الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٣٠ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 105 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٠ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الله تعالى : ( فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن ) أي : من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب ، كما قال تعالى : ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ) ، فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة ، والجبل الغربي عن يمينه ، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحف الجبل مما يلي الوادي ، فوقف باهتا في أمرها ، فناداه ربه : ( من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ) .
قال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : رأيت الشجرة التي نودي منها موسى ، عليه السلام ، سمرة خضراء ترف .
إسناده مقارب .
وقال محمد بن إسحاق ، عن بعض من لا يتهم ، عن وهب بن منبه قال : شجرة من العليق ، وبعض أهل الكتاب يقول : من العوسج .
وقال قتادة : هي من العوسج ، وعصاه من العوسج .
وقوله تعالى : ( أن ياموسى إني أنا الله رب العالمين ) أي : الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين ، الفعال لما يشاء ، لا إله غيره ، ولا رب سواه ، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته ، وأقواله وأفعاله سبحانه !
القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) يقول تعالى ذكره: فلما أتى موسى النار التي آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ ( نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَن ) يعني بالشاطئ: الشط, وهو جانب الوادي وعدوته, والشاطئ يجمع شواطئ وشطآن.
والشطّ: الشُّطوطَ، والأيمن: نعت من الشاطئ عن يمين موسى.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَن ) قال ابن عمرو في حديثه: عند الطور.
وقال الحارث في حديثه: من شاطئ الوادي الأيمن عند الطور عن يمين موسى.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ ) قال: شِقّ الوادي عن يمين موسى عند الطور.
وقوله: ( فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ ) من صلة الشاطئ.
وتأويل الكلام: فلما أتاها نادى الله موسى من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة منه من الشجرة ( أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ).
وقيل: إن معنى قوله: (مِنَ الشَّجَرَةِ): عند الشجرة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) قال: نودي من عند الشجرة (أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ).
وقيل: إن الشجرة التي نادى موسى منها ربه: شجرة عَوْسَج.
وقال بعضهم: بل كانت شجرة العُلَّيق.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, في قوله: ( الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ) قال: الشجرة عوسج.
قال معمر, عن قَتادة: عصا موسى من العَوْسج; والشجرة من العَوْسج.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض من لا يتهم, عن بعض أهل العلم إِنِّي آنَسْتُ نَارًا قال: خرج نحوها, فإذا هي شجرة من العُلَّيق, وبعض أهل الكتاب يقول: هي عَوْسجة.
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمرو بن مرة, عن أبي عبيدة, عن عبد الله قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى عليه السلام, شجرة سَمْراء خضراء ترفّ.
قوله تعالى : فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين .قوله تعالى : فلما أتاها يعني الشجرة قدم ضميرها عليها نودي من شاطئ الوادي ( من ) الأولى والثانية لابتداء الغاية ، أي أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة و ( من الشجرة ) بدل من قوله : من شاطئ الوادي بدل الاشتمال ، لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ ، وشاطئ الوادي وشطه : جانبه ، والجمع شطان وشواطئ ، وذكره القشيري ، وقال الجوهري : ويقال شاطئ الأودية ، ولا يجمع ، وشاطأت الرجل إذا مشيت على شاطئ ومشى هو على شاطئ آخر ( الأيمن ) أي عن يمين موسى وقيل : عن يمين الجبل ( في البقعة المباركة ) من الشجرة وقرأ الأشهب العقيلي : ( في البقعة ) بفتح الباء وقولهم ( بقاع ) يدل على بقعة ، كما يقال جفنة وجفان ومن قال : بقعة ، قال : بقع ، مثل غرفة وغرف .
من الشجرة أي من ناحية الشجرة .
قيل : كانت شجرة العليق .
وقيل : سمرة .
وقيل : عوسج ومنها كانت عصاه ، ذكره الزمخشري وقيل : عناب ، والعوسج إذا عظم يقال له : الغرقد .وفي الحديث : إنه من شجر اليهود فإذا نزل عيسى وقتل اليهود الذين مع الدجال فلا يختفي أحد منهم خلف شجرة إلا نطقت وقالت : يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود فلا ينطق خرجه مسلم قال المهدوي : وكلم الله تعالى موسى عليه السلام من فوق عرشه وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء ولا يجوز أن يوصف الحق تعالى بالانتقال والزوال وشبه ذلك من صفات المخلوقين قال أبو المعالي : وأهل المعاني وأهل الحق يقولون : من كلمه الله تعالى وخصه بالرتبة العليا والغاية القصوى ، فيدرك كلامه القديم المتقدم عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات ، كما أن من خصه الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته ، ورزقه رؤيته يرى الله سبحانه منزها عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث ، ولا مثل له سبحانه في ذاته وصفاته ، وأجمعت الأمة على أن الرب تعالى خصص موسى عليه السلام وغيره من المصطفين من الملائكة بكلامه قال الأستاذ أبو إسحاق : اتفق أهل الحق على أن الله تعالى خلق في موسى عليه السلام معنى من المعاني أدرك به كلامه كان اختصاصه في سماعه ، وأنه قادر على مثله في جميع خلقه .
واختلفوا في نبينا عليه السلام هل سمع ليلة [ ص: 260 ] الإسراء كلام الله ، وهل سمع جبريل كلامه على قولين ; وطريق أحدهما النقل المقطوع به ، وذلك مفقود ، واتفقوا على أن سماع الخلق له عند قراءة القرآن على معنى أنهم سمعوا العبارة التي عرفوا بها معناه دون سماعه له في عينه .
وقال عبد الله بن سعد بن كلاب : إن موسى عليه السلام فهم كلام الله القديم من أصوات مخلوقة أثبتها الله تعالى في بعض الأجسام .
قال أبو المعالي : وهذا مردود ; بل يجب اختصاص موسى عليه السلام بإدراك كلام الله تعالى خرقا للعادة ، ولو لم يقل ذلك لم يكن لموسى عليه السلام اختصاص بتكليم الله إياه ، والرب تعالى أسمعه كلامه العزيز ، وخلق له علما ضروريا ، حتى علم أن ما سمعه كلام الله ، وأن الذي كلمه وناداه هو الله رب العالمين ، وقد ورد في الأقاصيص أن موسى عليه السلام قال : سمعت كلام ربي بجميع جوارحي ، ولم أسمعه من جهة واحدة من جهاتي وقد مضى هذا المعنى في ( البقرة ) مستوفى أن يا موسى ( أن ) في موضع نصب بحذف حرف الجر أي ب ( أن يا موسى ) .
إني أنا الله رب العالمين نفي لربوبية غيره سبحانه ، وصار بهذا الكلام من أصفياء الله عز وجل لا من رسله ; لأنه لا يصير رسولا إلا بعد أمره بالرسالة ، والأمر بها إنما كان بعد هذا الكلام .
فلما أتاها نودي { يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } فأخبر بألوهيته وربوبيته، ويلزم من ذلك، أن يأمره بعبادته، وتألهه، كما صرح به في الآية الأخرى { فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي }
( فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن ) من جانب الوادي الذي عن يمين موسى ، ( في البقعة المباركة ) لموسى ، جعلها الله مباركة لأن الله كلم موسى هناك وبعثه نبيا .
وقال عطاء : يريد المقدسة ، ( من الشجرة ) من ناحية الشجرة ، قال ابن مسعود : كانت سمرة خضراء تبرق ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي : كانت عوسجة .
قال وهب من العليق ، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - : أنها العناب ، ( أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين )
«فلما أتاها نودي من شاطئ» جانب «الواد الأيمن» لموسى «في البقعة المباركة» لموسى لسماعه كلام الله فيها «من الشجرة» بدل من شاطئ بإعادة الجار لنباتها فيه وهي شجرة عناب أو عليق أو عوسج «أن» مفسرة لا مخففة «يا موسى إني أنا الله رب العالمين».
فلما أتى موسى النار ناداه الله من جانب الوادي الأيمن لموسى في البقعة المباركة من جانب الشجرة: أن يا موسى إني أنا الله رب العالين، وأن ألق عصاك، فألقاها موسى، فصارت حية تسعى، فلما رآها موسى تضطرب كأنها جانٌّ من الحيات ولَّى هاربًا منها، ولم يلتفت من الخوف، فناداه ربه: يا موسى أقبل إليَّ ولا تَخَفْ؛ إنك من الآمنين من كل مكروه.
ثم بين - سبحانه - : ما حدث لموسى بعد أن وصل إلى الجهة التى فيها النار فقال - تعالى - : ( فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة أَن ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين ) .والضمير فى " أتاها " ، يعود إلى النار التى رآها ، وشاطىء الوادى : جانبه ، والأيمن : صفته .أى : فحين أتى موسى - عليه السلام - إلى النار التى أبصرها ، ( نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن ) أى سمع نداء من الجانب الأيمن بالنسبة له ، أى : لموسى وهو يسير إلى النار التى رآها ، فمن لابتداء الغاية .ويرى بعضهم أن المراد بالأيمن .
أى : المبارك ، مأخوذ من اليمن بمعنى البركة .وقوله : ( فِي البقعة المباركة ) متعلق بقوله ( نُودِيَ ) أو بمحذوف حال من الشاطىء .وقوله : ( مِنَ الشجرة ) بدل اشتمال من شاطىء الوادى ، فإنه كان مشتملا عليها .والبقعة : اسم للقطعة من الأرض التى تكون غير هيئة القطعة المجاورة لها وجمعها بقع بضم الباء وفتح القاف - وبقاع .ووصفت بالبركة : لما وقع فيها من التكليم والرسالة لموسى ، و إظهار المعجزات والآيات على يديه .أى : فلما اقترب موسى من النار ، نودى من ذلك المكان الطيب ، الكائن على يمينه وهو يسير إليه .
والمشتمل على البقعة المباركة من ناحية الشجرة .ولعل التنصيص على الشجرة ، للإشارة إلى أنها كانت الوحيدة فى ذلك المكان .و ( أَن ) فى قوله - تعالى - : ( أَن ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين ) تفسيرية ، لأن النداء قوله .أى : نودى أن يا موسى تنبه وتذكر إنى أنا الله رب العالمين .قال الإمام ابن كثير : وقوله - تعالى - : ( أَن ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين ) أى : الذى يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين ، الفعال لما يشاء لا إله غيره .
ولا رب سواه ، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات فى ذاته وصفاته وأقواله - سبحانه - .
اعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما» أي قضى أوفى الأجلين، وقال مجاهد قضى الأجل عشر سنين ومكث بعد ذلك عنده عشر سنين وقوله: ﴿ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءانَسَ ﴾ يدل على أن ذلك الإيناس حصل عقيب مجموع الأمرين ولا يدل على أنه حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل، فبطل ما قاله القاضي من أن ذلك يدل على أنه لم يزد عليه وقوله: ﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ﴾ ليس فيه دلالة على أنه خرج منفرداً معها وقوله: ﴿ امكثوا ﴾ فيه دلالة على الجمع.
أما قوله: ﴿ إِنّى آنَسْتُ نَاراً ﴾ فقد مر تفسيره في سورة طه والنمل.
أما قوله: ﴿ لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ﴾ ففيه أبحاث: الأول: قال صاحب الكشاف الجذوة باللغات الثلاث وقد قرئ بهن جميعاً وهو العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن، قال الزجاج الجذوة القطعة الغليظة من الحطب.
الثاني: قد حكينا في سورة طه أنه أظلم عليه الليل في الصحراء وهبت ريح شديدة فرقت ماشيته وضل وأصابهم مطر فوجدوا برداً شديداً فعنده أبصر ناراً بعيدة فسار إليها يطلب من يدله على الطريق وهو قوله: ﴿ آتيكم منها بخبر ﴾ أو آتيكم من هذه النار بجذوة من الحطب لعلكم تصطلون وفي قوله: ﴿ لعلي آتيكم منها بخبر ﴾ دلالة على إنه ضل وفي قوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ دلالة على البرد.
أما قوله: ﴿ فَلَمَّا أتاها نُودِىَ مِن شَاطِئ الوادى الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة أَن ياموسى إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين ﴾ فاعلم أن شاطئ الوادي جانبه وجاء النداء عن يمين موسى من شاطئ الوادي من قبل الشجرة وقوله: ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ بدل من قوله: ﴿ مِن شَاطِئ الوادى ﴾ بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ كقوله: ﴿ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ ﴾ وإنما وصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة وتكليم الله تعالى إياه وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: احتجت المعتزلة على قولهم إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله: ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ فإن هذا صريح في أن موسى عليه السلام سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك النداء هو الله سبحانه وهو تعالى منزه أن يكون في جسم فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم أجاب القائلون بقدم الكلام فقالوا لنا مذهبان الأول: قول أبي منصور الماتريدي وأئمة ما وراء النهر وهو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير مسموع إنما المسموع هو الصوت والحرف وذلك كان مخلوقاً في الشجرة ومسموعاً منها، وعلى هذا التقدير زال السؤال الثاني: قول أبي الحسن الأشعري وهو أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً، كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية فعلى هذا القول لا يبعد أنه سمع الحرف والصوت من الشجرة وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة فلا منافاة بين الأمرين، واحتج أهل السنة بأن محل قوله: ﴿ إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين ﴾ لو كان هو الشجرة لكان قد قالت الشجرة إني أنا الله، والمعتزلة أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم بالكلام هو محل الكلام لا فاعله وهذا هو أصل المسألة، أجاب أهل السنة بأن الذراع المسموم قال لا تأكل مني فإني مسموم ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى، فإن كان المتكلم بالكلام هو فاعل ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال لا تأكل مني فإني مسموم، وهذا باطل وإن كان المتكلم هو محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت إني أنا الله وكل ذلك باطل.
المسألة الثانية: يحتمل أن يقال إنه تعالى خلق فيه علماً ضرورياً بأن ذلك الكلام كلام الله، والمعتزلة لا يرضون بذلك قالوا لأنه لو علم بالضرورة أن ذلك الكلام كلام الله لوجب أن يعلم بالضرورة وجود الله تعالى لأنه يستحيل أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلومة بالنظر ولو علم موسى أنه الله تعالى بالضرورة لزال التكليف ويحتمل أن يقال إنه تعالى لما أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت عرف أن مثل ذلك الكلام لا يمكن أن يكون كلام الخلق ويحتمل أن يقال إن ظهور الكلام من الشجرة كظهور التسبيح من الحصى في أنه يعلم أن مثل ذلك لا يكون إلا من الله تعالى، ويحتمل أن يكون المعجز هو أنه رأى النار في الشجرة الرطبة فعلم أنه لا يقدر على الجمع بين النار وبين خضرة الشجرة إلا الله تعالى، ويحتمل أن يصح ما يروى أن إبليس لما قال له كيف عرفت أنه نداء الله تعالى؟
قال لأني سمعته بجميع أجزائي، فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء علم أن ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى، وهذا إنما يصح على مذهبنا حيث قلنا البنية ليست شرطاً.
المسألة الثالثة: قال في سورة النمل (8): ﴿ نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ وقال هاهنا ﴿ نودي...
إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين ﴾ وقال في طه (11، 12): ﴿ نُودِىَ...
إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ ﴾ ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء.
المسألة الرابعة: قال الحسن إن موسى عليه السلام نودي نداء الوحي لا نداء الكلام والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ قال الجمهور إن الله تعالى كلمه من غير واسطة والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ وسائر الآيات، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف لأن قوله: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ لم يكن بالوحي لأنه لو كان ذلك أيضاً بالوحي لانتهى آخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي وإلا لزم التسلسل بل المراد من قوله: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل إليه في مستقبل الزمان بالوحي.
أما قوله: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ ياموسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الأمنين ﴾ فقد تقدم تفسير كل ذلك، وقوله: ﴿ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ صريح في أنه تعالى شبهها بالجان ولم يقل إنه في نفسه جان، فلا يكون هذا مناقضاً لكونه ثعباناً بل شبهها بالجان من حيث الاهتزاز والحركة لا من حيث المقدار، وقد تقدم الكلام في خوفه، ومعنى ﴿ وَلَمْ يُعَقّبْ ﴾ لم يرجع، يقال عقب المقاتل إذا كر بعد الفر، وقال وهب إنها لم تدع شجرة ولا صخرة إلا ابتلعتها حتى سمع موسى عليه السلام صرير أسنانها وسمع قعقعة الصخر في جوفها فحينئذ ولى، واختلفوا في العصا على وجوه: أحدها: قالوا إن شعيباً كانت عنده عصي الأنبياء عليهم السلام، فقال لموسى بالليل إذا دخلت ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم عليه السلام من الجنة ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب عليه السلام فقال أرني العصا فلمسها وكان مكفوفاً فضن بها فقال خذ غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له معها شأناً.
وروي أيضاً أن شعيباً عليه السلام أمر ابنته أن تأتي بعصا لأجل موسى عليه السلام فدخلت البيت وأخذت العصا وأتته بها فلما رآها الشيخ قال ائتيه بغيرها فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلم يقع في يدها غيرها، فلما رأى الشيخ ذلك رضي به ثم ندم بعد ذلك وخرج يطلب موسى عليه السلام فلما لقيه قال أعطني العصا، قال موسى هي عصاي فأبى أن يعطيه إياها فاختصما، ثم توافقا على أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فأتاهما ملك يمشي فقضى بينهما فقال ضعوها على الأرض فمن حملها فهي له فعالجها الشيخ فلم يطق وأخذها موسى عليه السلام بسهولة، فتركها الشيخ له ورعى له عشر سنين.
وثانيها: روى ابن صالح عن ابن عباس قال كان في دار بيرون ابن أخي شعيب بيت لا يدخله إلا بيرون وابنته التي زوجها من موسى عليه السلام، وأنها كانت تكنسه وتنطفه، وكان في ذلك البيت ثلاث عشرة عصا، وكان لبيرون أحد عشر ولداً من الذكور فكلما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصي فرجع موسى ذات يوم إلى منزله، فلم يجد أهله واحتج إلى عصا لرعيه فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها فلما علمت المرأة ذلك انطلقت إلى أبيها وأخبرته بذلك فسر بذلك بيرون وقال لها إن زوجك هذا لنبي، وإن له مع هذه العصا لشأناً.
وثالثها: في بعض الأخبار أن موسى عليه السلام لما عقد العقد مع شعيب وأصبح من الغد وأراد الرعي قال له شعيب عليه السلام اذهب بهذه الأغنام فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر فإن بها تنيناً عظيماً فأخشى عليك وعلى الأغنام منه، فذهب موسى بالأغنام فلما بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يردها فلم يقدر فسار على أثرها فرأى عشباً كثيراً، ثم إن موسى عليه السلام نام والأغنام ترعى وإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى عليه السلام فقاتلته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية فلما استيقظ موسى عليه السلام رأى العصا دامية والتنين مقتولاً فارتاح لذلك وعلم أن لله تعالى في تلك العصا قدرة وآية، وعاد إلى شعيب عليه السلام وكان ضريراً فمس الأغنام فإذا هي أحسن حالاً مما كانت فسأله عن ذلك فأخبره موسى عليه السلام بالقصة ففرح بذلك وعلم أن لموسى عليه السلام وعصاه شأناً، فأراد أن يجازي موسى عليه السلام على حسن رعيه إكراماً وصلة لابنته فقال إني وهبت لك من السخال التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك الماء الذي تسقي الغنم منه ففعل ثم سقى الأغنام منه فما أخطت واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله تعالى إلى موسى عليه السلام وامرأته فوفى له شرطه.
ورابعها: قال بعضهم تلك العصا هي عصا آدم عليه السلام وإن جبريل عليه السلام أخذ تلك العصا بعد موت آدم عليه السلام فكانت معه حتى لقي بها موسى عليه السلام ربه ليلاً.
وخامسها: قال الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً أي أخذها من عرض الشجر يقال اعترض إذا لم يتخير، وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الوجوه على بعض لأنه ليس في القرآن ما يدل عليها والأخبار متعارضة، والله أعلم بها.
أما قوله تعالى: ﴿ أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء ﴾ فاعلم أن الله تعالى قد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات أحدها: هذه.
وثانيها: قوله في طه (22): ﴿ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء ﴾ .
وثالثها: قوله في النمل (12): ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ قال العزيزي في غريب القرآن: ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ أدخلها فيه.
أما قوله: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب ﴾ فأحسن الناس كلاماً فيه، قال صاحب الكشاف: فيه معنيان أحدهما: أن موسى عليه السلام لما قلب الله له العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء، فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه الثاني: أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران، ومعنى قوله: ﴿ مِنَ الرهب ﴾ من أجل الرهب، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك وقوله: ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ على أحد التفسيرين واحد، ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب، فإن قيل قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ وقوله: ﴿ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ ﴾ فما التوفيق بينهما؟
قلنا المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح، هذا كله كلام صاحب الكشاف وهو في نهاية الحسن.
أما قوله تعالى: ﴿ فَذَانِكَ ﴾ قرئ مخففاً ومشدداً، فالمخفف مثنى (ذا)، والمشدد مثنى (ذان)، قوله: ﴿ برهانان مِن رَّبّكَ ﴾ حجتان نيرتان على صدقه في النبوة وصحة ما دعاهم إليه من التوحيد، وظاهر الكلام يقتضي أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون حتى عرف ما الذي يظهره عنده من المعجزات، لأنه تعالى حكى بعد ذلك عن موسى عليه السلام أنه قال: ﴿ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ قال القاضي: وإذا كان كذلك فيجب أن يكون في حال ظهور البرهانين هناك من دعاه إلى رسالته من أهله أو غيرهم، إذ المعجزات إنما تظهر على الرسل في حال الإرسال لا قبله، وإنما تظهر لكي يستدل بها غيرهم على الرسالة وهذا ضعيف، لأنه ثبت أنه لابد في إظهار المعجزة من حكمة ولا حكمة أعظم من أن يستدل بها الغير على صدق المدعي، وأما كونه لا حكمة هاهنا فلا نسلم، فلعل هناك أنواعاً من الحكم والمقاصد سوى ذلك، لا سيما وهذه الآيات متطابقة على أنه لم يكن هناك مع موسى عليه السلام أحد.
<div class="verse-tafsir"
سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأجلَينِ قضَى موسَى؟
فقال: «أبعدهما وأبطأهما» وروي أنه قال: «قَضى أوفَاهُما، وتزوّج صغرَاهُما» وهذا خلاف الرواية التي سبقت.
الجذوة باللغات الثلاث.
وقرئ بهنّ جميعاً: العود الغليظ، كانت في رأسه نار أو لم تكن، قال كُثَيِّرُ: بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لَهَا ** جَزْلَ الْجُذَى غَيْرَ خَوَّارٍ وَلاَ دَعِرِ وقال: وَأَلْقَى عَلَى قَبْشٍ مِنَ النَّارِ جَذْوَةً ** شَدِيداً عَلَيْهِ حَرُّهَا وَالْتِهَابُهَا ﴿ مِن ﴾ الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي: أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة.
و ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ بدل من قوله: من شاطئ الوادي، بدل الاشتمال؛ لأنّ الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، كقوله تعالى: ﴿ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ ﴾ [الزخرف: 33] وقرئ: ﴿ البقعة ﴾ بالضم والفتح.
و ﴿ الرهب ﴾ بفتحتين، وضمتين، وفتح وسكون، وضم وسكون: وهو الخوف.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب ﴾ ؟
قلت: فيه معنيان، أحدهما: أنّ موسى عليه السلام لما قلب الله العصا حية: فزع واضطرب، فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إنّ إتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء.
فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى.
والمراد بالجناح: اليد؛ لأنّ يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر.
وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضمّ جناحه إليه.
والثاني: أن يراد بضم جناحه إليه: تجلده وضبطه نفسه.
وتشدّده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر؛ لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما.
وإلا فجناحاه مضمومتان إليه مشمران.
ومنه ما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أنّ كاتباً له كان يكتب بين يديه، فانفلتت منه فلتة ريح، فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض، فقال له عمر: خذ قلمك، واضمم إليك جناحك، وليفرخ روعك، فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي.
ومعنى قوله: (من الرهب) من أجل الرهب، أي: إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك: جعل الرهب الذي كان يصيبه سبباً وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه.
ومعنى: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ على أحد التفسيرين: واحد.
ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرّر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني: إخفاء الرهب.
فإن قلت قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ وقوله: ﴿ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ ﴾ [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟
قلت: المراد بالجناح المضموم.
هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه: اليد اليسرى وكلّ واحدة من يمنى اليدين ويسراهما: جناح.
ومن بدع التفاسير: أنّ الرهب: الكم، بلغة حمير وأنهم يقولون: أعطني مما في رهبك، وليت شعري كيف صحته في اللغة؟
وهل سمع من الأثبات الثقات الذين ترتضي عربيتهم؟
ثم ليت شعري كيف موقعه في الآية؟
وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل؟
على أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف لا كمي لها ﴿ فَذَانِكَ ﴾ قرئ مخففاً ومشدّداً، فالمخفف مثنى ذاك.
والمشدّد مثنى ذلك، ﴿ برهانان ﴾ حجتان بينتان نيرتان.
فإن قلت: لم سميت الحجة برهانا؟
قلت: لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء.
برهرهة، بتكرير العين واللام معا.
والدليل على زيادة النون قولهم: أبره الرجل، إذا جاء بالبرهان.
ونظيره تسميتهم إياها سلطاناً من السليط وهو الزيت، لإنارتها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ ﴾ أتاهُ النِّداءُ مِنَ الشّاطِئِ الأيْمَنِ لِمُوسى.
﴿ فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ ﴾ مُتَّصِلٌ بِالشّاطِئِ أوْ صِلَةٌ لِـ ( نُودِيَ ) .
﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ بَدَلٌ مِن شاطِئِ بَدَلَ الِاشْتِمالِ لِأنَّها كانَتْ ثابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
﴿ أنْ يا مُوسى ﴾ أيْ يا مُوسى.
﴿ إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ هَذا وإنْ خالَفَ ما في «طَهَ» «والنَّمْلِ» لَفْظًا فَهو طِبْقُهُ في المَقْصُودِ.
﴿ وَأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ ﴾ أيْ فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا واهْتَزَّتْ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ.
﴿ كَأنَّها جانٌّ ﴾ في الهَيْئَةِ والجُثَّةِ أوْ في السُّرْعَةِ.
﴿ وَلّى مُدْبِرًا ﴾ مُنْهَزِمًا مِنَ الخَوْفِ.
﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ ولَمْ يَرْجِعْ.
﴿ يا مُوسى ﴾ نُودِيَ يا مُوسى.
﴿ أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ مِنَ المَخاوِفِ، فَإنَّهُ ﴿ لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)
{فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن} بالنسبة إلى موسى {فِى البقعة المباركة} بتكليم الله تعالى فيها {مِنَ الشجرة} العناب أو العوسج {أَن يا موسى} أن مفسرة أو مخففة من الثقيلة {إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين} قال جعفر أبصر ناراً دلته على الأنوار لأنه رأى النور في هيئة النار فلما دنا منها شملته أنوار القدس وأحاطت به جلابيب الأنس فخوطب بألطف خطاب واستدعى منه أحسن جواب فصار بذلك مكلماً شريفاً أعطى ما سأل وأمن مما خاف والجذوة باللغات الثلاث وقرىء بهن فعاصم فتح الجيم وحمزة وخلف بضمها
وغيرهم بكسرها العود الغليظ كانت في رأسه نارا ولم تكن من الأولى والثانية والإبتداه الغاية أي أتاه النداء من شاطيء الوادي من قبل الشجرة ومن الشجرة بدل من شاطىء الوادي بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء أي الجانب
﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ أيِ النّارَ الَّتِي آنَسَها.
﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ ﴾ أيْ أتاهُ النِّداءُ مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَسِيرِهِ فالأيْمَنُ صِفَةُ الشّاطِئِ وهو ضِدُّ الأيْسَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأيْمَنُ بِمَعْنى المُتَّصِفِ بِاليُمْنِ والبَرَكَةِ ضِدَّ الأشْأمِ، وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ صِفَةً لِلشّاطِئِ أوِ الوادِي، (ومِن) عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُسْتَتِرِ في نُودِيَ أيْ نُودِيَ قَرِيبًا مِن شاطِئِ الوادِي، وجُوِّزَ عَلى الحالِيَّةِ أنْ تَكُونَ - مِن - بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ﴾ أيْ نُودِيَ كائِنًا في شاطِئِ الوادِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الشّاطِئِ أوْ صِلَةٌ لِـ نُودِيَ، والبُقْعَةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ عَلى غَيْرِ هَيْئَةِ الَّتِي إلى جَنْبِها وتُفْتَحُ باؤُها كَما في القامُوسِ، وبِذَلِكَ قَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ.
ومَسْلَمَةُ، ووُصِفَتْ بِالبَرَكَةِ لِما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنْوارِهِ.
وقِيلَ: لِما حَوَتْ مِنَ الأرْزاقِ والثِّمارِ الطَّيِّبَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن شاطِئِ ﴾ أوِ الشَّجَرَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِن شاطِئِ وأُعِيدَ الجارُّ لِأنَّ البَدَلَ عَلى تَكْرارِ العامِلِ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ فَإنَّ الشّاطِئَ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الشَّجَرَةِ إذْ كانَتْ نابِتَةً فِيهِ، (ومِن) هُنا لا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى في كَما سَمِعْتَ في (مِن) الأُولى، نَعَمْ جُوِّزَ فِيها أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا ﴾ مُتَعَلِّقَةً بِالمُبارَكَةِ أيِ البُقْعَةُ المُبارَكَةُ لِأجْلِ الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِالمُبارَكَةِ مَعَ بَقائِها لِلِابْتِداءِ عَلى مَعْنى أنَّ ابْتِداءَ بَرَكَتِها مِنَ الشَّجَرَةِ، وكانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عُنّابًا، وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَمُرَةً، وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والكَلْبِيِّ ووَهْبٍ عَوْسَجَةً.
وعَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ عُلَّيْقَةً وهو المَذْكُورُ في التَّوْراةِ اليَوْمَ، وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يا مُوسى ﴾ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ والأصْلُ بِأنَّهُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، والنِّداءُ قَدْ يُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكْدَمٍ أنَّ المُنَوِّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقِ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وفُسِّرَ الشَّأْنُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «أنِّي» بِفَتْحِ الهَمْزِ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ أنْ إنْ كانَتْ تَفْسِيرِيَّةً يَنْبَغِي كَسْرُ إنَّ وهو ظاهِرٌ وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، فَكَذَلِكَ إذْ عَلى الفَتْحِ تُسْبَكُ مَعَ ما بَعْدَها بِمُفْرَدٍ وهو لا يَكُونُ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وخَرَجَتْ عَلى أنَّ أنْ تَفْسِيرِيَّةٌ وأنِّي إلَخْ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَعْمُولٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ أيْ يا مُوسى اعْلَمْ أنِّي أنا اللَّهُ إلَخْ، وجاءَ في سُورَةِ [طه: 11] (نُودِيَ يا مُوسى إنِّي أنا رَبُّكَ) وفي سُورَةِ [النَّمْلِ: 8] ﴿ نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ﴾ وما هُنا غَيْرُ ذَلِكَ بَلْ ما في كُلِّ غَيْرِ ما في الآخَرِ فاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ.
وأُجِيبُ بِأنَّ المُغايَرَةَ إنَّما هي في اللَّفْظِ، وأمّا في المَعْنى المُرادِ فَلا مُغايَرَةَ، وذَهَبَ الإمامُ إلى أنَّهُ تَعالى حَكى في كُلٍّ مِن هَذِهِ السُّوَرِ بَعْضَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النِّداءُ لِما أنَّ المُطابَقَةَ بَيْنَ ما في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ تَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ ما والظّاهِرُ أنَّ النِّداءَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ تَوْسِيطِ مَلَكٍ، وقَدْ سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ كَلامًا لَفْظِيًّا قِيلَ: خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ بِلا اتِّحادٍ وحُلُولٍ، وقِيلَ: خَلَقَهُ في الهَواءِ كَذَلِكَ وسَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَةِ الجانِبِ الأيْمَنِ أوْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وأنا وإنْ كانَ كُلُّ أحَدٍ يُشِيرُ بِهِ إلى نَفْسِهِ فَلَيْسَ المَعْنى بِهِ مَحَلَّ لَفْظِهِ.
وذَهَبَ الشَّيْخُ الأشْعَرِيُّ، والإمامُ الغَزالِيُّ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى النَّفْسِيَّ القَدِيمَ بِلا صَوْتٍ ولا حَرْفٍ، وهَذا كَما تُرى ذاتُهُ عَزَّ وجَلَّ بِلا كَيْفٍ ولا كَمٍّ، وذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّهُ إنَّما سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى اللَّفْظِيَّ بِصَوْتٍ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما شاءَ مِنَ المَظاهِرِ الَّتِي تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ وهو سُبْحانَهُ مَعَ ظُهُورِهِ تَعالى كَذَلِكَ باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ، وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ تَعالى يَتَجَلّى لِعِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةٍ، فَيَقُولُ: أنا رَبُّكم فَيُنْكِرُونَهُ ثُمَّ يَتَجَلّى لَهم بِأُخْرى فَيَعْرِفُونَهُ، واللَّهُ تَعالى وصِفاتُهُ مِن وراءِ حُجُبِ العِزَّةِ والعَظَمَةِ والجَلالِ فَلا يُحَدِّثَنَّ الفِكْرُ نَفْسَهُ بِأنْ يَكُونَ لَهُ وُقُوفٌ عَلى الحَقِيقَةِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
مَرامٌ شَطَّ مَرْمى العَقْلِ فِيهِ ∗∗∗ ودُونَ مَداهُ بِيدٌ لا تَبِيدُ وذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِيِّينَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى اللَّفْظِيَّ بِصَوْتِ مُنْكِرِ الظُّهُورِ في المَظاهِرِ عادًّا القَوْلَ بِهِ مِن أعْظَمِ المَناكِرِ، ولِابْنِ القِيَمِ كَلامٌ طَوِيلٌ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ في المُقَدِّماتِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الأفْهامِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نِداءَ الوَحْيِ لا نِداءَ الكَلامِ ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ العُلَماءُ الأعْلامُ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ وأنَّهُ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ وجْهُ اخْتِصاصِهِ باسِمِ الكَلِيمِ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ووَجْهُ الِاخْتِصاصِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى الأزَلِيَّ بِلا حَرْفٍ ولا صَوْتٍ ظاهِرٍ، وكَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ صَوْتًا دالًّا عَلى كَلامِهِ تَعالى بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ أوْ كِتابٍ سَواءٌ كانَ مِن جانِبٍ واحِدٍ لَكِنْ بِصَوْتٍ غَيْرِ مُكْتَسِبٍ لِلْعِبادِ عَلى ما هو شَأْنُ سَماعِنا أوْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لِما في كُلٍّ مِن خَرْقِ العادَةِ، وأمّا وجْهُهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ السَّماعَ كانَ بَعْدَ التَّجَلِّي في المَظْهَرِ فَكَذَلِكَ أيْضًا إنْ قالُوا بِأنَّ هَذا التَّجَلِّيَ لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِوى مُوسى، ثُمَّ إنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ الَّذِي ناداهُ هو اللَّهُ تَعالى حَصَلَ لَهُ بِالضَّرُورَةِ خَلْقًا مِنهُ سُبْحانَهُ فِيهِ وقِيلَ: بِالمُعْجِزَةِ، وأوْجَبَ المُعْتَزِلَةُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ بِها فَمِنهم مَن عَيَّنَها ومِنهم مَن لَمْ يُعَيِّنْها زَعْمًا مِنهم أنَّ حُصُولَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وفِيهِ بَحْثٌ.
<div class="verse-tafsir"
فَلَمَّا أَتاها يعني: النار نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ يعني: من جانب الوادي الأيمن عن يمين موسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ يعني: من الموضع المبارك الذي كلم الله تعالى فيه موسى مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ يعني: الذي يناديك رب العالمين.
قوله عز وجل: وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ يعني: ونودي بأن ألق عصاك فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ وقد ذكرناه.
قال الله عزّ وجلّ: يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ يعني: من الحية يعني: قد آمنت أن ينالك منها مكروه اسْلُكْ يَدَكَ أي: أدخل يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ يعني: يدك.
قال بعضهم: هذا ينصرف إلى قوله: وَلَمْ يُعَقِّبْ من الرهب، يعني: لم يلتفت من الخوف.
ويقال: كان خائفاً، فأمره بأن يضم يده إلى صدره، ففعل حتى سكن عن قلبه الرعب.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو مِنَ الرَّهْبِ بنصب الراء والهاء، وقرأ عاصم في رواية حفص بنصب الراء، وجزم الهاء، والباقون بضم الراء، وجزم الهاء، ومعنى ذلك كله واحد، وهو الخوف.
وقال بعضهم: هو الكدر.
ثم قال: فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ يعني: اليد والعصا آيتان وعلامتان من ربك، وحجتان لنبوتك.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو.
فَذانِكَ بتشديد النون.
وقرأ الباقون بالتخفيف، وهما لغتان، وهو الإشارة إلى شيئين.
يقال للواحد: ذلك وذاك، وللإثنين ذانك وذايك.
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ومعناه: أرسلناك إلى فرعون بهاتين الآيتين إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: عاصين.
<div class="verse-tafsir"
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)
وقوله تعالى: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ قال ابن عباس: قضى أكملهمَا عَشْرَ سنينَ وأسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلّم «١» .
وقوله: إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ ...
الآية، تَقَدَّمَ قصصُها، فانظرْه في محالِّه، قال البخاريُّ: والجَذْوَةُ قطعةٌ غلِيظةٌ مِنَ الخَشَبِ فيها لَهَبٌ، انتهى.
قال العِراقيُّ: و «آنس» معناه: أبصر، انتهى.
وقوله: مِنَ الشَّجَرَةِ يقتضي: أن موسى- عليه السلام- سَمِعَ ما سَمِعَ من جهة الشجَرةِ، وسمع وأدرك غَيْرُ مُكَيَّفٍ ولا محَدَّدٍ.
قال السهيليُّ: قيل إن هذه الشجرةَ عَوْسَجَة، وقِيل: عُلَّيْقَة، والعَوْسَجُ إذا عَظُمَ قِيلَ له: الغَرْقَدُ، انتهى.
وَلَمْ يُعَقِّبْ معناه: لم يرجع على عقبه من توليته.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ رَوى ابْن عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، قالَ: أوْفاهُما وأطْيَبهما» .
قالَ مُجاهِدٌ مَكَثَ بَعْدَ قَضاءِ الأجَلِ عِنْدَهم عَشْرًا أُخَرَ.
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أقامَ عِنْدَهم بَعْدَ أنْ أدْخَلَ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ سِنِينَ، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ [طَهَ: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ جَذْوَةٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: " جِذْوَةً " بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها.
وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والوَلِيدُ عَنِ ابْن عامِرٍ بِضَمِّها، وكُلُّها لُغاتٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَذْوَةُ: قِطْعَةُ حَطَبٍ فِيها نارٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الحَطَبِ لَيْسَ فِيها لَهَبٌ، وهي مِثْلُ الجَذْمَةِ مِن أصْلِ الشَّجَرَةِ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجِذا غَيَّرَ خُوّارٍ ولا دَعْرِ والدَّعْرُ: الَّذِي قَدْ نَخِرَ، ومِنهُ رَجُلٌ داعِرٌ، أيْ: فاسِدٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ ﴾ وهو: جانِبُهُ ﴿ الأيْمَنِ ﴾ وهو الَّذِي عَنْ يَمِينِ مُوسى ﴿ فِي البُقْعَةِ ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ ﴿ المُبارَكَةِ ﴾ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى فِيها ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ أيْ: مِن ناحِيَتِها.
وفي تِلْكَ الشَّجَرَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] شَجَرَةُ العُنّابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عَوْسَجَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ أيْ: مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ ﴾ أيْ: أُدْخِلُها، ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ قَدْ فَسَّرْنا الجَناحَ في (طَهَ: ٢٢) إلّا أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ خالَفَ بَيْنَ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ، فَشَرَحْناهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَناحُهُ: الذِّراعُ والعَضُدُ والكَفُّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الجَناحُ هاهُنا: العَضُدُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها: جَناحٌ.
وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَناحُ هاهُنا: العَصا.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجَناحُ لِلْإنْسانِ مُشَبَّهٌ بِالجَناحِ لِلطّائِرِ، فَفي حالٍ تُشَبِّهُ العَرَبُ رِجْلَيِ الإنْسانِ بِجَناحِي الطّائِرِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ مَضى فُلانٌ طائِرًا في جَناحَيْهِ، يَعْنُونَ ساعِيًا عَلى قَدَمَيْهِ، وفي حالٍ يَجْعَلُونَ العَضُدَ مِنهُ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ ، وفي حالٍ يَجْعَلُونَ العَصا بِمَنزِلَةِ الجَناحِ، لِأنَّ الإنْسانَ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ كَدَفْعِ الطّائِرِ عَنْ نَفْسِهِ بِجَناحِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ ، وإنَّما يُوقَعُ الجَناحُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ تَشْبِيهًا واسْتِعارَةً، كَما يُقالُ: قَدْ قَصَّ جَناحَ الإنْسانِ، وقَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ: إذا وقَعَتْ بِهِ جائِحَةٌ أبْطَلَتْ تَصَرُّفَهُ؛ ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أنْتِ يَدِي ورِجْلِي، أيْ: أنْتَ مَن بِهِ أُصِلُ إلى مُحابِّي، قالَ جَرِيرٌ: سَأشْكُرُ أنْ رَدَّدَتْ إلَيَّ رِيشِي وأنْبَتَّ القَوادِمَ في جَناحِي وَقالَتْ امْرَأةٌ مِنَ العَرَبِ تَرْثِي زَوْجَها الأغَرَّ: يا عِصْمَتِي في النّائِباتِ ويا ∗∗∗ رُكْنِيَ [الأغَرَّ] ويا يَدِي اليُمْنى ∗∗∗ لا صُنْتُ وجْهًا كُنْتُ صائِنَهُ ∗∗∗ أبَدًا ووَجْهُكَ في الثَّرى يَبْلى فَأمّا الرَّهْبُ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " مِنَ الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مِنَ الرُّهْبِ " بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ [وَأبانُ] عَنْ عاصِمٍ: " مِنَ الرَّهْبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ السَّمَيْفَعِ] .
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الرُّهْبُ، والرَّهَبُ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ الرُّشْدِ، والرَّشَدِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرُّهْبُ والرَّهْبَةُ بِمَعْنًى الخَوْفِ والفَرَقِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرَّهْبُ، والرُّهُبُ، والرَّهَبُ، مِثْلُ الشَّغْلِ، والشُّغُلِ، والشَّغَلِ والبَخْلِ، والبُخُلِ، والبَخَلِ، وتِلْكَ لُغاتٌ تَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَوْفِ والفَرَقِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا هَرَبَ مِنَ الحَيَّةِ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ جَناحَهُ لِيَذْهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: اضْمُمْ يَدَكَ إلى صَدْرِكَ مِنَ الخَوْفِ ولا خَوْفَ عَلَيْكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ مَن فَزِعَ فَضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ ذَهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا هالَهُ بَياضُ يَدِهِ وشُعاعُها، أمَرَ أنْ يُدْخِلَها في جَيْبِهِ، فَعادَتْ إلى حالَتِها الأُولى.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: سَكَنَ رَوْعُكَ، وثَبَتَ جَأْشُكَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ يُرادُ بِهِ الضَّمُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، إنَّما أمْرٌ بِالعَزْمِ [عَلى ما أُمِرَ بِهِ] والجَدِّ فِيهِ، ومِثْلُهُ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ لِلْمَوْتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذانِكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " فَذانِكَ " بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الباقُونَ: " فَذانِكَ " بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ الزَّجّاجُ: التَّشْدِيدُ تَثْنِيَةُ " ذَلِكَ "، والتَّخْفِيفُ تَثْنِيَةُ " ذاكَ "، فَجَعَلَ اللّامَ في " ذَلِكَ " بَدَلًا مِن تَشْدِيدِ النُّونِ في " ذانِكَ "، ﴿ بُرْهانانِ ﴾ أيْ: بَيانانِ اثْنانِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: " فَذانِكَ " يَعْنِي العَصا واليَدَ، حُجَّتانِ مِنَ اللَّهِ لِمُوسى عَلى صِدْقِهِ، ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ: أرْسَلْنا بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ إلى فِرْعَوْنَ.
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [الشُّعَراءِ: ١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا ﴾ أيْ: أحْسَنُ بَيانًا، لِأنَّ مُوسى كانَ في لِسانِهِ أثَرُ الجَمْرَةِ الَّتِي تَناوَلَها، ﴿ فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " رِدْءًا " بِسُكُونِ الدّالِ وبَعْدَها هَمْزَةٌ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " رَدًّا " بِفَتْح الدّالِ وألِفٍ بَعْدَها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا هَمْزٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَوَّنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الرَّدْءُ: العَوْنُ، يُقالُ: رَدَأْتُهُ أرْدَؤُهُ رَدْءًا: إذا أعَنْتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: " يُصَدِّقُنِي " بِضَمِّ القافِ.
وقَرَأ الباقُونَ.
بِسُكُونِ القافِ قالَ الزَّجّاجُ: مَن جَزَمَ " يُصَدِّقْنِي " فَعَلى جَوابِ المَسْألَةِ: أرْسِلْهُ يُصَدِّقْنِي؛ ومَن رَفَعَ؛ فالمَعْنى: رَدْءًا مُصَدِّقًا لِي.
وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: " يُصَدِّقُنِي " إلى هارُونَ؛ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لِكَيْ يُصَدِّقَنِي فِرْعَوْنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنُعِينُكَ بِأخِيكَ، ولَفْظُ العَضُدِ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، لِأنَّ اليَدَ قِوامُها عَضُدُها، وكُلُّ مُعَيَّنٍ فَهو عَضُدٌ، ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ.
وقِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، لِأنَّهُ يُسْتَضاءُ بِهِ؛ والسُّلْطانُ: أبْيَنُ الحُجَجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما ﴾ أيْ: بِقَتْلٍ ولا أذًى.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِآياتِنا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: تَمْتَنِعانِ مِنهم بِآياتِنا وحُجَجِنا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، فالمَعْنى: بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ، أيْ: تَغْلِبُونَ بِآياتِنا.
والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا بِآياتِنا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أو جَذْوَةٍ مِن النارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِن الشَجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِن الرَهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ .
لَمّا فَرَغَ كَلامُ شُعَيْبٍ كَرَّرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَرَّرَهُ مَعْناهُ عَلى جِهَةِ التَوَثُّقِ في أنَّ الشَرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِ حِجَجٍ.
و"أيَّما" اسْتِفْهامٌ نُصِبَ بِـ "قَضَيْتُ"، و"ما" صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلا عُدْوانَ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَلا عِدْوانَ" بِكَسْرِ العَيْنِ، والمَعْنى: لا تَبِعَةَ عَلَيَّ مِن قَوْلٍ ولا فِعْلٍ.
و"الوَكِيلُ": الشاهِدُ القائِمْ بِالأمْرِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ولَمّا كَمُلَ هَذا النِكاحُ بَيْنَهُما أمَرَ شُعَيْبٌ مُوسى عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسِيرَ إلى بَيْتٍ لَهُ فِيهِ عِصِيٌّ، وفِيهِ هَذِهِ العَصا، فَرُوِيَ أنَّ العَصا وثَبَتْ إلى مُوسى فَأخَذَها، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَتْ مِن غَيْرِ ورَقَةِ الرَيْحانِ، فَرُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا أمَرَهُ بِرَدِّها فَفَعَلَ وذَهَبَ يَأْخُذُ غَيْرَها فَوَثَبَتْ إلَيْهِ، وفَعَلَ ذَلِكَ ثالِثَةً، فَلَمّا رَأى شُعَيْبٌ ذَلِكَ عَلِمْ أنَّهُ مُرَشَّحٌ لِلنُّبُوَّةِ فَتَرَكَها لَهُ، وقِيلَ: إنَّما تَرَكَها لَهُ لِأنَّهُ أمَرَ مُوسى بِتَرْكِها فَأبى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: نَمُدُّ إلَيْها جَمِيعًا فَمَن طاوَعَتْ فَهي لَهُ، فَمَدَّ إلَيْها شُعَيْبٌ فَثَقُلَتْ، ومَدَّ مُوسى فَخَفَّتْ ووَثَبَتْ إلَيْهِ، فَعَلِما أنَّ هَذا مِنَ التَرْشِيحِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ عَصا مُوسى إنَّما رَفَعَها إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ لَيْلًا عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلى مَدْيَنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ ﴾ ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَألَنِي رَجُلٌ مِنَ النَصارى: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟
فَقُلْتُ: لا أدْرِي حَتّى أقْدَمَ عَلى خَيْرِ العَرَبِ، أعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما-، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: قَضى أكْمَلَهُما وأوفاهُما، إنَّ رَسُولَ اللهِ إذا قالَ وفّى، فَعُدْتُ فَأعْلَمْتُ النَصْرانِيَّ، فَقالَ: صَدَقَ واللهِ هَذا العالِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَبِيَّ سَألَ في ذَلِكَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ قَضى عَشْرَ سِنِينَ»، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قَضى عَشْرًا وعَشْرًا بَعْدَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وفِي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِما قَضى الأجَلَ أرادَ أنْ يَسِيرَ بِأهْلِهِ إلى مِصْرَ وقَوْمِهِ، وقَدْ كانَ لا مَحالَةَ أحَسَّ بِالتَرْشِيحِ لِلنُّبُوَّةِ، وكانَ رَجُلًا غَيُورًا لا يَصْحَبُ الرِفاقَ، فَكانَ في بَعْضِ طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، قالَ النَقّاشُ: كانَتْ لَيْلَةَ جُمْعَةٍ، فَفَقَدُوا النارَ، وأصْلَدَ الزِنادُ، وضَلُّوا الطَرِيقَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الخَصَرُ، فَبَيْنا هو كَذَلِكَ إذْ رَأى نارًا، وكانَ ذَلِكَ نُورًا مِن نُورِ اللهِ تَعالى قَدِ التَبَسَ بِشَجَرَةٍ، قالَ وهْبٌ: كانَتْ عُلِّيقًا، وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ عَوْسَجًا، وقِيلَ: زُعْرُورًا، وقِيلَ: سَمُرَةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
و"آنَسَ" مَعْناهُ: أحَسَّ، والإحْساسُ ها هُنا بِالبَصَرِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا ﴾ ، ومِنها قَوْلُ حَسّانَ: انْظُرْ خَلِيلِي بِبابِ جِلَّقَ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مَن أحَدِ وكانَ هَذا الأمْرُ كُلُّهُ في جانِبِ الطُورِ، وهو جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالشامِ، والطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ، وخَصَّصَهُ قَوْمٌ بِأنَّهُ الَّذِي لا يُنْبِتُ، فَلَمّا رَأى مُوسى النارَ سُرَّ، فَقالَ لِأهْلِهِ: أقِيمُوا فَقَدْ رَأيْتُ نارًا ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ عَنِ الطَرِيقِ، أيْنَ هُوَ؟
﴿ أو جَذْوَةٍ ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ النارِ في قِطْعَةِ عُودٍ كَبِيرَةٍ لا لَهَبَ لَها، إنَّما هي جَمْرَةٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها ∗∗∗ جَزْلَ الجِذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا دَعِرٍ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأحْسَبُ أنَّ أصْلَ الجَذْوَةَ أُصُولُ الشَجَرِ، وأهْلُ البَوادِي يُوقِدُونَها أبَدًا، فَهي الجَذْوَةُ في الحَقِيقَةِ، ومِنهُ قَوْلُ السُلَمِيِّ يَصِفُ الصَلى: حَمّا حُبُّ هَذا النارِ حُبَّ خَلِيلِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهي دُونَ الحَبائِبُ وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجِذا في رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "جِذْوَةٍ" بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ: "جُذْوَةٍ" بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمْ: "جَذْوَةٍ" بِفَتْحِها، وهي لُغاتٌ، والصَلى: حَرُّ النارِ، و"تَصْطَلُونَ" تَفْتَعِلُونَ، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً.
فَلَمّا أتى مُوسى ذَلِكَ الضَوْءَ الَّذِي رَآهُ وهو في تِلْكَ اللَيْلَةِ ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، نُبِّئَ ، فَرُوِيَ «أنَّهُ كانَ يَمْشِي إلى ذَلِكَ النُورِ فَكانَ يَبْعُدُ مِنهُ، تَمْشِي بِهِ الشَجَرَةُ وهي غُضَّةٌ خَضْراءُ حَتّى نُودِيَ».
والشاطِئُ والشَطُّ: ضَفَّةُ الوادِي، وقَوْلُهُ: "الأيْمَنِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ اليُمْنِ صِفَةً لِلْوادِي أو لِلشّاطِئِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادِلًا لِلْيَسارِ، فَذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ الشاطِئُ إلّا بِالإضافَةِ إلى مُوسى في اسْتِقْبالِهِ مَهْبِطَ الوادِي، أو بِعَكْسِ ذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قِيلَ.
وبَرَكَةُ البُقْعَةْ هي ما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللهِ تَعالى وأنْوارِهِ وتَكْلِيمِهِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والناسُ عَلى ضَمِّ الباءِ مِن "بُقْعَةٍ"، وقَرَأ بِفَتْحِها الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ: "هَذِهِ بَقْعَةٌ طَيِّبَةٌ" بِفَتْحِ الباءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الشَجَرَةِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ سَمِعَ ما سَمِعَ مِن جِهَةِ الشَجَرَةِ، وسَمِعَ وأدْرَكَ غَيْرَ مُكَيَّفٍ ولا مُحَدَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يا مُوسى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنِّي أنا اللهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن "إنِّي".
ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِإلْقاءِ العَصا فَألْقاها فانْقَلَبَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً، ولَها اضْطِرابُ الجانِّ، وهو صَغِيرُ الحَيّاتِ، فَجَمَعَتْ هَوْلَ الثُعْبانِ ونَشاطَ الجانِّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ الجانُّ يَعُمُ الصَغِيرَ والكَبِيرَ، وإنَّما شَبَّهَ بِالجانِّ جُمْلَةَ العَصا لِاضْطِرابِها فَقَطْ، ووَلّى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مُدْبِرًا فَزِعًا مِنها.
﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ مَعْناهُ: لَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ مِن تَوَلِّيهِ، فَقالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ: ﴿ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ ، وهَذا مِن تَأْمِينِ اللهِ تَعالى إيّاهُ، ثُمْ أمَرَهُ بِأنْ يُدْخِلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ، وهو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ يَخْرُجُ رَأْسُ الإنْسانِ، ورُوِيَ أنَّ كُمُ الجُبَّةِ كانَ في غايَةِ الضِيقِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جَيْبٌ تُدْخِلُ يَدَهُ إلّا في جَيْبِهِ.
و"اسْلُكْ" مَعْناهُ: أدْخِلْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ مَرَضٍ ولا مِثْلِهِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ كانَتْ تُضِيءُ كَأنَّها قِطْعَةُ شَمْسٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَهْبِ ﴾ ، ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ والِاسْتِعارَةِ، وأنَّهُ أمَرَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ وأنَّهُ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "اشْدُدْ حَيازِيمَكَ، وارْبُطْ جَأْشَكَ"، أيْ: شَمِّرْ في أمْرِكَ، ودَعِ الرَهْبَ، وذَلِكَ لَمّا كَثُرَ تَخَوُّفُهُ وفَزَعُهُ في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذانِكَ بُرْهانانِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: هي إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والناسُ: "الرَهَبِ" بِفَتْحِ الراءِ والهاءِ، وقَرَأ عاصِمْ، وقَتادَةُ: "الرَهْبِ" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ أيْضًا: "الرُهُبِ" بِضَمِّ الراءِ والهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "فَذانِّكَ" بِشَدِّ النُونِ، وَقَرَأ الباقُونَ: "فَذانِكَ" بِالتَخْفِيفِ بِالنُونِ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "فَذانِيكَ" بِياءٍ بَعْدَ النُونِ المُخَفَّفَةِ، أبْدَلَ إحْدى النُونَيْنِ ياءً كَراهَةَ التَضْعِيفِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَذانِّيكَ" بِالياءِ أيْضًا مَعَ شَدِّ النُونِ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ لُغَتَهم تُخْفِي النُونَ، و"بُرْهانانِ": حُجَّتانِ ومُعْجِزَتانِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمَّآ أتاها نُودِىَ مِن شَاطِئ الوادى الأيمن فِى البقعة المباركة مِنَ الشجرة أَن ياموسى إنى أَنَا الله رَبُّ العالمين * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ياموسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الامنين * اسلك يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب فَذَانِكَ برهانان مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ ﴿ مِنَ الامنين * اسلك يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب ﴾ .
تقدم مثل هذا في سورة النمل إلا مخالفة ألفاظ مثل ﴿ أتاها ﴾ هنا و ﴿ جاءها هناك ﴾ [النمل: 8] و ﴿ إني أنا الله ﴾ هنا، و ﴿ إنه أنا الله هناك ﴾ [النمل: 9] بضمير عائد إلى الجلالة هنالك، وضمير الشأن هنا وهما متساويان في الموقع لأن ضمير الجلالة شأنه عظيم.
وقوله هنا ﴿ رب العالمين ﴾ وقوله هنالك ﴿ العزيز الحكيم ﴾ [النمل: 9].
وهذا يقتضي أن الأوصاف الثلاثة قيلت له حينئذ.
والقول في نكتة تقديم صفة الله تعالى قبل إصدار أمره له بإلقاء العصا كالقول الذي تقدم في سورة النمل لأن وصف ﴿ رب العالمين ﴾ يدل على أن جميع الخلائق مسخرة له ليثبت بذلك قلب موسى من هول تلقي الرسالة.
و ﴿ أن ألق ﴾ هنا و ﴿ ألق هناك ﴾ [النمل: 10]، و ﴿ اسلك ﴾ هنا ﴿ وأدخل هناك ﴾ [النمل: 12].
وتلك المخالفة تفنن في تكرير القصة لتجدد نشاط السامع لها، وإلا زيادة ﴿ من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ﴾ وهذا واد في سفح الطور.
وشاطئه: جانبه وضفته.
ووصف الشاطئ بالأيمن إن حمل الأيمن على أنه ضد الأيسر فهو أيمن باعتبار أنه واقع على يمين المستقبل القبلة على طريقة العرب من جعل القبلة هي الجهة الأصلية لضبط الواقع وهم ينعتون الجهات باليمين واليسار يريدون هذا المعنى قال امرؤ القيس: على قطن بالشيم أيمن صوبه *** وأيسره على الستار فيذبل وعلى ذلك جرى اصطلاح المسلمين في تحديد المواقع الجغرافية ومواقع الأرضين، فيكون الأيمن يعني الغربي للجبل، أي جهة مغرب الشمس من الطور.
ألا ترى أنهم سموا اليمن يمناً لأنه على يمين المستقبل باب الكعبة وسموا الشام شاماً لأنه على شآم المستقبل لبابها، أي على شماله، فاعتبروا استقبال الكعبة، وهذا هو الملائم لقوله الآتي ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ [القصص: 44].
وأما جعله بمعنى الأيمن لموسى فلا يستقيم مع قوله تعالى ﴿ وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ [طه: 80] فإنه لم يجر ذكر لموسى هناك.
وإن حمل على أنه تفضيل من اليُمن وهو البركة فهو كوصفه ب ﴿ المقدس ﴾ في سورة [النازعات: 16] ﴿ إذ ناداه ربه بالوادِي المقدس طُوى ﴾ و ﴿ البقعة ﴾ بضم الباء ويجوز فتحها هي القطعة من الأرض المتميزة عن غيرها.
و ﴿ المباركة ﴾ لما فيها من اختيارها لنزول الوحي على موسى.
وقوله ﴿ من الشجرة ﴾ يجوز أن يتعلق بفعل ﴿ نُودِي ﴾ فتكون الشجرة مصدر هذا النداء وتكون ﴿ من ﴾ للابتداء، أي سمع كلاماً خارجاً من الشجرة.
ويجوز أن يكون ظرفاً مستقراً نعتاً ثانياً للواد أو حالاً فتكون ﴿ من ﴾ اتصالية، أي متصلاً بالشجرة، أي عندها، أي البقعة التي تتصل بالشجرة.
والعريف في ﴿ الشجرة ﴾ تعريف الجنس وعدل عن التنكير للإشارة إلى أنها شجرة مقصودة وليس التعريف للعهد إذ لم يتقدم ذكر الشجرة، والذي في التوراة أن تلك الشجرة كانت من شجر العُلَّيق (وهو من شجر العضاه) وقيل: هي عوسجة والعوسج من شجر العضاه أيضاً.
وزيادة ﴿ أقبل ﴾ وهي تصريح بمضمون قوله ﴿ لا تخف ﴾ في سورة [النمل: 10] لأنه لما أدبر خوفاً من الحية كان النهي عن الخوف يدل على معنى طلب إقباله فكان الكلام هنالك إيجازاً وكان هنا مساواة تفنناً في حكاية القصتين، وكذلك زيادة ﴿ إنك من الآمنين ﴾ هنا ولم يحك في سورة النمل وهو تأكيد لمفاد ﴿ ولا تخف ﴾ .
وفيه زيادة تحقيق أمنه بما دل عليه التأكيد ب (إن) وجعله من جملة الآمنين فإنه أشد في تحقيق الأمن من أن يقال: إنك آمن كما تقدم في قوله تعالى ﴿ أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة [البقرة: 67].
وقوله ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ خفي فيه محصل المعنى المنتزع من تركيبه فكان مجال تردد المفسرين في تبيينه، واعتكرت محامل كلماته فما استقام محمل إحداها إلا وناكده محمل أخرى.
وهي ألفاظ: جناح، ورهب، وحرف ﴿ من ﴾ .
فسلكوا طرائق لا توصل إلى مستقر.
وقد استوعبت في كلام القرطبي والزمخشري.
قال بعضهم: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً وإن قوله ﴿ من الرهب ﴾ متعلق بقوله ﴿ ولى مدبراً ﴾ على أن ﴿ من ﴾ حرف للتعليل، أي أدبر لسبب الخوف، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه إذ لا داعي لتقديم وتأخير ما زعموه على ما فيه من طول الفصل بين فعل ﴿ ولى ﴾ وبين ﴿ من الرهب ﴾ .
وقيل الجناح: اليد، ولا يحسن أن يكون مجازاً عن اليد لأنه يفضي إما إلى تكرير مفاد قوله ﴿ اسلُك يدك في جيبك ﴾ وحرف العطف مانع من احتمال التأكيد.
وادعاء أن يكون التكرير لاختلاف الغرض من الأول والثاني كما في «الكشاف» بعيد، أو يؤول بأن وضع اليد على الصدر يذهب الخوف كما عُزي إلى الضحاك عن ابن عباس وإلى مجاهد وهو تأويل بعيد.
وهذا ميل إلى أن الجناح مجاز مرسل مراد به يد الإنسان.
وللجناح حقيقة ومجازات بين مرسل واستعارة وقد ورد في القرآن وغيره في تصاريف معانيه وليس وروده في بعض المواضع بمعنى بقاض بحمله على ذلك المعنى حيثما وقع في القرآن.
ولذا فالوجه أن قوله ﴿ واضمم إليك جناحك ﴾ تمثيل بحال الطائر إذا سكن عن الطيران أو عن الدفاع جعل كناية عن سكون اضطراب الخوف.
ويكون ﴿ من ﴾ هنا للبدلية، أي اسكن سكون الطائر بدلاً من أن تطير خوفاً.
وهذا مأخوذ من أحد وجهين ذكرهما الزمخشري قيل: وأصله لأبي علي الفارسي.
و ﴿ الرهب ﴾ معروف أنه الخوف كقوله تعالى ﴿ يدعوننا رغباً ورهباً ﴾ [الأنبياء: 90].
والمعنى: انكفف عن التخوف من أمر الرسالة.
وفي الكلام إيجاز وهو ما دل عليه قوله بعده ﴿ قال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون ﴾ [القصص: 33] فقوله ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ في معنى قوله تعالى ﴿ فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ﴾ [القصص: 35].
وقرأ الجمهور ﴿ الرهب ﴾ بفتح الراء والهاء، وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف بضم الراء وسكون الهاء.
وقرأه حفص عن عاصم بفتح الراء وسكون الهاء وهي لغات فصيحة.
﴿ مِنَ الرهب فَذَانِكَ برهانان مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ ﴾ .
تفريع على قوله ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ والإشارة إلى العصا وبياض اليد.
والبرهان: الحجة القاطعة.
و ﴿ من ﴾ للابتداء، و ﴿ إلى ﴾ للانتهاء المجازي أي حجتان على أن أرسل بهما إليهم.
وجملة ﴿ إنهم كانوا قوماً فاسقين ﴾ تعليل لجملة ﴿ فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه ﴾ لتضمنها أنهم بحيث يقرعون بالبراهين فبين أن سبب ذلك تمكن الكفر من نفوسهم حتى كان كالجبلة فيهم وبه قوام قوميتهم لما يؤذن به قوله ﴿ كانوا ﴾ .
وقوله ﴿ قوماً ﴾ كما تقدم في قوله تعالى ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة [البقرة: 164].
والفسق: الإشراك بالله.
وقرأ الجمهور ﴿ فذانك ﴾ بتخفيف النون من (ذانك) على الأصل في التثنية.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بتشديد نون ﴿ فذانك ﴾ وهي لغة تميم وقيس.
وعلّلها النحويون بأن تضعيف النون تعويض على الألف من (ذا) و(تا) المحذوفة لأجل صيغة التثنية.
وفي «الكشاف»: أن التشديد عوض عن لام البعد التي تلحق اسم الإشارة فلذلك قال «فالمخفف مثنى ذاك والمشدد مثنى ذلك».
وهذا أحسن.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ يَعْنِي العَمَلَ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْهِ.
﴿ وَسارَ بِأهْلِهِ ﴾ أيْ بِزَوْجَتِهِ.
﴿ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا ﴾ أيْ رَأى، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِالعِلْمِ.
﴿ قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِخَبَرِ الطَّرِيقِ الَّذِي أرادَ قَصْدَهُ هَلْ هو عَلى صَوْبِهِ أوْ مُنْحَرِفٌ عَنْهُ.
الثّانِي: بِخَبَرِ النّارِ الَّتِي رَآها هَلْ هي لِخَيْرٍ يَأْنَسُ بِهِ أوْ لِشَرٍّ يَحْذَرُهُ.
﴿ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الجَذْوَةُ أصْلُ الشَّجَرَةِ فِيها نارٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها عُودٌ في بَعْضِهِ نارٌ ولَيْسَ في بَعْضِهِ نارٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّها عُودٌ فِيهِ نارٌ لَيْسَ لَهُ لَهَبٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: أنَّها شِهابٌ مِن نارِ ذِي لَهَبٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ الشّاعِرُ وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ جُذْوَةً شَدِيدٌ عَلَيْها حَمْيُها والتِهابُها.
﴿ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ تَسْتَدْفِئُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ يَعْنِي النّارَ أيْ قَرُبَ مِنها.
﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ ﴾ وهي البُقْعَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ فِيها لِمُوسى: " اخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى " واحْتَمَلَ وصْفُها بِالبَرَكَةِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَ فِيها مُوسى وخَصَّهُ فِيها بِالرِّسالَةِ.
الثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن بِقاعِ الخِصْبِ وبِلادِ الرِّيفِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ فَأحَلَّ اللَّهُ كَلامَهُ في الشَّجَرَةِ حَتّى سَمِعَهُ مُوسى مِنها، لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَهُ مِنَ اللَّهِ وهَذِهِ أعْلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ أنْ يَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ مِن غَيْرِ رَسُولٍ مُبَلِّغٍ وكانَ الكَلامُ مَقْصُورًا عَلى تَعْرِيفِهِ بِأنَّهُ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ إثْباتًا لِوَحْدانِيَّتِهِ ونَفْيًا لِرُبُوبِيَّةِ غَيْرِهِ، وصارَ بِهَذا الكَلامِ مِن أصْفِياءِ اللَّهِ مِن رُسُلِهِ لِأنَّهُ لا يَصِيرُ رَسُولًا إلّا بَعْدَ أمْرِهِ بِالرِّسالَةِ، والأمْرُ بِها إنَّما كانَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أضافَ البَرَكَةَ إلى البُقْعَةِ دُونَ الشَّجَرَةِ والشَّجَرَةُ بِالبَرَكَةِ أخَصُّ لِأنَّ الكَلامَ عَنْها صَدَرَ ومِنها سُمِعَ؟
قِيلَ: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّجَرَةَ لَمّا كانَتْ في البُقْعَةِ أضافَ البَرَكَةَ إلى البُقْعَةِ لِدُخُولِ الشَّجَرَةِ فِيها ولَمْ يَخُصَّ بِهِ الشَّجَرَةَ فَتَخْرُجُ البُقْعَةُ وصارَ إضافَتُها إلى البُقْعَةِ أعَمَّ.
الثّانِي: أنَّ البَرَكَةَ نَفَذَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى البُقْعَةِ فَصارَتِ البُقْعَةُ بِها مُبارَكَةً فَلِذَلِكَ خَصَّها اللَّهُ بِذِكْرِ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّجَرَةُ هي العَلِيقُ وهي العَوْسَجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ ألْقِ عَصاكَ ﴾ الآيَةَ وإنَّما أمَرَهُ بِإلْقاءِ عَصاهُ في هَذا الحالِ لِيَكُونَ بُرْهانًا عِنْدَهُ بِأنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ كَلامُ اللَّهِ ثُمَّ لِيَكُونَ بُرْهانًا لَهُ إلى مَن يُرْسَلُ إلَيْهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَتْ بُرْهانًا إلَيْهِ وبُرْهانًا لَهُ فَلِمَ ولّى مِنها هارِبًا؟
قِيلَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: رَأى ما خالَفَ العادَةَ فَخافَ.
الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ الأمْرَ بِإلْقائِها لِأجْلِ أذاها فَوَلّى هارِبًا حَتّى نُودِيَ فَعَلِمَ.
﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَمْ يَثْبُتْ، اشْتِقاقًا مِنَ العَقِبِ الَّذِي يُثَبِّتُ القَدَمَ.
الثّانِي: ولَمْ يَتَأخَّرْ لِسُرْعَةِ مُبادَرَتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أيْ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى عَقِبِهِ لِشِدَّةِ خَوْفِهِ وسُرْعَةِ هَرَبِهِ.
﴿ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الآمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ.
الثّانِي: مِنَ المُرْسَلِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ بَحْرٍ: فَصارَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ رَسُولًا بِهَذا القَوْلِ.
وَعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ يَصِيرُ رَسُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ ﴾ والبُرْهانانِ اليَدُ والعَصا.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَناحَ الجَيْبُ جَيْبُ القَمِيصِ وكانَ عَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ.
الثّانِي: أنَّ الجَيْبَ جَنْبُ البَدَنِ.
﴿ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّهْبَ الكُمُّ، قالَهُ مُوَرِّقٌ.
الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الخَوْفِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ نودي من شاطئ الواد الأيمن ﴾ قال: كان النداء من السماء الدنيا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من شاطئ الواد الأيمن ﴾ قال: الأيمن عن يمين موسى عليه السلام عند الطور.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في الآية قال: كان النداء من أيمن الشجرة.
والنداء من السماء.
وذلك في التقديم والتأخير.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: نودي عن يمين الشجرة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ من الشجرة ﴾ قال: أخبرت أنها عوسجة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الكلبي ﴿ من الشجرة ﴾ قال: شجرة العوسج.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ذكرت لي الشجرة التي أوى إليها موسى عليه السلام، فسرت إليها يومي وليلتي حتى صبحتها، فإذا هي سمرة خضراء ترف، فصليت على النبي صلى الله عليه وسلم فاهوى إليها بعيري وهو جائع، فأخذ منها ملء فيه فلاكه فلم يستطع أن يسيغه فلفظه، فصليت على النبي وسلمت، ثم انصرفت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن نوف البكالي: أن موسى عليه السلام لما نودي من شاطئ الوادي الأيمن قال: ومن أنت الذي تنادي؟
قال: أنا ربك الأعلى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الثقفي قال: أتى موسى عليه السلام الشجرة ليلاً وهي خضراء والنار تتردد فيها، فذهب يتناول النار فمالت عنه، فذعر وفزع، فنودي من شاطئ الوادي الأيمن قال: عن يمين الشجرة فاستأنس بالصوت، فقال: أين أنت.
أين أنت؟
قيل: الصوت..
أنا فوقك قال: ربي؟!
قال: نعم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ ﴾ قال أبو عبيدة: شاطئ الوادي، وشطُّ الوادي: عِدْوتاه (١) وقال الليث: شاطئ الوادي: جانبه، هكذا من غير فعل، وإن ثني وجمع قيل: شاطئان وشواطئ (٢) وقال أبو خيرة (٣) (٤) وقال مجاهد: ﴿ الْوَادِ الْأَيْمَنِ ﴾ عن يمين موسى (٥) وقال مقاتل: عن يمين الجبل (٦) وقوله: ﴿ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ ﴾ : البُقعة: القطعة من الأرض (٧) قال أبو إسحاق: فمن قال بَقعة: فجمعها: بِقاع، مثل: (٨) (٩) ﴿ الْمُبَارَكَةِ ﴾ سميت مباركة؛ لأن الله كلم موسى فيها، وبعثه نبيًّا.
قاله مقاتل والزجاج (١٠) وقال ابن عباس: يريد: المقدسة.
وقوله: ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ قال المفسرون: من ناحية الشجرة (١١) وقال قتادة: من عند الشجرة (١٢) قال ابن عباس: وهىِ العُنَّاب (١٣) وقال مقاتل: وهي: عَوْسَجَة، وهو قول قتادة (١٤) وقال ابن مسعود: كانت سَمُرة (١٥) وقال الكلبي: شجرة العوسج (١٦) (١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 103.
عِدوة الوادي وعُدوته: جانبه.
"تهذيب اللغة" 3/ 110 (عدا).
(٢) كتاب "العين" 6/ 276 (شطأ)، بلفظ: شاطئ الوادي: شَفَتُه، اسم من غير فعل.
وليس فيه ذكر التثنية، ولا الجمع، ولم أجد قول الليث في "التهذيب".
(٣) أبو خيرة، نهشل بن زيد، أعرابي بدوي من بني عدي، دخل الحاضرة، وأفاد وأخذ عنه الناس، وصنف في الغريب كتبا.
"إنباه الرواة على أنباه النحاة" 4/ 117، و"بغية الوعاة" 2/ 317.
(٤) "تهذيب اللغة" 11/ 392 (شطأ).
قال الأخفش: جماعة الشاطئ: الشواطئ، وقال بعضهم: شَطّ، والجماعة: شُطُوط "معاني القرآن" 2/ 653.
(٥) أخرجه ابن جرير 20/ 71، وابن أبي حاتم 9/ 293.
(٦) "تفسير مقاتل" 65 ب.
(٧) "تهذيب اللغة" 1/ 285 (بقع).
(٨) في نسخة: (أ): زيادة: حفرة، وحفار.
وهي تكرار لما ذكره الزجاج في آخر كلامه، حيث لا يستقيم إيراد حُفرة، مثالًا على الفتح.
والله أعلم.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.
(١٠) "تفسير مقاتل" 65 ب، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.
(١١) "تفسير الثعلبي" 8/ 146 ب.
(١٢) أخرجه ابن جرير 20/ 71.
(١٣) نسبه لابن عباس ابنُ الجوزي، "زاد المسير" 6/ 218.
والعُنَّاب: شجر شائك، يبلغ ارتفاعه ستة أمتار، ويطلق العناب على ثمره أيضًا، وهو: أحمر حلو لذيذ الطعم.
"المعجم الوسيط" 2/ 630 (عنب).
لم يذكر في "التهذيب" 3/ 6، و"اللسان" 1/ 630: إلا أنه من الثمر، وأنه معروف.
والعَّنَاب بالفتح: بائع العِنَب.
"اللسان" 1/ 630، و"القاموس المحيط" 152.
(١٤) "تفسير مقاتل" 65 ب، أخرجه ابن جرير 20/ 71، عن قتادة، وذكره عنه الثعلبى 8/ 147 أ.
والعوسج: شجر كثير الشوك، وهو أنواع منها ما يثمر، ومنها ما لا يثمر.
"تهذيب اللغة" 1/ 338، و"اللسان" 2/ 324، و"المعجم الوسيط" 2/ 600 (عسج).
(١٥) أخرج ابن جرير 20/ 71.
وذكره عنه الثعلبي 8/ 147 أ.
(١٦) أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، عن الكلبي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ شَاطِىءِ الوادي ﴾ جانبه والأيمن صفة للشاطئ اليمين، ويحتمل أن يكون من اليمن فيكون صفة للوادي ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ روي: أنها كانت عوسجة ﴿ جَآنٌّ ﴾ ذكر من النمل ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ أي أدخلها فيه، والجيب هو فتح الجبة من يحث يخرج الإنسان رأسه ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ الجناح اليد أو الإبط أو العضد، أمره الله لما خاف من الحية أن يضمه إلى جنبه ليخفَّ بذلك خوفه، فإن من شاء الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يخف خوفه، وقيل: ذلك على وجه المجاز، والمعنى أنه أمر بالعزم على ما أمر به: كقوله اشدد حيازيمك واربط جأشك.
﴿ مِنَ الرهب ﴾ أي من أجل الرَّهْب، وهو الخوف، وفيه ثلاثة لغات: فتح الراء والهاء، وفتح الراء وإسكان الهاء، وضم الراء وإسكان الهاء ﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ ﴾ أي حجتان والإشارة إلى العصا واليد ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ يتعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربي أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ يصدر ﴾ بفتح الياء وضم الدال: ابن عامر ويزيد وأبو عمرو وأبو أيوب.
الآخرون بضم الياء وكسر الدال ﴿ إني أريد ﴾ ﴿ سَتَجِدُنِي إِن ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ و ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح ياء المتكلم في الكل: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو و ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح الياء: هم وابن عامر ﴿ جذوة ﴾ بفتح الجيم: عاصم وبضمها حمزة وخلف.
الباقون بكسرها.
﴿ من الرهب ﴾ بفتح الراء وسكون الهاء: حفص، وبفتحهما أبو عمرو وسهل ويعقوب وابو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون بضم الراء وسكون الهاء ﴿ فذاناك ﴾ بتشديد النون: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ معي ﴾ بالفتح: حفص ﴿ ردا ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون بضم الراء وهمزة في الوقف ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع: حمزة وعاصم ﴿ يكذبون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو: ابن كثير ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ من يكون ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ لا يرجعون ﴾ بفتح الياء وكسر الجيم: نافع ويعقوب وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ يسقون ﴾ ه لأنه رأس آية عند الأكثرين مع عطف المتفقتين ﴿ تذودان ﴾ ج لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد الفاعل ﴿ خطبكما ﴾ ط ﴿ الرعاء ﴾ ز لأن ما بعده منقطع لفظاً ومعنى كأنه قال: فلم خرجتما فقالتا تعريضاً بالاستقامة وأبونا شيخ ﴿ كبير ﴾ ط ﴿ فقير ﴾ ه ﴿ على استحياء ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القائل، ومن وقف على ﴿ تمشي ﴾ ويجعل على استحياء حالاً مقدماً اي قالت مستحيية فلا وجه له في الوقف ﴿ لنا ﴾ ط لأن جواب "لما" منتظر وقبله حذف أي فذهب معها فلما جاءه فكأن الفاء لاستئناف القصص لأن قال جواب "لما".
﴿ لا تخف ﴾ ز لأن قوله ﴿ نجوت ﴾ غير متصل به نظماً وليفصل بين البشارتين أي لا تخف ضيماً وقد نجوت من ظلم فرعون ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ استأجره ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ الأمين ﴾ 5 ﴿ حجج ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ عندك ﴾ ج لابتداء النفي مع الواو ﴿ عليك ﴾ ج ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وبينك ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ عليّ ﴾ ط ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد القائل ﴿ تصطلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا ﴿ عصاك ﴾ ط لحق الحذف أي فألقاها فحييت فلما رآها ﴿ ولم يعقب ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ج لمثل ما مر أي لا تخف باس العصا إنك أمنت بها بأس فرعون ﴿ الآمنين ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع طول الكلام ه ﴿ وملئه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ يصدقني ﴾ ز للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وعلى ﴿ إليكما ﴾ أوجه أي أنتم الغالبون بآياتنا ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ 5 ﴿ غيري ﴾ ج لتنويع الكلام ﴿ إلى إله موسى ﴾ لا لأن ما بعده مقوله ايضاً ﴿ الكاذبين ﴾ ه لا ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في اليم ﴾ ج للابتداء بأمر الاعتبار واختلاف الجملتين مع فاء التعقيب ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلى النار ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ لعنة ﴾ ط لمثل ذلك ﴿ المقبوحين ﴾ ه.
التفسير: ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله وأخذ يمشي من غير معرفة طريق فأوصله الله إلى مدين.
وقد يؤيد هذا التفسير ما روي عن ابن عباس أنه خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، ويحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس أنه لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينه وبينهم قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله .
أما أنه قصد مدين فلقوله ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ اي قصد نحو هذه القرية ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمان.
وأما أنه اعتمد على فضل الله فلقوله.
﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ أي وسطه وجادّته نظيره قول جده إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ وكذا الخلف الصدق يقتدي بالسلف الصالح فيهتدي.
قال السدي: لما أخذ في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين.
عن ابن جريج أنه خرج بغير زاد ولا ظهر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.
﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ وكان بئراً فيما روي وورود الماء مجيئه والوصول إليه ضدّ الصدور.
﴿ وجد عليه ﴾ اي على شفيره ومستقاه ﴿ أمة من الناس ﴾ جماعة كثيرة العدد أصنافاً ﴿ يسقون ﴾ مواشيهم ﴿ ووجد من دونهم ﴾ اي في مكان اسفل من مكانهم ﴿ امرأتين تذودان ﴾ أي تدفعان وتطردان أغنامهما لأن على الماء من هو أقوى منهما فلم يتمكنا من السقي، وكانتا تكرهان المزاحمة على الماء واختلاط أغنامهما بأغنامهم أو اختلاطهما بالرجال.
وقيل: تذودان الناس عن غنمهما.
وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر.
وبالجملة حذف مفعول ﴿ تذودان ﴾ لأن الغرض تقرير الذود لا المذود.
وكذا في ﴿ يسقون ﴾ و ﴿ لا نسقي ﴾ المقصود هو ذكر السقي لا المسقي، وكذا في قراءة من قرأ ﴿ حتى يصدر ﴾ من لاإصدار أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم الغرض بيان الإصدار.
﴿ قال ما خطبكما ﴾ هو مصدر بمعنى المفعول أي ما مخطو بكما من الذياد ﴿ قالتا لا نسقي ﴾ الآية.
سألهما عن سبب الذود فذكرتا أنا ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وما لنا رجل يقوم بذلك.
﴿ وابونا شيخ ﴾ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به، وهذه الضرورة هي التي سوغت لنبي الله شعيب أن رضي لابنتيه بسقي الماشية على أن الأمر في نفسه ليس بمحظور، ولعل العرب وخصوصاً أهل البدو منهم لا يعدّونه قادحاً للمروءة.
وزعم بعضهم أن أباهما هو ثيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد ينميه إلى ابن عباس.
وعن الحسن أنه رجل مسلم قبل الدين من شعيب.
أما قوله ﴿ فسقى لهما ﴾ فمعناه فسقى غنمهما لأجلهما وفيه قولان: أحدهما أنه سأل القوم فسمحوا وكان لهم دلو يجتمع عليها أربعون رجلاً فيخرجونها من البئر فاستقى موسى بها وحده وصب الماء في الحوض ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما.
والثاني أنه عمد إلى البئر وعليها صخرة لا يقلها إلا سبعة رجال أو عشرة أو أربعون أو مائة -أقوال- فأقلها وحده وسقى أغنامهما، كل ذلك في شمس وحر.
﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ ظل شجرة ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ ذهب أكثر المفسرين الظاهريين ومنهم ابن عباس إلى أنه طلب من الله طعاماً يأكله.
وعدي ﴿ فقير ﴾ باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.
وعن الضحاك أنه مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض وإن خضرته تتراءى في بطنه من الهزال، وقيه دليل على أنه نزع الدلو وأقل الصخرة بقوة ربانية.
وقال بعض أهل التحقيق: أراد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين، وذلك أنه كان عند فرعون في ملك وثروة فأظهر الرضا بهذا الذل شكراً لله.
يروى أنهما لما رجعتا إلى ابيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟
قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا.
فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي وذلك قوله ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ قيل: من جملة حيائها أنها قد استترت بكم درعها ثم ﴿ قالت إن أبي يدعوك ﴾ عن عطاء بن السائب أنه حين قال ﴿ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل له ﴿ ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ وضعفت الرواية بأن هذا نوع من الدناءة وضعف اليقين بالله فلا يليق بالنبي.
وقد روي أنها حين قالت: ليجزيك كره ذلك.
ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً حتى قال شعيب هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.
سؤال: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية؟
الجواب: العمل بقول الواحد حراً أو عبداً ذكراً كان أو أنثى سائغ في الأخبار، والمشي مع الأجنبية لا بأس به في حال الاضطرار مع التورع والعفاف، ويؤيده ما روي أن موسى تبعها فأزلقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لهاك امشي خلفي وانعتي لي الطريق.
قال الضحاك: لما دخل عليه قال له: من أنت يا عبد الله؟
قال: أنا موسى بن عمران بن يصهر ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب.
﴿ وقص عليه القصص ﴾ أي المقصوص من لدن ولادته إلى قتل القبطيّ وفراره خوفاً من فرعون وملئه فـ ﴿ ـقال ﴾ له شعيب ﴿ لا تخف ﴾ من فرعون أو ضيماً ﴿ نجوت من القوم الظالمين ﴾ فلا سلطان لفرعون بأرضنا ﴿ قالت إحداهما ﴾ وهي كبراهما اسمها صفراء وكانت الصغرى صفيراء ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القويّ الأمين ﴾ قال النحويون: جعل القوي الأمين اسماً لكونه معرفة صريحة أولى من جعل "أفعل" التفضيل المضاف اسماً لكونه قريباً من المعرفة، ولكن كمال العناية صار سبباً للتقديم.
وورود الفعل وهو ﴿ استأجرت ﴾ بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.
وقال المحققون: إن قولها هذا كلام حكيم جامع لا مزيد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة اللتين هما ثمرتا الكياسة والديانة في الذين يقوم بأمرك، فقد حصل مرادك وكمل فراغك.
عن ابن عباس أن شعيباً أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوّته وأمانته؟
فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوّب راسه اي خفضه حين بلغته رسالته، وأنه أمرها بالمشي خلفه فلذلك قال ﴿ أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ﴾ وليس هذا عقداً حتى تلزم الجهالة في المعقود عليها ولكنه حكاية عزم وتقرير وعد ولو كان عقداً لقال أنكحتك ابنتي فلانة.
وفي قوله ﴿ هاتين ﴾ دليل على أنه كانت له غيرهما.
قال أهل اللغة: ﴿ تأجرني ﴾ من أجرته إذا كنت له أجيراً فيكون ﴿ ثماني ﴾ حجج ظرفه أو من اجرته كذا إذا أثبته إياه فيكون الثماني مفعولاً به ثانياً ومعناه رعية ثماني حجج ﴿ فإن أتممت عشراً ﴾ اي عمل عشر حجج ﴿ فمن عندك ﴾ أي فإتمامه من عندك لا من عندي إذ هو تفضل منك وتبرع ﴿ وما أريد أن أشق عليك ﴾ الزام أتم الأجلين أو بالتكاليف الشاقة في مدة الرعي، وإنما أعامل معك معاملة الأنبياء يأخذون بالأسمح -بالحاء لا بالجيم- قال أهل الاشتقاق: حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أنه إذا صعب الأمر فكأنه شق عليه ظنه باثنين يقول تارة أطيقة وتارة لا أطيقه.
ثم أكد وعد المسامحة بقوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ عموماً أو في باب حسن المعاملة.
وقوله ﴿ إن شاء الله ﴾ أدب جميل كقول إسماعيل ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ أي على الذبح.
وفيه أن الاعتماد في جميع الأمور على معونة الله والأمر موكول إلى مشيئته.
استدل الفقهاء بالآية على أن العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، وعلى أن عقد النكاح لا يفسده الشروط التي لا يوجبها العقد.
ويمكن أن يقال: إنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا.
وجوّز في الكشاف أن يكون استأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ووفاه إياه ثم أنكحه ابنته.
وجعل قوله ﴿ على أن تأجرني ﴾ عبارة عما جرى بينهما ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ ذلك ﴾ الذي شارطتني عليه قائم ﴿ بيني وبينك أيما الأجلين قضيت ﴾ و"ما" مؤكدة لإبهام أيّ زائدة في شيوعها ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ اي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة فإن قضيت الثماني فلا أطالب بالزيادة وإن قضيت العشر باختياري فلم أطالب بالزيادة أيضاً.
وقيل: أراد أيهما قضيت فلا أكون متعدياً.
روي عن النبي أنه تزوّج كبراهما وقيل صغراهما ولا خلاف في أنه قضى أوفى الأجلين.
قال القاضي في قوله ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس ﴾ دليل على أنه لم يزد على العشرة وفيه نظر لأنه لا يفهم من هذا التركيب إلا أن الإيناس حاصل على عقيب مجموع الأمرين، ولا يدل على أن ذلك حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل ويؤيده ما روي عن مجاهد أنه بعد العشر المشروط مكث عشر سنين أخر.
قال أهل اللغة: الجذوة بحركات الجم العود الغليظ كانت في راسه نار أو لم تكن، وشاطئ الوادي جانبه، و"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، فالثانية بدل من الأولى وبدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، ووصفت البقعة بالمباركة لأن فيها ابتداء الرسالة والتكلم.
احتجت المعتزلة على مذهبهم أن الله يتكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله ﴿ من الشجرة ﴾ وقال أهل السنة: مما وراء النهران الكلام القديم القائم بذات الله غير مسموع والمسموع من الشجرة وهو الصوت والحرف دال على كلام الله.
وذهب الأشعري إالى أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية.
روي أن شعيباً كانت عنده عصيّ الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل البيت فخذ عصا من تلك العصيّ فأخذ عصاً هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فشعر بها فقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً.
وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه، ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ هناك أكثر لأن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم.
فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على منعها فمشى على اثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد اقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى موسى دامية فارتاح لذلك.
وحين رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأناً.
قيل: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى ذهب ليقتبس النار فكلمه الملك الجبار وقد مر في النمل تفسير قوله ﴿ فلما رآها تهتز ﴾ إلى قوله ﴿ من غير سوء ﴾ أما قوله ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ فذكر جار الله له معنيين: أحدهما حقيقة وهو أنه لما قلب الله العصا حية فزع واضطراب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه نقصان قدرك عند الأعداء فإن ألقيتها، فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب النقص وإظهار معجزة أخرى.
وثانيهما مجاز وهو أن يراد بضم الجناح التجلد وضبط النفس حتى لا يضطرب فيكون استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف أرخى جناحيه وإلا ضمهما.
ومعنى ﴿ من الرهب ﴾ من أجل الخوف.
والفرق بين هذه العبارة وبين قوله ﴿ اسلك يدك في جيبك ﴾ أن الغرض هناك خروج اليد بيضاء وههنا الغرض إخفاء الخوف أو اراد بالجناح المضموم ههنا اليد اليمنى وبالجناح المضموم إليه في قوله ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ اليد اليسرى، وقيل: إن الرهب هو الكم بلغة حمير وزيفه النقاد.
من قرأ ﴿ فذانك ﴾ بالتخفيف فمثنى ذاك، ومن قرأ بالتشديد فمثنى ذلك وأصله ذان لك قلبت اللام نوناً وأدغمت.
وسميت الحجة برهاناً لبياضها وإنارتها من قولهم "امرأة برهرهة" أي بيضاء، والعين واللام مكررتان.
والدليل على زيادة النون قولهم "أبره الرجل" إذا جاء بالبرهان ونظيره "السلطان" من السليط الزيت، لإنارتها.
وظاهر الكلام يقتضي أنه أمره بذلك قبل لقاء فرعون، والسر فيه أن يكون على بصيرة من أمره عند لقاء المعاند اللجوج، وزعم القاضي أنه في حال أداء الرسالة لأن المعجز إنما يظهر ليستدل المرسل إليه على الرسالة ولا يخفى ضعف هذا الكلام لأن الحكمة في الإظهار لا تنحصر في الاستدلال بل لعل هناك أنواعاً أخر من الحكم والمقاصد قد ذكرنا واحداً منها.
ومما يؤكد أن هذا الكلام قد جرى ولم يكن هناك أحد غير موسى قوله معتذراً ﴿ رب إني قتلت منهم نفساً ﴾ الآية.
والردء اسم ما يعان به من ردأته أي أعنته فعل بمعنى مفعول به و ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع صفة وبالجزم جواب كما مر في قوله ﴿ ولياً يرثني ﴾ والمراد بتصديق أخيه أن يذب ويجادل عنه لا أن يقول: صدقت فإن هذا القدر لا يفتقر إلى البيان والفصاحة لأن سحبان وباقلاً يستويان فيه.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ يصدقني ﴾ لفرعون.
وجوّز جار الله أن يكون من الإسناد المجازي بناء على أن يصدق مسند إلى هارون وهو ببيانه وبلاغته سبب تصديق فرعون يؤيده قوله ﴿ إني أخاف أن يكذبون ﴾ قال الجبائي: إنما سأل موسى أن يرسل هارون بأمر الله ولم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أولا يكون حكمة.
ولقائل أن يقول: لعله ساله مشروطاً على معنى إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقول الداعي في دعائه.
وقال السدي: علم أن الاثنين أقوى من الواحد فلهذا سأل اعترض القاضي بأن هذا من حيث العادة وأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين، لأن المبعوث إليه في أيهما نظر علم وإن لم ينظر فالحال واحدة.
هذا إذا كانت طريقة الدلالة بين المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلف وأمكن في إحداهما من إزالة الشبهة مالا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يقال: إنهما بمجموعهما أقوى من واحدة كما قال السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون لأن معجزتهما كانت واحدة.
قال جار الله معنى ﴿ سنشد عضدك ﴾ سنقوّيك بأخيك إما لأن اليد تشتد بشدة العضد وجملة البدن يقوى على مزاولة الأمور بشدة اليد، وإما لأن الرجل واشتداده بالأخ شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد.
والسلطان التسلط والغلبة والحجة الواضحة.
وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ إما متعلق بمقدر أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق بظاهر وهو ﴿ نجعل ﴾ أو ﴿ لا يصلون ﴾ .
ويجوز أن يكون بياناً لـ ﴿ لغالبون ﴾ كأنه قيل: بماذا نغلب؟
فقيل: بآياتنا.
وامتنع أن تكون صلة لـ ﴿ لغالبون ﴾ لتقدمه، ويجوز أن تكون قسماً جوابه ﴿ لا يصلون ﴾ مقدماً عليه مثله.
ويجوز أن يكون من لغو القسم الذي لا جواب له كقولك "زيد وأبيك منطلق"والمراد الغلبة بالحجة والبرهان في الحال أو بالدولة والمملكة في المآل، وصلب السحرة بعد تسليم ثبوته لا يقدح في قوله ﴿ ومن اتبعكما الغالبون ﴾ لأن الدولة الباقية أعلى شأنا و ﴿ سحر مفترى ﴾ أي سحر تعمله أنت ثم تنسبه إلى الله فهو كذب من هذا الوجه، أو سحر ظاهر افتراؤه لا سحر يخفى افتراؤه، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر فإن كل سحر ففاعله يوهم خلافه فهو المفترى.
ومعنى ﴿ ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ﴾ قد مر في سورة المؤمنين.
قال جار الله ﴿ في آبائنا ﴾ حال عن ﴿ هذا ﴾ اي كائناً في زمانهم وأيامهم قلت: لا مانع من أن يكون الظرف لغواً ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا بنحوه، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو أرادوا أن الكهان لم يخبروا بمجيء ما جاء به موسى.
وكل هذه المقالات لا تصدر إلا عن المحجوج اللجوج الذي قصارى أمره التمسك بحبل التقليد.
من قرأ ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو فعلى طريقة السؤال والجواب.
ووجه قراءة الأكثرين أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن العاقل الناظر بين القولين فيتبين له الغث من السمين.
وقوله ﴿ ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ﴾ إفحام للخصم المعاند إذ لا سبيل إلى دفاعه بالحجة أي يعلم أني محق وأنهم مبطلون.
وقوله ﴿ ومن تكون له عاقبة الدار ﴾ يعني العاقبة الحميدة كأن المذمومة غير معتدّ بها ضم طريقة الوعيد إلى الإفحام المذكور.
وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء السالفة فهو جواب لقولهم ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ وقال جار الله: ﴿ ربي أعلم ﴾ بحال من أهله للفلاح حيث جعله نبياً ووعده حسنى العقبى، ولو كان كاذباً كما يزعمون لم يؤهله لذلك لأنه لا يفلح عنده الظالمون، واعلم أن فرعون كان من عادته عند ظهور حجة لموسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروّجها على أغمار قومه فذكر ههنا أمرين: الأوّل قوله ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ فكأنه استدل بعدم الدليل على عدم المدلول وهو خطأ من جهة أن الدليل على المدلول وهو وجود الصانع أكثر من أن يحصى، ومن جهة أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول.
وأما قوله ﴿ غيري ﴾ فقد تكلف له بعضهم أنه لم يرد به أنه خالق السموات والأرض وما فيهما فإن امتناع ذلك بديهي، وإنما أراد به نفي الصانع والاقتصار على الطبائع وأنه لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره.
الثاني قوله ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ وقد تكلفوا له ههنا أيضاً فقيل: إنه يبعد من العاقل أن يروم صعود السماء بآلة، ولكنه أراد أنه لا سبيل إلى إثبات الصانع من حيث العقل كما مر، ولا من حيث الحس فإن الإحساس به يتوقف على الصعود وهو متعذر، وإلا فابن يا هامان مثل هذا البناء وإنما قال ذلك تهكماً.
فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم رتب النتيجة عليه وهو قوله ﴿ وإني لأظنه من الكاذبين ﴾ يحتمل أن يريد لأعلمه من الكاذبين.
والأكثرون من المفسرين على أنه بنى مثل هذا البناء جهلاً منه أو تلبيساً على ملئة حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن.
يروى أن هامان جمع العمال حتى اجتمع منهم خمسون ألف بناء سوى الأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ مبلغاً لا يقدر الباني أن يقوم عليه، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعت ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل.
ووقعت قطعة في البحر،و قطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك.
وروي في القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعند ذلك بعث الله جبرائيل لهدمه.
قال أهل البيان: إن صح الحديث ردّ النشابة ملطوخة فقد تهكم به بالفعل كما ثبت التهكم بالقول في غير موضع.
وإنما قال ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ ولم يقل: اطبخ لي الآجر.
ولأن هذه العبارة أحسن، ولأن فيه تعليم الصنعة، وقد كان أوّل من عمل الآجر فرعون.
عن عمر أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال: ما علمت أن أحداً بنى الآجر غير فرعون.
والطلوع والأطلاع الصعود يقال: طلع الجبل واطلع.
وفي قوله ﴿ واستكبر هو وجنوده في الأرض ﴾ يعني أرض مصر ﴿ بغير الحق ﴾ إشارة إلى أن الاستكبار بالحق إنما هو لله كما جاء في الحديث القدسي "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" فهو كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق ﴾ وفي قوله ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ دليل على أنهم كانوا منكري البعث كالطبائعيين.
وفي قوله ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ﴾ دلالة على علو شأنه وعظمة سلطانه وإشارة إلى استحقار فرعون وجنوده وعدده وإن كانوا أكثر من رمال الدهناء كأنه شبههم بحصيات أخذهن أحد في كفه فطرحهن في البحر.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ﴾ أن خالق الشر وجاعل الكفر هو الله .
وقالت المعتزلة: معنى الجعل التسمية والحكم بذلك كما يقال: جعله بخيلاً وفاسقاً إذا حكم بالبخل والفسق عليه وسماه بالبخيل والفاسق، أو أراد خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى كانوا أئمة الكفر داعين إلى النار أي إلى موجباتها من الكفر والمعاصي.
وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم وذلك أنه تعالى عجل لهم العذاب فصاروا متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار.
وقال بعضهم: أراد بالإمامة أنهم بلغوا في ذلك الباب أقصى النهايات حتى أستحقوا أن يقتدى بهم.
ثم بين بقوله ﴿ ويوم القيامة لا ينصرون ﴾ أن عقاب الآخرة سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه.
وقال في الكشاف: اراد وخذلناهم في الدنيا ويوم القيامة هم مخذولون كما قال ﴿ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ﴾ اي طرداً وإبعاداً عن الرحمة ﴿ ويوم القيامة هم من المقبوحين ﴾ أي من المطرودين المبعدين: وقالت الليث: قبحه الله قبحاً بالفتح وقبحاً بالضم أي نحّاه عن كل خير.
وقال ابن عباس: من المشهورين بسواد الوجه وزرقة العين.
وعن بعضهم أنه يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم فيجمع لهم بين الفضيحتين.
التأويل: وحين توجه تلقاء مدين عالم الروحانية ﴿ وجد عليه أمة ﴾ من أوصاف الروح ﴿ يسقون ﴾ مواشي أخلاقهم من ماء فيض الإلهي.
﴿ ووجد من دونهم امرأتين ﴾ السر والخفي ابنتا شعيب الروح يمنعان من استقاء ماء الفيض الإلهي.
قال الشيخ الإمام الرباني نجم الدين المعروف بداية: وذلك لأن لمعان أنوار الفيض يرد على الروح في البداية بالتدريج فينشا منه الخفي، وهو لطيفه ربانية مودعة في الروح بالقوة فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبة الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجليات صفات الربوبية والفيوض الإلهية، فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستقاء.
وكذا السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح، مؤدية غلى القلب وهو أيضاً بمعزل عن استقاء ماء فيض الروح عند اشتغال القلب بمعالجات النفس وإصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية وذلك قولهما ﴿ لا نسقي حتى يصدر الرعاء ﴾ وهم صفات الروح ويصرفوا مواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء الفيض الإِلهي، فإذا صدروا استقينا مواشينا من الأوصاف والأخلاق من أفضله مواشيهم في حوض القوى ﴿ وأبونا ﴾ وهو شعيب الروح لا يقدر على سقيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر والوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا، فسقي موسى القلب مواشيهما بقوّة استفادها من الجسد وقوّة استفادها من الروح لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلباً ﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ إلى العناية فطلب الفيض الإلهي بلا واسطة وهكذا ينبغي أن يكون السالك لا يقنع بما وجد من المعارف أبداً.
﴿ فجاءته إحداهما ﴾ فيه أن القلب يحتاج في الوصول إلى حضرة شعيب الروح أن يستمد من الخفي أو السر.
﴿ لا تخف نجوت ﴾ فيه أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح نجا من ظلمات النفس وصفاتها ﴿ إن خير من استأجرت ﴾ من النفس والجسد ﴿ القوي الأمين ﴾ لأن القلب استفاد القوّة من الجسد والأمانة من الروح ﴿ ثماني حجج ﴾ فيه أن الروح في تبليغ القلب إلى مقام الخفي يحتاج إلى تسييره في مقامات صفاته الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق وهي: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والبقاء.
وتمام ذلك إلى العشرة راجع إلى خصوصيته وهما المحبة والأنس مع الله ﴿ أيما الأجلين قضيت ﴾ في التخلق بأخلاقك اليمانية وفي المحبة والأنس مع الله ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ أي ليس لك أن تمنعني العبور عن المحبة لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على تلك الصفات الثمانية.
وأما المحبة والأنس مع الله فصفتان مخصوصتان بالحضرة.
﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ولهذا كل إنسان من المؤمن والكافر فإنه مجبول على تلك الأوصاف وليس من زمرة ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ إلا مؤمن موحد.
فلما اتصف موسى القلب بالأوصاف الثمانية وغلبت عليه محبة الله واستأنس به وصار بجميع صفاته متوجهاً إلى حضرة القدس ﴿ آنس ﴾ من طور الحضرة نار نور الإلوهية.
وفي قوله ﴿ لأهله امكثوا ﴾ إشارة إلى أن السالك لا بد له من تجريد الظاهر عن الأهل والمال وتفريد الباطن عن تعلقات الكونين.
نور يبدو وإذا بدا استمكن شمس طلعت ومن رآها آمن.
وفي قوله ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ إشارة إلى أن الأوصاف الإنسانية جامدة من برودة الطبيعة لا تتسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار الجذبة الإلهية ﴿ من شاطئ الواد الأيمن ﴾ وهو السر في بقعة البدن من شجرة وجود الإنسان ﴿ من الرهب ﴾ أي رهبة من فوات وصال الحضرة ﴿ وأخي هرون ﴾ هو العقل فمن خصوصيته تصديق الناطق بالحق ﴿ قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ﴾ لأن النفس خلقت من اسفل عالم الملكوت ومنكسة، والقلب خلق وسط عالم الملكوت متوجهاً إلى الحضرة فلهذا ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ وما صدقت النفس ما رأت ﴿ في آبائنا الأولين ﴾ اي في طبائع الكواكب فإنها آباء النفس وأمهاتها العناصر والطبائع منكوسة إلىعالم السفل لا يعرفون مقام الوحدة فلا يعرفون بالتوحيد.
﴿ فأوقد لي يا هامان ﴾ الشيطان ﴿ على الطين ﴾ البشرية بنفخ الوساوس والغرور ﴿ فاجعل لي صرحاً ﴾ من المقدمات الخيالية والوهمية ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ أغرقوا في ماء شهوات الدنيا ويم هممها فأدخلوا نار الحسرة والندامة.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ﴾ قال أهل التأويل ما ذكرنا: أنه قضى أتمهما أو أكثرهما لكن لا نعلم التأويل الصحيح، فعلى ما ذكروا، وليس في الآية إلا قضاء الأجل؛ فلا يزاد على ذلك إلا بثبت، فإن ثبت ما روي من الخبر، فهو والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً ﴾ ﴿ آنَسَ ﴾ : قيلِ: أبصر وأحسّ ناراً.
قال بعضهم: إن موسى لم يكن رأى ناراً، ولكن إنما رأى نوراً ظن أنه نار، فلا يحتمل ذلك؛ لأنه أخبر أنه آنس ناراً، وإن لم يكن في الحقيقة ناراً لم يجز، وكان ذلك يوجب الكذب في الخبر، إلا أن يقال على الإضمار: آنس من جانب الطور نوراً ظن أنه نار، أو في ظنه أنه نار.
﴿ قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ أي: امكثوا لعلي آتيكم منها بخبر يدلنا أو بجذوة تضيء الطريق؛ فكأنه قد ضل الطريق فيقول: لعلي آتيكم منها بخبر الطريق أو جذوة من النار، أي: آتيكم بجذوة من النار، وهي ما رغبتم فيه ولم آتكم بخبر الطريق ﴿ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ هذا يدل أنه كان في أيام الشتاء، وفي وقت البرد: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ ﴾ قال بعضهم: الأيمن: أي: عن يمين الجبل.
وقال بعضهم: عن يمين موسى.
وقال بعضهم: يمين الشجرة، ولكن الأيمن، المبارك، وهو من اليمن، الوادي اليمن.
والبقعة المباركة: قال بعض أهل التأويل: سميت مباركة؛ لكثرة أشجارها وأنزالها، وكثرة مياهها وعشبها، ولكن سماه: مباركاً وأيمن - والله أعلم - لأنه مكان الأنبياء والرسل وموضع الوحي.
وقوله: ﴿ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ولله أن يسمع ويخبر من شاء مما شاء وكيف شاء كما أسمع مريم من تحتها حيث قال: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي ﴾ .
وقوله: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ ليس هذا بموصول بقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ولكن ذلك ما ذكر في سورة طه: ﴿ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ....
﴾ إلى آخر ما ذكر.
ثم قال في آخره: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ أي: تتحرك ﴿ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾ قال بعضهم: الجانّ: الحية الصغيرة.
وقال بعضهم: الجانّ ما يعم العظيمة والصغيرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَّىٰ مُدْبِراً ﴾ فارّاً هارباً ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ أي: لم يلتفت ولم يرجع لشدة خوفه وفرقه.
وقوله: ﴿ يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ ﴾ .
قوله: ﴿ وَلاَ تَخَفْ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: على رفع الخوف من قلبه؛ إذ قال: له الأمن فيه.
والثاني: على البشارة أنه لا يؤذيه؛ كأنه يقول: لا تخف وكن من الآمنين، فإنه لا يؤذيك.
والثالث: على النهي، أي: لا تخف؛ فإني أحفظك وأدفع أذاه عنك؛ كقوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، وأدفع ذلك عنكما.
وقوله: ﴿ أَوْ جَذْوَةٍ ﴾ بكسر الجيم ورفعها؛ قال بعضهم: عود قد احترق بعضه.
وقال قتادة: أصل شجرة فيها نار.
وقال أبو عوسجة: الجذوة: مثل الشهاب سواء، والجذى: جمع الجذوة.
وقال أبو عوسجة: الجذوة: القطعة الغليظة.
وقال القتبي: الجذوة: عود قد احترق، أي: قطعة منها.
وشاطئ: أي شط الوادي.
آنست: أبصرت، وكذلك قوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً ﴾ أي: أبصرتم وعلمتم.
وقوله: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ هذا يدل أن لا بأس بتغيير الألفاظ واختلافها بعد إصابة المعنى وما قصد بها.
وقوله: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله: ﴿ واضمم إليك جناحك من الرُّهب ﴾ بالضم، والرهب بالفتح؛ قد قرئ بهما جميعاً.
ثم قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير، قوله: ﴿ مِنَ ٱلرَّهْبِ ﴾ موصول بقوله: ﴿ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ ﴾ من الرهب، أي: الخوف والغرق.
وقال بعضهم: أمره أن يضم يديه إلى نفسه؛ لأن ذلك أخوف وأهيب وأعظم من إرسالهما، وذلك معروف أيضاً في الناس أنهم إذا دخلوا على ملك من الملوك ضموا أيديهم وجناحيهم إلى أنفسهم؛ تعظيماً لهم وتبجيلا، أو خوفاً منهم.
فعلى ذلك جائز أن يأمره بضم يديه إلى نفسه؛ ليكون بين يدي ربه أهيب وأخوف ما يكون، وأعظم ما يجب له، وهو ما قال له: ﴿ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ .
وقوله: ﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ﴾ أي: اليد والعصا، اللتان ذكرهما ﴿ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ﴾ أي: حجتان ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً ﴾ .
وقال في سورة الشعراء: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ أخر في هذا ما كان مقدماً في الذكر في ذلك، وذكره على اختلاف الألفاظ وتغيير الحروف؛ ليعلم: أن ليس على السامع حفظ الألفاظ والحروف بعد إصابته المعنى، وفهم ما قصد بها وأودع فيها؛ لأن الله ذكر هذه الأنباء والقصص التي كانت من قبل في القرآن على اختلاف الألفاظ، وتغيير الحروف، على التقديم والتأخير، والزيادة والنقصان؛ ليعلم أن المقصود والمراد بذكرها ما فيها، لا عين اللفظ والحروف، فإذا عرف ما فيها وفهم جاز الأداء بأي لسان كان، وبأيّ لفظ كان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أمّا أهل التأويل فإنهم قالوا: كان في لسانه رتة أي: عقدة لما أدخل في فمه من النار؛ فذلك لا نعلمه، وقد قال في آية [أخرى]: ﴿ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي ﴾ فيجوز أن يكون ذلك خلقة خلقه هكذا، على ما خلق بعض الخلق أفصح وأبين من بعض.
أو أن يكون لما ذكر له من الخوف والذنب ما لم يكن ذلك لهارون، ولا شك من اشتد به الخوف منع صاحبه عن التكلم والبيان، وذلك متعالم معروف في الناس، وهو ما قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ...
﴾ الآية.
أو أن يكون ذلك لأن نشوء هارون كان فيهم وهم بلسانه أعرف، ومنطقه أفهم، ولموسى فترات كان معتزلا عنهم.
وقوله: ﴿ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً ﴾ أي: عوناً ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ ثم بيّن في آية أخرى أنه فيم طلب منه عوناً؟
وهو ما قال ﴿ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي...
﴾ الآية [طه: 29]، أي: يصدقني فيما أقول إذا كذبوني هم، أو أستأنس به إذا ضاق صدري بالتكذيب والردّ، فأجابه ربه فقال: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ كناية وعبارة عن القوة والعون؛ لأن القوة فيه تكون؛ فذكر فيمن تكون، وهو كقوله: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ ذكر الأقدام، لأنه بالأقدام يثبت، وقوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ لأنه بالعقب ينكص، ومثله كثير، فعلى هذا ذلك.
وقوله: ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ ﴾ قال قائلون: هو على التقديم والتأخير، أي: نجعل لكما سلطاناً، أي: نجعل لكما سلطاناً بآياتنا فلا يصلون إليكما.
وقال بعضهم: ونجعل لكما سلطاناً باللطف ندفع عنكما أذاهم وشرهم؛ كقوله: ﴿ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ أي: أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، وأدفع ذلك عنكما فلا يصلون إليكما بالآيات التي معكما.
وقوله: ﴿ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ ﴾ يحتمل هذا وجوهاً: الغالبون بالحجج والبراهين، أي: تغلب حجتكما سحرهم وتمويهاتهم.
أو أن يكون عاقبة الأمر لكما.
أو أن يكون ذلك في الآخرة.
قال أبو معاذ: العرب تقول: أردت الرجل: أي: أعنته.
وقال أبو عوسجة: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ أي: أعينك به وأقويك، والعضد: كناية عن القوة؛ لأنه فيه تكون القوة، وبه يقوى من يوصف بالقوة، على ما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
فلما جاء موسى النار التي أبصرها ناداه ربه سبحانه وتعالى: من جانب الوادي الأيمن في الموقع الَّذي باركه الله بتكليمه لموسى من الشجرة أن: يا موسى إني أنا الله رب المخلوقات كلها.
<div class="verse-tafsir" id="91.Qn0br"