الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ١٠ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 88 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن فؤاد أم موسى ، حين ذهب ولدها في البحر ، إنه أصبح فارغا ، أي : من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى .
قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبو عبيدة ، والضحاك ، والحسن البصري ، وقتادة ، وغيرهم .
( إن كادت لتبدي به ) أي : إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد ، وتخبر بحالها ، لولا أن الله ثبتها وصبرها ، قال الله تعالى : ( لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين)
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عنى الله أنه أصبح منه فؤاد أمّ موسى فارغا, فقال بعضهم: الذي عنى جلّ ثناؤه أنه أصبح منه فؤاد أمّ موسى فارغا: كل شيء سوى ذكر ابنها موسى.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن العلاء, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: ثنا الأعمش, عن مجاهد, وحسان أبي الأشرس عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, في قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فرغ من كلّ شيء إلا من ذكر مُوسى.
حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن حسان, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فارغًا من كلّ شيء إلا من ذكر موسى.
حدثنا محمد بن عمارة, قال: ثنا عبد الله, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن رجل, عن ابن عباس ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فارغا من كلّ شيء إلا من همّ موسى.
حدثنا عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: يقول: لا تذكر إلا موسى.
حدثنا محمد بن عمارة, قال: ثنا عبد الله, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: من كل شيء غير ذكر موسى.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فرغ من كل شيء، إلا من ذكر موسى.
حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي, قال: ثنا ضمرة بن ربيعة, عن ابن شوذب, عن مطر, في قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فارغا من كل شيء، إلا من هم موسى.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ): أي: لاغيًا من كلّ شيء, إلا من ذكر موسى.
حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فرغ من كلّ شيء، غير ذكر موسى.
وقال آخرون: بل عنى أن فؤادها أصبح فارغا من الوحي الذي كان الله أوحاه إليها، , إذ أمرها أن تلقيه في اليمّ فقال وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ قال: فحزنت ونسيت عهد الله إليها, فقال الله عز وجل: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) من وحينا الذي أوحيناه إليها.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) قال: فارغا من الوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر, ولا تخاف ولا تحزن، قال: فجاءها الشيطان, فقال: يا أمّ موسى, كرهت أن يقتل فرعون موسى, فيكون لك أجره وثوابه، وتولَّيت قتله, فألقيتيه في البحر وغرقتيه, فقال الله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) من الوحي الذي أوحاه إليها.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, قال: ثني الحسن, قال: أصبح فارغا من العهد الذي عهدنا إليها, والوعد الذي وعدناها أن نردَّ عليها ابنها, فنسيت ذلك كله, حتى كادت أن تُبْدِي به لولا أن ربطنا على قلبها.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: قال ابن إسحاق: قد كانت أمّ موسى ترفع له حين قذفته في البحر, هل تسمع له بذكر؟
حتى أتاها الخبر بأن فرعون أصاب الغداة صبيا في النيل في التابوت, فعرفت الصفة, ورأت أنه وقع في يدي عدوّه الذي فرّت به منه, وأصبح فؤادها فارغا من عهد الله إليها فيه، قد أنساها عظيم البلاء ما كان من العهد عندها من الله فيه.
وقال بعض أهل المعرفة بكلام العرب: معنى ذلك: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) من الحزن, لعلمها بأنه لم يغرق.
قال: وهو من قولهم: دم فرغ (2) أي لا قود ولا دية; وهذا قول لا معنى له؛ لخلافه قول جميع أهل التأويل.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قول من قال: معناه: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) من كلّ شيء، إلا من همّ موسى.
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لدلالة قوله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ) ولو كان عَنَى بذلك: فراغ قلبها من الوحي، لم يعقب بقوله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) لأنها إن كانت قاربت أن تبدي الوحي, فلم تكد أن تبديه إلا لكثرة ذكرها إياه, وولوعها به.
ومحال أن تكون به ولعة إلا وهي ذاكرة.
وإذا كان ذلك كذلك، بطل القول بأنها كانت فارغة القلب مما أوحي إليها.
وأخرى أن الله تعالى ذكره أخبر عنها أنها أصبحت فارغة القلب, ولم يخصص فراغ قلبها من شيء دون شيء, فذلك على العموم إلا ما قامت حجته أن قلبها لم يفرغ منه.
وقد ذُكر عن فضالة بن عبيد أنه كان يقرؤه: " وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَازِعًا " من الفزع.
وقوله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عادت عليه الهاء في قوله: (بِهِ) فقال بعضهم: هي من ذكر موسى, وعليه عادت.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: ثنا الأعمش, عن مجاهد وحسان أبي الأشرس, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) أن تقول: يا ابناه.
قال: ثني يحيى بن سعيد, عن سفيان, عن الأعمش, عن حسان, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) أن تقول: يا ابناه.
حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان عن الأعمش, عن حسان, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) أن تقول: يا ابناه.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) أي: لتبدي به أنه ابنها من شدّة وجدها.
حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: لما جاءت أمه أخذ منها, يعني الرضاع, فكادت أن تقول: هو ابني, فعصمها الله, فذلك قول الله ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ).
وقال آخرون: بِما أوْحَيْنَاهُ إِلَيْهَا: أي تظفر.
والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين ذكرنا قولهم أنهم قالوا: إن كادت لتقول: يا بنياه؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك, وأنه عقيب قوله: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ) فلأن يكون لو لم يكن ممن ذكرنا في ذلك إجماع على ذلك من ذكر موسى, لقربه منه, أشبه من أن يكون من ذكر الوحي.
وقال بعضهم: بل معنى ذلك (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي) بموسى فتقول: هو ابني.
قال: وذلك أن صدرها ضاق إذ نُسب إلى فرعون, وقيل: ابن فرعون.
وعنى بقوله: (لتُبْدِي بِهِ) لتظهره وتخبر به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ): لتشعر به.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) قال: لتعلن بأمره لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين.
وقوله: ( لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ) يقول: لولا أن عصمناها من ذلك بتثبيتناها وتوفيقناها للسكوت عنه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: قال الله ( لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ): أي بالإيمان ( لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: كادت تقول: هو ابني, فعصمها الله, فذلك قول الله: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ).
وقوله: ( لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول تعالى ذكره: عصمناها من إظهار ذلك وقيله بلسانها, وثبتناها للعهد الذي عهدنا إليها( لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بوعد الله, الموقنين به.
------------------------ الهوامش: (2) في (اللسان: فرغ) يقال: ذهب دمه فرغًا وفرغًا (بفتح الفاء وكسرها مع سكون الراء) أي باطلا هدرًا، لم يطلب به .
وأصبح فؤاد أم موسى فارغا قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وأبو عمران الجوني وأبو عبيدة : فارغا أي خاليا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى وقال الحسن أيضا وابن إسحاق وابن زيد : فارغا من الوحي إذ أوحى إليها حين أمرت أن تلقيه في البحر ولا تخافي ولا تحزني والعهد الذي عهده إليها أن يرده ويجعله من المرسلين ; فقال لها الشيطان : يا أم موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فغرقتيه أنت !
ثم بلغها أن ولدها وقع في يد فرعون فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها وقال أبو عبيدة : فارغا من الغم والحزن لعلمها أنه لم يغرق ; وقاله الأخفش أيضا وقال العلاء بن زياد : فارغا نافرا الكسائي : ناسيا ذاهلا وقيل : والها ; رواه سعيد بن جبير .ابن القاسم عن مالك : هو ذهاب العقل ; والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش ، ونحوه قوله تعالى : وأفئدتهم هواء أي جوف لا عقول لها كما تقدم في سورة ( إبراهيم ) وذلك أن القلوب مراكز العقول ; ألا ترى إلى قوله تعالى : فتكون لهم قلوب يعقلون بها ويدل عليه قراءة من قرأ : ( فزعا ) النحاس : أصح هذه الأقوال الأول ، والذين قالوه أعلم بكتاب الله عز وجل ; فإذا كان فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي .
وقول أبي عبيدة : فارغا من الغم .
غلط قبيح ; لأن بعده إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كادت تقول : واابناه !
وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه ومحمد بن السميقع وأبو العالية وابن محيصن : ( فزعا ) بالفاء والعين المهملة من الفزع ، أي خائفة عليه أن يقتل ابن عباس : ( قرعا ) بالقاف والراء والعين المهملتين ، وهي راجعة إلى قراءة الجماعة ( فارغا ) ولذلك قيل للرأس الذي لا شعر عليه : أقرع ; لفراغه من الشعر وحكى قطرب أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : ( فرغا ) : بالفاء والراء والغين المعجمة من غير ألف ، وهو كقولك : هدرا وباطلا ; يقال : دماؤهم بينهم فرغ أي هدر ; والمعنى بطل قلبها وذهب وبقيت لا قلب لها من شدة ما ورد عليها .
وفي قوله تعالى : ( وأصبح ) وجهان : أحدهما : أنها ألقته ليلا فأصبح فؤادها في النهار فارغا .
الثاني : ألقته نهارا ، ومعنى : ( وأصبح ) أي صار ; كما قال الشاعر :مضى الخلفاء بالأمر الرشيد وأصبحت المدينة للوليد[ ص: 237 ] إن كادت لتبدي به أي إنها كادت ; فلما حذفت الكناية سكنت النون فهي ( إن ) المخففة ولذلك دخلت اللام في ( لتبدي به ) أي لتظهر أمره ; من : بدا يبدو : إذا ظهر .
قال ابن عباس : أي تصيح عند إلقائه : واابناه السدي : كادت تقول لما حملت لإرضاعه وحضانته : هو ابني .
وقيل : إنه لما شب سمعت الناس يقولون : موسى ابن فرعون ; فشق عليها وضاق صدرها ، وكادت تقول : هو ابني ، وقيل : الهاء في ( به ) عائدة إلى الوحي ، تقديره : إن كادت لتبدي بالوحي الذي أوحيناه إليها أن نرده عليها ، والأول أظهر .
قال ابن مسعود : كادت تقول : أنا أمه .
وقال الفراء : إن كادت لتبدي باسمه لضيق صدرها لولا أن ربطنا على قلبها قال قتادة : بالإيمان السدي : بالعصمة وقيل : بالصبر .
والربط على القلب : إلهام الصبر لتكون من المؤمنين أي من المصدقين بوعد الله حين قال لها : إنا رادوه إليك وقال ( لتبدي به ) ولم يقل ( لتبديه ) لأن حروف الصفات قد تزاد في الكلام ; تقول : أخذت الحبل وبالحبل .
وقيل : أي لتبدي القول به .
ولما فقدت موسى أمه، حزنت حزنا شديدا، وأصبح فؤادها فارغا من القلق الذي أزعجها، على مقتضى الحالة البشرية، مع أن اللّه تعالى نهاها عن الحزن والخوف، ووعدها برده.{ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أي: بما في قلبها { لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } فثبتناها، فصبرت، ولم تبد به.
{ لِتَكُونَ } بذلك الصبر والثبات { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } فإن العبد إذا أصابته مصيبة فصبر وثبت، ازداد بذلك إيمانه، ودل ذلك، على أن استمرار الجزع مع العبد، دليل على ضعف إيمانه.
وقوله تعالى : ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ) أي : خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى وهمه ، وهذا قول أكثر المفسرين .
وقال الحسن : " فارغا " أي : ناسيا للوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن ، والعهد الذي عهد أن يرده إليها ويجعله من المرسلين ، فجاءها الشيطان فقال : كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله فألقيته في البحر ، وأغرقته ، ولما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل قالت : إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه ، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها .
وقال أبو عبيدة : " فارغا " أي : فارغا من الحزن ؛ لعلمها بصدق وعد الله تعالى .
وأنكر القتيبي هذا ، وقال : كيف يكون هذا والله تعالى يقول : " إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها " ؟
والأول أصح .
قول الله - عز وجل - : ( إن كادت لتبدي به ) قيل الهاء في " به " راجعة إلى موسى ، أي : كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة وجدها .
وقال عكرمة عن ابن عباس : كادت تقول : وابناه .
وقال مقاتل : لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر خشيت عليه الغرق فكادت تصيح من شفقتها .
وقال الكلبي : كادت تظهر أنه ابنها ، وذلك حين سمعت الناس يقولون لموسى بعدما شب : موسى بن فرعون ، فشق عليها فكادت تقول : بل هو ابني .
وقال بعضهم : الهاء عائدة إلى الوحي أي : كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أن يرده إليها .
( لولا أن ربطنا على قلبها ) بالعصمة والصبر والتثبيت ، ( لتكون من المؤمنين ) المصدقين لوعد الله حين قال لها : ( إنا رادوه إليك )
«وأصبح فؤاد أم موسى» لما علمت بالتقاطه «فارغاً» مما سواه.
«إن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنها «كادت لتبدي به» أي بأنه ابنها «لولا أن ربطنا على قلبها» بالصبر أي سكناه «لتكون من المؤمنين» المصدقين بوعد الله وجواب لولا دل عليه ما قبله.
وأصبح فؤاد أم موسى خاليًا من كل شيء في الدنيا إلا من همِّ موسى وذكره، وقاربت أن تُظهِر أنه ابنها لولا أن ثبتناها، فصبرت ولم تُبْدِ به؛ لتكون من المؤمنين بوعد الله الموقنين به.
ثم صورت السورة الكريمة تصويرا بديعا مؤثرا ، ما كانت عليه أم موسى من لهفة وقلق ، بعد أن فارقها ابنها ، فقال - تعالى - : ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً ) أى : وبعد أن ألقت أم موسى به فى اليم ، والتقطه آل فرعون ، وعلمت بذلك أصبح قلبها وفؤادها خاليا من التفكير فى أى شىء فى هذه الحياة ، إلا فى شىء واحد وهو مصير ابنها موسى - عليه السلام - .وفى هذا التعبير ما فيه من الدقة فى تصوير حالتها النفسية ، حتى لكأنها صارت فاقدة لكل شىء فى قلبها سوى أمر ابنها وفلذة كبدها .قال ابن كثير : قوله - تعالى - : ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً ) من كل شىء من أمور الدنيا إلا من موسى .
قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن البصرى ، وقتادة .
.
.
وغيرهم .و ( إِن ) فى قوله - تعالى - ( إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) هى المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ، وتبدى بمعنى تظهر ، من بدا الشىء يبدو بدوا إذا ظهر ظهورا واضحا .والضمير فى ( بِهِ ) يعود إلى موسى - عليه السلام - .أى : وصار فؤاد أم موسى فارغا من كل شىء سوى التكفير فى مصيره ، وإنها كادت لتصرح للناس بأن الذى التقطه آل فرعون ، هو ابنها ، وذلك لشدة دهشتها وخوفها عليه من فرعون وجنده .وجواب الشرط فى قوله - تعالى - ( لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا ) محذوف دل عليه ما قبله .وأصل الربط : الشد والتقوية للشىء .
ومنه قولهم فلان رابط الجأش ، أى : قوى القلب .وقوله - تعالى - : ( لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين ) علة لتثبيت قلبها وتقويته ، فهو متعلق بقوله ( رَّبَطْنَا ) .أى : ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله - تعالى - ، وأنه سيرد إليها ابنها ، كى تقر عينها ولا تحزن .
ذكروا في قوله: ﴿ فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً ﴾ وجوهاً: أحدها: قال الحسن فارغاً من كل هم إلا من هم موسى عليه السلام.
وثانيها: قال أبو مسلم فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ﴾ .
وثالثها: قال صاحب الكشاف فارغاً صفراً من العقل، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والخوف.
ورابعها: قال الحسن ومحمد بن إسحاق فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها أن ألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك فجاءها الشيطان فقال لها كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه، ولما أتاها خبر موسى عليه السلام أنه وقع في يد فرعون فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها.
وخامسها: قال أبو عبيدة: فارغاً من الحزن لعلمها بأنه لا يقتل اعتماداً على تكفل الله بمصلحته قال ابن قتيبة: وهذا من العجائب كيف يكون فؤادها فارغاً من الحزن والله تعالى يقول: ﴿ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع أنها لشدة ثقتها بوعد الله لم تخف عند إظهار اسمه، وأيقنت أنها وإن أظهرت فإنه يسلم لأجل ذلك الوعد إلا أنه كان في المعلوم أن الإظهار يضر فربط الله على قلبها، ويحتمل قوله: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا ﴾ بالوحي فأمنت وزال عن قلبها الحزن، فعلى هذا الوجه يصح أن يتأول على أن قلبها سلم من الحزن على موسى أصلاً، وفيه وجه ثالث: وهو أنها سمعت أن امرأة فرعون عطفت عليه وتبنته إن كادت لتبدي به بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحاً بما سمعت، لولا أن سكنا ما بها من شدة الفرح والابتهاج ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ الواثقين بوعد الله تعالى لا يتبنى امرأة فرعون اللعين وبعطفها، وقرئ (قرعاً) أي خالياً من قولهم أعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء وفرغاً من قولهم: دماؤهم بينهم فرغ أي هدر يعني بطل قلبها من شدة ما ورد عليها.
أما قوله: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ ﴾ فاعلم أن على قول من فسر الفراغ بالفراغ من الحزن، قد ذكرنا تفسير قوله: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِى ﴾ وأما على قول من فسر الفراغ بحصول الخوف فذكروا وجوهاً: أحدها: قال ابن عباس كادت تخبر بأن الذي وجدتموه ابني، وقال في رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع، وقال الكلبي ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون وقال السدي لما أخذ ابنها كادت تقول هو ابني فعصمها الله تعالى، ثم قال: ﴿ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا ﴾ بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ من المصدقين بوعد الله وهو قوله: ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ﴾ .
أما قوله: ﴿ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ ﴾ أي اتبعي أثره وانظري إلى أين وقع وإلى من صار وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما أبصرته، قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى واحد وقوله: ﴿ عَن جُنُبٍ ﴾ أي عن بعد وقرئ عن جانب وعن جنب والجنب الجانب أي نظرت نظرة مزورة متجانبة ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ بحالها وغرضها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَارِغاً ﴾ صفراً من العقل.
والمعنى: أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع والدهش.
ونحو قوله تعالى: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ﴾ [إبراهيم: 43] أي جوّف لا عقول فيها ومنه بيت حسان: أَلاَ أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي ** فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ وذلك أن القلوب مراكز العقول.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ [الحج: 46] ويدل عليه قراءة من قرأ: فرغاً.
وقرئ: ﴿ قرعاً ﴾ أي خالياً من قولهم: أعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء.
وفرغاً، من قولهم: دماؤهم بينهم فرغ، أي هدر، يعني: بطل قلبها وذهب، وبقيت لا قلب لها من شدّة ما ورد عليها ﴿ لَتُبْدِى بِهِ ﴾ لتصحر به.
والضمير لموسى والمراد بأمره وقصته، وأنه ولدها ﴿ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا ﴾ بإلهام الصبر، كما يربط على الشيء المنفلت ليقرّ ويطمئن ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ من المصدقين بوعد الله، وهو قوله: ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ﴾ إليك ويجوز: وأصبح فؤادها فارغاً من الهم، حين سمعت أن فرعون عطف عليه وتبناه إن كادت لتبدي بأن ولدها؛ لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً بما سمعت، لولا أنا طامنا قلبها وسكنَّا قلقه الذي حدث به من شدّة الفرح والابتهاج، لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لا بتبني فرعون وتعطفه.
وقرئ: ﴿ مؤسى ﴾ ، بالهمزة: جعلت الضمة في جارة الواو وهي الميم كأنها فيها، فهمزت كما تهمز واو وجوه ﴿ قُصّيهِ ﴾ اتبعي أثره وتتبعي خبره.
وقرئ: ﴿ فبصرت ﴾ بالكسر يقال بصرت به عن جنب وعن جنابة، بمعنى: عن بعد.
وقرئ: ﴿ عن جانب ﴾ ، ﴿ وعن جنب ﴾ .
والجنب: الجانب.
يقال: قعد إلى جنبه وإلى جانبه، أي: نظرت إليه مزورة متجانفة مخاتلة.
﴿ وهم لا يشعرون ﴾ وهم لا يحسون بأنها أخته، وكان اسمها مريم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا ﴾ صِفْرًا مِنَ العَقْلِ لِما دَهَمَها مِنَ الخَوْفِ والحَيْرَةِ حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ أيْ خَلاءٌ لا عُقُولَ فِيها، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «فَرَغًا» مِن قَوْلِهِمْ دِماؤُهم بَيْنَهم فَرَغٌ أيْ هَدْرٌ، أوْ مِنَ الهَمِّ لِفَرْطِ وُثُوقِها بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى أوْ سَماعِها أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ.
﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ أنَّها كادَتْ لَتُظْهِرُ بِمُوسى أيْ بِأمْرِهِ وقِصَّتِهِ مِن فَرْطِ الضَّجَرِ أوِ الفَرَحِ لِتَبَنِّيَهُ.
﴿ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ﴾ بِالصَّبْرِ والثَّباتِ.
﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، أوْ مِنَ الواثِقِينَ بِحِفْظِهِ لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وعَطْفِهِ.
وقُرِئَ «مُؤْسى» إجْراءً لِلضَّمَّةِ في جِوارِ الواوِ مَجْرى ضَمَّتِها في اسْتِدْعاءِ هَمْزِها هَمْزَ واوٍ وُجُوهٌ وهو عِلَّةُ الرَّبْطِ، وجَوابُ ﴿ لَوْلا ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.
﴿ وَقالَتْ لأُخْتِهِ ﴾ مَرْيَمَ.
﴿ قُصِّيهِ ﴾ اتْبَعِي أثَرَهُ وتَتَبَّعِي خَبَرَهُ.
﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ ﴾ عَنْ بُعْدٍ وقُرِئَ «عَنْ جانِبٍ» «وَعَنْ جَنْبٍ» وهو بِمَعْناهُ.
﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ أنَّها تَقُصُّ أوْ أنَّها أُخْتُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَصْبَحَ} وصار {فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً} صفراً من العقل لما دهمها من فرط الجزع لما سمعت بوقوعه في يد فرعون {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ} لتظهر به والضمير لموسى والمراد بأمره وقصته وأنه ولدها قيل لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت كادت تصيح وتقول واابناه وقيل لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه قتله فكادت تقول واإبناه شفقة عليه وأن مخففة من الثقيلة أي إنها كادت {لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا} لولا ربطنا على قلبها والربط على القلب تقويته بإلهام الصبر {لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين} من المصدقين بوعدنا وهو إنا رادوه إليك وجواب لولا محذوف أي لأبدته أو فارغاً من الهم حين سمعت أن فرعون تبناه إن كادت لتبدي بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً بما سمعت لولا أنا طامنا قلبها وسكنا قلقه الذي حدث به من شدة الفرح لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لا بتبني فرعون قال يوسف بن الحسين أمرت أن موسى بشيئين ونهيت عن شيئين وبشرت ببشارتين فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها فربط
القصص (١٤ - ١١)
﴿ وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا ﴾ أيْ صارَ خالِيًا مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَهُ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ، ونَحْوَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَّبْرِ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى ووَحْيِهِ سُبْحانَهُ إلَيْها تَناسَتْ ذَلِكَ مِنَ الهَمِّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الهَمِّ إذْ لَمْ يَغْرَقْ وسَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ كَما يُقالُ فُلانٌ فارِغُ البالِ وقالَ بَعْضُهُمْ: فارِغًا مِنَ العَقْلِ لِما دَهَمَها مِنَ الخَوْفِ والحَيْرَةِ حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ عَدُوِّهِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ أيْ خَلاءٌ لا عُقُولَ فِيها واعْتُرِضَ عَلى القَوْلَيْنِ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِما لا يُلائِمُ ما بَعْدَهُ وفِيهِ نَظَرٌ، وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو- فُوادُ- بِالواوِ وقَرَأ- مُؤْسى- بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الواوِ، وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ والحَسَنُ ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ- فَزِعًا- بِالزّايِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ مِنَ الفَزَعِ وهو الخَوْفُ والقَلَقُ، وابْنُ عَبّاسٍ قَرِعًا بِالقافِ وكَسْرِ الرّاءِ وإسْكانِها مِن قَرَعَ رَأْسُهُ إذا انْحَسَرَ شَعْرُهُ كَأنَّهُ خَلا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذَكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: قَرْعًا بِالسُّكُونِ مَصْدَرٌ أيْ قَرَعَ قَرْعًا مِنَ القارِعَةِ وهو الهَمُّ العَظِيمُ، وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ فِزْغًا بِفاءٍ مَكْسُورَةٍ وزايٍ ساكِنَةٍ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ومَعْناهُ ذاهِبًا هَدْرًا والمُرادُ هالِكًا مِن شِدَّةِ الهَمِّ كَأنَّهُ قَتِيلٌ لا قَوْدَ ولا دِيَةَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ طُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ في أخِيهِ حَبّالٍ: فَإنْ يَكُ قَبَلِي قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم فَلَنْ يَذْهَبُوا فِزْغًا بِقَتْلِ حَبّالِ وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ- فُرُغًا- بِضَمِّ الفاءِ والرّاءِ ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ أيْ أنَّها كادَتْ إلَخْ عَلى أنَّ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ أوْ ما كادَتْ إلّا تُبْدِي بِهِ عَلى أنَّ إنْ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ والإبْداءُ إظْهارُ الشَّيْءِ وتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّصْرِيحِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ والباءُ سَبَبِيَّةٌ أيْ تُبْدِي حَقِيقَةَ الحالِ بِسَبَبِهِ أيْ بِسَبَبِ ما عَراها مِن فِراقِهِ، وقِيلَ: هي صِلَةٌ أيْ تُبْدِيهِ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّها كادَتْ تُصَرِّحُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَقُولُ وا ابْناهُ مِن شِدَّةِ الغَمِّ والوَجْدِ رَواهُ الجَماعَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها كادَتْ تَصِيحُ وا ابْناهُ عِنْدَ رُؤْيَتِها تَلاطُمِ الأمْواجِ بِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِ مِنَ الغَرَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها كادَتْ تُظْهِرُ أمْرَهُ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ بِنَجاتِهِ وتَبَنِّي فِرْعَوْنَ إيّاهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَحْيِ إنَّها كادَتْ تُظْهِرُ الوَحْيَ وهو الوَحْيُ الَّذِي كانَ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ ﴾ الآيَةَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا تُساعِدُ عَلَيْهِ الرِّواياتُ ﴿ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ﴾ أيْ بِما أنْزَلْنا عَلَيْهِ مِنَ السَّكِينَةِ والمُرادُ لَوْلا أنْ ثَبَّتْنا قَلْبَها وصَبَّرْناها، فالرَّبْطُ عَلى القَلْبِ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ أيْ لَوْلا أنْ رَبْطَنا عَلى قَلْبِها لَأبْدَتْهُ، وقِيلَ: لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ عِلَّةٌ لِلرَّبْطِ عَلى القَلْبِ، والإيمانِ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ أيْ صَبَّرْناها وثَبَّتْنا قَلْبَها لِتَكُونَ راسِخَةً في التَّصْدِيقِ بِوَعْدِنا بِأنّا رادُّوهُ إلَيْها وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، ومَن جَعَلَ الفَراغَ مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ وكَيْدُودَةِ الإبْداءِ مِنَ الفَرَحِ بِتَبَنِّيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو فَرَحٌ مَذْمُومٌ جَعَلَ الإيمانَ بِمَعْنى الوُثُوقِ كَما في قَوْلِهِمْ عَلى ما حَكى أبُو زَيْدٍ: ما آمَنتُ أنْ أجِدَ صَحابَةً أيْ ما وثِقْتُ وحَقِيقَتُهُ صِرْتُ ذا أمْنٍ أيْ ذا سُكُونٍ وطُمَأْنِينَةٍ، وقالَ: المَعْنى لَوْلا أنْ رَبَطَنا عَلى قَلْبِها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الكائِنَ مِنَ الِابْتِهاجِ الفاسِدِ لِتَكُونَ مِنَ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى المُبْتَهِجِينَ بِما يَحِقُّ الِابْتِهاجُ بِهِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ واسمها آسية لفرعون: هذا الغلام قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنه آتانا به الماء من مصر آخر، ومن أرض أخرى، وليس من بني إسرائيل ويقال: إنها قالت: إن هذا كبير ومولود قبل هذه المدة التي أخبر لك عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً فإنه لم يكن له ولد ذكر.
قال فرعون: فهو قرة عين لك، فأما أنا فلا.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «لو قال فرعون أيضاً: هو قرة عين لي لنفعه الله تعالى به، ولكنه أبى» .
ويقال: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي، وقد تمّ الكلام.
ثم قالت: وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ.
قال: وروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقف على قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ثم قال: لا تَقْتُلُوهُ، أي لاَ تَقْتُلُوهُ فلا الثاني إضمار في الكلام، والتفسير الأول أصح.
ثم قال: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: لا يشعر فرعون وقومه أن هلاكهم على يديه.
ثم قال عز وجل: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً يعني: خالياً من كل ذكر وشغل إلا ذكر موسى وهمّه.
ويقال: صار قلبها فارغاً حين بعثت أخته لتنظر، فأخبرتها بأنه قد أخذ في دار فرعون، فسكنت حيث لم يغرق.
ويقال: صار قلبها فارغاً، لأنها علمت أنه لا يقتل.
وروي عن فضالة بن عبيد أنه قرأ: وَأَصْبَحَ فؤاد أم موسى فزعا يعني: خائفاً.
وقراءة العامة فارِغاً، وتفسيره ما ذكرناه.
وقد قيل أيضاً: فارغاً من شغل نفقته.
ثم قال: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ يعني: قد كادت لتظهر به.
قال مقاتل: وذلك أنها لما ألقت التابوت في النيل، فرأت التابوت يرفعه الموج مرة، ويضعه أخرى، فخشيت عليه الغرق، فعند ذلك فزعت عليه، وكادت أن تصيح ويقال: إنه لما كبر كان الناس يقولون: هو ابن فرعون، فشق ذلك عليها، وكادت أن تظهر أن هذا ولدي، وليس بولد فرعون.
ويقال إنها: لما دخل الليل، دخل الغم في قلبها حيث لم تدر أين صار ولدها، فأرادت أن تظهر ذلك لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها أي: ثبتنا قلبها.
ويقال: قوينا قلبها، وألهمناها الصبر لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: من المصدقين بوعد الله تعالى حيث وعد لها بإنا رادوه إليك، فلم تجزع، ولم تظهر.
قوله عز وجل: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ يعني: قالت أم موسى لأخت موسى، وكان اسم أخته: مريم قُصِّيهِ يعني: اتبعي أثره.
ويقال: يعني: امشي بجنبه في الحد، وهو في الماء حتى تعرف من يأخذه فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ يعني: أبصرته عن بعد كما قال وَالْجارِ الْجُنُبِ [النساء: 36] يعني: البعيد منهم من قوم آخرين.
ويقال: عَنْ جُنُبٍ يعني: في جانب وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ أنها أخت موسى.
ويقال: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: وهم لا يعرفون أنها ترقبه.
<div class="verse-tafsir"
وقرأ حمزة، والكسائي «١» «وحْزُناً» - بضمِّ الحاءِ وسكونِ الزاي-، والخاطئ: متعمد الخطإ، والمخطئ الذي لا يتعمده.
وقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ أي: بأنه هو الذي يَفْسَدُ ملكُ فرعونَ على يده قاله قتادة «٢» وغيره.
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي: فارِغاً من كلِّ شيء إلا من ذكر موسَى «٣» .
قاله ابن عباس.
قال مالك: هو ذَهَابُ العَقْلِ، وقالت فرقة: فارِغاً من الصبر.
وقوله تعالى: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي: أَمرِ ابنها، وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: كادتْ أُمُّ مُوسَى أن تَقُول: «وابناه وَتَخْرُجَ سَائِحَةً عَلَى وَجْهِهَا» .
والرَّبْطُ على القلبِ: تأنيسُه وتقويَتُه، ولِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: من المُصَدِّقين بوعدِ اللهِ سبحانه وما أوحي إليها به، وعَنْ جُنُبٍ أي: ناحيةٍ، فمعنى عَنْ جُنُبٍ: عن بُعْد لَمْ تَدنُ مِنْهُ فَيُشْعَرَ لها.
وقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ معناه: أنها أختُه، ووعدُ الله المشار إليه هو الذي أوحاه إليها أولاً، إمَّا بمَلَكٍ/ أو بمَنَامَةٍ، حسْبَمَا تَقَدَّمَ، والقَوْلُ بالإلْهَامِ ضعيف أن يقال ٥٦ أفيه وعدٌ.
وقوله: أَكْثَرَهُمْ يريد به القِبْطَ، والأَشُدُّ: شدة البدن واستحكام أمره وقوته،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فارِغًا مَن كَلِّ شَيْءٍ إلّا مَن ذِكْرِ مُوسى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أصْبَحَ فُؤادُها فَزِعًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهي قِراءَةُ أبِي رَزِينٍ، وأبِي العالِيَةِ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، وعاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، فَإنَّهم قَرَؤُوا: " فَزَعًا " بِزايٍ مُعْجَمَةٍ.
والثّالِثُ: فارِغًا مِن وحْيِنا بِنِسْيانِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ، لِعِلْمِها أنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا مِن أعْجَبِ التَّفْسِيرِ، كَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ واللَّهُ يَقُولُ: ﴿ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ﴾ ؟!
وهَلْ يُرْبَطُ إلّا عَلى قَلْبِ الجازِعِ المَحْزُونِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ في هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُوسى.
ومَتى أرادَتْ هَذا؟
فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ حِينَ فارَقَتْهُ؛ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ [أنَّهُ] قالَ: كادَتْ تَقُولُ: يا بُنَيّاهُ.
قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ مِن شَدَّةٍ وجْدِها.
والثّانِي حِينَ حَمَلَتْ لِرِضاعِهِ ثُمَّ كادَتْ تَقُولُ: هو ابْنِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كَبُرَ وسَمِعَتِ النّاسَ يَقُولُونَ: مُوسى بْنُ فِرْعَوْنَ، كادَتْ تَقُولُ: لا بَلْ هو ابْنِي، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الوَحْيِ؛ والمَعْنى: إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِالوَحْيِ، حَكاهُ ابْن جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْلا رَبَطْنا عَلى قَلْبِها، والرَّبْطُ: إلْهامُ الصَّبْرِ وتَشْدِيدُ القَلْبِ وتَقْوِيتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ.
﴿ وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا، [أيْ]: أُحَيٌّ هو، أوْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟
ونَسِيَتِ الَّذِي وعَدَها اللَّهُ فِيهِ.
وقالَ وهَبٌ: إنَّما قالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، لِأنَّها سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أصابَ صَبِيًّا في تابُوتٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ أُخْتِهِ: مَرْيَمُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " قُصِّيهِ ": قُصِّي أثَرَهُ واتَّبِعِيهِ ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ ﴾ أيْ: عَنْ بُعْدٍ مِنها عَنْهُ وإعْراضٍ، لِئَلّا يَفْطَنُوا، والمُجانَبَةُ مِن هَذا.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ: " عَنْ جَنابٍ " بِفَتْحِ الجِيمِ والنُّونِ وبِألِفٍ بَعْدَهُما.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " عَنْ جانِبٍ " بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ النُّونِ وبَيْنَهُما ألِفٌ.
وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " عَنْ جَنْبٍ " بِفَتْحِ الجِيمِ وإسْكان النُّونِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ ﴾ وهي جَمْعُ مُرْضِعٍ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نَرُدَّهُ عَلى أُمِّهِ، وهَذا تَحْرِيمُ مَنعٍ، لا تَحْرِيمُ شَرْعٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: بَقِيَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، كُلَّما أُتِيَ بِمُرْضِعٍ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، فَأهَمَّهم ذَلِكَ واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ﴿ فَقالَتْ ﴾ لَهم أُخْتُهُ: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ فَقالُوا لَها: نَعَمْ، مَن تِلْكَ؟
فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ قالَتْ لَبَنُ هارُونَ.
فَلَمّا جاءَتْ قِبَلَ ثَدْيِها.
وقِيلَ: إنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿ وَهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ قالُوا: لَعَلَّكِ تَعْرِفِينَ أهْلَهُ، قالَتْ: لا، ولَكِنِّي إنَّما قُلْتُ: وهم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (طَهَ: ٤٠) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ يَرُدُّ ولَدَها ﴿ حَقٌّ ﴾ وهَذا عِلْمُ عَيانٍ ومُشاهَدَةٍ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ اللَّهَ وعَدَها أنْ يَرُدَّهُ إلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ﴾ ﴿ وَقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أو نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عن جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ .
الِالتِقاطُ: اللِقاءُ عَلى غَيْرِ قَصْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ومَنهَلٍ ورَدْتُهُ التِقاطًا لَمْ ألْقَ إذْ ورَدْتُهُ فُرّاطًا و ﴿ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ : أهُلُهُ، ويُرْوَيَ أنَّ آسِيَةَ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ رَأتِ التابُوتَ يَعُومُ في اليَمِّ فَأمَرَتْ بِسَوْقِهِ وفَتْحِهِ، فَرَأتْ فِيهِ صَبِيًّا صَغِيرًا فَرَحَمَتْهُ وأحَبَّتْهُ، وقالَ السُدِّيُّ: إنْ جَوارِيَها كانَ لَهُنَّ فُرْضَةٌ في القَصْرِ عَلى النِيلِ، يَدْخُلُ الماءُ فِيها إلى القَصْرِ حَتّى يَنَلْنَهُ في المَرافِقِ والمَنافِعِ، فَبَيْنا هُنَّ يَغْسِلْنَ في تِلْكَ الفُرْضَةِ إذْ جاءَ التابُوتُ فَحَمَلْنَهُ إلى مَوْلاتِهِنَّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ: رَآهُ فِرْعَوْنَ يَعُومُ فَأمَرَ بِسَوْقِهِ، وآسِيَةٌ جالِسَةٌ مَعَهُ، فَكانَ ما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ، لا أنَّ القَصَدَ بِالِالتِقاطِ كانَ لِأنْ يَكُونَ عَدُوًّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَحَزَنا" بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَحُزْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزايِ، و"الخاطِئُ": مُتَعَمِّدُ الخَطَأ، والمُخْطِئُ: الَّذِي لا يَتَعَمَّدُهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الوَقْتِ الَّذِي قالَتْ فِيهِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ التِقاطِ التابُوتِ لَمّا أشْعَرَتْ فِرْعَوْنَ بِهِ؛ إذْ سَبَقَ إلى وهْمِهِ أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ ذَلِكَ قُصِدَ بِهِ التَخَلُّصُ مِنَ الذَبْحِ، فَقالَ: عَلَيَّ بِالذَبّاحِينَ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ ما ذُكِرَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: أمّا لِي فَلا، قالَ النَبِيُّ : «لَوْ قالَ: نَعَمْ لَآمَنَ بِمُوسى ولَكانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ»، وقالَ السُدِّيُّ: بَلْ رَبَّتْهُ حَتّى دَرَجَ، فَرَأى فِرْعَوْنُ فِيهِ شَهامَةً، وظَنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْذَهُ في يَدِهِ، فَمَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَدَهُ ونَتْفَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، فَهَمَّ حِينَئِذٍ بِذَبْحِهِ، وحِينَئِذٍ خاطَبَتْهُ بِهَذا، واخْتَبَرَتْهُ لَهُ في الجَمْرَةِ والياقُوتَةِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ بِأنَّهُ الَّذِي يَفْسَدُ المُلْكُ عَلى يَدَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "لا تَقْتُلُوهُ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ"، قَدَّمَ وأخَّرَ.
وقَوْلُهُ: "وَأصْبَحَ" عِبارَةٌ عن دَوامِ الحالِ واسْتِقْرارِها، وهي كَظَلَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ لِلْعَبّاسِ يَوْمَ الفَتْحِ: لَقَدْ أصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أخِيكَ اليَوْمَ عَظِيمًا، يُرِيدُ: اسْتَقَرَّ بِهِ حالُهُ عَظِيمًا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فارِغًا" مِنَ الفَراغِ، واخْتُلِفَ في مَعْنى ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فارِغًا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مَن ذِكُرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ مالِكٌ: هو ذِهابُ العَقْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَبْرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ووَحْيِهِ إلَيْها، أيْ: تَناسَتْهُ بالهَمِّ، وفَتَرَ أثَرُهُ في نَفْسِها، وقالَ لَها إبْلِيسُ: فَرَرْتِ بِهِ مِن قَتْلٍ لَكِ فِيهِ أجْرٌ، وقَتَلْتِهِ بِيَدِكِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ؛ إذْ لَمْ يَغْرَقْ، وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عَبِيدٍ -وَيُقالُ: ابْنُ عُبَيْدَةَ -، والحُسْنُ: "فَزَعًا" مِنَ الفَزَعِ -بِالفاءِ والزايِ-، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قَرْعًا" بِالقافِ والراءِ، مِنَ القارِعَةِ، وهي الهَمُّ العَظِيمُ، وقَرَأ بَعْضُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "فَرَغا" بِالفاءِ المَكْسُورَةِ والراءِ الساكِنَةِ والغَيْنِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناها: ذاهِبًا هَدْرًا تالِفًا مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ طَلِيحَةَ الأسْدِيِّ: فَإنْ يَكْ قَتْلى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم ∗∗∗ فَلَنْ يَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبالِ أيْ: هَدْرًا تالِفًا لا يَنْفَعُ.
وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: "فُرُغًا" بِضَمِّ الفاءِ والراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ أيْ أمْرُ ابْنِها، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: كادَتْ أمُّ مُوسى أنْ تَقُولَ: وا ابْناهُ، وتَخْرُجُ صائِحَةً عَلى وجْهِها».
"والرَبْطُ عَلى القَلْبِ" تَأْنِيسُهُ وتَقْوِيَتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلشُّجاعِ والصابِرِ في المَضايِقِ: رابِطُ الجَأْشِ، قالَ قَتادَةُ: ورَبَطَ عَلى قَلْبِها بِالإيمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وبِما أوحى إلَيْها بِهِ.
ثُمْ قالَتْ لِأُخْتِ مُوسى طَمَعًا مِنها وطَلَبًا لَهُ: "قُصِّيهِ"، والقَصُّ: طَلَبَ الأثَرِ، فَيُرْوى أنَّ أُخْتَهُ خَرَجَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ تَبْحَثُ مُتَخَفِّيَةً، فَرَأتْهُ عِنْدَ قَوْمٍ مِن حاشِيَةِ آلِ فِرْعَوْنَ يَطْلُبُونَ لَهُ امْرَأةً تُرْضِعُهُ حِينَ لَمْ يَقْبَلِ المَراضِعَ، و ﴿ عن جُنُبٍ ﴾ أيْ: ناحِيَةٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ ولا قُرْبٌ يُشْعِرُها بِهِ، ويُقالُ: "عن جَنابَةٍ" و "عن جَنابٍ"، ومِنها قَوْلُ الشاعِرِ: لَقَدْ ذَكَّرَتْنِي عن جَنابِ حَمامَةٌ ∗∗∗ بِعُسْفانَ أهْلِي والفُؤادُ حَزِينُ ومِنَ الجَنابَةِ قَوْلُ الأعْشى: أتَيْتُ حُرَيْثًا زائِرًا عن جَنابَةٍ ∗∗∗ وكانَ حُرَيْثٌ عن عَطائِي جامِدًا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ: عن مَكانِ جُنُبِ، أو عن بُعْدٍ، ومَعْنى الآيَةِ: عن بُعْدٍ، لَمْ تَدْنِ مِنهُ فَيَشْعُرُ بِها، وأنْشُدُ أبُو عُبَيْدَةَ لِعَلْقَمَةَ: فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عن جَنابَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي امْرُؤٌ وسَطَ القِبابِ غَرِيبُ وقَرَأ قَتادَةُ: "عن جَنْبٍ" بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وقَرَأ "عن جانِبٍ" النُعْمانُ بْنُ سالِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عن جُنُبٍ" بِضَمِّ الجِيمِ والنُونِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ، وهَذا مِن جُمْلَةِ لَطائِفِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ ولِأُمِّهِ حَسَبَ الوَعْدِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْها.
ويُقالُ: بَصَرْتُ الشَيْءَ وأبْصَرْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ مُتَقارِبٍ، قالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: "عن جُنُبٍ" مَعْناهُ: عن شَوْقٍ، وهي لُغَةٌ لِجَذّامٍ، يَقُولُونَ: جَنَبْتُ إلى لِقائِكَ، أيِ اشْتَقْتُ إلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى "عن جُنُبٍ" أنَّها تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأنَّها تُرِيدُهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أصبح ﴾ مستعمل في معنى (صار) فاقتضى تحولاً من حالة إلى حالة أخرى، أي كان فؤادها غير فارغ فأصبح فارغاً.
والفؤاد مستعمل في معنى العقل واللب.
والفراغ مجازي.
ومعنى فراغ العقل من أمر أنه مجاز عن عدم احتواء العقل على ذلك الأمر احتواء مجازياً، أي عدم جولان معنى ذلك الأمر في العقل، أي ترك التفكير فيه.
وإذ لم يذكر أن فؤاد أم موسى لماذا أصبح فارغاً احتملت الآية معاني ترجع إلى محتملات متعلق الفراغ ما هو.
فاختلف المفسرون في ذلك قديماً، ومرجع أقوالهم إلى ناحيتين: ناحية تؤذن بثبات أم موسى ورباطة جاشها، وناحية تؤذن بتطرق الضعف والشك إلى نفسها.
فأما ما يرجع إلى الناحية الأولى فهو أنه فارغ من الخوف والحزن فأصبحت واثقة بحسن عاقبته تبعاً لما ألهمها من أن لا تخاف ولا تحزن فيرجع إلى الثناء عليها.
وهذا أسعد بقوله تعالى بعد ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ﴾ لأن ذلك الربط من توابع ما ألهمها الله من أن لا تخاف ولا تحزن.
فالمعنى: أنها لما ألقته في اليم كما ألهمها الله زال عنها ما كانت تخافه عليه من الظهور عليه عندها وقتله لأنها لما تمكنت من إلقائه في اليم ولم يشعر بها أحد قد علمت أنه نجا.
وهذا المحمل يساعده أيضاً ما شاع من قولهم: فلان خلي البال: إذا كان لا هم بقلبه.
وهو تفسير أبي عبيدة والأخفش والكسائي وهذا أحسن ما فسرت به وهو من معنى الثناء عليها بثباتها.
وعن ابن عباس من طرق شتى أنه قال: فارغاً من كل شيء إلا ذكر موسى.
وفي هذا شيء من رباطة جاشها إذ فرغ لبها من كل خاطر يخطر في شأن موسى.
وأما زيادة ما أداه الاستثناء بقوله: إلا ذكر موسى، فلعله انتزعه من قوله ﴿ إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وإلا فليس في الآية ما يؤذن بذلك الاستثناء.
وهذا التفسير يقتضي الجمع بين الثناء عليها بحسن ثقتها بالله والإشارة إلى ضعف الأمومة بالتشوق إلى ولدها وإن كانت عالمة بأنه يتقلب في أحوال صالحة به وبها.
وأما الأقوال الراجعة إلى الناحية الثانية فقال ابن عطية والقرطبي عن ابن القاسم عن مالك: الفراغ هو ذهاب العقل.
قال ابن عطية: هو كقوله تعالى ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ [إبراهيم: 43] أي لا عقول فيها.
وفي «الكشاف»: أي لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع.
وقال ابن زيد والحسن وابن إسحاق: أصبح فارغاً من تذكر الوعد الذي وعدها الله إذ خامرها خاطر شيطاني فقالت في نفسها: إني خفت عليه من القتل فألقيته بيدي في يد العدو الذي أمر بقتله.
قال ابن عطية: وقالت فرقة: فارغاً من الصبر.
ولعله يعني من الصبر على فقده.
وكل الأقوال الراجعة إلى هذه الناحية ترمي إلى أن أم موسى لم تكن جلدة على تنفيذ ما أمرها الله تعالى وأن الله تداركها بوضع اليقين في نفسها.
وجملة ﴿ إن كادت لتُبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ تكون بالنسبة للتفسير الأول استئنافاً بيانياً لما اقتضاه فعل ﴿ أصبح ﴾ من أنها كانت على حالة غير حالة فراغ فبينت بأنها كانت تقارب أن تظهر أمر ابنها من شدة الاضطراب فإن الاضطراب ينم بها.
فالمعنى: أصبح فؤادها فارغاً، وكادت قبل ذلك أن تبدي خبر موسى في مدة إرضاعه من شدة الهلع والإشفاق عليه أن يقتل.
وعلى تفسير ابن عباس تكون جملة ﴿ إن كادت ﴾ بمنزلة عطف البيان على معنى ﴿ فارغاً ﴾ .
وهي دليل على الاستثناء المحذوف.
فالتقدير: فارغاً إلا من ذكر موسى فكادت تظهر ذكر موسى وتنطق باسمه من كثرة تردد ذكره في نفسها.
وأما على الأقوال الراجعة إلى الناحية الثانية فجملة ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ بيان لجملة: ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ ، أي كادت لتُبْدي أمر موسى من قلة ثبات فؤادها.
وعن مجاهد: لما رأت الأمواج حملت التابوت كادت أن تصيح.
والباء في ﴿ به ﴾ إما لتأكيد لصوق المفعول بفعله والأصل: لتبديه، وإما لتضمين (تبدي) معنى (تبوح) وهو أحسن و ﴿ إن ﴾ مخففة من الثقيلة.
واللام في ﴿ لتبدي ﴾ فارقة بين ﴿ إن ﴾ المخففة و(إن) النافية.
والربط على القلب: توثيقه عن أن يضعف كما يشد العضو الوهن، أي ربطنا على قلبها بخلق الصبر فيه.
وجواب ﴿ لولا ﴾ هو جملة ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ .
والمراد بالمؤمنين المصدقون بوعد الله، أي لولا أن ذكّرناها ما وعدناها فاطمأن فؤادها.
فالإيمان هنا مستعمل في معناه اللغوي دون الشرعي لأنها كانت من المؤمنين من قبل، أو أريد من كاملات المؤمنين.
واللام للتعليل، أي لتُحرز رتبة المؤمنين بأمر الله الذين لا يتطرقهم الشك فيما يأتيهم من الواردات الإلهية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ ﴿ وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: فارِغًا مِن وحْيِنًا بِنِسْيانِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ لِعِلْمِها أنَّهُ لَمْ يَغْرَقْ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الرّابِعُ: مَعْنى فارِغًا أيْ نافِرًا، قالَهُ العَلاءُ بْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: ناسِيًا، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.
السّادِسُ: مَعْناهُ والِهًا، رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الأنْصارِيُّ وهو صَحابِيٌّ: ( وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فَزِعًا ) مِنَ الفَزَعِ وفي قَوْلِهِ ﴿ وَأصْبَحَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها ألْقَتْهُ لَيْلًا فَأصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا في النَّهارِ.
الثّانِي: أنَّها ألْقَتْهُ نَهارًا ومَعْنى أصْبَحَ أيْ صارَ، قالَ الشّاعِرُ: مَضى الخُلَفاءُ بِالأمْرِ الرَّشِيدِ وأصْبَحَتِ المَدِينَةُ لِلْوَلِيدِ ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ تَصِيحَ عِنْدَ إلْقائِهِ وا إبْناهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنْ تَقُولَ لَمّا حُمِلَتْ لِإرْضاعِهِ وحَضانَتِهِ هو ابْنِي، قالَهُ السُّدِّيُّ لِأنَّهُ ضاقَ صَدْرُها لَمّا قِيلَ هو ابْنُ فِرْعَوْنَ.
الثّالِثُ: أنْ تُبْدِي بِالوَحْيِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالإيمانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِالعِصْمَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قَدْ كانَتْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولَكِنْ لِتَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِأنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ أيِ اسْتَعْلِمِي خَبَرَهُ وتَتَبَّعِي أثَرَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ، واسْمُ أُخْتِهِ كَلَثْمَةُ.
﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عَنْ جانِبٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: عَنْ بُعْدٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ الأجْنَبِيُّ قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عَنْ جَنابَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي امْرُؤٌ وسْطَ القِبابِ غَرِيبُ الثّانِي: عَنْ شَوْقٍ، حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وذَكَرَ أنَّها لُغَةُ جُذامٍ يَقُولُونَ جَنَّبْتُ إلَيْكَ [أيِ اشْتَقْتُ] .
﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ أنَّها أُخْتُهُ لِأنَّها كانَتْ تَمْشِي عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى رَأتْهم قَدْ أخَذُوهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يُؤْتى بِمُرْضِعَةٍ فَيَقْبَلُها وهَذا تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ شَرْعٍ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: جالَتْ لِتَصْرَعَنِي فَقُلْتُ لَها اقْصِرِي ∗∗∗ إنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرامُ أيْ مُمْتَنِعٌ: وَقَوْلُهُ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ مَجِيءِ أُخْتِهِ وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرْناهُ.
الثّانِي: مِن قَبْلِ رَدِّهِ إلى أُمِّهِ.
﴿ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ الآيَةَ.
وَهَذا قَوْلُ أُخْتِهِ لَهم حِينَ رَأتْهُ لا يَقْبَلُ المَراضِعَ فَقالُوا لَها عِنْدَ قَوْلِها لَهم: ﴿ وَهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ وما يُدْرِيكِ؟
لَعَلَّكِ تَعْرِفِينَ أهْلَهُ، فَقالَتْ: لا ولَكِنَّهم يَحْرِصُونَ عَلى مَسَرَّةِ المَلِكِ ويَرْغَبُونَ في ظِئْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ انْطَلَقَتْ أُخْتُهُ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَتْها فَجاءَتْ فَلَمّا وضَعَتْهُ في حِجْرِها نَزا إلى ثَدْيِها فَمَصَّهُ حَتّى امْتَلَأ جَنْباهُ رِيًّا وانْطَلَقَ بِالبُشْرى إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ قَدْ وجَدْنا لِابْنِكِ ظِئْرًا، قالَ أبُو عُمْرانَ الجَوْنِيِّ: وكانَ فِرْعَوْنُ يُعْطِي أُمَّ مُوسى في كُلِّ يَوْمٍ دِينارًا.
وَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لِأُمِّ مُوسى حِينَ ارْتَضَعَ مِنها: كَيْفَ ارْتَضَعَ مِنكِ ولَمْ يَرْتَضِعْ مِن غَيْرِكِ؟
فَقالَتْ: لِأنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ طَيِّبَةُ اللَّبَنِ لا أكادُ أُوتى بِصَبِيٍّ إلّا ارْتَضَعَ مِنِّي.
فَكانَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِمُوسى أنْ جَعَلَ إلْقاءَ مُوسى في البَحْرِ وهو الهَلاكُ سَبَبًا لِنَجاتِهِ وسَخَّرَ فِرْعَوْنُ لِتَرْبِيَتِهِ وهو يَقْتُلُ الخَلْقَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِهِ وهو في بَيْتِهِ وتَحْتَ كَنَفِهِ.
﴿ وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ ﴾ الآيَةَ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ ﴾ يَعْنِي مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ عِلْمِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال: فرغ من ذكر كل شيء من أمر الدنيا إلا من ذكر موسى.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال: خالياً من كل شيء غير ذكر موسى عليه السلام، وفي قوله: ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ قال: تقول يا ابناه.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال: من كل شيء غير هم موسى عليه السلام.
وأخرج الفريابي عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال: من كل شيء من أمر الدنيا والآخرة إلا من هم موسى.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال: من كل شيء إلا من ذكر موسى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مغيث بن سمي أو عن أبي عبيدة في قوله: ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ أي لتنبئ أنه ابنها من شدة وجدها ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ قال: ربط الله على قلبها بالإِيمان.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ﴾ قال أكثر المفسرين: ﴿ فَارِغًا ﴾ من كل شيء من هم الدنيا والآخرة إلا هم موسى وذكره؛ وهذا قول ابن عباس في جميع الروايات، ومجاهد ومقاتل وعكرمة وقتادة والحسن وسعيد بن جبير والكلبي (١) ﴿ فَارِغًا ﴾ لهمِّ موسى، فليس يخلط همّ موسى شيء (٢) وقال محمد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد: ﴿ فَارِغًا ﴾ من الوحي الذي أوحى الله إليها، والعهد الذي عهده إليها أن يرده عليها؛ وذلك أنها لما رأت موسى يرفعه موج، ويخفضه آخر جزعت، وأتاها الشيطان فوسوس لها، وقال: لو قتله فرعون كان للآخرة، وقد توليت قتله بالإلقاء في اليم.
ثم لما أتاها الخبر بأن موسى وقع في يد آل فرعون (٣) وقال أبو عبيدة: ﴿ فَارِغًا ﴾ من الحزن، لعلمها أنه لم يقتل، ولم يغرق (٤) قال ابن قتيبة: وهذا من أعجب التفسير، كيف يكون فؤادها فارغًا من الحزن في وقتها ذاك، والله تعالى يقول: ﴿ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟
قال: والعرب تقول للجبان، والخائف: فؤاده هواء.
لأنه لا يعي عزمًا، ولا صبرًا، وقد خالفه المفسرون إلى الصواب؛ فقالوا: ﴿ فَارِغًا ﴾ من كل شيء إلا من أمر موسى؛ كأنها لم تهتم بشيء مما يهتم به الحيُّ إلا أمرَ ولدها.
انتهى كلامه (٥) ووجه قول المفسرين ما ذكر؛ وهو: أن قلبها صار فارغًا من الصبر والعزم، وإنما قال المفسرون: إلا (٦) ﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: كادت تخبر أن هذا (٧) وقال في رواية عكرمة، وسعيد بن جبير: كادت تقول (٨) (٩) وقال مقاتل: خشيت عليه الغرق، وكادت تصيح شفقة عليه، فذلك قوله: ﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ تقول: إن همت لتشعر أهل مصر بموسى أنه ولدها (١٠) وعن مُغِيثِ بن سُمَيّ: كادت تقول: أنا أمه (١١) وقال أبو إسحاق: إن كادت لتظهر أنه ابنها (١٢) وقال الفراء: ﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ يعني: باسم موسى أنه ابنها؛ وذلك أن صدرها ضاق بقول آل فرعون: هو ابن فرعون، فكادت تبدي به؛ أي: تظهره (١٣) وهذا معنى قول الكلبي (١٤) ﴿ بِهِ ﴾ تعود على اسم موسى على قول هؤلاء؛ وهو الصحيح.
وسبب الإبداء مختلَف فيه، فعند بعضهم: وَجْدًا به.
وعند مقاتل: شفقةً عليه من الغرق.
وعند الكلبي ضيق صدرها (١٥) (١٦) ويقال أبدى الشيء، ودخلت الباء هاهنا؛ لأنه أريد بالإبداء: الإخبار والإشعار، يدل على هذا ما روي في حرف عبد الله: إن كادت لتشعر به (١٧) ﴿ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ﴾ بالصبر واليقين والإيمان؛ قاله ابن عباس ومقاتل وقتادة (١٨) قال الزجاج: ومعنى الربط على القلب: إلهام الصبر وتشديده وتقويته (١٩) ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ﴾ (٢٠) وقوله: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: من المصدقين بوعد الله حين قال لها: ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ قاله مقاتل والمفسرون (٢١) (١) نسب الثعلبي 8/ 141 ب هذا القول لأكثر المفسرين.
وذكره البخاري عن ابن عباس معلقًا بصيغة الجزم 8/ 506.
وأخرجه عنه الحاكم 2/ 441، رقم 3529.
وأخرجه عبد الرزاق 2/ 88، عن قتادة، وأبي عمران الجوني.
وهو في "تفسير مقاتل" 63 ب.
و"تنوير المقباس" 323.
وأخرجه أبو يعلى 5/ 12، من طريق سعيد بن جبير.
وهو جزء من الحديث الطويل حديث الفتون، الذي سبق الحديث عنه قريبا.
(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 303.
و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 134.
واختاره ابن الأنباري، في كتابه "الأضداد" 299.
(٣) أخرجه عنهما وعن الحسن ابن جرير 20/ 36، وأخرجه ابن أبيِ حاتم 9/ 2946 عن ابن إسحاق فقط.
وذكره عن الحسن وأبو إسحاق وابن زيد الثعلبي 8/ 141 ب.
(٤) "مجاز القرآن" 2/ 98.
وذكر هذا القول ابن الأنباري، "الأضداد" 298، عن بعض أهل اللغة، ولم يسمه، وجعل هذا الاختلاف مما يفسر من القرآن تفسيرين متضادين، وذكر القولين النيسابوري، "وضح البرهان" 2/ 146، وصدر القول الثاني بـ: قيل.
(٥) "غريب القرآن" 328.
ويشهد له ما ذكره الفراء بإسناده عن فضالة بن عبيد - - أنه قرأ: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ﴾ من الفزع.
"معاني القرآن" 2/ 303، وذكر هذه القراءة ابن جرير 20/ 37، ورد قول أبي عبيدة بقوله: وهذا لا معنى له؛ لخلافه قول جميع أهل التأويل.
(٦) كلمة: إلا، ساقطة من نسخة: (ب).
(٧) هذا، ساقطة من نسخة: (ب).
(٨) تقول، ساقطة من نسخة: (ب).
(٩) رواية عكرمة أخرجها ابن أبي حاتم 9/ 2947، والثعلبي 8/ 141ب ورواية سعيد ابن جبير أخرجها ابن جرير 20/ 37، وابن أبي حاتم 9/ 2947، والحاكم 2/ 441، رقم: 3529.
ولم أجد رواية عطاء.
(١٠) "تفسير مقاتل" 63 ب.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2947.
مغيث بن سُمي، الأوزاعي، أبو أيوب الشامي، ثقة، روى عن عمر - - مرسلاً، وروى عن ابن عمر وطائفة، وروى عنه: زيد بن واقد، وعبد الرحمن بن يزيد، وغيرهم.
"الكاشف" 3/ 147، و"تقريب التهذيب" 964.
(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 134.
(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 303.
و"تفسير ابن جرير" 20/ 38.
(١٤) ذكره عنه الثعلبي 8/ 141 ب.
وهو في "تنوير المقباس" 323.
(١٥) في النسخ الثلاث: ضيق صدر.
(١٦) ذكره عنه الثعلبي 8/ 141 ب.
(١٧) ذكر هذه القراءة الفراء 2/ 303.
(١٨) أخرجه عبد الرزاق 2/ 88، عن قتادة.
وكذا ابن جرير 20/ 38، وابن أبي حاتم 9/ 2947.
و"تفسير مقاتل" 63 ب.
(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 134.
وذكره القاضي عبد الجبار في "متشابه القرآن" 543.
(٢٠) قال الواحدي: معنى الربط في اللغة: الشد، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿ وَرَابِطُوا ﴾ ويقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه، كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب، ويقال: رجل رابط الجأش؛ قال الأصمعي: هو الذي يربط نفسه يكفها بجرأته وشجاعته.
(٢١) "تفسير مقاتل" 63 ب.
وأخرجه ابن جرير 20/ 38، وابن أبي حاتم 9/ 2947 ، عن سعيد بن جبير والسدي.
و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً ﴾ أي ذاهلاً لا عقل معها، وقيل: فارغاً من الصبر وقيل: فارغاً من كل شيء إلا من همّ موسى، وقيل: فارغاً من وعد الله: أي نسيت ما أوحى إليها، وقيل: فارغاً من الحزن إذ لم يغرق، وهذا بعيد لما بعده.
وقيل: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر الله، وقرئ فزعاً بالزاي من الفزع ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ أي تظهر أمره، وفي الحديث كادت أمّ موسى أن تقول وابناه وتخرج صائجة على وجهها ﴿ رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا ﴾ أي رزقناها الصبر ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ أي من المصدّقين بالوعد الذي وعدها الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويرى ﴾ بفتح الياء وإمالة الراء ﴿ فرعون وهامان وجنودهما ﴾ مرفوعات: حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤوا قوله ﴿ وحزناً ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ كوفي.
﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ أرضعيه ﴾ ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية ﴿ ولا تحزني ﴾ ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا.
﴿ من المرسلين ﴾ ه ﴿ وحزنا ﴾ ط ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ولك ﴾ ط ﴿ لا تقتلوه ﴾ ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي.
﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فارغاً ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ قصيه ﴾ ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله ﴿ فقالت ﴾ عطف على قوله ﴿ فبصرت ﴾ والحال معترض ﴿ ناصحون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يقتتلان ﴾ لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهراً ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفاً من ﴿ عدوّه ﴾ الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من ﴿ عدوّه ﴾ الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فغفر له ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ للمجرمين ﴾ ه ﴿ يستصرخه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ط ﴿ لهما ﴾ لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ بالأمس ﴾ ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل ﴿ المصلحين ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القول ﴿ من الناصحين ﴾ ه ﴿ يترقب ﴾ ز لما قلنا في ﴿ يسعى ﴾ ﴿ الظالمين ﴾ ه.
التفسير: فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء.
﴿ نتلو عليك ﴾ على لسان جبرائيل ﴿ من نبأ موسى وفرعون ﴾ أي طرفاً من خبرها متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو محقين ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء.
ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلاً سأل: وكيف كان نبؤهما؟
فقال مستأنفاً ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي طغى وتكبر في أرض مملكته ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافاً في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقاً مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم بنو إسرائيل والقبط.
وقوله ﴿ يستضعف ﴾ حال من الضمير في ﴿ جعل ﴾ أو صفة ﴿ شيعاً ﴾ أو مستأنف.
و ﴿ يذبح ﴾ بدل منه.
وقوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن ألبتة ﴿ ونريد ﴾ حكاية حال ماضية معطوفة على قوله ﴿ إن فرعون علا ﴾ فهذه أيضاً تفسير للنبأ.
وجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ يستضعف ﴾ اي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع.
﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ مقدمين في أمور الدين والدنيا.
وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير.
وعن مجاهد: دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكاً.
ومعنى الوراثة والتمكين في ارض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.
يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.
قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحفظيه.
فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها.
فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا: لم دخلت القابلة عليك؟
قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة.
فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟
فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً.
فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل.
فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر.
وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون.
وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس.
فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبناً، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها.
فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.
قال علماء البيان: اللام في قوله ﴿ ليكون لهم عدوّاً ﴾ لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلاً نتيجة المجيء في قولك "جئتك لتكرمني" وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضاً.
ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم اذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم.
قال النحويون ﴿ قرة عين ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ و ﴿ لا تقتلوه ﴾ خبراً لأن الطلب لا يقع خبراً إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب.
روي في حديث أن آسية حين قالت ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ قال فرعون: لك لا لي، ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها.
ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء.
قال في الكشاف ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ حال من آل فرعون.
وقوله ﴿ إن فرعون ﴾ الآية.
جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً.
وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه.
قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالاً من فاعل ﴿ قالت ﴾ أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمآل وهو أن هلاكهم على يده وبسببه.
وقال الكلبي: اي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه.
قوله ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال الحسن: اي فارغاً من كل هم إلا من هم موسى.
وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعاً ودهشاً.
وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا ﴿ فألقيه في اليم ولا تخافي ﴾ الغرق وسائر المخاوف ﴿ ولا تحزني ﴾ والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعاً، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه.
ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها.
وقال أبو عبيدة: فارغاً من الخوف فالله يقول ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟
أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس.
وفي رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع.
وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون.
ثم قال ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن ﴿ لتكون من المؤمنين ﴾ المصدّقين بوعد الله وهو قوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ .
وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه.
والأول أظهر بدليل قوله ﴿ وقالت لأخته قصيه ﴾ اي اقتفي اثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم ﴿ فبصرت به ﴾ أي أبصرته ﴿ عن جنب ﴾ عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بحالها وغرضها.
والتحريم ههنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهراً فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه.
وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه.
وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة اشهر فعرف ريحها.
و ﴿ المراضع ﴾ جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا.
روي أنها لما قالت ﴿ وهم له ناصحون ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون.
والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد.
والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه.
فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها.
فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟
قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها.
قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة.
قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال ﴿ ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ﴾ أي أكثر الناس ﴿ لا يعلمون ﴾ حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله.
وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها.
قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول "ولكن أكثر الناس" كما قال في سورة يوسف ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً.
وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك.
وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله ﴿ ولتعلم ﴾ المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.
ثم بين كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلاً: ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ وزاد ههنا قوله ﴿ واستوى ﴾ فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد.
والأصح أنهما متغايران.
والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة.
وعن ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين.
وهو عند الأطباء سن الوقوف.
فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف.
والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم - قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله ﴿ ودخل المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب.
قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره في هذه السورة.
وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى ﴿ فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً ﴾ وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.
أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر.
وقال الضحاك: هي عين شمس.
وقيل: هي مصر.
وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو.
وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره.
قاله السدي.
وقيل: إن الغفلة لموسى من اهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر.
قال الزجاج: قوله ﴿ هذا ﴾ ﴿ وهذا ﴾ وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه.
عن مقاتل: أن الرجلين كان كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط.
واحتج عليه بأن موسى قال له ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً كأنه قال ممن شايعه على دينه.
وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلهاً.
يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون.
وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري ﴿ فاستغاثه ﴾ سأله أن يخلصه منه ﴿ فوكزه ﴾ أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف ﴿ فقضى عليه ﴾ أي أماته وقتله.
الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ وقال ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً؟
وأيضاً قوله ﴿ هذا من عدوّه ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً وكان دمه مباحاً والاستغفار من القتل المباح غير جائز.
وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر.
فقوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفاً الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به ﴿ فاغفر لي ﴾ فاستره على هذا كله.
إذا سلم أنه كان نبياً في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله.
ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلاً عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئاً آخر كما قررنا.
قوله ﴿ بما أنعمت عليّ ﴾ قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.
وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرماً.
وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى.
وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيراً والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها.
وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة.
عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل.
فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى.
وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله اراد أن جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز ﴿ أصبح ﴾ موسى من غد ذلك اليوم ﴿ خائفاً يترقب ﴾ الأخبار وما يقال فيه ﴿ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ﴾ يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد.
فغويّ بمعنى غاوٍ.
وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغوٍ لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء.
قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف.
وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ﴾ لا يليق إلا أن يكون قولاً للكافر.
قال جار الله: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن.
وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل.
وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة ﴾ أي من ابعد مسافاتها إليه.
وقوله ﴿ يسعى ﴾ صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفاً.
قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفاً وفي "يس" أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً.
والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بامره ومعنى ﴿ يأتمرون بك ﴾ يتشاورون بسببك.
وقوله ﴿ لك من الناصحين ﴾ كقوله ﴿ فيه من الزاهدين ﴾ وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة.
﴿ فخرج منها خائفاً يترقب ﴾ المكروه من جهتهم وأن يلحق به ﴿ قال ﴾ ملتجئاً إلى الله ﴿ رب نجني من القوم الظالمين ﴾ وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنباً وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص.
التأويل: ﴿ إن فرعون ﴾ النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية ﴿ وجعل أهلها ﴾ وهم الروح والسر والعقل أصنافاً في الاستخدام لاستيفاء الشهوات ﴿ يستضعف طائفة ﴾ وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ للاستعداد الفطري.
﴿ ونرى فرعون ﴾ النفس ﴿ وهامان ﴾ الهوى ﴿ وجنودهما ﴾ من الصفات البهيمية والسبعية ولاشيطانية ﴿ أم موسى ﴾ السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر ﴿ أن أرضعيه ﴾ من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية.
﴿ فألقيه في اليم ﴾ في الدنيا في تابوت القالب ﴿ وجاعلوه من المرسلين ﴾ أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي ﴿ فالتقطه آل فرعون ﴾ وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل ﴿ ليكون لهم ﴾ في العاقبة ﴿ عدوّاً ﴾ يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات.
﴿ وحزناً ﴾ بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله.
﴿ وقالت امرأة فرعون ﴾ النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في اسباب اللذات الحسيات.
﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بأن ينجينا من النار.
قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر.
﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم.
﴿ فؤاد أم موسى ﴾ هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل.
ودخل مدينة القالب ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ وهم الصفات النفسانية ﴿ فوجد فيها رجلين ﴾ صفتين.
إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس.
وفي قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ لآنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس.
﴿ وجاء رجل ﴾ هو العقل ﴿ من أقصى ﴾ مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة الروحانية ﴿ يسعى ﴾ في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية ﴿ خائفاً ﴾ من سطوات فرعون النفس ﴿ يترقب ﴾ مكايدهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إن الوحي هاهنا وحي الإلهام والقذف في القلب، لا وحي إرسال صارت رسولة، وذلك لا يجوز.
لكن يقال: جائز أن تلهم هي إرضاعه وإلقاءه في اليم، فأمّا أن تلهم ما ذكر: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ هذا مما لا سبيل إلى معرفة ذلك وعلمه إلا بتصريح قول ومشافهة آخر، اللهم إلا أن يقال: إنه كان بموسى آيات الرسالة وأعلام به؛ لما عرفت هي بتلك الأعلام والآيات التي كانت له أنه يرد إليها، وأنه يبقى رسولا إلى وقت، وقد كانت بالرسل أعلام وآيات الرسالة في حال صغرهم وصباهم؛ نحو عيسى حيث كلم قومه في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ...
﴾ ، إلى آخر ما ذكر وأن محمدا لما ولد بالليل استنارت تلك الناحية واستضاءت بنوره حتى ظنوا أن الشمس قد طلعت ونحوه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون بموسى أعلام وآيات عرفت أمه بها أنه رسول، وأنه يرد إليها.
وإنما تكلفنا بهذا التخريج قول أهل التأويل: إنه وحي إلهام وقذف في القلب لا غير.
وعندنا جائز أن يكون الوحي إليها وحي إرسال رسول وإخبار من غير أن صارت هي بذلك رسولة؛ نحو ما ذكر من قصة مريم أن الملك لما دخل تعوذت بالله منه حيث قالت: ﴿ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ ، وذلك من البشارة التي بشروها بالولد فلم تصر بما أرسل إليها من الرسل وشافهوها رسولة؛ فعلى ذلك أم موسى؛ ونحو بشارة الملائكة لامرأة إبراهيم بالولد وهو قوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ ، ونحوه ما يكثر ذكره لم يصيروا بذلك رسلا؛ فعلى ذلك الوحي إلى أم موسى يحتمل ما ذكرنا.
وجائز ذلك من غير أن صارت بذلك رسولة، وهو أشبه وأقرب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ : قال بعضهم: في الآية إضمار؛ لأنهم لم يلتقطوه؛ ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن كان فيه إضمار، أي: التقطه آل فرعون ليتخذوه ولدا ووليا، فكان لهم عدوا وحزنا إذا كبر [و]نحو هذا.
وقال بعضهم: ذاك إخبار عما في علم الله أنه يكون ما ذكر، معناه - والله أعلم -: التقطه آل فرعون، فكان في علم الله - - أنه يكون لهم عدوا وحزنا، وذلك جائز في اللغة؛ يقال: ...
....
....
*** لدوا للموت وابنوا للخراب لا يلدون للموت ولا يبنون للخراب، ولكن إخبار عما هو عليه عملهم في الآخرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ ﴾ : ظاهر.
وفيه نقض قول المعتزلة من وجه.
وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ : هذا لطف من الله بموسى؛ حيث ألقى محبته في قلوبهم وحلاوته في أعينهم، وهو ما ذكر منة عليه حيث قال: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ ليتأدى بذلك الشكر عليه.
قال أبو معاذ: قال مقاتل: قوله: ﴿ قرت عين لي ولك لا ﴾ تقول: ليس لك بقرة عين.
قال أبو معاذ: وهذا محال، ولو كان كذلك لكان في القراءة: "تقتلونه"، وهذا - أيضاً - محال لقوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا ﴾ ، ولو كانت القراءة: (قرت عين لي ولك لا [لا] تقتلوه) لكان مقاتل مصيباً.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أن إهلاكهم واستئصالهم على يديه.
والثاني: لا يشعرون أنه هو المطلوب بقتله من بين الكل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً ﴾ : قال بعضهم: فارغاً من هم موسى وحزنها عليه.
وقال بعضهم: فارغاً من كل شيء إلا على موسى وذكره، وكأن قوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً ﴾ جواب قوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ...
﴾ الآية.
وهو يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الله رفع الحزن والخوف وطمأنها من غير أن كان ثمة قول أو كلام.
والثاني: على القول لها: لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فلو كان على هذا فهو على البشارة لها بالردّ إليها وجعله رسولا، أو على النهي والزجر عن الحزن عليه والخوف عليه، هو حزن مفارقته لها، والخوف عليه خوف الهلاك؛ كقول يعقوب حيث قال: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ ذكر الحزن عند المفارقة والذهاب عنه، والخوف عند الهلاك، فرفع الله عنها حزن المفارقة، وبشرها بالرد إليها وجعله رسوله وأمنها عن الهلاك؛ فيكون قوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً ﴾ مما خافت عليه وحزنت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا ﴾ : كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها بما ذكر من قوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ...
﴾ الآية، فلم تكد أن تبدي، وهو كما ذكر: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ أي: كان يهم بها لو لم ير برهان ربّه لا أنه هم بها؛ وهو كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾ أي: كان يركن إليهم شيئاً قليلا لو لم يثبته، لكنه ثبته فلم يركن إليهم ونحوه؛ فعلى ذلك الأول.
وقال أهل التأويل: ربط قلبها بالإيمان.
وجائز أن يكون ربطه قلبها لما ذكر من قوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ...
﴾ الآية.
وقال بعضهم: ﴿ فَارِغاً ﴾ من عهد الله الذي كان عهد إليها، أنساها عهد الله عظم البلاء الذي حل بها، فكادت تبدي به، ثم تداركها الله بالرحمة فربط على قلبها فذكرت وارعوت.
وقال بعضهم: اتخذه فرعون ولداً، فصار الناس يقولون: ابن فرعون ابن فرعون، فأدركت أمه الرقة وحبّ الولد فكادت تقول: بل هو ابني، والأوّل أشبه، وفي حرف ابن مسعود وأبيّ وحفصة: ﴿ إن كادت لتشعر به ﴾ .
وقوله: ﴿ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ أي: اتبعي أثره.
وقوله: ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ ﴾ قيل: عن بعد، أي: كانت تتبع أثره عن بعد منه.
وقال بعضهم: الجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى موضع بعيد، وهو إلى جنبه بقرب منه، وذلك عند الناس معروف ظاهر فيهم ذلك.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ ﴾ قال: مشيت بجانبه وهي معرضة عنه كأجنبية.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : أن هذه تراقبه أو تنظر إليه وتحفظه.
أو لا يشعرون أن هلاكهم على يديه.
بصرت وأبصرت واحد.
وقوله: ﴿ عَن جُنُبٍ ﴾ : عن ناحية بعيدة، وجوانب: جماعة، ويقال: رجل جنب وقوم أجناب، وجانب وأجناب وأجانب وأجنبي أي: غريب، وهذا كله من الاجتناب؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقوله: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ ﴾ : حرم تحريم منع وحظر الذي ضده الإطلاق والإرسال، لا التحريم الذي ضده الحل، وذلك لطف من الله وفضل ورحمة؛ حيث منع موسى عن أن يرتضع من النساء وهو طفل، وهَمُّ أمثاله الارتضاع والرغبة في التناول من كل لبن ومن كل مرضع ترضعه لا تمييز لهم في الارتضاع؛ فدل امتناعه وكفه نفسه عن الارتضاع من النساء أجمع أن ذلك لطف من الله أعطاه ليمتنع عنه.
فعلى ذلك جائز أن يكون عند الله لطف لو أعطى الكافر الذي همته الكفر والرغبة فيه لآمن واهتدى، لكنه لما عرف رغبته وهمته فيه واختياره له منع ذلك عنه ولم يعطه.
وهذا الحرف ينقض على المعتزلة مذهبهم في زعمهم أن الله قد أعطى كل كافر السبب الذي به يؤمن وما به يصير مؤمناً، حتى لم يبق شيء مما يكون به إيمانه إلا وقد أعطاه، لكنه لم يؤمن، فينقض قولهم ما ذكرنا من أمر موسى أن عنده لطفاً لم يعطه لو أعطاه لآمن واهتدى، لكنه لم يعطه لما ذكرنا.
وفيه لطف آخر: وهو أن فرعون والقبط كانوا يقتلون الولدان من الذكور؛ ليصير الذي يخاف هلاكه وذهاب ملكه على يديه مقتولا، فجعل الله بلطفه ورحمته محبته في قلب فرعون وقلوب أهله، حتى صار أحب الخلق إليهم، وصاروا هم أشفق الناس وأرحمهم عليه، حتى خافوا هلاكه وطلبوا له المراضع؛ لئلا يهلك بعدما كانوا يطلبون هلاكه وتلفه، وذلك لطف منه له ورحمة، وهو ما قال: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ ، وبالله يستفاد كل فضل ونعمة.
وقوله: ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ .
قوله: ﴿ فَقَالَتْ ﴾ أي: أخته التي كانت تتبعه وتمشي على أثره، وذلك منها تعريض بالدلالة لهم إلى أمّه؛ لئلا يشعروا أنها أمّه حيث قالت: ﴿ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ ﴾ ، ولم تقل: على امرأة لها لبن وهي ترضع، ولعلها لو قالت لهم ذلك وقع عندهم أنها أمه، ولكن دلتهم إلى بيت ليقع عندهم أنهم أهل بيت قتل ولدهم ولهم ولد يكفلونه لكم، أي: يقبلونه ويضمونه إلى أنفسهم.
﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ : يحتمل قولهم: ﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ أي: لفرعون لا يخونونه فيه.
ويحتمل ﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ لموسى.
وقوله: ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ﴾ : بالمقام معه والكون عندها، ﴿ وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ : على فراقه.
أو أن يقال: ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: تسرّ بردّه إليها، وذلك معروف في النساء ظاهر أنهن يحزن بمفارقة أولادهن ويهممن لذلك، ويسررن إذا جعلوا إليهن واجتمعوا.
وقوله: ﴿ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ : كانت تعلم هي - والله أعلم - أن وعد الله حق كائن لا محالة، لكن علم خبر لا علم عيان ومشاهدة؛ كأنه قال: لتعلم علم عيان ومشاهدة ما علمت علم خبر؛ لأن علم العيان والمشاهدة أكبر وأبلغ وأتقى للشبهة من علم الإخبار؛ ألا ترى أن إبراهيم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى، وإن كان يعلم حقيقة أنه يحيي الموتى، وأنه قادر على ذلك، لكنه كان يعلمه علم خبر فأحبّ أن يعلمه علم عيان ومشاهدة؛ لأنه أكبر وأبلغ وأدفع للوساوس من علم الإخبار؟!
فعلى ذلك هذا.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : والمعتزلة فيهم؛ لأنه أخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين؛ حيث قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ ، وهم يقولون: أراد ألاَّ يملأ جهنم؛ لأنهم يقولون: إنه أراد إيمان كل الناس جميعاً وشاء ذلك لهم فلم يؤمنوا، فعلى قولهم: إذا شاء ذلك لهم شاء ألاَّ يملأ جهنم منهم، فذلك خلف في الوعد وكذب في القول على قولهم.
<div class="verse-tafsir"
وأصبح قلب أم موسى خاليًا من أي أمر من أمور الدنيا إلا من أمر موسى فلم تعد تصبر، حتَّى قاربت أن تظهر أنَّه ولدها من شدة التعلق به، لولا أن ربطنا على قلبها بتثبيته، وتصبيرها لتكون من المؤمنين المتوكلين على ربهم الصابرين على ما يقض به.
<div class="verse-tafsir" id="91.nrYp0"