الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٣٩ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 65 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٩ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ) أي : طغوا وتجبروا ، وأكثروا في الأرض الفساد ، واعتقدوا أنه لا معاد ولا قيامة ، ( فصب عليهم ربك سوط عذاب .
إن ربك لبالمرصاد ) [ الفجر : 13 ، 14 ] ،
القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) يقول تعالى ذكره: ( وَاسْتَكْبَرَ ) فرعون ( وَجُنُودُهُ ) في أرض مصر عن تصديق موسى واتباعه على ما دعاهم إليه من توحيد الله, والإقرار بالعبودية له بغير الحقّ، يعني تَعدِّيًا وعتوًّا على ربهم ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ ) يقول: وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون, ولا ثواب, ولا عقاب, فركبوا أهواءهم, ولم يعلموا أن الله لهم بالمرصاد, وأنه لهم مجاز على أعمالهم الخبيثة.
قوله تعالى : ( واستكبر ) أي تعظم ( هو وجنوده ) أي تعظموا عن الإيمان بموسى في الأرض بغير الحق أي بالعدوان ، أي لم تكن له حجة تدفع ما جاء به موسى وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون أي توهموا أنه لا معاد ولا بعث .
وقرأ نافع وابن محيصن وشيبة وحميد ويعقوب وحمزة والكسائي : ( لا يرجعون ) بفتح الياء وكسر الجيم على أنه مسمى الفاعل ، الباقون : ( يرجعون ) على الفعل المجهول وهو اختيار أبي عبيد ، والأول اختيار أبي حاتم
قال تعالى: { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } استكبروا على عباد اللّه، وساموهم سوء العذاب، واستكبروا على رسل اللّه، وما جاءوهم به من الآيات، فكذبوها، وزعموا أن ما هم عليه أعلى منها وأفضل.{ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ } فلذلك تجرأوا، وإلا فلو علموا، أو ظنوا أنهم يرجعون إلى اللّه، لما كان منهم ما كان.
( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ) قرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ويعقوب : " يرجعون " بفتح الياء وكسر الجيم ، والباقون بضم الياء وفتح الجيم .
«واستكبر هو وجنوده في الأرض» أرض مصر «بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرَجِعون» بالبناء للفاعل وللمفعول.
واستعلى فرعون وجنوده في أرض "مصر" بغير الحق عن تصديق موسى واتِّباعه على ما دعاهم إليه، وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون.
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت فرعون على هذا القول الساقط الكاذب ، فقال : ( واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وظنوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ ) .والاستكبار : التعالى والتطاول على الغير بحمق وجهل .
أى : وتعالى فرعون وجنوده فى الأرض التى خلقناها لهم ، دون أن يكون لهم أى حق فى هذا التطاول والتعالى ، وظنوا واعتقدوا أنهم إلينا لا يرجعون ، لمحاسبتهم ومعاقبتهم يوم القيامة .
اعلم أن فرعون كانت عادته متى ظهرت حجة موسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروجها على أغمار قومه وذكر هاهنا شبهتين الأولى: قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى ﴾ وهذا في الحقيقة يشتمل على كلامين: أحدهما: نفي إله غيره والثاني: إثبات إلهية نفسه، فأما الأول فقد كان اعتماده على أن ما لا دليل عليه لم يجز إثباته، أما أنه لا دليل عليه فلأن هذه الكواكب والأفلاك كافية في اختلاف أحوال هذا العالم السفلي فلا حاجة إلى إثبات صانع، وأما أن ما لا دليل عليه لم يجز إثباته فالأمر فيه ظاهر.
واعلم أن المقدمة الأولى كاذبة فإنا لا نسلم أنه لا دليل على وجود الصانع وذلك لأنا إذا عرفنا بالدليل حدوث الأجسام عرفنا حدوث الأفلاك والكواكب، وعرفنا بالضرورة أن المحدث لابد له من محدث فحينئذ نعرف بالدليل أن هذا العالم له صانع، والعجب أن جماعة اعتمدوا في نفي كثير من الأشياء على أن قالوا لا دليل عليه فوجب نفيه، قالوا وإنما قلنا إنه لا دليل لأنا بحثنا وسبرنا فلم نجد عليه دليلاً، فرجع حاصل كلامهم بعد التحقيق إلى أن كل ما لا يعرف عليه دليل وجب نفيه، وإن فرعون لم يقطع بالنفي بل قال لا دليل عليه فلا أثبته بل أظنه كاذباً في دعواه، ففرعون على نهاية جهله أحسن حالاً من هذا المستدل.
أما الثاني وهو إثباته إلهية نفسه، فاعلم أنه ليس المراد منه أنه كان يدعي كونه خالقاً للسموات والأرض والبحار والجبال وخالقاً لذوات الناس وصفاتهم، فإن العلم بامتناع ذلك من أوائل العقول فالشك فيه يقتضي زوال العقل، بل الإله هو المعبود فالرجل كان ينفي الصانع ويقول لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره، فهذا هو المراد من ادعائه الإلهية لا ما ظنه الجمهور من ادعائه كونه خالقاً للسماء والأرض، لا سيما وقد دللنا في سورة طه (49) في تفسير قوله: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى ﴾ على أنه كان عارفاً بالله تعالى وأنه كان يقول ذلك ترويجاً على الأغمار من الناس الشبهة الثانية: قوله: ﴿ فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين فاجعل لّى صَرْحاً لَّعَلّى أَطَّلِعُ إلى إله موسى وَإِنّى لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين ﴾ وهاهنا أبحاث: الأول: تعلقت المشبهة بهذه الآية في أن الله تعالى في السماء قالوا لولا أن موسى عليه السلام دعاه إلى ذلك لما قال فرعون هذا القول والجواب: أن موسى عليه السلام دل فرعون بقوله: ﴿ رَبّ السموات والأرض ﴾ ولم يقل هو الذي في السماء دون الأرض، فأوهم فرعون أنه يقول إن إلهه في السماء، وذلك أيضاً من خبث فرعون ومكره ودهائه.
الثاني: اختلفوا في أن فرعون هل بنى هذا الصرح؟
قال قوم إنه بناه قالوا إنه لما أمر ببناء الصرح جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل وقطعة وقعت في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا وقد هلك، ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه ورمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردت إليهم وهي ملطوخة بالدم، فقال قد قتلت إله موسى فعند ذلك بعث الله تعالى جبريل عليه السلام لهدمه.
ومن الناس من قال إنه لم يبن ذلك الصرح لأنه يبعد من العقلاء أن يظنوا أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من على أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها حين كان على قرار الأرض، ومن شك في ذلك خرج عن حد العقل، وهكذا القول فيما يقال من رمى السهم إلى السماء ورجوعه متلطخاً بالدم، فإن كل من كان كامل العقل يعلم أنه لا يمكنه إيصال السهم إلى السماء، وأن من حاول ذلك كان من المجانين فلا يليق بالعقل والدين حمل القصة التي حكاها الله تعالى في القرآن على محمل يعرف فساده بضرورة العقل، فيصير ذلك مشرعاً قوياً لمن أحب الطعن في القرآن، فالأقرب أنه كان أوهم البناء ولم يبن أو كان هذا من تتمة قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى ﴾ يعني لا سبيل إلى إثباته بالدليل، فإن حركات الكواكب كافية في تغير هذا العالم ولا سبيل إلى إثباته بالحس، فإن الإحساس به لا يمكن إلا بعد صعود السماء وذلك مما لا سبيل إليه، ثم قال عند ذلك لهامان: ﴿ ابن لِى صَرْحاً أَبْلُغُ بِهِ أسباب السموات ﴾ وإنما قال ذلك على سبيل التهكم فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم إنه رتب النتيجة عليه فقال: ﴿ وَإِنّى لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين ﴾ فهذا التأويل أولى مما عداه.
الثالث: إنما قال: ﴿ فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين ﴾ ولم يقل اطبخ لي الآجر واتخذه لأنه أول من عمل الآجر فهو يعلمه الصنعة ولأن هذه العبارة أليق بفصاحة القرآن وأشبه بكلام الجبابرة وأمر هامان، وهو وزيره بالإيقاد على الطين فنادى باسمه بيافي وسط الكلام دليل على التعظم والتجبر، والطلوع والاطلاع الصعود يقال طلع الجبل واطلع بمعنى واحد.
أما قوله: ﴿ واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق ﴾ فاعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى وهو المتكبر في الحقيقة أي المبالغ في كبرياء الشأن، قال عليه السلام فيما حكى عن ربه: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار».
وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق.
المسألة الثانية: قال الجبائي الآية تدل على أنه تعالى ما أعطاه الملك وإلا لكان ذلك بحق وهكذا كل متغلب، لا كما ادعى ملوك بني أمية عند تغلبهم أن ملكهم من الله تعالى فإن الله تعالى قد بين في كل غاصب لحكم الله أنه أخذ ذلك بغير حق، واعلم أن هذا ضعيف لأن وصول ذلك الملك إليه، إما أن يكون منه أو من الله تعالى، أو لا منه ولا من الله تعالى، فإن كان منه فلم لم يقدر عليه غيره، فربما كان العاجز أقوى وأعقل بكثير من المتولي للأمر؟
وإن كان من الله تعالى فقد صح الغرض، وإن كان من سائر الناس فلم اجتمعت دواعي الناس على نصرة أحدهما وخذلان الآخر؟
واعلم أن هذا أظهر من أن يرتاب فيه العاقل.
أما قوله: ﴿ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ ﴾ فهذا يدل على أنهم كانوا عارفين بالله تعالى إلا أنهم كانوا ينكرون البعث فلأجل ذلك تمردوا وطغوا.
أما قوله: ﴿ فأخذناه وَجُنُودَهُ فنبذناهم فِي اليم ﴾ فهو من الكلام المفحم الذي دل به على عظم شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم، وإن كانوا الكبير الكثير والجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر ونحو ذلك وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شامخات ﴾ ﴿ وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة ﴾ ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ ﴾ سبحانه وتعالى وليس الغرض منه إلا تصوير أن كل مقدور وإن عظم فهو حقير بالقياس إلى قدرته.
أما قوله: ﴿ وجعلناهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار ﴾ فقد تمسك به الأصحاب في كونه تعالى خالقاً للخير والشر، قال الجبائي المراد بقوله: ﴿ وجعلناهم ﴾ أي بينا ذلك من حالهم وسميناهم به، ومنه قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا ﴾ وتقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله جعله فاسقاً وبخيلاً، لا أنه خلقهم أئمة لأنهم حال خلقهم لهم كانوا أطفالاً، وقال الكعبي: إنما قال: ﴿ وجعلناهم أَئِمَّةً ﴾ من حيث خلى بينهم وبين ما فعلوه ولم يعاجل بالعقوبة، ومن حيث كفروا ولم يمنعهم بالقسر، وذلك كقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا ﴾ لما زادوا عندها ونظير ذلك أن الرجل يسأل ما يثقل عليه، وإن أمكنه فإذا بخل به قيل للسائل جعلت فلاناً بخيلاً أي قد بخلته، وقال أبو مسلم معنى الإمامة التقدم فلما عجل الله تعالى لهم العذاب صاروا متقدمين لمن وراءهم من الكافرين.
واعلم أن الكلام فيه قد تقدم في سورة مريم (83) في قوله: ﴿ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين ﴾ ومعنى دعوتهم إلى النار دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي فإن أحداً لا يدعو إلى النار ألبتة، وإنما جعلهم الله تعالى أئمة في هذا الباب لأنهم بلغوا في هذا الباب أقصى النهايات، ومن كان كذلك استحق أن يكون إماماً يقتدى به في ذلك الباب، ثم بين تعالى أن ذلك العقاب سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه وهو معنى قوله: ﴿ وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ ﴾ أو يكون معناه ويوم القيامة لاينصرون كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الجنة.
أما قوله: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هذه الدنيا لَعْنَةً ﴾ معناه لعنة الله والملائكة لهم وأمره تعالى بذلك فيها للمؤمنين، وبين أنهم يوم القيامة من المقبوحين أي المبعدين الملعونين، والقبح هو الإبعاد، قال الليث يقال قبحه الله، أي نحاه عن كل خير.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من المشئومين بسواد الوجه وزرقة العين، وعلى الجملة فالأولون حملوا القبح على القبح الروحاني وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، والباقون حملوه على القبح في الصور.
وقيل فيه إنه تعالى يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم ويجمع بين الفضيحتين.
ثم بين تعالى أن الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى عليه السلام فقال: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرون الأولى ﴾ والكتاب هو التوراة، ووصفه تعالى بأنه بصائر للناس، من حيث يستبصر به في باب الدين، وهدى من حيث يستدل به، ومن حيث إن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه رحمة لأنه من نعم الله تعالى على من تعبد به.
وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أهلك الله تعالى قرناً من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة، غير أهل القرية التي مسخها قردة».
أما قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ فالمراد لكي يتذكروا، قال القاضي: وذلك يدل على إرادة التذكر من كل مكلف سواء اختار ذلك أو لم يختره، ففيه إبطال مذهب المجبرة الذين يقولون ما أراد التذكر إلا ممن يتذكر، فأما من لا يتذكر فقد كره ذلك منه، ونص القرآن دافع لهذا القول، قلنا أليس أنكم حملتم قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ ﴾ على العاقبة، فلم لا يجوز حمله هاهنا على العاقبة، فإن عاقبة الكل حصول هذا التذكر له وذلك في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
الاستكبار بالحق: إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر على الحقيقة، أي: المتبالغ في كبرياء الشأن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكى عن ربه: «الكبرياء ردائي والعظمةُ إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيتُه في النار» وكلُ مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق ﴿ يَرْجَعُونَ ﴾ بالضم والفتح ﴿ فأخذناه وَجُنُودَهُ فنبذناهم فِي اليم ﴾ من الكلام الفخم الذي دل به على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه.
شبههم استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم، وإن كانوا الكثر الكثير والجم الغفير، بحصيات أخذهنّ آخذ في كفه فطرحهنّ في البحر.
ونحو ذلك قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شامخات ﴾ [المرسلات: 27] ، ﴿ وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة ﴾ [الحاقة: 14] ، ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والارض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر: 67] وما هي إلا تصويرات وتمثيلات لاقتداره، وأن كل مقدور وإن عظم وجل، فهو مستصغر إلى جنب قدرته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ﴾ نَفى عِلْمَهُ بِإلَهٍ غَيْرِهِ دُونَ وُجُودِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يَقْتَضِي الجَزْمَ بِعَدَمِهِ، ولِذَلِكَ أمَرَ بِبِناءِ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ إلَيْهِ ويَتَطَلَّعَ عَلى الحالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى ﴾ كَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّهُ لَوْ كانَ لَكانَ جِسْمًا في السَّماءِ يُمْكِنُ التَّرَقِّي إلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿ وَإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ أوْ أرادَ أنْ يَبْنِيَ لَهُ رَصَدًا يَتَرَصَّدُ مِنهُ أوْضاعَ الكَواكِبِ فَيَرى هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى بَعْثَةِ رَسُولٍ وتَبَدُّلِ دَوْلَةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ بِما لَيْسَ فِيهِنَّ، وهَذا مِن خَواصِّ العُلُومِ الفِعْلِيَّةِ فَإنَّها لازِمَةٌ لِتَحَقُّقِ مَعْلُوماتِها فَيَلْزَمُ مِنَ انْتِفائِها انْتِفاؤُها، ولا كَذَلِكَ العُلُومُ الِانْفِعالِيَّةُ، قِيلَ أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الآجُرَ فِرْعَوْنُ ولِذَلِكَ أمَرَ بِاتِّخاذِهِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَعْلِيمَ الصَّنْعَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَعَظُّمٍ ولِذَلِكَ نادى هامانَ بِاسْمِهِ بِيا في وسَطِ الكَلامِ.
﴿ واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ.
﴿ وَظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ﴾ بِالنُّشُورِ.
وَقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ.
﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ ﴾ كَما مَرَّ بَيانُهُ، وفِيهِ فَخامَةٌ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الآخِذِ واسْتِحْقارٌ لِلْمَأْخُوذَيْنِ كَأنَّهُ أخَذَهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ في كَفٍّ وطَرَحَهم في اليَمِّ، ونَظِيرُهُ: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ .
﴿ فانْظُرْ ﴾ يا مُحَمَّدُ.
﴿ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ ﴾ وحَذِّرْ قَوْمَكَ عَنْ مِثْلِها.
<div class="verse-tafsir"
{واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ} تعظم {فِى الأرض} أرض مصر {بغير الحق} أي بالباطل فالاستكبار بالله تعالى وهو المتكبر على الحقيقة أي المتبالغ في كبرياء الشأن كما حكى رسولنا عن ربه الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار وكل مستكبر
سواه فاستكباره بغير الحق {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} يَرجعون نافع وحمزة وعلي وخلف ويعقوب
﴿ واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ ﴾ أيْ رَأوْا كُلَّ مِن سِواهم حَقِيرًا بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوُا العَظَمَةَ والكِبْرِياءَ إلّا لِأنْفُسِهِمْ فَنَظَرُوا إلى غَيْرِهِمْ نَظَرَ المُلُوكِ إلى العَبِيدِ ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ في أرْضِ مِصْرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الجُرْمُ المَعْرُوفُ المُقابِلُ لِلسَّماءِ، وفي التَّقْيِيدِ بِها تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ حَيْثُ اسْتَكْبَرُوا فِيما هو أسْفَلَ الأجْرامِ وكانَ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَنْظُرُوا إلى مَحَلِّهِمْ وتَسَفُّلِهِ فَلا يَسْتَكْبِرُوا ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أيْ بِغَيْرِ الِاسْتِحْقاقِ لِما أنَّ رُؤْيَتَهم تِلْكَ باطِلَةٌ ولا تَكُونُ رُؤْيَةُ الكُلِّ حَقِيرًا بِالإضافَةِ إلى الرّائِي ورُؤْيَةُ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ لِنَفْسِهِ عَلى الخُصُوصِ دُونَ غَيْرِهِ حَقًّا إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِن هُنا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاسْتِكْبارُ بِالحَقِّ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى وكُلُّ مُسْتَكْبِرٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ فاسْتِكْبارُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ، وفي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظْمَةُ إزارِي فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ»» ﴿ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ﴾ بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ، والظَّنُّ قِيلَ: إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَبَّرَ عَنِ اعْتِقادِهِمْ بِهِ تَحْقِيرًا لَهم وتَمْهِيلًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ لا (يَرْجِعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ يعني: استكبر فرعون عن الإيمان هو وقومه بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني: بغير حجة وَظَنُّوا أَنَّهُمْ يعني: وحسبوا أنهم إِلَيْنا لاَ يُرْجَعُونَ بعد الموت.
قرأ نافع وحمزة والكسائي لاَ يُرْجَعُونَ بنصب الياء، وكسر الجيم على فعل لازم.
وقرأ الباقون بضم الياء نصب الجيم، يعني: لا يردون بمعنى التعدي.
يقول الله تعالى: فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ يعني: عاقبناه وجنوده فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ يعني: أغرقناهم في البحر.
وقال مقاتل: في النيل فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ يعني: المشركين.
قوله عز وجل: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يعني: خذلناهم حتى صاروا قادة ورؤساء للضلال والجهال يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ يعني: إلى عمل أهل النار.
ويقال: إلى الضلالة التي عاقبتها النار وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لاَ يُنْصَرُونَ يعني: لا يمنعون من عذابي وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً عقوبة: عقوبة وهي الغرق وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ أي: من المهلكين.
والعرب تقول: قبحه الله أي: أهلكه الله.
ويقال: وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وذلك أنهم لما أهلكوا لعنوا، فهم يعرضون على النار غدوة وعشية إلى يوم القيامة، ويوم القيامة هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ يعني: من الممقوتين المهلكين.
ويقال: مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، يعني: من المعذبين ويقال: إنه يقبّح صورتهم.
ويقال: مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، يعني: من المشوهين.
<div class="verse-tafsir"
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)
وقوله تعالى: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ قال ابن عباس: قضى أكملهمَا عَشْرَ سنينَ وأسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلّم «١» .
وقوله: إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ ...
الآية، تَقَدَّمَ قصصُها، فانظرْه في محالِّه، قال البخاريُّ: والجَذْوَةُ قطعةٌ غلِيظةٌ مِنَ الخَشَبِ فيها لَهَبٌ، انتهى.
قال العِراقيُّ: و «آنس» معناه: أبصر، انتهى.
وقوله: مِنَ الشَّجَرَةِ يقتضي: أن موسى- عليه السلام- سَمِعَ ما سَمِعَ من جهة الشجَرةِ، وسمع وأدرك غَيْرُ مُكَيَّفٍ ولا محَدَّدٍ.
قال السهيليُّ: قيل إن هذه الشجرةَ عَوْسَجَة، وقِيل: عُلَّيْقَة، والعَوْسَجُ إذا عَظُمَ قِيلَ له: الغَرْقَدُ، انتهى.
وَلَمْ يُعَقِّبْ معناه: لم يرجع على عقبه من توليته.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: اصْنَعْ لِيَ الآَجُرَّ ﴿ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا ﴾ أيْ: قَصْرًا عالِيًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: الصَّرْحُ: كُلُّ بِناءٍ مُتَّسِعٍ مُرْتَفِعٍ.
وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ لَمّا أمَرَ هامانَ- وهو وزِيرُهُ- بِبِناءِ الصَّرْحِ، جَمَعَ العُمّالَ والفَعَلَةَ حَتّى اجْتَمَعَ خَمْسُونَ ألْفَ بِناءٍ سِوى الأتْباعِ، فَرَفَعُوهُ وشَيَّدُوهُ حَتّى ارْتَفَعَ ارْتِفاعًا لَمْ يَبْلُغْهُ بُنْيانُ أحَدٍ قَطُّ، فَلَمّا تَمَّ ارْتَقى فِرْعَوْنُ فَوْقَهُ، وأمَرَ بِنُشّابَةٍ فَرَمى بِها نَحْوَ السَّماءِ، فَرُدَّتْ وهي مُتَلَطِّخَةٌ بِالدَّمِ، فَقالَ: قَدْ قَتَلْتُ إلَهَ مُوسى، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ فَضَرَبَهُ بِجَناحِهِ فَقَطَعَهُ ثَلاثَ قِطَعٍ، فَوَقَعَتْ قِطْعَةٌ عَلى عَسْكَرِ فِرْعَوْنَ فَقَتَلَتْ ألْفَ ألْفِ رَجُلٍ، ووَقَعَتْ قِطْعَةٌ أُخْرى في البَحْرِ، وأُخْرى في المَغْرِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى ﴾ أيْ: أصْعَدُ إلَيْهِ وأُشْرِفُ عَلَيْهِ ﴿ وَإنِّي لأظُنُّهُ ﴾ يَعْنِي مُوسى ﴿ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ في ادِّعائِهِ إلَهًا غَيْرِي.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: أظُنُّ مُوسى كاذِبًا في ادِّعائِهِ أنَّ في السَّماءِ رَبًّا أُرْسِلُهُ.
﴿ واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أيْ: بِالباطِلِ والظُّلْمِ ﴿ وَظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ﴾ بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " يُرْجَعُونَ " بِرَفْعِ الياءِ؛ وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِفَتْحِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناهُمْ ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿ أئِمَّةً ﴾ أيْ: قادَةً في الكُفْرِ يَأْتَمُّ بِهِمُ العُتاةُ ﴿ يَدْعُونَ إلى النّارِ ﴾ لِأنَّ مَن أطاعَهم دَخَلَها؛ و " يَنْصُرُونَ " بِمَعْنى: يَمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ.
وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في (هُودٍ: ٦٠، ٩٩) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ المَقْبُوحِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُبْعَدِينَ المَلْعُونِينَ؛ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: قَبَّحَ اللَّهُ فُلانًا، أيْ: أبْعَدُهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى الآيَةِ: وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ لَعْنَةٌ أُخْرى، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الكَلامَ، فَقالَ: هم مِنَ المَقْبُوحِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ ﴿ وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ﴿ قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهٍ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ مِن الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ﴾ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدِ امْتُحِنَ بِمَخاوِفَ فَطَلَبَ شَدَّ العَضُدِ بِأخِيهِ هارُونُ ؛ لِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِسانِ سَمِحَ الخُلُقِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رِدْءًا" بِالهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "رِدًّا" بِتَنْوِينِ الدالِّ دُونَ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرَ، وذَلِكَ عَلى التَخْفِيفِ مِن "رِدْءٍ"، والرِدْءِ: الوَزِيرُ المُعِينُ والَّذِي يُسْنِدُ إلَيْهِ في الأمْرِ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّها مِن مَعْنى الزِيادَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ: وأسْمَرَ خَطِّيًّا كَأنَّ كُعُوبَهُ نَوى القَسْبِ قَدْ أرْدى ذِراعًا عَلى العَشْرِ وَهَذا عَلى تَرْكِ الهَمْزِ، وأنْ يَكُونَ وزْنُهُ فِعْلًا.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُصَدِّقْنِي" بِالجَزْمِ، وذَلِكَ عَلى جَوابِ "أرْسِلْهُ"، وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ: "يُصَدِّقُنِي"، أيْ: مُصَدِّقًا، فَهو صِفَةٌ لِلرِّدْءِ، أو حالٌ.
و"شَدُّ العَضُدِ" اسْتِعارَةٌ في المَعُونَةِ والإنْهاضِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ العَيْنِ مِن "عُضُدَكَ"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ العَيْنِ والضادِ.
و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ.
وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُما ﴾ ، أو بِـ "يَصِلُونَ" وتَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "الغالِبُونَ"، أيْ: تَغْلِبُونَ بِآياتِنا، و"الآياتُ" ها هُنا مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ.
ولَمّا كَذَّبُوهُ ورَمَوْهُ بِالسِحْرِ قارَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في احْتِجاجِهِ، وراعَهُ تَكْذِيبُهُمْ، فَرَدَّ الأمْرَ إلى اللهِ، وعَوَّلَ عَلى ما يُظْهِرُهُ اللهُ تَعالى في شَأْنِهِمْ، وتَوَعَّدَهم بِنِقْمَةِ اللهِ تَعالى مِنهم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "قالَ مُوسى" بِغَيْرِ واوٍ، وقَرَأ غَيْرُهُ وجَمِيعُ السَبْعَةِ: "وَقالَ مُوسى" بِواوٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَكُونُ لَهُ" بِالتاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَكُونُ" بِالياءِ عَلى التَذْكِيرِ؛ إذْ هي بِمَنزِلَةِ العاقِبِ.
واسْتَمَرَّ فِرْعَوْنُ عَلى طَرِيقِ مَخْرَقَتِهِ عَلى قَوْمِهِ، وأمَرَ هامانَ بِأنْ يَطْبُخَ لَهُ الآجُرَّ، وأنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا، أيْ سَطْحًا في أعْلى الهَواءِ، ولَيْسَ الصَرْحُ إلّا ما لَهُ سَطْحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإيقادُ عَلى الطِينِ كالبَرانِيِّ، وتَرَجّى بِزَعْمِهِ أنْ يَطَّلِعَ في السَماءِ، فَرُوِيَ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ بَناهُ أعْلى ما يُمْكِنُ، ثُمْ صَعِدَ فِيهِ، ورَمى بِالنَبْلِ فَرَدَّها اللهُ تَعالى إلَيْهِ مَخْضُوبَةً بِالدَمِ لِيَزِيدَهم عَمًى وفِتْنَةً، فَقالَ فِرْعَوْنُ حِينَئِذٍ: إنِّي قَتَلْتُ إلَهَ مُوسى.
ثُمْ قالَ: ﴿ وَإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ يُرِيدُ في أنَّ مُوسى أرْسَلَهُ راسَلَهُ، فالظَنُّ عَلى بابِهِ، وهو مَعْنى إيجابِ الكُفْرِ بِمَنزِلَةِ المُصَمِّمْ عَلى التَكْذِيبِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ: "لا يَرْجِعُونَ"، وقَرَأ الباقُونَ والحَسَنُ: "لا يُرْجَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الجِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
الاستكبار: أشد من الكبر، أي تكبر تكبراً شديداً إذ طمع في الوصول إلى الرب العظيم وصول الغالب أو القرين.
و ﴿ جنوده ﴾ : أتباعه.
فاستكباره هو الأصل واستكبار جنوده تبع لاستكباره لأنهم يتّبعونه ويتلقون ما يمليه عليهم من العقائد.
و ﴿ الأرض ﴾ يجوز أن يراد بها المعهودة، أي أرض مصر وأن يراد بها الجنس، أي في عالم الأرض لأنهم كانوا يومئذ أعظم أمم الأرض.
وقوله ﴿ بغير الحق ﴾ حال لازمة لعاملها إذ لا يكون الاستكبار إلا بغير الحق.
وقوله ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ معلوم بالفحوى من كفرهم بالله، وإنما صرح به لأهمية إبطاله فلا يكتفى فيه بدلالة مفهوم الفحوى، ولأن في التصريح به تعريضاً بالمشركين في أنهم وإياهم سواء فليضعوا أنفسهم في أي مقام من مقامات أهل الكفر، وقد كان أبو جهل يلقب عند المسلمين بفرعون هذه الأمة أخذاً من تعريضات القرآن.
ومعنى ذلك: ظنوا أن لا بعث ولا رجوع لأنهم كفروا بالمرجوع إليه.
فذكر ﴿ إلينا ﴾ لحكاية الواقع وليس بقيد فلا يتوهم أنهم أنكروا البعث ولم ينكروا وجود الله مثل المشركين.
وتقديم ﴿ إلينا ﴾ على عامله لأجل الفاصلة.
ويجوز أن يكون المعنى: وظنوا أنهم في منعة من أن يرجعوا في قبضة قدرتنا كما دل عليه قوله في سورة [الشعراء: 24- 25] ﴿ قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون ﴾ استعجاباً من ذلك.
وعلى هذا الاحتمال فالتعريض بالمشركين باق على حاله فإنهم ظنوا أنهم في منعة من الاستئصال فقالوا ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ [الأنفال: 32].
قرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿ لا يرجعون ﴾ بفتح ياء المضارعة من (رجع).
وقرأه الباقون بضمها من (أرجع) إذا فعل به الرجوع.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ أرْبَعُونَ سَنَةً.
﴿ فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو أوَّلُ مَن طَبَخَ الآجُرِّ.
﴿ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا ﴾ الصَّرْحُ القَصْرُ العالِي.
قالَ قَتادَةُ: هو أوَّلُ مَن صُنِعَ لَهُ الصَّرْحُ.
﴿ لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى ﴾ الآيَةَ.
فَحَكى السُّدِّيُّ أنَّ فِرْعَوْنَ صَعَدَ الصَّرْحَ ورَمى نِشّابَهُ نَحْوَ السَّماءِ فَرَجَعَتْ إلَيْهِ مُتَلَطِّخَةً دَمًا فَقالَ: قَدْ قَتَلْتُ إلَهَ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ ﴾ قالَ قَتادَةُ: بَحْرٌ يُقالُ لَهُ أسافُ مِن وراءِ مِصْرَ غَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلْناهم أئِمَّةً ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: زُعَماءُ يُتْبَعُونَ عَلى الكُفْرِ.
الثّانِي: أئِمَّةٌ يَأْتَمُّ بِهِمْ ذَوُو العِبَرِ ويَتَّعِظُ بِهِمْ أهْلُ البَصائِرِ.
﴿ يَدْعُونَ إلى النّارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَدْعُونَ إلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ.
الثّانِي: يَدْعُونَ إلى ما يُوجِبُ النّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خِزْيًا وغَضَبًا.
الثّانِي: طَرْدًا مِنها بِالهَلاكِ فِيها.
﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ المُقَبَّحِينَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ الأعْيُنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: مِنَ المُشَوَّهِينَ بِالعَذابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: مِنَ المُهْلَكِينَ، قالَهُ الأخْفَشُ وقُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: مِنَ المَغْلُوبِينَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قال فرعون ﴿ يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ قال جبريل عليه السلام: يا رب طغى عبدك فائذن لي في هلاكه قال: يا جبريل هو عبدي ولن يسبقني له أجل قد اجلته حتى يجيء ذلك الأجل.
فلما قال: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ [ النازعات: 24] قال: يا جبريل قد سكنت روعتك.
بغى عبدي وقد جاء أوان هلاكه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان قالهما فرعون ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ وقوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ قال: كان بينهما أربعون عاماً ﴿ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ﴾ [ النازعات: 26] » .
أما قوله تعالى: ﴿ فأوقد لي يا هامان ﴾ الآية.
أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر قال: حدثنا أسد عن خالد بن عبد الله عن محدث حدثه قال: كان هامان نبطياً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ قال على المدر يكون لبناً مطبوخاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: بلغني أن فرعون أول من طبخ الآجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان فرعون أول من طبخ الآجر، وصنع له الصرح.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: فرعون أول من صنع الآجر وبنى به.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ قال: أوقد على الطين حتى يكون آجراً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما بنوا له الصرح ارتقى فوقه، فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء، فردت إليه وهي متلطخة دماً فقال: قتلت إله موسى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ ﴾ أي: تعظموا عن الإيمان، ولم ينقادوا للحق، ولِمَا دعاهم إليه موسى ﴿ فِي الْأَرْضِ ﴾ في أرض مصر ﴿ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ (١) (٢) (١) ولا يفهم من هذا الآية أن الاستكبار قد يكون بحق، فإن هذا غير مراد، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ وأفضل ما يحمل عليه المعنى: دفع أدنى شبهة لهم في الاستكبار فهم تكبروا بدون أدنى شبهة، أو اشتباه في الأمور، وكذا في قتل الأنبياء فإن أولئك قد قتلوا الأنبياء بدون أدنى شبهة يتعلقون بها.
والله أعلم.
"القواعد الحسان لتفسير القرآن" للسعدي، القاعدة 25، ص: 82.
(٢) "تفسير مقاتل" 66 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين ﴾ أي اصنع الآجر لبنيان الصرح الذي رام أن يصعد منه إلى السماء، ورُوي أنه أول من عمل الآجر، وكان هامان وزير فرعون وانظر ضعف عقولهما وعقول قومهما، وجهلهم بالله تعالى في كونهم طمعوا أن يصلوا إلى السماء ببنيان الصرح، وقد روي أنه عمله وصعد عليه ورمى بسهم إلى السماء فرجع مخضوباً بدم، وذلك فتنة له ولقومه وتهكم بهم، ثم قال ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين ﴾ يعني في دعوة الرسالة، والظن هنا يحتمل أن يكون على بابه أو بمعنى اليقين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربي أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ يصدر ﴾ بفتح الياء وضم الدال: ابن عامر ويزيد وأبو عمرو وأبو أيوب.
الآخرون بضم الياء وكسر الدال ﴿ إني أريد ﴾ ﴿ سَتَجِدُنِي إِن ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ و ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح ياء المتكلم في الكل: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو و ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح الياء: هم وابن عامر ﴿ جذوة ﴾ بفتح الجيم: عاصم وبضمها حمزة وخلف.
الباقون بكسرها.
﴿ من الرهب ﴾ بفتح الراء وسكون الهاء: حفص، وبفتحهما أبو عمرو وسهل ويعقوب وابو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون بضم الراء وسكون الهاء ﴿ فذاناك ﴾ بتشديد النون: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ معي ﴾ بالفتح: حفص ﴿ ردا ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون بضم الراء وهمزة في الوقف ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع: حمزة وعاصم ﴿ يكذبون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو: ابن كثير ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ من يكون ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ لا يرجعون ﴾ بفتح الياء وكسر الجيم: نافع ويعقوب وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ يسقون ﴾ ه لأنه رأس آية عند الأكثرين مع عطف المتفقتين ﴿ تذودان ﴾ ج لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد الفاعل ﴿ خطبكما ﴾ ط ﴿ الرعاء ﴾ ز لأن ما بعده منقطع لفظاً ومعنى كأنه قال: فلم خرجتما فقالتا تعريضاً بالاستقامة وأبونا شيخ ﴿ كبير ﴾ ط ﴿ فقير ﴾ ه ﴿ على استحياء ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القائل، ومن وقف على ﴿ تمشي ﴾ ويجعل على استحياء حالاً مقدماً اي قالت مستحيية فلا وجه له في الوقف ﴿ لنا ﴾ ط لأن جواب "لما" منتظر وقبله حذف أي فذهب معها فلما جاءه فكأن الفاء لاستئناف القصص لأن قال جواب "لما".
﴿ لا تخف ﴾ ز لأن قوله ﴿ نجوت ﴾ غير متصل به نظماً وليفصل بين البشارتين أي لا تخف ضيماً وقد نجوت من ظلم فرعون ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ استأجره ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ الأمين ﴾ 5 ﴿ حجج ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ عندك ﴾ ج لابتداء النفي مع الواو ﴿ عليك ﴾ ج ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وبينك ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ عليّ ﴾ ط ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد القائل ﴿ تصطلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا ﴿ عصاك ﴾ ط لحق الحذف أي فألقاها فحييت فلما رآها ﴿ ولم يعقب ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ج لمثل ما مر أي لا تخف باس العصا إنك أمنت بها بأس فرعون ﴿ الآمنين ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع طول الكلام ه ﴿ وملئه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ يصدقني ﴾ ز للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وعلى ﴿ إليكما ﴾ أوجه أي أنتم الغالبون بآياتنا ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ 5 ﴿ غيري ﴾ ج لتنويع الكلام ﴿ إلى إله موسى ﴾ لا لأن ما بعده مقوله ايضاً ﴿ الكاذبين ﴾ ه لا ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في اليم ﴾ ج للابتداء بأمر الاعتبار واختلاف الجملتين مع فاء التعقيب ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلى النار ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ لعنة ﴾ ط لمثل ذلك ﴿ المقبوحين ﴾ ه.
التفسير: ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله وأخذ يمشي من غير معرفة طريق فأوصله الله إلى مدين.
وقد يؤيد هذا التفسير ما روي عن ابن عباس أنه خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، ويحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس أنه لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينه وبينهم قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله .
أما أنه قصد مدين فلقوله ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ اي قصد نحو هذه القرية ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمان.
وأما أنه اعتمد على فضل الله فلقوله.
﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ أي وسطه وجادّته نظيره قول جده إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ وكذا الخلف الصدق يقتدي بالسلف الصالح فيهتدي.
قال السدي: لما أخذ في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين.
عن ابن جريج أنه خرج بغير زاد ولا ظهر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.
﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ وكان بئراً فيما روي وورود الماء مجيئه والوصول إليه ضدّ الصدور.
﴿ وجد عليه ﴾ اي على شفيره ومستقاه ﴿ أمة من الناس ﴾ جماعة كثيرة العدد أصنافاً ﴿ يسقون ﴾ مواشيهم ﴿ ووجد من دونهم ﴾ اي في مكان اسفل من مكانهم ﴿ امرأتين تذودان ﴾ أي تدفعان وتطردان أغنامهما لأن على الماء من هو أقوى منهما فلم يتمكنا من السقي، وكانتا تكرهان المزاحمة على الماء واختلاط أغنامهما بأغنامهم أو اختلاطهما بالرجال.
وقيل: تذودان الناس عن غنمهما.
وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر.
وبالجملة حذف مفعول ﴿ تذودان ﴾ لأن الغرض تقرير الذود لا المذود.
وكذا في ﴿ يسقون ﴾ و ﴿ لا نسقي ﴾ المقصود هو ذكر السقي لا المسقي، وكذا في قراءة من قرأ ﴿ حتى يصدر ﴾ من لاإصدار أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم الغرض بيان الإصدار.
﴿ قال ما خطبكما ﴾ هو مصدر بمعنى المفعول أي ما مخطو بكما من الذياد ﴿ قالتا لا نسقي ﴾ الآية.
سألهما عن سبب الذود فذكرتا أنا ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وما لنا رجل يقوم بذلك.
﴿ وابونا شيخ ﴾ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به، وهذه الضرورة هي التي سوغت لنبي الله شعيب أن رضي لابنتيه بسقي الماشية على أن الأمر في نفسه ليس بمحظور، ولعل العرب وخصوصاً أهل البدو منهم لا يعدّونه قادحاً للمروءة.
وزعم بعضهم أن أباهما هو ثيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد ينميه إلى ابن عباس.
وعن الحسن أنه رجل مسلم قبل الدين من شعيب.
أما قوله ﴿ فسقى لهما ﴾ فمعناه فسقى غنمهما لأجلهما وفيه قولان: أحدهما أنه سأل القوم فسمحوا وكان لهم دلو يجتمع عليها أربعون رجلاً فيخرجونها من البئر فاستقى موسى بها وحده وصب الماء في الحوض ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما.
والثاني أنه عمد إلى البئر وعليها صخرة لا يقلها إلا سبعة رجال أو عشرة أو أربعون أو مائة -أقوال- فأقلها وحده وسقى أغنامهما، كل ذلك في شمس وحر.
﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ ظل شجرة ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ ذهب أكثر المفسرين الظاهريين ومنهم ابن عباس إلى أنه طلب من الله طعاماً يأكله.
وعدي ﴿ فقير ﴾ باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.
وعن الضحاك أنه مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض وإن خضرته تتراءى في بطنه من الهزال، وقيه دليل على أنه نزع الدلو وأقل الصخرة بقوة ربانية.
وقال بعض أهل التحقيق: أراد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين، وذلك أنه كان عند فرعون في ملك وثروة فأظهر الرضا بهذا الذل شكراً لله.
يروى أنهما لما رجعتا إلى ابيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟
قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا.
فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي وذلك قوله ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ قيل: من جملة حيائها أنها قد استترت بكم درعها ثم ﴿ قالت إن أبي يدعوك ﴾ عن عطاء بن السائب أنه حين قال ﴿ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل له ﴿ ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ وضعفت الرواية بأن هذا نوع من الدناءة وضعف اليقين بالله فلا يليق بالنبي.
وقد روي أنها حين قالت: ليجزيك كره ذلك.
ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً حتى قال شعيب هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.
سؤال: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية؟
الجواب: العمل بقول الواحد حراً أو عبداً ذكراً كان أو أنثى سائغ في الأخبار، والمشي مع الأجنبية لا بأس به في حال الاضطرار مع التورع والعفاف، ويؤيده ما روي أن موسى تبعها فأزلقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لهاك امشي خلفي وانعتي لي الطريق.
قال الضحاك: لما دخل عليه قال له: من أنت يا عبد الله؟
قال: أنا موسى بن عمران بن يصهر ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب.
﴿ وقص عليه القصص ﴾ أي المقصوص من لدن ولادته إلى قتل القبطيّ وفراره خوفاً من فرعون وملئه فـ ﴿ ـقال ﴾ له شعيب ﴿ لا تخف ﴾ من فرعون أو ضيماً ﴿ نجوت من القوم الظالمين ﴾ فلا سلطان لفرعون بأرضنا ﴿ قالت إحداهما ﴾ وهي كبراهما اسمها صفراء وكانت الصغرى صفيراء ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القويّ الأمين ﴾ قال النحويون: جعل القوي الأمين اسماً لكونه معرفة صريحة أولى من جعل "أفعل" التفضيل المضاف اسماً لكونه قريباً من المعرفة، ولكن كمال العناية صار سبباً للتقديم.
وورود الفعل وهو ﴿ استأجرت ﴾ بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.
وقال المحققون: إن قولها هذا كلام حكيم جامع لا مزيد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة اللتين هما ثمرتا الكياسة والديانة في الذين يقوم بأمرك، فقد حصل مرادك وكمل فراغك.
عن ابن عباس أن شعيباً أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوّته وأمانته؟
فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوّب راسه اي خفضه حين بلغته رسالته، وأنه أمرها بالمشي خلفه فلذلك قال ﴿ أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ﴾ وليس هذا عقداً حتى تلزم الجهالة في المعقود عليها ولكنه حكاية عزم وتقرير وعد ولو كان عقداً لقال أنكحتك ابنتي فلانة.
وفي قوله ﴿ هاتين ﴾ دليل على أنه كانت له غيرهما.
قال أهل اللغة: ﴿ تأجرني ﴾ من أجرته إذا كنت له أجيراً فيكون ﴿ ثماني ﴾ حجج ظرفه أو من اجرته كذا إذا أثبته إياه فيكون الثماني مفعولاً به ثانياً ومعناه رعية ثماني حجج ﴿ فإن أتممت عشراً ﴾ اي عمل عشر حجج ﴿ فمن عندك ﴾ أي فإتمامه من عندك لا من عندي إذ هو تفضل منك وتبرع ﴿ وما أريد أن أشق عليك ﴾ الزام أتم الأجلين أو بالتكاليف الشاقة في مدة الرعي، وإنما أعامل معك معاملة الأنبياء يأخذون بالأسمح -بالحاء لا بالجيم- قال أهل الاشتقاق: حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أنه إذا صعب الأمر فكأنه شق عليه ظنه باثنين يقول تارة أطيقة وتارة لا أطيقه.
ثم أكد وعد المسامحة بقوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ عموماً أو في باب حسن المعاملة.
وقوله ﴿ إن شاء الله ﴾ أدب جميل كقول إسماعيل ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ أي على الذبح.
وفيه أن الاعتماد في جميع الأمور على معونة الله والأمر موكول إلى مشيئته.
استدل الفقهاء بالآية على أن العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، وعلى أن عقد النكاح لا يفسده الشروط التي لا يوجبها العقد.
ويمكن أن يقال: إنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا.
وجوّز في الكشاف أن يكون استأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ووفاه إياه ثم أنكحه ابنته.
وجعل قوله ﴿ على أن تأجرني ﴾ عبارة عما جرى بينهما ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ ذلك ﴾ الذي شارطتني عليه قائم ﴿ بيني وبينك أيما الأجلين قضيت ﴾ و"ما" مؤكدة لإبهام أيّ زائدة في شيوعها ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ اي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة فإن قضيت الثماني فلا أطالب بالزيادة وإن قضيت العشر باختياري فلم أطالب بالزيادة أيضاً.
وقيل: أراد أيهما قضيت فلا أكون متعدياً.
روي عن النبي أنه تزوّج كبراهما وقيل صغراهما ولا خلاف في أنه قضى أوفى الأجلين.
قال القاضي في قوله ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس ﴾ دليل على أنه لم يزد على العشرة وفيه نظر لأنه لا يفهم من هذا التركيب إلا أن الإيناس حاصل على عقيب مجموع الأمرين، ولا يدل على أن ذلك حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل ويؤيده ما روي عن مجاهد أنه بعد العشر المشروط مكث عشر سنين أخر.
قال أهل اللغة: الجذوة بحركات الجم العود الغليظ كانت في راسه نار أو لم تكن، وشاطئ الوادي جانبه، و"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، فالثانية بدل من الأولى وبدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، ووصفت البقعة بالمباركة لأن فيها ابتداء الرسالة والتكلم.
احتجت المعتزلة على مذهبهم أن الله يتكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله ﴿ من الشجرة ﴾ وقال أهل السنة: مما وراء النهران الكلام القديم القائم بذات الله غير مسموع والمسموع من الشجرة وهو الصوت والحرف دال على كلام الله.
وذهب الأشعري إالى أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية.
روي أن شعيباً كانت عنده عصيّ الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل البيت فخذ عصا من تلك العصيّ فأخذ عصاً هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فشعر بها فقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً.
وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه، ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ هناك أكثر لأن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم.
فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على منعها فمشى على اثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد اقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى موسى دامية فارتاح لذلك.
وحين رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأناً.
قيل: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى ذهب ليقتبس النار فكلمه الملك الجبار وقد مر في النمل تفسير قوله ﴿ فلما رآها تهتز ﴾ إلى قوله ﴿ من غير سوء ﴾ أما قوله ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ فذكر جار الله له معنيين: أحدهما حقيقة وهو أنه لما قلب الله العصا حية فزع واضطراب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه نقصان قدرك عند الأعداء فإن ألقيتها، فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب النقص وإظهار معجزة أخرى.
وثانيهما مجاز وهو أن يراد بضم الجناح التجلد وضبط النفس حتى لا يضطرب فيكون استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف أرخى جناحيه وإلا ضمهما.
ومعنى ﴿ من الرهب ﴾ من أجل الخوف.
والفرق بين هذه العبارة وبين قوله ﴿ اسلك يدك في جيبك ﴾ أن الغرض هناك خروج اليد بيضاء وههنا الغرض إخفاء الخوف أو اراد بالجناح المضموم ههنا اليد اليمنى وبالجناح المضموم إليه في قوله ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ اليد اليسرى، وقيل: إن الرهب هو الكم بلغة حمير وزيفه النقاد.
من قرأ ﴿ فذانك ﴾ بالتخفيف فمثنى ذاك، ومن قرأ بالتشديد فمثنى ذلك وأصله ذان لك قلبت اللام نوناً وأدغمت.
وسميت الحجة برهاناً لبياضها وإنارتها من قولهم "امرأة برهرهة" أي بيضاء، والعين واللام مكررتان.
والدليل على زيادة النون قولهم "أبره الرجل" إذا جاء بالبرهان ونظيره "السلطان" من السليط الزيت، لإنارتها.
وظاهر الكلام يقتضي أنه أمره بذلك قبل لقاء فرعون، والسر فيه أن يكون على بصيرة من أمره عند لقاء المعاند اللجوج، وزعم القاضي أنه في حال أداء الرسالة لأن المعجز إنما يظهر ليستدل المرسل إليه على الرسالة ولا يخفى ضعف هذا الكلام لأن الحكمة في الإظهار لا تنحصر في الاستدلال بل لعل هناك أنواعاً أخر من الحكم والمقاصد قد ذكرنا واحداً منها.
ومما يؤكد أن هذا الكلام قد جرى ولم يكن هناك أحد غير موسى قوله معتذراً ﴿ رب إني قتلت منهم نفساً ﴾ الآية.
والردء اسم ما يعان به من ردأته أي أعنته فعل بمعنى مفعول به و ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع صفة وبالجزم جواب كما مر في قوله ﴿ ولياً يرثني ﴾ والمراد بتصديق أخيه أن يذب ويجادل عنه لا أن يقول: صدقت فإن هذا القدر لا يفتقر إلى البيان والفصاحة لأن سحبان وباقلاً يستويان فيه.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ يصدقني ﴾ لفرعون.
وجوّز جار الله أن يكون من الإسناد المجازي بناء على أن يصدق مسند إلى هارون وهو ببيانه وبلاغته سبب تصديق فرعون يؤيده قوله ﴿ إني أخاف أن يكذبون ﴾ قال الجبائي: إنما سأل موسى أن يرسل هارون بأمر الله ولم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أولا يكون حكمة.
ولقائل أن يقول: لعله ساله مشروطاً على معنى إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقول الداعي في دعائه.
وقال السدي: علم أن الاثنين أقوى من الواحد فلهذا سأل اعترض القاضي بأن هذا من حيث العادة وأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين، لأن المبعوث إليه في أيهما نظر علم وإن لم ينظر فالحال واحدة.
هذا إذا كانت طريقة الدلالة بين المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلف وأمكن في إحداهما من إزالة الشبهة مالا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يقال: إنهما بمجموعهما أقوى من واحدة كما قال السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون لأن معجزتهما كانت واحدة.
قال جار الله معنى ﴿ سنشد عضدك ﴾ سنقوّيك بأخيك إما لأن اليد تشتد بشدة العضد وجملة البدن يقوى على مزاولة الأمور بشدة اليد، وإما لأن الرجل واشتداده بالأخ شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد.
والسلطان التسلط والغلبة والحجة الواضحة.
وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ إما متعلق بمقدر أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق بظاهر وهو ﴿ نجعل ﴾ أو ﴿ لا يصلون ﴾ .
ويجوز أن يكون بياناً لـ ﴿ لغالبون ﴾ كأنه قيل: بماذا نغلب؟
فقيل: بآياتنا.
وامتنع أن تكون صلة لـ ﴿ لغالبون ﴾ لتقدمه، ويجوز أن تكون قسماً جوابه ﴿ لا يصلون ﴾ مقدماً عليه مثله.
ويجوز أن يكون من لغو القسم الذي لا جواب له كقولك "زيد وأبيك منطلق"والمراد الغلبة بالحجة والبرهان في الحال أو بالدولة والمملكة في المآل، وصلب السحرة بعد تسليم ثبوته لا يقدح في قوله ﴿ ومن اتبعكما الغالبون ﴾ لأن الدولة الباقية أعلى شأنا و ﴿ سحر مفترى ﴾ أي سحر تعمله أنت ثم تنسبه إلى الله فهو كذب من هذا الوجه، أو سحر ظاهر افتراؤه لا سحر يخفى افتراؤه، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر فإن كل سحر ففاعله يوهم خلافه فهو المفترى.
ومعنى ﴿ ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ﴾ قد مر في سورة المؤمنين.
قال جار الله ﴿ في آبائنا ﴾ حال عن ﴿ هذا ﴾ اي كائناً في زمانهم وأيامهم قلت: لا مانع من أن يكون الظرف لغواً ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا بنحوه، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو أرادوا أن الكهان لم يخبروا بمجيء ما جاء به موسى.
وكل هذه المقالات لا تصدر إلا عن المحجوج اللجوج الذي قصارى أمره التمسك بحبل التقليد.
من قرأ ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو فعلى طريقة السؤال والجواب.
ووجه قراءة الأكثرين أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن العاقل الناظر بين القولين فيتبين له الغث من السمين.
وقوله ﴿ ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ﴾ إفحام للخصم المعاند إذ لا سبيل إلى دفاعه بالحجة أي يعلم أني محق وأنهم مبطلون.
وقوله ﴿ ومن تكون له عاقبة الدار ﴾ يعني العاقبة الحميدة كأن المذمومة غير معتدّ بها ضم طريقة الوعيد إلى الإفحام المذكور.
وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء السالفة فهو جواب لقولهم ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ وقال جار الله: ﴿ ربي أعلم ﴾ بحال من أهله للفلاح حيث جعله نبياً ووعده حسنى العقبى، ولو كان كاذباً كما يزعمون لم يؤهله لذلك لأنه لا يفلح عنده الظالمون، واعلم أن فرعون كان من عادته عند ظهور حجة لموسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروّجها على أغمار قومه فذكر ههنا أمرين: الأوّل قوله ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ فكأنه استدل بعدم الدليل على عدم المدلول وهو خطأ من جهة أن الدليل على المدلول وهو وجود الصانع أكثر من أن يحصى، ومن جهة أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول.
وأما قوله ﴿ غيري ﴾ فقد تكلف له بعضهم أنه لم يرد به أنه خالق السموات والأرض وما فيهما فإن امتناع ذلك بديهي، وإنما أراد به نفي الصانع والاقتصار على الطبائع وأنه لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره.
الثاني قوله ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ وقد تكلفوا له ههنا أيضاً فقيل: إنه يبعد من العاقل أن يروم صعود السماء بآلة، ولكنه أراد أنه لا سبيل إلى إثبات الصانع من حيث العقل كما مر، ولا من حيث الحس فإن الإحساس به يتوقف على الصعود وهو متعذر، وإلا فابن يا هامان مثل هذا البناء وإنما قال ذلك تهكماً.
فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم رتب النتيجة عليه وهو قوله ﴿ وإني لأظنه من الكاذبين ﴾ يحتمل أن يريد لأعلمه من الكاذبين.
والأكثرون من المفسرين على أنه بنى مثل هذا البناء جهلاً منه أو تلبيساً على ملئة حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن.
يروى أن هامان جمع العمال حتى اجتمع منهم خمسون ألف بناء سوى الأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ مبلغاً لا يقدر الباني أن يقوم عليه، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعت ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل.
ووقعت قطعة في البحر،و قطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك.
وروي في القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعند ذلك بعث الله جبرائيل لهدمه.
قال أهل البيان: إن صح الحديث ردّ النشابة ملطوخة فقد تهكم به بالفعل كما ثبت التهكم بالقول في غير موضع.
وإنما قال ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ ولم يقل: اطبخ لي الآجر.
ولأن هذه العبارة أحسن، ولأن فيه تعليم الصنعة، وقد كان أوّل من عمل الآجر فرعون.
عن عمر أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال: ما علمت أن أحداً بنى الآجر غير فرعون.
والطلوع والأطلاع الصعود يقال: طلع الجبل واطلع.
وفي قوله ﴿ واستكبر هو وجنوده في الأرض ﴾ يعني أرض مصر ﴿ بغير الحق ﴾ إشارة إلى أن الاستكبار بالحق إنما هو لله كما جاء في الحديث القدسي "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" فهو كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق ﴾ وفي قوله ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ دليل على أنهم كانوا منكري البعث كالطبائعيين.
وفي قوله ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ﴾ دلالة على علو شأنه وعظمة سلطانه وإشارة إلى استحقار فرعون وجنوده وعدده وإن كانوا أكثر من رمال الدهناء كأنه شبههم بحصيات أخذهن أحد في كفه فطرحهن في البحر.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ﴾ أن خالق الشر وجاعل الكفر هو الله .
وقالت المعتزلة: معنى الجعل التسمية والحكم بذلك كما يقال: جعله بخيلاً وفاسقاً إذا حكم بالبخل والفسق عليه وسماه بالبخيل والفاسق، أو أراد خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى كانوا أئمة الكفر داعين إلى النار أي إلى موجباتها من الكفر والمعاصي.
وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم وذلك أنه تعالى عجل لهم العذاب فصاروا متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار.
وقال بعضهم: أراد بالإمامة أنهم بلغوا في ذلك الباب أقصى النهايات حتى أستحقوا أن يقتدى بهم.
ثم بين بقوله ﴿ ويوم القيامة لا ينصرون ﴾ أن عقاب الآخرة سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه.
وقال في الكشاف: اراد وخذلناهم في الدنيا ويوم القيامة هم مخذولون كما قال ﴿ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ﴾ اي طرداً وإبعاداً عن الرحمة ﴿ ويوم القيامة هم من المقبوحين ﴾ أي من المطرودين المبعدين: وقالت الليث: قبحه الله قبحاً بالفتح وقبحاً بالضم أي نحّاه عن كل خير.
وقال ابن عباس: من المشهورين بسواد الوجه وزرقة العين.
وعن بعضهم أنه يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم فيجمع لهم بين الفضيحتين.
التأويل: وحين توجه تلقاء مدين عالم الروحانية ﴿ وجد عليه أمة ﴾ من أوصاف الروح ﴿ يسقون ﴾ مواشي أخلاقهم من ماء فيض الإلهي.
﴿ ووجد من دونهم امرأتين ﴾ السر والخفي ابنتا شعيب الروح يمنعان من استقاء ماء الفيض الإلهي.
قال الشيخ الإمام الرباني نجم الدين المعروف بداية: وذلك لأن لمعان أنوار الفيض يرد على الروح في البداية بالتدريج فينشا منه الخفي، وهو لطيفه ربانية مودعة في الروح بالقوة فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبة الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجليات صفات الربوبية والفيوض الإلهية، فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستقاء.
وكذا السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح، مؤدية غلى القلب وهو أيضاً بمعزل عن استقاء ماء فيض الروح عند اشتغال القلب بمعالجات النفس وإصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية وذلك قولهما ﴿ لا نسقي حتى يصدر الرعاء ﴾ وهم صفات الروح ويصرفوا مواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء الفيض الإِلهي، فإذا صدروا استقينا مواشينا من الأوصاف والأخلاق من أفضله مواشيهم في حوض القوى ﴿ وأبونا ﴾ وهو شعيب الروح لا يقدر على سقيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر والوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا، فسقي موسى القلب مواشيهما بقوّة استفادها من الجسد وقوّة استفادها من الروح لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلباً ﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ إلى العناية فطلب الفيض الإلهي بلا واسطة وهكذا ينبغي أن يكون السالك لا يقنع بما وجد من المعارف أبداً.
﴿ فجاءته إحداهما ﴾ فيه أن القلب يحتاج في الوصول إلى حضرة شعيب الروح أن يستمد من الخفي أو السر.
﴿ لا تخف نجوت ﴾ فيه أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح نجا من ظلمات النفس وصفاتها ﴿ إن خير من استأجرت ﴾ من النفس والجسد ﴿ القوي الأمين ﴾ لأن القلب استفاد القوّة من الجسد والأمانة من الروح ﴿ ثماني حجج ﴾ فيه أن الروح في تبليغ القلب إلى مقام الخفي يحتاج إلى تسييره في مقامات صفاته الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق وهي: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والبقاء.
وتمام ذلك إلى العشرة راجع إلى خصوصيته وهما المحبة والأنس مع الله ﴿ أيما الأجلين قضيت ﴾ في التخلق بأخلاقك اليمانية وفي المحبة والأنس مع الله ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ أي ليس لك أن تمنعني العبور عن المحبة لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على تلك الصفات الثمانية.
وأما المحبة والأنس مع الله فصفتان مخصوصتان بالحضرة.
﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ولهذا كل إنسان من المؤمن والكافر فإنه مجبول على تلك الأوصاف وليس من زمرة ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ إلا مؤمن موحد.
فلما اتصف موسى القلب بالأوصاف الثمانية وغلبت عليه محبة الله واستأنس به وصار بجميع صفاته متوجهاً إلى حضرة القدس ﴿ آنس ﴾ من طور الحضرة نار نور الإلوهية.
وفي قوله ﴿ لأهله امكثوا ﴾ إشارة إلى أن السالك لا بد له من تجريد الظاهر عن الأهل والمال وتفريد الباطن عن تعلقات الكونين.
نور يبدو وإذا بدا استمكن شمس طلعت ومن رآها آمن.
وفي قوله ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ إشارة إلى أن الأوصاف الإنسانية جامدة من برودة الطبيعة لا تتسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار الجذبة الإلهية ﴿ من شاطئ الواد الأيمن ﴾ وهو السر في بقعة البدن من شجرة وجود الإنسان ﴿ من الرهب ﴾ أي رهبة من فوات وصال الحضرة ﴿ وأخي هرون ﴾ هو العقل فمن خصوصيته تصديق الناطق بالحق ﴿ قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ﴾ لأن النفس خلقت من اسفل عالم الملكوت ومنكسة، والقلب خلق وسط عالم الملكوت متوجهاً إلى الحضرة فلهذا ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ وما صدقت النفس ما رأت ﴿ في آبائنا الأولين ﴾ اي في طبائع الكواكب فإنها آباء النفس وأمهاتها العناصر والطبائع منكوسة إلىعالم السفل لا يعرفون مقام الوحدة فلا يعرفون بالتوحيد.
﴿ فأوقد لي يا هامان ﴾ الشيطان ﴿ على الطين ﴾ البشرية بنفخ الوساوس والغرور ﴿ فاجعل لي صرحاً ﴾ من المقدمات الخيالية والوهمية ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ أغرقوا في ماء شهوات الدنيا ويم هممها فأدخلوا نار الحسرة والندامة.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: جاء موسى فرعون وقومه بآياتنا، أي: أعلاماً أنشأها موضحات، مظهرات يظهرن، ويوضحن رسالة موسى ونبوته، وقد أظهرن لهم ذلك وعرفوا أنها آيات من الله نزلن؛ أفلا ترى أن موسى قال له يا فرعون: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ ﴾ لكنهم عاندوا وكابروا، وقالوا: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى ﴾ هذا منهم تمويه وتلبيس على الأتباع والسفلة، ولم تزل عادتهم التمويه والتلبيس على أتباعهم أمر موسى.
وقوله: ﴿ وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ ﴾ يقولون - والله أعلم- : إن آباءنا قد عبدوا الأصنام على ما نعبد نحن، وقد ماتوا على ذلك من غير أن نزل بهم ما توعدنا من الهلاك والعذاب، فعلى ذلك نحن على دين آبائنا، وعلى ما هم عليه؛ فلا ينزل بنا شيء مما تذكر وتوعدنا به من العذاب.
ثم قال موسى: ﴿ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ ﴾ هذا - والله أعلم - كأنه ليس بجواب لقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ويكون جواب هذا إن كان هو قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ كنى بالظلم عن السحر؛ يقول - والله أعلم -: ليس بسحر؛ لأني قد غلبتكم وقهرتكم، وقد أفلحت أنا، ولو كان سحراً ما أتيتكم به لم أفلح؛ إذ الله - - أخبر أن الساحر لا يفلح بقوله: ﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ﴾ وقال - أيضاً -: ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ...
﴾ الآية، وقد أصلح عملي؛ فظهر أنه ليس بفساد، ولكنه صلاح.
ويكون جواب قوله: ﴿ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ ﴾ ما ذكر في سورة ﴿ الۤمۤصۤ ﴾ ، حيث قالوا: ﴿ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾ فقال عند ذلك: ﴿ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ ﴾ أنتم أو نحن؟
يقول: ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده جواباً لقوله: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴾ والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ﴾ كأنه قال للملأ خصوصية لهم؛ لأنه كان اتخذ للأتباع أصناماً يعبدونها وجعل للملأ عبادة نفسه وإلهيته، لما لم ير الأتباع أهلا لعبادة نفسه جعل لهم عبادة الأصنام، ورأى الملأ أهلا لذلك؛ فخصهم، ومنه اتخذت العرب عبادة الأصنام دون الله؛ لما لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله، وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً ﴾ قال أهل التأويل: أول من اتخذ الآجر هو، ولا نعلم ذلك، يحتمل أن يكون من قبل ذلك.
وقوله: ﴿ فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً ﴾ أي: قصراً ﴿ لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ ﴾ كان يعرف أنه ليس إله السماء والأرض؛ إذ لا يملك ذلك، فكأنه أراد بقوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ﴾ قومه وأهله خاصة ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ كأن جميع ما كان بين موسى وفرعون من الكلام كان على الظن؛ كقوله: ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً ﴾ وكذلك قال له موسى: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ الاستكبار: هو ألاَّ يرى لنفسه شكلا ولا نظيراً، وهو كذلك، كان لا يرى لنفسه شكلا ولا نظيراً؛ لأنه يدعي لنفسه الربوبية والألوهية، واستكبار قومه لما استعبدوا هم بني إسرائيل، واستخدموهم، أو استكبروا أن يخضعوا لموسى ويجيبوا له إلى ما يدعوهم إليه.
وقوله: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ ﴾ أخذناه أخذ تعذيب وإهلاك ﴿ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ يعذبون بظلمهم.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ ذكر في هؤلاء: أنه جعلهم أئمة في الشر، وذكر في الرسل وأهل الخير: أنه جعلهم أئمة في الخير؛ حيث قال: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ وما قال: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ فكان من الله - - في أهل الخير صنع ومعنى حتى صاروا بذلك أئمة الخير ما لم يكن ذلك منه بأهل الشر وأئمة السوء فيرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لم يكن من الله - - إلى الرسل وقادة الخير إلا وقد كان ذلك منه إلى كل كافر وفاسق.
فلو كان على ما قالوا لكان لا يحتمل أن يصير هؤلاء أئمة الخير وأولئك أئمة الشر بأعمالهم أيضاً، وإن كان ما من الله إليهم على السوء، لكن يضاف ذلك إلى الله بأسباب تكون منه، وكانت حقيقة ذلك منهم بعملهم؛ نحو: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ أضاف إنذاره إلى من اتبع الذكر، وإن كان رسول الله ينذر من لم يتبع، وكذلك ما قال في الشياطين: ﴿ يَدْعُواْ حِزْبَهُ ﴾ إنما يدعو الحزبين جميعاً، لكنه أضاف دعاءه إلى حزبه لما منهم يكون له الإجابة، وأضاف إنذار رسول الله إلى من اتبعه وقبله لطاعتهم له؛ فعلى ذلك الأوّل، أضاف ذلك إلى نفسه لفعلهم.
لكن عندنا لا يكون من الخلق في فعل الخلق حقيقة الفعل، إنما يكون منهم الأسباب، ويكون من الله - - في أفعالهم الأسباب، وحقيقة الفعل، فيكون إضافة ذلك إلى الله على حقيقة الفعل والأسباب جميعاً وإلى الخلق لأسباب تكون منهم إليهم.
والثاني: إنما خصّ بالإنذار من اتبع الذكر؛ لأنه إنما يقصد بالإنذار من اتبعه لا من لا يتبعه، وكذلك الشيطان إنما يقصد بدعائهم إياهم حزبه منهم، وإن كان الرسول ينذر الخلق جميعاً: الذي سوف يتبعه والذي لا يتبعه، وكذلك الشيطان يدعو الحزبين جميعاً؛ لأن هذا يقصد ضررهم بما يدعوهم إليه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ والرسول بما ينذر يقصد نفعهم؛ لذلك خصّ الإنذار لمن اتبعه وخص في ذلك حزبه.
وقوله: ﴿ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ ليس تصريحاً؛ لأنهم لو دعوهم إلى النار لا يجيبونهم، ولكن يدعونهم إلى أعمال توجب لهم النار لو أجابوهم، وهو كقوله: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ أي: ما أصبرهم على عمل يستوجبون به النار.
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ كأن الشيطان مناهم النصر والشفاعة بعبادة الأصنام، فيخبر أنهم لا ينصرون لما مناهم.
وقوله: ﴿ وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً ﴾ وهو ما عذبوا في الدنيا واستؤصلوا ﴿ وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ ﴾ قال بعضهم: مسودون وجوههم.
وجائز أن يكون ذلك جزاء ما افتخروا في هذه بالحلي والزينة، وطعنوا في موسى جواباً لهم على ما قالوا: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ يخبر أنهم يكونون في الآخرة على غير الحال التي كانوا في الدنيا وافتخروا بها.
وقال بعضهم: المقبوح: هو السواد مع الزرقة.
<div class="verse-tafsir"
واشتد تكبر فرعون هو وجنوده واستعلوا في أرض مصر بغير موجب من الحق، وأنكروا البعث، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون يوم القيامة للحساب والعقاب.
<div class="verse-tafsir" id="91.3MJeV"