الآية ٨١ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٨١ من سورة النمل

وَمَآ أَنتَ بِهَـٰدِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ ۖ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨١ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٨١ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

(وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ) [ أي ] : إنما يستجيب لك من هو سميع بصير ، السمع والبصر النافع في القلب والبصيرة الخاضع لله ، ولما جاء عنه على ألسنة الرسل ، عليهم السلام .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ( وَمَا أَنْتَ بِهَادِ ) بالياء والألف وإضافته إلى العمي بمعنى: لست يا محمد بهادي من عمي عن الحقّ(عَنْ ضَلالَتِهِمْ ).

وقراءة عامة قرّاء الكوفة " وَمَا أنْتَ تَهْدِي العُمْيَ" بالتاء ونصب العمي, بمعنى: ولست تهديهم (عَنْ ضَلالَتِهِمْ ) ولكن الله يهديهم إن شاء.

والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مشهورتان في قرّاء الأمصار, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وتأويل الكلام ما وصفت (وَمَا أَنْتَ ) يا محمد ( بِهادِي ) من أعماه الله عن الهدى والرشاد فجعل على بصره غشاوة أن يتبين سبيل الرشاد عن ضلالته التي هو فيها إلى طريق الرشاد وسبيل الرشاد.

وقوله: (إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ) يقول: ما تقدر أن تُفهم الحقّ وتوعيه أحدا إلا سمع من يصدّق بآياتنا, يعني بأدلته وحججه وآي تنـزيله ( فَهُمْ مُسْلِمُونَ ) فإن أولئك يسمعون منك ما تقول ويتدبرونه, ويفكرون فيه, ويعملون به, فهم الذين يسمعون.

• ذكر من قال مثل الذي قلنا في قوله تعالى: ( وَقَعَ ) (1) ------------------------ الهوامش: (1) سقط كلام المؤلف في تأويل الآية رقم 82، ويدل عليه إيراد كلام أهل التأويل فيه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

مسألة : وقد احتجت عائشة رضي الله عنها في إنكارها أن النبي صلى الله عليه وسلم أسمع موتى بدر بهذه الآية ; فنظرت في الأمر بقياس عقلي ووقفت مع هذه الآية .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما أنتم بأسمع منهم .

قال ابن عطية : فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد صلى الله عليه وسلم في أن رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله ولولا إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة ، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين .[ ص: 215 ] قلت : روى البخاري رضي الله عنه ; حدثني عبد الله بن محمد سمع روح بن عبادة قال : حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال : ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال ، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه ، قالوا : ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته ، حتى قام على شفير الركي ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ; فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ; قال : فقال عمر : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم قال قتادة : أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما .

خرجه مسلم أيضا .

قال البخاري : حدثنا عثمان قال : حدثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر قال : وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟

ثم قال : إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت إنك لا تسمع الموتى حتى قرأت الآية .

وقد عورضت هذه الآية بقصة بدر وبالسلام على القبور ، وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات ، وبأن الميت يسمع قرع النعال إذا انصرفوا عنه ، إلى غير ذلك ; فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه .

وهذا واضح وقد بيناه في كتاب ( التذكرة ) .

قوله تعالى : وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم أي كفرهم ; أي ليس في وسعك خلق الإيمان في قلوبهم .

وقرأ حمزة : ( وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم ) كقوله : أفأنت تهدي العمي .

الباقون : ( بهادي العمي ) وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وفي ( الروم ) مثله .

وكلهم وقف على ( بهادي ) بالياء في هذه السورة وبغير ياء في ( الروم ) اتباعا للمصحف ، إلا يعقوب فإنه وقف فيهما جميعا بالياء .

وأجاز الفراء وأبو حاتم : ( وما أنت بهاد العمي ) وهي الأصل .

وفي حرف عبد الله ( وما أن تهدي العمي ) .

إن تسمع أي ما [ ص: 216 ] تسمع .

إلا من يؤمن بآياتنا قال ابن عباس : أي إلا من خلقته للسعادة فهم مخلصون في التوحيد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ } كما قال تعالى: { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } { إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } أي: هؤلاء الذين ينقادون لك، الذين يؤمنون بآيات الله وينقادون لها بأعمالهم واستسلامهم كما قال تعالى: { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما أنت بهادي العمي ) قرأ الأعمش ، وحمزة : " تهدي " بالتاء وفتحها على الفعل " العمي " بنصب الياء هاهنا وفي الروم .

وقرأ الآخرون بهادي بالباء على الاسم ، " العمي " بكسر الياء ، ( عن ضلالتهم ) أي : ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان ، ( إن تسمع ) ما تسمع ، ( إلا من يؤمن بآياتنا ) إلا من يصدق بالقرآن أنه من الله ، ( فهم مسلمون ) مخلصون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن» ما «تسمع» سماع إفهام وقبول «إلا من يؤمن بآياتنا» القرآن «فهم مسلمون» مخلصون بتوحيد الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما أنت -أيها الرسول- بهادٍ عن الضلالة مَن أعماه الله عن الهدى والرشاد، ولا يمكنك أن تُسمع إلا مَن يصدِّق بآياتنا، فهم مسلمون مطيعون، مستجيبون لما دعوتهم إليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العمي عَن ضَلالَتِهِمْ .

.

) أى : وما أنت - أيها الرسول الكريم - بقادر على أن تصرف العمى عن طريق الضلال الذى انغمسوا فيه ، لأن الهداية إلى طريق الحق ، مردها إلى الله - تعالى - وحده .ثم بين - سبحانه - فى مقابل ذلك ، من هم أهل السماع والبصر فقال : ( إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ) .أى : أنت - أيها الرسول الكريم - ما تستطيع أن تسمع إسماعا مجديا نافعا ، إلا لمن يؤمن بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، لأن هؤلاء هم المطيعون لأمرنا ، المسلمون وجوههم لنا .وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت الكثير من وسائل التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المشركين ، كما ساقت ما يدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - : وعلى أنه - سبحانه - هو الحكم العدل بين عباده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما تمم الكلام في إثبات المبدإ والمعاد، ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالنبوة، ولما كانت العمدة الكبرى في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن، لا جرم بين الله تعالى أولاً كونه معجزة من وجوه: أحدها: أن الأقاصيص المذكورة في القرآن موافقة لما كانت مذكورة في التوراة والإنجيل مع العلم بأنه عليه الصلاة والسلام كان أمياً، وأنه لم يخالط أحداً من العلماء ولم يشتغل قط بالاستفادة والتعلم، فإذن لا يكون ذلك إلا من قبل الله تعالى، واختلفوا فقال بعضهم أراد به ما اختلفوا فيه وتباينوا، وقال آخرون أراد به ما حرفه بعضهم، وقال بعضهم بل أراد به أخبار الأنبياء، والأول أقرب.

وثانيها: قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ ﴾ وذلك لأن بعض الناس قال إنا لما تأملنا القرآن فوجدنا فيه من الدلائل العقلية على التوحيد والحشر والنبوة، وشرح صفات الله تعالى وبيان نعوت جلاله ما لم نجده في شيء من الكتب، ووجدنا ما فيه من الشرائع مطابقة للعقول موافقة لها، وجدناه مبرأ عن التناقض والتهافت، فكان هدى ورحمة من هذه الجهات ووجدنا القوى البشرية قاصرة على جمع كتاب على هذا الوجه، فعلمنا أنه ليس إلا من عند الله تعالى، فكان القرآن معجزاً من هذه الجهة.

وثالثها: أنه هدى ورحمة للمؤمنين، لبلوغه في الفصاحة إلى حيث عجزوا عن معارضته وذلك معجز، ثم إنه تعالى لما بين كونه معجزاً دالاً على الرسالة ذكر بعده أمرين: الأول: قوله: ﴿ إِن رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ العزيز العليم ﴾ والمراد أن القرآن وإن كان يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، لكن لا تكن أنت في قيدهم، فإن ربك هو الذي يقضي بينهم، أي بين المصيب والمخطئ منهم، وذلك كالزجر للكفار فلذلك قال: ﴿ وَهُوَ العزيز ﴾ أي القادر الذي لا يمنع العليم بما يحكم فلا يكون إلا الحق، فإن قيل القضاء والحكم شيء واحد فقوله: ﴿ يَقْضِى بِحُكْمِهِ ﴾ كقوله يقضي بقضائه ويحكم بحكمه والجواب: معنى قوله: ﴿ بِحُكْمِهِ ﴾ أي بما يحكم به وهو عدله، لأنه لا يقضي إلا بالعدل، أو أراد بحكمه، ويدل عليه قراءة من قرأ (بحكمه) جمع حكمة الثاني: أنه تعالى أمره بعد ظهور حجة رسالته بأن يتوكل على الله، ولا يلتفت إلى أعداء الله، ويشرع في تمشية مهمات الرسالة بقلب قوي، فقال: ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ ثم علل ذلك بأمرين: أحدهما: قوله: ﴿ إِنَّكَ عَلَى الحق المبين ﴾ وفيه بيان أن المحق حقيق بنصرة الله تعالى وأنه لا يخذل وثانيهما: قوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ﴾ وإنما حسن جعله سبباً للأمر بالتوكل، وذلك لأن الإنسان ما دام يطمع في أحد أن يأخذ منه شيئاً فإنه لا يقوى قلبه على إظهار مخالفته، فإذا قطع طمعه عنه قوي قلبه على إظهار مخالفته، فالله سبحانه وتعالى قطع محمداً صلى الله عليه وسلم عنهم بأن بين له أنهم كالموتى وكالصم وكالعمى فلا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل، وهذا سبب لقوة قلبه عليه الصلاة والسلام على إظهار الدين كما ينبغي، فإن قيل ما معنى قوله: ﴿ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ جوابه: هو تأكيد لحال الأصم، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته.

أما قوله تعالى: ﴿ إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ﴾ فالمعنى ما يجدي إسماعك إلا الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته، أي يصدقون بها فهم مسلمون، أي مخلصون من قوله: ﴿ بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ  ﴾ يعني جعله سالماً لله تعالى خالصاً له، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين، وعلل التوكل بأنه على الحق الأبلج الذي لا يتعلق به الشكّ والظنّ.

وفيه بيان أنّ صاحب الحق حقيق بالوثوق بصنع الله وبنصرته، وأن مثله لا يخذل.

فإن قلت: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ﴾ يشبه أن يكون تعليلاً آخر للتوكل، فما وجه ذلك؟

قلت: وجهه أن الأمر بالتوكل جعل مسبباً عما كان يغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة المشركين وأهل الكتاب: من ترك اتباعه وتشييع ذلك بالأذى والعداوة، فلاءم ذلك أن يعلل توكل متوكل مثله، بأن اتباعهم أمر قد يئس منه، فلم يبق إلا الاستنصار عليهم لعداوتهم واستكفاء شرورهم وأذاهم، وشبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس، لأنهم إذا سمعوا ما يتلى عليهم من آيات الله- فكانوا أقماع القول لا تعيه آذانهم وكان سماعهم كلا سماع-: كانت حالهم- لانتفاء جدوى السماع- كحال الموتى الذين فقدوا مصحح السماع؛ وكذلك تشبيههم بالصمّ الذين ينعق بهم فلا يسمعون.

وشبهوا بالعمى حيث يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم، وأن يجعلهم هداة بصراء إلا الله عز وجل.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ ؟

قلت: هو تأكيد لحال الأصم، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يولي عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته.

وقرئ: ﴿ ولا يسمع الصمّ ﴾ ﴿ وما أنت بهاد العمى ﴾ ، على الأصل.

وتهدي العمى.

وعن ابن مسعود: ﴿ وما أن تهدي العمى ﴾ ، وهداه عن الضلال.

كقولك: سقاه عن العيمة أي: أبعده عنها بالسقي، وأبعده عن الضلال بالهدى ﴿ إِن تُسْمِعُ ﴾ أي ما يجدي إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته، أي: يصدقون بها ﴿ فَهُم مُّسْلِمُونَ ﴾ أي مخلصون من قوله: ﴿ بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 112] يعني: جعله سالماً لله خالصاً له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ ولا تُبالِ بِمُعاداتِهِمْ.

﴿ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ ﴾ وصاحِبُ الحَقِّ حَقِيقٌ بِالوُثُوقِ بِحِفْظِ اللَّهِ ونَصْرِهِ.

﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَقْطَعُ طَمَعَهُ عَنْ مُشايَعَتِهِمْ ومُعاضِدَتِهِمْ رَأْسًا، وإنَّما شُبِّهُوا بِالمَوْتى لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِاسْتِماعِ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ كَما شُبِّهُوا بِالصُّمِّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ فَإنَّ إسْماعَهم في هَذِهِ الحالَةِ أبْعَدُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ ﴾ .

﴿ وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ﴾ حَيْثُ الهِدايَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالبَصَرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ «وَما أنْتَ تَهْدِي العُمْيَ» .

﴿ إنْ تُسْمِعُ ﴾ أيْ ما يُجْدِي إسْماعُكَ.

﴿ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا ﴾ مَن هو في عِلْمِ اللَّهِ كَذَلِكَ.

﴿ فَهم مُسْلِمُونَ ﴾ مُخْلِصُونَ مِن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)

{إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ وَمَا أَنتَ بِهَادِى العمى عَن ضلالتهم} لما كانوا لا يعون ما يسمعون ولا به ينتفعون شبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون وبالعمي حيث يضلون الطريق ولا يقدر أحدا أن ينزع ذلك عنهم ويجعلهم هداة بصراء الى الله تعالى ثم أكد حال الصم بقوله إذا ولوا مدبرين لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته ولا يسمع الصُّمُّ مكي وكذا في الروم وَمَا أَنتَ تَهْدِى العمى وكذا في الروم حمزة {إِنْ تُسْمعُ إِلاَّ من يؤمن بآياتنا} أي ما يجدي

النمل (٨٦ - ٨١)

إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته أي يصدقون بها {فَهُم مُّسْلِمُونَ} مخلصون من قوله بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله يعني جعله سالماً لله خالصاً له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ﴾ أيْ وما أنْتَ بِصارِفِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ هادِيًا لَهم هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ لِفَقْدِ الشَّرْطِ العادِيِّ لِلِاهْتِداءِ وهو البَصَرُ، (وعَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالهِدايَةِ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِها مَعْنى الصَّرْفِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَعَلَّقَ بِالعَمى ويَكُونُ المَعْنى أنَّ العَمى صَدَرَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ، وإيرادُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْمُبالِغَةِ في نَفْيِ الهِدايَةِ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيْوَةَ- «بِهادٍ» - بِالتَّنْوِينِ «العُمْيَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمْزَةُ- «تَهْدِي» - مُضارِعَ هَدى «العُمْيَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ- وما أنْ تَهْتَدِيَ- بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا فَما أنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِ و«تَهْتَدِي» - مُضارِعُ اهْتَدى، و«العُمْيُ» بِالرَّفْعِ ﴿ إنْ تُسْمِعُ ﴾ أيْ ما تُسْمِعُ إسْماعًا يُجْدِي السّامِعَ نَفْعًا.

﴿ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمُ الإيمانُ بِها وهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا مَوْتى ولا صُمًّا ولا عُمْيًا.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أيْ إلّا مَن هو في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ صِيغَةَ الِاسْتِقْبالِ وإنْ صَحَّتْ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ العِلْمِ فِيما لا يَزالُ إلّا أنَّ المُناسِبَ صِيغَةُ المُضِيِّ، واخْتارَ المُعْتَرِضُ أنَّ المَعْنى إلّا الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى إذْ حِينَئِذٍ تَثْبُتُ نُبُوَّتُهُ  فَيَقْبَلُ قَوْلَهُ ويُجْدِي إسْماعُهُ نَفْعًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَنْتَقِضُ الحَصْرَ بِالمُصَدِّقِينَ في الِاسْتِقْبالِ إنْ كانَتِ الصِّيغَةُ لِلْحالِ وبِالمُصَدِّقِينَ في الحالِ إنْ كانَتْ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذا دَفَعَ لُزُومُ الِانْتِقاضِ بِجَعْلِها لَهُما لَزِمَ اسْتِعْمالُ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ مَعًا أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ الحالُ ويَدْخُلُ غَيْرُهُ فِيهِ بِدَلالَةِ النَّصِّ مِن غَيْرِ تَكْلِيفٍ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: قَدْ يُرادُ بِالمُضارِعِ الِاسْتِقْبالُ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأزْمِنَةِ فَإنَّ الِاسْتِقْبالَ كَما يَكُونُ بِالنَّظَرِ لِزَمانِ الحُكْمِ والتَّكَلُّمِ عَلى ما حُقِّقَ في الأُصُولِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالنَّظَرِ إلى عِلْمِ القائِلِ أيْضًا فَيَشْمَلُ مَن يُؤْمِنُ هُنا مَن آمَنَ حالًا كَما يَشْمَلُ مَن يُؤْمِنُ اسْتِقْبالًا فَلا غُبارَ في المَعْنى الَّذِي اخْتارَهُ ذَلِكَ المُعْتَرِضُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ فِيهِ شِبْهَ تَحْصِيلِ الحاصِلِ لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالقُرْآنِ هو اسْتِماعُهُ النّافِعُ، ولَعَلَّ مَن عَدَلَ عَنْهُ إنَّما عَدَلَ لِذَلِكَ، ولَمْ يَعْبَأْ بِالمُغايِرَةِ بَيْنَ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ الظّاهِرَةِ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ، والحَقُّ أنَّ ما ذُكِرَ مِن شِبْهِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ لِظُهُورِ الفَرْقِ بَيْنَ الإسَماعِ المُرادِ في الآيَةِ والتَّصْدِيقِ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالآياتِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الشّامِلَةُ لِلْآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ والتَّكْوِينِيَّةِ وأنْ يُرادَ بِها الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ فَقَطْ، والإيمانُ بِها التَّصْدِيقُ بِكَوْنِها آياتِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَتْ مِنَ السِّحْرِ وإذا أُرِيدَ بِالإسْماعِ النّافِعِ عَلى هَذا إسْماعُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ لِيُؤْتى بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ كانَ الكَلامُ أبْعَدَ وأبْعَدَ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ شِبْهُ تَحْصِيلِ الحاصِلِ إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ إيرادَ الإسْماعِ في النَّفْيِ والإثْباتِ دُونَ الهِدايَةِ مَعَ قُرْبِها بِأنْ يُقالَ: إنْ تَهْدِي إلّا مَن يُؤْمِنُ إلَخْ لِما أنَّ طَرِيقَ الهِدايَةِ هو إسْماعُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ فافْهَمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم مُسْلِمُونَ ﴾ قِيلَ: تَعْلِيلٌ لِإيمانِهِمْ بِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ في كُلِّ وقْتٍ.

وقِيلَ: مُخْلِصُونَ لِلَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ ، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن أنَّهم يَسْمَعُونَ إسْماعًا نافِعًا لَهُمْ، وفي تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ تارَةً وجَمْعِهِ أُخْرى رِعايَةٌ لِلَفْظِ مِن ومَعْناها.

واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ عَلى أنَّ المَيِّتَ لا يَسْمَعُ كَلامَ النّاسِ مُطْلَقًا، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ في سُورَةِ الرُّومِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى فهذا مثل ضربه للكفار، فكما أنك لا تسمع الموتى، فكذلك لا تفقّه كفار مكة وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ قرأ ابن كثير وَلا يَسْمَعُ بالياء والنصب وضمّ العين، والصُّمَّ بضم الميم، وقرأ الباقون بالتاء وضم التاء وكسر الميم، والصَّم بالنصب.

فمن قرأ بالياء فلا يسمع، فالفعل للصم.

ومن قرأ بالتاء، فالخطاب للنبي  إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ يعني: أعرضوا عن الحق مكذبين.

قوله عزّ وجل: وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قرأ حمزة تَهْدِى العمى بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف، فمن قرأ تهدي العمي، فمعناه: ما أنت يا محمد بالذي تهدي الذين عميت بصائرهم عن آياتنا، ولكن عليك الدعاء، ويهدي الله من يشاء، ومن قرأ بِهادِي فإن الباء دخلت لتأكيد النفي، كقولك ما أنت بعالم، فالباء لتأكيد النفي، وخفض العمي للإضافة.

ثم قال: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا يعني: لا تسمع الهدى إلا من صدق بالقرآن أنه من الله تعالى.

ويقال: بِآياتِنا يعني: أدلتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ يعني: مخلصين مقرّين بها.

ويقال: مسلمون في علم الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

السماءِ هو بالمطر ومن الأرض بالنبات هذا هو مشهور ما يحُسُّه البشرُ، وكم للَّهِ بَعْدُ مِنْ لُطْفٍ خَفِي.

ثم أمرَ تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يُوقِفَهُمْ عَلَى أَنَّ الغَيبَ مِما انفَرَدَ الله بعلمِه ولذلكَ سُمِّي غَيْباً لغيبِه عن المخلوقين.

رُوِيَ: أنَّ هذهِ الآيةَ مِن قوله: قُلْ لاَّ يَعْلَمُ إنما نَزَلَتْ لأَجْلِ سؤالِ الكفّارِ عن السَّاعَةِ الموعودِ بِهَا، فجاءَ بلفظ يَعُمَّ السَّاعَةَ وغيرَها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون إيان يبعثون.

ص: أَيَّانَ اسم استفهامٍ بمعنى: متى، وهي معمولةً ل يُبْعَثُونَ، والجملة في موضع نصب ب يَشْعُرُونَ، انتهى.

وقرأ جمهور القراء: بَلِ ادَّارَكَ أصله: تَدَارَكَ.

وقرأ عاصم «١» في رواية أبي بكر:

«بل ادرك» على وزن افتعل، وهي بمعنى: تَفَاعَلَ.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «بَلْ أَدْرَكَ» وهذه القراءاتُ تحتملُ مَعْنَيَيْن: أحدهما: ادَّرَكَ علمُهم، أي: تَناهى، كما تقول ادَّركَ النباتُ، والمعنى: قد تَنَاهى علمهُم بالآخرة إلى أَن لا يعرفوا لها مقداراً، فيؤمنوا وإنما لهم ظنونٌ كاذبةٌ، أو إلى أن لا يعرفوا لها وقْتاً، والمعنى الثاني: بل ادَّرَكَ بمعنى: يُدْرِك أي أنهم في الآخرة يُدْرِكُ علمُهم وقتَ القيَامَةِ، ويرونَ العذابَ والحقائقَ التي كذَّبوا بها، وأمَّا في الدنيا فلا، وهذا هو تأويل ابن عباس «٢» ، ونحا إليه الزجاج «٣» ، فقوله: فِي الْآخِرَةِ على هذا التأويل: ظَرْفٌ وعلى التأويل الأول:

فِي بمعنى الباء.

ثم وَصَفَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ بأنهم في شكٍ منها، ثم أردف بصِفَةِ هي أبلغُ من الشَّكِ وهي العمى بالجملة عن أمر الآخرة، وعَمُونَ: أصله: (عميون) فعلون كحذرون.

وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، هذه الآية معنَاها واضحٌ مما تَقَدَّمَ في غيرها.

ثم ذكر- تعالى- استعجالَ كفارِ قريشٍ أمْرَ السَّاعَةِ والعذابَ بقولِهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ على معنى التعجيز، ورَدِفَ مَعْنَاه: قَرُبَ وأزِفَ قاله ابن عباس «١» وغيرُه، ولكنَّها عبارةٌ عَما يجيءُ بعدَ الشيء قريباً منه، والهاءُ في غائِبَةٍ للمبَالَغَةِ، أي مَا مِنْ شَيْءٍ في غايةِ الغَيْبِ والخفاءِ إلاَّ فِي كِتَابٍ عِندَ اللهِ وفي مكنونِ علمِه، لا إله إلا هو.

ثم نبّه- ٥٤ ب تعالى- على أنَّ/ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إسرائيل أكثر الأشياءِ التي كان بينهُم اختلافٌ في صِفَتِها، جاء بها القرآن على وجهها، وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كما أنه عمَىً على الكافرين المحتومِ عليهم، ثم سلَّى نبيَّه بقوله: إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى فشبَّهَهُمْ مرةً بالموتى، ومرةً بالصُّمِّ من حيث إنَّ فائدةَ القولِ لهؤلاءِ مَعْدُومَةٌ.

وقرأ حمزة «٢» : «وَمَا أَنتَ تَهْدِي العمي» بفعلٍ مستقبل، ومعنى قوله تعالى وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، أي: إذا انْتَجَزَ وعدُ عذابِهمُ الذي تَضَمَّنَه القولُ الأزلي من الله في ذلك، وهذا بمنزلة قوله تعالى: حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ [الزمر: ٧١] ، فمعنى الآية وإذا أراد اللهُ أن يُنْفذَ في الكافرينَ سَابقَ عِلمِهِ لَهُم من العذابِ أخْرَجَ لهم دابَّةً من الأرض، ورُوِيَ أَن ذلك حين ينقطعُ الخيرُ، ولا يؤمَر بمعروف، ولا يُنْهى عن منكر، ولا يِبْقَى مَنيبٌ ولا تائبٌ،

ووَقَعَ عبارةٌ عن الثبوت واللُّزُوم، وفي الحديث: أن الدابةَ وطلوعَ الشمسِ من المغْرِب مِنْ أولِ الأشراط، وهذه الدَّابَّةُ رُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ من الصَّفَا بمكَّةَ قاله ابن عمر «١» وغيره، وقيل غيرُ هذا.

وقرأ الجمهور «٢» : تُكَلِّمُهُمْ من الكلام.

وقرأ ابن عباس «٣» وغيرُه: تُكَلِّمُهُمْ- بفَتْحِ التاءِ وتخفيفِ اللام-، من الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، وسئل ابن عباس عن هذه الآية «تكلمهم أو تكلمهم» ؟

فقال: كل ذلك، واللهِ تفعلُ: تُكَلِّمُهُمْ وَتَكْلُمُهُمْ، وروي أنها تَمُرُّ على الناسِ فَتَسِمُ الكافرَ فِي جبهتِه وتَزْبُرُهُ وتَشْتُمُه وربما خَطَمَتْه، وَتَمْسَحُ على وجهِ المؤمنِ فتبيضه، ويعرفُ بعدَ ذلكَ الإيمانُ والكفرُ مِن أثرها، وفي الحديث: «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسَى، فَتَجْلُو وُجُوهَ المؤمِنِينَ بالعَصَا وتَخْتِمُ أَنْفَ الكَافِرِ بِالخَاتِمِ، حَتَّى أنَّ النَّاسَ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذا: يَا كَافِرُ» «٤» .

رواه البَزَّار، انتهى من «الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ» .

وقرأ الجمهور: «إنَّ النَّاسَ» - بكسر «إن» .

وقرأ حمزةُ «٥» والكسائيّ وعاصمٌ: «أنَّ» بفتحها.

وفي قراءة عبد الله «٦» : «تُكَلِّمُهُمْ بَأَنَّ» ، وعلى هذه القراءة فيكونُ قوله: أَنَّ النَّاسَ إلى آخرها مِنْ كلامِ الدابَّةِ، وروي ذلك عن ابن عَبَّاس.

ويحتملُ أَنْ يكون من كلام الله تعالى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم فَصارُوا أحْزابًا يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآَنُ بِبَيانِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَلَوْ أخَذُوا بِهِ لَسَلِمُوا.

﴿ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ﴾ يَعْنِي بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ بِحُكْمِهِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " بِحُكْمِهِ " بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَفّارِ فَشَبَّهَهم بِالمَوْتى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ " بِفَتْحِ مِيمِ " يَسْمَعُ "، وضَمِّ مِيمِ " الصُّمِّ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ أيْ: أنَّ الصُّمَّ إذا أدْبَرُوا عَنْكَ ثُمَّ نادَيْتَهم لَمْ يَسْمَعُوا، فَكَذَلِكَ الكافِرُ.

﴿ وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ ﴾ أيْ: [ما أنْتَ] بِمُرْشِدٍ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الهُدى، ﴿ إنْ تُسْمِعُ ﴾ إسْماعُ إفْهامٍ ﴿ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ ﴾ " وقَعَ " بِمَعْنى " وجَبَ " .

وَفِي المُرادِ بِالقَوْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: العَذابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الغَضَبُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: الحُجَّةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

ومَتى ذَلِكَ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ، ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.

والثّانِي: إذا لَمْ يُرْجَ صَلاحُهم، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي العالِيَةِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " عَلَيْهِمْ " إلى الكُفّارِ الَّذِينَ تَخْرُجُ الدّابَّةُ عَلَيْهِمْ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في صِفَةِ الدّابَّةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ، رَواهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذاتُ زَغَبٍ ورِيشٍ لَها أرْبَعُ قَوائِمَ.

والثّانِي: أنَّ رَأْسَها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلَيْنِ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ.

والثّالِثُ: أنَّ وجْهَها وجْهُ رَجُلٍ، وسائِرُ خَلْقِها كَخَلْقِ الطَّيْرِ، قالَهُ وهْبٌ.

والرّابِعُ: أنَّ لَها أرْبَعَ قَوائِمَ وزَغَبًا ورِيشًا وجَناحَيْنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي المَكانِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِنَ الصَّفا.

رَوى حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنِ النَّبِيِّ  [أنَّهُ] قالَ: " «بَيْنَما عِيسى يَطُوفُ بِالبَيْتِ ومَعَهُ المُسْلِمُونَ، تَضْطَرِبُ الأرْضُ تَحْتَهم، ويَنْشَقُّ الصَّفا مِمّا يَلِي المَسْعى، وتَخْرُجُ الدّابَّةُ مِنَ الصَّفا، أوَّلُ ما يَبْدُو مِنها رَأْسُها، مُلْمِعَةً ذاتَ وبَرٍ ورِيشٍ، لَنْ يُدْرِكَها طالِبٌ، ولَنْ يَفُوتَها هارِبٌ» " .

وفي حَدِيثٍ آَخَرَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «طُولُها سِتُّونَ ذِراعًا» "، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ: تَخْرُجُ مِن صَدْعٍ في الصَّفا كَجَرْيِ الفَرَسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وما خَرَجَ ثُلْثُها.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَيَمَسَّ رَأْسَها السَّحابُ ورِجْلاها في الأرْضِ ما خَرَجَتا.

والثّانِي: أنَّها تَخْرُجُ مِن شِعْبِ أجْيادٍ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ.

والثّالِثُ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: مِن بَحْرِ سَدُومَ، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والخامِسُ: أنَّها تَخْرُجُ بِتِهامَةٍ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «تَخْرُجُ الدّابَّةُ مَعَها خاتَمُ سُلَيْمانَ، وعَصا مُوسى، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالعَصا وتُحَطِّمَ أنْفَ الكافِرِ بِالخاتَمِ، حَتّى إنَّ أهْلَ البَيْتِ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هَذا: يا مُؤْمِنُ، ويَقُولُ هَذا: يا كافِرُ "» .

ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «تَسِمُ المُؤْمِنَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وتَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: مُؤْمِنٌ، وتَسِمُ الكافِرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وتَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كافِرٌ، وتَصْرُخُ ثَلاثَ صَرْخاتٍ يَسْمَعُها مِن بَيْنِ الخافِقَيْنِ» " .

وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أُسَيْدٍ: إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَ خَرْجاتٍ، خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي ثُمَّ تَنْكَتِمُ، وخَرْجَةٌ في بَعْضِ القُرى ثُمَّ تَنْكَتِمُ، فَبَيْنَما النّاسُ عِنْدَ أشْرَفِ المَساجِدِ - يَعْنِي المَسْجِدَ الحَرامَ - إذِ ارْتَفَعَتِ الأرْضُ، فانْطَلَقَ النّاسُ هِرابًا، فَلا يُفُوتُونَها، حَتّى إنَّها لَتَأْتِيَ الرَّجُلَ وهو يُصَلِّي، فَنَقُولُ: أتَتَعَوَّذُ بِالصَّلاةِ، واللَّهِ ما كُنْتَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، فَتَخْطِمُهُ، وتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّها تَنْكُتُ في وجْهِ الكافِرِ نُكْتَةً سَوْداءَ فَتَفْشُو في وجْهِهِ، فَيَسُوَدَّ وجْهُهُ وتَنْكُتُ في وجْهِ المُؤْمِنِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ فَتَفْشُو في وجْهِهِ حَتّى يَبِيضَّ وجْهُهُ، فَيَعْرِفُ النّاسُ المُؤْمِنَ والكافِرَ، ولَكَأنِّي بِها قَدْ خَرَجَتْ في عَقِبِ رَكْبٍ مِنَ الحاجِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ، فَهو مِنَ الكَلامِ.

وَفِيما تُكَلِّمُهم بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَقُولُ لَهم: إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: تَقُولُ: هَذا مُؤْمِنٌ، وهَذا كافِرٌ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والجَحْدَرِيُّ: بِتَسْكِينِ الكافِ وكَسْرِ اللّامِ [وَفَتْحِ التّاءِ]، فَهو مِنَ الكَلِمِ؛ قالَ ثَعْلَبٌ: والمَعْنى: تَجْرَحُهم.

وسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القِراءَتَيْنِ، فَقالَ كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُهُ، تَكَلَّمَ المُؤْمِنُ، وتَكَلَّمَ الفاجِرُ والكافِرُ، أيْ: تَجْرَحُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ النّاسَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وكَسَرَها الباقُونَ؛ فَمَن فَتَحَ أرادَ: تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ، وهَكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ " بِزِيادَةِ باءٍ مَعَ فَتْحِ الهَمْزَةِ؛ ومَن كَسَرَ، فَلِأنَّ مَعْنى " تَكَلِّمُهم ": تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ، والكَلامُ قَوْلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما مِن غائِبَةٍ في السَماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ ﴾ ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُمَّ الدُعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عن ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ الناسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ﴾ التاءُ في "غائِبَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ في غائِبَةِ الغَيْبِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللهِ في مَكْنُونِ عِلْمِهِ، ثُمْ نَبِّهْ تَعالى عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ أخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِأكْثَرِ الأشْياءِ الَّتِي كانَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في صِفَتِها، فَجاءَتْ في القُرْآنِ عَلى وجْهِها، ثُمْ وصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَما أنَّهُ عَمّى عَلى الكافِرِينَ المَحْتُومِ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ كُفْرَهُمُ اسْتَتَبَّ مَعَ قِيامِ الحُجَّةِ ووُضُوحِ الطَرِيقِ، فَكَثُرَ عَماهم بِهَذِهِ الحُجَّةِ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَضاءٍ مِنَ اللهِ تَعالى وحَكْمٌ قَضاهُ فِيهِمْ وبَيْنَهُمْ، ثُمْ أمَرَهم بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، والثِقَةِ بِاللهِ، وبِأنَّهُ عَلى الحَقِّ، أيْ: إنَّكَ الجَدِيرُ بِالنُصْرَةِ والظُهُورِ، ثُمْ سَلّاهُ عنهُمْ، وشَبَّهَهم بِالمَوْتى مِن حَيْثُ الفائِدَةُ بِالقَوْلِ لِهَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مَعْدُومَةٌ، فَشَبَّهَهم مَرَّةً بِالمَوْتى ومَرَّةً بِالصُمْ، قالَ العُلَماءُ: المَيِّتُ مِنَ الأحْياءِ هو الَّذِي يَلْقى اللهَ تَعالى بِكُفْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واحْتَجَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في إنْكارِها أنَّ النَبِيَّ  أسْمَعَ مَوْتى بَدْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ، ونَظَرَتْ هي في الأمْرِ بِقِياسٍ عَقْلِيٍّ، ووَقَفَتْ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ النَبِيَّ  أنَّهُ قالَ: «ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم»، فَيُشَبِّهُ أنَّ قِصَّةَ بَدْرٍ هي خَرْقُ عادَةٍ لِلنَّبِيِّ  في أنْ رَدَّ اللهِ تَعالى إلَيْهِمْ إدْراكًا سَمِعُوا بِهِ مَقالَهُ، ولَوْلا إخْبارُ رَسُولِ اللهِ  بِسَماعِهِمْ لِحَمْلِنا نِداءَهُ إيّاهم عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ عَلى مَن بَقِيَ مِنَ الكَفَرَةِ، وعَلى مَعْنى شِفاءِ صُدُورِ المُسْلِمِينَ مِنهُمْ، وقَدْ عُورِضَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالسَلامِ عَلى القُبُورِ، وبِما رُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ الأرْواحَ تَكُونُ في شَفِيرِ القُبُورِ في أوقاتٍ، قالُوا: فَلَوْ لَمْ يَسْمَعِ المَيِّتُ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُعارِضٍ لِلْآيَةِ؛ لِأنَّ السَلامَ عَلى القُبُورِ إنَّما هو عِبادَةٌ، وعِنْدَ اللهِ الثَوابُ عَلَيْها، وهو تَذْكِيرٌ لِلنَّفْسِ بِحالَةِ المَوْتِ وبِحالَةِ المَوْتى في حَياتِهِمْ، وإنَّ جَوَّزْنا مَعَ هَذا أنَّ الأرْواحَ في وقْتٍ عَلى القُبُورِ، فَإنْ سَمِعَ فَلَيْسَ الرُوحُ بِمَيِّتٍ، وإنَّما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ الأشْخاصُ المَوْجُودَةُ مُفارَقَةً لِأرْواحِها، وفِيها نَقُوُلُ: خُرِقَتِ العادَةُ لِمُحَمَّدٍ  في أهْلِ القَلِيبِ، وذَلِكَ كَنَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في المَوْتى إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ المَكانَ: «إنَّهم يَسْمَعُونَ خَفْقَ النِعالِ».

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَلا يُسْمِعُ" بِالياءِ مِن تَحْتِ "الصُمْ" رَفَعًا، ومَثْلُهُ في الرُومِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تُسْمِعُ" بِالتاءِ "الصُمْ" نَصْبًا.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: "بِهادٍ العُمْيِ" بِتَنْوِينِ الدالِّ ونَصْبِ "العُمْيَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَما أنْتَ تَهْدِي العُمْيَ" بِفِعْلِ مُسْتَقْبَلٍ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ وثّابٍ، وابْنِ يَعْمَرُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "وَما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ".

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ إذا انْتُجِزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الآنَ مِنَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ -أيْ حَتَّمَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ- وقَضاؤُهُ، وهَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ  ﴾ ، فَمَعْنى الآيَةِ: وإذا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَنْفُذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ لَهم مِنَ العَذابِ أخْرَجَ لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عن مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ، كَما أوحى اللهُ تَعالى إلى نُوحٍ: ﴿ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ  ﴾ ، و"وَقَعَ" عِبارَةٌ عَنِ الثُبُوتِ واللُزُومِ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الدابَّةَ وطُلُوعَ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ» -وَلَمْ يُعَيِّنِ الأُولى- وكَذَلِكَ الدَجّالَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الأحادِيثِ والرِواياتِ أنَّ الشَمْسَ آخِرُها؛ لِأنَّ التَوْبَةَ تَنْقَطِعُ مَعَها، ويُعْطِي الحالُ أنَّ الإيمانَ لا يَبْقى إلّا في أفْرادٍ، وعَلَيْهِمْ تَهُبُّ الرِيحُ الَّتِي لا تُبْقِي إيمانًا، وحِينَئِذٍ يَنْفَدُ ويُنْفَخُ في الصُورِ، ونَحْنُ نَرْوِي أنَّ الدابَّةَ تَسِمْ قَوْمًا بِالإيمانِ، ونَجِدُ أنَّ عِيسى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَعْدِلُ بَعْدَ الدَجّالِ، ويُؤْمِنُ الناسُ بِهِ، وهَذِهِ الدابَّةُ رُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ مِن جَبَلِ الصَفا بِمَكَّةَ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرُو -رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ- نَحْوَهُ، وقالَ: لَوْ شِئْتُ أنْ أضَعَ قَدَمِي عَلى مَوْضِعِ خُرُوجِها لَفَعَلْتُ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّها تَخْرُجُ في تِهامَةَ، ورُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الكُوفَةَ مِن حَيْثُ فارَ تَنُّورُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ورَوى بَعْضُهم عن حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ خُرُجاتٍ، ورُوِيَ أنَّها دابَّةٌ مُزَغِّبَةٌ شَعْراءُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها عَلى خِلْقَةِ الآدَمِيِّينَ، وهي في السَحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ، ورُوِيَ أنَّها جَمَعَتْ مِن خَلْقِ كُلِّ حَيَوانٍ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ الزُبَيْرِ نَحْوَهُ، ورُوِيَ أنَّها دابَّةٌ مَبْثُوثٌ نَوْعُها في الأرْضِ، فَهي تَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ وفي كُلِّ قَوْمٍ، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: "دابَّةً" إنَّما هو اسْمُ جِنْسٍ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها الثُعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَتْها العِقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشُ بِناءَ الكَعْبَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُكَلِّمُهُمْ" مِنَ الكَلامِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "تُنْبِيهِمْ"، وفَسَّرَها عِكْرِمَةُ بِـ "تَسِمُهُمْ"، قالَ قَتادَةُ: وفي بَعْضِ القِراءَةِ: "تُحَدِّثُهُمْ"، وقَرَأ أبُو زَرْعَةَ بْنُ عَمْرُو بْنُ جُرَيْجٍ: "تُكَلْمِهُمْ" بِكَسْرِ اللامِ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ذَلِكَ واللهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُهم وتَكْلِمُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ في هَذا أنَّها تَمُرُّ عَلى الناسِ فَتَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرَمِّدُهُ وتَشْتُمُهُ ورُبَّما حَطَّمَتْهُ، ورُبَّما تَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ، ويُعْرَفُ -بَعْدَ ذَلِكَ- الإيمانُ والكُفْرُ مِن قِبَلِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "إنَّ الناسَ" بِكَسْرِ "إنَّ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَعاصِمْ بِفَتْحِ الألِفِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "تُكَلِّمُهم بِأنَّ"، وهَذا تَصْدِيقٌ بالفَتْحِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ أنَّ الناسَ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ مِن كَلامِ الدابَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن كَلامِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَادِى العمى عَن ضلالتهم إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ ﴾ .

كرر تشبيه المشركين في إعراضهم عن الحق بأن شبهوا في ذلك بالعمي بعد أن شبهوا بالموتى وبالصم على طريقة الاستعارة إطناباً في تشنيع حالهم الموصوفة على ما هو المعروف عند البلغاء في تكرير التشبيه كما تقدم عند قوله تعالى ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ في سورة البقرة (19).

وحسن هذا التكرير هنا ما بين التشبيهين من الفروق مع اتحاد الغاية؛ فإنهم شبهوا بالموتى في انتفاء إدراك المعاني الذي يتمتع به العقلاء، وبالصم في انتفاء إدراك بلاغة الكلام الذي يضطلع به بلغاء العرب.

وشبهوا ثالثاً بالعمي في انتفاء التمييز بين طريق الهدى وطريق الضلال من حيث إنهم لم يتبعوا هدي دين الإسلام.

والغاية واحدة وهي انتفاء اتباعهم الإسلام ففي تشبيههم بالعمي استعارة مصرحة، ونفي إنقاذهم عن ضلالتهم ترشيح للاستعارة لأن الأعمى لا يبلغ إلى معرفة الطريق بوصف الواصف.

والهدى: الدلالة على طريق السائر بأن يصفه له فيقول مثلاً: إذا بلغت الوادي فخذ الطريق الأيمن.

والذي يسلك بالقوافل مسالك الطرق يسمى هادياً.

والتوصل إلى معرفة الطريق يسمى اهتداء.

وهذا الترشيح هو أيضاً مستعار لبيان الحق والصواب للناس، والأعمى غير قابل للهداية بالحالتين حالة الوصف وهي ظاهرة، وحالة الاقتياد فإن العرب لم يكونوا يأخذون العمي معهم في أسفارهم لأنهم يعرقلون على القافلة سيرها.

وقوله ﴿ عن ضلالتهم ﴾ يتضمن استعارة مكنية قرينتها حالية.

شبه الدين الحق بالطريق الواضحة، وإسناد الضلالة إلى سالكيه ترشيح لها وتخييل، والضلالة أيضاً مستعارة لعدم إدراك الحق تبعاً للاستعارة المكنية، وأطلقت هنا على عدم الاهتداء للطريق، وضمير ﴿ ضلالتهم ﴾ عائد إلى العمي، ولتأتي هذه الاستعارة الرشيقة عدل عن تعليق ما حقه أن يعلق بالهدي فعلق به ما يقتضيه نفي الهدي من معنى الصرف والمباعدة.

فقيل ﴿ عن ضلالتهم ﴾ بتضمين ﴿ هادي ﴾ معنى صارف.

فصار: ما أنت بهاد، بمعنى: ما أنت بصارفهم عن ضلالتهم كما يقال: سقاه عن العيمة، أي سقاه صارفاً له عن العيمة، وهي شهوة اللبن.

وعدل في هذه الجملة عن صيغتي النفيين السابقين في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ﴾ [النمل: 80] الواقعين على مسندين فعليين، إلى تسليط النفي هنا على جملة اسمية للدلالة على ثبات النفي.

وأكد ذلك الثبات بالباء المزيدة لتأكيد النفي.

ووجه إيثار هذه الجملة بهاذين التحقيقين هو أنه لما أفضى الكلام إلى نفي اهتدائهم وكان اهتداؤهم غاية مطمح الرسول صلى الله عليه وسلم كان المقام مشعراً ببقية من طمعه في اهتدائهم حرصاً عليهم فأكد له ما يقلع طمعه، وهذا كقوله تعالى ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ [القصص: 56] وقوله ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ [ق: 45].

وسيجيء في تفسير نظير هذه الآية من سورة الروم توجيه لتعداد التشابيه الثلاثة زائداً على ما هنا فانظره.

وقرأ حمزة وحده ﴿ وما أنت تهدي ﴾ بمثناه فوقيه في موضع الموحدة وبدون ألف بعد الهاء.

﴿ ضلالتهم إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بھاياتنا فَهُم ﴾ .

استئناف بياني لترقب السامع معرفة من يهتدون بالقرآن.

والإسماع مستعمل في معناه المجازي كما تقدم.

وأوثر التعبير بالمضارع في قوله ﴿ من يؤمن ﴾ ليشمل من آمنوا من قبل فيفيد المضارع استمرار إيمانهم ومن سيؤمنون.

وقد ظهر من التقسيم الحاصل من قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ [النمل: 80] إلى هنا، أن الناس قسمان منهم من طبع الله على قلبه وعلم أنه لا يؤمن حتى يعاجله الهلاك، ومنهم من كتب الله له السعادة فيؤمن سريعاً أو بطيئاً قبل الوفاة.

وفرع عليه ﴿ فهم مسلمون ﴾ المفيد للدوام والثبات لأنهم إذا آمنوا فقد صار الإسلام راسخاً فيهم ومتمكناً منهم، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ اقْتَرَبَ لَكم ودَنا مِنكم: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أعْجَلَ لَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: تَبِعَكم، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَوْمُ بَدْرٍ.

الثّانِي: عَذابُ القَبْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَما مِن غائِبَةٍ ﴾ الآيَةَ.

فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الغائِبَةَ القِيامَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ وغَيَّبَهُ عَنْهم، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفِي ﴿ كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

الثّانِي: القَضاءُ المَحْتُومُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للكافر كما لا يسمع الميت كذلك لا يسمع الكافر، ولا ينتفع به ﴿ ولا يسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ﴾ يقول: لو أن أصم ولى مدبراً ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يستمع.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ ﴾ فالعمي: هم، و ﴿ ضَلَالَتِهِمْ ﴾ كفرهم وجهالتهم.

فالمعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان.

وقراءة العامة ﴿ بِهَادِي الْعُمْيِ ﴾ على اسم الفاعل مضافًا، واسم الفاعل للحال، أو للآتي، وإذا كان كذلك كانت الإضافة في نية الانفصال (١) ﴿ تَهْدِي الْعُمْيَ ﴾ (٢) ﴿ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ ﴾ ومعنى الآية: إنك لا تهديهم لشدة عنادهم، وفَرْط إعراضهم، فإذا كان كذلك كان وجه القراءة: وما أنت تهدي العمي (٣) قال أحمد بن موسى: وكتب ﴿ بِهَادِي الْعُمْيِ ﴾ في هذه السورة بياء، وكتب الذي في الروم بغير ياء (٤) قال أبو علي: الوقف على: ﴿ هَادِ ﴾ و ﴿ وَالٍ ﴾ و ﴿ وَاقٍ ﴾ (٥) (٦) ﴿ بِهَادِي ﴾ الإضافة فلم ينون، فإذا لم ينون لم يلزم أن تحذف الياء.

أو يكون أريد بـ: تهدي تفعل ولم يُرَد به اسم الفاعل، فإذا أريد: تَفعَلُ ثبتت الياء في الوصل والوقف، ولعل حمزة في قراءته ﴿ تَهْدِي ﴾ اعتبر ذلك إذ كان في الخط مكتوبًا بغير ألف (٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُسْمِعُ ﴾ أي: ما تسمع (٨) (٩) ﴿ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ﴾ (١٠) (١١) وقال مقاتل: إلا من صدق بالقرآن أنه من الله ﴿ فَهُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ : أي مخلصون بتوحيد الله (١٢) (١) هكذا: الانفصال.

في نسخة: (أ)، (ب)، وهو موافق لما في "الحجة".

وفي نسخة: (ج): الاتصال.

(٢) "السبعة في القراءات" 486، و"الحجة" 5/ 404، و"النشر" 2/ 339.

(٣) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 404.

(٤) في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ  ﴾ .

أحمد بن موسى، == هو أبو بكر بن مجاهد.

"السبعة في القراءات" 486.

وذكره عنه أبو علي، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 404.

وذكر ذلك الداني، "المقنع" 96.

(٥) كلمة هاد، بالكسر وردت في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ سورة الحج: 54، ﴿ وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ ﴾ سورة الروم: 53.

وكلمة وال، وردت في قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ  ﴾ وكلمة: واق، وردت في قوله تعالى: ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ  ﴾ ﴿ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ  ﴾ ﴿ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ  ﴾ .

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).

(٧) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 405.

قال الداني: في بعض المصاحف: ﴿ تَهْدِي الْعُمْيَ ﴾ بالتاء بغير ألف، وفي بعضها (بهادي) بألف وياء بعد الدال.

"المقنع" 96.

(٨) "تفسير مقاتل" 62 أ.

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 129.

(١١) ذكره عنه القرطبي 13/ 233.

(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2921، عن زهير بن محمد، وعن ابن عباس بلفظ: موحدون.

وهو قول مقاتل 62 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ﴾ شبه من لا يسمع ولا يعقل بالموتى؛ في أنهم لا يسمعون وإن كانوا أحياء، ثم شبههم بالصم وبالعُمي وإن كانوا صحاح الحواس، وأكد عدم سماعهم بقوله: ﴿ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ ، لأن الأصم إذا أدبر وبعد عن الداعي زاد صممه وعدم سماعه بالكلية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أيذا ﴾ ﴿ أينا ﴾ بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد.

مثله ولكن بالمد: ابو عمرو وزيد ﴿ أيذا ﴾ بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة ﴿ إنا ﴾ بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل ﴿ إذا ﴾ من غير همزة الاستفهام ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة ﴿ إنا ﴾ بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم.

﴿ ولا يسمع ﴾ بفتح الياء التحتانية ﴿ الصم ﴾ بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في "الروم".

الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ ﴿ وما أنت تهدي ﴾ على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في "الروم" حمزة.

الباقون ﴿ بهادي ﴾ على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصوراً على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل.

الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام.

﴿ فزع ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الوقوف: ﴿ لمخرجون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بمقول الكفار ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ بحكمه ﴾ ج تعظيماً للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين ﴿ العليم ﴾ ه ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى اي إذا كان الحكم لله فأسرع اتوكل ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ تكلمهم ﴾ ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ السحاب ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ خير منها ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء ﴿ آمنون ﴾ ه لا لعطف جملتي الشرط ﴿ في النار ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ز للعارض وطول الكلام مع العطف ﴿ المسلمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ القرآن ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ فتعرفونها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً عند الحس.

قال النحويون: العامل في "إذا" ما دل عليه ﴿ أئنا لمخرجون ﴾ وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة.

وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد "أن" واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في "إذا" و "أن" جميعاً إنكار على إنكار.

والضمير في "أنا" لهم ولآبائهم جميعاً وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله ﴿ لقد وعدنا ﴾ وبيان المتشابه فليدّكر.

ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة.

ولم تؤنث "كان" لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم.

والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم اياماً كان؛ فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع.

ومعنى قوله ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ الآية.

قد مر في آخر "النحل".

وفي هذه الآي تسلية لرسول الله  على ما كان يناله من قومه.

ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم ﴿ عسى أن يكون ﴾ وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون.

وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال ﴿ ردف لكم بعض الذي ﴾ دون أن يقول "ردف لكم الذي".

واللام زائدة للتأكيد كالباء في ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو أريد أزف لكم ودنا لكم يتضمن فعل يتعدى بالام ومعناه تبعكم ولحقكم.

وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلاً في الدنيا فلهذا ذكر البعض.

ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيتسعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن.

ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم مايخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله  ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك.

ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالرواية في قولهم "ويل للشاعر من راوية السوء" كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة.

ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه  أمياً، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم.

ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمة أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فيما يريد ﴿ العليم ﴾ بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم.

ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم.

وقوله ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبراً وهداه عن الضلالة كقولك "سقاه عن العيمة".

ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته ﴿ فهم مسلمون ﴾ أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية.

ثم هدد المكلفين بذكر طرف من اشراط الساعة وما بعدها فقال ﴿ وإذا وقع القول ﴾ اي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه ﴿ عليهم ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض ﴾ وهي الجساسة.

وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه: أحدها في مقدار جسمها.

فقيل: إن طولها ستون ذراعاً.

وقيل: إن راسها يبلغ السحاب.

وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.

وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً.

وثالثها في كيفية خروجها؛ عن علي  أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.

وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.

ورابعها مكان خروجها، "سئل النبي  من أين تخرج الدابة؟

فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله" يعني المسجد الحرام.

وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.

وخامسها في عدد خروجها؛ روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة.

وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات.

ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت ﴿ بآياتنا ﴾ أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا.

وإنما هي خيل مولاه وبلاده.

عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.

وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.

روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه "مؤمن" وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه "كافر".

وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار.

وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.

ثم ذكر طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة قائلاً ﴿ ويوم ﴾ أي واذكر يوم ﴿ نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ ممن يكذب ﴾ هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة.

وقد مر معنى قوله ﴿ فهم يوزعون ﴾ في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار.

وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.

والواو في قوله ﴿ ولم تحيطوا ﴾ للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب.

ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه.

قال جار الله: ﴿ أمّاذا كنتم تعملون ﴾ للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك.

وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله.

وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟

لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل.

قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله ﴿ ووقع القول عليهم ﴾ أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار.

ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال ﴿ ألم يروا ﴾ الآية.

ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق ايضاً منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟

ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في "يونس".

والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.

ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ وقد تقدم تفسيره في "طه" و"المؤمنين".

وقوله ﴿ ففزع ﴾ كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة.

وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

وقيل: هم الشهداء.

وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش.

وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ ففزع ﴾ موافقة لقوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وفي "الزمر" قال ﴿ فصعق  ﴾ لأن معناه فمات وقد سبق ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون  ﴾ .

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين أذلاء.

وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية.

وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.

قال أهل المناظرة: إن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً، فأخبر الله  أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد.

﴿ وهي تمرّ مرّ السحاب ﴾ قال جار الله ﴿ صنع الله ﴾ من المصادر المؤكدة كقوله "وعد الله" إلا أن مؤكدة محذوف وهو الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب.

قلت: لا يبعد أن يكون الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ هو "اذكر" مقدراً، ويكون ﴿ صنع الله ﴾ مصدراً مؤكداً لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله.

قال القاضي عبد الجبار: في قوله ﴿ أتقن كل شيء ﴾ دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه.

وأجيب بأن الاية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات.

قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ وإذا كان خبيراً بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم.

ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ إلى آخر الآيتين.

وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعروفة والإخلاص فلا جزاء لها سوء الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلاً لذلك.

وقيل: المراد فله خير حاصل منها.

وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم.

وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلداً.

ثم وعد المحسنين أمراً آخر وهو قوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وآمن يعدّى بالجار وبنفسه.

والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون.

وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين.

وقوله ﴿ هل تجزون ﴾ الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول.

ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها: عبادة الرب  .

ثم وصف الرب بأمرين احترازاً من ارباب أهل الشرك أولهما كونه رباً لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله.

وفيه نوع منة عليهم كقوله ﴿ حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم  ﴾ وثانيهما عام وهو قوله ﴿ وله كل شيء ﴾ ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه.

ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه اي أتباعه وقد قام رسول الله  بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء وبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار.

ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.

قاله الحسن.

وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا.

﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ ولكنه من وراء جزاء العاملين.

التأويل: ﴿ قل سيروا ﴾ في أرض البشرية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ﴾ لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال ﴿ وما من غائبة ﴾ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ وهو علم الله  أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال ﴿ إن ربك يقضي بينهم ﴾ اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا  إلى مقام المحبة.

فاتبعوني يحببكم الله ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق هذا المقام.

﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ في دعوة الخلق إلى الله ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية ﴿ أخرجنا لهم ﴾ من تحت أرض البشرية ﴿ دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل.

﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة ﴿ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون ﴾ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله "من عرف الله كل لسانه" ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ﴾ جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل.

﴿ ويوم ينفخ ﴾ إسرافيل المحبة في صور القلب ﴿ ففزع ﴾ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية ﴿ إلا من شاء الله ﴾ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب.

وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة ﴿ إلا من شاء الله ﴾ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية ﴿ وترى ﴾ جبال الأشخاص ﴿ جامدة ﴾ على حالها ﴿ وهي تمر ﴾ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق ﴿ مر السحاب ﴾ ﴿ رب هذه البلدة ﴾ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ دون أن يقول "في قلوب الناس" ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قوله: ﴿ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ مقطوع من قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ ؛ كأنه قال: ﴿ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: يبين لهم، ثم قال على الاستئناف: ﴿ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .

وقال بعضهم: لا، ولكن هو موصول بعضه ببعض؛ ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ ﴾ أي: يبين على بني إسرائيل أكثر ما اختلفوا فيه.

فإن كان على ما يقول هذا، فهم بأنفسهم يبينون الاختلاف الذي هم فيه لا يحتاج إلى أن يبين القرآن الذي هم فيه يختلفون؛ إذ هم يبينون ما اختلفوا فيه.

ولكن تأويله - والله أعلم - إن هذا القرآن يبين لهم الحكم في أكثر ما يختلفون، أو يبين لهم الحق في أكثر ما يختلفون فيه.

وفي ظاهر الآية أنه يبين لهم أكثر الذي هم فيه يختلفون: أنه قد بقي شيء مما اختلفوا فيه لم يبين لهم؛ حيث قال: ﴿ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ، لكن قوله: ﴿ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أي: يبين لهم ما فيه نص القرآن، ولم يبين لهم ما فيه دليل القرآن، أو يبين لهم ما فيه نص القرآن ولم يبين ما فيه سنة القرآن ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ أي: القرآن الذي ذكر، ﴿ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ أي: هدى ورحمة، أي: هدى من الضلالة لمن اتبعه في الدنيا وعمل به، ورحمة في دفع العذاب عنهم في الآخرة، فيكون هو هدى ورحمة لمن آمن به.

وقوله: ﴿ إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ ﴾ : حكمه: هو عدله؛ كأنه يقول: إن ربك يقضي بينهم بعدله، لا يجور ولا يظلم في الحكم والقضاء.

﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : الذي لا يخفى عليه شيء؛ عزيز بذاته عالم بذاته.

وقوله: ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: توكل على الله واعتمد عليه، ولا تخف مكرهم وما يريدون ويقصدون أن يكيدوا بك؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ ﴾ ؛ لأن معك حججا وبراهين، وليس مع أولئك حجج وبراهين، وإن كان كل منهم يقول: إنا على الحق، فأنت على الحق المبين لا هم؛ لأن معك حججا وبراهين؛ فالذي أنت عليه حق، وإن الذي هم عليه باطل ليس بحق.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: "بلغنا أن رسول الله  نادى يوم بدر: يا فلان ويا فلان - وهم قتلى بعدما أمر أن يجمعوا في قليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟!

ألم تكذبوا نبيكم وتكفروا بربكم وتقطعوا أرحامكم" ؟!

فأنزل الله هذه الآية: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

لكن عندنا أن الله  سمى الكافر: ميتاً في غير آي من القرآن؛ لما لم يجهدوا أنفسهم في عبادة الله ولا استعملوها في طاعته، فهم كالموتى، وسماهم: صما؛ لما لم يسمعوا الحق ولم يقبلوه، وسماهم: بكما؛ لما لم ينطقوا بالحق ولا تكلموا به، وسماهم: عميا؛ لما لم يبصروا الحق، وسماهم: موتى؛ لما لم يستعملوا أيديهم في الحق؛ فنفى عنهم هذه الحواس لما لم ينتفعوا بهذه الحواس، ولا استعملوها فيما أنشئت وخلقت وإن كانت لهم هذه الحواس؛ فعلى ذلك سماهم: موتى وهلكى، وفي موضع آخر شبههم بالأنعام وأخبر أنهم أضل؛ لما لم يستعملوا أنفسهم فيما أنشئت هي له، ولم ينتفعوا بها.

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ﴾ : أخبر أنه لا يقدر على أن يسمع الصم إذا ولوا مدبرين، ولا يقدر أن يسمع الصم وإن أتوا مقبلين ولو يولوا؟

قيل: معناه - والله أعلم - أنهم صاروا صما لا ينتفعون بما سمعوا لإعراضهم وترك إمكان النظر فيه، ولو أقبلوا إليه لانتفعوا به، فيصير مسمعا لهم؛ يخبر عن شدة تعنتهم ومكابرتهم أنهم كالصم المدبرين، لا يمكن إسماعهم بحال ولا تفهيمهم وإن جهد، وأما الصم المقبلون فإنهم قد يمكن إسماعهم وتفهيمهم بجهد بالإشارة والإيماء، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ ﴾ ، وفي بعض القراءات: ﴿ وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم ﴾ ، هذا يدل أن ليس كل الهدى البيان على ما قالت المعتزلة؛ لأنه لو كان الهدى كله بياناً في جميع المواضع على ما قالوا هم، لكان رسول الله  يقدر أن يبين للكفار عن ضلالتهم، وقد بين لهم، ثم أخبر رسوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ ﴾ ، فدل هذا أن عند الله هداية ولطفاً إذا سألوه وطلبوا منه ذلك وأعطاهم لاهتدوا به وآمنوا، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم.

وقوله: ﴿ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ﴾ أي: ما تسمع إلا أهل الإيمان بالآيات وأهل الإسلام منهم، فأما أهل العناد والمكابرة فلا.

وقوله: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم ﴾ أي: إذا وقعت الحجة عليهم ولزمت فكذبوها أخرجنا لهم دابة.

وقال بعضهم: وإذا وقعت السخطة والغضب عليهم أخرجنا لهم دابة.

وقال قائلون: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم ﴾ ، أي: إذا بلغوا في الكفر حدّاً يعلم الله أنهم لا يؤمنون أبداً بعد ذلك ﴿ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً ﴾ ، لكن قد ذكرنا في غير موضع: أن هذا لا يصح ولا يجوز؛ إذ الله - عز وجل - لم يزل عالماً بما كان ويكون منهم أبد الآبدين، فليس علمه بأحوالهم بما يكون منهم إذا بلغوا ذلك الحدّ، بل لم يزل عالماً بما يكون منهم، وهذا الحرف الذي يقول القائل يومئ إلى أنه إنما يعلم ذلك منهم إذا بلغوا ذلك الحدّ وقبل ذلك لا، فهو قبيح.

وقول من قال: إذا وقعت الحجة عليهم؛ فهو لا يحتمل أيضاً؛ لأن الحجة قد كانت قامت قبل ذلك الوقت، وليست تقوم الحجة عليهم في ذلك الوقت.

فيكون التأويل أحد وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من وقوع العذاب، ووجوب العقوبة والسخطة عليهم؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ  ﴾ أي: العذاب وجب عليهم.

والثاني: أي: إذا أتى وقت خروج الدابة التي وعدنا لهم أنها تخرج، أخرجناها لهم في ذلك الوقت، أي: لا يتقدم خروجها عن الوقت الموعود ولا يتأخر؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ ، وهكذا كل شيء جعل الله لظهور ذلك وكونه وقتاً لا يتقدم ولا يتأخر ذلك الوقت؛ هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية.

وقوله: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ ﴾ : قراءة العامة بالتشديد: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ من التكليم والتحديث؛ وكذلك في بعض الحروف: ﴿ تحدثهم وتنبئهم ﴾ ، وقد قرئ: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ بالتخفيف وهو من الجراحة، وهو ما ذكر في الأخبار والقصص أن الدابة إذا خرجت تجرح الكافر، وتسمه بسمة وعلامة، حتى يعرف الكافر من المؤمن فيقال: يا مؤمن ويا كافر.

وسئل ابن عباس عن ذلك؟

فقال: "تكلم المؤمن وتحدثه، وتجرح الكافر"، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ ﴾ ؛ اختلف في تلاوته، وتأويله: ﴿ أَنَّ ٱلنَّاسَ ﴾ بنصب الألف، و ﴿ أَنَّ ٱلنَّاسَ ﴾ بكسرها، فمن قرأ بالنصب: ﴿ أَنَّ ٱلنَّاسَ ﴾ جعل ذلك القول من الدابة، ثم يخرج على وجهين: أحدهما: تقول الدابة: إن الناس كانوا بي وبخروجي لما وعدوا لا يوقنون أني أخرج، فهأنذا خرجت.

والثاني: أنها تخبر عن الله وتنبئ أن الناس كانوا بالدابة وبغيرها من الآيات لا يوقنون.

ومن قرأ بالخفض ﴿ إِنَّ ﴾ يجعل ذلك القول من الله ابتداءَ إخبارٍ: أنهم كانوا لا يزالون لا يوقنون.

وفي خروج الدابة أعظم آيات في إثبات رسالة رسول الله ونبوته؛ لأنه أخبر أنها تخرج في وقت كذا؛ فتخرج على ما أخبر في ذلك الوقت على الوصف الذي وصف؛ فتدلهم على صدقه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولست بهادي من عميت بصائرهم عن الحق، فلا تحزن عليهم وتتعب نفسك، لا تُسْمِع دعوتك إلا من يؤمن بآياتنا فهم منقادون لأوامر الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.2267O"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله