحتمَلُ أن تكونَ مَنْ للملائكةِ لأن ذلكَ النورَ الذي حَسِبَه موسى ناراً لم يخْلُ من ملائكة، وَمَنْ حَوْلَها لموسَى والمَلائِكَةِ المُطِيفينَ بهِ.

وقرأ أُبَيُّ بنُ كعب «٥» «أن بُوركَتِ النَّارُ وَمَنْ حَولَها» .

وقوله تعالى: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هو تنزيهٌ للَّه تعالى مما عساه أن يخطر/ ببال في معنى النِّداءِ من الشَّجَرَةِ، أي: هو منزَّه عن جميع ما تتوّهمه الأوهام ٥١ أوعن التَّشبيهِ والتَّكْيِيفِ، والضميرُ في إِنَّهُ للأمرِ والشأنِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النَّمْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طس ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ، قالَ: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ.

والثّانِي: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: الطّاءُ مِنَ اللَّطِيفِ، والسِّينِ مِنَ السَّمِيعِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكِتابٍ مُبِينٍ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " وكِتابٌ مُبِينٌ " بِالرَّفْعِ فِيهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبُشْرى ﴾ أيْ: بُشْرى بِما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ لِلْمُصَدِّقِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: حَبَّبْنا إلَيْهِمْ قَبِيحَ فِعْلِهِمْ.

وقَدْ بَيَّنّا حَقِيقَةَ التَّزْيِينِ والعَمَهِ في (البَقَرَةِ: ١٥، ٢١٢) .

وسُوءُ العَذابِ: شَدِيدُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ لِأنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ وصارُوا إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُلْقى عَلَيْكَ فَتَتَلَقّاهُ أنْتَ، أيْ: تَأْخُذُهُ.

﴿ إذْ قالَ مُوسى ﴾ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى.

قالَ تَعالى: ﴿ بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا: " بِشِهابٍ " بِالتَّنْوِينِ.

وقَرَأ الباقُونَ عَلى الإضافَةِ غَيْر َمُنَوَّنٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَوَّنَ الشِّهابَ، وجَعَلَ القَبَسَ مِن صِفَةِ الشِّهابِ، وكُلُّ أبْيَضٍ ذِي نُورٍ، فَهو شِهابٌ.

فَأمّا مَن أضافَ، فَقالَ الفَرّاءُ: هَذا مِمّا يُضافُ إلى نَفْسِهِ إذا اخْتَلَفَتِ الأسْماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ  ﴾ .

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشِّهابُ: النّارُ، والقَبَسُ: النّارُ تَقْبِسُ، يُقالُ: قَبَسَتِ النّارُ قَبَسًا، واسْمُ ما قَبَسْتَ: قَبَسٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ، وكانَ الزَّمان شِتاءً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَها ﴾ أيْ: جاءَ مُوسى النّارَ، وإنَّما كانَ نُورًا فاعْتَقَدَهُ نارًا، ﴿ نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: قَدَّسَ مَن في النّارِ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ؛ والمَعْنى: قَدَّسَ مَن ناداهُ مِنَ النّارِ، لا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَحِلُّ في شَيْءٍ.

والثّانِي: أنَّ " مِن " زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: بُورِكَتِ النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: بُورِكَ عَلى مَن في النّارِ، أوْ فِيمَن في النّارِ؛ قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ: بارَكَهُ اللَّهُ، وبارَكَ عَلَيْهِ، وبارَكَ فِيهِ، بِمَعْنًى واحِدٍ، والتَّقْدِيرُ: بُورِكَ مَن في طَلَبِ النّارِ، وهو مُوسى، فَحَذَفَ المُضافَ.

وهَذِهِ تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى بِالبَرَكَةِ، كَما حَيّا إبْراهِيمَ بِالبَرَكَةِ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ  ﴾ .

فَخَرَجَ في قَوْلِهِ: ﴿ بُورِكَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدَّسَ.

والثّانِي: مِنَ البَرَكَةِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن حَوْلَها ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والثّانِي: مُوسى والمَلائِكَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والثّالِثُ: مُوسى؛ فالمَعْنى: بُورِكَ فِيمَن يَطْلُبُها وهو قَرِيبٌ مِنها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَمْلِ قوله عزّ وجلّ: ﴿ طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في كُلِّ السُورِ، وكُلِّ ما قِيلَ مُتَرَتِّبٌ هُنا، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فالأسْماءُ هُنا: لَطِيفٌ وسَمِيعٌ، وكَوْنُها إشارَةً إلى نَوْعِ حُرُوفِ المُعْجَمِ أبْيَنُ الأقْوالِ.

وعَطْفُ "كِتابٍ" عَلى "القُرْآنِ" وهُما لِمُسَمًّى واحِدٍ مِن حَيْثُ هُما صِفَتانِ لِمَعْنَيَيْنِ، فالقُرْآنُ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ، والكِتابُ لِأنَّهُ كَتَبَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكِتابٌ مُبِينٌ" بِالرَفْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ هُدًى وبُشْرى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ هُدًى وبُشْرى.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالأوصافِ الخَلِيقَةِ بِهِمْ.

وإقامَةُ الصَلاةِ: إدامَتُها عَلى وجْهِها.

و"الزَكاةُ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ المَفْرُوضَةِ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ قَدِيمَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَفْرُوضَةَ مِن غَيْرِ تَفْسِيرٍ، وقِيلَ: "الزَكاةُ" هُنا بِمَعْنى الطَهارَةِ مِنَ النَقائِصِ ومُلازِمَةِ مَكارِمِ الأخْلاقِ.

وتَكْرارُ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ لِلتَّأْكِيدِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الكَفَرَةَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، والإشارَةِ إلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَعالى حَتَّمَ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، وحَبَّبَ إلَيْهِمُ الشِرْكَ، وزَيَّنَهُ بِأنْ خَلَقَهُ واخْتَرَعَهُ في نُفُوسِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ اكْتِسابُهم وحِرْصُهم عَلى كُفْرِهِمْ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ الأعْمالُ المُزَيَّنَةُ كُفْرُهم وطُغْيانُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الأعْمالَ المُزَيَّنَةَ هي الشَرِيعَةُ الَّتِي كانَ الواجِبُ أنْ تَكُونَ أعْمالَهُمْ، فَأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى جِهَةِ الذِكْرِ أنَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ زَيَّنَ الدِينَ وبَيَّنَهُ، ورَسَمَ الأعْمالَ والتَوْحِيدَ، لَكِنَّ هَؤُلاءِ "يَعْمَهُونَ"، أيْ: ويَعْرِضُونَ، و"العَمَهُ": الحَيْرَةُ والتَرَدُّدُ في الصَلاةِ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِسُوءِ العَذابِ، فَمَن نالَهُ شَيْءٌ في الدُنْيا بَقِيَ عَلَيْهِ عَذابُ الآخِرَةِ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ عَذابٌ في الدُنْيا كانَ سُوءُ عَذابِهِ في مَوْتِهِ وفِيما بَعْدَهُ، و"الأخْسَرُونَ": جَمْعُ أخْسَرِيٍّ؛ لِأنَّ أفْعَلَ صِفَةٌ، لا يُجْمَعُ إلّا أنْ يُضافَ فَتَقْوى رُتْبَتُهُ في الأسْماءِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لا محالة يثير كون الكتاب المبين هدى وبشرى للذين يوقنون بالآخرة سؤالاً في نفس السامع عن حال أضدادهم الذين لا يوقنون بالآخرة لماذا لا يهتدون بهدي هذا الكتاب البالغ حداً عظيماً في التبين والوضوح.

فلا جرم أن يصلح المقام للإخبار عما صَرَفَ هؤلاء الأضدادَ عن الإيمان بالحياة الآخرة فوقع هذا الاستئناف البياني لبيان سبب استمرارهم على ضلالهم.

ذلك بأن الله يعلم خبث طواياهم فحرمهم التوفيق ولم يصرف إليهم عناية تنشلهم من كيد الشيطان لحكمة علمها الله من حال ما جبلت عليه نفوسهم، فوقع هذا الاستئناف بتوابعه موقع الاعتراض بين أخبار التنويه بالقرآن بما سبق، والتنويه به بمن أنزل عليه بقوله: ﴿ وإنك لتُلَقّى القرآن ﴾ [النمل: 6].

وتأكيد الخبر بحرف التوكيد للاهتمام به لأنه بحيث يلتبس على الناس سبب افتراق الناس في تلقي الهدى بين مبادر ومتقاعس ومُصرّ على الاستمرار في الضلال.

ومجيء المسند إليه موصولاً يومئ إلى أن الصلة علة في المسند.

وتزيين تلك الأعمال لهم: تصوّرهم إياها في نفوسهم زَيْناً، وإسناد التزيين إلى الله تعالى يرجع إلى أمر التكوين، أي خُلقت نفوسهم وعقولهم قابلة للانفعال وقبول ما تراه من مساوئ الاعتقادات والأعمال التي اعتادوها، فإضافة أعمال إلى ضمير الذين لا يؤمنون بالآخرة يقتضي أن تلك الأعمال هي أعمال الإشراك الظاهرة والباطنة فهم لإلفهم إياها وتصلّبهم فيها صاروا غير قابلين لهدي هذا الكتاب الذي جاءتهم آياته.

وقد أشارت الآية إلى معنى دقيق جداً وهو أن تفاوت الناس في قبول الخير كائن بمقدار رسوخ ضد الخير في نفوسهم وتعلق فطرتهم به.

وذلك من جراء ما طرأ على سلامة الفطرة التي فطر الله الناس عليها من التطور إلى الفساد كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم ردَدْنَاه أسفلَ سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [التين: 5، 6] الآية.

فمبادرة أبي بكر رضي الله عنه إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم أمارةٌ على أن الله فطره بنفس وعقل بريئين من التعلق بالشر مشتاقين إلى الخير حتى إذا لاح لهما تقبّلاه.

وهذا معنى قول أبي الحسن الأشعري «ما زال أبو بكر بعين الرضى من الرحمن».

وقد أومأ جعل صلة الموصول مضارعاً إلى أن الحكم منوط بالاستمرار على عدم الإيمان، وأومأ جعل الخبر ماضياً في قوله: ﴿ زينا ﴾ إلى أن هذا التزيين حكم سبق وتقرر من قبلُ، وحسبك أنه من آثار التكوين بحسب ما طرأ على النفوس من الأطوار.

فإسناد تزيين أعمال المشركين إلى الله في هذه الآية وغيرها مثل قوله: ﴿ كذلك زيّنا لكل أمة عملهم ﴾ في سورة الأنعام (108) لا ينافي إسناد ذلك إلى الشيطان في قوله الآتي ﴿ وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل ﴾ [النمل: 24]؛ فإن وسوسة الشيطان تجد في نفوس أولئك مرتعاً خصباً ومنبتاً لا يقحل؛ فالله تعالى مزينٌ لهم بسبب تطور جبلة نفوسهم من أثر ضُعف سلامة الفِطَر عندهم، والشيطان مزيّن لهم بالوسوسة التي تجد قبولاً في نفوسهم كما قال تعالى حكاية عنه ﴿ قال فبعزتك لأغوينّهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ [ص: 82، 83] وقال تعالى: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ [الحجر: 42] وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ الآية في سورة البقرة (7).

وفُرّع على تزيين أعمالهم لهم أنهم في عمَهٍ متمكن منهم بصوغ الإخبار عنهم بذلك بالجملة الاسمية.

وأفادت صيغة المضارع أن العَمه متجدد مستمر فيهم، أي فهم لا يرجعون إلى اهتداء لأنهم يحسبون أنهم على صواب.

والعَمَه: الضلال عن الطريق بدون اهتداء.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ويمدّهم في طغيانهم يعمهون ﴾ في سورة البقرة (15).

وفعله كمنع وفرح.

فضمير ﴿ هم ﴾ عائد إلى ﴿ الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بمراعاة هذا العنوان لا بذواتهم.

واعلم أن هذا الاستمرار متفاوت الامتداد فمنه أشدّه وهو الذي يمتد بصاحبه إلى الموت، ومنه دون ذلك.

وكل ذلك على حسب تزيين الكفر في نفوسهم تزييناً خالصاً أو مشوباً بشيء من التأمل في مفاسده، وتلك مراتب لا يحيط بها إلا الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النَّمْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ ﴾ أيْ هَذِهِ آياتُ القُرْآنِ.

﴿ وَكِتابٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ وآياتِ الكِتابِ المُبِينِ، والكِتابُ هو القُرْآنُ، فَجُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ بِأنَّهُ قُرْآنٌ وأنَّهُ كِتابٌ لِأنَّهُ ما يَظْهَرُ بِالكِتابَةِ ويَظْهَرُ بِالقِراءَةِ.

﴿ مُبِينٍ ﴾ لِأنَّهُ يَبِينُ فِيهِ نَهْيُهُ وأمْرُهُ، وحَلالُهُ وحَرامُهُ، ووَعْدُهُ ووَعِيدُهُ.

وَفِي المُضْمَرِ في ﴿ تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ إلى الحُرُوفِ الَّتِي في ﴿ طس ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: إلى جَمِيعِ السُّورَةِ.

﴿ هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هُدًى إلى الجَنَّةِ وبُشْرى بِالثَّوابِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ وبُشْرى بِالجَنَّةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ﴾ يَعْنِي المَفْرُوضَةَ، وفي إقامَتِها وجْهانِ: أحَدُهُما: اسْتِيفاءُ فُرُوضِها وسُنَّتِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: المُحافَظَةُ عَلى مَواقِيتِها، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها زَكاةُ المالِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ والحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّها زَكاةُ الفِطْرِ; قالَهُ الحارِثُ العُكْلِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها طاعَةُ اللَّهِ والإخْلاصُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّها تَطْهِيرُ أجْسادِهِمْ مِن دَنَسِ المَعاصِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم يَعْمَهُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَتَرَدَّدُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَتَمادَوْنَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وأبُو مالِكٍ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّالِثُ: يَلْعَبُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، والأعْمَشُ.

الرّابِعُ: يَتَحَيَّرُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ ومَهْمَهٍ أطْرافُهُ في مَهْمَهٍ أعْمى الهُدى بِالجاهِلِينَ العُمَّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَتَأْخُذُ القُرْآنَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لَتُوَفّى القُرْآنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: لَتُلَقَّنُ القُرْآنَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لَتُقَبَّلُ القُرْآنَ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن يَلْقاهُ عِنْدَ نُزُولِهِ.

﴿ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ أيْ مِن عِنْدِ حَكِيمٍ في أمْرِهِ، عَلِيمٍ بِخَلْقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ طس ﴾ قال: هو اسم الله الأعظم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ طس ﴾ قال: هو اسم الله الأعظم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ طس ﴾ قال: هو اسم من أسماء القرآن.

وفي قوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ قال: لا يُقِرّون بها ولا يؤمنون بها ﴿ فهم يعمهون ﴾ قال: في صلاتهم وفي قوله: ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ يقول: تأخذ القرآن من عند ﴿ حكيم عليم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾ لا يصدقون بالبعث (١) ﴿ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني: ضلالتهم حتى رأوها حسنة (٢) (٣) وقال أبو إسحاق: أي: جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه (٤) ﴿ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾ يترددون فيها متحيرين (٥) (١) "تفسير مقاتل" 56 ب.

و"تفسير السمرقندي" 2/ 489.

(٢) "تفسير مقاتل" 56 ب.

(٣) قال ابن كثير 6/ 178: أي: حسنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم فهم يتيهون في ضلالهم.

وذكر الزمخشري 3/ 337، أن إسناد التزيين إلى الله تعالى هنا مجاز، وإسناده إلى الشيطان في قوله تعالى: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ حقيقة.

قال أبو حيان 7/ 52: وهذا تأويل على طريق المجاز.

قال البقاعي 14/ 127: والإسناد إليه سبحانه حقيقي، عند أهل السنة؛ لأنه الموجد الحقيقي، وإلى الشيطان مجاز سببي.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 108.

قال البرسوي 6/ 319: حيث جعلناها مشهاة للطبع محبوبة للنفس، كما ينبئ عنه قوله عليه الصلاة والسلام:"حفت النار بالشهوات" أي: جعلت محفوفة ومحاطة بالأمور المحبوبة المشتهاة.

واعلم أن كل مشيئة وتزيين وإضلال ونحو ذلك منسوبة إلى الله تعالى بالأصالة، وإلى غيره بالتبعية.

والحديث، أخرجه مسلم 4/ 2174، كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم: 2823، والترمذي 4/ 598، كتاب صفة الجنة، رقم: 2559.

(٥) "تفسير مقاتل" 56 ب.

قال مجاهد: فهم في ضلالهم يترددون، "تفسير مجاهد" 2/ 469.

وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2841، عن ابن عباس: في كفرهم يترددون.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ يتحيرون ﴿ سواء العذاب ﴾ يعني في الدنيا وهو القتل يوم بدر، ويحتمل أن يريد عذاب الآخرة، والأول أرجح لأنه ذكر الآية بعد ذلك ﴿ لَتُلَقَّى القرآن ﴾ أي تعطاه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني آنست ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ بشهاب ﴾ منوناً على أن قبساً وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة: عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس.

الباقون بالإضافة ﴿ من في النار ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وابي حمدون وحمدويه وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد وكذلك في "القصص".

الوقوف: ﴿ طس ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ هدى ﴾ حال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ أو هو مرفوع بدلاً من ﴿ الآيات ﴾ أو خبراً بعد خبر وإن كان التقدير هي هدى به فلك الوقف ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ط تنصيصاً على أن ﴿ أولئك ﴾ مبتدأ مستأنف ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه ﴿ تصطلون ﴾ ﴿ حولها ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه لا للعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء ﴿ عصاك ﴾ ط للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت ﴿ ولم يعقب ﴾ ط لابتداء النداء ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن "إلاّ" إن كان بمعنى "لكن" فالاستدراك يوجب الوصل أيضاً.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وقومه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ج ه للآية والعطف ﴿ وعلواً ﴾ ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي فأغرقناهم ﴿ المفسدين ﴾ ه.

التفسير: تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك مصدق لما بين يديه وكتاب مبين.

فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل كائن، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير.

فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يفخى، ولأن الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما ههنا وبين ما في أول "الحجر".

ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم بالثواب.

قال جار الله: يحتمل أن يكون قوله ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ من تتمة الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل: وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل عليهم متاعب التكاليف.

وأقول: إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم المبتدأ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال، وهذه إشارة إلى وسط.

ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق.

وفيه أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقناً بأحوال المعاد لا شاكاً فيها، آتياً بالطاعات للاحتياط قائلاً: إن كنت مصيباً فيها فقد نلت السعادة وإن كنت مخطئاً فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة.

ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة، وأما المعتزلة فتأولوه بوجوه منها: أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك أعمالهم.

ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات.

ولا ريب أن إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم  ﴾ ملابسة ظاهرة للتزيين.

ومنها أنه أراد زيناً لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك أن بينا لهم حسنه وما لهم فيه من الثواب ﴿ فهم يعمهون ﴾ يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن ﴿ لهم سوء العذاب ﴾ أي القتل والأسر كيوم بدر.

ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من الأخبار العجيبة فقال ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لتؤتاه وتلقنه من عند أيّ حكيم وأيّ عليم.

و ﴿ إذ قال ﴾ منصوب بـ ﴿ عليم ﴾ أو باذكر كأنه قيل: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى العجيبة الشأن.

والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله.

وفي قوله ﴿ سآتيكم ﴾ مع قوله في "طه" و "القصص" ﴿ لعلي آتيكم  ﴾ دليل على أنه كان قوي الرجاء إلا أنه كان يجوّز النقيض، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن أبطأ لبعد المسافة أو غيره.

قالوا: في "أو" دليل على أنه جزم بوجدان أحد الأمرين ثقة بعناية الله  أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة بقوله ﴿ فلما جاءها ﴾ وقد قال في "طه" و"القصص" ﴿ فلما أتاها  ﴾ ﴿ نودي ﴾ لأنه كرر لفظ ﴿ آتيكم ﴾ ههنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق مرة أخرى.

و ﴿ أن ﴾ مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان "قد" في فعلها.

قال جار الله: معنى ﴿ بورك من في النار ﴾ بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص ﴿ نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة  ﴾ وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه.

وقيل: معنى بورك تبارك، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله  مروي عن ابن عباس.

وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله، ومن حولها الملائكة.

وقال الجبائي: ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة وهي الشأم فكانت الشجرة محلاً للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها، ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة.

وقيل: من في النار هو موسى لقربه منها، ومن حولها الملائكة.

وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشأم.

وفي قوله ﴿ وسبحان الله رب العالمين ﴾ تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين.

والهاء في ﴿ إنه ﴾ إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم ﴿ انا ﴾ وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافاً ولا عبثاً.

وقوله ﴿ وألق عصاك ﴾ معطوف على ﴿ بورك ﴾ وكلاهما تفسير ﴿ نودي ﴾ والمعنى: قيل له بورك وألق: ومعنى ﴿ لم يعقب ﴾ لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد الفر.

وإنما اقتصر ههنا على قوله ﴿ لا تخف ﴾ ولم يضف إليه أقبل كما في "القصص" لأنه أراد أن يبني عليه قوله ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون ﴾ وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم.

ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول "البقرة".

وفي الآية لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله ﴿ أني لا يخاف لديّ المرسلون ﴾ إلى أن موسى قد جعل رسولاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ إلا من ظلم ﴾ إلى ما وجد من موسى في حق القبطي، وبقوله ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى ﴿ رب إِنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي  ﴾ وقرئ "الا" بحرف التنبيه.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ ثم بدل ﴾ معطوفاً على ﴿ ظلم ﴾ إلى أن النبي المرسل بدّل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعاً عن الكلام ضائعاً، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفاً أيضاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضاً بسبب غفرانه ورحمته، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: هو البدر إلا أنه البحر زاخر *** وكقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صواباً إن شاء العزيز.

قوله ﴿ وأدخل يدك ﴾ وفي "القصص" ﴿ اسلك يدك  ﴾ موافقة لأضمم ولأن المبالغة في ﴿ أدخل ﴾ أكثر منها في ﴿ أسلك ﴾ لأن سلك لازم ومتعد.

وهناك قال ﴿ فذانك برهانان  ﴾ وههنا قال ﴿ في تسع آيات ﴾ وكان أبلغ في العدد فناسب الأبلغ في اللفظ.

قال النحويون: متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع آيات.

أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن، اذهب إلى فرعون.

وتفسير التسع قد مر في آخر "سبحان" وإنما قال ههنا ﴿ إلى فرعون وقومه ﴾ دون أن يقول ﴿ وملئه  ﴾ كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ههنا بقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ إلى قوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ينبئ عن المدح.

ومعنى ﴿ مبصرة ﴾ ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي، ويجوز أن يكون الإِبصار مجازاً باعتبار إبصار صاحبها وهو كل ذي عقل أو فرعون وقومه.

والواو في ﴿ واستيقنتها ﴾ للحال وقد مضمرة وفي زيادة ﴿ انفسهم ﴾ إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان.

وقوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ أي كبراً وترفعاً مفعول لأجلهما.

وقرئ ﴿ مبصرة ﴾ بفتح الميم نحو "مبخلة" قرأها علي بن السحين وقتادة والله أعلم.

التأويل: طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره ﴿ وكتاب مبين ﴾ فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال ﴿ هدى وبشرى للمؤمنين ﴾ بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين ﴿ زيناً لهم أعمالهم ﴾ الدنيوية النفسانية ﴿ فهم يعمهون ﴾ لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان اصم وأبكم ولهذا قال  "حبك للشيء يعمي ويصم" فيُحب الدنيا صمت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللداني والنطق به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحاً إذا ربح المولى.

وجد أبو زيد في البادية قحفاً مكتوباً عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال: هذا رأس صوفي.

وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي  بقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لا من عند جبريل بل ﴿ من لدن حكيم ﴾ تجلى لقلبك بحكمة القرآن ﴿ عليم ﴾ يعلم حيث يجعل رسالته.

ثم ضرب مثالاً لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة (قال لأهله) وهم النفس وصفاتها ﴿ إني آنست ناراً ﴾ بوادي أيمن السر ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ بتلك النار عن جمود الطبيعة ﴿ فلما جاءها ﴾ على قدمي الشوق وصدق الطلب ﴿ نودي ﴾ من الشجرة الروحانية ﴿ أن بورك من في ﴾ نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴿ ومن حولها ﴾ كالفراش يريد أن يقع فيها و ﴿ ألق ﴾ عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة ﴿ ولى مدبراً ﴾ هارباً إلى الله ﴿ ولم يعقب ﴾ لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي بـ ﴿ لا تخف ﴾ فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والالطاف لا تخاف سوى الله ﴿ إلاَّ من ظلم ﴾ نفسه بالرجوع إلى الغير ﴿ وأدخل ﴾ يد همتك في جيب قناعتك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية من لوث الدارين ﴿ في تسع آيات ﴾ من أسباب هلاك النفس وصفاتها ﴿ فانظر كيف كان عاقبة ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ طسۤ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم تأويل الحروف المعجمة وأقاويل الناس فيها؛ وكذلك الآيات قد ذكرناها.

وقوله: ﴿ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ مُّبِينٍ ﴾ أي: بين واضح؛ لأن (أبان) قد يستعمل في موضع (بان)، يقال: بان وأبان.

ويحتمل: ﴿ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: يبين أنه رسول من الله، أو يبين ما لله عليهم، أو ما لبعضهم على بعض، أو ما لهم وما عليهم.

وقوله: ﴿ هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ هُدًى ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: دعاء؛ كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ أي: داع يدعو الخلق إلى توحيد الله  ؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ هُدًى ﴾ أي: دعاء، يدعوهم إلى توحيد الله  ، فإن كان هذا فهو للناس كافة.

والثاني: جائز أن يريد بالهدى: الهدى الذي هو نقيض الضلال وضده، فهو للمؤمنين خاصة، وإن كان أراد به البيان والدعاء فهو للكل.

وقوله: ﴿ هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: يدعوهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، فإذا آمنوا كان لهم بشرى.

ثم نعت المؤمنين ووصفهم فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ﴾ أي: يقرون بهما ويؤمنون؛ لأن من الناس من كان يؤمن بالله وبرسوله، لكنهم أبوا الإيمان بالصلاة والزكاة؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ .

لا يحتمل أن يأمرهم بحبسهم إلى أن تمضي السنة فتجب الزكاة عليهم فيؤتون، فحينئذ يخلون سبيلهم، ولكن الأمر بحبسهم إلى أن يقروا بها ويؤمنوا، فيخلون عند ذلك سبيلهم.

وكذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ  ﴾ : لا يقبلونها ولا يقرون بها ليس على فعل الإيتاء، فعلى ذلك الأول يحتمل هذا.

والثاني: يحتمل الأمرين جميعاً: القبول والإقرار بها والإيتاء جميعاً، أي: إذا قبلوها وأقروا بها وأعطوها - فحينئذ يستوجبون هذه البشارة التي ذكرت.

وقوله: ﴿ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ : الإيقان بالشيء: هو العمل به من جهة الاستدلال والاجتهاد، والأسباب التي يستفاد بها العلم بالأشياء لا العلم الذاتي؛ ولذلك لا يوصف الله على الإيقان بالشيء ولا يقال: يا موقن؛ لأنه عالم بذاته لا بالأسباب، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ : الأعمال التي هم فيها بما ركب فيهم من الشهوات والأماني.

ويحتمل ﴿ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ الأعمال التي هي عليهم، أي: زين لهم الخيرات والطاعات، لكنهم أبوا أن يأتوا بها؛ فالمعتزلة قالوا بهذا التأويل، وأبوا أن يقولوا بالأول أن يكون من الله تزيين ما هم فيه من الشرك والكفر وأنواع أفعال الكفر؛ إذ أضاف تزيين ذلك إلى الشيطان حيث قال: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ ، وقال: ﴿ ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات، فقالوا: أضاف إلى الشيطان، ولا يجوز أن يضاف إلى الله ذلك بعينه؛ فدل أن الله إنما زين لهم أعمالهم التي عليهم من الإيمان والخيرات، لا الأعمال التي هم فيها.

لكن عندنا يجوز إضافة تزيين أعمالهم التي هم فيها إلى الله من جهة ما ركب فيهم من الشهوات والأماني التي توافق طباعهم وأنفسهم؛ لأن التزيين يقع بنفس الكفر وأفعاله؛ إذ الكفر نفسه ليس بمزين ولا مستحسن، إنما هو شتم رب العالمين، ولكن تزيينه واستحسانه هو موافقة ما يعمل من الأعمال طباعه والجهة التي تضاف إلى الله؛ إذ الجهة التي تضاف إلى الشيطان هو دعاؤه وتمنيه إلى ما يوافق طباعهم؛ فمن هذه الجهة يجوز إضافته إلى الشيطان، والجهة التي تضاف إلى الله هو ما ركب فيهم من الشهوات والأماني وجعل الطباع موافقة لها، وإلا الصدق وجميع الخيريات إنما يكون مزيناً مستحسناً في العقل للعاقبة، والكفر وجميع المعاصي مستقبح في العقل للعاقبة إذا حمد أحدهما وأثيب على فعله، وذم الآخر وعوقب لسوء اختياره.

أو أن يكون إضافة ذلك إلى الله لما خلق أفعالهم وأعمالهم التي عملوها، وأخرجها من العدم إلى الوجود، وهي من هذه الجهة فعله، وهو يرد قولهم في إبائهم خلق أفعال العباد.

وقوله: ﴿ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾ : قيل: يترددون، وأصل العمه: الحيرة، أي: يتحيّرون.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ ﴾ : أي: لهم ما يسوءهم من العذاب في الآخرة؛ لاختيارهم سوء الأفعال في الدنيا.

﴿ وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ ﴾ : الأخسرون والخاسرون واحد.

وجائز أن يقال: ﴿ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ ﴾ للقادة منهم والرؤساء؛ لأنهم ضلوا بأنفسهم وأضلوا غيرهم هم أخسر من الأتباع؛ كقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لتلقى القرآن من الله على يدي رسوله وهو جبريل.

والثاني: جائز أن يكون حكيم عليم هو جبريل نفسه، أي: إنك لتلقى القرآن من لدن جبريل، وهو حكيم يضع الوحي والقرآن حيث أمر بوضعه فيه؛ إذ الحكيم: هو المصيب في فعله الواضع للشيء موضعه، وعليم بما أمر به وأرسل وهو كذلك كان؛ إذ يجوز أن يقال للمخلوق: حكيم عليم؛ ألا ترى إلى قول يوسف: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا جائز، والأول أشبه.

أي: إنك لتأخذ القرآن من لدن حكيم عليم على يدي رسوله جبريل، فما يأخذ من رسوله كأنه يأخذ من عند مرسله؛ إذ الرسول إنما يؤدي كلا مرسله.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ ﴾ يقال: تلقيته: أخذته.

وكذلك قال القتبي: ﴿ لَتُلَقَّى ﴾ أي: لتأخذه.

وقال محمد بن إسحاق: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ ﴾ أي: لتؤتى بالقرآن؛ كقوله: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ  ﴾ أي: وما يؤتيها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن كافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، حسنا لهم أعمالهم السيئة، فاستمروا على فعلها، فهم متحيِّرون لا يهتدون إلى صواب ولا رشد.

<div class="verse-tafsir" id="91.yZMjv"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله