الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٤٦ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٦ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) - قال أبو عبد الرحمن النسائي ، في التفسير من سننه : أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا عيسى - وهو ابن يونس - عن حمزة الزيات ، عن الأعمش ، عن علي بن مدرك ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) ، قال : نودوا : يا أمة محمد ، أعطيتكم قبل أن تسألوني ، وأجبتكم قبل أن تدعوني .
وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث جماعة ، عن حمزة - وهو ابن حبيب الزيات - عن الأعمش .
ورواه ابن جرير من حديث وكيع ويحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، عن علي بن مدرك ، عن أبي زرعة - وهو ابن عمرو بن جرير - أنه قال ذلك من كلامه ، والله أعلم .
وقال مقاتل بن حيان : ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) : أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت .
وقال قتادة : ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) موسى .
وهذا - والله أعلم - أشبه بقوله تعالى : ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ) .
ثم أخبر هاهنا بصيغة أخرى أخص من ذلك ، وهو النداء ، كما قال تعالى : ( وإذ نادى ربك موسى ) [ الشعراء : 10 ] ، وقال : ( إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) [ النازعات : 16 ] ، وقال : ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ) [ مريم : 52 ] .
وقوله : ( ولكن رحمة من ربك ) أي : ما كنت مشاهدا لشيء من ذلك ، ولكن الله أوحاه إليك وأخبرك به ، رحمة منه لك وبالعباد بإرسالك إليهم ، ( لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ) أي : لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله عز وجل .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) يقول تعالى ذكره: وما كنت يا محمد بجانب الجبل إذ نادينا موسى بأن فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ...
الآية.
كما حدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي, قال: ثنا يحيى بن عيسى, عن الأعمش, عن عليّ بن مدرك, عن أبي زُرْعة, في قول الله: ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا قال: نادى يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني, وأجبتكم قبل أن تدعوني.
حدثنا بشر بن معاذ, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا قال: نُودوا: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني, واستجبت لكم قبل أن تَدْعُوني.
حدثني ابن وكيع, قال: ثنا حرملة بن قيس النخعيّ, قال: سمعت هذا الحديث من أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير, عن أبي هريرة ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ) قال: نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني, واستجبت لكم قبل أن تدعوني.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا معتمر عن سليمان, وسفيان عن سليمان, وحجاج, عن حمزة الزيات, عن الأعمش, عن عليّ بن مدرك, عن أبي زُرْعة بن عمرو, عن أبي هريرة, في قوله: ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ) قال: نُودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني, واستجبت لكم قبل أن تدعوني, قال: وهو قوله:حين قال موسى وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ ...
الآية.
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج مثل ذلك.
وقوله: ( وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) يقول تعالى ذكره: لم تشهد شيئا من ذلك يا محمد فتعلمه, ولكنا عرفناكه, وأنـزلنا إليك, فاقتصصنا ذلك كله عليك في كتابنا, وابتعثناك بما أنـزلنا إليك من ذلك رسولا إلى من ابتعثناك إليه من الخلق رحمة منا لك ولهم.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا ) ...
الآية.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) قال: كان رحمة من ربك النبوّة.
وقوله: ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) يقول تعالى ذكره: ولكن أرسلناك بهذا الكتاب وهذا الدين لتنذر قوما لم يأتهم من قبلك نذير, وهم العرب الذين بُعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم , بعثه الله إليهم رحمة لينذرهم بأسه على عبادتهم الأصنام, وإشراكهم به الأوثان والأنداد.
وقوله: ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) يقول: ليتذكروا خطأ ما هم عليه مقيمون من كفرهم بربهم, فينيبوا إلى الإقرار لله بالوحدانية, وإفراده بالعبادة دون كلّ ما سواه من الآلهة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد ( وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) قال: الذي أنـزلنا عليك من القرآن ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ).
------------------------ الهوامش: (1) البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (اللسان: ثوى.
والديوان طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ص227).
وهو من قصيدة قالها لكسرى حين أراد منهم رهائن لما أغار الحارث بن وعلة على بعض السواد.
وفي البيت: ليلة...
فمضت.
في موضع ليلة...
ومضى.
وفي رواية مجاز القرآن لأبي عبيدة: فمضى ورواية الديوان أحسن، لقوله بعده: "ومضى لحاجته".
قال شارح الديوان: ثوى وأثوى بمعنى واحد، أي أقام.
وقصر: توانى.
وأخلف فلانًا وجد موعده خلفًا (بكسر الخاء) أي مختلفًا يقول: عدل عن سفره، فأقام وتخلف ليلة ليتزود من قتيلة، فمضت الليلة، وأخلفته قتيلة الموعد.
قوله تعالى : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا أي كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى فرعون ، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع السبعين .
وروى عمرو بن دينار يرفعه قال : نودي يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني .
فذلك قوله : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا وقال أبو هريرة - وفي رواية عن ابن عباس - إن الله قال : " يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ورحمتكم قبل أن تسترحموني " قال وهب : وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل محمد وأمته قال : يا رب أرنيهم فقال الله : " إنك لن تدركهم لئن شئت ناديتهم فأسمعتك صوتهم " قال : بلى يا رب فقال الله تعالى : " يا أمة محمد " فأجابوا من أصلاب آبائهم فقال : " قد أجبتكم قبل أن تدعوني " ومعنى الآية على هذا : ما كنت بجانب الطور إذ كلمنا موسى فنادينا أمتك وأخبرناه بما كتبناه لك ولأمتك من الرحمة إلى آخر الدنيا ولكن فعلنا ذلك رحمة منا بكم .
قال الأخفش : ( رحمة ) نصب على المصدر أي ولكن رحمناك رحمة ، وقال الزجاج : هو مفعول من أجله أي فعل ذلك بك لأجل الرحمة .
النحاس : أي لم تشهد قصص الأنبياء ، ولا تليت عليك ، ولكنا بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة ، وقال الكسائي : على خبر كان ; التقدير : ولكن كان رحمة .
قال : ويجوز الرفع بمعنى هي رحمة الزجاج : الرفع بمعنى : ولكن فعل ذلك رحمة .
لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك يعني العرب أي لم تشاهد تلك الأخبار ، ولكن أوحيناها إليك رحمة بمن أرسلت إليهم لتنذرهم بها لعلهم يتذكرون .
{ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } موسى، وَأمرناه أن يأتي القوم الظالمين، ويبلغهم رسالتنا، ويريهم من آياتنا وعجائبنا ما قصصنا عليك.
والمقصود: أن الماجريات، التي جرت لموسى عليه الصلاة والسلام في هذه الأماكن، فقصصتها كما هي، من غير زيادة ولا نقص، لا يخلو من أحد أمرين.إما أن تكون حضرتها وشاهدتها، أو ذهبت إلى محالِّها فتعلمتها من أهلها، فحينئذ قد لا يدل ذلك على أنك رسول اللّه، إذ الأمور التي يخبر بها عن شهادة ودراسة، من الأمور المشتركة غير المختصة بالأنبياء، ولكن هذا قد عُلِمَ وتُيُقِّن أنه ما كان وما صار، فأولياؤك وأعداؤك يعلمون عدم ذلك.فتعين الأمر الثاني، وهو: أن هذا جاءك من قِبَلِ اللّه ووحيه وإرساله، فثبت بالدليل القطعي، صحة رسالتك، ورحمة اللّه بك للعباد، ولهذا قال: { وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ } أي: العرب، وقريش، فإن الرسالة [عندهم] لا تعرف وقت إرسال الرسول وقبله بأزمان متطاولة، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } تفصيل الخير فيفعلونه، والشر فيتركونه، فإذا كنت بهذه المنزلة، كان الواجب عليهم، المبادرة إلى الإيمان بك، وشكر هذه النعمة، التي لا يقادر قدرها، ولا يدرك شكرها.وإنذاره للعرب لا ينفي أن يكون مرسلا لغيرهم، فإنه عربي، والقرآن الذي أنزل عليه عربي، وأول من باشر بدعوته العرب، فكانت رسالته إليهم أصلا، ولغيرهم تبعا، كما قال تعالى { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ } { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا }
( وما كنت بجانب الطور ) بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى ، ( إذ نادينا ) قيل : إذ نادينا موسى : خذ الكتاب بقوة .
وقال وهب : قال موسى : يا رب أرني محمدا ، قال : إنك لن تصل إلى ذلك ، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم ، قال : بلى يا رب ، قال الله تعالى : يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير : ونادى يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني .
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ورفعه بعضهم - ، قال الله : يا أمة محمد ، فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات : لبيك اللهم لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك .
قال الله تعالى : يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق عقابي ، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني ، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني ، من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي دخل الجنة ، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر .
قوله تعالى : ( ولكن رحمة من ربك ) أي : ولكن رحمناك رحمة بإرسالك والوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك ، ( لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) يعني : أهل مكة ، ( لعلهم يتذكرون )
«وما كنت بجانب الطور» الجبل «إذ» حين «نادينا» موسى أن خذ الكتاب بقوة «ولكن» أرسلناك «رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك» وهم أهل مكة «لعلهم يتذكرون» يتعظون.
وما كنت -أيها الرسول- بجانب جبل الطور حين نادينا موسى، ولم تشهد شيئًا من ذلك فتعلمه، ولكنا أرسلناك رحمة من ربك؛ لتنذر قومًا لم يأتهم مِن قبلك من نذير؛ لعلهم يتذكرون الخير الذي جئتَ به فيفعلوه، والشرَّ الذي نَهيتَ عنه فيجتنبوه.
ثم ساق - سبحانه - ما يؤكد هذه المعانى تأكيدا قويا ، حتى يخرس ألسنة الكافرين ، فقال - تعالى - : ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا ) .أى : وما كنت - أيضا أيها الرسول الكريم - بجانب الجبل المسمى بالطور وقت أن نادينا موسى ، وكلفناه بحمل رسالتنا ، وأعطيناه التوراة ، وأوحينا إليه بما أوحينا من أحكام وتشريعات .وقوله - تعالى - : ( ولكن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) أى : ولكن فعلنا ما فعلنا ، بأن أرسلناك إلى الناس ، وقصصنا عليك ما نريده من أخبار الأولين ، من أجل رحمتنا بك وبالناس ، حتى يعتبروا ويتعظوا بأحوال السابقين ، فالعاقل من اتعظ بغيره .فقوله - تعالى - : ( رَّحْمَةً ) منصوب على أنه مفعلو لأجله ، أو على المصدرية .وقوله - سبحانه - : ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ) صفة لقوله ( قَوْماً ) و ( مَّآ ) موصولة مفعول ثان لتنذر ، وقوله : ( مِّن نَّذِيرٍ ) متعلق .أى : أرسلناك رحمة ، لتنذر قوما العقاب الذى أتاهم من نذير من قبلك ، وكما قال - تعالى - : ( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) وصح أن تكون ( مَّآ ) فى قوله ( مِّن نَّذِيرٍ ) للتأكيد ، فيكون المعنى : أرسلناك رحمة لتنذر هؤلاء المشركين من أهل مكة الذين لم يأتهم نذير من قبلك منذ أزمان متطاولة .
إذ الفترة التى بينك وبين أبيهم إسماعيل تزيد على ألفى سنة .ورسالة إسماعيل إليهم قد اندرست معالمها ، فكانت الحكمة والرحمة تقتضيان إرسالك إليهم لتنذرهم سوء عاقبة الشرك .أما معظم الرسل من قبلك - كموسى وعيسى وزكريا ويحيى وداود وسليمان فكانت مع تباعد زمانها عنك - أيضا - إلى غيرهم من بنى إسرائيل ، ومن الأمم الأخرى ، المتناثرة فى طراف الجزيرة العربية .فالمراد بالقوم على هذا الرأى : العرب المعاصرون له صلى الله عليه وسلم كما قال - تعالى - : ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) ولعل هذا الرأى أقرب إلى سياق الآيات ، وإلى إقامة الحجة على مشركى قريش ، الذين وقفوا من الرسول صلى الله عليه وسلم موقف المكذب لرسالته ، المعادى لدعوته .وقوله - سبحانه - : ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) تذيبل قصد به حضهم على التذكر والاعتبار .أى : أرسلناك إليهم كى يتذكروا ما ترشدهم إليه ، ويعتبروا بما جئتهم به ، ويخشوا سوء عاقبة مخالفة إنذارك لهم .
اعلم أن في الآية سؤالات: السؤال الأول: الجانب موصوف، والغربي صفة، فكيف أضاف الموصوف إلى الصفة؟
الجواب: هذه مسألة خلافية بين النحويين، فعند البصريين لا يجوز إضافة الموصوف إلى الصفة إلا بشرط خاص سنذكره، وعند الكوفيين يجوز ذلك مطلقاً حجة البصريين، أن إضافة الموصوف إلى الصفة تقتضي إضافة الشيء إلى نفسه، وهذا غير جائز فذاك أيضاً غير جائز، بيان الملازمة أنك إذا قلت جاءني زيد الظريف، فلفظ الظريف يدل على شيء معين في نفسه مجهول بحسب هذا اللفظ حصلت له الظرافة، فإذا نصصت على زيد عرفنا أن ذلك الشيء الذي حصلت له الظرافة هو زيد، إذا ثبت هذا، فلو أضفت زيداً إلى الظريف، كنت قد أضفت زيداً إلى زيد، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائزة، فإضافة الموصوف إلى صفته وجب أن لا تجوز، إلا أنه جاء على خلاف هذه القاعدة ألفاظ، وهي قوله تعالى في هذه الآية: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى ﴾ وقوله: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ وقوله: ﴿ حَقُّ اليقين ﴾ ﴿ وَلَدَارُ الأخرة ﴾ ويقال صلاة الأولى ومسجد الجامع وبقلة الحمقاء، فقالوا التأويل فيه جانب المكان الغربي ودين الملة القيمة وحق الشيء اليقين ودار الساعة الآخرة وصلاة الساعة الأولى ومسجد المكان الجامع وبقلة الحبة الحمقاء، ثم قالوا في هذه المواضع: المضاف إليه ليس هو النعت، بل المنعوت، إلا أنه حذف المنعوت وأقيم النعت مقامه فهاهنا ينظر إن كان ذلك النعت كالمتعين لذلك المنعوت، حسن ذلك وإلا فلا، ألا ترى أنه ليس لك أن تقول عندي جيد على معنى عندي درهم جيد، ويجوز مررت بالفقيه على معنى مررت بالرجل الفقيه، لأن الفقيه يعلم أنه لا يكون إلا من الناس والجيد قد يكون درهماً وقد يكون غيره، وإذا كان كذلك حسن قوله جانب الغربي، لأن الشيء الموصوف بالغربي الذي يضاف إليه الجانب لا يكون إلا مكاناً أو ما يشبهه، فلا جرم حسنت هذه الإضافة، وكذا القول في البواقي، والله أعلم.
السؤال الثاني: ما معنى قوله: ﴿ إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الأمر ﴾ ؟
الجواب: الجانب الغربي هو المكان الواقع في شق الغرب، وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى عليه السلام من الطور، وكتب الله (له) في الألواح والأمر المقضي إلى موسى عليه السلام الوحي الذي أوحى إليه، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم يقول: وما كنت حاضراً المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى عليه السلام، ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على (الموحى) إليه، (وهي لأن الشاهد لابد وأن يكون حاضراً)، وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات.
السؤال الثالث: لما قال: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الغربى ﴾ ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد لابد أن يكون حاضراً، فما الفائدة في إعادة قوله: ﴿ وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين ﴾ ؟
الجواب: قال ابن عباس رضي الله عنهما: التقدير لم تحضر ذلك الموضع، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك، ولا يشهد ولا يرى.
السؤال الرابع: كيف يتصل قوله: ﴿ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً ﴾ بهذا الكلام ومن أي وجه يكون استدراكاً له؟
الجواب: معنى الآية: ولكنا أنشأنا بعد عهد موسى عليه السلام إلى عهدك قروناً كثيرة فتطاول عليهم العمر وهو القرن الذي أنت فيه، فاندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرفناك أحوال الأنبياء وأحوال موسى، فالحاصل كأنه قال وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب، فإذن هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده.
واعلم أن هذا تنبيه على المعجز كأنه قال إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوتك كما قال: ﴿ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ .
أما قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ فالمعنى ما كنت مقيماً فيه.
وأما قوله: ﴿ تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا ﴾ ففيه وجهان: الأول: قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ﴿ وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ أي أرسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها الثاني: قال الضحاك: يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما كان غيرك ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولاً، فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.
أما قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا ﴾ يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه ﴿ ولكن رَّحْمَةً مّن رَّبِكَ ﴾ أي علمناك رحمة، وقرأ عيسى بن عمر بالرفع أي هي رحمة، وذكر المفسرون في قوله: ﴿ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ وجوهاً أخر أحدها: إذ نادينا أي قلنا لموسى ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيء ﴾ إلى قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون ﴾ .
وثانيها: قال ابن عباس إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم: يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني قال وإنما قال الله تعالى ذلك حين اختار موسى عليه السلام سبعين رجلاً لميقات ربه.
وثالثها: قال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال رب أرنيهم قال إنك لن تدركهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم قال بلى يا رب فقال سبحانه يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فأسمعه الله تعالى أصواتهم ثم قال: أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكره ابن عباس.
ورابعها: روى سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا ﴾ قال: «كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخلته الجنة».
أما قوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ ﴾ فالإنذار هو التخويف بالعقاب على المعصية.
واعلم أنه تعالى لما بين قصة موسى عليه السلام قال لرسوله: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى...
وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ...
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور ﴾ فجمع تعالى بين كل ذلك لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى عليه السلام إذ المراد بقوله: ﴿ إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الأمر ﴾ إنزال التوراة حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً ﴾ أول أمره والمراد ناديناه وسط أمره وهو ليلة المناجاة، ولما بين تعالى أنه عليه السلام لم يكن في هذه الأحوال حاضراً بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين ثم فسر تلك الرحمة بأن قال: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ ﴾ واختلفوا فيه فقال بعضهم لم يبعث إليهم نذير منهم: وقال بعضهم: حجة الأنبياء كانت قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجد تلك الحجة عليهم، وقال بعضهم لا يبعد وقوع الفترة في التكاليف فبعثه الله تعالى تقريراً للتكاليف وإزالة لتلك الفترة.
أما قوله: ﴿ وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ﴾ الآية فقال صاحب الكشاف: (لولا) الأولى امتناعية وجوابها محذوف، والثانية تحضيضية، والفاء في قوله: ﴿ فَيَقُولُواْ ﴾ للعطف، (وفي قوله للعطف).
وفي قوله: ﴿ فَنَتَّبِعَ ﴾ جواب (لولا) لكونها في حكم الأمر من قبل أن الأمر باعث على الفعل، والباعث والمحضض من واد واحد، والمعنى لولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي: هلا أرسلت إلينا رسولاً، محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم، يعني إنما أرسلنا الرسول إزالة لهذا العذر وهو كقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ ﴿ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ﴾ ﴿ لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك ﴾ واعلم أنه تعالى لم يقل ولولا أن يقولوا هذا العذر لما أرسلنا، بل قال: ﴿ وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ فَيَقُولُواْ ﴾ هذا العدو لما أرسلنا وإنما قال ذلك لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً وقد عرفوا بطلان دينهم لما قالوا ذلك، بل إنما يقولون ذلك إذا نالهم العقاب فيدل ذلك على أنهم لم يذكروا هذا العذر تأسفاً على كفرهم، بل لأنهم ما أطاقوا وفيه تنبيه على استحكام كفرهم ورسوخه فيهم كقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج الجبائي على وجوب فعل اللطف قال لو لم يجب ذلك لم يكن لهم أن يقولوا: هلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك، إذ من الجائز أن لا يبعث إليهم وإن كانوا لا يختارون الإيمان إلا عنده على قول من خالف في وجوب اللطف كما مر أن الجائز إذا كان في المعلوم لو خلق له لم يمكن إلا أن يفعل ذلك.
المسألة الثانية: احتج الكعبي به على أن الله تعالى يقبل حجة العباد وليس الأمر كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لا يقبل الحجة وظهر بهذا أنه ليس المراد من قوله: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ ما يظنه أهل السنة، وإذا ثبت أنه يقبل الحجة وجب أن لا يكون فعل العبد بخلق الله تعالى وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله تعالى.
المسألة الثالثة: قال القاضي: فيه إبطال القول بالجبر من جهات: إحداها: أن اتباعهم وإيمانهم موقوف على أن يخلق الله ذلك فيهم سواء أرسل الرسول إليهم أم لا وثانيتها: أنه إذا خلق القدرة على ذلك فيهم وجب سواء أرسل الرسول أم لا وثالثتها: إذا أراد ذلك وجب أرسل الرسول إليهم أم لا، فأي فائدة في قولهم هذا لو كانت أفعالهم خلقاً لله تعالى؟
فيقال للقاضي هب أنك نازعت في الخلق والإرادة ولكنك وافقت في العلم فإذا علم الكفر منهم فهل يجب أم لا، فإن لم يجب أمكن أن لا يوجد الكفر مع حصول العلم بالكفر وذلك جمع بين الضدين وإن وجب لزمك ما أوردته علينا، واعلم أن الكلام وإن كان قوياً حسناً إلا أنه إذا توجه عليه النقض الذي لا محيص عنه، فكيف يرضى العاقل بأن يعول عليه؟
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ يريد مناداة موسى عليه السلام ليلة المناجاة وتكليمه، و ﴿ لَكِن ﴾ علمناك ﴿ رَحْمَةً ﴾ وقرئ: ﴿ رحمة ﴾ ، بالرفع: أي هي رحمة ﴿ مَا ءاتاهم ﴾ من نذير في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهي خمسمائة وخمسون سنة، ونحوه قوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ ﴾ [يس: 6] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ﴾ لَعَلَّ المُرادَ بِهِ وقْتَ ما أعْطاهُ التَّوْراةَ وبِالأوَّلِ حِينَ ما اسْتَنْبَأهُ لِأنَّهُما المَذْكُورانِ في القَصْدِ.
﴿ وَلَكِنْ ﴾ عَلَّمْناكَ.
﴿ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى هَذِهِ ( رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ ) .
﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ.
﴿ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ لِوُقُوعِهِمْ في فَتْرَةٍ بَيْنَكَ وبَيْنَ عِيسى، وهي خَمْسُمِائَةٍ وخَمْسُونَ سَنَةً، أوْ بَيْنَكَ وبَيْنَ إسْماعِيلَ، عَلى أنَّ دَعْوَةَ مُوسى وعِيسى كانَتْ مُخْتَصَّةً بِبَنِي إسْرائِيلَ وما حَوالَيْهِمْ.
﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ يَتَّعِظُونَ.
<div class="verse-tafsir"
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)
{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا} موسى أن خذ الكتاب بقوة {ولكن} أعلمناك وأرسلناك {رَحْمَةً} للرحمة {مّن رَّبِكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ} في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة {لعلهم يتذكرون}
﴿ وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ﴾ أيْ وقْتَ نِدائِنا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ واسْتِنْبائِنا إيّاهُ وإرْسالِنا لَهُ إلى فِرْعَوْنَ ﴿ ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ النّاطِقِ بِما ذَكَرَ وغَيْرِهِ لِرَحْمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ.
وقِيلَ أيْ عَلَّمْناكَ رَحْمَةً ولَعَلَّ الرَّحْمَةَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِعَلَّمَ والمُرادُ بِها القُرْآنُ ولَيْسَتْ مَفْعُولًا لَهُ والمَفْعُولُ الثّانِي ما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ لِما سَتَعْرِفُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأمّا جَعْلُها مَنصُوبَةً عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ فَحالُهُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الرَّبِّ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ وتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإضافَةِ وقَدِ اكْتَفى هاهُنا عَنْ ذِكْرِ المُسْتَدْرَكِ بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ تَعالى كَما اكْتَفى في الأوَّلِ بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ مِن جِهَةِ النّاسِ وصَرَّحَ بِهِ فِيما بَيْنَهُما تَنْصِيصًا عَلى ما هو المَقْصُودُ وإشْعارًا بِأنَّهُ المُرادُ فِيهِما أيْضًا ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بِالرَّحْمَةِ وهو يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ الإرْسالُ بِالقُرْآنِ أوْ ما في مَعْناهُ كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ دُونَ تَعْلِيمِ ما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ إذْ لا يَظْهَرُ حَسَنُ تَعْلِيلِهِ بِالإنْذارِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُسْتَدْرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى التَّنازُعِ.
وقَرَأ عِيسى، وأبُو حَيْوَةَ «رَحْمَةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ ولَكِنْ هو أوْ هَذا أوْ هي أوْ هَذِهِ رَحْمَةٌ والضَّمِيرُ أوِ الإشارَةُ قِيلَ لِلْإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ والتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ المَرْجِعِ والخَبَرِ والخِلافُ في الأُولى مَشْهُورٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ولَكِنْ أنْتَ رَحْمَةٌ ولِتُنْذِرَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُتَعَلِّقٌ بِما هو صِفَةٌ لِـ رَحْمَةً وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ما ﴿ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ صِفَةٌ لِقَوْمًا (ومِن) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ 46) أيْ يَتَّعِظُونَ بِإنْذارِكَ تَعْلِيلٌ لِلْإنْذارِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها لِلتَّرَجِّي حَقِيقَةً أوْ مَجازًا فَقِيلَ هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَقُولًا فِيهِمْ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ قِيلَ العَرَبُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهم لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْلًا ولَيْسَ بِمُرادٍ لِلِاتِّفاقِ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ وكَأنَّهُ لِتَطاوُلِ الأمَدِ بَيْنَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْثَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ بَيْنَهُما أكْثَرُ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ بِكَثِيرٍ وانْدِراسِ شَرْعِهِ وعَدَمِ وُقُوفِ الأكْثَرِينَ في أغْلَبِ هَذِهِ المُدَّةِ عَلى حَقِيقَتِهِ قِيلَ: ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِما صَرَّحُوا بِهِ مِن أنَّ حُكْمَ بَعْثَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ وأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ سِوى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في المِنَحِ المَكِّيَّةِ: مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ العَرَبَ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ بَعْدَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ إسْماعِيلَ انْتَهَتْ رِسالَتُهُ بِمَوْتِهِ وادَّعى قُبَيْلَ هَذا الِاتِّفاقِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن بَعْدَهُ أيْ سِوى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُرْسَلُوا لِلْعَرَبِ ورِسالَةُ إسْماعِيلَ إلَيْهِمُ انْتَهَتْ بِمَوْتِهِ اهـ، فَكَأنَّهُ لِقِلَّةِ لُبْثِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ وانْقِطاعِ حُكْمِ رِسالَتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ فِيما بَيْنَهم وبَقائِهِمُ الأمَدَ الطَّوِيلَ بِغَيْرِ رَسُولٍ مَبْعُوثٍ فِيهِمْ نُفِيَ إتْيانُ النَّذِيرِ إيّاهم مِن قَبْلِهِ .
وذَكَرَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في المِنَحِ أيْضًا ما يُفِيدُ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ مِمَّنْ عَدا نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَنْقَطِعُ رِسالَتُهُ بِمَوْتِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ خاصًّا بِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيِّهِ أنَّ هَذا الِانْقِطاعَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ فَقَدْ قالَ: «فائِدَةٌ» كُلُّ نَبِيٍّ إنَّما أُرْسِلَ إلى قَوْمِهِ إلّا سَيِّدَنا مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَلى هَذا يَكُونُ ما عَدا قَوْمَ كُلِّ نَبِيٍّ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ إلّا ذُرِّيَّةَ النَّبِيِّ السّابِقِ عَلَيْهِ فَإنَّهم مُخاطَبُونَ بِبَعْثَةِ السّابِقِ إلّا أنْ تَدْرُسَ شَرِيعَةُ السّابِقِ فَيَصِيرَ الكُلُّ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ اهـ.
وهو وكَذا ما نَقَلْناهُ عَنِ العَلّامَةِ ابْنِ حَجْرٍ عِنْدِي الآنَ عَلى أعْرافِ الرَّدِّ والقَبُولِ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَشْرَحُ صَدْرِي بَعْدُ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى، وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ كَما أُرْسِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ أُرْسِلا لِلْعَرَبِ فالمُرادُ بِنَفْيِ هَذا الإتْيانِ الفَتْرَةُ الَّتِي بَيْنَ عِيسى ونَبِيِّنا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِنها عَلى ما رَوى البُخارِيُّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وفي كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ أنَّهُ خَمْسُمِائَةٍ وخَمْسُونَ سَنَةً، ونَفْيُ إتْيانِ نَبِيٍّ بَيْنَ زَمانَيْ إتْيانِ نَبِيِّنا وإتْيانِ عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ هو ما صَحَّحَهُ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ لِحَدِيثِ: «لا نَبِيَّ بَيْنِي وبَيْنَ عِيسى».
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ بَيْنَهُما أرْبَعَةَ أنْبِياءَ ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ وهو خالِدُ بْنُ سِنانٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، واخْتارَ البَعْضُ أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ العَرَبُ المُعاصِرُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ هُمُ الَّذِينَ يُتَصَوَّرُ إنْذارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم دُونَ أسْلافِهِمُ الماضِينَ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، وعَدَمُ إتْيانِ نَذِيرٍ إيّاهم مِن قَبْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى القَوْلِ بِانْتِهاءِ حُكْمِ رِسالَةِ الرَّسُولِ سِوى نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَوْتِهِ ظاهِرٌ، وأمّا إذا قِيلَ: بِعَدَمِ انْتِهائِهِ بِذَلِكَ وبَقائِهِ حُكْمًا لِرِسالَةِ الرَّسُولِ يَجِبُ عَلى مَن عَلِمَهُ مِن ذَرارِيِّ المُرْسَلِ إلَيْهِمُ الأخْذُ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حُكْمٌ مِن أحْكامِ ذَلِكَ الرَّسُولِ إلى أنْ يَأْتِيَ رَسُولٌ آخَرُ فَيُؤْخَذُ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حُكْمٌ مِن أحْكامِهِ أوْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ فِيهِ مِنَ النِّسْبَةِ إلَيْهِ أوْ مِن نِسْبَتِهِ إلى مَن قَبْلَهُ أوْ يُتْرَكُ إنْ جاءَ الثّانِي ناسِخًا لَهُ فالمُرادُ بِعَدَمِ إتْيانِ النَّذِيرِ إيّاهم عَدَمُ وُصُولِ ما أتى بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ إلَيْهِمْ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ العَرَبُ مُطْلَقًا ويُقالَ بِأنَّهم لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَدٌ أصْلًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ ومُنافاتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ والعَرَبُ أعْظَمُ أُمَّةٍ وكَذا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ- ما- فِيهِ لَيْسَتْ نافِيَةً وهو عَلى القَوْلِ بِأنَّ ما فِيهِ نافِيَةٌ مُؤَوِّلٌ بِحَمْلِ الآباءِ عَلى الآباءِ الأقْرَبِينَ، ولا يَكادُ يَجُوزُ في ما هاهُنا ما جازَ فِيها مِنِ الِاحْتِمالِ في آيَةِ يس بَلِ المُتَعَيَّنُ فِيها النَّفْيُ لَيْسَ غَيْرُ، وتَكَلُّفُ غَيْرِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي في كِتابِ اللَّهِ تَعالى والنَّذِيرُ بِمَعْنى المُنْذِرِ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ وتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بَيْنَ قَضاءِ الأمْرِ بِمَعْنى أحْكامِ أمْرِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ وإيتاءِ التَّوْراةِ وثَوائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أهْلِ مَدْيَنَ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ ﴾ والنِّداءُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ بُرْهانٌ مُسْتَقِلٌّ عَلى أنَّ حِكايَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْقِصَّةِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الوُقُوعِيِّ، ونَفى أوَّلًا الثَّواءَ في أهْلِ مَدْيَنَ ونَفى ثانِيًا الحُضُورَ عِنْدَ النِّداءِ ونَفى ثالِثًا الحُضُورَ عِنْدَ قَضاءِ الأمْرِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ الكُلَّ دَلِيلٌ واحِدٌ عَلى ما ذُكِرَ كَما مَرَّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ قَضاءَ الأمْرَ بِالِاسْتِنْباءِ والنِّداءَ بِالنِّداءِ لِأخْذِ التَّوْراةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ ﴾ رِعايَةً لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بَيْنَهُما وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَفُوتُ عَلَيْهِ التَّنْبِيهُ المَذْكُورُ مَعَ أنَّهُ بِهَذا القَدْرِ لا يَرْتَفِعُ تَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ بِالكُلِّيَّةِ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ لِأنَّ الثَّواءَ في أهْلِ مَدْيَنَ مُتَقَدِّمٌ عَلى القَضاءِ والنِّداءِ في الواقِعِ، وقَدْ وسَّطَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ بَيْنَهُما، وأيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِ كُلٍّ مِنَ القَضاءِ والنِّداءِ بِما فَسَّرَ أنْسَبُ بِما يَلِي كُلًّا مِنَ الِاسْتِدْراكِ، ومِمّا يُسْتَغْرَبُ أنَّ بَعْضَ مَن فَسَّرَ ما ذُكِرَ بِما يُوافِقُ التَّرْتِيبَ الوُقُوعِيَّ فَسَّرَ الشّاهِدِينَ بِالسَّبْعِينَ المُخْتارِينَ لِلْمِيقاتِ ولا يَكادُ يَتَسَنّى ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهم إنَّما كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُعْطِيَ التَّوْراةَ فَكانَ عَلَيْهِ أنْ يُفَسِّرَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ عِدَّةُ تَفاسِيرَ لا يَأْبى شَيْءٌ مِنها تَفْسِيرَهُ ما ذُكِرَ بِما يُوافِقُ التَّرْتِيبَ الوُقُوعِيَّ، وجُوِّزَ عَلى التَّفْسِيرِ بِما يُوافِقُ كَوْنَ المُرادِ بِالشّاهِدِينَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ النّارِ فَإنَّ الآثارَ ناطِقَةٌ بِحُضُورِهِمْ حَوْلَها عِنْدَما أتاها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها ﴾ في قَوْلٍ، هَذا وفي الآياتِ تَفْسِيراتٌ أُخَرُ فَقالَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كُنْتَ ثاوِيًا ﴾ إلَخْ أيْ وما كُنْتَ مُقِيمًا في أهْلِ مَدْيَنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَراهُ وتَسْمَعُ كَلامَهُ وها أنْتَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ أيْ عَلى أُمَّتِكَ آياتِنا فَهو مُنْقَطِعٌ اهـ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ فِيهِ وهو أنَّ المَعْنى لَمْ تَشْهَدْ أهْلَ مَدْيَنَ فَتَقْرَأ عَلى أهْلِ مَكَّةَ خَبَرَهم ولَكِنّا أرْسَلْناكَ إلى أهْلِ مَكَّةَ وأنْزَلْنا إلَيْكَ هَذِهِ الأخْبارَ ولَوْلا ذَلِكَ ما عَلِمْتَ، وقالَ الضَّحّاكُ: يَقُولُ سُبْحانَهُ: إنَّكَ يا مُحَمَّدُ لَمْ تَكُنِ الرَّسُولَ إلى أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ الكِتابِ وإنَّما كانَ غَيْرُكَ ولَكِنّا كُنّا مُرْسَلِينَ في كُلِّ زَمانٍ رَسُولًا فَأرْسَلْنا إلى أهْلِ مَدْيَنَ شُعَيْبًا وأرْسَلْناكَ إلى العَرَبِ لِتَكُونَ خاتَمَ الأنْبِياءِ اهـ.
ولا يَخْفى أنَّ ما قَدَّمْنا أوْلى بِالِاعْتِبارِ.
وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ النِّداءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ﴾ كانَ نِداءً فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى نَبِيِّها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّحِيَّةِ وذَكَرُوا عِدَّةَ آثارٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ في ذَلِكَ: نُودُوا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي واسْتَجَبْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ هو أيْضًا وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ ما كانَ النِّداءُ وما كانَتِ الرَّحْمَةُ؟
قالَ: كِتابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ بِألْفَيْ عامٍ ثُمَّ وضَعَهُ عَلى عَرْشِهِ ثُمَّ نادى يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي أعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي وغَفَرْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَسْتَغْفِرُونِي فَمَن لَقِيَنِي مِنكم يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدِي ورَسُولِي صادِقًا أدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ».
وأخْرَجَ الخُتُلِّيُّ في الدِّيباجِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لَمّا قَرَّبَ اللَّهُ تَعالى مُوسى إلى طُورِ سَيْناءَ نَجِيًّا قالَ: أيْ رَبِّ هَلْ أجِدُ أكْرَمَ عَلَيْكَ مِنِّي؟
قَرَّبْتَنِي نَجِيًّا وكَلَّمْتَنِي تَكْلِيمًا.
قالَ: نَعَمْ.
مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْرَمُ (عَلَيَّ) مِنكَ.
قالَ: فَإنْ كانَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْرَمَ عَلَيْكَ مِنِّي فَهَلْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ أكْرَمُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؟
فَلَقْتَ البَحْرَ لَهم وأنْجَيْتَهم مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ وأطْعَمْتَهُمُ المَنَّ والسَّلْوى.
قالَ: نَعَمْ.
أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْرَمُ (عَلَيَّ) مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ: إلَهِي أرِنِيهِمْ.
قالَ: إنَّكَ لَنْ تَراهم وإنْ شِئْتَ أسْمَعْتُكَ صَوْتَهم.
قالَ: نَعَمْ إلَهِي.
فَنادى رَبُّنا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجِيبُوا رَبَّكم.
قالَ: فَأجابُوا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ وأرْحامِ أُمَّهاتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالُوا: لَبَّيْكَ أنْتَ رَبُّنا حَقًّا ونَحْنُ عَبِيدُكَ حَقًّا.
قالَ: صَدَقْتُمْ أنا رَبُّكم حَقًّا وأنْتُمْ عَبِيدِي حَقًّا قَدْ عَفَوْتُ عَنْكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي وأعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي فَمَن لَقِيَنِي مِنكم بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»».
.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرادَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِما أعْطاهُ وبِما أعْطى أُمَّتَهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا، واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ مَعْنًى لا يُناسِبُ المَقامَ ولا تَكادُ تَرْتَبِطُ الآياتُ عَلَيْهِ، ولا بُدَّ لِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ مِن دَلِيلٍ، وتَصْحِيحُ الحاكِمِ لا يَخْفى حالُهُ.
وقالَ بَعْضٌ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الأخْبارِ إنَّ المُرادَ وما كُنْتَ حاضِرًا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِجانِبِ الطُّورِ لِتَقِفَ عَلى أحْوالِهِ فَتُخْبِرَ بِها النّاسَ ولَكِنْ أرْسَلْناكَ بِالقُرْآنِ النّاطِقِ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ رَحْمَةً مِنّا لَكَ ولِلنّاسِ، والتَّوْقِيتُ بِنِداءِ أُمَّتِهِ لَيْسَ لِكَوْنِ المُخْبَرِ بِهِ ما كانَ مِن ذَلِكَ بَلْ لِإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يَعُودُ إلَيْهِ وإلى أُمَّتِهِ وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمّا يَكُونُ مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإباءِ عَنْ شَرِيعَتِهِ وتَلْوِيحِ ما إلى مَضْمُونِ ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ وحِينَئِذٍ تَرْتَبِطُ الآياتُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ارْتِباطًا ظاهِرًا فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ يعني: بناحية الجبل الذي كلّم الله تعالى به موسى.
يعني: عن يمين موسى ولولا ذلك: إِذْ نادَيْنا يعني: كلمنا موسى.
ويقال: إِذْ نادَيْنا يعني: أمتك، وذلك أن الله تعالى لما وصف لموسى نعت أمة محمد ، فأحب موسى أن يراهم، قال الله تعالى لموسى: إنك لن تراهم وإن شئت أسمعتك كلامهم، فأسمعه الله تعالى كلامهم، وقال أبو هريرة معنى قوله: إِذْ نادَيْنا يعني: «نودوا، يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تدعوني» .
وروى الأعمش عن ابن مدرك عن أبي زرعة قال: رفع الحديث في قوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا- قال: نودي يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتم قبل أن تسألوني.
وعن عمرو بن شعيب قال: سألت النبيّ عن قوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ما كانَ النِّدَاءُ، وَمَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ؟
قَالَ: كِتَابٌ كَتَبَهُ الله تَعَالَى قَبْل أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ بألْفَيْ عَامٍ وَسِتِّمائَةِ عَامٍ عَلَى ورقة آس، ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى عَرْشِهِ ثُمَّ نَادَى: يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، أعطيتكم قبل أن تسألوني وَغَفَرْتُ لَكُمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَغْفِرُونِي، فَمَنْ لَقِيَنِي مِنْكُمْ يَشْهَدُ أنْ لاَ إله إلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ أَدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ (١) ثم قال: وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن نعمة من ربك حيث اختصصت به.
نصب رَحْمَةً لأن معناه: فعلنا ذلك للرحمة، كقوله: فعلت ذلك ابتغاء الخير، يعني: لابتغاء الخير.
ثم قال: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّا أَتاهُمْ يعني: لم يأتهم مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: لم يأتهم رسول من قبلك، وهم أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا.
قوله عز وجل: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ يعني: عقوبة ونقمة، وفي الآية تقديم ومعناها: لولا أن يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا، فنتبع آياتك، ونكون من المؤمنين، لعذبوا في الدنيا ولأصابتهم مُّصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وهذا هو قول مقاتل.
ويقال: معناه لولا أن يصيبهم عذاب فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لعذبوا في الدنيا، فيكون جوابه مضمراً.
ويقال: معناه لو إني أهلكتهم قبل إرسالي إليك، لقالوا يوم القيامة: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ يقول: لولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسل، فأرسلناك لكي لا يكون لهم حجة عليّ.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
<div class="verse-tafsir"
أعلمناه، وهو أحدُ ما يَرِد تَحْتَ لفظِ القَضَاءِ مراداً، انتهى من كتاب «تفسير الأفعالَ الواقعة في القرآن» .
و «الثاوي» : المقيم.
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)
٥٨ أوقوله تعالى: وَما كُنْتَ/ بِجانِبِ الطُّورِ يريدُ وقتَ إنزالِ التوراةِ إلى مُوسَى- عليه السلام- وقوله: إِذْ نادَيْنا رُوِيَ عَنْ أَبِي هريرةَ: أنّه نُودِيَ يَومَئِذٍ مِنَ السَّمَاءِ: «يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، استجبتُ لَكُمْ قَبْلَ أَن تَدْعُونِي، وغفرتُ لكم قبل أن تسألوني» ، فحينئذٍ قال موسى عليه السلام: اللهمَّ اجْعَلْنِي من أمَّةِ محمدٍ، فالمعنى: إذ نادينا بأمرك وأخبرنا بنُبوَّتِك.
وقال الطبريُّ «١» : معنى قوله: إِذْ نادَيْنا: بأن فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ...
الآية [الأعراف: ١٥٦] .
وقوله سبحانه: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ...
الآية، المصيبةُ: عذابٌ في الدُّنْيا على كفرهِم، وجوابُ لَوْلا محذوفٌ يقْتَضِيهِ الكلامُ تَقْدِيرُهُ: لعَاجَلْنَاهُمْ بما يَسْتَحِقُّونَه.
وقال الزجاجُ «٢» : تقديره: لَمَا أرسلنا الرسل.
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)
وقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يريد القرآن ومحمداً عليه السلام، والمقالةُ التي قَالَتْها قريشٌ: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى كانَتْ من تعليمِ اليهود لهم قالوا لهم: لِمَ لا يأتي بآية باهرةٍ كالعصَا واليدِ، وغير ذلك، فعكسَ الله عليهم قَوْلَهُم، وَوَقَفَهُمْ على أَنهم قد وقَع منهم في تلك الآيات مَا وَقَع من هؤلاء في هذه، فالضميرُ في قوله يَكْفُرُوا لليهود، وقرأ الجمهور: «ساحران» والمراد: موسى وهارون.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى ﴾ يَعْنِي قَوْمَ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرَهم ﴿ بَصائِرَ لِلنّاسِ ﴾ أيْ: لِيُبَصَّرُوا بِهِ ويَهْتَدُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: وما كُنْتَ بِجانِبِ الجَبَلِ الغَرْبِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ ﴾ أيْ: أحْكَمْنا الأمْرَ مَعَهُ بِإرْسالِهِ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ لِذَلِكَ الأمْرِ؛ وفي هَذا بَيانٌ لِصِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَإ الكُتُبَ، ولَمْ يُشاهِدْ ما جَرى، فَلَوْلا أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ، ما عَلِمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا ﴾ أيْ: خَلَقْنا أُمَمًا مِن بَعْدِ مُوسى ﴿ فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ ﴾ أيْ: طالَ إمْهالُهم فَنَسُوا عَهْدَ اللَّهِ وتَرَكُوا أمْرَهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ عَهِدَ إلى مُوسى وقَوْمِهِ عُهُودًا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ، وأُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ، فَلَمّا طالَ إمْهالُهم، أعْرَضُوا عَنْ مُراعاةِ العُهُودِ، ﴿ وَما كُنْتَ ثاوِيًا ﴾ أيْ: مُقِيمًا ﴿ فِي أهْلِ مَدْيَنَ ﴾ فَتَعْلَمَ خَبَرَ مُوسى وشُعَيْبَ وابْنَتَيْهِ فَتَتْلُو ذَلِكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ ﴿ وَلَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ﴾ أرْسَلْناكَ إلى أهْلِ مَكَّةَ وأخْبَرْناكَ خَبَرَ المُتَقَدِّمِينَ، ولَوْلا ذَلِكَ ما عَلِمْتَهُ.
﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ ﴾ أيْ: بِناحِيَةِ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى ﴿ إذْ نادَيْنا ﴾ مُوسى وكَلَّمْناهُ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: كانَ هَذا النِّداءُ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، أعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي، وأسْتَجِيبُ لَكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَمْ تُشاهِدْ قَصَصَ الأنْبِياءِ، ولَكِنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ وقَصَصْناها عَلَيْكَ، رَحْمَةً مِن رَبِّكَ.
﴿ وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ ﴾ جَوابُ " لَوْلا " مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَوْلا أنَّهم يَحْتَجُّونَ بِتَرْكِ الإرْسالِ إلَيْهِمْ لَعاجَلْناهم بِالعُقُوبَةِ.
وقِيلَ: لَوْلا ذَلِكَ لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ ومُؤاثَرَةِ الِاحْتِجاجِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ ﴿ وَلَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ﴾ ﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ المَعْنى: لَمْ تَحْضُرْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ الغُيُوبَ الَّتِي نُخْبِرُ بِها، ولَكِنَّها صارَتْ إلَيْكَ بِوَحْيِنا، أيْ: فَكانَ الواجِبُ أنْ يُسارِعَ إلى الإيمانِ بِكَ، ولَكِنْ تَطاوُلَ الأمْرُ عَلى القُرُونِ الَّتِي أنْشَأْناها زَمَنًا زَمَنًا، فَعَزَبَتْ حُلُومُهُمْ، واسْتَحْكَمَتْ جَهالَتُهم وضَلالَتُهم.
و"قَضَيْنا" مَعْناهُ: أنْفَذْنا وصَرَفْنا، و"الأمْرَ" يَعْنِي التَوْراةَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعْنِي بِهِ ما أعْلَمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَلْتَئِمْ مَعَهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا ﴾ .
و"الثاوِي": المُقِيمُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُورِ ﴾ يُرِيدُ: وقْتَ إنْزالِ التَوْراةِ إلى مُوسى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ نادَيْنا ﴾ ، رُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّهُ نُودِيَ يَوْمَئِذٍ مِنَ السَماءِ: "يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، اسْتَجَبْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي، وغَفَرْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي، فَحِينَئِذٍ يَسْألُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَكُونَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ،» فالمَعْنى: إذْ نادَيْنا بِأمْرِكَ، وأخْبَرْناكَ بِنُبُوَّتِكَ.
وقَوْلُهُ: "رَحْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وقَوْلُهُ: "وَلَكِنْ" جَعَلْناكَ وأنْفَذْنا أمْرَكَ قَدِيمًا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ، أيْ: ويَكُونُ المَعْنى: ولَكِنْ أعْلَمْناكَ رَحْمَةً مِنّا لَكَ وإفْضالًا، وقَرَأ الناسُ: "رَحْمَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ عِيسى: "رَحْمَةٌ" بِالرَفْعِ.
ويُرِيدُ بِالقَوْمِ "الَّذِينَ لَمَّ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ" مُعاصِرِيهِ مِنَ العَرَبِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إذْ نادَيْنا ﴾ بِأنْ ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَسُولَ النَبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا ﴾ الآيَةُ.
<div class="verse-tafsir"
جانب الطور: هو الجانب الغربي، وهو الجانب الأيمن المتقدم وصفه بذينك الوصفين، فعري عن الوصف هنا لأنه صار معروفاً، وقيد الكون المنفي بظرف ﴿ نادينا ﴾ أي بزمن ندائنا.
وحذف مفعول النداء لظهور أنه نداء موسى من قبل الله تعالى وهو النداء لميقات أربعين ليلة وإنزال ألواح التوراة عقب تلك المناجاة كما حكي في الأعراف وكان ذلك في جانب الطور إذ كان بنو إسرائيل حول الطور كما قال تعالى ﴿ يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ [طه: 80] وهو نفس المكان الذي نودي فيه موسى للمرة الأولى في رجوعه من ديار مدين كما تقدم، فالنداء الذي في قوله هنا ﴿ إذ نادينا ﴾ غير النداء الذي في قوله ﴿ فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن ﴾ إلى قوله ﴿ أن يا موسى إني أنا الله ﴾ [القصص: 30] الآية لئلا يكون تكراراً مع قوله: ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ﴾ [القصص: 44].
وهذا الاحتجاج بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم من خبر استدعاء موسى عليه السلام للمناجاة.
وتلك القصة لم تذكر في هذه السورة وإنما ذكرت في سورة أخرى مثل سورة الأعراف.
وقوله ﴿ ولكن رحمة من ربك ﴾ كلمة ﴿ لكن ﴾ بسكون النون هنا باتفاق القراء فهي حرف لا عمل له فليس حرف عطف لفقدان شرطيه: تقدم النفي أو النهي، وعدم الوقوع بعد واو عطف.
وعليه فحرف ﴿ لكن ﴾ هنا لمجرد الاستدراك لا عمل له وهو معترض.
والواو التي قبل ﴿ لكن ﴾ اعتراضية.
والاستدراك في قوله ﴿ ولكن رحمة من ربك ﴾ ناشئ عن دلالة قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور ﴾ على معنى: ما كان علمك بذلك لحضورك، ولكن كان علمك رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك.
فانتصاب ﴿ رحمة ﴾ مؤذن بأنه معمول لعامل نصب مأخوذ من سياق الكلام: إما على تقدير كون محذوف يدل عليه نفي الكون في قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور ﴾ ، والتقدير: ولكن كان علمك رحمة منا؛ وإما على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله، والتقدير: ولكن رحمناك رحمة بأن علمناك ذلك بالوحي رحمة، بقرينة قوله ﴿ لتنذر قوماً ﴾ .
ويجوز أن يكون ﴿ رحمة ﴾ منصوباً على المفعول لأجله معمولاً لفعل ﴿ لتنذر ﴾ فيكون فعل ﴿ لتنذر ﴾ متعلقاً بكون محذوف هو مصب الاستدراك.
وفي هذه التقادير توفير معان وذلك من بليغ الإيجاز.
وعدل عن: رحمة منا، إلى ﴿ رحمة من ربك ﴾ بالإظهار في مقام الإضمار لما يشعر به معنى الرب المضاف إلى ضمير المخاطب من العناية به عناية الرب بالمربوب.
ويتعلق ﴿ لتنذر قوماً ﴾ بما دل عليه مصدر ﴿ رحمة ﴾ على الوجوه المتقدمة.
واللام للتعليل.
والقوم: قريش والعرب، فهم المخاطبون ابتداءً بالدين وكلهم لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم وأما إبراهيم واسماعيل عليهما السلام فكانا نذيرين حين لم تكن قبيلة قريش موجودة يومئذ ولا قبائل العرب العدنانية، وأما القحطانية فلم يرسل إليهم إبراهيم لأن اشتقاق نسب قريش كان من عدنان وعدنان بينه وبين إسماعيل قرون كثيرة.
وإنما اقتصر على قريش أو على العرب دون سائر الأمم التي بعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم لأن المنة عليهم أوفى إذ لم تسبق لهم شريعة من قبل فكان نظامهم مختلاً غير مشوب بإثارة من شريعة معصومة، فكانوا في ضرورة إلى إرسال نذير، وللتعريض بكفرانهم هذه النعمة، وليس في الكلام ما يقتضي تخصيص النذارة بهم ولا ما يقتضي أن غيرهم ممن أنذرهم محمد صلى الله عليه وسلم لم يأتهم نذير من قبله مثل اليهود والنصارى وأهل مدين.
وفي قوله ﴿ لتنذر ﴾ مع قوله ﴿ ما أتاهم من نذير ﴾ إشارة إلى أنهم بلغوا بالكفر حداً لا يتجاوزه حلم الله تعالى.
والتذكر: هو النظر العقلي في الأسباب التي دعت إلى حكمة إنذارهم وهي تناهي ضلالهم فوق جميع الأمم الضالة إذ جمعوا إلى الإشراك مفاسد جمة من قتل النفوس، وارتزاق بالغارات وبالمقامرة، واختلاط الأنساب، وانتهاك الأعراض.
فوجب تذكيرهم بما فيه صلاح حالهم.
وتقدم آنفاً نظير قوله ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ﴾ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ، وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ ﴿ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُودِيَ يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ اسْتَجَبْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي وأعْطَيْتُكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
الثّانِي: أنَّهم نُودُوا في أصْلابِ آبائِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِكَ إذا بُعِثْتَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ وَلَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما نُودِيَ بِهِ مُوسى مِن جانِبِ الطُّورِ مِن ذِكْرِكَ نِعْمَةٌ مِن رَبِّكَ.
الثّانِي: أنَّ إرْسالَكَ نَبِيًّا إلى قَوْمِكَ نِعْمَةٌ مِن رَبِّكَ.
﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي العَرَبَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تدعوني.
وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «إن رب العزة نادى يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي» ثم أنزل هذه الآية في سورة موسى وفرعون ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل وأبو نصر السجزي في الابانة والديلمي عن عمرو بن عبسة قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك ﴾ ما كان النداء؟
وما كانت الرحمة؟
قال: «كتاب كتبه الله قبل أن يخلق خلقه بألفي عام، ثم وضعه على عرشه، ثم نادى: يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدي ورسولي صادقاً أدخلته الجنة» .
وأخرج الحلي في الديباج عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعاً، مثله.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته قبل أن يسألني.
وذلك في قوله: ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: نودوا يا أمة محمد ما دعوتمونا إلا استجبنا لكم، ولا سألتمونا إلا أعطيناكم» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما قرب الله موسى إلى طور سينا نجينا قال: أي رب هل أحد أكرم عليك مني؟
قربتني نجيا، وكلمتني تكليماً، قال: نعم.
محمد أكرم علي منك.
قال: فإن كان محمد أكرم عليك مني فهل أمة محمد أكرم من بني إسرائيل؟
فلقت لهم البحر، وأنجيتهم من فرعون وعمله، وأطعمتهم المن والسلوى.
قال: نعم.
أمة محمد أكرم علي من بني إسرائيل.
قال: إلهي أرنيهم قال: إنك لن تراهم، وإن شئت أسمعتك صوتهم.
قال: نعم.
إلهي فنادى ربنا: أمة محمد أجيبوا ربكم، فاجابوا وهم في أصلاب آبائهم، وأرحام امهاتهم إلى يوم القيامة.
فقالوا: لبيك...
أنت ربنا حقاً، ونحن عبيدك حقاً، قال: صدقتم، وأنا ربكم وأنتم عبيدي حقاً قد غفرت لكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، فمن لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أراد أن يمن عليه بما اعطاه وبما أعطى امته فقال: يا محمد ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نصر السجزي في الابانة عن مقاتل ﴿ وما كنت بجانب الطور ﴾ يقول: وما كنت أنت يا محمد بجانب الطور إذ نادينا أمتك وهم في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: إذ نادينا موسى ﴿ ولكن رحمة من ربك ﴾ أي مما قصصنا عليك.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ ﴾ قال مقاتل: يعني: بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليمًا (١) ﴿ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ قال ابن عباس: إن الله تعالى وتبارك نادى: يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني.
ونحو هذا روي عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير موقوفًا عليه (٢) (٣) قال وهب: وذلك أن موسى لما ذكرَ الله له فضل محمد وأمته، قال: يا رب أرينيهم، قال الله: إنك لن تدركهم، وإن شئت ناديتُ أمته فأسمعتُك صوتَهم، قال: بلى يا رب، فقال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم، ثم قال الله تعالى: قد أجبتكم قبل أن تدعوني (٤) وقال مقاتل بن حيان: ﴿ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ أمتك وهم في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بُعثتَ (٥) وقال السدي: ﴿ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ موسى (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ ولكن رحمناك رحمة بإرسالك، والوحي إليك (٨) قال الزجاج: المعنى: فعلنا ذلك للرحمة، كما تقول: فعلت ذلك ابتغاء الخير، فهو مفعول له (٩) وقال مقاتل: يقول: ولكن كان (١٠) ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ (١١) (١٢) ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يتعظون (١٣) (١) "تفسير مقاتل" 66 ب.
(٢) أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، رفع الحديث هكذا في تفسير عبد الرزاق.
وأخرج ابن جرير 20/ 81، والثعلبي 8/ 148 ب، من كلام أبي زرعة.
وأبو زُرعة، قيل اسمه: هرم، وقيل: عمرو، وقيل غير ذلك، ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البَجلي، الكوفي، من الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين، ثقة.
"سير أعلام النبلاء" 5/ 8، و"تقريب التهذيب" 1148.
ولا يصح رفع هذا الحديث كما هي رواية عبد الرزاق لأنه برفعه يكون الحديث مرسلاً.
والصواب: وقفه، كما قال الواحدي.
والله أعلم.
(٣) أخرجه النسائي في "تفسيره" 2/ 143، رقم: 401، موقوفًا على أبي هريرة من طريق أبي زرعة، وكذا الحاكم 2/ 443، رقم: 3535، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.
ومن طريق أبي زرعة أخرجه ابن جرير 20/ 81، عن أبي هريرة - -.
(٤) "تفسير الثعلبي" 8/ 148 ب، من كلام وهب بن منه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2983.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2984، عن قتادة.
(٧) "تفسير مقاتل" 66 ب.
(٨) قال الأخفش: فنصب ﴿ رَحْمَتَ ﴾ على: ولكن رحمك ربك رحمة.
"معاني القرآن" 2/ 653.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 147.
(١٠) كان.
ساقطة من نسخة (ج).
(١١) "تفسير مقاتل" 66 ب.
(١٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 148 ب.
(١٣) "تنوير المقباس" 327.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ يعني تكليم موسى، والمراد بذلك إقامة حجة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لإخباره بهذه الأمور مع أنه لم يكن حاضراً حينئذ ﴿ ولكن رَّحْمَةً ﴾ انتصب على المصدر، أو على أنه مفعول من أجله والتقدير: ولكن أرسلناك رحمة منا لك ورحمة للخلق بك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سحران ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ بالتخفيف اتفاقاً ﴿ تجبى إليه ﴾ بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.
الباقون على التذكير ﴿ يعقلون ﴾ بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير ﴿ ثم هو ﴾ بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون ﴿ تبرأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .
الوقوف: ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ العمر ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ آياتنا ﴾ ج لما مر ﴿ مرسلين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ما أوتي موسى ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل ﴿ تظاهرا ﴾ ج للتعجب من عنادهم ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أهواهم ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ﴿ عليكم ﴾ ط لذلك ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ أرضنا ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ معيشتها ﴾ ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ آياتنا ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وزينتها ﴾ ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين ﴿ وأبقى ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ أغوينا ﴾ ج ﴿ غوينا ﴾ ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل ﴿ إليك ﴾ ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ج لجواز تعلق "لو" بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ ﴿ يهتدون ﴾ والوقف على ﴿ لهم ﴾ أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ لا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحين ﴾ ه ﴿ ويختار ﴾ ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد ﴿ الخيرة ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ز لعطف الجمل ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا فذكر أوّلاً أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب أنواراً للقلوب وإرشاداً لأهل الضلال وسبباً لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي التذكر إلى موسى.
ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ اي بجانب المكان الواقع في شق الغرب وهو ناحية الشأم التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء.
﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ على ذلك فقد يكون الشخص حاضراً ولا يكون شاهداً ولا مشاهداً.
قال ابن عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى.
ثم قال ﴿ ولكنا أنشأنا ﴾ بعد عهد موسى إلى عهدك ﴿ قروناً فتطاول عليهم العمر ﴾ فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى آخرهم قرناً وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء.
وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوّتك.
ثم فصل ما أجمل فذكر أوّل أمر موسى وبين أنه لم يكن هناك وهو قوله ﴿ وما كنت ثاوياً ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ وهم شعيب والمؤمنون به ﴿ تتلوا عليهم آياتنا ﴾ قال مقاتل: أي لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا ارسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها.
وقال الضحاك: يقول يا محمد: إنك لم تكن رسولاً إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ في كل زمان رسولاً فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.
ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه.
وعن بعض المفسرين أنه اراد قوله ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ﴾ إلى قوله ﴿ المفلحون ﴾ وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني.
قال: وإنما قال الله ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه.
وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد قال: يا رب أرنيهم.
قال: إنك لن تردكهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم.
قال: بلى يا رب.
فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال : أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس.
وروى سهل بن سعد أن رسول الله قال في قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: "كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة" .
قوله ﴿ ولكن رحمة ﴾ أي ولكنا علمناك ﴿ رحمة من ربك ﴾ ثم فسر الرحمة بقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة.
وقيل: كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة.
قوله ﴿ ولولا أن تصيبهم ﴾ هي امتناعية وجوابها محذوف.
والفاء في قوله ﴿ فيقولوا ﴾ للعطف على أن تصيبهم، وقوله ﴿ لولا أرسلت ﴾ هي تخصيصية.
والفاء في ﴿ فنتبع ﴾ جواب "لولا"، وذلك أن التخصيص في حكم الأمر لأن كلاً منهما بعث على الفعل.
والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم.
والحاصل أن إرسال الرسول لجل إزالة هذا العذر.
قال اصحاب اليبان: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها "لولا" وجيء بالقول معطوفاً عليها بفاء السببية تنبيهاً على أنهم لو لم يعاقبوا على كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فالسبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا يبان استحكام كفرهم وتصميمهم.
قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت.
وقال الكعبي: فيه دليل على أنه يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله .
وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان موقوفاً على خلق الله فأيّ فائدة في قولهم هذا.
ومعارضة الأشاعرة بالعلم والداعي معلومة.
ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا مقصود لهم إلا العناد فقال ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ اي الرسول المصدّق بالكتاب المعجز ﴿ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ من الكتاب المنزل جملة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم يكفروا ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى فقال : ﴿ أولم يكفروا ﴾ هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك الآيات الباهرة.
والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر والعنت.
وقال الكلبي: إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول اليهود قالوا: إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر فقال الله في حقهم ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ﴾ .
وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا أي تعاونا.
وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فـ ﴿ قالوا ساحران ﴾ والأظهر أن كفار مكة وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات.
ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال الله تعالى: ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟
فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت.
من قرأ ﴿ ساحران ﴾ بالألف فظاهر، وأما من قرأ ﴿ سحران ﴾ فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو القرآن والتوراة.
وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم اشبه منها بالكتب.
وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوّي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار.
وفي تكرار ﴿ قالوا ﴾ وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة ﴿ وقالوا إنا بكل ﴾ من موسى ومحمد أو بكل من الكتابين ﴿ كافرون ﴾ مرة.
وثانيهما أن يكون قوله ﴿ وقالوا ﴾ معطوفاً على ﴿ أولم يكفروا ﴾ ثم عجزهم بقوله ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ اي مما أنزل على موسى ومما أنزل عليّ.
قال ابن عباس ﴿ فإِن لم يستجيبوا لك ﴾ معناه فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج.
وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما.
وهذا اشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا.
ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم.
وإنما لم يقل "فإن لم يأتوا" لأن قوله ﴿ فأتوا ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى.
وفي قوله ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه ﴾ حال كونه ﴿ بغير هدى من الله ﴾ إشارة إلى فساد طريقة التقليد.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ اي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله خاصة بالمؤمن.
وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها مالا يحسن إلا بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذراً لهم.
ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله ﴿ ولقد وصلنا ﴾ أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متصلاً بعضه في أثر بعض ليكون ذلك اقرب إلى التذكر والتذكير والتنبيه فإِنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة جديدة.
ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً ووعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً إلى غير ذلك من معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا.
ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى.
وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله ﴾ أي من قبل القرآن ﴿ هم به يؤمنون ﴾ قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام.
وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من ارض الحبشة في السفينة، وثمانية جاؤا من الشام.
وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم.
والتحقيق أن كل من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلاً في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ تعليل للإٍيمان به لأن كونه حقاً من الله يوجب الإيمان به.
وقوله ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوا في كتب الأنبياء من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل وجوده ونزوله.
وفي قوله ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أقوال بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعث ثم اثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.
﴿ ويدرؤن بالحسنة ﴾ وهي الطاعة ﴿ السيئة ﴾ وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى.
يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.
وقال السدي: عاب اليهود عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم.
مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم بالتحمل والتواضع.
وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك ﴿ أعرضوا عنه وقالوا ﴾ لأهل ذلك اللغو ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا نسخ.
ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله.
قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في ابي طالب وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟
قال: فما تريد يا ابن أخي؟
قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله.
قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند الموت.
وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله ﴿ وهم ينهون وينأون عنه ﴾ .
واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله ﴿ وانك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة ههنا معلوم.
وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم ﴿ قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله : أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ وبين مزيته بقوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ قالوا: الكل ههنا بمعنى الأكثر.
قلت: يحتمل أن يكون على أصله.
وانتصب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مصدر لأن ﴿ يجبى ﴾ بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله.
وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة.
وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى.
ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله .
وفي الآية دلالة على صحة المحاجة.
لإزالة شبهة المبطلين.
قالت الشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على ايدي الناس وقد اضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن افعال العباد مستندة إلى الله.
ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بحديث آخر مخلوط بالوعيد.
وانتصب ﴿ معيشتها ﴾ بنزع الخافض كقوله ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أو على أنه ظرف مكان مجازاً كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله فيه.
ومعنى ﴿ إلا قليلاً ﴾ قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة.
ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً.
﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ كقوله ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ لأنه الباقي بعد فناء خلقه.
ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟
فقال ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ﴾ اي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها ﴿ رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة.
قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد خاتم الأنبياء.
وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن.
ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا.
فبين بقوله ﴿ وما أوتيتم من شيء ﴾ الآية.
أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم.
ونبه على جهلهم بقوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير.
نظير الاية قوله "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" .
قال البرهان: إنما السورة "وما أوتيتم" الواو وفي الشورى ﴿ فما أوتيتم ﴾ بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف.
وإنما زاد في هذه السورة ﴿ وزينتها ﴾ .
لأن المراد ههنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع مالا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة.
وأما في "الشورى" فلم يقصد الاستيعاب بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر الزينة.
ثم زاد البيان المذكور تأكيداً بقوله ﴿ افمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه ﴾ لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا محالة.
وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع الحياة الدنيا يسوّي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟
ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة ﴾ تراخي حال الإِحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن وقته.
وتخصيص لفظ ﴿ المحضرين ﴾ بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن.
قال الله ﴿ لكنت من المحضرين ﴾ ﴿ فإنهم لمحضرون ﴾ ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعاراً به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإِلزام وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة.
قيل: نزلت في النبي وأبي جهل.
وقيل: في علي وحمزة وأبي جهل.
وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة.
ثم ذكر من وصف القيامة قائلاً ﴿ ويوم يناديهم ﴾ أي فاذكر ذلك اليوم.
ومعنى الاستفهام في ﴿ أين ﴾ التوبيخ والتهكم.
ومفعولا ﴿ تزعمون ﴾ محذوفان تقديره تزعمونهم شركائي.
﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم الشياطين ورؤساء الكفر.
و ﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ الذين أغوينا ﴾ صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر ﴿ أغويناهم ﴾ والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا.
قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضاً أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا.
وقالت المعتزلة: يعنون أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن أغواءنا ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال فيكون كما حكي عن الشيطان ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ﴾ ثم قالوا ﴿ تبرأنا إليك ﴾ منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة.
وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى.
وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذاراً ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم وهو قوله: ﴿ وقيل ادعوا شركاءهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ زعم جم غفير من المفسرين أن جواب "لو" محذوف.
فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.
وقيل: اراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئاً ولكنهم صاروا مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئاً فلا جرم ما رأوه.
وقيل: الضمير للأصنام أي كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب.
وقيل: "لو" للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين.
ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.
ومعنى ﴿ عميت عليهم الأنباء ﴾ أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسال بعض الناس بعضاً في المشكلات لأنهم متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ فما ظنك بضلال أممهم؟!
قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك.
وكذا القول فيما تقدّم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك فيّ الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية والعذر ظاهراً.
وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي.
والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت.
وزيفه الأشعري بأن الكافر لو اورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً.
ولقائل أن يقول: السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت.
وحين فرغ من توبيخ الكفار وتهديدهم اتبعة ذكر التائبين وأنهم من المفلحين.
و"عسى" من الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب.
ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى وهي قولهم ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ فأجاب الله عنها بقوله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ لأنه المالك المطلق المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء.
وعلى مذهب المعتزلة هو حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير.
وقوله ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ بيان لقوله ﴿ ويختار ﴾ والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم "محمد خيرة الله من خلقه".
وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على ﴿ ما يشاء ﴾ ثم يقول ﴿ ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، واي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله.
فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك الأفضل لا يحصل فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة.
ثم قولهم "المستحق خير من المتفضل به" ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟
قلت: لقائل أن يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر.
ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ والغرض أن الخلق والاختيار والإِعزاز والإِذلال والإِهانة والإِجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.
ثم اكد ذلك بقوله ﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم ﴾ من عداوة نبيه ﴿ وما يعلنون ﴾ من مطاوعتهم فيه.
ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية.
و ﴿ لا إله إلا هو ﴾ تقرير لما قبله ﴿ له الحمد في ﴾ الدار ﴿ الأولى ﴾ على نعمه الفائضة على البر والفاجر ﴿ و ﴾ في الدار ﴿ الآخرة ﴾ كقولهم ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف.
قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.
والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس.
قال القاضي: إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر.
وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب.
ولقائل أن يقول: لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف.
ثم بين بقوله ﴿ وله الحكم ﴾ أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم ابيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه.
التأويل: ﴿ ولقد آتينا موسى ﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿ إذ قضينا إلى موسى ﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ وما كنت في عالم الشهادة ﴿ ولكنا أنشأنا قروناً ﴾ في عالم الشهادة ﴿ فتطاول عليهم العمر ﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿ وما كنت ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم.
ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ يعني محمداً.
وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿ لولا أوتي مثل ما أوتي ﴾ لولم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿ بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ﴾ ﴿ الذين آتيناهم ﴾ حقيقة ﴿ الكتاب ﴾ في عالم الأرواح ﴿ من قبل ﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿ هم به يؤمنون ﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ ولذلك قال ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أي في العالمين ﴿ بما صبروا ﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ ويدرؤن ﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ ومما رزقناهم ﴾ من الوجود المجازي ﴿ ينفقون ﴾ في طلب الوجود الحقيقي: ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو طلب ماسوى الله ﴿ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ في طلب الفاني ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح ابداً، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ وقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ الذين اصابهم رشاش النور ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ﴾ بجذبات الألوهية من ارض الأنانية ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ في مقام الهوية ﴿ يجبى إليه ثمرات ﴾ حقائق ﴿ كل شيء رزقاً ﴾ من العلوم اللدنية ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ذوق العلم اللدني ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً ﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿ إلا قليلاً ﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ اي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿ رسولاً ﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى "تجوّع ترنى تجرد تصل إلي" ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿ فبما أغويتني ﴾ أي ﴿ أغويناهم ﴾ بتقديريك ﴿ كما أغوينا ﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ ورأوا العذاب ﴾ يعني ﴿ لو كانوا يهتدون ﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ ﴾ من نحو عاد، وثمود، وهؤلاء الذين كانوا من قبل من الأمم، أي: أرسلناه بعد هلاك من ذكر؛ حتى يعتبر الناس، يشبه أن يكون قوله: ﴿ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ ﴾ أي: هلاك من ذكر من القرون الأولى بصيرة وعبرة لمن يكون من بعدهم؛ لينزجروا بذلك عن تكذيب الرسل، ويكون ذلك آية لرسالة موسى.
والثاني: أن يكون قوله: ﴿ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ أي: الذي آتاه الله موسى هو بصائر وهدى ورحمة لهم إذا قبلوه واتبعوه وعملوا به، وكذلك كان جميع كتب الله هدى ورحمة وبصيرة لمن آمن بها وعمل بها.
وجائز أن يكون هذا جواباً وصلة لقولهم: ﴿ مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ ﴾ \[المؤمنون: 24\] يقول - والله أعلم -: إنكم لا تسمعون ذلك في آبائكم الذين اتبعوا رسلهم، فأجابوهم، فأما من كذبوهم فإنا أهلكناهم بتكذيبهم الرسل واستأصلتهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ ﴾ قال بعضهم: جانب الغربي: حيث تغرب الشمس والقمر والنجوم، والشرقي: حيث تشرق وتطلع.
وقال بعضهم: بجانب الغربي، أي: بجانب الوادي الغربي، والله أعلم ما أراد به.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ ...
وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ أي: مقيماً ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أنك لم تكن شاهداً هذه المشاهدة التي شهدها موسى حيث قضينا إلى موسى الأمر بجانب الغربي، ولم تكن شاهداً هنالك، وما كنت في أهل مدين ثاوياً حتى تعلم أمر موسى وحينه، وما كنت بجانب الطور حيث نادى: يا موسى ونحوه؛ أي: لم تكن شاهداً هذه المشاهدة التي كان موسى شاهداً فيها، ثم أعلمناك بتلك الأنباء والأخبار على ما كانت لتتلو تلك الأنباء والأخبار على أهل مكة؛ فتكون آية لنبوتك، وحجة لرسالتك؛ إذ لم تشهدها ولا اختلفت إلى أحد ممن يعرفها فعلمك، ثم أنبأت على ما كانت؛ ليعرفوا أنك إنما عرفت بالله .
والثاني: يحتمل أن يذكر هذا له امتناناً عليه ليتأدى به شكره؛ لأنه ذكر أنه أوحى إلى موسى، وذكر محمداً وأمته في شرفه حتى تمنى موسى أن يجعل من أمته.
يقول - والله أعلم -: لم تكن أنت شاهداً في هذه المشاهد فذكرتك ثمة وأمتك.
أو أن يذكر هذا له على الاختصاص له؛ ليعرف أن أمر الرسل والوحي إليهم على الاختصاص لهم من الله، لا بأمر كان منهم.
على هذه الوجوه الثلاثة يحتمل أن يخرج تأويل ما ذكر له.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ ﴾ ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ يقول لمحمد: لم تعاين هذا ولم تشهده، وإنما هو شيء أنزلناه عليك لتتلوه على أهل مكة.
وقوله: ﴿ وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ ﴾ هذا ليس بصلة الأول، ولكن على الابتداء؛ يقول - والله أعلم -: لكنا أنشأنا قروناً بعد انقراض الرسل، ودروس أعلامهم وآثارهم، وتطاول العهد والعمر، ثم بعثناك فيهم رسولا؛ لتحيي به آثارهم، وتظهر فيهم سننهم وأعلامهم ورحمة منا إليهم، وهو ما قال في آخره: ﴿ وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ أي: أرسلنا إياك رحمة منا لهم، وهو ما قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ أو أن يكون قوله: ﴿ وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ أي: ما أنبأك وأعلمك من أنباء موسى وأخباره، حيث لم تشهدها من رحمة ربك، حيث جعلها آية لنبوتك، وحجة لرسالتك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لتنذر قوماً ما أنذر به الرسل الذين من قبلك قومهم.
والثاني: لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون، أي: على رجاء التذكر تنذرهم.
أو أن يكون ذلك خاصة لمن تذكر إذا كان على الإيجاب.
<div class="verse-tafsir"
وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى وأوحينا إليه ما أوحينا حتَّى تخبر بذلك، ولكن أرسلناك رحمة من ربك للناس، فأوحينا إليك خبر ذلك لتنذر قومًا ما جاء رسول من قبلك ينذرهم لعلهم يتعظون، فيؤمنون بما جئتهم به من عند الله سبحانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.Ke7LD"