الآية ٥٠ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٥٠ من سورة النمل

وَمَكَرُوا۟ مَكْرًۭا وَمَكَرْنَا مَكْرًۭا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٠ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ) أي : تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله صالح ، عليه السلام ، من لقيه ليلا غيلة .

فكادهم الله ، وجعل الدائرة عليهم .

قال مجاهد : تقاسموا وتحالفوا على هلاكه ، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين .

وقال قتادة : توافقوا على أن يأخذوه ليلا فيقتلوه ، وذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح ليفتكوا به ، إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : هم الذين عقروا الناقة ، قالوا حين عقروها : نبيت صالحا [ وأهله ] وقومه فنقتلهم ، ثم نقول لأولياء صالح : ما شهدنا من هذا شيئا ، وما لنا به من علم .

فدمرهم الله أجمعين .

وقال محمد بن إسحاق : قال هؤلاء التسعة بعدما عقروا الناقة : هلم فلنقتل صالحا ، فإن كان صادقا عجلناه قبلنا ، وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته!

فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله ، فدمغتهم الملائكة بالحجارة ، فلما أبطؤوا على أصحابهم ، أتوا منزل صالح ، فوجدوهم منشدخين قد رضخوا بالحجارة ، فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ، ثم هموا به ، فقامت عشيرته دونه ، ولبسوا السلاح ، وقالوا لهم : والله لا تقتلونه أبدا ، وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث ، فإن كان صادقا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبا ، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون .

فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك .

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : لما عقروا الناقة وقال لهم صالح : ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ) [ هود : 65 ] قالوا : زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام ، فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث .

وكان لصالح مسجد في الحجر عند شعب هناك يصلي فيه ، فخرجوا إلى كهف ، أي : غار هناك ليلا فقالوا : إذا جاء يصلي قتلناه ، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله ، ففرغنا منهم .

فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم ، فخشوا أن تشدخهم فتبادروا فانطبقت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار ، فلا يدري قومهم أين هم ، ولا يدرون ما فعل بقومهم .

فعذب الله هؤلاء هاهنا ، وهؤلاء هاهنا ، وأنجى الله صالحا ومن معه ، ثم قرأ : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية ) أي : فارغة ليس فيها أحد ( بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون .

وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح بمصيرهم إليه ليلا ليقتلوه وأهله, وصالح لا يشعر بذلك (وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) يقول: فأخذناهم بعقوبتنا إياهم, وتعجيلنا العذاب لهم (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بمكرنا.

وقد بيَّنا فيما مضى معنى: مكر الله، بمن مكر به, وما وجه ذلك, وأنه أخذه من أخذه منهم على غرّة, أو استدراجه منهم من استدرج على كفره به, ومعصيته إياه, ثم إحلاله العقوبة به على غرّة وغفلة, وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن شمر بن عطية, عن رجل, عن عليّ, قال: المكر غدر, والغدر كفر.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) قال: احتالوا لأمرهم, واحتال الله لهم, مكروا بصالح مكرا, ومكرنا بهم مكرا(وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بمكرنا وشعرنا بمكرهم, قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه وأهله قبل ذلك, وكان له مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه, فخرجوا إلى كهف وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه, ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله, ففرغنا منهم, وقرأ قول الله تبارك وتعالى: قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم, فخشوا أن تشدخهم, فبادروا الغار, فطبقت الصخرة عليهم فم ذلك الغار, فلا يدري قومهم أين هم؟

ولا يدرون ما فعل بقومهم، فعذّب الله تبارك وتعالى هؤلاء هاهنا, وهؤلاء هنا, وأنجى الله صالحا ومن معه.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) قال: فسلط الله عليهم صخرة فقتلتهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون مكرهم ما روي أن هؤلاء التسعة لما كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة ، وقد أخبرهم صالح بمجيء العذاب ، اتفقوا وتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ليلا ويقتلوه وأهله المختصين به ; قالوا : فإذا كان كاذبا في وعيده أوقعنا به ما يستحق ، وإن كان صادقا كنا عجلناه قبلنا ، وشفينا نفوسنا ; قاله مجاهد وغيره .

قال ابن عباس : أرسل الله تعالى الملائكة تلك الليلة ، فامتلأت بهم دار صالح ، فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم ، فقتلتهم الملائكة رضخا بالحجارة فيرون الحجارة ولا يرون من يرميها .

وقال قتادة : خرجوا مسرعين إلى صالح ، فسلط عليهم ملك بيده صخرة فقتلهم .

وقال السدي : نزلوا على جرف من الأرض ، فانهار بهم فأهلكهم الله تحته .

وقيل : اختفوا في غار قريب من دار صالح ، فانحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعا ، فهذا ما كان من مكرهم .

ومكر الله مجازاتهم على ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وَمَكَرُوا مَكْرًا دبروا أمرهم على قتل صالح وأهله على وجه الخفية حتى من قومهم خوفا من أوليائه وَمَكَرْنَا مَكْرًا بنصر نبينا صالح عليه السلام وتيسير أمره وإهلاك قومه المكذبين وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومكروا مكرا ) غدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به ، ( ومكرنا مكرا ) جزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم ، ( وهم لا يشعرون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومكروا» في ذلك «مكراً ومكرنا مكراً» أي جازيناهم بتعجيل عقوبتهم «وهم لا يشعرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ودبَّروا هذه الحيلة لإهلاك صالح وأهله مكرًا منهم، فنصرنا نبينا صالحًا عليه السلام، وأخذناهم بالعقوبة على غِرَّة، وهم لا يتوقعون كيدنا لهم جزاءً على كيدهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكن هذا المكر السىء ، والتحايل القبيح قد أبطله الله - تعالى - وجعله يحيق بهم وبأشياعهم ، فقد قال - تعالى - ( مكَرُواْ مَكْراً ) أى : ودبرنا لصالح - عليه السلام - ولمن آمن به ، تدبيرا محمودا محكما ( وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) أى : وهم لا يشعرون بتدبيرنا الحكيم ، حيث أنجينا صالحا ومن معه من المؤمنين ، وأهلكنا أعداءه أجمعين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الثالثة: قصة صالح عليه السلام: قرئ ﴿ أَنِ اعبدوا الله ﴾ بالضم على إتباع النون الباء.

أما قوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ ﴾ ففيه قولان: أحدهما: المراد فريق مؤمن وفريق كافر الثاني: المراد قوم صالح قبل أن يؤمن منهم أحد.

أما قوله: ﴿ يَخْتَصِمُونَ ﴾ فالمعنى أن الذين آمنوا إنما آمنوا لأنهم نظروا في حجته فعرفوا صحتها، وإذا كان كذلك فلابد وأن يكون خصماً لمن لم يقبلها، وإذا كان هذا الاختصام في باب الدين دل ذلك على أن الجدال في باب الدين حق وفيه إبطال التقليد.

أما قوله: ﴿ قَالَ ياقوم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة ﴾ ففيه بحثان: الأول: في تفسير استعجال السيئة قبل الحسنة وجهان: أحدهما: أن الذين كذبوا صالحاً عليه السلام لما لم ينفعهم الحجاج توعدهم صالح عليه السلام بالعذاب فقالوا: ﴿ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين  ﴾ على وجه الاستهزاء، فعنده قال صالح: ﴿ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة ﴾ والمراد أن الله تعالى قد مكنكم من التوصل إلى رحمة الله تعالى وثوابه، فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذابه وثانيهما: أنهم كانوا يقولون لجهلهم إن العقوبة التي يعدها صالح إن وقعت على زعمه أتينا حينئذ واستغفرنا فحينئذ يقبل الله توبتنا ويدفع العذاب عنا، فخاطبهم صالح على حسب اعتقادهم، وقال هلا تستغفرون الله قبل نزول العذاب فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر.

البحث الثاني: أن المراد بالسيئة العقاب وبالحسنة الثواب، فأما وصف العذاب بأنه سيئة فهو مجاز وسبب هذا التجويز، إما لأن العقاب من لوازمه أو لأنه يشبهه في كونه مكروهاً، وأما وصف الرحمة بأنها حسنة فمنهم من قال إنه حقيقة ومنهم من قال إنه مجاز والأول أقرب، ثم إن صالحاً عليه السلام لما قرر هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد، وهو قولهم: ﴿ اطيرنا بِكَ ﴾ أي تشاءمنا بك لأن الذي يصيبنا من شدة وقحط فهو بشؤمك وبشؤم من معك.

قال صاحب الكشاف كان الرجل يخرج مسافراً فيمر بطائر فيزجره فإن مر سانحاً تيمن وإن مر بارحاً تشاءم فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان للخير والشر وهو قدر الله وقسمته، فأجاب صالح عليه السلام بقوله: ﴿ طَائِرُكُمْ عِندَ الله ﴾ أي السبب الذي منه يجيء خيركم وشركم عند الله وهو قضاؤه وقدره إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم وقيل بل المراد إن جزاء الطيرة منكم عند الله وهو العقاب، والأقرب الوجه الأول لأن القوم أشاروا إلى الأمر الحاصل فيجب في جوابه أن يكون فيه لا في غيره، ثم بين أهذا جهل منهم بقوله: ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾ فيحتمل أن غيرهم دعاهم إلى هذا القول، ويحتمل أن يكون المراد أن الشيطان يفتنكم بوسوسته، ثم إنه سبحانه قال: ﴿ وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرض ﴾ والأقرب أن يكون المراد تسعة جمع إذ الظاهر من الرهط الجماعة لا الواحد، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد لاختلاف صفتهم وأحوالهم لا لاختلاف السبب، فبين تعالى أنهم يفسدون في الأرض ولا يمزجون ذلك الفساد بشيء من الصلاح، فلهذا قال: ﴿ يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ ﴾ ثم بين تعالى أن من جملة ذلك ما هموا به من أمر صالح عليه السلام.

أما قوله: ﴿ تَقَاسَمُواْ بالله ﴾ فيحتمل أن يكون أمراً أو خبراً في محل الحال بإضمار قد، أي قالوا متقاسمين، والبيات متابعة العدو ليلاً.

أما قوله: ﴿ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ﴾ يعني لو اتهمنا قومه حلفنا لهم أنا لم نحضر.

وقرئ (مهلك) بفتح الميم واللام وكسرها من هلك ومهلك بضم الميم من أهلك، ويحتمل المصدر والمكان والزمان، ثم إنه سبحانه قال: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ وقد اختلفوا في مكر الله تعالى على وجوه: أحدها: أن مكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة، روي أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه، ومن أهله قبل الثلاث فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فهلكوا وهلك الباقون بالصيحة.

وثانيها: جاؤا بالليل شاهرين سيوفهم وقد أرسل الله تعالى الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة، يرون الأحجار ولا يرون رامياً.

وثالثها: أن الله تعالى أخبر صالحاً بمكرهم فتحرز عنهم فذاك مكر الله تعالى في حقهم.

أما قوله: ﴿ أَنَّا دمرناهم ﴾ استئناف، ومن قرأ بالفتح رفعه بدلاً من العاقبة أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هي تدمرهم أو نصبه على معنى لأنا أو على أنه خبر كان أي كان عاقبة مكرهم الدمار.

أما قوله: ﴿ خَاوِيَةٍ ﴾ فهو حال عمل فيها ما دل عليه تلك، وقرأ عيسى بن عمر (خاوية) بالرفع على خبر المبتدأ المحذوف، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ المدينة ﴾ الحجر.

وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قيل: تسعة أنفس.

والفرق بين الرهط والنفر: أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.

والنفر من الثلاثة إلى التسعة وأسماؤهم عن وهب: الهذيل بن عبد رب.

غنم بن غنم.

رباب بن مهرج.

مصدع بن مهرج.

عمير بن كردبة.

عاصم بن مخرمة.

سبيط بن صدقة.

سمعان بن صيفي.

قدار بن سالف: وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح عليه السلام، وكانوا من أبناء أشرافهم ﴿ وَلاَ يُصْلِحُونَ ﴾ يعني أن شأنهم الإفساد البحت الذي لا يخلط بشيء من الصلاح كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح ﴿ تَقَاسَمُواْ ﴾ يحتمل أن يكون أمراً وخبراً في محل الحال بإضمار قد، أي: قالوا متقاسمين: وقرئ: ﴿ تقسموا ﴾ وقرئ: ﴿ لتبيتنه ﴾ ، بالتاء والياء والنون، فتقاسموا- مع النون والتاء- يصح فيه الوجهان.

ومع الياء لا يصح إلا أن يكون خبراً.

والتقاسم، والتقسم: كالتظاهر، والتظهر: التحالف.

والبَيَات: مباغتة العدو ليلاً.

وعن الإسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر، وقرئ: ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام وكسرها من هلك.

ومهلك بضم الميم من أهلك.

ويحتمل المصدر والزمان والمكان، فإن قلت: كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا، فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه؟

قلت كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين ثم قالوا: ما شهدنا مهلك أهله؛ فذكروا أحدهما: كانوا صادقين، لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم.

ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم بأن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتفصون بها عن الكذب.

﴿ مَكْرِهِمْ ﴾ : ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله.

ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون.

شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة.

روي أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، فقالوا: زعم صالح عليه السلام أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث.

فخرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله صخرة من الهِضَبّ حيالهم، فبادروا، فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب.

فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً منهم في مكانه، ونجى صالحاً ومن معه.

وقيل: جاءوا بالليل شاهري سيوفهم، وقد أرسل الله الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة: يرون الحجارة ولا يرون رامياً ﴿ أَنَّا دمرناهم ﴾ استئناف.

ومن قرأ بالفتح رفعه بدلاً من العاقبة، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره: هي تدميرهم.

أو نصبه على معنى: لأنا.

أو على أنه خبر كان، أي: كان عاقبة مكرهم الدمار ﴿ خَاوِيَةً ﴾ حال عمل فيها ما دل عليه تلك.

وقرأ عيسى بن عمر: ﴿ خاوية ﴾ بالرفع على خبر المبتدإ المحذوف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا ﴾ بِهَذِهِ المُواضَعَةِ.

﴿ وَمَكَرْنا مَكْرًا ﴾ بِأنْ جَعَلْناها سَبَبًا لِإهْلاكِهِمْ.

﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِذَلِكَ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ في الحِجْرِ مَسْجِدٌ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ فَقالُوا: زَعَمَ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ فَنَفْرَغُ مِنهُ ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَذَهَبُوا إلى الشِّعْبِ لِيَقْتُلُوهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ حِيالَهم فَطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ فَهَلَكُوا ثَمَّةَ وهَلَكَ الباقُونَ في أماكِنِهِمْ بِالصَّيْحَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ ﴾ و ( كانَ ) إنْ جُعِلَتْ ناقِصَةً فَخَبَرُها ( كَيْفَ ) و ( أنّا دَمَّرْناهم ) اسْتِئْنافٌ أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ لا خَبَرَ ( كانَ ) لِعَدَمِ العائِدِ، وإنْ جَعَلْتَها تامَّةً فَـ ( كَيْفَ ) حالٌ.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ ﴿ أنّا دَمَّرْناهُمْ ﴾ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِنَ اسْمِ ( كانَ ) أوْ خَبَرٌ لَهُ و ( كَيْفَ ) حالٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} مكرهم ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة روي أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثالث فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذ جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم فبادروا فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم وعذب الله كلامنهم في مكانه ونجى صالحاً عليه السلام ومن معه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَكَرُوا مَكْرًا ﴾ بِهَذِهِ المُواضَعَةِ ﴿ ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم إهْلاكًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، أوْ جازَيْنا مَكْرَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ ﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما تَرَتَّبَ عَلى ما باشَرُوهُ مِنَ المَكْرِ، والظّاهِرُ أنَّ (كَيْفَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِـ(كانَ) و(عاقِبَةُ) الِاسْمُ، أيْ: كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ واقِعَةً عَلى وجْهٍ عَجِيبٍ يُعْتَبَرُ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ (انْظُرْ) وهي مُعَلَّقَةٌ لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، والمُرادُ تَفَكَّرْ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّا دَمَّرْناهُمْ ﴾ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ بَدَلًا مِن «عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ» أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ العاقِبَةِ، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما في عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ مِنَ الإبْهامِ، أيْ: هو أوْهى تَدْمِيرِنا وإهْلاكِنا إيّاهم ﴿ وقَوْمَهُمْ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِنهم في مُباشَرَةِ التَّبْيِيتِ ﴿ أجْمَعِينَ ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم شاذٌّ، أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ الجارِّ، أيْ: لِتَدْمِيرِنا إيّاهم أوْ بِتَدْمِيرِنا إيّاهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الأمْرُ بِالنَّظَرِ في كَيْفِيَّةِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَهُ بَدَلًا مِن (كَيْفَ) وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَنِ الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِكَ: (كَيْفَ زَيْدٌ أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ)؟

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ لِـ(كانَ) وتَكُونُ (كَيْفَ) حِينَئِذٍ حالًا، والعامِلُ فِيها كانَ أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كانَ تامَّةً و(كَيْفَ) عَلَيْهِ حالٌ لا غَيْرُ، والِاحْتِمالاتُ الجائِزَةُ في ﴿ أنّا دَمَّرْناهُمْ ﴾ لا تَخْفى.

وقَرَأ الأكْثَرُ (إنّا) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَكَيْفَ خَبَرُ كانَ و(عاقِبَةُ) اسْمُها، وجُمْلَةُ (إنّا دَمَّرْناهُمْ) اسْتِئْنافٌ لِتَفْسِيرِ العاقِبَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

قالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ الشَّأْنُ أوْ ضَمِيرُهُ لا شَيْءَ آخَرَ مِمّا يَحْتاجُ لِلْعائِدِ لِيُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ العائِدِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ المَرْفُوعَ مَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ حَذْفُهُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (كانَ) تامَّةً، و(كَيْفَ) حالٌ كَما تَقَدَّمَ، ولَمْ يُجَوِّزِ الجُمْهُورُ كَوْنَها ناقِصَةً، والخَبَرِ جُمْلَةَ: (أنّا دَمَّرْناهُمْ) لِعَدَمِ الرّابِطِ.

وقِيلَ: يَجُوزُ، ويَكْفِي لِلرَّبْطِ وُجُودُ ما يَرْجِعُ إلى مُتَعَلَّقِ المُبْتَدَأِ؛ إذْ رُجُوعُهُ إلَيْهِ نَفْسِهِ غَيْرُ لازِمٍ وهو تَكَلُّفٌ، وإنَّما يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ القائِلِ: إذا قامَ بَعْضُ الجُمْلَةِ مَقامَ مُضافٍ إلى العائِدِ اكْتُفِيَ بِهِ، وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ يَأْباهُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ (كانَ) زائِدَةً، و(عاقِبَةُ) مُبْتَدَأً، و(كَيْفَ) خَبَرًا مُقَدَّمًا لَهُ.

وقَرَأ أُبَيٌّ «أنْ دَمَّرْناهُمْ» بِـ(أنِ) الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجْرِي في المَصْدَرِ الِاحْتِمالاتُ السّابِقَةُ فِيهِ عَلى قِراءَةِ «أنّا» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

هَذا، وفي كَيْفِيَّةِ التَّدْمِيرِ خِلافٌ، فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً مِنَ الهَضْبِ حِيالَهم فَبادَرُوا، فَطَبَّقَتْ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَلَمْ يَدْرِ قَوْمُهم أيْنَ هُمْ، ولَمْ يَدْرُوا ما فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ، وعَذَّبَ اللَّهُ تَعالى كُلًّا مِنهم في مَكانِهِ ونَجّىصالِحًا ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: جاؤُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِي سُيُوفِهِمْ.

وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مَلائِكَةً مِلْءَ دارِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَمَوْهم بِالحِجارَةِ يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ رامِيًا، وهَلَكَ سائِرُ القَوْمِ بِالصَّيْحَةِ، وقِيلَ: إنَّهم عَزَمُوا عَلى تَبْيِيتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلَهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ صالِحًا، فَخَرَجَ عَنْهُمْ، ثُمَّ أهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ الأحَدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال الله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً يعني: أرادوا قتل صالح  وَمَكَرْنا مَكْراً، يعني: جثم عليهم الجبل فماتوا كلهم.

ويقال: رجمتهم الملائكة عليهم السلام بالحجارة فماتوا، فذلك قوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً أي: أرادوا قتل صالح، وَمَكَرْنا مَكْراً يعني: أراد الله عز وجل قتلهم جزاء لأعمالهم، وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ، بأن الملائكة يحرسون صالحاً في داره.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر: مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ بنصب الميم واللام، وفي رواية حفص بنصب الميم وكسر اللام.

وقرأ الباقون: بضم الميم، ونصب اللام.

ثم قال: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ يعني: جزاء مكرهم أَنَّا دَمَّرْناهُمْ قرأ عاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بالنصب، وقرأ الباقون بكسر الألف.

فمن قرأ بالنصب، فمعناه: فانظر كيف كان عاقبة مكرهم، لأنا دمرناهم، ويجوز أن يكون خبر كان.

ومن قرأ: بالكسر لأنه لما قال، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ.

يعني: إيش كان عاقبة مكرهم.

ثم فسر فقال: أَنَّا دَمَّرْناهُمْ على وجه الاستئناف، وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ، يعني: أهلكناهم بصيحة جبريل  .

ويقال: خرجت النار من تحت أرجلهم فأحرقتهم.

ويقال: إنهم خرجوا ليلاً لإهلاك صالح، فدمغتهم الملائكة بأحجار من حيث لا يرونهم، فقتلوهم وقومهم أجمعين.

قوله عز وجل: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً يعني: خالية من الناس.

ويقال: بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً.

يعني: مساكنهم خربة ساقطة، بِما ظَلَمُوا أي: أشركوا.

ويقال: بكفرهم بالله تعالى صارت خاوية نصباً على الحال.

يعني: فانظر إلى بيوتهم خاوية، وقرئ في الشاذ خاوِيَةً بالضم على معنى النعت للبيوت.

ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في هلاكهم وفيما صنع بهم لَآيَةً يعني: لعبرة لمن بعدهم لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، يعني: يعقلون ويصدقون، وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: أقرّوا بالتوحيد وصدّقوا صالحاً برسالته، وَكانُوا يَتَّقُونَ الشرك والفواحش.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سليمانَ عليه السلام تَزَوَّجَهَا عند ذلك، وأسكنها الشام قاله الضحاك «١» .

وقيل: تزوجَها وردَّها إلى ملكها باليمنِ وكان يأتيها على الريح كلَّ شَهْرٍ مَرَّةً، فوَلَدَتْ له غلاماً سمَّاه داودَ مات في حياته.

ورُوِيَ أن سليمانَ لما أراد زوالَ شَعْرِ ساقَيْهَا أمر الجنَّ بالتَّلَطُّفِ في زوالِه، فصنَعوا النُّورَةَ «٢» ولم تَكُنْ قَبْلٌ، وصنعوا الحمّام.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ...

الآية، تمثيل لقريش، وفَرِيقانِ: يريد بهما مَنْ آمنَ بصالِح.

وَمَنْ كفَر به.

واختصامهُم هُو تنازُعُهم.

وقد ذكر تعالى ذلك في سورة الأعراف، ثم إن صالحاً- عليه السلام- ترفّق بقومه ووقفهم على خطئهم في استعجالهم العذابَ قبل الرحمة.

أو المعصيةَ لله قبل الطاعة، ثم أجابوه بقولهم: اطَّيَّرْنا بِكَ أي: تشاءمنا بك.

تِسْعَةُ رَهْطٍ هُمْ رجالٌ كانوا من أوجُهِ القوْمَ وأعْتَاهُمْ وهم أصحاب قدار، والمدينةُ مُجْتَمَعُ ثمودَ وقَرْيَتِهُم.

وقوله تعالى: تَقاسَمُوا.

قال الجمهور: هو فعل أمر، أشَار بعضُهم على بعضٍ بأن يَتحَالَفُوا على هذا الفعل بصالح، وحكَى الطبريُّ «٣» أَنه يجوز أن يكونَ تقاسموا فِعْلاً ماضِياً في موضعِ الحالِ، كأنه قال: متقاسِمينَ أو متحالفِين بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهلَه، وتؤيِّدِه «٤» قراءةُ عبد الله: «ولا يصلحون تقاسموا» بإسقاطِ «قالوا» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ في المَدِينَةِ ﴾ وهي الحِجْرُ الَّتِي نَزَلَها صالِحٌ ﴿ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ: في أرْضِ الحِجْرِ، وفَسادُهم: كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، وكانُوا يَسْفِكُونَ الدِّماءَ ويَثِبُونَ عَلى الأمْوالِ والفُرُوجِ، وهم الَّذِينَ عَمِلُوا في قَتْلِ النّاقَةِ.

ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالا: كانَ فَسادُهم كَسْرَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، ﴿ قالُوا ﴾ فِيما بَيْنَهم ﴿ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ أيْ: احْلِفُوا بِاللَّهِ ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ ﴾ أيْ: لَنَقْتُلَنَّ صالِحًا ﴿ وَأهْلَهُ ﴾ لَيْلًا ﴿ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لَتُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَتَقَولَنَّ " بِالتّاءِ فِيهِما.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وَأبُو رَجاءٍ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: " لَيُبَيِّتْنَهُ " بِياءٍ وتاءٍ مَرْفُوعَتَيْنِ " ثُمَّ لَيَقُولَنَّ " بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وقافٍ مَرْفُوعَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مَرْفُوعَةٍ ﴿ لِوَلِيِّهِ ﴾ أيْ: لِوَلِيِّ دَمِهِ إنْ سَألَنا عَنْهُ ﴿ ما شَهِدْنا ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا ﴿ مَهْلِكَ أهْلِهِ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِضَمِّ المِيمِ؛ وفَتْحِ اللّامِ والمَهْلِكُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإهْلاكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْضِعَ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، يُرِيدُ الهَلاكَ؛ يُقالُ: هَلَكَ يَهْلِكُ مَهْلَكًا.

ورَوى عَنْهُ حَفْصٌ، والمُفَضَّلُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وهو اسْمُ المَكانِ، عَلى مَعْنى: ما شَهِدْنا مَوْضِعَ هَلاكِهِمْ؛ فَهَذا كانَ مَكْرَهم، فَجازاهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأهْلَكُهم.

وَفِي صِفَةِ إهْلاكِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أتَوْا دارَ صالِحٍ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، فَرَمَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ فَقَتَلَتْهم، [قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: رَماهُمُ اللَّهُ بِصَخْرَةٍ فَقَتَلَتْهم، قالَهُ قَتادَةُ] .

والثّالِثُ: أنَّهم دَخَلُوا غارًا يَنْتَظِرُونَ مَجِيءَ صالِحٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً سَدَّتْ بابَ الغارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم نَزَلُوا في سَفْحِ جَبَلٍ يَنْتَظِرُ بَعْضُهم بَعْضًا لِيَأْتُوا دارَ صالِحٍ، فَجَثَمَ عَلَيْهِمُ الجَبَلُ فَأهْلَكَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّا دَمَّرْناهُمْ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أنّا دَمَّرْناهم " بِفَتْحِ الألِفِ.

وقَرَأ بِكَسْرِها.

فَمَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، ومَن فَتَحَ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ ﴾ .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى مُبْتَدَإٍ مُضْمَرٍ،كَأنَّهُ قالَ: هو أنّا دَمَّرْناهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ؛ المَعْنى: فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ خاوِيَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ ﴾ ﴿ قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ تِسْعَةُ رِجالٍ كانُوا مِن أوجُهِ القَوْمِ وأقْناهم وأغْناهُمْ، وكانُوا أهْلَ كُفْرٍ ومَعاصٍ جَمَّةٍ، جُمْلَةُ أمْرِهِمْ أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَلَغَنِي أنَّهم كانُوا يَقْرِضُونَ الدَنانِيرَ والدَراهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوَ الأثَرِ المَرْوِيِّ: قِطَعَ الدَنانِيرِ والدَراهِمْ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ، و"المَدِينَةُ": مُجْتَمَعُ ثَمُودٍ وقَرْيَتُهُمْ، و"الرَهْطُ": مِن أسْماءِ الجَمْعِ القَلِيلِ، العَشْرَةُ فَما دُونَها، و"تِسْعَةُ رَهْطٍ" كَما تَقُولُ: تِسْعَةُ رِجالٍ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ كانُوا أصْحابَ قِدارِ بْنِ سالِفٍ: عاقِرُ الناقَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما ذُكِرَ في أسْمائِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "تَقاسَمُوا"، حَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: مُتَقاسِمِينَ، أو مُتَحالِفِينَ بِاللهِ، وكَأنَّ قَوْلَهُمْ: "لَنُبَيِّتَنَّهُ" حَلِفٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَلا يَصْلُحُونَ، تَقاسَمُوا" بِسُقُوطِ "قالُوا"، ويُحْتَمِلُ -وَهُوَ تَأْوِيلُ الجُمْهُورِ- أنْ يَكُونَ "تَقاسَمُوا" فَعْلَ أمْرٍ، أشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِأنْ يَتَحالَفُوا عَلى هَذا الفِعْلِ بِصالِحٍ، فَـ "تَقاسَمُوا" هو قَوْلُهم عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

وهَذِهِ الألْفاظُ الدالَّةُ عَلى قَسَمٍ أو جَوابٍ تُجابُ بِاللامِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَسَمٌ ظاهِرٌ، فاللامُ في "لَنُبَيِّتَنَّهُ" جَوابُ ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِنَبِيتُنَّهُ"، "ثُمْ لَنَقُولُنَّ" بِالنُونِ فِيهِما، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتاءِ فِيهِما، وبِضَمِّ التاءِ واللامِ عَلى الخِطابِ، أيْ: تَخاطَبُوا بِذَلِكَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ بِالياءِ فِيهِما عَلى الخَبَرِ، فَهَذا ذَكَرَ اللهُ فِيهِ المَعْنى الَّذِي أرادُوهُ، لا بِحَسَبِ لَفْظِهِمْ.

ورُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ التِسْعَةِ لَمّا كانَ في صَدْرِ الثَلاثَةِ الأيّامِ بَعْدَ عَقْرِ الناقَةِ وقَدْ أخْبَرَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَجِيءِ العَذابِ، اتَّفَقَ هَؤُلاءِ التِسْعَةُ فَتَحالَفُوا عَلى أنْ يَأْتُوا دارَ صالِحٍ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ وأهْلَهُ المُخْتَصِّينَ بِهِ، قالُوا: فَإنْ كانَ كاذِبًا في وعِيدِهِ أوقَعْنا بِهِ ما يَسْتَحِقُّ، وإنْ كانَ صادِقًا كُنّا قَدْ أعْجَلْناهُ قَبْلَنا وشَفَيْنا نُفُوسَنا.

قالَ الراوِي: فَجاؤُوا واخْتَفَوْا لِذَلِكَ في غارٍ قَرِيبٍ مِن دارِهِ، فَرُوِيَ أنَّهُ انْحَدَرَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ سَدَحَتْهم جَمِيعًا، ورُوِيَ أنَّهُ طَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الغارُ فَهَلَكُوا فِيهِ حِينَ هَلَكَ قَوْمُهُمْ، وكُلُّ فَرِيقٍ لا يَعْلَمُ بِما جَرى عَلى الآخَرِ، وكانُوا قَدْ بَنَوْا عَلى جُحُودِ الأمْرِ مِن قُرابَةِ صالِحٍ الَّذِينَ يُمْكِنُ أنْ يَغْضَبُوا لَهُ، فَهَذا مَكْرُهم.

والمَكْرُ نَحْوَ الخَدِيعَةِ، وسَمّى اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عُقُوبَتَهم بِاسْمِ ذَنْبِهِمْ، وهَذا مَهِيعٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُهْلَكٌ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ عاصِمْ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِفَتْحِهِما، ورُوِيَ عنهُ فَتْحُ المِيمِ وكَسْرُ اللامِ.

و"العاقِبَةُ" حالٌ تَقْتَضِيها البَدْأةُ وتُؤَدِّي إلَيْها، ويَعْنِي بِالأهْلِ كُلَّ مِن آمَنَ مَعَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إنّا دَمَّرْناهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنا دَمَّرْناهُمْ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ أبِي إسْحاقٍ، فَـ "كانَ" -عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ في الألْفِ- تامَّةٌ، وإنْ قُدِّرَتْ ناقِصَةٌ فَخَبَرُها مَحْذُوفٌ، أو يَكُونُ الخَبَرُ "كَيْفَ" مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ صَدْرَ الكَلامِ لَها، ولا يَعْمَلُ -عَلى هَذا- "انْظُرْ" في "كَيْفَ"، لَكِنْ يَعْمَلُ في مَوْضِعِ الجُمْلَةِ كُلِّها، وهي عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الألْفِ ناقِصَةٌ، وخَبَرُها "أنّا"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ "كَيْفَ"، ويَكُونُ "أنّا" بَدَلًا مِنَ "العاقِبَةِ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "كانَ" تامَّةٌ "وَأنّا" بَدَلًا مِنَ "العاقِبَةِ"، ووَقَعَ تَقْدِيرُ السُؤالِ بِـ "كَيْفَ" عن جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهُمْ ﴾ ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ: "أنْ دَمَّرْناهُمْ"، فَهَذِهِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الفَتْحِ في "أنّا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

سمَّى الله تآمرهم مكراً لأنه كان تدبير ضُرّ في خفاءٍ.

وأكد مكرهم بالمفعول المطلق للدلالة على قوته في جنس المكر، وتنوينه للتعظيم.

والمكر الذي أسند إلى اسم الجلالة مكر مجازي.

استعير لفظ المكر لمبادرة الله إياهم باستئصالهم قبل أن يتمكنوا من تبييت صالح وأهله، وتأخيره استئصالهم إلى الوقت الذي تآمروا فيه على قتل صالح لشَبَه فِعللِ الله ذلك بفعل الماكر في تأجيل فعل إلى وقت الحاجة، مع عدم إشعار من يُفعل به.

وأُكد مكر الله وعُظّم كما أكد مكرهم وعُظّم، وذلك بما يناسب جنسه، فإن عذاب الله لا يدانيه عذاب الناس فعظيمه أعظم من كل ما يقدره الناس.

والمراد بالمكر المسند إلى الجلالة هو ما دلت عليه جملة: ﴿ إنا دمرناهم وقومهم أجمعين ﴾ الآية.

وفي قوله: ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ تأكيد لاستعارة المكر لتقدير الاستئصال فليس في ذلك ترشيحٌ للاستعارة ولا تجريد.

والخطاب في قوله: ﴿ فانظر ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم واقترانه بفاء التفريع إيماء إلى أن الاعتبار بمكر الله بهم هو المقصود من سَوْق القصة تعريضاً بأن عاقبة أمره مع قريش أن يكفّ عنه كيدَهم وينصره عليهم، وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من قومه.

والنظر: نظر قلبي، وقد علق عن المفعولين بالاستفهام.

وقرأ الجمهور: ﴿ إنا دمرناهم ﴾ بكسر الهمزة فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لما يثيره الاستفهام في قوله: ﴿ كيف كان عاقبة مكرهم ﴾ من سؤال عن هذه الكيفية.

والتأكيد للاهتمام بالخبر.

وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بفتح الهمزة فيكون المصدر بدلاً من ﴿ عاقبة ﴾ .

والتأكيد أيضاً للاهتمام.

وضمير الغيبة في ﴿ دمرناهم ﴾ للرهط.

وعطف قومهم عليهم لموافقة الجزاء للمجزيّ عليه لأنهم مكروا بصالح وأهلِه فدمّرهم الله وقومهم.

والتدمير: الإهلاك الشديد، وتقدم غير مرة منها في سورة الشعراء.

والقصة تقدمت.

وتقدم إنجاء صالح والذين آمنوا معه وذلك أن الله أوحى إليه أن يخرج ومن معه إلى أرض فلسطين حين أنذر قومه بتمتع ثلاثة أيام.

وتفريع قوله: ﴿ فتلك بيوتهم خاوية ﴾ على جملة: ﴿ دمرناهم ﴾ لتفريع الإخبار.

والإشارة منصرفة إلى معلوم غير مشاهد لأن تحققه يقوم مقام حضوره فإن ديار ثمود معلومة لجميع قريش وهي في طريقهم في ممرّهم إلى الشام.

وانتصب ﴿ خاوية ﴾ على الحال.

وعاملها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل كقوله تعالى: ﴿ وهذا بعْلِي شيخاً ﴾ وقد تقدم في سورة هود (72).

والخاوية: الخالية، ومصدره الخَواء، أي فالبيوت باق بعضها في الجبال لا ساكن بها.

والباء في بما ظلموا} للسببية، و(ما) مصدرية، أي كان خَواؤها بسبب ظلمهم.

والظلم: الشرك وتكذيب رسولهم، فذلك ظلم في جانب الله لأنه اعتداء على حق وحدانيته، وظلم للرسول بتكذيبه وهو الصادق.

ولما خص الله عملهم بوصف الظلم من بين عدة أحوال يشتمل عليها كفرهم كالفساد كان ذلك إشارة إلى أن للظلم أثراً في خراب بلادهم.

وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: أجد في كتاب الله أن الظلم يخرّب البيوت وتلا: ﴿ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ﴾ .

وهذا من أسلوب أخذ كل ما يُحتمل من معاني الكلام في القرآن كما ذكرناه في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير.

ونزيده هنا ما لم يسبق لنا في نظائره، وهو أن الحقائق العقلية لما كان قوام ماهياتها حاصلاً في الوجود الذهني كان بين كثير منها انتساب وتقارب يُردّ بعضها إلى بعض باختلاف الاعتبار.

فالشرك مثلاً حقيقة معروفة يكون بها جنساً عقلياً وهو بالنظر إلى ما يبعث عليه وما ينشأ عنه ينتسب إلى حقائق أخرى مثل الظلم، أي الاعتداء على الناس بأخذ حقوقهم فإنه من أسبابه، ومثل الفسق فإنه من آثاره، وكذلك التكذيب فإنه من آثاره أيضاً: ﴿ وذرني والمكذبين ﴾ [المزمل: 11]، ومثل الكبر ومثل الإسراف فإنهما من آثاره أيضاً.

فمن أساليب القرآن أن يعبر عن الشرك بألفاظ هذه الحقائق للإشارة إلى أنه جامع عدة فظائع، وللتنبيه على انتسابه إلى هذه الأجناس، وليعلم المؤمنون فساد هذه الحقائق من حيث هي فيعبر عنه هنا بالظلم وهو كثير ليعلم السامع أن جنس الظلم قبيح مذموم، ناهيك أن الشرك من أنواعه.

وكذلك قوله: ﴿ إن الله لا يهدي من هو مُسرف كذّاب ﴾ [غافر: 28] أي هو متأصل في الشرك وإلا فإن الله هدى كثيراً من المسرفين والكاذبين بالتوبة، ومن قوله: ﴿ أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ﴾ [الزمر: 60] ونحو ذلك.

وجملة: ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ معترضة بين الجمل المتعاطفة.

والإشارة إلى ما ذكر من عاقبة مكرهم.

والآية: الدليل على انتصار الله لرسله.

واللام في ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لام التعليل يعني آية لأجلهم، أي لأجل إيمانهم.

وفيه تعريض بأن المشركين الذين سبقت إليهم هذه الموعظة إن لم يتعظوا بها فهم قوم لا يعلمون.

وفي ذكر كلمة (قوم) إيماء إلى أن من يعتبر بهذه الآية متمكن في العقل حتى كان العقل من صفته القومية، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164).

وفي تأخير جملة: وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } عن جملة: ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ﴾ طمأنة لقلوب المؤمنين بأن الله ينجيهم مما توعد به المشركين كما نجى الذين آمنوا وكانوا يتّقون من ثمود وهم صالح ومن آمن معه.

وقيل: كان الذين آمنوا مع صالح أربعة آلاف، فلما أراد الله إهلاك ثمود أوحى الله إلى صالح أن يخرج هو ومن معه فخرجوا ونزلوا في موضع الرسّ فكان أصحاب الرسّ من ذرياتهم.

وقيل: نزلوا شاطئ اليمن وبنوا مدينة حَضرموت.

وفي بعض الروايات أن صالحاً نزل بفلسطين.

وكلها أخبار غير موثوق بها.

وزيادة فعل الكون في ﴿ وكانوا يتقون ﴾ للدلالة على أنهم متمكّنون من التقوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ الرَّهْطُ الجَمْعُ لا واحِدَ لَهُ يَعْنِي مِن ثَمُودَ قَوْمِ صالِحٍ وهم عاقِرُو النّاقَةِ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أسامِيَهم فَقالَ: هم زَعْجِي وزَعِيمٌ وهَرَمِيٌّ ودارٌ وصَوابٌ ورَبابٌ ومِسْطَحٌ وقَدارُ، وكانُوا بِأرْضِ الحِجْرِ وهي أرْضُ الشّامِ، وكانُوا فُسّاقًا مِن أشْرافِ قَوْمِهِمْ.

﴿ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُفْسِدُونَ بِالكُفْرِ ولا يُصْلِحُونَ بِالإيمانِ.

الثّانِي: يُفْسِدُونَ بِالمُنْكَرِ ولا يُصْلِحُونَ بِالمَعْرُوفِ.

الثّالِثُ: يُفْسِدُونَ بِالمَعاصِي ولا يُصْلِحُونَ بِالطّاعَةِ.

الرّابِعُ: يُفْسِدُونَ بِكَسْرِ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ ولا يُصْلِحُونَ بِتَرْكِها صِحاحًا، قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، قالَهُ عَطاءٌ.

الخامِسُ: أنَّهم كانُوا يَتَتَبَّعُونَ عَوْراتِ النِّساءِ ولا يَسْتُرُونَ عَلَيْهِنَّ.

قَوْلُهُ: ﴿ قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ أيْ تَحالَفُوا بِاللَّهِ.

﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ﴾ أيْ لَنَقْتُلَنَّهُ وأهْلَهُ لَيْلًا، والبَياتُ قَتْلُ اللَّيْلِ.

﴿ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ﴾ أيْ لِرَهْطٍ صالِحٍ.

﴿ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ﴾ أيْ قَتْلَهُ، وقَتْلَ أهْلِهِ، ولا عَلِمْنا ذَلِكَ.

﴿ وَإنّا لَصادِقُونَ ﴾ في إنْكارِنا لِقَتْلِهِ.

﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا ﴾ وهو ما هَمُّوا بِهِ مِن قَتْلِ صالِحٍ.

﴿ وَمَكَرْنا مَكْرًا ﴾ وهو أنْ رَماهُمُ اللَّهُ بِصَخْرَةٍ فَأهْلَكَهم.

﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ بِمَكْرِنا وقَدْ عَلِمْنا بِمَكْرِهِمْ.

وَفي مَكْرِهِمْ ومَكْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهم لا يَشْعُرُونَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى صالِحٍ لِيَحْفَظُوهُ مِن قَوْمِهِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَرَمَوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِحَجَرٍ حَتّى قَتَلُوهم جَمِيعًا، وسَلِمَ صالِحٌ مِن مَكْرِهِمْ.

الثّانِي: قالَهُ الضَّحّاكُ، أنَّهم مَكَرُوا بِأنْ أظْهَرُوا سَفَرًا وخَرَجُوا فاسْتَتَرُوا في غارٍ لِيَعُودُوا في اللَّيْلِ فَيَقْتُلُوهُ، فَألْقى اللَّهُ صَخْرَةً عَلى بابِ الغارِ حَتّى سَدَّهُ وكانَ هَذا مَكْرَ اللَّهِ بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا هم فريقان يختصمون ﴾ قال: مؤمن، وكافر، قولهم صالح مرسل من ربه.

وقولهم ليس بمرسل.

وفي قوله: ﴿ لم تستعجلون بالسيئة ﴾ قال: العذاب ﴿ قبل الحسنة ﴾ قال: الرحمة.

وفي قوله: ﴿ قالوا اطيرنا بك ﴾ قال: تشاءمنا.

وفي قوله: ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: من قوم صالح.

وفي قوله: ﴿ تقاسموا بالله ﴾ قال: تحالفوا على هلاكه فلم يصلوا إليه حتى أهلكوا وقومهم أجمعين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا هم فريقان يختصمون ﴾ قال: إن القوم بين مصدق ومكذب.

مصدق بالحق ونازل عنده، ومكذب بالحق تاركه.

في ذلك كانت خصومة القوم ﴿ قالوا اطيرنا بك ﴾ قال: قالوا: ما أصبنا من شر فإنما هو من قبلك ومن قبل من معك قال: ﴿ طائركم عند الله ﴾ يقول: علم أعمالكم عند الله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ قال: تبتلون بطاعة الله ومعصيته ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: من قوم صالح ﴿ قالوا: تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ﴾ قال: توافقوا على أن يأخذوه ليلاً فيقتلوه قال: ذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح- يعني مسرعين- ليقتلوه بعث الله عليهم صخرة فأخمدتهم ﴿ ثم لنقولن لوليه ﴾ يعنون رهط صالح ﴿ ومكروا مكراً ﴾ قال: مكرهم الذي مكروا بصالح ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ قال: مكر الله الذي مكر بهم: رماهم بصخرة فأهمدتهم ﴿ فانظر كيف كان ﴾ مكرهم قال: شر والله ﴿ كان عاقبة مكرهم ﴾ أن دمرهم الله وقومهم أجمعين ثم صيرهم إلى النار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ طائركم ﴾ قال: مصائبكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: كان أسماؤهم زعمي، وزعيم، وهرمي، وهريم، وداب، وهواب، ورياب، وسيطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: وهم الذين عقروا الناقة وقالوا حين عقروها تبيتن صالحاً وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح ما شهدنا من هذا شيئاً، وما لنا به علم فدمرهم الله أجمعين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء بن أبي رياح ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ﴾ قال: كانوا يقرضون الدراهم.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال الله عز وجل: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا ﴾ أي: حين أرادوا قتل صالح (١) ﴿ وَمَكَرْنَا مَكْرًا ﴾ جازيناهم جزاءَ مكرهم بتعجيل عقوبتهم ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ بمكر الله بهم.

(١) "تفسير مقاتل" 60 ب.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2902، عن قتادة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَانَ فِي المدينة ﴾ يعني مدينة ثمود ﴿ يُفْسِدُونَ فِي الأرض ﴾ قيل: إنهم كانوا يقرضون الدنانير والدارهم ولفظ الفساد أعم من ذلك ﴿ تَقَاسَمُواْ بالله ﴾ أي حلفوا بالله، وقيل: إنه فعل ماض وذلك ضعيف، والصحيح أنه فعل أمر قاله بعضهم لبعض، وتعاقدوا عليه ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ﴾ أي لنقتلنه وأهله بالليل، وهذا هو الفعل الذي تحالفوا عليه ﴿ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ﴾ أي نتبرأ من دمه إن طلبنا به وليه، ومهلك يحتمل أن يكون اسم مصدر أو زمان أو مكان، فإن قيل: إن قولهم: ﴿ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ﴾ يقتضي التبري من دم أهله، دون التبري من دمه، فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنهم رادوا ما شهدنا مهلكه ومهلك أهله، وحذف مهلكه لدلالة قولهم ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ﴾ ، والثاني أن أهل الإنسان قد يراد به هو وهم لقوله: ﴿ وأغرقنا آل فرعون ﴾ يعني فرعون وقومه، الثالث: أنهم قالوا مهلك أهله خاصة ليكونوا صادقين، فإنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معاً، وأرادوا التعريض في كلامهم لئلا يكذبوا.

﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ يحتمل أن يكون قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ مغالطة مع اعتقادهم أنهم كاذبون، ويحتمل أنهم قصدوا وجهاً من التعريض ليخرجوا به عن الكذب وقد ذكرناه في الجواب الثالث عن مهلك أهله، وهو أنهم قصدوا أن يقتلوا صالحاً وأهله معاً، ثم يقولون: ما شهدنا مهلك أهله وحدهم وإنا لصادقون في ذلك بل يعنون أنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معاً، وعلى ذلك حمله الزمخشري.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لتنبيه ﴾ على الجمع المخاطب وهكذا ﴿ لتقولن ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون فيهما على التكلم ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام: أبو بكر غير البرجمي وحماد والمفضل.

وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام.

الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان ﴿ أنا دمرناهم ﴾ و ﴿ أن الناس ﴾ بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس ﴿ أئنكم ﴾ مذكور في "الأنعام" ﴿ يشكرون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ أءله ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ يذكرون ﴾ بياء الغيبة: ابو عمرو وهشام.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ بل أدرك ﴾ بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل ﴿ بل ادّرك ﴾ بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني.

الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال.

الوقوف: ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ الحسنة ﴾ ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل.

﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ تفتنون ﴾ ه ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ مكرهم ﴾ ط لمن قرأ.

"إنا" بكسر الألف على الاستئناف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ النساء ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ قريتكم ﴾ ج لاحتمال تقدير لام التعليل ﴿ يتطهرون ﴾ ه ﴿ إلا أمرأته ﴾ ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة ﴿ في الغابرين ﴾ ه ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ اصطفى ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ط لأن ما بعده استفهام متسأنف و"أم" منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقول ﴿ بهجة ﴾ ط ولاحتمال الحال أي وقد ورد ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ القتال ﴾ ط ﴿ عزيزاً ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ فريقاً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ تطؤها ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ ضعفين ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ج للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تطهيراً ﴾ ه لوقوع العوارض بين المعطوفين ﴿ والحكمة ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من أمرهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ الناس ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ تخشاه ﴾ ط ﴿ منهن وطراً ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ له ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ لا ﴿ مقدوراً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ وصف أو بدل ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ النبيين ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام.

والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه كما تقول في البيضة عشرون منا حديداً اي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.

والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع.

قال في الكشاف: قوله ﴿ لمن كان ﴾ بدل من قوله ﴿ لكم ﴾ وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه وصفة الأسوة.

والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف.

وقوله ﴿ يرجو الله واليوم الآخر ﴾ كقولك: رجوت زيداً وفضله أي رجوت فضل زيد، أو اريد يرجو ايام الله واليوم الآخر خصوصاً.

وقوله ﴿ وذكر ﴾ معطوف على ﴿ كان ﴾ وفيه أن المقتدي برسول الله  هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد.

ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى الخطب أو البلاء.

عن ابن عباس: كان النبي  قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً اي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع.

﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ في كل وعد ﴿ وما زادهم إلا إيماناً ﴾ بمواعيده إلا فساد هم بقتل نبيهم.

والتقاسم التحالف فإن كان أمراً فظاهر وإن كان خبراً فمحله نصب بإضمار "قد" اي قالوا متقاسمين: والتبيت العزم على إهلاك العدوّ ليلاً.

وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر.

قال في الكشاف" كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين.

ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما.

قلت: إنما ارتكب هذا التكليف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه.

يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه وهذا مكر الله.

وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون رامياً.

من قرأ ﴿ أنا دمرناهم ﴾ بالفتح فمرفوع المحل بدلاً من العاقبة أو خبراً لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر "كان" أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوباً بنزع الخافض.

وانتصب ﴿ خاوية ﴾ على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ موافقة لما بعده ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ ﴿ وأمطرنا ﴾ وكله على "أفعل".

وقال في "حم السجدة" ﴿ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون  ﴾ موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم.

القصة الخامسة قصة لوط ﴿ و ﴾ انتصب ﴿ لوطاً ﴾ بإضمار "اذكر" أو بما دل عليه ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ و"إذ" بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، و ﴿ يبصرون ﴾ إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أنكم تفعلون فعل الجاهلية بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو اراد جهلهم بالعاقبة، أو اراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.

أو الخطاب في قوله ﴿ تجهلون ﴾ تغليب ولو قرئ بياء الغيبة نظراً إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في "الأعراف" ﴿ قل الحمد لله ﴾ قيل: هو خطاب للوط  أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب.

وقيل: أمر لنبينا  بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عيله وسلم كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله  بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة.

ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفاً عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن.

قال جار الله: معنى الاستفهام "وأم" المتصلة في قوله ﴿ الله خير أمّا يشركون ﴾ إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط؛ فمن المعلوم أنه لا خير فيما اشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه.

قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف.

عن رسول الله  أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم.

ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئاً بما هو أبين الحسيات فقال: ﴿ أمن خلق السموات ﴾ وإنما قال ههنا ﴿ وأنزل لكم ﴾ واقتصر في إبراهيم على قوله ﴿ وأنزل  ﴾ لأن لفظة ﴿ لكم ﴾ وردت هناك بالآخرة، وليس قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ مغنياً عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول.

ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ فأنبتنا ﴾ تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلاً في ذلك من حيث الغرس والسقي.

والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة.

والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به.

وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت.

ومعنى ﴿ أءله مع الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له.

قال في الكشاف: قوله ﴿ بل هم ﴾ بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم.

قلت: إنما تعين الغيبة ههنا لأن الخطاب في قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات.

ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك.

وقوله ﴿ يعدلون ﴾ من العدل أو من العدول اي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.

ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها.

والقرار المستقر اي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها.

والحاجز البرزخ كما في "الفرقان".

ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم.

والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله  ، وإنه افتعال من الضر.

وعن ابن عباس: هو المجهود.

وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة.

وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره.

والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في "البقرة" وفي ادعوني وقوله ﴿ ويكشف السوء ﴾ كالبيان لقوله ﴿ يجيب المضطر ﴾ والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر "الأنعام".

وقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ معناه تذكرون تذكراً قليلاً، ويجوز أن يراد بالقلة العدم.

ثم استدل لحاجة الناس وخصوصاً الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل باحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضاً، فاحتج عليهم بذلك لذلك.

والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات.

واعلم أن الله  ذكر قوله ﴿ أءله مع الله ﴾ في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ ثم بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ ثم بقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ ثم بقوله ﴿ تعالى الله عما يشركون ﴾ ثم ﴿ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فاشركوا من غير حجة وبرهان.

قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر.

وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب.

قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعاً يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحداً لم يذكر كقوله: وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتاً للقول بخلوها عن الأنيس.

قلت: لقائل أن يقول: إن استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله  في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيساً القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس.

وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله  في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين ايضاً.

وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازاً معاً.

وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضاً لأنهم أيضاً عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي.

وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب.

ومن هنا قال  : "بئس خطيب القوم أنت" .

لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى.

والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معاً من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة.

عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله  يقول ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن الخلق مكره.

قال المفسرون: سال المشركون رسول الله  عن وقت الساعة فنزلت.

وأيان بمعنى متى.

إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو "فعال" من أن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزاً آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال ﴿ بل ادّارك ﴾ أي تدارك.

ومن قرأ بغير الألف فهو "افتعل" من الدرك أي تتابع واستحكم.

ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما يقول لأجل الناس: ما أعلمك.

وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقيناً فلأن لا يعرفوا وقته أول.

ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم "أدركت الثمرة" لأن تلك غايتها التي عندها تعدم.

وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلاً إنهم لا يعلمون القيامة فضلاً عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم عمون عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون "عن" والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض.

وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا.

وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف.

قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة.

التأويل: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر.

والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية.

وكان في مدينة القالب الإنساني ﴿ تسعة رهط ﴾ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس ﴿ يفسدون ﴾ في ارض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ تقاسموا ﴾ بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق  .

ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم ﴿ ومكروا مكراً ﴾ في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أن صلاحهم في هلاكهم.

فمن قتلته فأنا ديته ﴿ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ﴾ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجميعن وهم النفس وصفاتها ﴿ فتلك بيوتهم ﴾ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة ﴿ بما ظلموا ﴾ أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها.

ولوط الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وهي كل ما زلت به اقدامهم عن الصراط المستيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ تميزون الخير من الشر.

وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال ﴿ أخرجوا ﴾ الصفات الروحاينة من قرية الشخص الإنساني ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ من لوث الدنيا وشهواتها ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا ﴿ إلا امرأته ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ وأمطرنا ﴾ على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال ﴿ قل الحمد لله وسلام ﴾ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي ﴿ على عباده ﴾ ﴿ أمن خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة ﴿ فأنبتنا به حدائق ﴾ من العلوم والمعاني والأسرار ﴿ أءله مع الله ﴾ من الهوى ﴿ أمن جعل ﴾ أرض النفس ﴿ قراراُ ﴾ في الجسد ﴿ وجعل خلالها أنهاراً ﴾ من دواعي البشرية ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ من القوى والحواس ﴿ وجعل بين ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ حاجزاً ﴾ القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما ﴿ أءله مع الله ﴾ كما زعمت الطبائعية ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ في العدم بلسان الحال ﴿ ويجعلكم ﴾ مستعدين لخلافته في الأرض ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد ﴿ أمن يهديكم في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا.

وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا ﴿ من يبدأ الخلق ﴾ بالوجود المجازي ﴿ ثم يعيده ﴾ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة ﴿ ومن يرزقكم ﴾ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح ﴿ أءله مع الله ﴾ كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ : يحتمل هذا: لقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً، وأمرناه أن يقول لهم: اعبدوا الله.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ بالرسالة، أي: أرسلناه ليدعوهم إلى عبادة الله.

وقوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ : يحتمل: وحدوا الله.

ويحتمل العبادة نفسها: أن اعبدوا الله ولا تشركوا غيره فيها، ولا تشركوا في تسمية الألوهية غيره، ولكن وحدوه، فكيفما كان ففيه أمر بالتوحيد له في العبادة والألوهية له.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾ : مؤمن بصالح ومكذب به، ولم يبين فيم كانت خصومتهم؟

وبَيْنَ مَنْ كانت في هذه الآية؟

لكنه بين في آية أخرى وفسر وهو ما قال: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ  قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ  ﴾ ، هذه الخصومة التي ذكر في قوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾ بين الرؤساء من المؤمنين بصالح، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ أي: لم تستعجلون العذاب قبل الرحمة، واستعجالهم العذاب والسيئة ذكر في آية أخرى وهو قوله: ﴿ فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ ، فذلك استعجالهم السيئة قبل الحسنة.

وقوله: ﴿ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ أي: لولا توحدون الله ولا تشركوا غيره في العبادة وتسمية الإلهية؛ لكي يرحمكم، وفيه إطماع لهم لو آمنوا وتابوا عنه لرحمهم؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ﴾ أي: تشاءمنا منك وبمن معك، لم يزل الكفرة يقولون لرسل الله - عليهم السلام - ولمن آمن منهم: اطيرنا بكم، إذا أصابتهم الشدة والبلاء يتطيرون بهم ويتشاءمون، ويقولون: إنما أصابنا هذا بشؤمكم، وإذا أصابهم رخاء وسعة فقالوا: هذا لنا بنا ومن أنفسنا، وهو ما قال موسى حيث قال: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ ﴾ الآية [الأعراف: 131]؛ وكذلك قال أهل مكة لرسول الله حيث قال: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ  ﴾ ، كانوا يتطيرون برسول الله ويتشاءمون بما يصيبهم من الشدة، وما ينزل بهم من البلاء، فأخبر الله رسوله، وأمره أن يقول لهم: ﴿ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: الرخاء والشدة من عند الله ينزل، وهو باعث ذلك لا أنا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما ينزل بكم ويصيبكم من الشدة والرخاء إنما ينزل من عند الله لا بنا ولا بكم.

أو يقال: ما ينزل بكم من العذاب في الآخرة إنما يصيب بتكذيبكم إياي في الدنيا.

أو أن يقال: طائركم عند الله، أي: جزاء طيرتكم عند الله، هو يجزيكم بها بعذاب الدنيا والآخرة.

﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾ ابتداء: مرة بالشدّة ومرة بالرخاء، لا بما تكسبون من الأعمال.

وجائز أن قوله: ﴿ تُفْتَنُونَ ﴾ بالعذاب بما تكسبون من الأعمال في الدنيا، أي: تعذبون بها.

قال أبو عوسجة: ﴿ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: الله أعلم بطائركم وما تطيرتم به.

وقال القتبي: ﴿ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ أي: ليس ذلك بي وإنما هو من الله، وهو ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ : قال بعضهم: الرهط: إنما يقال من ثلاثة إلى تسعة، وإذا نقص عن ذلك أو زاد يقال: رجال.

وقال أبو عوسجة: الرهط: النفر، وأراهط ورهوط جمع.

ثم يحتمل الرهط وجهين: أحدهما: ﴿ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ أي: تسعة نفر من الأتباع وغيره يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

والثاني: تسعة رهط لا تسعة نفر من الرؤساء، ولكل أحد منهم رهط من الأتباع يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

جائز أن هذا إخبار من الله أنهم يفسدون أبداً في الأرض ولا يؤمنون أبداً.

وجائز أن يكون إخبارا عن حالهم، أي: يعملون الفساد والمعاصي ولا يصلحون، أي: لا يسعون بالصلاح.

وقال ابن عباس: إن هؤلاء التسعة كانوا من أبناء أشرافهم، وكانوا بالحِجر، وكانوا فساقا، فقال بعضهم لبعض: لنقتلن صالحاً وأهله، ثم لنقولن لوليه - أي: لقومه من ورثته -: ما قتلناه.

وقوله: ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ﴾ : فتحالفوا على ذلك، فأتوا صالحا ليلا فدخلوا عليه بأسيافهم ليقتلوه، وعند صالح ملائكة جاءوا من الله  يحرسونه، فقتلوا الرهط في دار صالح بالحجارة؛ فذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً ﴾ : بصالح وأهله، ﴿ وَمَكَرْنَا مَكْراً ﴾ أي: أهلكناهم، ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : أنهم يهلكون.

وقال بعضهم: هؤلاء التسعة الرهط تواثقوا أنهم يبيتون صالحاً ويقتلونه وأهله بعدما عقروا الناقة، وقالوا فيما بينهم: فإن خوصمنا في ذلك لنقولن ولنقسمن: ما شهدنا مهلك أهله، أي: ما حضرنا في هلاكهم؛ على هذا التأويل يكون على التقديم والتأخير.

وقال بعضهم: هؤلاء التسعة كانوا شرار قومه، خرجوا بخمر إلى بعض المغار ليشربوها، ثم ليبيتوا على صالح وأهله، فشربوا هنالك فانهدم بهم الصخرة وعذبوا فيه؛ فذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ : بقتل صالح وهلاكه؛ ﴿ مَكْراً وَمَكَرْنَا ﴾ بهم حيث أهلكناهم، ﴿ مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

والمكر: هو الأخذ بغتة.

وقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً ﴾ أي: جزيناهم جزاء مكرهم.

ثم اختلف في قراءة ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ ﴾ بالنون؛ فذلك قول بعضهم لبعض.

وقرأه بعضهم بالتاء: ﴿ لتبيتنه وأهله ثم لتقولن ﴾ ؛ فذلك قول الرؤساء للأتباع.

ومن قرأ بالياء يجعله خبراً عن الله  لهم.

وقوله: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ ﴾ أي: لم نسكن فيها أحداً، ولكن تركناها خالية كذلك.

وقال بعضهم: ﴿ خَاوِيَةً ﴾ أي: خربة بما ظلموا كقوله: ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا  ﴾ أي: ساقطة خربة، وقد كان ذلك كله: منها ما جعل لغيرهم مسكناً إذا أهلكهم من نحو ما أورث بني إسرائيل ديار القبط وأموالهم، وأنزلهم فيها، ومنها: ما تركها كذلك خالية بعد ما أهلك أهلها وخربها وتركها كذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً ﴾ أي: في هلاك من ذكر لآية ولعبرة يعتبرون.

﴿ وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ مخالفة الله، ومخالفة أمره ونهيه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ودبَّروا مكيدة خفية لإهلاك صالح وأتباعه من المؤمنين، ومكرنا مكرًا لنصره وإنجائه من مكرهم وإهلاك الكافرين من قومه، وهم لا يعلمون بذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.qMlWa"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله