الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ١٦ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فقال تعالى : ( ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ) قال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : وذلك بين المغرب والعشاء .
وقال ابن المنكدر ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس : كان ذلك نصف النهار .
وكذلك قال سعيد بن جبير ، وعكرمة ، والسدي ، وقتادة .
( فوجد فيها رجلين يقتتلان ) أي : يتضاربان ويتنازعان ، ( هذا من شيعته ) أي : من بني إسرائيل ، ( وهذا من عدوه ) أي : قبطي ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والسدي ، ومحمد بن إسحاق .
فاستغاث الإسرائيلي بموسى ، عليه السلام ، ووجد موسى فرصة ، وهي غفلة الناس ، فعمد إلى القبطي ( فوكزه موسى فقضى عليه ) .
قال مجاهد : وكزه ، أي : طعنه بجمع كفه .
وقال قتادة : وكزه بعصا كانت معه .
( فقضى عليه ) أي : كان فيها حتفه فمات ، قال موسى : ( هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين .
قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم )
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) يقول تعالى ذكره مخبرا عن ندم موسى على ما كان من قتله النفس التي قتلها, وتوبته إليه منه ومسألته غفرانه من ذلك ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) بقتل النفس التي لم تأمرني بقتلها, فاعف عن ذنبي ذلك, واستره عليّ , ولا تؤاخذني به فتعاقبني عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) قال: بقتلي من أجل أنه لا ينبغي لنبيّ أن يقتل حتى يؤمر, ولم يُؤمر.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: عرف المخرج, فقال: ( ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ).
وقوله: (فَغَفَرَ لَهُ) يقول تعالى ذكره: فعفا الله لموسى عن ذنبه ولم يعاقبه به، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يقول: إن الله هو الساتر على المنيبين إليه من ذنوبهم على ذنوبهم, المتفضل عليهم بالعفو عنها, الرحيم للناس أن يعاقبهم على ذنوبهم بعد ما تابوا منها.
قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ندم موسى عليه السلام على ذلك الوكز الذي كان فيه ذهاب النفس ، فحمله ندمه على الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه قال قتادة : عرف - والله - المخرج فاستغفر ; ثم لم يزل صلى الله عليه وسلم يعدد ذلك على نفسه ، مع علمه بأنه قد غفر له ، حتى إنه في القيامة يقول : إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها ، وإنما عدده على نفسه ذنبا وقال : ظلمت نفسي فاغفر لي من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر ، وأيضا فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم .
قال النقاش : لم يقتله عن عمد مريدا للقتل ، وإنما وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه ، قال : وقد قيل : إن هذا كان قبل النبوة .
وقال كعب : كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة ، وكان قتله مع ذلك خطأ ; فإن الوكزة واللكزة في الغالب لا تقتل .
وروى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال : يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة !
سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الفتنة تجيء من هاهنا - وأومأ [ ص: 242 ] بيده نحو المشرق - من حيث يطلع قرنا الشيطان ، وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض ، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله عز وجل : وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا
ثم استغفر ربه { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } خصوصا للمخبتين، المبادرين للإنابة والتوبة، كما جرى من موسى عليه السلام.
( قال رب إني ظلمت نفسي ) بقتل القبطي من غير أمر ، ( فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم )
«قال» نادماً «رب إني ظلمت نفسي» بقتله «فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم» أي المتصف بهما أزلاً وأبداً.
قال موسى: رب إني ظلمت نفسي بقتل النفس التي لم تأمرني بقتلها فاغفر لي ذلك الذنب، فغفر الله له.
إن الله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم.
ثم أضاف إلى هذا الندم والاسترجاع ، ندما واستغفارا آخر فقال : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ ) .أى : قال موسى - عليه السلام - بعد قتله القبطى بدون قصد - مكررا الندم والاستغفار : يا رب إنى ظلمت نفسى ، بتلك الضربة التى ترتب عليها الموت ، فاغفر لى ذنبى ، ( فَغَفَرَ ) الله - تعالى ( لَهُ ) ذنبه ، ( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( هُوَ الغفور الرحيم ).
اعلم أن في قوله: ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى ﴾ قولين: أحدهما: أنهما بمعنى واحد وهو استكمال القوة واعتدال المزاج والبنية والثاني: وهو الأصح أنهما معنيان متغايران ثم اختلفوا على وجوه: أحدها: وهو الأقرب أن الأشد عبارة عن كمال القوة الجسمانية البدنية، والاستواء عبارة عن كمال القوة العقلية.
وثانيها: الأشد عبارة عن كمال القوة، والاستواء عبارة عن كمال البنية والخلقة.
وثالثها: الأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء عبارة عن كمال الخلقة.
ورابعها: قال ابن عباس الأشد ما بين الثمان عشرة سنة إلى الثلاثين ثم من الثلاثين سنة إلى الأربعين يبقى سواء من غير زيادة ولا نقصان، ومن الأربعين يأخذ في النقصان، وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما حق، لأن الإنسان يكون في أول العمر في النمو والتزايد ثم يبقى من غير زيادة ولا نقصان، ثم يأخذ في الانتقاص فنهاية مدة الازدياد من أول العمر إلى العشرين ومن العشرين إلى الثلاثين يكون التزايد قليلاً والقوة قوية جداً ثم من الثلاثين إلى الأربعين يقف فلا يزداد ولا ينتقص ومن الأربعين إلى الستين يأخذ في الانتقاص الخفي، ومن الستين إلى آخر العمر يأخذ في الانتقاص البين الظاهر، ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة والحكمة فيه ظاهرة لأن الإنسان يكون إلى رأس الأربعين قواه الجسمانية من الشهوة والغضب والحس قوية مستكملة فيكون الإنسان منجذباً إليها فإذا انتهى إلى الأربعين أخذت القوى الجسمانية في الانتقاص، والقوة العقلية في الازدياد فهناك يكون الرجل أكمل ما يكون فلهذا السر اختار الله تعالى هذا السن للوحي.
المسألة الثانية: اختلفوا في واحد الأشد، قال الفراء: الأشد واحدها شد في القياس ولم يسمع لها بواحد.
وقال أبو الهيثم: واحدة الأشد شدة، كما أن واحدة الأنعم نعمة، والشدة القوة والجلادة.
أما قوله: ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ ففيه وجهان الأول: أنها النبوة وما يقرن بها من العلوم والأخلاق، وعلى هذا التقدير ليس في الآية دليل على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده، لأن الواو في قوله: ﴿ وَدَخَلَ المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب الثاني: آتيناه الحكمة والعلم قال تعالى: ﴿ واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة ﴾ وهذا القول أولى لوجوه: أحدها: أن النبوة أعلى الدرجات البشرية فلابد وأن تكون مسبوقة بالكمال في العلم والسيرة المرضية التي هي أخلاق الكبراء والحكماء.
وثانيها: أن قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ يدل على أنه إنما أعطاه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه والنبوة لا تكون جزاء على العمل.
وثالثها: أن المراد بالحكم والعلم لو كان هو النبوة، لوجب حصول النبوة لكل من كان من المحسنين لقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ لأن قوله: ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم ذكره من الحكم والعلم، ثم بين إنعامه عليه قبل قتل القبطي.
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المدينة فالجمهور على أنها هي المدينة التي كان يسكنها فرعون، وهي قرية على رأس فرسخين من مصر، وقال الضحاك: هي عين شمس.
المسألة الثانية: اختلفوا في معنى قوله: ﴿ على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا ﴾ على أقوال: فالقول الأول: أن موسى عليه السلام لما بلغ أشده واستوى وآتاه الله الحكم والعلم في دينه ودين آبائه، علم أن فرعون وقومه على الباطل، فتكلم بالحق وعاب دينهم، واشتهر ذلك منه حتى آل الأمر إلى أن أخافوه وخافهم، وكان له من بني إسرائيل شيعة يقتدون به ويسمعون منه، وبلغ في الخوف بحيث ما كان يدخل مدينة فرعون إلا خائفاً، فدخلها يوماً على حين غفلة من أهلها، ثم الأكثرون على أنه عليه السلام دخلها نصف النهار وقت ما هم قائلون، وعن ابن عباس يريد بين المغرب والعشاء والأول أولى، لأنه تعالى أضاف الغفلة إلى أهلها، وإذا دخل المرء مستتراً لأجل خوف، لا تضاف الغفلة إلى القوم القول الثاني: قال السدي: إن موسى عليه السلام حين كبر كان يركب مراكب فرعون، ويلبس مثل ما يلبس، ويدعى موسى ابن فرعون، فركب يوماً في أثره فأدركه المقيل في موضع، فدخلها نصف النهار، وقد خلت الطرق، فهو قوله: ﴿ على حِينِ غَفْلَةٍ ﴾ القول الثالث: قال ابن زيد: ليس المراد من قوله: ﴿ على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا ﴾ حصول الغفلة في تلك الساعة، بل المراد الغفلة من ذكر موسى وأمره، فإن موسى حين كان صغيراً ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، فجيء بجمر فأخذه وطرحه في فيه، فمنه عقدة لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر، والقوم نسوا ذكره وذلك قوله: ﴿ على حِينِ غَفْلَةٍ ﴾ ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الروايات على بعض، لأنه ليس في القرآن ما يدل على شيء منها.
المسألة الثالثة: قال تعالى: ﴿ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ وهذا مِنْ عَدُوّهِ ﴾ قال الزجاج: قال: هذا وهذا وهما غائبان على وجه الحكاية، أي وجد فيها رجلين يقتتلان، إذا نظر الناظر إليهما قال هذا من شيعته وهذا من عدوه، ثم اختلفوا فقال مقاتل: الرجلان كانا كافرين، إلا أن أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من القبط، واحتج عليه بأن موسى عليه السلام قال له في اليوم الثاني ﴿ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً، لأنه لا يقال فيمن يخالف الرجل في دينه وطريقه: إنه من شيعته، وقيل إن القبطي الذي سخر الإسرائيلي كان طباخ فرعون، استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه، وقيل الرجلان المقتتلان: أحدهما السامري وهو الذي من شيعته، والآخر طباخ فرعون، والله أعلم بكيفية الحال، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، أي سأله أن يخلصه منه واستنصره عليه، فوكزه موسى عليه السلام، الوكز الدفع بأطراف الأصابع، وقيل بجمع الكف.
وقرأ ابن مسعود: (فلكزه موسى)، وقال بعضهم: الوكز في الصدر واللكز في الظهر، وكان عليه السلام شديد البطش، وقال بعض المفسرين: فوكزه بعصاه، قال المفضل هذا غلط، لأنه لا يقال وكزه بالعصا ﴿ فقضى عَلَيْهِ ﴾ أي أماته وقتله.
المسألة الرابعة: احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليه السلام من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن كان الأول فلم قال: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ ولم قال: ﴿ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى فَغَفَرَ لَهُ ﴾ ولم قال في سورة أخرى ﴿ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين ﴾ ؟
وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً.
وثانيها: أن قوله: ﴿ وهذا مِنْ عَدُوّهِ ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً فكان دمه مباحاً فلم استغفر عنه، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز، لأنه يوهم في المباح كونه حراماً؟.
وثالثها: أن الوكز لا يقصد به القتل ظاهراً، فكان ذلك القتل قتل خطأ، فلم استغفر منه؟
والجواب: عن الأول لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدم.
أما قوله: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ ففيه وجوه: أحدها: لعل الله تعالى وإن أباح قتل الكافر إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فقوله: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان.
وثانيها: أن قوله (هذا) إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه فقوله: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ أي عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، المراد منه بيان كونه مخالفاً لله تعالى مستحقاً للقتل.
وثالثها: أن يكون قوله (هذا) إشارة إلى المقتول، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه، يقال فلان من عمل الشيطان، أي من أحزابه.
أما قوله: ﴿ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى ﴾ فعلى نهج قول آدم عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ والمراد أحد وجهين، إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن هناك ذنب قط، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب.
أما قوله: ﴿ فاغفر لِى ﴾ أي فاغفر لي ترك هذا المندوب، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد رب إني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به ﴿ فاغفر لِى ﴾ أي فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون ﴿ فَغَفَرَ لَهُ ﴾ أي ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا التأويل أنه على عقبه قال: ﴿ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ ﴾ ولو كانت إعانة المؤمن هاهنا سبباً للمعصية لما قال ذلك.
وأما قوله: ﴿ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين ﴾ فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً، ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافراً في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافراً في ذلك الوقت، واعترف بأنه كان ضالاً أي متحيراً لا يدري ما يجب عليه أن يفعله وما يدبر به في ذلك.
أما قوله إن كان كافراً حربياً فلم استغفر عن قتله؟
قلنا كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع فلعل قتلهم كان حراماً في ذلك الوقت، أو إن كان مباحاً لكن الأولى تركه على ما قررنا، قوله ذلك القتل كان قتل خطأ، قلنا لا نسلم فلعل الرجل كان ضعيفاً وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة، فوكزه كان قاتلاً قطعاً.
ثم إن سلمنا ذلك ولكن لعله عليه السلام كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون ذلك الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار على أنا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية لكنا بينا أنه لا دليل ألبتة على أنه كان رسولاً في ذلك الوقت فيكون ذلك صادراً منه قبل النبوة، وذلك لا نزاع فيه.
المسألة الخامسة: قالت المعتزلة الآية دلت على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله تعالى لأنه عليه السلام قال: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ فنسب المعصية إلى الشيطان، فلو كانت بخلق الله تعالى لكانت من الله لا من الشيطان وهو كقول يوسف عليه السلام ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى ﴾ وقول صاحب موسى عليه السلام: ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة ﴾ .
أما قوله: ﴿ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن ظاهره يدل على أنه قال إنك لما أنعمت علي بهذا الإنعام فإني لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدل على أن ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كانت معصية، لنزل الكلام منزلة ما إذا قيل إنك لما أنعمت علي بقبول توبتي عن تلك المعصية فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.
وثانيها: قال القفال: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، والباء للقسم أي بنعمتك علي.
وثالثها: قال الكسائي والفراء إنه خبر، ومعناه الدعاء كأنه قال فلا تجعلني ظهيراً، قال الفراء وفي حرف عبدالله ﴿ فَلاَ تَجْعَلْنِى ظَهِيرًا ﴾ ، واعلم أن في الآية دلالة على أنه لا يجوز معاونة الظلمة والفسقة.
وقال ابن عباس: لم يستثن ولم يقل فلن أكون ظهيراً إن شاء الله، فابتلي به في اليوم الثاني، وهذا ضعيف لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو فقال: ﴿ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض ﴾ لا أنه وقع منه.
<div class="verse-tafsir"
المدينة: مصر.
وقيل: مدينة منف من أرض مصر.
وحين غفلتهم: ما بين العشاءين.
وقيل: وقت القائلة.
وقيل: يوم عيد لهم هم مشتغلون فيه بلهوهم.
وقيل: لما شبّ وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم، فأخافوه، فلا يدخل قرية إلا على تغفل.
وقرأ سيبويه: ﴿ فاستعانه ﴾ ﴿ مِن شِيعَتِهِ ﴾ ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل.
وقيل: هو السامريّ ﴿ مِنْ عَدُوّهِ ﴾ من مخالفيه من القبط، وهو فاتون، وكان يتسخر الإسرائيلي لحمل الحطب إلى مطبخ فرعون.
والوكز: الدفع بأطراف الأصابع.
وقيل: بجمع الكف، وقرأ ابن مسعود: ﴿ فلكزه ﴾ باللام ﴿ فقضى عَلَيْهِ ﴾ فقتله.
فإن قلت: لم جعل قتل الكافر من عمل الشيطان وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه؟
قلت: لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل، فكان ذنباً يستغفر منه.
وعن ابن جريج: ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر ﴿ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ ﴾ يجوز أن يكون قسماً جوابه محذوف، تقديره: أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة لأتوبنّ ﴿ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ ﴾ وأن يكون استعطافاً، كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيراً للمجرمين.
وأراد بمظاهرة المجرمين: إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته وتكثيره سواده حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون.
وإما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له.
وعن ابن عباس: لم يستثن فابتلى به مرّة أخرى.
يعني: لم يقل: (فلن أكون) إن شاء الله.
وهذا نحو قوله: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ [هود: 113] وعن عطاء: أنّ رجلاً قال له: إنّ أخي يضرب بقلمه ولا يعدو رزقه.
قال: فمن الرأس، يعني من يكتب له؟
قال: خالد بن عبد الله القسري: قال: فأين قول موسى؟
وتلا هذه الآية.
وفي الحديث: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة، حتى من لاق لهم دواة أو بري لهم قلماً، فيجمعون في تابوت من حديد فيرمي به في جهنم» وقيل معناه: بما أنعمت عليّ من القوة، فلن استعملها إلا في مظاهرة أوليائك وأهل طاعتك والإيمان بك.
ولا أدع قبطياً يغلب أحداً من بني إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ بِقَتْلِهِ.
﴿ فاغْفِرْ لِي ﴾ ذَنْبِي.
﴿ فَغَفَرَ لَهُ ﴾ لِاسْتِغْفارِهِ.
﴿ إنَّهُ هو الغَفُورُ ﴾ لِذُنُوبِ عِبادِهِ.
﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بِهِمْ.
﴿ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ قَسَمٌ مَحْذُوفُ الجَوابِ أيْ أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ وغَيْرِها لَأتُوبَنَّ.
﴿ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ أوِ اسْتِعْطافٌ أيْ بِحَقِّ إنْعامِكَ عَلَيَّ اعْصِمْنِي فَلَنْ أكُونَ مُعِينًا لِمَن أدَّتْ مُعاوَنَتُهُ إلى جُرْمٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ فابْتُلِيَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى، وقِيلَ مَعْناهُ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ القُوَّةِ أُعِينُ أوْلِياءَكَ فَلَنْ أسْتَعْمِلَها في مُظاهَرَةِ أعْدائِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{قال رب} يارب {إني ظلمت نفسي} بفعل صار قتل {فاغفر لِى} زلتي {فَغَفَرَ لَهُ} زلته {إِنَّهُ هو الغفور} بإقالة الذلل {الرحيم} بإزالة الخجل
﴿ قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ بِوَكْزٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ القَتْلُ ﴿ فاغْفِرْ لِي ﴾ ذَنْبِي وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالَ لِأنَّهُ فَعَلَ ما لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِهِ ولَيْسَ مِن سُنَنِ آبائِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مِثْلِ هَذِهِ الحادِثَةِ الَّتِي شاهَدَها وقَدْ أفْضى إلى قَتْلِ نَفْسٍ لَمْ يُشْرَعْ في شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرائِعِ قَتْلُها، ولا يُشْكِلُ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وقَبْلَها لِأنَّ أصْلَ الوَكْزِ مِنَ الصَّغائِرِ، وما وقَعَ مِنَ القَتْلِ كانَ خَطَأً كَما قالَهُ كَعْبٌ وغَيْرُهُ، والخَطَأُ وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنِ الإثْمِ، ولِذا شُرِعَتْ فِيهِ الكَفّارَةُ إلّا أنَّهُ صَغِيرَةٌ أيْضًا بَلْ قِيلَ: لا يُشْكِلُ أيْضًا عَلى القَوْلِ بِعِصْمَتِهِمْ عَنِ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ مُطْلَقًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رَأى أنَّ في الوَكْزِ دَفْعَ ظالِمٍ عَنْ مَظْلُومٍ فَفَعَلَهُ غَيْرَ قاصِدٍ بِهِ القَتْلَ، وإنَّما وقَعَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لا عَنْ قَصْدٍ وكَوْنُ الخَطَأِ لا يَخْلُو عَنْ إثْمٍ في شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ مَعْلُومٍ وكَذا مَشْرُوعِيَّةُ الكَفّارَةِ فِيهِ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ وقَعَ مِنهُ ما وقَعَ تَأمَّلَ فَظَهَرَ لَهُ إمْكانُ الدَّفْعِ بِغَيْرِ الوَكْزِ وأنَّهُ لَمْ يَتَثَبَّتْ في رَأْيِهِ لِما اعْتَراهُ مِنَ الغَضَبِ فَعَلِمَ أنَّهُ فَعَلَ خِلافَ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى أمْثالِهِ فَقالَ ما قالَ عَلى عادَةِ المُقَرَّبِينَ في اسْتِعْظامِهِمْ خِلافَ الأوْلى، ثُمَّ إنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ وبِذَلِكَ قالَ النِّقّاشُ وغَيْرُهُ ورُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ومَن فَسَّرَ الِاسْتِواءَ بِبُلُوغِ أرْبَعِينَ سَنَةً وجَعَلَ ما ذُكِرَ بَعْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ والِاسْتِواءِ وإيتاءِ الحُكْمِ والعِلْمِ بِالمَعْنى الَّذِي لا يَقْتَضِي النُّبُوَّةَ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ ابْنَ أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ ما فَوْقَها بِقَلِيلٍ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ إنِّي عَرَّضْتُها لِلتَّلَفِ بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ إذْ لَوْ عَرَفَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاغْفِرْ لِي ﴾ فاسْتُرْ عَلَيَّ ذَلِكَ، وجَعَلَهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ لِما فِيهِ مِنَ الوُقُوعِ في الوَسْوَسَةِ وتَرَقُّبِ المَحْذُورِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ويَأْبى عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وتَرْتِيبُ غَفَرَ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ يُشْعِرُ بِأنَّ المُرادَ غَفَرَ لَهُ لِاسْتِغْفارِهِ وجُمْلَةُ ﴿ إنَّهُ ﴾ إلَخْ كالتَّعْلِيلِ لِلْعَلِيَّةِ أيْ إنَّهُ تَعالى هو المُبالِغُ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ عِبادِهِ ورَحْمَتِهِمْ، ولِذا كانَ اسْتِغْفارُهُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ لَهُ وتَوْسِيطُ قالَ بَيْنَ كَلامَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُخالَفَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الثّانِي مُناجاةٌ ودُعاءٌ بِخِلافِ الأوَّلِ، <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ قال مقاتل: يعني: قرية على رأس فرسخين.
وقال غيره: يعني: المصر عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها يعني: نصف النهار وقت القيلولة.
ويقال: ما بين المغرب والعشاء فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ يعني: من بني إسرائيل وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ يعني: من القبط.
وقال القتبي: هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي: من أصحابه، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أي: من أعدائه، والعدو يدل على الواحد والجمع، وذكر أن خباز فرعون أخذ رجلاً من بني إسرائيل سخرة، فأمره بأن يحمل الحطب إلى دار فرعون فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ يعني: هذا الذي من شيعة موسى استغاث بموسى عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى يعني: ضربه بكفه ضربة في صدره.
وقال القتبي: فَوَكَزَهُ يعني: لكزه ويقال: لكزته ووكزته إذا دفعته فَقَضى عَلَيْهِ يعني: مات الخباز بضربته، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه.
فمعنى قوله: فَقَضى عَلَيْهِ، أي: قتله ولم يتعمد قتله، وكان موسى شديد البطش، ثم ندم على قتله فقال: إني لم أؤمر بالقتل، وإن كان كافراً قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ يعني: هو الذي حملني على هذا الفعل إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ يعني: يضل الخلق مُبِينٌ يعني: ظاهر العداوة.
ثم استغفر إلى الله تعالى فقال عز وجل: قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ يعني: غفر الله عز وجل ذنبه إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ للذنوب لمن تاب الرَّحِيمُ بخلقه.
<div class="verse-tafsir"
واسْتَوى معناه: تَكَامَلَ عَقْلُه، وذلك عند الجمهور مع الأربعين.
والحكمُ: الحِكْمَةُ، والعلمُ: المَعرِفَةُ بشرعِ إبراهيمَ عليه السلام.
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)
وقوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها.
قال السدي: كان موسى في وقتِ هذه القصةِ على رَسْمِ التعلُّقِ بفرْعَونَ، وكان يَرْكَبُ مَرَاكِبَه حتى إنه كان يُدْعَى مُوسَى بنَ فِرْعَوْنَ «١» ، فركب فرعونُ يوماً وسارَ إلى مدينةٍ من مدائنِ مِصْرَ، فركبَ مُوسَى بَعْدَه ولَحِق بتلكَ المدينَةِ في وقتِ القائِلة، وهو حينُ الغَفْلَة قاله ابن عباس «٢» ، وقال أيضاً: هو بين العِشَاء والعَتَمَة، وقيل غيرُ هذا «٣» .
وقوله تعالى: هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي من بني إسرائيل، وعَدُوِّهِ هم القِبْطُ، و «الوَكْزُ» : الضَّرْبُ باليدِ مجموعةً، وقرأ ابن مسعود «٤» : «فَلَكَزَهْ» والمعنى: واحد إلا أن اللَّكْزَ في اللَّحْيِ، والوَكْزَ علَى القَلْبِ، وفَقَضى عَلَيْهِ معناه: قتله مجهزا، ولم يرد
- عَلَيْهِ السلامُ- قَتَلَ القِبْطِيِّ، لَكِنْ وَافَقَتْ وَكْزَتُهُ الأجل فندم، ورأى أنّ ذلك من نزغ الشيطان في يده، ثم إن نَدَامَةَ موسى عليه السلام حَمَلَتْهُ على الخُضُوعِ لربِّه والاسْتِغْفَارِ من ذنبه، فغفر الله له ذلك، ومع ذلك لَم يَزَلْ عليه السلام يُعيد ذلك على نفسه مع علمه أَنه قَد غُفِر له، حتى إنَّهُ في القِيَامِةِ يَقُولُ: «وَقَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بقَتْلِهَا» حَسْبَمَا صَحَّ فِي حدِيثِ الشفاعة، ثم قال موسى- عليه السلام- معاهداً لربه: رَبِّ بنعمتِكَ عليّ وبسبب إحسانِك وغُفْرانِك، فأنا مُلْتَزِمٌ أَلاَّ أكون مُعِيناً للمجرمين هذا أحسن ما تأول.
وقال الطبري «١» : إنه قَسَمٌ أقسم بنعمة اللهِ عندَه.
قال ع «٢» : واحتج أهلُ الفضلِ والعلمِ بهذهِ الآيةِ في مَنْعِ خِدْمَة أهل الجَوْرِ ومَعُونَتِهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تَتَنَاوَلُ ذلكَ نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره.
قال ابن عباس: ثم إنَّ مُوسَى- عليه السلام- مرَّ وَهُوَ بحالةِ التَّرَقُّبِ وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قَاتَلَ القبطيَّ بالأَمسِ يُقاتِلُ آخرَ مِن القِبْطِ «٣» ، وكان قَتَلُ القبطيّ قد خفي على الناس واكْتَتَم، فلما رأَى الإسرائيلي موسى، استصرخه، بمعنى صاحَ بهِ مستغيثاً فلما رأى موسى- عليه السلام- قِتَالهُ لآخرَ أعظم ذلكَ وقال له مُعَاتباً ومُؤَنِّباً: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ وكانت إرادة موسى- عليه السلام- مع ذلك، أن ينصرَ الإسرائيلي، فلما دنا منهما، وحبس الإسرائيلي وفَزَعَ منه، وظن أنه ربما ضَرَبَه، وفزع من قوتِهِ التي رأى بالأمس، فناداه بالفضيحةِ وشهَّر أمرَ المقتُولِ، ولما اشْتَهِرَ أنَّ مُوسَى قَتَل القَتِيلَ، وكان قول الإسرائيلي يَغْلِبُ على النفُوسِ تصديقُه على موسَى، مَعَ ما كانَ لِمُوسَى مِنَ المقدِّمَاتِ أتى رأي فرعون وملئه علَى قَتْلِ مُوسَى، وغَلَبَ على نفسِ فرعون أنه المشارُ إليه بفَسَادِ المَمْلَكَةِ، فأنْفَد فيهِ مَنْ يطلُبه ويأْتي بهِ للقَتْلِ، وألْهَمَ اللهُ رَجُلاً يقالُ إنه مؤمِنٌ مِن آل فرعَونَ أو غيره، فجاء إلى موسَى وبَلَّغَهُ قبلَهُم ويَسْعى / معناه: يسرع في مشيه قاله ٥٦ ب الزجاج «٤» وغيره، وهو دون الجري، فقال: يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ...
الآية.
ت قال الهروي: قوله تعالى: يَأْتَمِرُونَ بِكَ أي: يؤامُرُ بعضهم بعضا في
قَتلِك، وقال الأزهري: الباءُ في قوله: يَأْتَمِرُونَ بِكَ بمعنى: «في» يقال: ائتَمَرَ القومُ إذا شَاوَرَ بَعْضُهمْ بَعْضاً، انتهى.
وعن أبي مجلز- واسمه لاحق بن حميد- قال: من خاف من أمير ظُلُماً فقال: رضيت بالله رَبّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيّاً وبالقرآن حَكَماً وإماماً، نجَّاه الله منه رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ، انتهى من «السلاح» .
وتِلْقاءَ معناه نَاحِيَةَ مدين، وبينَ مِصرَ ومَدْيَنَ مسيرةَ ثَمانِيَةَ أيامٍ، وكانَ مُلْكُ مدين لغير فرعونَ، ولما خَرَجَ عليه السلام فارّاً بنفسهِ منفرداً حافياً لا شيءَ معه ولا زادَ وغيرَ عارفٍ بالطريقِ أسْنَدَ أمرَه إلى اللهِ تعالى وقال: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ومشى- عليه السلامُ- حتى وَرَدَ ماءَ مدينَ، وَوُرُودُهُ المَاءَ، معناه: بلُوغُه، ومدينُ: لا ينْصَرِفُ إذ هو بلدٍ معروفٌ، والأمَّة:
الجمعُ الكثيرُ، ويَسْقُونَ معناه: ماشيتهم، ومِنْ دُونِهِمُ معناه: ناحيةً إلى الجهةِ الَّتي جَاء مِنها، فَوَصَل إلى المرْأَتَيْنِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى الأمّة، وتَذُودانِ معناه: تَمْنعَانِ، وتَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ الماءِ خوفاً من السقاة الأقوياء، وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ، أي: لا يستطيعُ لِضَعْفِهِ أن يُبَاشِرَ أمْرَ غَنَمِه.
وقوله تعالى: فَسَقى لَهُما.
قالت فرقة: كانت آبارهم مغطاةً بحجارةٍ كبارٍ، فَعَمَدَ إلى بِئْرٍ، وكان حَجَرُهَا لاَ يرفعُه إلاَّ جَماعَة، فَرَفَعَهُ وسقى للمرأتين.
فَعَنْ رَفْعِ الصَّخْرَةِ وصِفتْه إحداهُما بالقوة، وقيل:
وصفَتْه بالقوة لأنه زَحَمَ النَّاسَ وغَلَبَهُمْ عَلى المَاءِ حتى سَقَى لهما.
وقرأ الجمهور «١» «يُصْدِر الرِّعَاء» - على حَذْفِ المفعولِ- تقديرُه: مواشِيَهم، وتَولّى موسى إلى الظلّ وتعرّض لسؤال ما يطعمه بقوله: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ولم يُصَرِّحْ بسؤالٍ هكَذا، رَوَى جَمِيعُ المفسرينَ أنَّه طلبَ في هذا الكلامَ ما يأكلُه، قال ابن عباس: وكان قَدْ بَلَغَ به عليه السلام الجوعُ إلى أن اخْضَرَّ لونُه من أكل البَقْل، وَرُئِيَتْ خُضْرة البقْلِ في بَطْنِهِ، وإنه لأَكْرَمُ الخلقِ يومئِذٍ على الله، وفي هذا مُعْتَبَرٌ وحاكمٌ بهَوَانِ الدُّنْيا على «٢» الله تعالى، وعن معاذ بن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «من أكل طعاما، فقال:
﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ قَدْ فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ (يُوسُفَ: ٢٢)، وكَلامُ المُفَسِّرِينَ في لَفْظِ الآيَتَيْنِ مُتَقارِبٌ، إلّا أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَ بُلُوغِ الأشُدِّ وبَيْنَ الِاسْتِواءِ؛ فَأمّا بُلُوغُ الأشُدِّ، فَقَدْ سَلَفَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٥٢] .
وَفِي مُدَّةِ الِاسْتِواءِ لَهم قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: سُتُّونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَكَثَ عِنْدَ أُمِّهِ حَتّى فَطَمَتْهُ، ثُمَّ رَدَّتْهُ إلَيْهِمْ، فَنَشَأ في حِجْرِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتِهِ واتَّخَذاهُ ولَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مِصْرُ.
والثّانِي مَدِينَةٌ بِالقُرْبِ مِن مِصْرَ.
قالَ السُّدِّيُّ: رَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا ولَيْسَ عِنْدَهُ مُوسى، فَلَمّا جاءَ مُوسى رَكِبَ في أثَرِهِ فَأدْرَكَهُ المَقِيلُ في تِلْكَ المَدِينَةِ.
وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا تَوَهَّمَ فِرْعَوْنُ في مُوسى أنَّهُ عَدْوُّهُ أمَرَ بِإخْراجِهِ مِن مَدِينَتِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ إلّا بَعْدَ أنْ كَبُرَ فَدَخَلَها يَوْمًا ﴿ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها ﴾ .
وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ عِيدٍ لَهم، وكانُوا قَدْ اشْتَغَلُوا فِيهِ بِلَهْوِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ دَخَلَ نِصْفَ النَّهارِ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم لَمّا أخْرَجُوهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ حَتّى كَبِرَ، فَدَخَلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ عَنْ ذِكْرِهِ، لِأنَّهُ قَدْ نَسِيَ أمْرَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا مِن شِيعَتِهِ ﴾ أيْ: مِن أصْحابِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ وَهَذا مِن عَدُوِّهِ ﴾ أيْ: مِن أعْدائِهِ مِنَ القِبْطِ، والعَدُوِّ يَذْكُرُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ في الغائِبِ: " هَذا " و " هَذا "، عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ لِلْحَضْرَةِ؛ والمَعْنى: أنَّهُ إذا نَظَرَ إلَيْهِما النّاظِرُ قالَ: هَذا مِن شِيعَتِهِ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّ القِبْطِيَّ كانَ قَدْ سَخَّرَ الإسْرائِيلِيَّ أنْ يَحْمِلَ حَطَبًا إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ ﴿ فاسْتَغاثَهُ ﴾ أيْ: فاسْتَنْصَرَهُ، ﴿ فَوَكَزَهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الوَكْزُ: أنْ يَضْرِبَهُ بِجَمِيعِ كَفِّهِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " فَوَكَزَهُ " أيْ: لَكَزَهُ، يُقالُ: وكَزْتُهُ ولَكَزْتُهُ ولَهَزْتُهُ: إذا دَفَعْتُهُ، ﴿ فَقَضى عَلَيْهِ ﴾ أيْ: قَتَلَهُ؛ وكُلُّ شَيْءٍ فَرَغْتَ مِنهُ فَقَدْ قَضَيْتَهُ وقَضَيْتَ عَلَيْهِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيما وكَزَهُ بِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كَفَّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: عَصاهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
فَلَمّا ماتَ القِبْطِيُّ نَدِمَ مُوسى لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ، و ﴿ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ: هو الَّذِي هَيَّجَ غَضَبِي حَتّى ضَرَبْتُ هَذا، ﴿ إنَّهُ عَدُوٌّ ﴾ لِابْنِ آَدَمَ ﴿ مُضِلٌّ ﴾ لَهُ ﴿ مُبِينٌ ﴾ عَداوَتَهُ.
ثُمَّ اسْتَغْفِرْ ف ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ أيْ: بِقَتْلٍ هَذا، ولا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ.
﴿ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَوْنًا لِلْكافِرِينَ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإسْرائِيلِيَّ الَّذِي أعانَهُ مُوسى كانَ كافِرًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴾ ثُمْ إنَّ نَدَمَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حَمَلَتْهُ عَلى الخُضُوعِ لِرَبِّهِ تَعالى، والِاسْتِغْفارِ عن ذَنْبِهِ، فَغَفَرَ لَهُ خَطَأهُ ذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: عَرَفَ - واللهِ- المَخْرَجَ فاسْتَغْفِرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ السَلامُ يُعِيدُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ، حَتّى أنَّهُ في القِيامَةِ يَقُولُ: " «وَقَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ» حَسَبَ ما صَحَّ في حَدِيثِ الشَفاعَةِ.
ثُمْ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ مُعاهِدًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: "رَبِّ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وبِسَبَبِ إحْسانِكَ وغُفْرانِكَ فَأنا مُلْتَزِمْ ألّا أكُونَ مُعِينًا لِلْمُجْرِمِينَ"، هَذا أحْسَنُ ما تُؤُوِّلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّهُ قَسَّمٌ، أقْسَمَ بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى"، ويُضْعِفُهُ صُورَةُ جَوابِ القَسَمِ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ في قَوْلِهِ: ﴿ فَلَنْ أكُونَ ﴾ ؛ لِأنَّ القَسَمَ لا يَتَلَقّى بِـ "لَنْ"، والفاءُ تَمْنَعُ أنْ تُنَزَّلَ "لَنْ" مَنزِلَةَ "لا" أو "ما" فَتَأمَّلَهُ، واحْتَجَّ الطَبَرِيُّ بِأنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "فَلا تَجْعَلُنِي ظَهِيرًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واحْتَجَّ أهْلُ الفَضْلِ والعِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ في [مَنعِ] خِدْمَةِ أهْلِ الجَوْرِ ومَعُونَتِهِمْ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، ورَأوا أنَّها تَتَناوَلُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا ﴾ عِبارَةٌ عن كَوْنِهِ دائِمُ الخَوْفِ في كُلِّ أوقاتِهِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ زَيْدٌ عالِمًا.
و"يَتَرَقَّبُ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ رَقِيبٌ مِن فِعْلِهِ في القَتْلِ فَهو يَتَحَسَّسُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَمَرَّ وهو بِحالَةِ التَرَقُّبِ وإذا ذَلِكَ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي قاتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ يُقاتِلُ آخِرَ مَنِالقِبْطِ، وكانَ قَتْلُ القِبْطِيِّ قَدْ خُفِيَ عَنِ الناسِ واكْتُتِمْ، فَلَمّا رَأى الإسْرائِيلِيَّ اسْتَصْرَخَهُ الإسْرائِيلِيُّ، بِمَعْنى صاحَ بِهِ مُسْتَغِيثًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ كانَ الصُراخُ لَهُ قَرْعَ الظَنابِيبِ فَلَمّا رَأى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قِتالَهُ لِذَلِكَ الآخَرِ، أعْظَمَ ذَلِكَ، وقالَ لَهُ مُعاتِبًا ومُؤَنِّبًا: ﴿ إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴾ ، وكانَتْ إرادَةُ مُوسى -مَعَ ذَلِكَ- أنْ يَنْصُرَ الإسْرائِيلِيَّ، فَلِما دَنا مِنهُما وجَسَّ الإسْرائِيلِيُّ وفَزِعَ مِنهُ، وظَنَّ أنَّهُ رُبَّما ضَرَبَهُ، وفَزِعَ مِن قُوَّتِهِ الَّتِي رَأى بِالأمْسِ، وشَهِدَ أمْرَ القَتِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
بدل اشتمال من جملة ﴿ قال هذا من عمل الشيطان ﴾ [القصص: 15] لأن الجزم بكون ما صدر منه عملاً من عمل الشيطان وتغريره يشتمل على أن ذلك ظلم لنفسه، وأن يتوجه إلى الله بالاعتراف بخطئه ويفرّع عليه طلب غفرانه.
وسمى فعله ظلماً لنفسه لأنه كان من أثر فرط الغضب لأجل رجل من شيعته، وكان يستطيع أن يملك من غضبه فكان تعجيله بوكز القبطي وكزة قاتلة ظلماً جرّه لنفسه.
وسمّاه في سورة الشعراء (20) ضلالاً ﴿ قال فعلتها إذن وأنا من الضالين ﴾ وأراد بظلمه نفسه أنه تسبب لنفسه في مضرة إضمار القبط قتله، وأنه تجاوز الحد في عقاب القبطي على مضاربته الإسرائيلي.
ولعله لم يستقص الظالم منهما وذلك انتصار جاهلي كما قال وداك بن ثميل المازني يمدح قومه: إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم *** لأية حرب أم بأي مكان وقد اهتدى موسى إلى هذا كله بالإلهام إذ لم تكن يومئذ شريعة إلهية في القبط.
ويجوز أن يكون علمه بذلك مما تلقاه من أمه وقومها من تدين ببقايا دين إسحاق ويعقوب.
ولا التفات في هذا إلى جواز صدور الذنب من النبي لأنه لم يكن يومئذ نبيئاً، ولا مسألة صدور الذنب من النبي قبل النبوءة، لأن تلك مفروضة فيما تقرر حكمه من الذنوب بحسب شرع ذلك النبي أو شرع نبيء هو متبعه مثل عيسى عليه السلام قبل نبوءته لوجود شريعة التوراة وهو من أتباعها.
والفاء في قوله ﴿ فغفر له ﴾ للتعقيب، أي استجاب استغفاره فعجل له بالمغفرة.
وجملة ﴿ فغفر له ﴾ معترضة بين جملة ﴿ قال رب إني ظلمت نفسي ﴾ وجملة ﴿ قال رب بما أنعمت علي ﴾ [القصص: 17] كان اعتراضها إعلاماً لأهل القرآن بكرامة موسى عليه السلام عند ربه.
وجملة ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ تعليل لجملة ﴿ فغفر له ﴾ ؛ علل المغفرة له بأنه شديد الغفران ورحيم بعباده، مع تأكيد ذلك بصيغة القصر إيماء إلى أن ما جاء به هو من ظلم نفسه وما حفه من الأمور التي ذكرناها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
السّادِسُ: عِشْرُونَ سَنَةً، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
السّابِعُ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّامِنُ: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ.
التّاسِعُ: الحُلُمُ.
قالَهُ رَبِيعَةُ ومالِكٌ.
والأشَدُّ جَمْعٌ واخْتُلِفَ هَلْ لَهُ واحِدٌ أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لا واحِدَ لَهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: لَهُ واحِدٌ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شُدٌّ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
الثّانِي: شُدَّةٌ، قالَهُ الكِسائِيُّ.
﴿ واسْتَوى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: اعْتِدالُ القُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: خُرُوجُ اللِّحْيَةِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّالِثُ: انْتَهى شَبابُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الرّابِعُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ﴾ في الحُكْمِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العَقْلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: القُوَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: الفِقْهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِصْرُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: مَنفُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: عَيْنُ الشَّمْسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نِصْفَ النَّهارِ والنّاسُ قائِلُونَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَوْمَ عِيدٍ لَهم وهم في لَهْوِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: لِأنَّهم غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِهِ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن شِيعَتِهِ إسْرائِيلِيٌّ ومِن عَدُّوِّهِ قِبْطِيٌّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن شِيعَتِهِ مُسْلِمٌ ومِن عَدُّوِّهِ كافِرٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
﴿ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ ﴾ حَكى ابْنُ سَلامٍ أنَّ القِبْطِيَّ سَخَّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ لَهُ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ فاسْتَغاثَ بِمُوسى.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ خَبّازًا لِفِرْعَوْنَ ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسى ﴾ قالَ قَتادَةُ: بِعَصاهُ وقالَ مُجاهِدٌ: بِكَفِّهِ أيْ دَفَعَهُ، الوَكْزُ واللَّكْزُ واحِدٌ والدَّفْعُ.
قالَ رُؤْبَةُ: بِعَدَدٍ ذِي عُدَّةٍ ووَكْزٍ إلّا أنَّ الوَكْزَ في الصَّدْرِ واللَّكْزَ في الظَّهْرِ.
فِعْلُ مُوسى ذَلِكَ وهو لا يُرِيدُ قَتْلَهُ وإنَّما يُرِيدُ دَفْعَهُ.
﴿ فَقَضى عَلَيْهِ ﴾ أيْ فَقَتَلَهُ.
وَ ﴿ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ مِن إغْوائِهِ.
﴿ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾ قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ قَتْلُ الكافِرِ يَوْمَئِذٍ في تِلْكَ الحالِ لِأنَّها كانَتْ حالَ كَفٍّ عَنِ القِتالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ المَغْفِرَةِ.
الثّانِي: مِنَ الهِدايَةِ.
﴿ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ أيْ عَوْنًا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ ذَلِكَ فابْتُلِيَ لِأنَّ صاحِبَهُ الَّذِي أعانَهُ دَلَّ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني ظلمت نفسي ﴾ قال: بلغني أنه من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر.
فقتله ولم يؤمر.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال رب إني ظلمت نفسي ﴾ قال: عرف نبي الله عليه السلام من أين المخرج.
فأراد المخرج فلم يلق ذنبه على ربه.
قال بعض الناس: أي من جهة المقدور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ بقتلي نفسًا لم أومر بقتلها ﴿ فَاغْفِرْ لِي ﴾ أي: استر علي هذا الذنب ﴿ فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ (١) (١) "تفسير ابن جرير" 20/ 47، وأخرج عن قتادة قال: عرف المخرج فقال: ﴿ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَدَخَلَ المدينة ﴾ يعني مصر وقيل: قرية حولها، والأول أشهر ﴿ على حِينِ غَفْلَةٍ ﴾ قيل: في القائلة وقيل بين العشاءين، وقيل يوم عيد، وقيل كان قد جفا فرعون وخاف على نفسه فدخل مختفياً متخوفاً ﴿ هذا مِن شِيعَتِهِ ﴾ الذي من شعيته من بني إسرائيل، والذي من عدوّه من القبط ﴿ فَوَكَزَهُ موسى ﴾ أي ضربه، والوكز الدفع بأطراف الأصابع وقيل: بجمع الكف ﴿ فقضى عَلَيْهِ ﴾ أي قتله، ولم يرد أن يقتله ولكن وافقت وكزته الأجل، فندم وقال: هذا من عمل الشيطان أي إن الغضب الذي أوجب ذلك كان من الشيطان، ثم اعترف واستغفر فغفر الله له، فإن قيل: كيف استغفر من القتل وكان المقتول كافراً؟
فالجواب أنه لم يؤذن له في قتله، ولذلك يقول يوم القيامة: إني قتلت نفساً لم أومر بقتلها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويرى ﴾ بفتح الياء وإمالة الراء ﴿ فرعون وهامان وجنودهما ﴾ مرفوعات: حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤوا قوله ﴿ وحزناً ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ كوفي.
﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ أرضعيه ﴾ ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية ﴿ ولا تحزني ﴾ ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا.
﴿ من المرسلين ﴾ ه ﴿ وحزنا ﴾ ط ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ولك ﴾ ط ﴿ لا تقتلوه ﴾ ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي.
﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فارغاً ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ قصيه ﴾ ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله ﴿ فقالت ﴾ عطف على قوله ﴿ فبصرت ﴾ والحال معترض ﴿ ناصحون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يقتتلان ﴾ لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهراً ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفاً من ﴿ عدوّه ﴾ الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من ﴿ عدوّه ﴾ الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فغفر له ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ للمجرمين ﴾ ه ﴿ يستصرخه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ط ﴿ لهما ﴾ لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ بالأمس ﴾ ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل ﴿ المصلحين ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القول ﴿ من الناصحين ﴾ ه ﴿ يترقب ﴾ ز لما قلنا في ﴿ يسعى ﴾ ﴿ الظالمين ﴾ ه.
التفسير: فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء.
﴿ نتلو عليك ﴾ على لسان جبرائيل ﴿ من نبأ موسى وفرعون ﴾ أي طرفاً من خبرها متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو محقين ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء.
ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلاً سأل: وكيف كان نبؤهما؟
فقال مستأنفاً ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي طغى وتكبر في أرض مملكته ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافاً في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقاً مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم بنو إسرائيل والقبط.
وقوله ﴿ يستضعف ﴾ حال من الضمير في ﴿ جعل ﴾ أو صفة ﴿ شيعاً ﴾ أو مستأنف.
و ﴿ يذبح ﴾ بدل منه.
وقوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن ألبتة ﴿ ونريد ﴾ حكاية حال ماضية معطوفة على قوله ﴿ إن فرعون علا ﴾ فهذه أيضاً تفسير للنبأ.
وجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ يستضعف ﴾ اي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع.
﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ مقدمين في أمور الدين والدنيا.
وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير.
وعن مجاهد: دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكاً.
ومعنى الوراثة والتمكين في ارض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.
يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.
قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحفظيه.
فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها.
فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا: لم دخلت القابلة عليك؟
قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة.
فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟
فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً.
فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل.
فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر.
وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون.
وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس.
فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبناً، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها.
فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.
قال علماء البيان: اللام في قوله ﴿ ليكون لهم عدوّاً ﴾ لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلاً نتيجة المجيء في قولك "جئتك لتكرمني" وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضاً.
ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم اذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم.
قال النحويون ﴿ قرة عين ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ و ﴿ لا تقتلوه ﴾ خبراً لأن الطلب لا يقع خبراً إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب.
روي في حديث أن آسية حين قالت ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ قال فرعون: لك لا لي، ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها.
ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء.
قال في الكشاف ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ حال من آل فرعون.
وقوله ﴿ إن فرعون ﴾ الآية.
جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً.
وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه.
قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالاً من فاعل ﴿ قالت ﴾ أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمآل وهو أن هلاكهم على يده وبسببه.
وقال الكلبي: اي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه.
قوله ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال الحسن: اي فارغاً من كل هم إلا من هم موسى.
وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعاً ودهشاً.
وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا ﴿ فألقيه في اليم ولا تخافي ﴾ الغرق وسائر المخاوف ﴿ ولا تحزني ﴾ والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعاً، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه.
ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها.
وقال أبو عبيدة: فارغاً من الخوف فالله يقول ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟
أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس.
وفي رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع.
وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون.
ثم قال ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن ﴿ لتكون من المؤمنين ﴾ المصدّقين بوعد الله وهو قوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ .
وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه.
والأول أظهر بدليل قوله ﴿ وقالت لأخته قصيه ﴾ اي اقتفي اثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم ﴿ فبصرت به ﴾ أي أبصرته ﴿ عن جنب ﴾ عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بحالها وغرضها.
والتحريم ههنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهراً فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه.
وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه.
وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة اشهر فعرف ريحها.
و ﴿ المراضع ﴾ جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا.
روي أنها لما قالت ﴿ وهم له ناصحون ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون.
والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد.
والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه.
فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها.
فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟
قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها.
قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة.
قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال ﴿ ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ﴾ أي أكثر الناس ﴿ لا يعلمون ﴾ حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله.
وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها.
قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول "ولكن أكثر الناس" كما قال في سورة يوسف ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً.
وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك.
وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله ﴿ ولتعلم ﴾ المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.
ثم بين كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلاً: ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ وزاد ههنا قوله ﴿ واستوى ﴾ فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد.
والأصح أنهما متغايران.
والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة.
وعن ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين.
وهو عند الأطباء سن الوقوف.
فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف.
والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم - قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله ﴿ ودخل المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب.
قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره في هذه السورة.
وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى ﴿ فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً ﴾ وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.
أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر.
وقال الضحاك: هي عين شمس.
وقيل: هي مصر.
وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو.
وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره.
قاله السدي.
وقيل: إن الغفلة لموسى من اهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر.
قال الزجاج: قوله ﴿ هذا ﴾ ﴿ وهذا ﴾ وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه.
عن مقاتل: أن الرجلين كان كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط.
واحتج عليه بأن موسى قال له ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً كأنه قال ممن شايعه على دينه.
وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلهاً.
يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون.
وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري ﴿ فاستغاثه ﴾ سأله أن يخلصه منه ﴿ فوكزه ﴾ أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف ﴿ فقضى عليه ﴾ أي أماته وقتله.
الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ وقال ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً؟
وأيضاً قوله ﴿ هذا من عدوّه ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً وكان دمه مباحاً والاستغفار من القتل المباح غير جائز.
وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر.
فقوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفاً الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به ﴿ فاغفر لي ﴾ فاستره على هذا كله.
إذا سلم أنه كان نبياً في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله.
ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلاً عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئاً آخر كما قررنا.
قوله ﴿ بما أنعمت عليّ ﴾ قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.
وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرماً.
وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى.
وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيراً والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها.
وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة.
عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل.
فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى.
وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله اراد أن جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز ﴿ أصبح ﴾ موسى من غد ذلك اليوم ﴿ خائفاً يترقب ﴾ الأخبار وما يقال فيه ﴿ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ﴾ يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد.
فغويّ بمعنى غاوٍ.
وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغوٍ لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء.
قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف.
وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ﴾ لا يليق إلا أن يكون قولاً للكافر.
قال جار الله: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن.
وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل.
وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة ﴾ أي من ابعد مسافاتها إليه.
وقوله ﴿ يسعى ﴾ صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفاً.
قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفاً وفي "يس" أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً.
والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بامره ومعنى ﴿ يأتمرون بك ﴾ يتشاورون بسببك.
وقوله ﴿ لك من الناصحين ﴾ كقوله ﴿ فيه من الزاهدين ﴾ وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة.
﴿ فخرج منها خائفاً يترقب ﴾ المكروه من جهتهم وأن يلحق به ﴿ قال ﴾ ملتجئاً إلى الله ﴿ رب نجني من القوم الظالمين ﴾ وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنباً وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص.
التأويل: ﴿ إن فرعون ﴾ النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية ﴿ وجعل أهلها ﴾ وهم الروح والسر والعقل أصنافاً في الاستخدام لاستيفاء الشهوات ﴿ يستضعف طائفة ﴾ وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ للاستعداد الفطري.
﴿ ونرى فرعون ﴾ النفس ﴿ وهامان ﴾ الهوى ﴿ وجنودهما ﴾ من الصفات البهيمية والسبعية ولاشيطانية ﴿ أم موسى ﴾ السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر ﴿ أن أرضعيه ﴾ من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية.
﴿ فألقيه في اليم ﴾ في الدنيا في تابوت القالب ﴿ وجاعلوه من المرسلين ﴾ أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي ﴿ فالتقطه آل فرعون ﴾ وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل ﴿ ليكون لهم ﴾ في العاقبة ﴿ عدوّاً ﴾ يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات.
﴿ وحزناً ﴾ بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله.
﴿ وقالت امرأة فرعون ﴾ النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في اسباب اللذات الحسيات.
﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بأن ينجينا من النار.
قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر.
﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم.
﴿ فؤاد أم موسى ﴾ هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل.
ودخل مدينة القالب ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ وهم الصفات النفسانية ﴿ فوجد فيها رجلين ﴾ صفتين.
إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس.
وفي قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ لآنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس.
﴿ وجاء رجل ﴾ هو العقل ﴿ من أقصى ﴾ مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة الروحانية ﴿ يسعى ﴾ في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية ﴿ خائفاً ﴾ من سطوات فرعون النفس ﴿ يترقب ﴾ مكايدهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: الأشد: هو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، ثم هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين استواء الشدة، ثم يأخذ بعد الأربعين في النقصان، ثم غيّر بعمره إلا أربعين سنة.
وقال بعضهم: بلغ أشده: ثلاث وثلاثون سنة واستوى: أربعون، وعن ابن عباس مثله.
وقال بعضهم: بلغ أشده قال: الأشد: الحلم، والاستواء: أربعون سنة.
وأصل الأشد: أن يشتد كل شيء منه، وصار يحتمل ما قصد به وجعل فيه، ويدخل في ذلك العقل وكل شيء.
واستوى: أي استوى ذلك واستحكم، وصار بحيث يحتمل ذلك.
وجائز أن يكون الاستواء هو الأشد الذي ذكره.
وقال أبو عوسجة والقتبي: واستوى: أي استحكم وانتهى شبابه واستقر، فلم يكن فيه زيادة، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ أي: آتيناه العلم الذي يحكم به بين الناس، وعلما بمصالح نفسه ومصالح الخلق.
وقال بعض أهل التأويل: الحكم: الفقه والعقل والعلم قبل النبوة.
وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ في الآخرة بالوعد الذي وعد لهم في الدنيا؛ كما جزي موسى بإنجاز ما وعد له، أو أن يكون من موسى إحسان وجهد في طلب العلم وغير ذلك مما أعطاه ذلك، وأخبر أنه كذلك يجزي من ذكر؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ كان وعده إياها أن يرده إليها ويجعله من المرسلين، ومعناه ما ذكر فيما تقدم.
قال الكسائي: يقال: امرأة مرضع: ما دامت ترضع، فإذا فطمت سميت: مرضعة، وما دامت حبلى فهي مرضعة، أي: سترضع.
وقوله: ﴿ وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ : قال عامة أهل التأويل: على حين غفلة أهل المدينة وهو عند الظهيرة، وذلك وقت القائلة.
وقال قائلون: على حين غفلة أهل البلد عن دخول موسى، أي: دخلها من غير أن شعروا به وعرفوا أنه موسى؛ على هذا التأويل الغفلة تكون على دخول موسى عليهم.
وعلى الأول على غفلة أهل المدينة، أي: وقت غفلتهم.
فإن كان على هذا فيحتمل أن يكون غفلة أهلها: هو أن كان ذلك يوم عيدهم خرجوا إليه، فدخل هو المدينة ليطلع أحوالها وأسبابها، إلا أن تكون العادة فيهم بأجمعهم يقيلون فذلك محتمل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ﴾ : قال بعض أهل الأدب: إن قوله: ﴿ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ﴾ إنما يقال للشاهد المشار إليه، فأما الغائب فإنه لا يقال، لكن قالوا: إن فيه إضماراً أو لطفاً؛ كأنه قال: فوجد فيها رجلين يقتتلان من نظر إليهما يقول: هذا من شيعته وهذا من عدوه.
ثم قال أهل التأويل: أحدهما كان إسرائيليّاً والآخر قبطيّاً.
فإن قيل: كيف سمي الإسرائيلي من شيعة موسى وذلك أوّل ما دخل موسى المدينة، وبنو إسرائيل يومئذ كانوا عباد الأصنام، وقد حبب ذلك إليهم حتى قالوا لموسى بعدما أخرجهم من المدينة وبعد هلاك فرعون والقبط جميعاً: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ ؛ وكذلك يقول مقاتل: كانا كافرين جميعاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، لكن يخرج هذا على الإضمار؛ كأنه قال: يكون هذا من شيعته وهذا من عدوه.
أو يقول: يكون هذا من قوم شيعته ويبقى هذا عدوّاً في قوم هم أعداؤه، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا ﴾ أي: يبقى عدوّاً لهما، أو أن يكون عدوّاً لهما؛ لأن أبا معاذ النحوي يستدل به على وهم مقاتل ووهمه في تأويله أنهما كانا كافرين جميعاً، لكن يخرج على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ﴾ أي: استغاثه الذي كان في علم الله أنه يكون من شيعته على الذي في علم الله أنه يبقى عدوّا له ينصره، والاستغاثة هي الاستعانة والاستنصار، أي: سأله أن يكون من شيعته.
وقوله: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ﴾ : قال أبو عوسجة: الوكزة: الطعن في الصدر.
وقال الزجاج والقتبي وهؤلاء: الوكزة: الدفعة ﴿ فَوَكَزَهُ ﴾ ، أي: دفعه.
﴿ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ﴾ : قال بعضهم: أي فرغ منه؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ أي: فرغ ونحوه.
وقال بعضهم: ﴿ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ﴾ أي: قتله.
وكلاهما سواء إذا قتله فقد فرغ منه، وهو لم يتعمد قتله ولا قصده، لكن الله قضى أجله وجعل انقضاء عمره بوكزة موسى، وهو في الظاهر قاتل؛ لأنه قال: ﴿ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ ، ولم يكذب الله موسى في قوله: إنك لم تقتل، وقال - أيضاً -: ﴿ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي...
﴾ الآية.
وفيه دلالة جواز الاستدلال لقول أبي حنيفة حيث قال: من قتل آخر بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة مما لا ينجو من مثله فإنه لا يقتل به، ولا يجب القصاص فيه؛ لأن موسى لما وكز ذلك القبطي فمات، وكان له قوة أربعين رجلا - لم ير القصاص به واجبا حيث قال له ذلك الرجل: ﴿ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ، ولو كان القصاص واجباً لكان أولئك لم يكونوا ظلمة في قتله، بل يكون هو الظالم فيه.
ولا يحتمل أن يكون القصاص واجباً - أيضاً - وموسى يفر من ذلك ويهرب وفي ذلك إبطال حقهم دل أنه لم يجب.
ولا شك أن وكزة من له قوة أربعين رجلا إلى الهلاك أسرع وأقرب وأعمل من الضرب بالحجر العظيم أو الخشبة العظيمة، فإذا لم يجب في هذا لم يجب في ذاك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ : قال بعضهم: بما أنعمت عليَّ بالمغفرة، فلم تعاقبني بقتل النفس وعصمتني من أن أعاقب به في الدنيا.
وجائز أن يكون بما أنعم عليه هو قوته التي أعطاها أخبر أنه لا يكون بها ظهيرا للمجرمين، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ : أكثر ما ذكر في القرآن (أصبح)، أي: صار؛ كقوله: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً ﴾ ونحوه، وأما هاهنا قوله: ﴿ فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً ﴾ إنما يريد: الصباح نفسه.
وقوله: ﴿ يَتَرَقَّبُ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ﴿ يَتَرَقَّبُ ﴾ أي: ينتظر سوءاً يناله منهم.
وقال أبو عوسجة: الترقب: الخوف؛ كأنه قال: خائفاً يخاف هلاكه، وأصل الترقب هو النظر؛ لأن موسى كان يرقب من يطلبه ومن يأتيه في طلبه، وهو من الرقيب.
وقوله: ﴿ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ : كأن الرجل الذي أخبر أنه من شيعة موسى كان ضعيفاً في نفسه، حيث لا يقدر أن يقوم لواحد؛ فيستغيث بموسى ويستعين به، إلا أنه كان يخاطب وينازع ويقاتل لسوء فيه وبلاء يقاتل وينازع، وإلا لم يكن بنفس هذا قوة ما يقوم لواحد فمن حيث لا يقاتل مثله، ولكنه لما ذكرنا من سوء به؛ ولذلك قال له موسى: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ ، لكن موسى إنما عرف غوايته بالاستدلال الذي ذكرنا لا بالمشاهدة؛ ولذلك أراد أن يبطش بالذي هو عدوّ لهما لئلا يقتله ولا يهلكه لما عرف غوايته بالاستدلال لا حقيقة.
وذكر هاهنا البطش - وهو الأخذ باليد - وفي الأول ذكر الوكزة: وهي الدفع والطعن على ما ذكرنا، فهو - والله أعلم - لأنه لما وكز الأوّل فأتت الوكزة على نفسه فقتلته، فأخذ هذا من هذا ليمنعه عن إهلاكه وإتلافه، ولا يأتي على نفس الآخر كما فعلت الوكزة.
ثم قال: ﴿ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ ﴾ : اختلف في قائل هذا: قال عامة أهل التأويل: إن قائل هذا هو الذي استصرخه واستغاثه بالأمس ظن أن موسى إنما أراد بطشه وأخذه وإليه قصد؛ لذلك قال: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ ﴾ .
وقال قائلون: هذا القول إنما قال له ذلك القبطي، فإن كان هذا فهو يدل أن قتله ذلك الرجل بالأمس كان ظاهراً، حيث علم به القبطي، وكان قوله: ﴿ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ أي: من دخول موسى المدينة.
وإن كان هو الأول كان قتله إياه خفيّاً غير ظاهر، فعلى هذا تكون الغفلة على أهل المدينة ليس على دخول موسى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ ﴾ ؛ لأن الذي يصلح بين اثنين لا يقتل ولا يأخذ أحدهما دون الآخر، ولكن يصلح بينهما على السواء الذي قال ما قال.
وقوله: ﴿ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : قال بعضهم: يقول هكذا فعل الجبابرة، يقتلون النفس بغير نفس.
وقال بعضهم: الجبابرة تقتل النفس بغير نفس.
وقال بعضهم: الجبار: هو الذي يحمل الناس على هواه وعلى ما يريده، ويقهرهم على ذلك شاءوا أو أبوا.
وقال بعضهم: الجبار: هو الذي يتكبر على الناس لا يرى أحداً لنفسه نظيراً أو كلام نحوه.
ويقال: كل قاتل آخر على الغضب بغير حق فهو جبار.
وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ ﴾ : يحتمل أن يكون أقصى المدينة هو سكن فرعون ومقامه، فمنه جاءه ذلك الرجل.
أو أن يكون أقصى المدينة: موطن الملأ والأشراف الذين ذكر أنهم ائتمروا على قتله.
وقوله: ﴿ يَسْعَىٰ ﴾ : والسعي: هو العَدْوُ في اللغة، كأنه يسرع المشي إليه ليخبره بذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ﴾ .
﴿ يَأْتَمِرُونَ ﴾ : قال بعضهم: يتشاورون في قتلك.
وقال الزجاج: ﴿ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ﴾ أي: يأمر بعضهم بعضا أن يقتلوك.
وقال القتبي: ﴿ يَأْتَمِرُونَ ﴾ : أي يهمون في قتلك، وذكر عنه أنه قال: ﴿ يَأْتَمِرُونَ ﴾ : يتشاورون بك؛ وهو قول أبي عوسجة.
وأصل الائتمار في اللغة هو الطاعة والاتباع لما يؤمر من الفعل، كأن فرعون أمر الملأ أن يقتلوه فأطاعوه وائتمروا لأمره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ ﴾ : قال الزجاج: قوله: ﴿ لَكَ ﴾ صلة، والصلة لا تتقدم الموصول به، ولكن معناه: فاخرج إني لك من الناصحين الذين ينصحون لك، وليس كما قال؛ الصلة تتقدم وتتأخر، وذلك ظاهر الكلام.
وقوله: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ : قد ذكرنا هذا.
دل قوله: ﴿ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ أن الخوف قد يكون من دون الله.
وجائز أن يخاف من غيره، وليس كما يقول بعض الناس: إنه لا يسع الخوف من دون الله، وحقيقة الخوف تكون من الله يخاف أن ينتقم منه على يدي هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : يحتمل الظالم كل مشرك؛ لأن كل مشرك ظالم.
ويحتمل قوله: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ حيث هموا قتله، وقتل موسى ذلك القبطي لم يوجب عليه القتل والقصاص؛ لأنه لم يتعمد قتله أو لم يقتله بسلاح يجب به القتل، فذكر أنهم فيما هموا قتله ظلمة.
<div class="verse-tafsir"
قال موسى داعيًا ربه معترفًا بما حصل منه: رب إني ظلمت نفسي بقتل هذا القِبْطي، فاغفر لي ذنبي، فبيّن الله لنا مغفرته لموسى، إنه هو الغفور لمن تاب من عباده، الرحيم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.Gv0qP"