الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٤٤ من سورة النمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 149 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٤ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ) وذلك أن سليمان ، عليه السلام أمر الشياطين فبنوا لها قصرا عظيما من قوارير ، أي : من زجاج ، وأجرى تحته الماء ، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء ، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه .
واختلفوا في السبب الذي دعا سليمان ، عليه السلام ، إلى اتخاذه ، فقيل : إنه لما عزم على تزويجها واصطفائها لنفسه ; ذكر له جمالها وحسنها ، ولكن في ساقيها هلب عظيم ، ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابة .
فساءه ذلك ، فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا ؟
- هذا قول محمد بن كعب القرظي ، وغيره - فلما دخلت وكشفت عن ساقيها ، رأى أحسن الناس وأحسنه قدما ، ولكن رأى على رجليها شعرا ; لأنها ملكة ليس لها بعل فأحب أن يذهب ذلك عنها فقيل لها : الموسى ؟
فقالت : لا أستطيع ذلك .
وكره سليمان ذلك ، وقال للجن : اصنعوا شيئا غير الموسى يذهب به هذا الشعر ، فصنعوا له النورة .
وكان أول من اتخذت له النورة ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، ومحمد بن كعب القرظي ، والسدي ، وابن جريج ، وغيرهم .
وقال محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان : ثم قال لها : ادخلي الصرح ، ليريها ملكا هو أعز من ملكها ، وسلطانا هو أعظم من سلطانها .
فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ، لا تشك أنه ماء تخوضه ، فقيل لها : إنه صرح ممرد من قوارير .
فلما وقفت على سليمان ، دعاها إلى عبادة الله وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله .
وقال الحسن البصري : لما رأت العلجة الصرح عرفت - والله - أن قد رأت ملكا أعظم من ملكها .
وقال محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه قال : أمر سليمان بالصرح ، وقد عملته له الشياطين من زجاج ، كأنه الماء بياضا .
ثم أرسل الماء تحته ، ثم وضع له فيه سريره ، فجلس عليه ، وعكفت عليه الطير والجن والإنس ، ثم قال : ادخلي الصرح ، ليريها ملكا هو أعز من ملكها ، وسلطانا هو أعظم من سلطانها ( فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ) ، لا تشك أنه ماء تخوضه ، قيل لها : ( إنه صرح ممرد من قوارير ) ، فلما وقفت على سليمان ، دعاها إلى عبادة الله ، عز وجل ، وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله .
فقالت بقول الزنادقة ، فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت ، وسجد معه الناس ، فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع ، فلما رفع سليمان رأسه قال : ويحك !
ماذا قلت ؟
- قال : وأنسيت ما قالت فقالت : ( رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) ، فأسلمت وحسن إسلامها .
وقد روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في هذا أثرا غريبا عن ابن عباس ، قال : حدثنا الحسين بن علي ، عن زائدة ، حدثني عطاء بن السائب ، حدثنا مجاهد ، ونحن في الأزد - قال : حدثنا ابن عباس قال : كان سليمان ، عليه السلام ، يجلس على سريره ، ثم توضع كراسي حوله ، فيجلس عليها الإنس ، ثم يجلس الجن ، ثم الشياطين ، ثم تأتي الريح فترفعهم ، ثم تظلهم الطير ، ثم يغدون قدر ما يشتهي الراكب أن ينزل شهرا ورواحها شهرا ، قال : فبينما هو ذات يوم في مسير له ، إذ تفقد الطير ففقد الهدهد فقال : ( ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ) ، قال : فكان عذابه إياه أن ينتفه ، ثم يلقيه في الأرض ، فلا يمتنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض .
قال عطاء : وذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل حديث مجاهد ( فمكث غير بعيد ) - فقرأ حتى انتهى إلى قوله - ( قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا ) وكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، إلى بلقيس : ( ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ) ، فلما ألقى الهدهد بالكتاب إليها ، ألقي في روعها : إنه كتاب كريم ، وإنه من سليمان ، وأن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين .
قالوا : نحن أولو قوة .
قالت : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ، وإني مرسلة إليهم بهدية .
فلما جاءت الهدية سليمان قال : أتمدونني بمال ، ارجع إليهم .
فلما نظر إلى الغبار - أخبرنا ابن عباس قال : وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة ، قال عطاء : ومجاهد حينئذ في الأزد - قال سليمان : أيكم يأتيني بعرشها ؟
قال : وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين ، ( قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ) .
قال : وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس ، كما يجلس الأمراء ثم يقوم - قال : ( أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ) .
قال سليمان : أريد أعجل من ذلك .
فقال الذي عنده علم من الكتاب : أنا أنظر في كتاب ربي ، ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك .
قال : [ فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره ] ، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان ، من تحت كرسي كان سليمان يضع عليه رجله ، ثم يصعد إلى السرير .
قال : فلما رأى سليمان عرشها [ مستقرا عنده ] قال : ( هذا من فضل ربي ) ، ( قال نكروا لها عرشها ) ، فلما جاءت قيل لها : أهكذا عرشك ؟
قالت : كأنه هو .
قال : فسألته عن أمرين ، قالت لسليمان : أريد ماء [ من زبد رواء ] ليس من أرض ولا من سماء - وكان سليمان إذا سئل عن شيء ، سأل الإنس ثم الجن ثم الشياطين .
[ قال ] فقالت الشياطين : هذا هين ، أجر الخيل ثم خذ عرقها ، ثم املأ منه الآنية .
قال : فأمر بالخيل فأجريت ، ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية .
قال : وسألت عن لون الله عز وجل .
قال : فوثب سليمان عن سريره ، فخر ساجدا ، فقال : يا رب ، لقد سألتني عن أمر إنه يتكايد ، أي : يتعاظم في قلبي أن أذكره لك .
قال : ارجع فقد كفيتكهم ، قال : فرجع إلى سريره فقال : ما سألت عنه ؟
قالت : ما سألتك إلا عن الماء .
فقال لجنوده : ما سألت عنه ؟
فقالوا : ما سألتك إلا عن الماء .
قال : ونسوه كلهم .
قال : وقالت الشياطين لسليمان : تريد أن تتخذها لنفسك ، فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينهما ولد ، لم ننفك من عبوديته .
قال : فجعلوا صرحا ممردا من قوارير ، فيه السمك .
قال : فقيل لها : ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة ، وكشفت عن ساقيها ، فإذا هي شعراء .
فقال سليمان : هذا قبيح ، ما يذهبه ؟
فقالوا : تذهبه المواسي .
فقال : أثر الموسى قبيح !
قال : فجعلت الشياطين النورة .
قال : فهو أول من جعلت له النورة .
ثم قال أبو بكر بن أبي شيبة : ما أحسنه من حديث .
قلت : بل هو منكر غريب جدا ، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس ، والله أعلم .
والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب ، مما يوجد في صحفهم ، كروايات كعب ووهب - سامحهما الله تعالى - فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل ، من الأوابد والغرائب والعجائب ، مما كان وما لم يكن ، ومما حرف وبدل ونسخ .
وقد أغنانا الله ، سبحانه ، عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ، ولله الحمد والمنة .
أصل الصرح في كلام العرب : هو القصر ، وكل بناء مرتفع ، قال الله ، سبحانه وتعالى ، إخبارا عن فرعون - لعنه الله - أنه قال لوزيره هامان ( ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى ) الآية [ غافر : 36 ، 37 ] .
والصرح : قصر في اليمن عالي البناء ، والممرد أي : المبني بناء محكما أملس ( من قوارير ) أي : زجاج .
وتمريد البناء تمليسه .
ومارد : حصن بدومة الجندل .
والغرض أن سليمان ، عليه السلام ، اتخذ قصرا عظيما منيفا من زجاج لهذه الملكة ; ليريها عظمة سلطانه وتمكنه ، فلما رأت ما آتاه الله ، تعالى ، وجلالة ما هو فيه ، وتبصرت في أمره انقادت لأمر الله وعرفت أنه نبي كريم ، وملك عظيم ، فأسلمت لله ، عز وجل ، وقالت : ( رب إني ظلمت نفسي ) أي : بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها الشمس من دون الله ، ( وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) أي : متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده ، لا شريك له ، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا .
ذُكر أن سليمان لما أقبلت صاحبة سبإ تريده, أمر الشياطين فبنوا له صرحا, وهو كهيئة السطح من قوارير, وأجرى من تحته الماء ليختبر عقلها بذلك, وفهمها على نحو الذي كانت تفعل هي من توجيهها إليه الوصائف والوصفاء ليميز بين الذكور منهم والإناث معاتبة بذلك كذلك.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال: أمر سليمان بالصرح, وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضا, ثم أرسل الماء تحته, ثم وضع له فيه سريره, فجلس عليه, وعكفت عليه الطير والجنّ والإنس, ثم قال: (ادْخُلِي الصَّرْحَ ) ليريها مُلكا هو أعزُ من ملكها, وسلطانا هو أعظم من سلطانها(فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) لا تشكُّ أنه ماء تخوضه, قيل لها: ادخلي إنه صرح ممرّد من قوارير; فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله ونعى عليها في عبادتها الشمس دون الله, فقالت بقول الزنادقة, فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت, وسجد معه الناس; وسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع; فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك ماذا قلت؟
قال: وأُنْسِيت ما قالت: , فقالت: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وأسلمت, فحسن إسلامها.
وقيل: إن سليمان إنما أمر ببناء الصرح على ما وصفه الله, لأن الجنّ خافت من سليمان أن يتزوّجها, فأرادوا أن يزهدوه فيها, فقالوا: إن رجلها رجل حمار, وإن أمها كانت من الجنّ, فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجنّ من ذلك.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب القرظيّ, قال: قالت الجنّ لسليمان تزهِّده في بلقيس: إن رجلها رجل حمار, وإن أمها كانت من الجنّ.
فأمر سليمان بالصرح, فعُمِل, فسجن فيه دواب البحر: الحيتان, والضفادع; فلما بصرت بالصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابا يقتلني به إلا الغرق؟(حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) قال: فإذا أحسن الناس ساقا وقدما.
قال: فضنّ سليمان بساقها عن الموسى, قال: فاتخذت النورة بذلك السبب.
وجائز عندي أن يكون سليمان أمر باتخاذ الصرح للأمرين الذي قاله وهب, والذي قاله محمد بن كعب القرظيّ, ليختبر عقلها, وينظر إلى ساقها وقدمها, ليعرف صحة ما قيل له فيها.
وكان مجاهد يقول -فيما ذكر عنه في معنى الصرح- ما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: &; 19-474 &; ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( الصرْحَ ) قال: بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها.
قال: وكانت بلقيس هلباء شعراء, قدمها كحافر الحمار, وكانت أمها جنية.
حدثني أحمد بن الوليد الرملي, قال: ثنا هشام بن عمار, قال: ثنا الوليد بن مسلم, عن سعيد بن بشير, عن قَتادة, عن النضر بن أنس, عن بشير بن نهيك, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان أحد أبوي صاحبة سبإ جنبا ".
قال: ثنا صفوان بن صالح, قال: ثني الوليد, عن سعيد بن بشير, عن قَتادة, عن بشير بن نهيك, عن أبي هريرة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, ولم يذكر النضر بن أنس.
وقوله: (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) يقول: فلما رأت المرأة الصرح حسبته لبياضه واضطراب دواب الماء تحته لجة بحر كشفت من ساقيها؛ لتخوضه إلى سليمان.
ونحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) قال: وكان من قوارير, وكان الماء من خلفه فحسبته لجة.
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: (حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) قال: بحرا.
حدثنا عمرو بن عليّ, قال: ثنا ابن سوار, قال: ثنا روح بن القاسم, عن عطاء بن السائب, عن مجاهد, في قوله: (وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) فإذا هما شعراوان, فقال: ألا شيء يذهب هذا؟
قالوا: الموسى, قال: لا الموسى له أثر, فأمر بالنورة فصنعت.
حدثني أبو السائب, قال: ثنا حفص, عن عمران بن سليمان, عن عكرمة وأبي صالح قالا لما تزوّج سليمان بلقيس قالت له: لم تمسني حديدة قطّ، قال سليمان للشياطين: انظروا ما يُذهب الشعر؟
قالوا: النورة, فكان أوّل من صنع النورة.
وقوله: (إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ) يقول جلّ ثناؤه: قال سليمان لها: إن هذا ليس ببحر, إنه صرح ممرّد من قوارير, يقول: إنما هو بناء مبني مشيد من قوارير.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( مُمَرَّدٌ ) قال: مشيد.
وقوله: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ )...
الآية, يقول تعالى ذكره: قالت المرأة صاحبة سبإ: رب إني ظلمت نفسي في عبادتي الشمس, وسجودي لما دونك (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ ) تقول: وانقدت مع سليمان مذعنة لله بالتوحيد, مفردة له بالألوهة والربوبية دون كل من سواه.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في: (حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) قال: (إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ) فَعرفت أنها قد غلبت (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ).
قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة التقدير عند سيبويه : ادخلي إلى الصرح فحذف [ ص: 194 ] ( إلى ) وعدي الفعل .
وأبو العباس يغلطه في هذا ; قال : لأن ( دخل ) يدل على مدخول .
وكان الصرح صحنا من زجاج تحته ماء وفيه الحيتان ، عمله ليريها ملكا أعظم من ملكها ; قاله مجاهد .
وقال قتادة : كان من قوارير خلفه ماء حسبته لجة أي ماء .
وقيل : الصرح : القصر ; عن أبي عبيدة .
كما قال :تحسب أعلامهن الصروحاوقيل : الصرح : الصحن ; كما يقال : هذه صرحة الدار وقاعتها ; بمعنى .
وحكى أبو عبيدة في الغريب المصنف أن الصرح كل بناء عال مرتفع من الأرض ، وأن الممرد الطويل .
النحاس : أصل هذا أنه يقال لكل بناء عمل عملا واحدا : صرح ; من قولهم : لبن صريح : إذا لم يشبه ماء ; ومن قولهم : صرح بالأمر ، ومنه : عربي صريح .
وقيل : عمله ليختبر قول الجن فيها : إن أمها من الجن ، ورجلها رجل حمار ; قاله وهب بن منبه .
فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنه قصد بها الغرق ، وتعجبت من كون كرسيه على الماء ، ورأت ما هالها ، ولم يكن لها بد من امتثال الأمر .
وكشفت عن ساقيها فإذا هي أحسن الناس ساقا ; سليمة مما قالت الجن ، غير أنها كانت كثيرة الشعر ، فلما بلغت هذا الحد ، قال لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها : إنه صرح ممرد من قوارير والممرد المحكوك المملس ، ومنه الأمرد .
وتمرد الرجل : إذا أبطأ خروج لحيته بعد إدراكه ; قاله الفراء .
ومنه الشجرة المرداء التي لا ورق عليها .
ورملة مرداء إذا كانت لا تنبت .
والممرد أيضا المطول ، ومنه قيل للحصن مارد .
أبو صالح : طويل على هيئة النخلة .
ابن شجرة : واسع في طوله وعرضه .
قال :غدوت صباحا باكرا فوجدتهم قبيل الضحى في السابري الممردأي الدروع الواسعة .وعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم ; على ما يأتي .
ولما رأى سليمان عليه السلام قدميها قال لناصحه من الشياطين : كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة بالجسد ؟
فدله على عمل النورة ، فكانت النورة والحمامات من يومئذ .
فيروى أن سليمان تزوجها عند ذلك وأسكنها الشام ; قاله الضحاك .[ ص: 195 ] وقال سعيد بن عبد العزيز في كتاب النقاش : تزوجها وردها إلى ملكها : باليمن ، وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة ; فولدت له غلاما سماه داود مات في زمانه .
وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كانت بلقيس من أحسن نساء العالمين ساقين وهي من أزواج سليمان عليه السلام في الجنة فقالت عائشة : هي أحسن ساقين مني ؟
فقال عليه السلام : أنت أحسن ساقين منها في الجنة ذكره القشيري .
وذكر الثعلبي عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود فلما ألصق ظهره إلى الجدار فمسه حرها قال أواه من عذاب الله .
ثم أحبها حبا شديدا وأقرها على ملكها باليمن ، وأمر الجن فبنوا لها ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا : سلحون وبينون وعمدان ، ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة ، ويقيم عندها ثلاثة أيام .
وحكى الشعبي أن ناسا من حمير حفروا مقبرة الملوك ، فوجدوا فيها قبرا معقودا فيه امرأة عليها حلل منسوجة بالذهب ، وعند رأسها لوح رخام فيه مكتوب :يا أيها الأقوام عوجوا معا وأربعوا في مقبري العيسالتعلموا أني تلك التي قد كنت أدعى الدهر بلقيساشيدت قصر الملك في حمير قومي وقدما كان مأنوساوكنت في ملكي وتدبيره أرغم في الله المعاطيسابعلي سليمان النبي الذي قد كان للتوراة دريساوسخر الريح له مركبا تهب أحيانا رواميسامع ابن داود النبي الذي قدسه الرحمن تقديساوقال محمد بن إسحاق ووهب بن منبه : لم يتزوجها سليمان ، وإنما قال لها : اختاري زوجا ; فقالت : مثلي لا ينكح وقد كان لي من الملك ما كان .
فقال : لا بد في الإسلام من ذلك .
فاختارت ذا تبع ملك همدان ، فزوجه إياها وردها إلى اليمن ، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه ، فبنى له المصانع ، ولم يزل أميرا حتى مات سليمان .
وقال قوم : لم يرد فيه خبر صحيح لا في أنه تزوجها ولا في أنه زوجها .
وهي بلقيس بنت السرح بن الهداهد بن شراحيل بن أدد بن حدر بن السرح بن الحرس بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح .
وكان جدها الهداهد ملكا [ ص: 196 ] عظيم الشأن قد ولد له أربعون ولدا كلهم ملوك ، وكان ملك أرض اليمن كلها ، وكان أبوها السرح يقول لملوك الأطراف : ليس أحد منكم كفؤا لي ، وأبى أن يتزوج منهم ، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن ، فولدت له بلقمة وهي بلقيس ، ولم يكن له ولد غيرها .
وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم : كان أحد أبوي بلقيس جنيا فمات أبوها ، واختلف عليها قومها فرقتين ، وملكوا أمرهم رجلا فساءت سيرته ، حتى فجر بنساء رعيته ، فأدركت بلقيس الغيرة ، فعرضت عليه نفسها فتزوجها ، فسقته الخمر حتى حزت رأسه ، ونصبته على باب دارها فملكوها .
وقال أبو بكرة : ذكرت بلقيس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة .
ويقال : إن سبب تزوج أبيها من الجن أنه كان وزيرا لملك عات يغتصب نساء الرعية ، وكان الوزير غيورا فلم يتزوج ، فصحب مرة في الطريق رجلا لا يعرفه ، فقال هل لك من زوجة ؟
فقال : لا أتزوج أبدا ، فإن ملك بلدنا يغتصب النساء من أزواجهن ، فقال لئن تزوجت ابنتي لا يغتصبها أبدا .
قال : بل يغتصبها .
قال : إنا قوم من الجن لا يقدر علينا ; فتزوج ابنته فولدت له بلقيس ; ثم ماتت الأم وابتنت بلقيس قصرا في الصحراء ، فتحدث أبوها بحديثها غلطا ، فنمى للملك خبرها فقال له : يا فلان تكون عندك هذه البنت الجميلة وأنت لا تأتيني بها ، وأنت تعلم حبي للنساء ثم أمر بحبسه ، فأرسلت بلقيس إليه إني بين يديك ; فتجهز للمسير إلى قصرها ، فلما هم بالدخول بمن معه أخرجت إليه الجواري من بنات الجن مثل صورة الشمس ، وقلن له ألا تستحي ؟
تقول لك سيدتنا : أتدخل بهؤلاء الرجال معك على أهلك ؟
فأذن لهم بالانصراف ودخل وحده ، وأغلقت عليه الباب وقتلته بالنعال ، وقطعت رأسه ورمت به إلى عسكره ، فأمروها عليهم ، فلم تزل كذلك إلى أن بلغ الهدهد خبرها سليمان عليه السلام .
وذلك أن سليمان لما نزل في بعض منازله قال الهدهد : إن سليمان قد اشتغل بالنزول ، فارتفع نحو السماء فأبصر طول الدنيا وعرضها ، فأبصر الدنيا يمينا وشمالا ، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد ، وكان اسم ذلك الهدهد عفير ، فقال عفير اليمن ليعفور سليمان : من أين أقبلت ؟
وأين [ ص: 197 ] تريد ؟
قال : أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود .
قال : ومن سليمان ؟
قال : ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحش والريح وكل ما بين السماء والأرض .
فمن أين أنت ؟
قال : من هذه البلاد ; ملكها امرأة يقال لها بلقيس ، تحت يدها اثنا عشر ألف قيل ، تحت يد كل قيل مائة ألف مقاتل من سوى النساء والذراري ; فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها ، ورجع إلى سليمان وقت العصر ، وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة فلم يجده ، وكانوا على غير ماء .
قال ابن عباس في رواية : وقعت عليه نفحة من الشمس .
فقال لوزير الطير : هذا موضع من ؟
قال : يا نبي الله هذا موضع الهدهد قال : وأين ذهب ؟
قال : لا أدري أصلح الله الملك .
فغضب سليمان وقال : لأعذبنه عذابا شديدا الآية .
ثم دعا بالعقاب سيد الطير وأصرمها وأشدها بأسا فقال : ما تريد يا نبي الله ؟
فقال : علي بالهدهد الساعة .
فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى لزق بالهواء ، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن ، فانقض نحوه وأنشب فيه مخلبه .
فقال له الهدهد : أسألك بالله الذي أقدرك وقواك علي إلا رحمتني .
فقال له : الويل لك ; وثكلتك أمك !
إن نبي الله سليمان حلف أن يعذبك أو يذبحك .
ثم أتى به فاستقبلته النسور وسائر عساكر الطير .
وقالوا الويل لك ; لقد توعدك نبي الله .
فقال : وما قدري وما أنا !
أما استثنى ؟
قالوا : بلى إنه قال : أو ليأتيني بسلطان مبين ثم دخل على سليمان فرفع رأسه ، وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعا لسليمان عليه السلام .
فقال له سليمان : أين كنت عن خدمتك ومكانك ؟
لأعذبنك عذابا شديدا أو لأذبحنك .
فقال له الهدهد : يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة وقوفي بين يديك .
فاقشعر جلد سليمان وارتعد وعفا عنه .
وقال عكرمة : إنما صرف الله سليمان عن ذبح الهدهد أنه كان بارا بوالديه ; ينقل الطعام إليهما فيزقهما .
ثم قال له سليمان : ما الذي أبطأ بك ؟
فقال الهدهد ما أخبر الله عن بلقيس وعرشها وقومها حسبما تقدم بيانه .
قال الماوردي : والقول بأن أم بلقيس جنية مستنكر من العقول لتباين الجنسين ، واختلاف الطبعين ، وتفارق الحسين ; لأن الآدمي جسماني والجن روحاني ، وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار ، وخلق الجان من مارج من نار ، ويمنع الامتزاج مع هذا التباين ، ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف .قلت : قد مضى القول في هذا ، والعقل لا يحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك ، وإذا نظر في أصل الخلق فأصله الماء على ما تقدم بيانه ، ولا بعد في ذلك ; والله أعلم .
وفي التنزيل [ ص: 198 ] وشاركهم في الأموال والأولاد وقد تقدم .
وقال تعالى : لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان .
على ما يأتي في ( الرحمن ) .قوله تعالى : قالت رب إني ظلمت نفسي أي بالشرك الذي كانت عليه ; قاله ابن شجرة .
وقال سفيان : أي بالظن الذي توهمته في سليمان ; لأنها لما أمرت بدخول الصرح حسبته لجة ، وأن سليمان يريد تغريقها فيه .
فلما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن .
وكسرت ( إن ) لأنها مبتدأة بعد القول .
ومن العرب من يفتحها فيعمل فيها القول .
وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين إذا سكنت ( مع ) فهي حرف جاء لمعنى بلا اختلاف بين النحويين .
وإذا فتحتها ففيها قولان : أحدهما : أنه بمعنى الظرف اسم .
والآخر : أنه حرف خافض مبني على الفتح ; قاله النحاس .
فـ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ماء لأن القوارير شفافة، يرى الماء الذي تحتها كأنه بذاته يجري ليس دونه شيء، وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا للخياضة وهذا أيضا من عقلها وأدبها، فإنها لم تمتنع من الدخول للمحل الذي أمرت بدخوله لعلمها أنها لم تستدع إلا للإكرام وأن ملك سليمان وتنظيمه قد بناه على الحكمة ولم يكن في قلبها أدنى شك من حالة السوء بعد ما رأت ما رأت.
فلما استعدت للخوض قيل لها: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ أي: مملس مِنْ قَوَارِيرَ فلا حاجة منك لكشف الساقين.
فحينئذ لما وصلت إلى سليمان وشاهدت ما شاهدت وعلمت نبوته ورسالته تابت ورجعت عن كفرها و قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
فهذا ما قصه الله علينا من قصة ملكة سبأ وما جرى لها مع سليمان، وما عدا ذلك من الفروع المولدة والقصص الإسرائيلية فإنه لا يتعلق بالتفسير لكلام الله وهو من الأمور التي يقف الجزم بها، على الدليل المعلوم عن المعصوم، والمنقولات في هذا الباب كلها أو أكثرها ليس كذلك، فالحزم كل الحزم، الإعراض عنها وعدم إدخالها في التفاسير.
والله أعلم.
قوله - عز وجل - : ( قيل لها ادخلي الصرح ) الآية ، وذلك أن سليمان أراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفها ، لما قالت الشياطين : إن رجليها كحافر الحمار ، وهي شعراء الساقين ، أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي : قصرا من زجاج ، وقيل بيتا من زجاج كأنه الماء بياضا ، وقيل : الصرح صحن الدار ، وأجرى تحته الماء ، وألقى فيه كل شيء من دواب البحر السمك والضفادع وغيرهما ، ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس .
وقيل : اتخذ صحنا من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع ، فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء .
وقيل : إنما بنى الصرح ليختبر فهمها كما فعلت هي بالوصفاء والوصائف فلما جلس على السرير دعا بلقيس ، فلما جاءت قيل لها ادخلي الصرح .
( فلما رأته حسبته لجة ) وهي معظم الماء ، ( وكشفت عن ساقيها ) لتخوضه إلى سليمان ، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا إلا أنها كانت شعراء الساقين ، فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنه وناداها ( قال إنه صرح ممرد ) مملس مستو ، ( من قوارير ) وليس بماء ، ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام ، وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت ، و ( قالت رب إني ظلمت نفسي ) بالكفر .
وقال مقاتل : لما رأت السرير والصرح علمت أن ملك سليمان من الله فقالت : رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك ، ( وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) أي : أخلصت له التوحيد .
وقيل : إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة ، قالت في نفسها : إن سليمان يريد أن يغرقني ، وكان القتل علي أهون من هذا ، فقولها : " ظلمت نفسي " تعني بذلك الظن .
واختلفوا في أمرها بعد إسلامها ، قال عون بن عبد الله : سأل رجل عبد الله بن عتبة : هل تزوجها سليمان ؟
قال : انتهى أمرها إلى قولها : أسلمت مع سليمان لله رب العالمين ، يعني : لا علم لنا وراء ذلك .
وقال بعضهم : تزوجها ، ولما أراد أن يتزوجها كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها ، فسأل الإنس : ما يذهب هذا ؟
قالوا : الموسى ، فقالت المرأة : لم تمسني حديدة قط ، فكره سليمان الموسى ، وقال : إنها تقطع ساقيها ، فسأل الجن فقالوا : لا ندري ، ثم سأل الشياطين فقالوا : إنا نحتال لك حيلة حتى تكون كالفضة البيضاء ، فاتخذوا النورة والحمام ، فكانت النورة والحمامات من يومئذ فلما تزوجها سليمان أحبها حبا شديدا ، وأقرها على ملكها ، وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا ، وهي : سلحين وبينون وعمدان .
ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة بعد أن ردها إلى ملكها ويقيم عندها ثلاثة أيام ، يبتكر من الشام إلى اليمن ، ومن اليمن إلى الشام ، وولدت له فيما ذكر وروي عن وهب قال : زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان : اختاري رجلا من قومك أزوجكه ، قالت : ومثلي يا نبي الله تنكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان ؟
قال : نعم ، إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك ، ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله لك ، فقالت : زوجني إن كان لا بد من ذلك ذا تبع ملك همذان فزوجه إياها ، ثم ردها إلى اليمن ، وسلط زوجها ذا تبع على اليمن ، ودعا زوبعة أمير جن اليمن ، فقال : اعمل لذي تبع ما استعملك فيه ، فلم يزل بها ملكا يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ، فلما أن حال الحول ، وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته : يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات ، فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا ، وانقضى ملك ذي تبع ، وملك بلقيس مع ملك سليمان .
وقيل : إن الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة .
«قيل لها» أيضاً «ادخلي الصرح» هو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء عذب جار فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار «فلما رأته حسبته لجة» من الماء «وكشفت عن ساقيها» لتخوضه وكان سليمان على سريره في صدر الصرح فرأى ساقيها وقدميها حساناً «قال» لها «إنه صرح ممرد» مملس «من قوارير» من زجاج ودعاها إلى الإسلام «قالت رب إني ظلمت نفسي» بعبادة غيرك «وأسلمت» كائنة «مع سليمان لله رب العالمين» وأراد تزوجها فكره شعر ساقيها فعملت له الشياطين النورة فأزالته بها فتزوجها وأحبها وأقرها على ملكها وكان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة فسبحان من لا انقضاء لدوام ملكه.
قيل لها: ادخلي القصر، وكان صحنه مِن زجاج تحته ماء، فلما رأته ظنته ماء تتردد أمواجه، وكشفت عن ساقيها لتخوض الماء، فقال لها سليمان: إنه صحن أملس من زجاج صاف والماء تحته.
فأدركت عظمة ملك سليمان، وقالت: رب إني ظلمت نفسي بما كنت عليه من الشرك، وانقدتُ متابعة لسليمان داخلة في دين رب العالمين أجمعين.
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان ما فاجأها به سليمان ، لتزداد يقينا بوحدانية الله - تعالى - ، وبعظم النعم التى أعطاها - سبحانه - له فقال : ( قِيلَ لَهَا ادخلي الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ) .والصرح : القصر ويطلق على كل بناء مرتفع .
ومنه قوله - تعالى - : ( وَقَالَ فَرْعَوْنُ ياهامان ابن لِي صَرْحاً لعلي أَبْلُغُ الأسباب ) ويطلق - أيضا - على صحن الدار وساحته .
يقال : هذه صرحة الدار .
أى : ساحتها وعرصتها .وكان سليمان - عليه السلام - قد بنى هذا الصرح ، وجعل بلاطه من زجاج نقى صاف كالبلور .
بحيث يرى الناظر ما يجرى تحته من ماء .أى : قال سليمان لملكة سبأ بعد أن سألها : أهكذا عرشك ، وبعد أن أجابته بما سبق بيانه .
قال لها : ادخلى هذا القصر ، فلما رأت هذا الصرح وما عليه من جمال وفخامة ، حسبته لجة ، أى : ظنته ماء غزيرا كالبحر .( وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ) لئلا تبتل بالماء أذيال ثيابها .وهنا قال سليمان مزيلا لما اعتراها من دهشة : ( إِنَّهُ ) أى : ما حسبته لجة ( صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ ) أى : قصر مملس من زجاج لا يحجب ما وراءه .فقوله ( مُّمَرَّدٌ ) بمعنى مملس ، مأخوذ من قولهم : شجرة مرداء إذا كانت عارية من الورق ، وغلام أمرد ، إذا لم يكن فى وجهه شعر والتمريد فى البناء ، معناه : التمليس والتسوية والنعومة .والقوارير : جمع قارورة ، وهى إناء من زجاج ، وتطلق القارورة على المرأة ، لأن الولد يقر فى رحمها ، أو تشبيها لها بآنية الزجاج من حيث ضعفها ، ومنه الحديث الشريف : " رفقا بالقوارير " والمراد بالقوارير هنا .
المعنى الأول .ثم حكى - سبحانه - ما قالته بلقيس بعد أن رأت جانبا من عداب صنع الله فقال : ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) أى : بسبب عبادى لغيرك قبل هذا الوقت .
.
.
( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ) طائعة مختارة ، وإسلامى إنما هو ( لِلَّهِ رَبِّ العالمين ) وليس لأحد سواه .وبعد ، فهذا تفسير محرر لتلك القصة ، وقد أعرضنا عن كثير من الإسرائيليات التى حشا بها بعض المفسرين تفاسيرهم ، عند حديثهم عن الآيات التى وردت فى هذه القصة ، ومن ذلك ما يتعلق بسليمان - عليه السلام - وبجنوده من الطير .
وبمحاورة النملة له ، وبالهدية التى أرسلتها ملكة سبأ إليه ، وبما قالته الشياطين لسليمان عن هذه المرأة .
.
الخ وقد اشتملت هذه القصة على عبر وعظات وأحكام وآداب ، من أهمها ما يأتى :1 - أن الله - تعالى - قد أعطى - بفضله وإحسانه - داود وسليمان - عليهما السلام - نعما عظيمة ، على رأسها نعمة النبوة ، والملك ، والعلم النافع .وأنهما قد قابلا هذه النعم بالشكر لله - تعالى - واستعمالها فيما خلقت له .ونرى ذلك فى قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المؤمنين ) وفى قوله - تعالى - : ( رَبِّ أوزعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ) وفى قوله - سبحانه - : ( هذا مِن فَضْلِ رَبِّي ليبلوني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) 2 - أن سليمان - عليه السلام - قد أقام دولته على الإيمان بالله - تعالى - وعلى العلم النافع ، وعلى القوة العادلة .أما الإيمان بالله - تعالى - وإخلاص العبادة له - سحبانه - ، فهو كائن له - عليه السلام - بمقتضى نبوته التى اختاره الله لها ، وبمقتضى دعوته إلى وحدانية الله - عز وجل - فقد حكى القرآن عنه أنه قال فى رسالته إلى ملكة سبأ : ( إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ )وأما العلم النافع ، فيكفى أن القصة الكريمة قد افتتحت بقوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً .
.
) واشتملت على قوله - سبحانه - : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ ياأيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير .
.
) وعلى قوله - عز و جل - : ( قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) وأما القوة ، فنراها فى قوله - تعالى - : ( وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ ) وفى قوله - سبحانه ( ارجع إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) 3 - أن سليمان عليه السلام كانت رسالته الأولى نشر الإيمان بالله - تعالى - فى الأرض ، وتطهيرها من كل معبود سواه .والدليل على ذلك أن الهدهد عندما أخبره بحال الملكة التى كانت هى وقومها يعبدون الشمس من دون الله .
.
.ما كان من سليمان - عليه السلام - إلا أن حمله كتابا قويا بليغا يأمرهم فيه بترك التكبر والغرور ، وبإسلام وجوهمم لله وحده : ( أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) 4 - أن سليمان - عليه السلام - كان يمثل الحاكم اليقظ المتنبه لأحوال رعيته ، حيث يعرف شئونها الصغيرة والكبيرة ، ويعرف الحاضر من أفرادها والغائب ، حتى ولو كان الغائب طيرا صغيرا ، من بين آلاف الخلائق الذين هم تحت قيادته .ولقد صور القرآن ما كان عليه سليمان - عليه السلام - من يقظة ودراية بأفراد رعيته أبدع تصوير فقال : ( وَتَفَقَّدَ الطير فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين ) قال الإمام القرطبى : رحمه الله - : فى هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته ، والمحافظة عليهم ، فانظر إلى الهدهد مع صغره ، كيف لم يَخْفَ على سليمان حاله ، فكيف بعظام الملك .
.ثم يقول - رحمه الله - على سبيل التفجع والشكوى عن حال الولاة فى عهده : فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان ، وتضيع الرعية ويضيع الرعيان .
.
.
ورحم الله القائل :وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ ...
وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها5 - أن سليمان - عليه السلام - كان بجانب تعهده لشئون رعيته ، يمثل الحاكم الحازم العادل ، الذى يحاسب المهمل ، ويتوعد المقصر ، ويعاقب من يستحق العقاب ، وفى الوقت نفسه يقبل عذر المعتذر متى اعتذر عذرا مشروعا ومقنعا .انظر إليه وهو يقول - كما حكى القرآن عنه - عندما تفقد الهدهد فلم يجده : ( لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) إن الجيوش الجرارة التى تحت قيادة سليمان - عليه السلام - لا تؤثر فيها غياب هدهد منها .
.
.
ولكن سليمان القائد الحازم ، كأنه يريد أن يعلم جنوده ، أن لكل جندى رسالته التى يجب عليه أن يؤديها على الوجه الأكمل سواء أكان هذا الجندى صغيرا أم كبيرا ، وأ ، من فرط فى الأمور الصغيرة ، لا يستبعد منه أن يفرط فى الأمور الكبيرة .6 - أن الجندى الصغير فى الأمة التى يظلها العدل والحرية والأمان .
.
.
لا يمنعه صغره من أن يرد على الحاكم الكبير ، بشجاعة وقوة .
.
.انظر إلى الهدهد - مع صغره - يحكى عن القرآن ، أنه رد على نبى الله سليمان الذى آتاه الله ملكا لا ينبغى لأحد من بعده بقوله : ( أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) ونجد سليمان - عليه السلام - لا يؤاخذه على هذا القول ، بل يضع قوله موضع التحقيق والاختبار فيقول له : ( قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين ) وهكذا الأمم العاقلة الرشيدة ، لا يهان فيها الصغير ، ولا يظلم فيها الكبير .7 - أن حكمة الله - تعالى - قد اقتضت أن تتألف الأمم من حاكمين ومحكومين ، وأن كل فريق له حقوق وعليه واجبات ، وأن الأمم لا تصلح بدون حاكم يحكمها ويرعى شئونها ، ويحق الحق ويبطل الباطل .قال القرطبى : عند تفسيره لقوله - تعالى - : ( وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ ) فى الآية دليل على اتخاذ الإمام والحكام وَزَعةً - أى ولاة ، أو قضاة - يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض .
.
.قال ابن عون : سمعت الحسن يقول وهو فى مجلس قضائه : والله ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة .ومن الأقوال الحكيمة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضى الله عنه - " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " .8 - أن الحاكم العاقل هو الذى يستشير من هو أهل للاستشارة فى الأمور التى تهم الأمة .
فها هى ذى ملكة سبأ عندما جاءها كتاب سليمان - عليه السلام - جمعت وجوه قومها ، وقالت لهم - كما حكى القرآن عنها : ( ياأيها الملأ أَفْتُونِي في أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حتى تَشْهَدُونِ .
.
) قال القرطبى : وفى هذه الآية دليل على صحة المشاورة .
.
.
وقد قال - الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر ) وقد مدح الله الفضلاء بقوله : ( وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ ) والمشاورة من الأمر القديم وخاصة فى الحرب ، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس من دون الله قالت : ( ياأيها الملأ أَفْتُونِي في أَمْرِي .
.
) لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم .
وربما كان فى استبدادها برأيها وهن فى طاعتها ، وكان فى مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من شوكتهم ، وشدة مدافعتهم ، ألا ترى إلى قولهم فى جوابهم : ( نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمر إِلَيْكِ فانظري مَاذَا تَأْمُرِينَ .
.
) 9 - أن الهداية إذا لمس المهدى إليه من ورائها ، عدم الإخلاص فى إهدائها .
وأن المقصد منها صرفه عن حق يقيمه ، أو عن باطل يزيله ..
.
فإن الواجب عليه أن يرد هذه الهدية لصاحبها .
وأن يمتنع عن قبولها .
.
.ألا ترى إلى سليمان - عليه السلام - قد رد الهدية الثمينة التى أهدتها بلقيس إليه ، حين أحس أن من وراء هذه الهدية شيئا .
يتنافى مع تبليغ وتنفيذ رسالة الله - تعالى - التى أمره بتبليغها وتنفيذها ، ألا وهى : الأمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - والنهى عن الإشراك به ، وبلقيس إنما كانت تقصد بهديتها ، اختبار سليمان ، أنبى هو أم ملك ، كما سبق أن أشرنا .لذا وجدنا القرآن يحكى عن سليمان - عليه السلم - أنه رد هذه الهدية مع من جاءوا بها ، وقال : ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) 10 - أن ملكة سبأ دل تصرفها على أنها كانت ملكة عاقبة رشيدة ، حكيمة ، فقد استشارت خاصتها فى كتاب سليمان - عليه السلام - ، ولوحت لهم بقوته وبما سيترتب على حره ، وآثرت أن تقدم له هدية على سبيل الامتحان ، واستحبت المسالمة على المحاربة .
.
.
وكان عندها الاستعداد لقبول الحق والدخول فيه ، وما أخرها عن المسارعة إليه إلا لكونها كانت من قوم كافرين .وعندما التقت بسليمان ، وانكشفت لها الحقائق سارعت إلى الدخول فى الدين الحق ، وقالت : ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين ) .هذه بعض العبر والعظات التى تؤخذ من هذه القصة .
.
.
اعلم أنه تعالى لما حكى إقامتها على الكفر مع كل ما تقدم من الدلائل ذكر أن سليمان عليه السلام أظهر من الأمر ما صار داعياً لها إلى الإسلام وهو قوله: ﴿ قِيلَ لَهَا ادخلى الصرح ﴾ والصرح القصر كقوله: ﴿ ياهامان ابن لِى صَرْحاً ﴾ وقيل صحن الدار، وقرأ ابن كثير عن ﴿ سَأقَيْهَا ﴾ بالهمز ووجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد، والممرد المملس، روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض كالماء بياضاً، ثم أرسل الماء تحته وألقى فيه السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف عليه الإنس والجن والطير، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاماً لأمره وتحققاً لنبوته، وزعموا أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية، وقيل خافوا أن يولد له منها ولد فيجتمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد، فقالوا إن في عقلها نقصاناً وإنها شعراء الساقين ورجلها كحافر حمار فاختبر سليمان عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها، ومعلوم من حال الزجاج الصافي أنه يكون كالماء فلما أبصرت ذلك ظنته ماءاً راكداً فكشفت عن ساقيها لتخوضه، فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً، وهذا على طريقة من يقول تزوجها، وقال آخرون كان المقصود من الصرح تهويل المجلس وتعظيمه، وحصل كشف الساق على سبيل التبع، فلما قيل لها هو صرح ممرد من قوارير استترت، وعجبت من ذلك واستدلت به على التوحيد والنبوة، فقالت: ﴿ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى ﴾ فيما تقدم بالثبات على الكفر ثم قالت: ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان لِلَّهِ رَبّ العالمين ﴾ وقيل حسبت أن سليمان عليه السلام يغرقها في اللجة، فقالت ظلمت نفسي بسوء ظني سليمان، واختلفوا في أنه هل تزوجها أم لا، وأنه تزوجها في هذه الحال أو قبل أن كشفت عن ساقيها، والأظهر في كلام الناس أنه تزوجها، وليس لذلك ذكر في الكتاب، ولا في خبر مقطوع بصحته، ويروى عن ابن عباس أنها لما أسلمت قال لها اختاري من قومك من أزوجك منه فقالت مثلي لا ينكح الرجال مع سلطاني، فقال النكاح من الإسلام، فقالت إن كان كذلك فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن، ولم يزل بها ملكاً، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الصرح: القصر.
وقيل: صحن الدار.
وقرأ ابن كثير ﴿ سأقيها ﴾ بالهمزة.
ووجهه أنه سمع سؤقا، فأجري عليه الواحد.
والممرد: المملس، وروي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقي فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاماً لأمره، وتحققاً لنبوته، وثباتاً على الدين.
وزعموا أنّ الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم، لأنها كانت بنت جنية.
وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد تجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشدّ وأفظع، فقالوا له: إن في عقلها شيئاً، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها ورجلها، فكشفت عنهما فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً لا أنها شعراء، ثم صرف بصره وناداها ﴿ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ ﴾ وقيل: هي السبب في اتخاذ النورة: أمر بها الشياطين فاتخذوها، واستنكحها سليمان عليه السلام، وأحبها وأقرّها على ملكها وأمر الجن فبنوا لها سيلحين وغمدان، وكان يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام، وولدت له.
وقيل: بل زوجها ذا تبع ملك همدان، وسلطة على اليمن، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه، فبنى له المصانع، ولم يزل أميراً حتى مات سليمان ﴿ ظَلَمْتُ نَفْسِى ﴾ تريد بكفرها فيما تقدّم، وقيل حسبت أن سليمان عليه السلام يغرقها في اللجة فقالت: ظلمت نفسي بسوء ظني بسليمان عليه السلام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ وصَدَّها عِبادَتُها الشَّمْسَ عَنِ التَّقَدُّمِ إلى الإسْلامِ، أوْ وصَدَّها اللَّهُ عَنْ عِبادَتِها بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ.
﴿ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ ﴾ وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى الإبْدالِ مِن فاعِلِ صَدَّها عَلى الأوَّلِ، أيْ صَدَّها نَشْؤُها بَيْنَ أظْهُرِ الكُفّارِ أوِ التَّعْلِيلُ لَهُ.
﴿ قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ ﴾ القَصْرَ وقِيلَ عَرْصَةَ الدّارِ.
﴿ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ﴾ رُوِيَ أنَّهُ أمَرَ قَبْلَ قُدُومِها بِبِناءِ قَصْرٍ صَحْنُهُ مِن زُجاجٍ أبْيَضَ وأجْرى مِن تَحْتِهِ الماءَ وألْقى فِيهِ حَيَواناتِ البَحْرِ ووَضَعَ سَرِيرَهُ في صَدْرِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَلَمّا أبْصَرَتْهُ ظَنَّتْهُ ماءً راكِدًا فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوايَةِ قُنْبُلٍ «سَأقَيْها» بِالهَمْزِ حَمْلًا عَلى جَمْعِهِ سُئُوقٌ وأسْؤُقٌ.
﴿ قالَ إنَّهُ ﴾ إنَّ ما تَظُنِّينَهُ ماءً.
﴿ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ﴾ مُمَلَّسٌ.
﴿ مِن قَوارِيرَ ﴾ مِنَ الزُّجاجِ.
﴿ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ بِعِبادَتِي الشَّمْسَ، وقِيلَ بِظَنِّي بِسُلَيْمانَ فَإنَّها حَسِبَتْ أنَّهُ يُغْرِقُها في اللُّجَّةِ.
﴿ وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيما أمَرَ بِهِ عِبادَهُ وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّهُ تَزَوَّجَها أوْ زَوَّجَها مِن ذِي تُبَّعٍ مَلِكِ هَمَدانَ.
<div class="verse-tafsir"
{قِيلَ لَهَا ادخلى الصرح} أي القصر أو صحن الدار {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً} ماء عظيماً {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} سأقيها بالهمزة مكي روي أن سليمان أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض وأجرى من تحته الماء وألقى فيه السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاماً لأمره وتحقيقاً لنبوته وقيل إن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم لأنهم كانت بنت جنية وقيل خافوا أن يولد له منها ولد يجمع فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش واتخذ الصرح ليعرف ساقها ورجلها فكشفت عنهما فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء فصرف بصره {قَالَ} لها {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ} مملس مستو ومنه الأمرد {مّن قَوارِيرَ} من الزجاج وأراد سليمان تزوجها فكره شعرها فعملت لها الشياطين النورة فأزالته فنكحها سليمان وأحبها وأقرها على ملكها وكان يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له {قَالَتْ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى} بعبادة الشمس {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان لِلَّهِ رَبّ العالمين} قال المحققون لا يحتمل أن يحتال سليمان
لينظر إلى ساقيها وهي أجنبية لا يصح القول بمثله
﴿ قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قِيلَ لَها بَعْدَ الِامْتِحانِ المَذْكُورِ؟
فَقِيلَ: (قِيلَ لَها ادْخُلِي) ...
إلَخْ، ولَمْ يُعْطَفْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أهَكَذا عَرْشُكِ ﴾ لِئَلّا يَفُوتَ هَذا المَعْنى، وجِيءَ بِـ(لَها) هُنا دُونَ ما مَرَّ لِمَكانِ أمْرِها، والصَّرْحُ: القَصْرُ وكُلُّ بِناءٍ عالٍ، ومِنهُ ﴿ ابْنِ لِي صَرْحًا ﴾ وهو مِنَ التَّصْرِيحِ وهو الإعْلانُ البالِغُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّرْحُ هُنا البَرَكَةُ، وقالَ ابْنُ عِيسى: الصَّحْنُ، وصَرْحَةُ الدّارِ ساحَتُها.
ورُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَ الجِنَّ قَبْلَ قُدُومِها فَبَنَوْا لَهُ عَلى طَرِيقِها قَصْرًا مِن زُجاجٍ أبْيَضَ، وأجْرى مِن تَحْتِهِ الماءَ، وألْقى فِيهِ مِن دَوابِّ البَحْرِ السَّمَكِ وغَيْرِهِ.
وفِي رِوايَةٍ أنَّهم بَنَوْا لَهُ صَرَحًا، وجَعَلُوا لَهُ طَوابِيقَ مِن قَوارِيرَ كَأنَّها الماءُ، وجَعَلُوا في باطِنِ الطَّوابِيقِ كُلَّ ما يَكُونُ مِنَ الدَّوابِّ في البَحْرِ، ثُمَّ أطْبَقُوهُ، وهَذا أوْفَقُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ووُضِعَ سَرِيرُهُ في صَدْرِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ والجِنُّ والإنْسُ، وفَعَلَ ذَلِكَ؛ امْتِحانًا لَها أيْضًا عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: لِيَزِيدَها اسْتِعْظامًا لِأمْرِهِ وتَحْقِيقًا لِنُبُوَّتِهِ وثَباتًا عَلى الدِّينِ، وقِيلَ لِأنَّ الجِنَّ قالُوا لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّها شَعْراءُ السّاقَيْنِ، ورِجْلُها كَحافِرِ الحِمارِ، فَأرادَ الكَشْفَ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ بِذَلِكَ.
وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - ما حاصِلُهُ: إنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَها بِالفِعْلِ عَلى أنَّها صَدَقَتْ في قَوْلِها في العَرْشِ: «كَأنَّهُ هُوَ» حَيْثُ إنَّهُ انْعَدَمَ في سَبَأٍ ووُجِدَ مِثْلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ لَها صَرْحًا في غايَةِ اللُّطْفِ والصَّفاءِ، كَأنَّهُ ماءٌ صافٍ ولَيْسَ بِهِ، وهَذا غايَةُ الإنْصافِ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا أظُنُّ الأمْرَ كَما قالَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ - عَلى القَوْلِ بِأنَّ أمْرَها بِدُخُولِ الصَّرْحِ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى كَشْفِ حَقِيقَةِ الحالِ - عَلى إباحَةِ النَّظَرِ قَبْلَ الخِطْبَةِ، وفِيهِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.
﴿ فَلَمّا رَأتْهُ ﴾ أيْ: رَأتْ صَحْنَهُ بِناءً عَلى أنَّ الصَّرْحَ بِمَعْنى القَصْرِ ﴿ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ﴾ أيْ: ظَنَّتْهُ ماءً كَثِيرًا ﴿ وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ﴾ لِئَلّا تَبْتَلَّ أذْيالُها، كَما هو عادَةُ مَن يُرِيدُ الخَوْضَ في الماءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوايَةِ قُنْبُلٍ «سَأْقَيْها» بِهَمْزِ ألِفِ (ساقٍ) حَمْلًا لَهُ عَلى جَمْعِهِ سُؤْقٍ وأسْؤُقٍ، فَإنَّهُ يَطَّرِدُ في الواوِ المَضْمُومَةِ هي أوْ ما قَبْلَها قَلْبُها هَمْزَةً، فانْجَرَّ ذَلِكَ بِالتَّبَعِيَّةِ إلى المُفْرَدِ الَّذِي في ضِمْنِهِ.
وفِي البَحْرِ حَكى أبُو عَلِيٍّ أنَّ أبا حَيَّةَ النُّمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وأنْشَدَ: أحَبُّ المَؤْقَدَيْنِ إلى مُؤْسى وفِي الكَشْفِ: الظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَ لُغَةٌ في (ساقٍ) ويَشْهَدُ لَهُ هَذِهِ القِراءَةُ الثّابِتَةُ في السَّبْعَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ الِاشْتِقاقُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَصِحُّ لا يَصِحُّ.
﴿ قالَ ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ رَأى ما اعْتَراها مِنَ الدَّهْشَةِ والرُّعْبِ، وقِيلَ: القائِلُ هو الَّذِي أمَرَها بِدُخُولِ الصَّرْحِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ إنَّهُ ﴾ أيْ: ما حَسِبَتْهُ (لُجَّةً ﴿ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ﴾ أيْ: مُمَلَّسٌ، ومِنهُ الأمْرَدُ لِلشّابِّ الَّذِي لا شَعْرَ في وجْهِهِ، وشَجَرَةٌ مَرْداءُ لا ورَقَ عَلَيْها، ورَمْلَةٌ مَرْداءُ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والمارِدُ المُتَعَرِّي مِنَ الخَيْرِ ﴿ مِن قَوارِيرَ ﴾ مِنَ الزُّجاجِ، وهو جَمْعُ قارُورَةٍ.
﴿ قالَتْ ﴾ حِينَ عايَنَتْ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ: ﴿ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ أيْ: بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: بِظَنِّي السُّوءَ بِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُ إغْراقَها في اللُّجَّةِ وهو بَعِيدٌ.
ومِثْلُهُ ما قِيلَ: أرادَتْ ظَلَمْتُ نَفْسِي بِامْتِحانِي سُلَيْمانَ حَتّى امْتَحَنَنِي لِذَلِكَ بِما أوْجَبَ كَشْفَ ساقَيَّ بِمَرْأًى مِنهُ ﴿ وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ ﴾ تابِعَةً لَهُ مُقَيَّدَةً بِهِ، وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ لِإظْهارِ مَعْرِفَتِها بِأُلُوهِيَّتِهِ تَعالى، وتَفَرُّدِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ورُبُوبِيَّتِهِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما كانَتْ تَعْبُدُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الشَّمْسِ، وكَأنَّ هَذا القَوْلَ تَجْدِيدٌ لِإسْلامِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقَدْ أخْرَجَتْهُ مَخْرَجًا لا أنانِيَّةَ فِيهِ، ولا كِبْرَ أصْلًا كَما لا يَخْفى.
واخْتُلِفَ في أمْرِها بَعْدَ الإسْلامِ، فَقِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَزَوَّجَها وأحَبَّها وأقَرَّها عَلى مُلْكِها، وأمَرَ الجِنَّ فَبَنَوْا لَها سَيْلَحِينَ وغَمْدانَ، وكانَ يَزُورُها في الشَّهْرِ مَرَّةً فَيُقِيمُ عِنْدَها ثَلاثَةَ أيّامٍ، ووَلَدَتْ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِبْعِيٍّ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمْهَرَها بَعْلَبَكَّ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّها حِينَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها أبْصَرَ عَلَيْهِما شَعْرًا كَثِيرًا فَكَرِهَ أنْ يَتَزَوَّجَها كَذَلِكَ، فَدَعا الإنْسَ فَقالَ: ما يَذْهَبُ بِهَذا؟
فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ المُواسى فَقالَ: المُواسى تَقْطَعُ ساقَيِ المَرْأةِ.
وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ قِيلَ لَها ذَلِكَ فَقالَتْ: لَمْ يَمْسَسْنِي الحَدِيدُ قَطُّ، فَكَرِهَ سُلَيْمانُ المُواسى، وقالَ: إنَّها تَقْطَعُ ساقَيْها، ثُمَّ دَعا الجِنَّ فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعا الشَّياطِينَ فَوَضَعُوا لَهُ النُّورَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ أوَّلَ يَوْمٍ رُؤِيَتْ فِيهِ النُّورَةُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أوَّلَ مَن وضَعَ النُّورَةَ شَياطِينُ الإنْسِ، وضَعُوها لِبَلْقِيسَ وهو خِلافُ المَشْهُورِ، ويُرْوى أنَّ الحَمّامَ وُضِعَ يَوْمَئِذٍ.
وفِي تارِيخِ البُخارِيِّ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««أوَّلَ مَن صُنِعَتْ لَهُ الحَمّاماتُ سُلَيْمانُ»».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««أوَّلُ مَن دَخَلَ الحَمّامَ سُلَيْمانُ، فَلَمّا وجَدَ حَرَّهُ قالَ: أوَّهْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى»».
ورُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: زَعَمُوا أنَّ بِلْقِيسَ لَمّا أسْلَمَتْ قالَ لَها سُلَيْمانُ: اخْتارِي رَجُلًا مِن قَوْمِكِ أُزَوِّجْكَهُ فَقالَتْ: أمِثْلِي يا نَبِيَّ اللَّهِ تَنْكِحُ الرِّجالَ، وقَدْ كانَ في قَوْمِي مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ ما كانَ؟!
قالَ: نَعَمْ، إنَّهُ لا يَكُونُ في الإسْلامِ إلّا ذَلِكَ، وما يَنْبَغِي لَكِ أنْ تُحَرِّمِي ما أحِلَّ اللَّهُ تَعالى لَكِ، فَقالَتْ: زَوِّجْنِي - إنْ كانَ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ - ذا تُبَّعٍ مَلِكَ هَمْدانَ، فَزَوَّجَها إيّاهُ، ثُمَّ رَدَّها إلى اليَمَنِ، وسَلَّطَ زَوْجَها ذا تُبَّعٍ عَلى اليَمَنِ، ودَعا زَوْبَعَةَ أمِيرَ جِنِّ اليَمَنِ فَقالَ: اعْمَلْ لِذِي تُبَّعٍ ما اسْتَعْمَلَكَ فِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِها مَلِكًا يُعْمَلُ لَهُ فِيها حَتّى ماتَ سُلَيْمانُ، فَلَمّا أنْ حالَ الحَوْلُ وتَبَيَّنَ الجِنُّ مَوْتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقْبَلَ رَجُلٌ مِنهم فَسَلَكَ تِهامَةَ حَتّى إذا كانَ في جَوْفِ اليَمَنِ صَرَخَ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ إنَّ المَلِكَ سُلَيْمانَ قَدْ ماتَ، فارْفَعُوا أيْدِيَكُمْ، فَرَفَعُوا أيْدِيَهم وتَفَرَّقُوا، وانْقَضى مُلْكُ ذِي تُبَّعٍ ومُلْكُ بِلْقِيسَ مَعَ مُلْكِ سُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: سَألَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ: هَلْ تَزَوَّجَ سُلَيْمانُ بِلْقِيسَ ؟
فَقالَ: انْتَهى أمْرُها إلى قَوْلِها: ﴿ وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قِيلَ: يَعْنِي لا عِلْمَ لَنا وراءَ ذَلِكَ.
والمَشْهُورُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَزَوَّجَها، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الأخْبارِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الزُّهْدِ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: كُسِرَ بُرْجٌ مِن أبْراجٍ تَدْمُرَ فَأصابُوا فِيهِ امْرَأةً حَسْناءَ دَعْجاءَ مُدْمَجَةً، كَأنَّ أعْطافَها طَيُّ الطَّوامِيرِ، عَلَيْها عِمامَةٌ طُولُها ثَمانُونَ ذِراعًا، مَكْتُوبٌ عَلى طَرَفٍ العِمامَةِ بِالذَّهَبِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أنا بِلْقِيسُ مَلِكَةُ سَبَأٍ، زَوْجَةُ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مَلَكْتُ مِنَ الدُّنْيا كافِرَةً ومُؤْمِنَةً ما لَمْ يَمْلِكْهُ أحَدٌ قَبْلِي ولا يَمْلِكْهُ أحَدٌ بَعْدِي، صارَ مَصِيرِي إلى المَوْتِ فاقْصُرُوا يا طالِبِي الدُّنْيا» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ، وكَمْ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن أخْبارٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّحِيحِ مِنها، والقِصَّةُ في نَفْسِها عَجِيبَةٌ، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أشْياءَ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ، بَلْ يَكادُ العَقْلُ يُحِيلُها في أوَّلِ وهْلَةٍ.
ومِمّا يُسْتَغْرَبُ - ولِلَّهِ تَعالى فِيهِ سِرٌّ خَفِيٌّ - خَفاءُ أمْرِ بِلْقِيسَ عَلى سُلَيْمانَ عِدَّةَ سِنِينَ - كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ - مَعَ أنَّ المَسافَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَها لَمْ تَكُنْ في غايَةِ البُعْدِ، وقَدْ سَخَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ والطَّيْرِ والرِّيحِ ما سَخَّرَ، وهَذا أغْرَبُ مِن خَفاءِ أمْرِ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِمَراتِبَ، وسُبْحانَ مَن لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ.
وهَذا، ولِلصُّوفِيَّةِ في تَطْبِيقِ ما في هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ما في الأنْفُسِ كَلامٌ طَوِيلٌ، ولَعَلَّ الأمْرَ سَهْلٌ عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى بَعْضِ ما مَرَّ مِن تَطْبِيقاتِهِمْ ما في بَعْضِ القَصَصِ عَلى ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله: فَلَمَّا جاءَتْ يعني: بلقيس وجلست على السرير قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ يعني: أهكذا سريرك قالَتْ بلقيس كَأَنَّهُ هُوَ شبهته به.
قال مقاتل: شبهوا عليها، فشبهت عليهم، ولو قيل لها: أهذا عرشك؟
لقالت: نعم.
ويقال: إنها شكت في ذلك، لأنها تركت سريرها في سبعة أبيات مقفلة أبوابها، ومفاتيح الأقفال بيدها.
فقال سليمان: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها يعني: حمد الله على ما أعطاه من إِتيان السرير وحضورها، وعلى ما أعطاه قبل إتيانها من النبوة والإسلام، فقال: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها.
يعني: أعطينا العلم من قبل مجيئها.
ويقال: أعطينا علم ملكها وعرشها من قبل مجيئها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ يعني: مخلصين لله تعالى.
ويقال: مُسْلِمِينَ منقادين له.
قوله عز وجل: وَصَدَّها مَا كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: عبادتها التي كانت تعبد الشمس منعها عن الإسلام.
ويقال: معناه صدها إبليس عن الإيمان، فتكون مَا هاهنا بمعنى الفاعل.
ويقال: ما هنا بمعنى المفعول، فكأنه يقول: صدها سليمان عما كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله عز وجل، كرجل يقول: منعت فلاناً الماء، يعني: عن الماء.
ويقال معناه: أن الله تعالى صدّها عما كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله، فوفقها للإسلام.
ويقال: صدها عن الإسلام العادة التي كانت عليها، لأنها نشأت على ذلك وربيت، ولم تعرف إلا قوماً يعبدون الشمس ثم قال: إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ أي: من قوم جاحدين لله تعالى.
قوله عز وجل: يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ يعني: القصر، وذلك لأنها لما أقبلت قالت الجن: لقد لقينا من سليمان ما لقينا من التعب، فلو اجتمع سليمان وهذه، وما عندها من العلم لهلكنا، وخشوا أن يتزوجها ويكون بينهما ولد فيرث الملك، فيبقون في ذلك العناء إلى الأبد، فأرادوا إن يبغضوها إلى سليمان فقالوا: إن رجليها شعراوان، وقال مقاتل: بل كانت أمها جنية.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال كانت أمها جنية وكانت شعراء.
وقال بعضهم: هذا لا يصح، لأن الجن ليس من جنس الآدميّ فلا يكون بينهما شهوة ونسل، وقال الله تعالى إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [الحجرات: 13] .
يعني: آدم وحواء عليهما السلام فلا يجوز أن يكون النسل من غيرهما.
ويقال: إنهم قالوا لسليمان: إن رجلها تشبه حافر الدواب.
فأراد سليمان أن ينظر إلى رجليها، فأمر بأن يوضع سريرها في الصرح المبني من القوارير يعني: من الزجاج، وجعل تحت الصرح الماء فيه السمك، فجلس سليمان على سريره في الصرح في مقدّمه، ثم أمرت بلقيس بأن تدخل الصرح لَمَّا رَأَتْهُ يعني: فلما جاءت إلى الصرح رأت ما فيه من السمك سِبَتْهُ لُجَّةً يعني ظنت أنه ماء كثير بين يدي سرير سليمان، فأرادت أن تخوض في الماء، فشمّرت ثيابها كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فنظر سليمان إلى ساقيها وكانت شعراء، فاستشار سليمان الإنس في ذلك، فأشاروا عليه بالموسى، فقال سليمان: الموسى تخدش ساقيها، فاستشار الجن فأشاروا عليه بالنورة، فأصل النورة من ذلك الوقت.
وروي أن سليمان ما نظر إلى ساق أحسن الساقين ولا خلاف بين الروايتين، لأنه يكون أحسن الساقين شعراوين.
وروي عن عائشة ا أنها سألت رسول الله فقالت: «أنا أحسن ساقين أم بلقيس؟
فقال لها النبي : «كانت هي أحسن ساقين منك في الدّنيا، وأنت أحسن ساقين منها في الآخرة» فلما كشفت عن ساقيها قال لها سليمان: لا تكشفي عن ساقيك الَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ يقول قصر مملس، ولهذا سمّي أمرد الذي لم ينبت له الشعر ويقال: ممرد يعني، قوي شديد، كما يقال شيطان مريدنْ قَوارِيرَ يعني: من الزجاج، فلما رأت السرير والصرح، علمت أن ملكها ليس بشيء عند ملك سليمان، وأن ملكه من الله تعالى، وأنه نبي حقا.
ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام فأجابت، فذلك قوله تعالى الَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بعبادتي للشمس أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ وأخلصت ديني لله تعالى مع سليمان بالتوحيد ويقال: عَ سُلَيْمانَ يعني: أسلمت على يدي سليمان لله بِّ الْعالَمِينَ وتابت إلى الله تعالى من شركها قال مقاتل: فاتخذها سليمان لنفسه، فولدت له داود بن سليمان قال النبيّ : «هي أحسن ساقين من نساء العالمين وهي من أزواج سليمان في الجنّة» .
<div class="verse-tafsir"
نحوَ اليَمَنِ، فمد بصره فإذا بالعرش، فما رد سليمان بَصره إلا وهو عنده.
وقال قتادة:
اسمه بلخيا «١» .
وقولُ سليمانَ- عليه السلام-: نَكِّرُوا لَها عَرْشَها يريدُ تَجْرِبَة مَيْزِهَا ونَظَرِهَا، ورَوَتْ فرقةٌ أن الجنَّ أحسَّتْ من سليمان أوْ ظنت به أنه ربما تزوجها، فكرهوا ذلك وعيَّبُوها عنده، بأنها غيرُ عاقلِة ولا مميزة وأَن رجلَها كحَافِرِ دابة، فجرَّب عَقْلَها وميَّزَها بتَنْكِيرِ السريرِ، وجرب أمر رجلِها بأمر الصَّرْحِ، لتكشفَ عن سَاقَيْها عنده، وتنكيرُ العرش: تغييرُ وضعهِ وسَتْرُ بعضِه.
وقولُها كَأَنَّهُ هُوَ تحرزٌ فَصِيح، وقال الحسن بن الفضل «٢» : شَبَّهُوا عَلَيْهَا فَشَبَّهَتْ عَلَيْهِم.
ولو قالوا: أهذا عرشك؟
لقالت: نعم، ثم قال سليمان عليه السلام عند ذلك: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها الآية، وهذا منه على جهة تعديد نعم الله تعالى عليه وعلى آبائه.
وقوله تعالى: وَصَدَّها مَا كانَتْ تَعْبُدُ أي: عن الإيمان، وهذا الكلامُ يحتملُ أنْ يكونَ مِنْ قولِ سليمانَ، أو مِنْ قولِ الله، إخبارا لمحمد عليه السلام: قال محمد بن كعب ٥٣ أالقرظي/ وغيره: ولمَّا وَصَلَتْ بلقيسُ أمر سليمانُ الجنَّ فصَنَعَتْ له صَرْحاً وهو السطحُ في الصَّحْنِ مِنْ غير سَقْفٍ وجَعَلَتْهُ مَبْنِيا كالصِّهْرِيجِ وملىء ماءً وبُثَّ «٣» فيهِ السَّمَكُ وطبَّقَه بالزُّجَاجِ الأَبيضِ الشَّفَّافِ، وبهذا جاءَ صَرْحاً.
والصَّرْحُ أيضاً كل بناء عالٍ، وكل هذا من التصريح وهو الإعلان البالغ.
ثم وضع سليمانُ في وسطِ الصَّرْحِ كرسيّاً، فلما وصلته بلقيس قيل لها: ادخلي إلى النبي- عليه السلام-، فلما رأتِ الصَّرْحَ حَسِبتَهُ لُجَّةً وهُو مُعْظَمُ المَاءِ، فَفَزِعَتْ وَظَنَّتِ أنها قُصِدَ بها الغَرَقُ، وَتَعَجَّبَتْ مِن كَوْنِ كرسِيِّه على الماءِ، ورأت مَا هَالَهَا، ولَمْ يكنْ لَها بُدَّ مِن امْتِثَالِ الأمرِ، فكَشَفَتْ عن ساقَيها، فرأى سليمانَ ساقَيْها سليمةً مِمَّا قالتِ الجنُّ غَيْرَ أَنَّها كثيرةُ الشَّعْرِ، فلما بلغتْ هذا الحد قالَ لها سليمانُ عليه السلام: نَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ
والممرد: المحكوكُ الْمُمَلَّسُ ومنه الأمرد، فعند ذلك قالت: بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فروي أن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: خافَتِ الشَّياطِينُ أنْ يَتَزَوَّجَ سُلَيْمانُ بِلْقِيسَ فَتُفْشِيَ إلَيْهِ أسْرارَ الجِنِّ، لِأنَّ أُمَّها كانَتْ جِنِّيَّةً، فَلا يَنْفَكُّونَ مِن تَسْخِيرِ سُلَيْمانَ وذُرِّيَّتَهُ بَعْدَهُ، فَأساؤُوا الثَّناءَ عَلَيْها وقالُوا: إنَّ في عَقْلِها شَيْئًا، وإنَّ رِجْلَها كَحافِرِ الحِمارِ، فَأرادَ سُلَيْمانُ [أنْ] يَخْتَبِرَ عَقْلَها بِتَنْكِيرِ عَرْشِها، ويَنْظُرُ إلى قَدَمَيْها بِبِناءِ الصَّرْحِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿ نَكِّرُوا ﴾ : غَيِّرُوا، يُقالُ: نَكَّرْتُ الشَّيْءَ فَتَنَكَّرَ، أيْ: غَيَّرْتُهُ فَتَغَيَّرَ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في كَيْفِيَّةِ تَغْيِيرِهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زِيدَ فِيهِ ونَقُصَ مِنهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم جَعَلُوا صَفائِحَ الذَّهَبِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ مَكانَ صَفائِحِ الفِضَّةِ، وصَفائِحَ الفِضَّةِ مَكانَ صَفائِحِ الذَّهَبِ، والياقُوتَ مَكانَ الزَّبَرْجَدِ، والدُّرَّ مَكانَ اللُّؤْلُؤِ، وقائِمَتِيِ الزَّبَرْجَدِ مَكانَ قائِمَتِيِ الياقُوتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهم نَزَعُوا ما عَلَيْهِ مِن فُصُوصِهِ وجَواهِرِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والرّابِعُ: أنَّهم جَعَلُوا ما كانَ مِنهُ أحْمَرَ أخْضَرَ، وما كانَ أخْضَرَ أحْمَرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّهم جَعَلُوا أسْفَلَهُ أعْلاهُ، ومُقَدِّمَهُ مُؤَخِّرَهُ، وزادُوا فِيهِ، ونَقَصُوا مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِس: أنَّهم جَعَلُوا فِيهِ تَماثِيلَ السَّمَكِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ كَأنَّهُ هُوَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها لَمّا رَأتْهُ جَعَلَتْ تَعْرِفُ وتُنْكِرُ، ثُمَّ قالَتْ في نَفْسِها: مِن أيْنَ يُخْلُصُ إلى ذَلِكَ وهو في سَبْعَةِ أبْياتٍ والحَرَسُ حَوْلَهُ؟!
ثُمَّ قالَتْ: كَأنَّهُ هو، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ قَتادَةُ: شَبَّهَتْهُ بِعَرْشِها.
وقالَ السُّدِّيُّ: وجَدَتْ فِيهِ ما تَعْرِفُهُ فَلَمْ تُنْكِرْ، ووَجَدَتْ فِيهِ ما تُنْكِرُهُ فَلَمْ تُثْبِتْ، فَلِذَلِكَ قالَتْ: كَأنَّهُ هو.
والثّانِي: أنَّها عَرَفَتْهُ، ولَكِنَّها شَبَّهَتْ عَلَيْهِمْ كَما شَبَّهُوا [عَلَيْها]، فَلَوْ أنَّهم قالُوا: هَذا عَرْشُكَ، لَقالَتْ: نَعَمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَقِيلَ لَها: فَإنَّهُ عَرْشُكَ، فَما أغْنى عَنْكَ إغْلاقُ الأبْوابِ.
!
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأُوتِينا العِلْمَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ سُلَيْمانَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
ثُمَّ في مَعْناهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وأُوتِينا العِلْمَ بِاللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى ما يَشاءُ مِن قِبَلِ هَذِهِ المَرْأةِ.
والثّانِي: أُوتِينا العِلْمَ بِإسْلامِها ومَجِيئِها طائِعَةً مِن قِبَلِ مَجِيئِها وكُنّا مُسْلِمِينَ لِلَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ بِلْقِيسَ، فَإنَّها لَمّا رَأتْ عَرْشَها، قالَتْ: قَدْ عَرَفْتُ هَذِهِ الآيَةَ، وأُوتِينا العِلْمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ بِالآَياتِ المُتَقَدِّمَةِ، تَعْنِي أمْرَ الهُدْهُدِ والرُّسُلِ الَّتِي بُعِثَتْ مِن قَبْلُ هَذِهِ الآيَةِ، وكُنّا مُسْلِمِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِكَ قَبْلَ أنْ نَجِيءَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مِن قَوْلِ قَوْمِ سُلَيْمانَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الكَلامِ: هي عاقِلَةٌ، إنَّما صَدَّها عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ عِبادَتُها الشَّمْسَ والقَمَرَ، وكانَ عادَةً مِن دِينِ آَبائِها؛ والمَعْنى: وصَدَّها أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ ما كانَتْ تَعْبُدُ، قالَ: وقَدْ قِيلَ: صَدَّها سُلَيْمانُ، أيْ: مَنَعَها ما كانَتْ تَعْبُدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: صَدَّها عَنِ الإيمانِ العادَةُ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها، لِأنَّها نَشَأتْ ولَمْ تَعْرِفْ إلّا قَوْمًا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، وبَيَّنَ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ ﴾ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أنَّها كانَتْ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أمَرَ الشَّياطِينَ فَبَنَوْا لَهُ صَرْحًا كَهَيْئَةِ السَّطْحِ مِن زُجاجٍ.
وَفِي سَبَبِ أمْرِهِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ أنْ يُرِيَها مَلِكًا هو أعَزُّ مِن مَلِكِها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يَنْظُرُ إلى قَدَمِها مِن غَيْرِ أنْ يَسْألَها كَشْفَها، لِأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ رِجْلَها كَحافِرِ الحِمارِ، فَأمَرَ أنْ يُهَيَّأ لَها بَيْتٌ مِن قَوارِيرَ فَوْقَ الماءِ، ووَضَعَ سَرِيرَ سُلَيْمانَ في صَدْرِ البَيْتِ، هَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَها كَما اخْتَبَرَتْهُ بِالوَصائِفِ والوُصَفاءِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
فَأمّا الصَّرْحُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو القَصْرُ، وجَمْعُهُ: صُرُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: [عَلى طُرُقٍ كَنُحُورِ الرِّكا بِ ] تَحْسَبُ أعْلامُهُنَّ الصُّرُوحا قالَ: ويُقالُ: الصَّرْحُ بَلاطٌ اتُّخِذَ لَها مِن قَوارِيرَ، وجُعِلَ تَحْتَها ماءٌ وسَمَكٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ بِرْكَةً مِن ماءٍ ضَرَبَ عَلَيْها سُلَيْمانُ قَوارِيرَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ قَصْرًا مِن قَوارِيرَ بُنِيَ عَلى الماءِ وتَحْتَهُ السَّمَكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ﴾ وهي: مُعْظَمُ الماءِ ﴿ وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ﴾ لِدُخُولِ الماءِ، فَناداها سُلَيْمانُ ﴿ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ﴾ أيْ: مُمَلَّسٌ ﴿ مِن قَوارِيرَ ﴾ أيْ: مِن زُجاجٍ؛ فَعَلِمَتْ حِينَئِذٍ أنَّ مُلْكَ سُلَيْمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فِ ﴿ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ أيْ: بِعِبادَةِ غَيْرِكَ.
وقِيلَ: ظَنَّتْ في سُلَيْمانَ أنَّهُ يُرِيدُ تَفْرِيقَها في الماءِ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ قالَتْ: رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِذَلِكَ الظَّنِّ، وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ، ثُمَّ تَزَوَّجَها سُلَيْمانُ.
وقِيلَ: إنَّهُ رَدَّها إلى مَمْلَكَتِها وكانَ يَزُورُها في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً ويُقِيمُ عِنْدَها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأنَّها ولَدَتْ مِنهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ زَوَّجَها بِبَعْضِ المُلُوكِ ولَمْ يَتَزَوَّجْها هو.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هو وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ ﴾ ﴿ قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عن ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أرادَ سُلَيْمانُ في هَذا "التَنْكِيرِ" تَجْرِبَةً مَيَّزَها ونَظَرَها، ولِيَزِيدَ في الإغْرابِ عَلَيْها، ورَوَتْ فِرْقَةٌ: أنَّ الجِنَّ أحَسَّتْ مِن سُلَيْمانَ أو ظَنَّتْ بِهِ أنَّهُ رُبَّما تَزَوَّجُ بِلْقِيسَ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، ورَمَوْها عِنْدَهُ بِأنَّها غَيْرُ عاقِلَةٍ ولا مُمَيَّزَةٍ، وبِأنَّ رِجْلَها كَحافِرِ دابَّةٍ، فَجَرَّبَ عَقَلَها وَمَيَّزَها بِتَنْكِيرِ عَرْشَها، وجَرَّبَ أمْرَ رِجْلِها بِأمْرِ الصَرْحِ لِتَكْشِفَ عن ساقِها عِنْدَهُ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةِ: "تَنْظُرُ" بِضَمِّ الراءِ.
وتَنْكِيرُ العَرْشِ تَغْيِيرُ وصْفِهِ وسَتْرِ بَعْضِهِ ونَحْوَ هَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ: تَنْكِيرُهُ بِأنْ زِيدَ فِيهِ ونَقَصَ مِنهُ، وهَذا يَعْتَرِضُ بِأنَّ مِن حَقِّها -عَلى هَذا- أنْ تَقُولَ: لَيْسَ بِهِ وتَكُونُ صادِقَةً.
وقَوْلُها: "كَأنَّهُ هُوَ" تَحْرُّزٌ فَصِيحٌ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: شَبَّهُوا عَلَيْها فَشُبِّهَتْ عَلَيْهِمْ، ولَوْ قالُوا: هَذا عَرْشُكِ؟
لَقالَتْ: نَعِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَنَكِرُوا عَرْشَها، ونَظَرُوا ما جَوابَها إذا سُئِلَتْ عنهُ، فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ: أهَكَذا عَرْشُكِ؟
وقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها ﴾ الآيَةُ، وهَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آبائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ نَبِيِّ اللهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ ، و"الصادُّ": ما كانَتْ تَعْبُدُ، أيْ عَنِ الإيمانِ ونَحْوَهُ، وقالَ الرُمّانِيُّ: عَنِ التَفَطُّنِ لِلْعَرْشِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ فَطِنٌ يَقِظٌ والكافِرَ خَبِيثٌ، أو يَكُونُ الصادُّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، أو يَكُونُ الصادُّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ.
ولَمّا كانَ "صَدَّها" بِمَعْنى (مَنَعَها)، تَجاوَزَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، وإلّا فَإنَّهُ لا يَتَعَدّى إلّا بِـ "عن".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنَّها" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أنَّها" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ: ذَلِكَ أنَّها، أو عَلى البَدَلِ مِن "ما"، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.
ولَمّا وصَلَتْ بِلْقِيسُ: أمَرَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ الجِنَّ فَصَنَعَتْ لَهُ صَرْحًا، وهو السَطْحُ في الصَحْنِ مِن غَيْرِ سَقْفٍ، وجَعَلَتْهُ مَبْنِيًّا كالصِهْرِيجِ، ومُلِئَ ماءً، وبَثَّ فِيهِ السَمَكَ والضَفادِعَ، وطُبِّقَ بِالزُجاجِ الشَفّافِ، وبِهَذا جاءَ صَرْحًا، والصَرْحُ أيْضًا كُلُّ بِناءٍ عالٍ، وكُلُّ هَذا مِنَ التَصْرِيحِ، وهو الإعْلانُ البالِغُ، وجُعِلَ لِسُلَيْمانَ في وسَطِهِ كُرْسِيٌّ، فَلَمّا وصَلَتْهُ بِلْقِيسُ قِيلَ لَها: ادْخُلِي إلى النَبِيِّ ، فَرَأتِ اللُجَّةَ وفَزِعَتْ وظَنَّتْ أنَّهُ قَصَدَ بِها الغَرَقَ، وعَجِبَتْ مِن كَوْنِ كُرْسِيِّهِ عَلى الماءِ، ورَأتْ ما هالَها، ولَمْ يَكُنْ لَها بُدٌّ مِنَ امْتِثالِ الأمْرِ فَكَشَفَتْ عن ساقَيْها، فَرَأى سُلَيْمانُ ساقَيْها سَلِيمَتَيْنِ مِمّا قالَتِ الجِنُّ غَيْرَ أنَّها كَثِيرَةُ الشَعْرِ، فَلَمّا بَلَغَتْ هَذا الحَدَّ قالَ لَها سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ ﴾ ، و"المُمَرَّدُ": المَحْكُوكُ الَأمْلَسُ، ومِنهُ: الأمْرَدُ، والشَجَرَةُ المَرْداءُ: الَّتِي لا ورَقَ عَلَيْها، والمُمَرَّدُ أيْضًا: المُطَوَّلُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحِصْنِ: مارِدٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَسْلَمَتْ بِلْقِيسُ وأذْعَنَتْ وأسْلَمَتْ، وأقَرَّتْ عَلى نَفْسِها بِالظُلْمِ، فَرُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ تَزَوَّجَها عِنْدَ ذَلِكَ وأسْكَنَها الشامَ، قالَهُ الضِحاكُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في كِتابِ النَقاشِ: تَزَوُّجُها ورَدَّها إلى مُلْكِها بِاليَمَنِ، وكانَ يَأْتِيها عَلى الرِيحِ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَوَلَدَتْ لَهُ ولَدًا أسْماهُ داوُدَ، ماتَ في حَياتِهِ، و"مَعَ" ظَرْفٌ، وقِيلَ: حَرْفٌ بُنَيَ عَلى الفَتْحِ، وأمّا إذا سُكِّنَتِ العَيْنُ فَلا خِلافَ أنَّهُ حَرْفٌ جاءَ لِمَعْنى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ -فِي رِوايَةٍ الإخْرِيطِ -: "عن سَأقِيها" بِالهَمْزِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، وكَذَلِكَ يَضْعُفُ الهَمْزُ في قِراءَةِ قَنْبَلِ: "يَكْشِفُ عن سَأْقٍ"، وأمّا هَمْزُ "بالسُؤْقِ"، و"عَلى سَؤْقِهِ" فَلُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هَمْزِ الواوِ الَّتِي قَبْلَها ضَمَّةٌ، حَكى أبُو عَلِيٍّ أنَّ أبا حَيَّةَ النُمَيْرِيِّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وأنْشُدُ: أحَبُّ المُؤْقَدانِ إلَيْكَ مُؤْسى..........
وَوَجْهُها أنَّ الضَمَّةَ تَقُومُ عَلى الواوِ إذْ لا حائِلَ بَيْنَهُما.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "عن رِجْلِها".
ورُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ لِما أرادَ زَوالَ شَعْرِ ساقَيْها أشْفَقَ مِن حَمْلِ المُوسى عَلَيْها، وقِيلَ: إنَّها قالَتْ: ما مَسَّنِي حَدِيدٌ قَطٌّ، فَأمْرَ الجِنَّ بِالتَلَطُّفِ في زَوالِهِ فَصَنَعُوا النُورَةَ ولَمْ تَكُنْ قَبْلُ في الأُمَمِ.
وهَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي فَعَلَها سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: مِن سَوْقِ العَرْشِ، وعَمَلِ الصَرْحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، قَصَدَ بِها الإغْرابَ عَلَيْها، كَما سَلَكَتْ هي قَبْلُ سَبِيلَ مُلُوكِ الدُنْيا في ذَلِكَ بِأنْ أرْسَلَتِ الجَوارِيَ والغِلْمانَ، واقْتَرَحَتْ في أمْرِ القَدَحِ والدُرَّتَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كافرين * قِيلَ لَهَا ادخلى الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ ﴾ .
جملة: ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ استئناف ابتدائي لجزء من القصة.
وطوي ذكر ترحلها إلى وصولها في ذكر ما يدل عليه من حلولها أمام صرح سليمان للدخول معه إليه أو الدخول عليه وهو فيه.
لما أراها سليمان عظمة حضارته انتقل بها حيث تشاهد أثراً بديعاً من آثار الصناعة الحكيمة وهو الصرح.
والصرح يطلق على صحن الدار وعَرصتها.
والظاهر أن صرح القصر الذي ذكر في سفر الملوك الأول في الإصحاح السابع وهو بيت وَعْر له بابان كان يجلس فيه سليمان للقضاء بين الناس.
والقائل لها: ﴿ ادخلي الصرح ﴾ هم الذين كانوا في رفقتها.
والقائل ﴿ إنه صرح ممرد من قوارير ﴾ هو سليمان كان مصاحباً لها أو كان يترقبها وزجاج الصرح المبلط به الصرح بينهما.
وذكر الدخول يقتضي أن الصرح مكان له باب.
وفي سفر الملوك الأول في الإصحاح العاشر: فلما رأت البيت الذي بناه.
وحكاية أنها حسبته لجة عندما رأته تقتضي أن ذلك بدا لها في حين دخولها فدل على أن الصرح هو أول ما بدا لها من المدخل فهو لا محالة ساحة مَعْنِيّة للنزهة فرشت بزجاج شفاف وأجري تحته الماء حتى يخاله الناظر لُجّة ماء.
وهذا من بديع الصناعة التي اختصت بها قصور سليمان في ذلك الزمان لم تكن معروفة في اليمن على ما بلغته من حضارة وعظمة بناء.
وقرأ قنبل عن ابن كثير ﴿ عن سأقيها ﴾ بهمزة ساكنة بعد السين عوضاً عن الألف على لغة من يهمز حرف المدّ إذا وقع وسط الكلمة.
ومنه قول جرير: لحَب المُؤقِداننِ إليَّ مؤسى *** وجعدة إذْ أضاءهما الوقود فهمَز المؤقدان ومؤسى.
*** وكشف ساقيها كان من أجل أنها شمرت ثيابها كراهية ابتلالها بما حسبته ماء.
فالكشف عن ساقيها يجوز أن يكون بخلع خفيها أو نعليها، ويجوز أن يكون بتشمير ثوبها.
وقد قيل: إنها كانت لا تلبس الخفّين.
والممرّد: المملس.
والقوارير: جمع قارورة وهي اسم لإناء من الزجاج كانوا يجعلونه للخمر ليظهر للرائي ما قرّ في قعر الإناء من تفث الخمر فيظهر المقدار الصافي منها.
فسمى ذلك الإناء قارورة لأنه يظهر منه ما يقَرّ في قعره، وجمعت على قَوارير، ثم أطلق هذا الجمع على الطين الذي تتخذ منه القارورة وهو الزجاج، فالقوارير من أسماء الزجاج، قال بشار: ارفُق بعمرو إذا حركْت نسبته *** فإنه عربي من قَوارير يريد أن نسبته في العرب ضعيفة إذا حُرّكت تكسرت.
وقد تقدم ذكر الزجاج عند قوله تعالى: ﴿ المصباح في زجاجة ﴾ في سورة النور (35).
بهرها ما رأت من آيات علمت منها أن سليمان صادق فيما دعاها إليه وأنه مؤيَّد من الله تعالى، وعلمت أن دينها ودين قومها باطل فاعترفت بأنها ظلمت نفسها في اتباع الضلال بعبادة الشمس.
وهذا درجة أولى في الاعتقاد وهو درجة التخلية، ثم صعدت إلى الدرجة التي فوقها وهي درجة التحَلّي بالإيمان الحق فقالت: ﴿ وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ فاعترفت بأن الله هو رب جميع الموجودات، وهذا مقام التوحيد.
وفي قولها: ﴿ مع سليمان ﴾ إيمان بالدين الذي تقلده سليمان وهو دين اليهودية، وقد أرادت جمع معاني الدين في هذه الكلمة ليكون تفصيلها فيما تتلقاه من سليمان من الشرائع والأحكام.
وجملة: ﴿ قالت رب إني ظلمت نفسي ﴾ جواب عن قول سليمان ﴿ إنه صرح ممرّد من قوارير ﴾ ولذلك لم تعطف.
والإسلام: الانقياد إلى الله تعالى.
وتقلُّد بلقيس للتوحيد كان في خاصة نفسها لأنها دانت لله بذلك إذ لم يثبت أن أهل سبأ انخلعوا عن عبادة الأصنام كما يأتي في سورة سبأ.
وأما دخول اليهودية بلاد اليمن فيأتي في سورة البروج.
وسكت القرآن عن بقية خبرها ورجوعها إلى بلادها، وللقصاصين أخبار لا تصح فهذا تمام القصة.
ومكان العبرة منها الاتعاظ بحال هذه الملكة، إذ لم يصدّها علوّ شأنها وعظمة سلطانها مع ما أوتيته من سلامة الفطرة وذكاء العقل عن أن تنظر في دلائل صدق الداعي إلى التوحيد وتوقن بفساد الشرك وتعترف بالوحدانية لله، فما يكون إصرار المشركين على شركهم بعد أن جاءهم الهدي الإسلامي إلا لسخافة أحلامهم أو لعمايتهم عن الحق وتمسكهم بالباطل وتصلبهم فيه.
ولا أصل لما يذكره القصّاصون وبعض المفسرين من أن سليمان تزوج بلقيس، ولا أن له ولداً منها.
فإن رحبعام ابنَه الذي خلفه في الملك كان من زوجة عَمُّونِيَّة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها ﴾ أيْ غَيِّرُوهُ وفي تَغْيِيرِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَزَعَ ما عَلَيْهِ مِن فُصُوصِهِ، ومَرافِقِهِ وجَواهِرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ غَيَّرَ ما كانَ أحْمَرَ فَجَعَلَهُ أخْضَرَ وما كانَ أخْضَرَ جَعَلَهُ أحْمَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: غَيَّرَ بِأنْ زِيدَ فِيهِ ونُقِصَ مِنهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: حَوَّلَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ ومُقَدَّمَهُ مُؤَخَّرَهُ، قالَهُ شَيْبانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
الخامِسُ: غَيَّرَهُ بِأنْ جَعَلَ فِيهِ تِمْثالَ السَّمَكِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
﴿ نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَهْتَدِي إلى الحَقِّ بِعَقْلِها أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ رُومانَ.
الثّانِي: إلى مَعْرِفَةِ العَرْشِ بِفِطْنَتِها أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ.
﴿ فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ ﴾ فَلَمْ تُثْبِتْهُ ولَمْ تُنْكِرْهُ واخْتُلِفَ في سَبَبِ قَوْلِها ذَلِكَ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّها خَلَّفَتْهُ وراءَها فَوَجَدَتْهُ أمامَها فَكانَ مَعْرِفَتُها لَهُ تَمْنَعُ مِن إنْكارِهِ وتَرْكُها لَهُ وراءَها يَمْنَعُ إثْباتَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّانِي: لِأنَّها وجَدَتْ فِيهِ ما تَعْرِفُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ تُنْكِرْهُ ووَجَدَتْ فِيهِ ما بُدِّلَ وغُيِّرَ فَلِذَلِكَ لَمْ تُثْبِتْهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: شَبَّهُوا عَلَيْها حِينَ قالُوا: أهَكَذا عَرْشُكِ؟
فَشَبَّهَتْ عَلَيْهِمْ فَقالَتْ: كَأنَّهُ هو ولَوْ قالُوا لَها: هَذا عَرْشُكِ لَقالَتْ: نَعَمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ وَأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها ﴾ وهَذا قَوْلٌ مِن سُلَيْمانَ وقِيلَ هو مِن كَلامِ قَوْمِهِ، وفي تَأْوِيلِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْرِفَةُ اللَّهِ وتَوْحِيدُهُ، قالَهُ زُهَيْرٌ.
الثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: أيْ عَلِمْنا أنَّ العَرْشَ عَرْشُها قَبْلَ أنْ نَسْألَها، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ وَكُنّا مُسْلِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: طائِعِينَ لِلَّهِ بِالِاسْتِسْلامِ لَهُ.
الثّانِي: مُخْلِصِينَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وصَدَّها عِبادَةُ الشَّمْسِ أنْ تُعْبَدَ اللَّهَ.
الثّانِي: وصَدَّها كُفْرُها بِقَضاءِ اللَّهِ أنْ تَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ.
الثّالِثُ: وصَدَّها سُلَيْمانُ عَمّا كانَتْ تَعْبُدُ في كُفْرِها.
الرّابِعُ: وصَدَّها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِتَوْفِيقِها بِالإيمانِ عَنِ الكُفْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿ قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها بَرَكَةٌ بُنِيَتْ قَوارِيرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها صَحْنُ الدّارِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى يُقالُ صَرْحَةُ الدّارِ وساحَةُ الدّارِ وباحَةُ الدّارِ وقاعَةُ الدّارِ كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ.
قالَ زُهَيْرٌ: مَأْخُوذٌ مِنَ التَّصْرِيحِ ومِنهُ صَرَّحَ بِالأمْرِ إذا أظْهَرَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ القَصْرُ قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الهُذَلِيِّ.
عَلى طُرُقٍ كَنُحُورِ الظِّباءِ تَحْسَبُ أعْلامَهُنَّ الصُّرُوحا ﴿ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ﴾ أيْ ماءً لِأنَّ سُلَيْمانَ أمَرَ الجِنَّ أنْ يَبْنُوهُ مِن قَوارِيرَ في ماءٍ فَبَنَوْهُ وجَعَلُوا حَوْلَهُ أمْثالَ السَّمَكِ فَأمَرَها بِالدُّخُولِ لِأنَّها وُصِفَتْ لَهُ فَأحَبَّ أنْ يَراها.
قالَ مُجاهِدٌ: وكانَتْ هَلْباءَ الشَّعْرِ والهَلْباءُ الطَّوِيلَةُ الشَّعْرِ، قَدَمُها كَحافِرِ الحِمارِ وكانَتْ أُمُّها جِنِّيَّةً.
قالَ الحَسَنُ: وخافَتِ الجِنُّ أنْ يَتَزَوَّجَها سُلَيْمانُ فَيَطَّلِعَ مِنها عَلى أشْياءَ كانَتِ الجِنُّ تُخْفِيها عَنْهُ.
وَهَذا القَوْلُ بِأنَّ أُمَّها جِنِّيَّةٌ مُسْتَنْكَرٌ في العُقُولِ لِتَبايُنِ الجِنْسَيْنِ واخْتِلافِ الطَّبْعَيْنِ وتَفاوُتِ الجِسْمَيْنِ، لِأنَّ الآدَمِيَّ جُسْمانِيٌّ، والجِنِّيَّ رَوْحانِيٌّ، وخَلَقَ اللَّهُ الآدَمِيَّ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ وخَلَقَ الجِنِّيَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، ويَمْتَنِعُ الِامْتِزاجُ مِن هَذا التَّبايُنِ ويَسْتَحِيلُ التَّناسُلُ مَعَ هَذا الِاخْتِلافِ، لَكِنَّهُ قِيلَ فَذَكَرْتُهُ حاكِيًا.
﴿ وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ﴾ فَرَآهُما سُلَيْمانُ شَعْراوَيْنِ فَصَنَعَتْ لَهُ الجِنُّ النُّورَةَ فَحَلَقَهُما، فَكانَ أوَّلَ مَن صَنَعَتِ النُّورَةَ.
واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي كانَ مِن أجْلِهِ أرادَ سُلَيْمانُ كَشْفَ ساقَيْها لِدُخُولِ الصَّرْحِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ بِذَلِكَ عَقْلَها.
الثّانِي: أنَّهُ ذُكِرَ لَهُ أنَّ ساقَها ساقُ حِمارٍ لِأنَّ أُمَّها جِنِّيَّةٌ فَأحَبَّ أنْ يَخْتَبِرَها.
الثّالِثُ: لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها فَأحَبَّ أنْ يُشاهِدَها.
﴿ قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَجْلِسُ ومِنهُ الأمْرَدُ لِمُلُوسَتِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّهُ الواسِعُ طُولُهُ وعَرْضُهُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ وأنْشَدَ: غَدَوْتُ صَباحًا باكِرًا فَوَجَدْتُهم ∗∗∗ قُبَيْلَ الضُّحى في البابِلِيِّ المُمَرَّدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالشِّرْكِ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: بِالظَّنِّ الَّذِي تَوَهَّمَتْهُ في سُلَيْمانَ لِأنَّها لَمّا أُمِرَتْ بِدُخُولِ الصَّرْحِ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وأنَّ سُلَيْمانَ يُرِيدُ تَغْرِيقَها فِيهِ فَلَمّا بانَ لَها أنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ عَلِمَتْ أنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِذَلِكَ الظَّنِّ، قالَهُ سُفْيانُ.
﴿ وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيِ اسْتَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ طائِعَةً لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: فَتَزَوَّجَها سُلَيْمانُ واتَّخَذَ لَها حَمّامًا ونُورَةً بِالشّامِ، وهو أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يُرَ إلّا كَذَلِكَ حَتّى فَرَّقَ المَوْتُ بَيْنَهُما، فَحَكى الشَّعْبِيُّ عَنْ ناسٍ مِن حِمْيَرَ أنَّهم حَفَرُوا مَقْبَرَةَ المَلِكِ فَوَجَدُوا فِيها أرْضًا مَعْقُودَةً فِيها امْرَأةٌ عَلَيْها حُلَلٌ مَنسُوخَةٌ بِالذَّهَبِ وعِنْدَ رَأْسِها لَوْحُ رُخامٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ: - ؎ يا أيُّها الأقْوامُ عُوجُوا مَعًا ∗∗∗ وأرْبِعُوا في مَقْبَرِي العِيسا ∗∗∗ لِتَعْلَمُوا أنِّي تِلْكَ الَّتِي ∗∗∗ قَدْ كُنْتُ أُدْعى الدَّهْرَ بِلْقِيسا ∗∗∗ شَيَّدْتُ قَصْرَ المُلْكِ في حِمْيَرٍ ∗∗∗ قَوْمِي وقَدْ كانَ مَأْنُوسًا ∗∗∗ وكُنْتُ في مُلْكِي وتَدْبِيرِهِ ∗∗∗ أُرْغِمُ في اللَّهِ المَعاطِيسا ∗∗∗ بَعْلِي سُلَيْمانُ النَّبِيُّ الَّذِي ∗∗∗ قَدْ كانَ لِلتَّوْراةِ دَرِّيسا ∗∗∗ وسُخِّرَ الرِّيحُ لَهُ مَرْكَبًا ∗∗∗ تَهَبُ أحْيانًا رَوامِيسا ∗∗∗ مَعَ ابْنِ داوُدَ النَّبِيِّ الَّذِي ∗∗∗ قَدَّسَهُ الرَّحْمَنُ تَقْدِيسا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ﴾ قال: جمعت رؤوس مملكتها، فشاورتهم في أمرها، فاجتمع رأيهم ورأيها على أن يغزوه.
فسارت حتى إذا كانت قريبة قالت: أرسل إليه بهدية فإن قبلها فهو ملك أقاتله، وإن ردها تابعته فهو نبي.
فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم، فأمر الشياطين فهيئوا له ألف قصر من ذهب وفضة.
فلما رأت رسلها قصور ذهب قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا، وقصوره ذهب وفضة!
فلما دخلوا بهديتها قال: أتهدونني بمال، ثم قال سليمان ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ فقال كاتب سليمان: ارفع بصرك؛ فرفع بصره.
فلما رجع إليه طرفه إذا هو بسريرها ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ فنزع عنه فصوصه ومرافقه وما كان عليه من شيء فقيل لها ﴿ أهكذا عرشك؟
قالت كأنه هو ﴾ وأمر الشياطين: فجعلوا لها صرحاً من قوارير ممرداً، وجعل فيها تماثيل السمك فقيل لها ﴿ ادخلي الصرح...
وكشفت عن ساقيها ﴾ فإذا فيها الشعر.
فعند ذلك أمر بصنعة النورة فقيل لها ﴿ إنه صرح ممرد من قوارير، قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ أفتوني في أمري ﴾ تقول: أشيروا علي برأيكم ﴿ ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون ﴾ تريد: حتى تشيروا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول، تحت يدي كل قيول مائة ألف مقاتل، وهم الذين قالوا ﴿ نحن أولو قوة وأولوا بأس شديد ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أنه كان أول مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلاً.
كل رجل منهم على عشرة آلاف من الرجال.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ﴾ قال: إذا أخذوها عنوة أخربوها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ قال: بالسيف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت بلقيس ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ قال: يقول الرب تبارك وتعالى ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ قال: أرسلت بلبنة من ذهب، فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب فذلك قوله: ﴿ أتمدوننِ بمال ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قالت إني باعثة إليهم بهدية، فمصانعتهم بها عن ملكي أن كانوا أهل دنيا.
فبعثت إليهم بلبنة من ذهب في حرير وديباج، فبلغ ذلك سليمان، فأمر بلبنة من ذهب فصنعت، ثم قذفت تحت أرجل الدواب على طريقهم تبول عليها وتروث، فلما جاء رسلها واللبنة تحت أرجل الدواب، صغر في أعينهم الذي جاؤوا به.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت البناني قال: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج.
فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجن، فموّهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به، فألقي في الطريق.
فلما جاؤوا ورأوه ملقى في الطريق وفي كل مكان قالوا: جئنا نحمل شيئاً نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه.
فصغر في أعينهم ما جاؤوا به.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ قال: جوار لباسهن لباس الغلمان، وغلمان لباسهن لباس الجواري.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أرسلت بثمانين من وصيف ووصيفة، وحلقت رؤوسهم كلهم، وقالت: إن عرف الغلمان من الجواري فهو نبي، وإن لم يعرف الغلمان من الجواري فليس بنبي.
فدعا بوضوء فقال: توضئوا.
فجعل الغلام يأخذ من مرفقيه إلى كفيه، وجعلت الجارية تأخذ من كفها إلى مرفقها فقال: هؤلاء جوار وهؤلاء غلمان.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: كانت هدية بلقيس لسليمان مائتي فرس على كل فرس غلام وجارية.
الغلمان والجواري على هيئة واحدة، لا يعرف الجواري من الغلمان، ولا الغلمان من الجواري.
على كل فرس لون ليس على الآخر وكانت أول هديتهم عند سليمان وآخرها عندها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الهدية.
وصفان، ووصائف، ولبنة من ذهب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت الهدية.
جواهر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الهدية لما جاءت سليمان بين الغلمان والجواري امتحنهم بالوضوء.
فغسل الغلمان ظهور السواعد قبل بطونها، وغسلت الجواري بطون السواعد قبل ظهورها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قالت: إن هو قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه دون ملككم، وإن لم يقبل الهدية فهو نبي لا طاقة لكم بقتاله.
فبعثت إليه بهدية غلمان في هيئة الجواري وحليهم، وجوار في هيئة الغلمان ولباسهم، وبعثت إليه بلبنات من ذهب، وبخرزة مثقوبة مختلفة، وبعثت إليه بقدح، وبعثت إليه تعلمه.
فلما جاء سليمان الهدية أمر الشياطين، فموّهوا لبن المدينة وحيطانها ذهباً وفضة، فلما رأى ذلك رسلها قالوا: أين نذهب باللبنات في أرض هؤلاء وحيطانهم ذهب وفضة؟!
فحسبوا اللبنات وأدخلوا عليه ما سوى ذلك وقالوا: أخرج لنا الغلمان من الجواري.
فأمرهم فتوضأوا، وأخرج الغلمان من الجواري.
أما الجارية فافرغت على يدها، وأما الغلام فاغترف، وقالوا: ادخل لنا في هذه الخرزة خيطاً.
فدعا بالدساس فربط فيه خيطاً فأدخله فيها، فجال فيها واضطرب حتى خرج من الجانب الآخر.
وقالوا: املأ لنا هذا القدح بماء ليس من الأرض ولا من السماء.
فأمر بالخيل فأجريت حتى إذا اربدت مسح عرقها فجعله فيه حتى ملأه.
فلما رجعت رسلها فأخبروها: أن سليمان رد الهدية.
وفدت إليه وأمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات وغلقت عليها فأخذت المفاتيح.
فلما بلغ سليمان ما صنعت بعرشها ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: قال للهدهد ﴿ ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ﴾ يعني من الانس والجن.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم صالح في قوله: ﴿ لا قبل لهم بها ﴾ قال: لا طاقة لهم بها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما بلغ سليمان أنها جاءته وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه.
وكان عرشها من ذهب، وقوائمه من لؤلؤ وجوهر، وكان مستتراً بالديباج والحرير، وكان عليه سبعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم.
وقد علم نبي الله سليمان أن القوم متى ما يسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم، فأحب أن يؤتى به قبل أن يكون ذلك من أمرهم فقال: ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ قال: سرير في أريكة.
وأخرج ابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ قال: طائعين.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قال عفريت من الجن ﴾ قال: مارد ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مقعدك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ قال عفريت ﴾ قال: عظيم كأنه جبل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: كان اسم العفريت.
كوزن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: اسمه كوزي.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال عفريت من الجن ﴾ قال: هو صخر الجني ﴿ وإني عليه لقوي ﴾ قال: على حمله ﴿ أمين ﴾ قال: على ما استودع فيه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مجلسك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مجلسك الذي تجلس فيه للقضاء.
وكان سليمان إذا جلس للقضاء لم يقم حتى تزول الشمس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني عليه لقوي أمين ﴾ قال: على جوهره.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: إني أريد أعجل من هذا ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: فخرج العرش من نفق من الأرض.
وأخرج عبد بن حميد عن حماد بن سلمة قال: قرأت في مصحف أبي بن كعب ﴿ وإني عليه لقوي أمين ﴾ قال: أريد أعجل من ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: آصف: كاتب سليمان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: هو آصف بن برخيا.
وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان اسمه أسطوم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال: هو الخضر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: هو رجل من الإِنس يقال له: ذو النور.
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: هو آصف بن برخيا بن مشعيا بن منكيل، واسم أمه باطورا من بني إسرائيل.
وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: كان اسمه تمليخا.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وهو ياذا الجلال والإِكرام.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: ادامة النظر حتى يرتد إليك الطرف خاسئاً.
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: في قراءة ابن مسعود «قال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» قال: فتكلم ذلك العالم بكلام، دخل العرش في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: قال لسليمان: انظر إلى السماء قال: فما اطرق حتى جاءه به فوضعه بين يديه.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري قال: دعاء الذي عنده من الكتاب.
يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت: ائتني بعرشها.
قال: فمثل له بين يديه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال: لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء، ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سابط قال: دعا باسمه الأعظم، فدخل السرير فصار له نفق في الأرض حتى نبع بين يدي سليمان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: دعا باسم من أسماء الله.
فإذا عرشها يحمل بين عينيه.
ولا يدري ذلك الاسم.
قد خفي ذلك الإِسم على سليمان وقد أعظم ما أعطى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: كان رجلاً من بني إسرائيل يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي.
وارتداد الطرف أن يرى ببصره حيث بلغ ثم يرد طرفه.
فدعاه فلما رآه مستقراً عنده جزع وقال: رجل غيري أقدر على ما عند الله مني.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ﴾ إذا أتيت بالعرش ﴿ أم أكفر ﴾ إذا رأيت من هو أدنى مني في الدنيا أعلم مني.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ قال: زيد فيه ونقص ل ﴿ ننظر أتهتدي ﴾ قال: لننظر إلى عقلها.
فوجدت ثابتة العقل.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ قال: تنكيره أن يجعل أسفله أعلاه، ومقدمه مؤخره، ويزاد فيه أو ينقص منه، فلما جاءت ﴿ قيل أهكذا عرشك ﴾ قالت ﴿ كأنه هو ﴾ شبهته به وكانت قد تركته خلفها فوجدته أمامها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما دخلت وقد غير عرشها.
فجعل كل شيء من حليته أو فرشه في غير موضعه ليلبسوا عليها قيل ﴿ أهكذا عرشك ﴾ فرهبت أن تقول نعم هو.
فيقولون: ما هكذا كان حليته ولا كسوته، ورهبت أن تقول ليس هو، فيقال لها: بل هو ولكنا غيرناه.
فقالت كأنه هو.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ وأوتينا العلم من قبلها ﴾ قال: سليمان يقوله: أوتينا معرفة الله وتوحيده.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأوتينا العلم من قبلها ﴾ قال: سليمان يقوله.
وفي قوله: ﴿ وصدها ما كانت تعبد من دون الله ﴾ قال: كفرها بقضاء الله غير الوثن أن تهتدي للحق.
في قوله: ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير، وكانت بلقيس عليها شعر، قدماها حافر كحافر الحمار، وكانت أمها جنية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الصرح من زجاج وجعل فيه تماثيل السمك.
فلما رأته وقيل لها: أدخلي الصرح.
فكشفت عن ساقيها وظنت أنه ماء قال: ﴿ والممرد ﴾ : الطويل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان قد نعت لها خلقها، فأحب أن ينظر إلى ساقيها، فقيل لها ﴿ ادخلي الصرح ﴾ فلما رأته ظنت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها، فنظر إلى ساقيها أنه عليهما شعر كثير، فوقعت من عينيه وكرهها، فقالت له الشياطين: نحن نصنع لك شيئاً يذهب به.
فصنعوا له نورة من أصداف، فطلوها فذهب الشعر، ونكحها سليمان عليه السلام.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله قالت ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ قال: ظنت أنه ماء.
وأن سليمان أراد قتلها فقالت: أراد قتلي- والله- على ذلك، لأقتحمن فيه.
فلما رأته أنه قوارير عرفت أنها ظلمت سليمان بما ظنت.
فذلك قولها ﴿ ظلمت نفسي ﴾ وإنما كانت هذه المكيدة من سليمان عليه السلام لها.
إن الجن تراجعوا فيما بينهم فقالوا: قد كنتم تصيبون من سليمان غرة، فإن نكح هذه المرأة اجتمعت فطنة الوحي والجن فلن تصيبوا له غرة.
فقدموا إليه فقالوا: إن النصيحة لك علينا حق، إنما قدماها حافر حمار.
فذلك حين ألبس البركة قوارير، وأرسل إلى نساء من نساء بني إسرائيل ينظرنها إذا كشفت عن ساقيها.
ما قدماها؟
فإذا هي أحسن الناس ساقاً من ساق شعراء، وإذا قدماها هما قدم إنسان، فبشرن سليمان.
وكره الشعر، فأمر الجن، فجعلت النورة.
فذلك أول ما كانت النورة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان سليمان بن داود عليه السلام إذا أراد سفراً قعد على سريره، ووضعت الكراسي يميناً وشمالاً، فيؤذن للإِنس عليه، ثم أذن للجن عليه بعد الانس، ثم أذن للشياطين بعد الجن، ثم أرسل إلى الطير فتظلهم، وأمر الريح فحملتهم وهو على سريره، والناس على الكراسي، والطير تظلهم، والريح تسير بهم.
غدوها شهر، ورواحها شهر، رخاء حيث أراد.
ليس بالعاصف، ولا باللين، وسطا بين ذلك.
وكان سليمان يختار من كل طير طيراً، فيجعله رأس تلك الطير.
فإذا أراد أن يسائل تلك الطير عن شيء سأل رأسها.
فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة فقال: كم بعد الماء ههنا؟
فسأل الإِنس فقالوا: لا ندري!
فسأل الشياطين فقالوا: لا ندري!
فغضب سليمان وقال: لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء ههنا؟
فقالت له الشياطين: يا رسول الله لا تغضب، فإن يك شيء يعلم فالهدهد يعلمه.
فقال سليمان: عليَّ بالهدهد.
فلم يوجد، فغضب سليمان وقال: ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ يقول: بعذر مبين غيبه عن مسيري هذا.
قال: ومر الهدهد على قصر بلقيس فرأى لها بستاناً خلف قصرها، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فإذا هو بهدهد في البستان فقال له: هدهد سليمان أين أنت عن سليمان وما تصنع ههنا؟
فقال له هدهد بلقيس: ومن سليمان؟!
فقال: بعث الله رجلاً يقال له: سليمان رسولاً وسخر له الجن والانس والريح والطير.
فقال له هدهد بلقيس: أي شيء تقول؟
قال: أقول لك ما تسمع.
قال: إن هذا لعجب!
وأعجب من ذلك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة ﴿ وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ﴾ جعلوا الشكر لله: أن يسجدوا للشمس من دون الله.
قال: وذكر لهدهد سليمان، فنهض عنه فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير فقالوا: تواعدك رسول الله، وأخبروه بما قال.
وكان عذاب سليمان للطير أن ينتفه، ثم يشمسه، فلا يطير أبداً ويصير مع هوام الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبداً.
قال الهدهد: وما استثنى نبي الله؟
قالوا: بلى.
قال: أو ليأتيني بعذر مبين.
فلما أتى سليمان قال: وما غيبتك عن مسيري؟
قال: ﴿ أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ﴾ قال: بل اعتللت ﴿ سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ وكتب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى بلقيس ﴿ ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين ﴾ فلما ألقى الهدهد الكتاب إليها، ألقى في روعها أنه كتاب كريم، وإنه من سليمان و ﴿ ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين...، قالوا نحن أولوا قوة ﴾ قالت ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها...، وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال ارجع إليهم.
فلما رجع إليها رسلها خرجت فزعة، فأقبل معها ألف قيل مع كل قيل مائة ألف.
قال: وكان سليمان رجلاً مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه.
فخرج يومئذ فجلس على سريره فرأى رهجاً قريباً منه قال: ما هذا؟
قالوا: بلقيس يا رسول الله قال: وقد نزلت منا بهذا المكان؟
قال ابن عباس: وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بين الكوفة والحيرة قال: فأقبل على جنوده فقال: أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟
قال: وبين سليمان وبين عرشها حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين ﴿ قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ .
قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما تجلس الأمراء، ثم يقوم قال سليمان: أريد اعجل من ذلك.
قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا انظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.
فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه، رد سليمان بصره، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان.
من تحت كرسي كان يضع عليه رجله، ثم يصعد إلى السرير، فلما رأى سليمان عرشها مستقراً عنده ﴿ قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ﴾ إذ أتاني به قبل أن يرتد إليَّ طرفي ﴿ أم أكفر ﴾ إذ جعل من هو تحت يدي أقدر على المجيء مني، ثم ﴿ قال نكروا لها عرشها...، فلما جاءت ﴾ تقدمت إلى سليمان ﴿ قيل لها أهكذا عرشك فقالت كأنه هو ﴾ ثم قالت: يا سليمان إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرني به قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء.
قال: وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه يسأل الإِنس عنه، فإن كان عند الإِنس منه علم...
وإلا سأل الجن، فإن لم يكن عند الجن علم سأل الشياطين، فقالت له الشياطين: ما أهون هذا يا رسول الله!
مر بالخيل فتجري ثم لتملأ الآنية من عرقها فقال لها سليمان: عرق الخيل قالت: صدقت قالت: فأخبرني عن لون الرب قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره فخر ساجداً فقامت عنه، وتفرقت عنه جنوده، وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت قال: فإن الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتقعد عليه، وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودها، وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروك فيدخلوا عليك، فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه قال: ففعل سليمان ذلك.
فلما دخلوا عليه جميعاً قال لها: عم سألتيني؟
قالت: سألتك عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء قال: قلت لك عرق الخيل قالت: صدقت.
قال: وعن أي شيء سألتيني؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلا عن هذا قال لها سليمان: فلأي شيء خررت عن سريري؟!
قالت: كان ذلك لشيء لا أدري ما هو.
فسأل جنودها فقالوا: مثل قولها.
فسأل جنوده من الإِنس، والجن، والطير، وكل شيء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألتك يا رسول الله عن شيء إلا عن ماء رواء قال: وقد كان.
قال له الرسول: يقول الله لك: ارجع ثمة إلى مكانك فإني قد كفيتكم فقال سليمان للشياطين: ابنو لي صرحاً تدخل علي فيه بلقيس، فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض فقالوا لسليمان: يا رسول الله قد سخر الله لك ما سخر، وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاماً فلا ننفك له من العبودية أبداً قال: وكانت امرأة شَعْرَاء الساقين فقالت الشياطين: ابنو له بنياناً كأنه الماء يرى ذلك منها فلا يتزوجها، فبنوا له صرحاً من قوارير، فجعلوا له طوابيق من قوارير، وجعلوا من باطن الطوابيق كل شيء يكون من الدواب في البحر.
من السمك وغيره ثمَّ اطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصرح.
فألقي كرسياً في أقصى الصرح.
فلما دخله أتى الكرسي فصعد عليه ثم قال: أدخلوا عليَّ بلقيس فقيل لها ادخلي الصرح فلما ذهبت تدخله فرأت صورة السمك، وما يكون في الماء من الدواب ﴿ حسبته لجة فكشفت عن ساقيها ﴾ لتدخل.
وكان شعر ساقها ملتوياً على ساقيها.
فلما رآه سليمان ناداها وصرف وجهه عنها ﴿ إنه صرح ممرد من قوارير ﴾ فألقت ثوبها وقالت ﴿ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ .
فدعا سليمان الإِنس فقال: ما أقبح هذا!
ما يذهب هذا!
قالوا: يا رسول الله الموسى.
فقال: الموسى تقطع ساقي المرأة، ثم دعا الشياطين فقال مثل ذلك، فتلكؤوا عليه ثم جعلوا له النورة قال ابن عباس: فإنه لأول يوم رؤيت فيه النورة قال: واستنكحها سليمان عليه السلام.
قال ابن أبي حاتم: قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث!
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد قال: كان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يسير وضع كرسيه، فيأتي من أراد من الانس والجن، ثم يأمر الريح فتحملهم، ثم يأمر الطير فتظلهم.
فبينا هو يسير إذ عطشوا فقال: ما ترون بعد الماء؟
قالوا: لا ندري.
فتفقد الهدهد وكان له منه منزلة ليس بها طير غيره فقال: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ وكان عذابه إذا عذب الطير نتفه، ثم يجففه في الشمس ﴿ أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ يعني بعذر بين.
فلما جاء الهدهد استقبلته الطير فقالت له: قد أوعدك سليمان فقال لهم: هل استثنى؟
فقالوا له: نعم.
قد قال: إلا أن يجيء بعذر بين.
فجاء بخبر صاحبة سبأ، فكتب معه إليها ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين ﴾ فأقبلت بلقيس، فلما كانت على قدر فرسخ قال سليمان ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ فقال سليمان: أريد أعجل من ذلك.
فقال الذي عنده علم من الكتاب ﴿ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ فأتى بالعرش في نفق في الأرض، يعني سرب في الأرض قال سليمان: غيروه.
فلما جاءت ﴿ قيل لها أهكذا عرشك ﴾ فاستنكرت السرعة ورأت العرش ﴿ فقالت كأنه هو..، قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته ﴾ لجة ماء ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ فإذا هي امرأة شعراء فقال سليمان: ما يذهب هذا؟
فقال بعض الجن: أنا أذهبه.
وصنعت له النورة.
وكان أول ما صنعت النورة، وكان اسمها بلقيس.
وأخرج ابن عساكر عن عكرمة قال: لما تزوج سليمان بلقيس قال: ما مستني حديدة قط فقال للشياطين: أنظروا أي شيء يذهب بالشعر غير الحديد؟
فوضعوا له النورة، فكان أول من وضعها شياطين سليمان.
وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من صنعت له الحمامات سليمان» .
وأخرج الطبراني وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من دخل الحمام سليمان، فلما وجد حره أوَّهَ من عذاب الله» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: لما قدمت ملكة سبأ على سليمان رأت حطباً جزلاً فقالت لغلام سليمان: هل يعرف مولاك كم وزن هذا الدخان؟
فقال: أنا أعلم فكيف مولاي؟
قالت: فكم وزنه؟
فقال الغلام: يوزن الحطب ثم يحرق، ثم يوزن الرماد فما نقص فهو دخانه.
وأخرج البيهقي في الزهد عن الأوزاعي قال: كسر برج من أبراج تدمر، فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طي الطوامير، عليها عمامة طولها ثمانون ذراعاً، مكتوب على طرف العمامة بالذهب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أنا بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود، ملكت الدنيا كافرة ومؤمنة، ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي، صار مصيري إلى الموت فأقصروا يا طلاب الدنيا.
وأخرج ابن عساكر عن سلمة بن عبد الله بن ربعي قال: لما أسلمت بلقيس تزوجها سليمان وأمهرها باعلبك.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ ﴾ الآية، قد ذكرنا أن الشياطين قالت لسليمان: إن رجلها كحافر الحمار.
قال ابن عباس: وكان لسليمان ناصح من الشياطين، فقال له: كيف لي أن أرى قدمها من غير أن أسألها كشفه؟
فقال: أنا أهريق لك في هذا الصرح، يعني: القصر ماء، وأبلط فوق الماء بالزجاج، حتى تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدمها.
وقال المفسرون: أراد سليمان أن يعلم حقيقة ما قالت الجن، وينظر إلى قدمها وساقها، فهيئ له بيتٌ من قوارير فوق الماء، وأُرسل فيه السمك لتحسب أنه الماء، ووُضع سرير سليمان في صدر البيت، و ﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ﴾ (١) والصرح في اللغة معناه: القصر.
قال ذلك أهل اللغة، والتفسير (٢) (٣) وقال أبو عبيد: كل بناء موثق من صخر أو غير ذلك فهو صرح (٤) بهن نَعَام بناها الرجال ...
تشبه أعلامهن الصروحا (٥) قال أبو عبيدة: كل بناء بنيته من حجارة فهو: نَعَامة، والجماع: نَعَام (٦) وقال أبو إسحاق: الصرح في اللغة: القصر والصحن، يقال هذه ساحة الدار، وصحنة الدار، وباحة الدار، وقاعة الدار، كله في معنى الصحن (٧) (٨) وقال مجاهد: الصرح: بركة ماء، ضرب عليها سليمان قوارير؛ ألبسها (٩) ﴿ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ﴾ وهي معظم الماء (١٠) (١١) ﴿ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ﴾ (١٢) (١٣) ﴿ وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ﴾ والساق: لكل دابة وشجرة وطائر وإنسان، والأَسْوَق: الطويل عَظْم الساق، والمصدر السَّوَق (١٤) قُبُّ من التَّعداءِ حُقْبٌ في سَوَق (١٥) ونذكر باقي الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿ بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ﴾ (١٦) ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ﴾ إن شاء الله (١٧) قال ابن عباس: لما كشفت عن ساقها رأى سليمان قدمًا لطيفًا، وساقًا حسنًا خَدَلَّجًا، أَزَّبَّ (١٨) (١٩) (٢٠) وقال مقاتل: نظر إليها سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقين وقدمين، ورأى على ساقها شعرًا كثيرًا، فكره سليمان من ذلك، فقالت: إن الرمانة لا تدري ما هي حتى تذوقها، فقال سليمان: ما لا يحلو في العين لا يحلو في الفم (٢١) قوله: ﴿ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ﴾ أي: قال سليمان لما رأى ساقها وقدمها، ناداها: ﴿ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ﴾ أي: مملس بالزجاج، وليس ببحر (٢٢) ﴿ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ﴾ [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: المريد الذي يتمرد على الله عز وجل.
وقال أهل اللغة في المريد قولين؛ أحدهما: أنه المتجرد للفساد، والثاني: أنه العاري من الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ﴾ \[النمل 44\] وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ﴾ .]].
قال مقاتل: لما رأت السرير والصرح، علمت أن ملكها ليس بشيء عند ملك سليمان، وأن ملكه من الله، فقالت حين دخلت الصرح: ﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ يعنيِ: بعبادة الشمس ﴿ وَأَسْلَمْتُ ﴾ وأخلصت ﴿ مَعَ سُلَيْمَانَ ﴾ بالتوحيد ﴿ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ خرت لله ساجدة، وتابت إلى الله من شركها، فاتخذها سليمان لنفسه، وولدت له داود بن سليمان بن داود، وأمر لها بقرية من الشام لها خراجها، وكانت عذراء فاتخذت الجن الحمامات من أجلها (٢٣) وقال النبي - -: "كانت من أحسن نساء العالمين ساقين، وهي من أزواج سليمان في الجنة" فقالت عائشة -أم المؤمنين- للنبي - -: هي أحسن ساقًا مني؟
فقال النبي - -: "أنت أحسن ساقين منها في الجنة" (٢٤) فكان سليمان يسير بها معه إذا سار، هذا قول مقاتل (٢٥) وقال محمد بن إسحاق: أدخلها سليمان الصرح ليريها ملكًا وسلطانًا هو أعظم من سلطانها، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله تعالى فأسلمت، وحسن إسلامها، فقال لها سليمان حين أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلاً أزوجكه، فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكِح الرجال؟
وقد كان لي من الملك والسلطان ما كان!
قال: نعم؛ إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، فقالت: زوجني إذا كان ذلك: ذا تُبَّع، ملك همدان، فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن (٢٦) وقال عون بن عبد الله: جاء رجل إلى عبد الله بن عتبة فسأله: هل كان سليمان تزوجها؟
قال: عهدي بها أن قالت: ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (٢٧) ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ﴾ .
(١) "تفسير مقاتل" 60 أ، و"تفسير هود الهواري" 3/ 256.
وأخرجه ابن جرير 19/ 168، عن وهب بن منبه.
وأخرج نحوه ابن أبي حاتم 9/ 2893، عن ابن عباس، ومحمد ابن إسحاق.
وذكره الثعلبي 8/ 130 ب، عن وهب بن منبه.
وذكره في "الوسيط" 3/ 379، و"الوجيز" 2/ 805، بمعناه، ولم ينسبه.
وأما القول الذي ذكره عن ابن عباس، فلم أجده.
ومثل هذا التفصيل مما لم يثبت في الكتاب والسنة؛ يتعين تركه خاصة ما يتعلق منه برغبة نبي الله سليمان رؤية قدمها وساقها.
(٢) "مجاز القرآن" 2/ 94.
و"غريب القرآن" لابن قتيبة 325.
(٣) "تفسير مقاتل" 160.
و"تنوير المقباس" 319.
(٤) "تهذيب اللغة" 4/ 237 (صرح)، بلفظ: الصرح: كل بناء عال مرتفع، وجمعه: صروح.
(٥) "مجاز القرآن" 2/ 95، ونسبه لأبي ذؤيب، وعنه الأنباري، "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 155، وأنشده ابن قتيبة، غريب القرآن 325، واقتصر على الشطر الثاني منه، ولفظه: تحسب أعلامهن الصروحا.
وأنشده الأزهري 4/ 237، عن أبي عبيد، بلفظ: تحسب آرامهن الصروحا.
وأنشده ابن جرير 20/ 77، كإنشاد أبي عبيدة، ولم ينسبه.
وأنشده الغزنوي، "وضح البرهان" 2/ 141، مع بيت آخر بتقديم وتأخير، ولفظه: على طرق كنحور الركا ...
ب تحسب أعلامهن الصروحا وهو كذلك في ديوان أبي ذؤيب الهذلي 63.
(٦) "مجاز القرآن" 2/ 95.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 122.
(٨) "غريب القرآن" لابن قتيبة 325، ولم ينسبه، وصدره بقول: ويقال.
و"تفسير مقاتل" 60 أ، بمعناه.
(٩) ذكره البخاري عنه.
كتاب التفسير، الفتح 8/ 504.
ووصله ابن أبي حاتم 9/ 2893.
و"تفسير مجاهد" 2/ 473.
(١٠) "تفسير الثعلبي" 8/ 131 أ، والطوسي 8/ 99، ولم ينسباه.
وهو كذلك في "الوسيط" 3/ 379، و"الوجيز" 2/ 805.
وفي "تفسير مقاتل" 60 أ: يعني: غدير الماء.
وفي "تنوير المقباس" 319: ماءً غمرًا، يعني: كثيرًا.
(١١) ومنه قول شمر: لُجُّ البحر: الماء الكثير الذي لا يُرى طرفاه.
"تهذيب اللغة" 10/ 494 (لج).
(١٢) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو عبيدة: لجي مضاف إلى اللجة، وهو معظم البحر، وقال الليث: بحر لجي واسع اللجة.
وقال الفراء: بحر لُجي ولِجي، كما يقال: سُخري وسِخري.
وقال المبرد: اللجي العظيم اللجة.
ومعناه: كثرة الماء.
(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 122.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2893، عن عبد الله بن شداد.
(١٤) "العين" 5/ 190 (سوق)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 9/ 232 (ساق).
(١٥) "العين" 5/ 190 (سوق)، ولم ينسبه، وذكره الأزهري 9/ 232 (ساق)، من إنشاد الليث،.
وكذا في اللسان 10/ 168.
وهو في ديوانه: 106.
والأقب: الضامر، وجمعه: قُب.
"اللسان" 1/ 658، مادة: قبب.
(١٦) ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية القراءات في قوله تعالى: ﴿ بِالسُّوقِ ﴾ ولم أجد فيه ما يتعلق بالساق ومعناها في اللغة.
والله أعلم.
(١٧) تكلم الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة القلم عن المراد بالساق في الآية، وذكر أقوال المفسرين وأهل اللغة في ذلك.
ولم أجد فيه الحديث عن معاني الساق.
(١٨) الخَدَلَّجَة، بتشديد اللام: الممتلئ الذراعين، والساقين.
"تهذب اللغة" 7/ 636 (خدج)، واللسان 2/ 248، والأزب: كثير الشعر.
اللسان 1/ 213، مادة: أزب.
(١٩) النُّورَة من الحجر: الذي يُحرق ويسوى منه الكِلْس، ويحلق به شعر العانة.
"تهذيب اللغة" 15/ 234 (نور)، واللسان 5/ 244.
(٢٠) بنصه، في "تفسير الوسيط" 3/ 379.
وذكر نحوه الثعلبي 8/ 131 ب، عن ابن عباس.
وذكره هود الهواري 3/ 257، ولم ينسبه.
وأخرج ابن جرير 19/ 169، اتخاذ النورة عن مجاهد، وعكرمة، وأبي صالح.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2894، عن ابن عباس، ومجاهد، والسدي.
ومثل هذا القول لا تحتمله الآية، ولا تدل عليه، وهل يليق بنبي أن يتحايل على امرأة لينظر إلى ساقيها، ولذ قال ابن كثير، بعد إيراده هذا القول: في هذا نظر.
"البداية والنهاية" 2/ 24.
وأولى ما تفسر به الآية: أن سليمان أراد إثبات عظمة ما أعطاه الله من الملك بذلك، ويؤيد هذا أن ما أراده نبي الله سليمان قد وقع وحصل، فعلمت ملكة سبأ أن ملكه أعظم من ملكها، وأنه من الله تعالى، ولذا قالت: ﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .
والله أعلم.
(٢١) "تفسير مقاتل" 60 أ.
وهذا كلام لا يليق إيراده صبي حق الأنبياء، وكان الأولى بالواحدي أن ينبه على ذلك.
والله أعلم.
(٢٢) "غريب القرآن" لابن قتيبة 325.
وذكره في "تفسير الوسيط" 3/ 379، ولم ينسبه.
(٢٣) "تفسير مقاتل" 160.
وذكره بنحوه الثعلبي 8/ 131 ب، ولم ينسبه.
وذكر زواجها من نبي الله سليمان، وابنُ كثير في "البداية والنهاية" 2/ 24، ووصف هذا القول بأنه، أشهر وأوضح.
والله أعلم.
(٢٤) ذكره بنصه، مقاتل 60 أ؛ هكذا بدون إسناد.
وذكره القرطبي 13/ 210، وصدره بقوله: وفي بعض الأخبار، وعزاه للقشيري.
(٢٥) "تفسير مقاتل" 60 ب.
(٢٦) أخرجه ابن جرير، في التاريخ 1/ 494، من طريق ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه.
وذكره الثعلبي 8/ 131 ب، بطوله.
وكل ما ذكر في هذا مما لا دليل عليه، والأحسن أن يقال ما ذكره الواحدي بعد ذلك عن عبد الله بن عتبة.
(٢٧) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2898.
واقتصر على هذا القول في "الوسيط" 3/ 379.
وهذه إجابة حسنة توقف ما في النفوس من التطلع عما سكت عنه القرآن، مما لا فائدة من العلم به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قِيلَ لَهَا ادخلي الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ﴾ الصرح في اللغة هو القصر، وقيل: صحن الدار، روي أن سليمان أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصراً من زجاج أبيض، وأجرى الماء من تحته، وألقى فيه دواب البحر من السمك وغيره وضع سريره في صدره فجلس عليه فلما رأته حسبته لجة، واللجة الماء المجتمع كالبحر، فكشفت عن ساقيها لتدخله لما أمرت بدخوله، وروي أن الجن كرهوا تزوج سليمان لها، فقالوا له: أن عقلها مجنون، وإن رجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش فوجدها عاقلة، واختبر ساقها بالصرح فلما كشف عن ساقيها وجدها أحسن الناس ساقاً، فتزوجها وأقرها على ملكها باليمن، وكان يأتيها مرة في كل شهر، وقيل: أسكنها معه بالشام ﴿ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ ﴾ لما ظنت أن الصرح لجة ماء وكشفت عن ساقيها لتدخل الماء قال لها سليمان: إنه صرح ممرّد والممرّد الأملس، وقيل الطويل، والقوارير جمع قارورة وهي الزجاجة.
﴿ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ تعني بكفرها فيما تقدم ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ﴾ هذا ضرب من ضروب التجنيس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وادي النمل ﴾ ممالة: عباس وقتيبة.
وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف.
﴿ لا يحطمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: عباس ورويس.
﴿ أوزعني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وكذلك في "الأحقاف" ﴿ ما لي لا ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وعلي وعاصم ﴿ ليأتيني ﴾ بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير.
﴿ فمكث ﴾ بفتح الكاف: عاصم وسهل ويعقوب غير رويس.
الآخرون بضمها ﴿ من سبأ ﴾ بفتح الهمزة لامتناع الصرف: البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة.
وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز.
الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ.
﴿ ألا يسجدوا ﴾ مخففاً: يزيد وعلي ورويس.
الآخرون بالتشديد.
وقال ابن مجاهد: إذا وقفوا على ﴿ إلا ﴾ وقفوا على "ألا ياء" والابتداء ﴿ اسجدوا ﴾ ﴿ تخفون ﴾ و ﴿ تعلنون ﴾ بتاء الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة ﴿ فألقه ﴾ بسكون الهاء: حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع ﴿ إني القي ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو جعفر ونافع ﴿ أتمدونني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل وافق به ابو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل ﴿ اتمدوني ﴾ بتشديد النون وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب.
الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء ﴿ أتاني الله ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص.
فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلاً ويعقوب فإنهما يقفان بالياء.
وقرأ علي ﴿ آتاني الله ﴾ بالإمالة ﴿ أنا آتيك ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه ﴿ فلما رايه ﴾ بكسر الراء: نصير ﴿ ليبلوني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
﴿ ساقيها ﴾ وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها.
قال في الكشاف: من همز فوجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد.
الوقوف: ﴿ علماً ﴾ ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكراً ووفاء ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ النمل ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ مساكنكم ﴾ ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل ﴿ وجنوده ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الهدهد ﴾ ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن "أم" متصل بمعنى الاستفهام في ﴿ مالي ﴾ أي أنا لا اراه أو هو غائب ﴿ الغائبين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يقيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه لا ومن خفف ﴿ ألا ﴾ وقف مطلقاً ﴿ تلعنون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه سجدة ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تأمرين ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج لأن قوله ﴿ وكذلك ﴾ يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ بمال ﴾ ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل ﴿ آتاكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين على أن "بل" ترجح جانب الوقف ﴿ تفرحون ﴾ ه ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ مقامك ﴾ ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ طرفك ﴾ ط للعدول ﴿ أم أكفر ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه ﴿ عرشك ﴾ ط ﴿ هو ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ الصرح ﴾ ج ﴿ ساقيها ﴾ ط ﴿ قوارير ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان.
والتنوين في ﴿ علماً ﴾ إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علماً غزيراً.
قال علماء المعاني: الواو في ﴿ وقالا ﴾ للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك: أعطيته فشكر.
فالتقدير: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه ﴿ وقالا الحمد لله ﴾ وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علماً فعملاَ به قلباً وقالباً ﴿ وقالا ﴾ باللسان ﴿ الحمد لله ﴾ قلت: لقائل أن يقول: الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك "أعطيته وشكر".
وقوله ﴿ على كثير من عباده ﴾ يجوز أن يكون واردا" على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما.
ويجوز أن يكون وارداً على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر، وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان.
وفي الآية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله قلباً وقالباً وما التوفيق إلا منه.
قوله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضاً عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنماً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً.
ومات المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته.
والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معاً دليله قوله تشهيراً لنعمة الله ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة ﴿ يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير ﴾ والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيداً وغير مفيد، ومنه قولهم "نطقت الحمامة".
قال المفسرون: إنه جعل الطير في ايامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله الدقائق التي خصت بالحاجة إليها.
يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب.
وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان.
وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون.
والخطاف يقول: قدموا خيراً تجدوه.
والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وارضه.
والقمريّ يقول: سبحان ربي الأعلى.
والقطاة تقول: من سكت سلم.
والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه.
والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون.
والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.
والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.
ومعنى ﴿ من كل شيء ﴾ بعض كل شيء.
وقال في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول "فلان يقصده كل أحد" تريد كثرة قاصديه.
وإنما قال ﴿ علمنا ﴾ ﴿ وأوتينا ﴾ لأنه أراد نفسه واباه، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب.
وقوله ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما قال رسول الله "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أي أقول هذا شكراً لا فخراً.
يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ.
خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسيّ الذهب والعلماء على كراسيّ الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإن كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود.
ومعنى ﴿ يوزعون ﴾ يحبسون.
قيل: كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيلة منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم.
ومعنى ﴿ أتوا على واد النمل ﴾ قطعوه وبلغوا آخره من قولهم "أتى على الشيء" إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي.
ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحلهم في الهواء فلذلك عدي بـ "على" عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟
فسألوه فأفحم فقال ابو حنيفة: كانت أنثى لقوله ﴿ قالت نملة ﴾ لو كان ذكراً لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد التمييز بالعلامة.
وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم أولي العقل فحكى أنها ﴿ قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ﴾ أما جواب للأمر وإما نهي بدلاً من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة "لا أرينك ههنا".
وفي قوله ﴿ سليمان وجنوده ﴾ دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول: أعجبني زيد وكرمه.
وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز.
وفي قوله ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو.
وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن.
وفيه تنيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.
قيل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال ﴿ فتبسم ضاحكاً ﴾ أي شارعاً في الضحك آخذاً فيه ولكن لم يبلغ حدّ القهقهة وكمال الضحك.
وما روي أنه ضحك حتى بدت نواجذه فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي.
وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلاً: ﴿ رب أوزعني ﴾ قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكراً لك.
وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس.
ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: ﴿ وأن أعمل صالحاً ترضاه ﴾ ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود.
يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة.
القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد، يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياماً يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة.
ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض.
وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنويه فلذلك تفقده.
وقيل: إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خالٍ فدعا عفريت الطير -وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه.
ثم قال لسيد الطير -وهو العقاب- عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته.
وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟
قالت: بلى قال: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ أي بعذر واضح.
فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ سليمان براسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته.
وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن اصغر رعيتهم.
وأرجع إلى التفسير.
قوله ﴿ مالي لا أرى ﴾ استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساتراً ستره ثم لاح له أنه غائب فقال ﴿ أم كان من الغائبين ﴾ وقد مر في الوقوف قوله ﴿ لأعذبنه ﴾ لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله.
فقيل: أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير.
وقيل: كان يطلي بالقطران ويشمس.
وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله.
وقيل: إيداعه القفص.
وقيل: التفريق بينه وبين إلفه.
وقييل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون مجالسة الأضداد.
وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.
ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي.
وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة.
ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه.
ثم أخبر الله أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله ﴿ فمكث غير بعيد ﴾ أي غير زمان بعيد ﴿ فقال ﴾ مخاطباً لسليمان ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.
وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالاً منه.
والإحاطة بالشيء علماً هو أن يعلمه من جميع جهاته.
وقوله ﴿ من سبأ بنبأ ﴾ من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول "من سبأ بخبر" حسن على حسن.
وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مارب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.
ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم.
ثم شرع في النبأ وهو قوله ﴿ إني وجدت امرأة ﴾ واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابراً عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوساً عبدة الشمس.
والضمير في ﴿ تملكهم ﴾ يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة.
﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ اي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب.
﴿ ولها عرش عظيم ﴾ كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان.
ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض.
يحكى من عظم شأنه إنما كان مكعباً ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللاً بأنواع الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، قال بعض المعتزلة: في قوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان.
وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصاً في زمن سليمان .
قوله ﴿ ألا يسجدوا ﴾ من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقاً بالصد فالتقدير صدهم لأن ﴿ لا يسجدوا ﴾ وإن كان متعلقاً بـ ﴿ لا يهتدون ﴾ فـ ﴿ لا ﴾ مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا.
ومن قرأ بالتخفيف فقوله ﴿ ألا ﴾ حرف تنبيه و ﴿ يا ﴾ حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله: ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى *** ولا زال منهلاً بجرعائك القطر قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد.
والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء.
والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرف بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي.
وفي تخصيص وصف الله في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة.
ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية ﴿ قال ﴾ سليمان ﴿ سننظر ﴾ أي نتأمل في صفحات حالك ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال له "كذبت" لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً في كل ما أخبر به.
ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال ﴿ أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ لم يقل إليها لأنه كان قد قال ﴿ وجدتها وقومها ﴾ فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماماً فيه بأمر الدين.
ولمثل هذا قال في الكتاب ﴿ ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ﴾ ومعنى ﴿ ثم تول عنهم ﴾ تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون ﴿ يرجعون ﴾ من رجع القول كقوله ﴿ يرجع بعضهم إلى بعض القول ﴾ يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة.
وقيل: نقرها فانتبهت فزعة.
وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقيل: كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها.
وههنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلاً سأل فماذا قالت بلقيس؟
فقيل ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم.
يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال "كرم الكتاب ختمه" .
وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به.
ثم إن سائلاً كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟
فقالت ﴿ إنه من سليمان وإنه ﴾ كيت وكيت.
سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟
والجواب أنها لم وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ﴿ إنه من سليمان ﴾ فقرأت عنوانه أوّلاً ثم أخبرت بما في الكتاب.
أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله .
و"أن" في ﴿ أن لا تعلوا ﴾ مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك.
يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى.
أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.
وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملاً وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد.
قوله ﴿ قالت يا ايها الملأ ﴾ استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة.
ومعنى ﴿ أفتوني ﴾ أشيروا عليّ بما يحدث لكم من الرأي.
والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم اصحاب القوى الجسداينة والخارجية، ولهم النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب.
ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشروة وإنما الرأي إليكن وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أهم مائلون إلى المحاربة، ارادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها ﴾ وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة.
ومفعول ﴿ مرسلة ﴾ محذوف اي مرسلة رسلاً مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي.
وإنما رأت الإهداء أوّلاً لأن الهدية سبب استمالة القلوب.
قال "تهادوا تحابوا" قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل -وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً.
ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشاً لطيفاً فهو نبي.
فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ والأنس كذلك، ولاوحش والطير كذلك.
فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟
وقال: أين الحق؟
وأخبرهم بما فيه.
ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وذلك قوله على سبيل الإنكار ﴿ أتمدونني بمال ﴾ ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار ﴿ فما آتاني الله ﴾ من الكمالات والقربات والدرجات ﴿ خير مما آتاكم ﴾ ثم أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه.
والمعنى ﴿ بل أنتم بهديتكم ﴾ هذه التي أهديتموها ﴿ تفرحون ﴾ فرح افتخار على الملوك.
ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال.
بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر ﴿ ارجع إليهم ﴾ ومعنى ﴿ لا قبل ﴾ لا طاقة ولا مقابلة.
والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر الف قيل.
مع كل قيل ألوف.
وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فاراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ وعن قتادة: اراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا اسلمت لم يحل له أخذ مالها.
وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء.
وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه, والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر اقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ووزنه "فعليت".
قالوا: كان اسمه ذكوان.
و ﴿ آتيك به ﴾ في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً وأن يكون اسم فاعل.
ومعنى.
﴿ أن تقوم من مقامك ﴾ إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به.
وعلى هذا فقيل: المراد مجلس الحكم.
وقيل: مقدار فراغه من الخطبة.
وقيل: إلى انتصاف النهار.
﴿ وإني عليه ﴾ أي على حمله ﴿ لقوي أمين ﴾ آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء.
واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر .
وقيل: جبرائيل.
وقيل: ملك أيد الله به سليمان.
وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه.
وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا اريك ما هو أسرع مما تقول.
وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوماً للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضاً كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه.
ومنها قول سليمان.
﴿ هذا من فضل ربي ﴾ ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه على الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزاً عن الإتيان بذلك الشيء.
واختلفوا ايضاً في الكتاب فقيل: هو اللوح.
وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع.
وقيل: كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء.
وما ذلك العلم؟
قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن.
والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه.
ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفياً بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم.
والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإِذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد اراتدّ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك.
يروى أن آصف قال له: مدّ عينك حتى ينتهي طرفك فمدّ عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتدّ طرفه.
ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده.
وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا في لحظةأو لمحة.
وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار.
قوله "أقشعت نافرة" أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها.
﴿ ومن كفر فان ربي غني ﴾ عن عبادة كل عابد فضلاً عن شكر شاكر ﴿ كريم ﴾ لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله.
زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له: إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله ﴿ نكروا لها عرشها ﴾ أي اجعلوه متنكراً متغيراً عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه.
قالوا: وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه اسفله.
وقوله ﴿ ننظر ﴾ بالجزم جواب للأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف.
﴿ أتهتدي ﴾ لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق.
وقوله ﴿ أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ أبلغ من أن لو قال "أم لا تهتدي" كما مر في قوله ﴿ أم كنت من الكاذبين ﴾ ﴿ فلما جاءت قيل أهكذا ﴾ أي مثل ذا ﴿ عرشك ﴾ لئلا يكون شبه تلقين فقالت ﴿ كأنه هو ﴾ ولم تقل: هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلاً على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف.
أما قوله ﴿ وأوتينا العلم ﴾ فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد اصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق.
﴿ وأوتينا ﴾ نحن ﴿ العلم ﴾ بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام ﴿ وصدّها ﴾ عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة.
والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام.
وقيل: هو موصول بكلام بلقيس.
والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر.
ثم قال ﴿ وصدها ﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ﴿ ما كانت تعبد من دون الله ﴾ وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء والقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس.
ثم ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ أي القصر أو صحن الدار ﴿ فلما رأته حسبته لجة ﴾ أي ماء غامراً ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء، فصرف سليمان بصره وناداها ﴿ إنه صرح ممرد ﴾ أي مملس ﴿ من قوارير ﴾ هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرّة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له.
قالوا: كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها.
وقال آخرون: المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع.
عن ابن عباس: لما اسلمت قال لها: اختاري من أزوّجكه؟
فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان.
فقال: النكاح من الإسلام.
فقالت: إن كان كذلك فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ولم يزل بها ملكاً ﴿ قالت رب إني ظلمت نفسي ﴾ أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في الماء.
وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولها ﴿ مع سليمان ﴾ أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون معه في الدارين جميعاً والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولقد آتينا داود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ علماً ﴾ لدنيا ﴿ على كثير من عباده ﴾ وهم الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية.
﴿ وورث سليمان داود ﴾ لأن كل إلهام وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان اقضى من داود.
قوله ﴿ منطق الطير ﴾ يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال الطائرين في سماء سناء الفناء.
وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية.
قوله ﴿ من الجن والإِنس والطير ﴾ أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية ﴿ فهم يوزعون ﴾ على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها ﴿ قالت نملة ﴾ هي النفس اللوامة ﴿ يا أيها النمل ﴾ هي الصفات النفسانية ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنهم على الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لا حس عندها من نورها ولا من الظلمة التي تزيلها ﴿ نعمتك التي أنعمت عليّ ﴾ بتسخير جنودي لي وعلى والديّ وهما الروح والجسد.
أنعم على الروح بإفاضة الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان الشريعة.
وفي قوله ﴿ بنبأ يقين ﴾ إشارة إلى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك.
وفي قول سليمان ﴿ سننظر أصدقت ﴾ إشارة إلى أن خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعوّل عليه إلا بأمارات أخر.
﴿ كتاب كريم ﴾ كأنها عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية ﴿ إذا دخلوا قرية ﴾ الشخص الإنساني ﴿ أفسدوها ﴾ بإفساد الطبيعة الحيوانية ﴿ وجعلوا أعزة أهلها ﴾ وهم النفس الأمارة وصفاتها ﴿ أذلة ﴾ بسطوات التجلي ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ مع الأنبياء والأولياء.
وفي قوله ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ إشارة إلى أن سليمان كان واقفاً على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة إعجاز الأنبياء ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوّز النظر إلى ساقيها.
﴿ وأسلمت نفسي ﴾ للنكاح ﴿ مع سليمان لله ﴾ وفي الله.
تأويل آخر: ﴿ وتفقد الطير ﴾ هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجوّ عالم الإنس.
والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار.
﴿ عذاباً شديداً ﴾ بالرياضة والمجاهدة.
﴿ أو لأذبحنه ﴾ بسكين مخالفات الإرادة.
سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال العبودية.
آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه.
والعفريت الرياضة الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾ : قال بعضهم: شبهت هي عليهم ولبست أمره، كما فعلوا هم بها من تغيير عرشها عليها وتلبيسه عليها، لكن قوله: ﴿ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾ لم تقطع فيه القول لما رأت فيه من التغيير والتنكير، ورأت فيه سررها - وقفت فيه.
ودل قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ﴾ أن العرش لم يحمل وهي نائمة، على ما قاله بعض أهل التأويل: إنه حمل دونها من قبل، ثم جاءت بعد ذلك - والله أعلم - ألا ترى أنه لو أمرهم أن يغيروا عرشها وهي عليه لم تشعر به - هذا بعيد، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ﴾ : إن كان هذا القول من سليمان فكأنه يقول: قد أوتينا العلم من قبل علمها به أنه عرشها، ولنا غنية عن السؤال لها عنه، لكن نسألها مستخبرين عن ذلك ممتحنين لها.
وقوله: ﴿ وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ﴾ أي: صرنا مسلمين جميعاً، وأن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً ﴾ ، فهذا العلم الذي قال: ﴿ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ﴾ ، وإلا في الظاهر ليس هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ : قال بعضهم: صدها عبادتها الشمس والأصنام التي عبدوها دون الله عن الإسلام وعبادة الله.
وقال بعضهم: وصدها سليمان عن عبادتها التي كانت تعبد من دون الله؛ لأنه ذكر أنها أسلمت.
وقوله: ﴿ قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ ﴾ : قال بعضهم: الصرح: صحن الدار؛ وهو قول الزجاج.
وقال القتبي وأبو عوسجة وأكثر أهل التأويل: الصرح: هو القصر.
ثم لا ندري ما سبب بناء ذلك الصرح؟
وما سبب أمره إياها بالدخول فيه وكشفها عن ساقيها؟
أما أهل التأويل فإنهم قد اختلفوا في ذلك: قال بعضهم: قالت الجن لما أقبلت بلقيس: لقد لقينا من سليمان ما لقينا من التعب، فلو اجتمع سليمان وهذه المرأة وما عندها من العلم لهلكنا، وكانت أم هذه المرأة جنية، فقالوا: تعالوا ننقصها ونكرهها إلى سليمان، فقيل لسليمان: إن رجلها مثل حافر الدواب؛ لأن أمها كانت جنية، فأمر سليمان عند ذلك فبني له بيت من قوارير فوق الماء، وأرسل فيه السمك لتحسب أنه ماء فتكشف عن رجليها، فينظر سليمان أصدقت الجن أم كذبت، فلما رأته حسبته الماء وكشفت عن ساقيها فنظر إليها سليمان فإذا هي أحسن الناس قدمين وساقين، فلما رأت الجن أن سليمان رأى ساقيها قالت الجن: لا تكشفي عن ساقيك ﴿ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ ﴾ .
وقال بعضهم: لا، ولكن ذكر لسليمان أن على ساقيها شعرا وأنهما شعراوان، فأمر بذلك ليعرف ذلك.
وقال بعضهم: لا، ولكن خافت الجن عند ذلك أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أشياء كانوا أطلعوها عليها وأفشوا إليها، فأرادوا أن يكرهوها إليه، فطعنوها بعيوب في عقلها ونفسها، فقالوا: يا نبي الله، ألا نريك عقلها فإن في عقلها شيئاً؟
قال: بلى، فجاءت الجن بماء فأجروه فتركوه لجة، ثم جاءوا بالسمك والضفادع فأرسلوها في الماء، ثم جيء بها إلى ذلك الماء، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، فقالوا لسليمان: إن في عقلها آفة؛ ألا ترى أنها لا تعرف الصرح من الماء، ولا تميز بينهما؟
أو نحو هذا من الكلام.
لكن لا نعلم ما سبب ذلك، ولا يحتمل أن يكون سليمان يحتال هذا؛ لينظر إلى ساقها وهي أجنبية.
ثم جائز أن يكون لغير ذلك، أو أراد أن يريها آية من آيات نبوته؛ حيث اتخذ صرحاً ممردا من قوارير يرى كالماء للطافته، وذلك خارج عن تدبير البشر، لتعلم هي أن ذلك تدبير السماء لا تدبير البشر.
أو أن يكون أراد بذلك - والله أعلم - أن يريها عظم ملكه وسلطانه؛ لتعلم أنه يفعل ما يشاء قادر على ذلك لا ينفعها سوى الطاعة له والإجابة والخضوع لله والإسلام له، فعند ذلك قالت: ﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ فيما عبدت دون الله ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ أي: أخلصت وأسلمت نفسي لله رب العالمين.
قال القتبي: عفريت، أي: شديد وثيق، وأصله العفر زيدت التاء فيه، يقال: عفريت نفريت، وعفريت ونفريت، وعفاريت نفاريت.
وقال أبو عوسجة: العفريت: الخبيث المارد، وعفاريت جمع.
وقال: صدها أي: ردها ومنعها.
وقال الصرح: القصر، والصروح جمع.
واللجة: الماء المجتمع الكثير.
وقال: الممرد: وهو المملس بالطين أو بالجص أو بما كان.
وقال غيره: الممرد الطويل.
قال القتبي: ومن ذلك يقال: الأمرد للذي لا شعر على وجهه، ويقال: للرملة التي لا تنبت: مرادة، ويقال: للممرد: المطول، ومنه قيل لبعض الحصون: مارد.
وقال الكسائي: الممرد: الأملس، ويقال: منه سمي الأمرد أمرد.
<div class="verse-tafsir"
قيل لها: ادخلي الصرح وهو كهيئة السطح، فلما رأته ظنته ماءً فكشفت عن ساقيها لتخوضه، قال سليمان : إنه صرح مُمَلَّس من زجاج، ودعاها إلى الإسلام، فأجابته إلى ما دعاها إليه قائلة: رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك معك، وانقدت مع سليمان لله رب المخلوقات جميعها.
من فوائد الآيات عزة الإيمان تحصّن المؤمن من التأثر بحطام الدنيا.
الفرح بالماديات والركون إليها صفة من صفات الكفار.
يقظة شعور المؤمن تجاه نعم الله.
اختبار ذكاء الخصم بغية التعامل معه بما يناسبه.
إبراز التفوق على الخصم للتأثير فيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.pzYDy"