الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٥٨ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٨ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى معرضا بأهل مكة في قوله : ( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ) أي : طغت وأشرت وكفرت نعمة الله ، فيما أنعم به عليهم من الأرزاق ، كما قال في الآية الأخرى : ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون .
ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ) [ النحل 112 ، 113 ] ولهذا قال : ( فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ) أي : دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم .
وقوله : ( وكنا نحن الوارثين ) أي : رجعت خرابا ليس فيها أحد .
وقد ذكر ابن أبي حاتم [ هاهنا ] عن ابن مسعود أنه سمع كعبا يقول لعمر : إن سليمان عليه السلام قال للهامة - يعني البومة - ما لك لا تأكلين الزرع ؟
قالت : لأنه أخرج آدم بسببه من الجنة .
قال : فما لك لا تشربين الماء ؟
قالت : لأن الله أغرق قوم نوح به .
قال : فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب ؟
قالت : لأنه ميراث الله عز وجل ، ثم تلا ( وكنا نحن الوارثين ) .
القول في تأويل قوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) يقول تعالى ذكره: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ) أبطرتها( مَعِيشَتَهَا ) فبطرت, وأشِرت, وطَغَت, فكفرت ربها.
وقيل: بطرت معيشتها, فجعل الفعل للقرية, وهو في الأصل للمعيشة, كما يقال: أسفهك رأيك فَسفِهته, وأبطرك مالك فبطرته, والمعيشة منصوبة على التفسير.
وقد بيَّنا نظائر ذلك في غير موضع من كتابنا هذا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ) قال: البطر: أَشَرُ أهل الغفلة وأهل الباطل والركوب لمعاصي الله, وقال: ذلك البطر في النعمة ( فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا ) يقول: فتلك دور القوم الذين أهلكناهم بكفرهم بربهم، ومنازلهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا يقول: خربت من بعدهم, فلم يعمر منها إلا أقلها, وأكثرها خراب.
ولفظ الكلام وإن كان خارجا على أن مساكنهم قد سُكِنت قليلا فإن معناه: فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا منها, كما يقال: قضيت حقك إلا قليلا منه.
وقوله: ( وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) يقول: ولم يكن لما خرّبنا من مساكنهم منهم وإرث, وعادت كما كانت قبل سُكناهم فيها, لا مالك لها إلا الله, الذي له ميراث السماوات والأرض.
[ ص: 276 ] قوله تعالى : وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها بين لمن توهم أنه لو آمن لقاتلته العرب أن الخوف في ترك الإيمان أكثر ، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار ، والبطر والطغيان بالنعمة ; قاله الزجاج .
معيشتها أي في معيشتها فلما حذف ( في ) تعدى الفعل ; قاله المازني .
الزجاج كقوله : واختار موسى قومه سبعين رجلا الفراء : هو منصوب على التفسير .
قال : كما تقول : أبطرت مالك وبطرته ونظيره عنده : إلا من سفه نفسه وكذا عنده : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ونصب المعارف على التفسير محال عند البصريين ; لأن معنى التفسير والتمييز أن يكون واحدا نكرة يدل على الجنس .
وقيل : انتصب ب ( بطرت ) ومعنى : ( بطرت ) جهلت ; فالمعنى : جهلت شكر معيشتها .فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا أي لم تسكن بعد إهلاك أهلها إلا قليلا من المساكن وأكثرها خراب والاستثناء يرجع إلى المساكن ، أي بعضها يسكن ; قاله الزجاج واعترض عليه ; فقيل : لو كان الاستثناء يرجع إلى المساكن لقال : إلا قليل ; لأنك تقول : القوم لم تضرب إلا قليل ، ترفع إذا كان المضروب قليلا ، وإذا نصبت كان القليل صفة للضرب ; أي لم تضرب إلا ضربا قليلا ، فالمعنى إذا : فتلك مساكنهم لم يسكنها إلا المسافرون ومن مر بالطريق يوما أو بعض يوم أي لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا .
وكذا قال ابن عباس : لم يسكنها إلا المسافر أو مار الطريق يوما أو ساعة وكنا نحن الوارثين أي لما خلفوا بعد هلاكهم .
وإياهم وتكذيبه، والبطر بنعمة الله، فيبدلوا من بعد أمنهم خوفا، وبعد عزهم ذلا، وبعد غناهم فقرا، ولهذا توعدهم بما فعل بالأمم قبلهم، فقال:{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أي: فخرت بها، وألهتها، واشتغلت بها عن الإيمان بالرسل، فأهلكهم اللّه، وأزال عنهم النعمة، وأحل بهم النقمة.
{ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا } لتوالي الهلاك والتلف عليهم، وإيحاشها من بعدهم.{ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } للعباد، نميتهم، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم، ثم نعيدهم إلينا، فنجازيهم بأعمالهم.
قوله - عز وجل - : ( وكم أهلكنا من قرية ) أي من أهل قرية ، ( بطرت معيشتها ) أي : في معيشتها ، أي : أشرت وطغت ، قال عطاء : عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام ، ( فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : لم يسكنها إلا المسافرون ومار الطريق يوما أو ساعة ، معناه : لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا .
وقيل : معناه : لم يعمر منها إلا أقلها وأكثرها خراب ، ( وكنا نحن ، الوارثين ) " إنا نحن نرث الأرض ومن عليها " ( مريم - 40 ) .
«وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها» عيشها وأريد بالقرية أهلها «فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا» للمارة يوماً أو بعضه «وكنا نحن الوارثين» منهم.
وكثير من أهل القرى أهلكناهم حين أَلْهَتهم معيشتهم عن الإيمان بالرسل، فكفروا وطغَوْا، فتلك مساكنهم لم تُسكن من بعدهم إلا قليلا منها، وكنا نحن الوارثين للعباد نميتهم، ثم يرجعون إلينا، فنجازيهم بأعمالهم.
ثم بين - سبحانه - الأسباب الحقيقية التى تؤدى إلى زوال النعم ، التى من بينها نعمة الأمان والاطمئنان ، فقال - تعالى - : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ) .وكم هنا خبرية للتكثير ، و ( بَطِرَتْ ) من البطر ، بمعنى الأشر والغرور واستعمال نعم الله - تعالى - فى غير ما خلقت له .أى : وكثيرا من أهل قرى كانت أحوالهم كحال أهل مكة فى الأمن وسعة الرزق ، فلما بطروا معيشتهم ، واستعملوا نعمنا فى الشر لا فى الخير ، وفى الفسوق لا فى الطاعة ، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، بأن دمرناهم وقراهم تدميرا .إذاً فبطر النعمة وعدم الشكر عليها ، هو السبب الحقيقى فى الهلاك ، وليس اتباع الهدى ، كما زعم أولئك المشركون الجاهلون .قال القرطبى : " بين - سبحانه - لمن توهم ، أنه لو آمن لقاتلته العرب وتخطفته ، أن الخوف فى ترك الإيمان أكثر ، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار .
والبطر : الطغيان بالنعمة " .و ( مَعِيشَتَهَا ) أى : فى معيشتها ، فلما حذف " فى " تعدى الفعل ، كما فى قوله - تعالى - : ( واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً )ثم بين - سبحانه - مآل مساكن هؤلاء الطاغين فقال : ( فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً ) .أى : فتلك مساكن هؤلاء الطغاة ترونها يا أهل مكة فى أسفاركم - إنها لم تسكن من بعدهم إلا زمانا قليلا ، كالذى يرتاح بها وهو مسافر ثم يتركها إلى غير عودة إليها ، لأنها صارت غير صالحة لذلك لشؤمها .( وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين ) أى : وكنا نحن وحدنا الوارثين لها منهم ، لأنهم لم يتركوا أحدا يرث منازلهم وأموالهم ، أو لأنها صارت خرابا لا تصلح للسكن .
اعلم أن هذا هو الجواب الثاني: عن تلك الشبهة، وذلك لأنه تعالى لما بين لأهل مكة ما خصوا به من النعم أتبعه بما أنزله الله تعالى بالأمم الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا، فلما كذبوا الرسل أزال الله عنهم تلك النعم والمقصود أن الكفار لما قالوا إنا لا نؤمن خوفاً من زوال نعمة الدنيا، فالله تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم، لا الإقدام على الإيمان، قال صاحب الكشاف: البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه وانتصبت معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ أو بتقدير حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها، وإما تضمين بطرت معنى كفرت.
فأما قوله: ﴿ فَتِلْكَ مساكنهم لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ففي هذا الاستثناء وجوه: أحدها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوماً أو ساعة.
وثانيها: يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها، وإذا لم يبق للشيء مالك معين قيل إنه ميراث الله لأنه الباقي بعد فناء خلقه، ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه أهلك تلك القرى بسبب بطر أهلها، فكأن سائلاً أورد السؤال من وجهين: الأول: لماذا ما أهلك الله الكفار قبل محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا مستغرقين في الكفر والعناد؟
الثاني: لماذا ما أهلكهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب عن السؤال الأول بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى حتى يَبْعَثَ فِي أُمّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا ﴾ وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة، ثم ذكر المفسرون وجهين: أحدهما: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى حتى يَبْعَثَ فِي أُمّهَا رَسُولاً ﴾ أي في القرية التي هي أمها وأصلها وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها رسولاً لإلزام الحجة وقطع المعذرة الثاني: وما كان ربك مهلك القرى التي في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعني مكة رسولاً وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، ومعنى: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا ﴾ يؤدي ويبلغ، وأجاب عن السؤال الثاني بقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون ﴾ أنفسهم بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمناً.
<div class="verse-tafsir"
هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن وخفض العيش، فغمطوا النعمة وقابلوها بالأشر والبطر، فدمّرهم الله وخرّب ديارهم.
وانتصبت ﴿ مَعِيشَتَهَا ﴾ إمّا بحذف الجار وإيصال الفعل، كقوله تعالى: ﴿ واختار موسى قومه ﴾ [الأعراف: 155] وإمّا على الظرف بنفسها، كقولك: زيد ظني مقيم.
أو بتقدير حذف الزمان المضاف، أصله: بطرت أيام معيشتها، كخفوق النجم، ومقدم الحاج: وإمّا بتضمين ﴿ بَطِرَتْ ﴾ معنى: كفرت وغمطت.
وقيل: البطر سوء احتمال الغنى: وهو أن لا يحفظ حق الله فيه ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ من السكنى.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة ويحتمل أنّ شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلاً ﴿ وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين ﴾ لتلك المساكن من ساكنيها، أي: تركناها على حال لا يسكنها أحد، أو خرّبناها وسوّيناها بالأرض.
تَتَخَلَّفُ الآثَارُ عَنْ أَصْحَابِهَا ** حِيناً وَيُدْرِكُهَا الْفَنَاءُ فَتَتْبَعُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها ﴾ أيْ وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانَتْ حالُهم كَحالِهِمْ في الأمْنِ وخَفْضِ العَيْشِ حَتّى أشِرُوا فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وخَرَّبَ دِيارَهم.
﴿ فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ ﴾ خاوِيَةٌ.
﴿ لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا ﴾ مِنَ السُّكْنى إذْ لا يَسْكُنُها إلّا المارَّةُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، أوْ لا يَبْقى مَن يَسْكُنُها مِن شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ.
﴿ وَكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ ﴾ مِنهم إذْ لَمْ يَخْلُفُهم أحَدٌ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهم في دِيارِهِمْ وسائِرِ مُتَصَرَّفاتِهِمْ، وانْتِصابُ ( مَعِيشَتَها ) بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ بِجَعْلِها ظَرْفًا بِنَفْسِها كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ ظَنِّي مُقِيمٌ، أوْ بِإضْمارِ زَمانٍ مُضافٍ إلَيْها أوْ مَفْعُولًا عَلى تَضْمِينِ بَطِرَتْ مَعْنى كَفَرَتْ.
﴿ وَما كانَ رَبُّكَ ﴾ وما كانَتْ عادَتُهُ.
﴿ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها ﴾ في أصْلِها الَّتِي هي أعْمالُها، لِأنَّ أهْلَها تَكُونُ أفْطَنَ وأنْبَلَ.
﴿ رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ﴾ لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ.
﴿ وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ ﴾ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ والعُتُوِّ في الكُفْرِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم بإنعام الله عليهم فلم يشكروا النعمة وقابلوها بالبطر فأهلكوا وكم نصب أهلكنا ومعيشتها بحذف الجار وإيصال الفعل أي في معيشتها والبطر سوء احتمال الغني وهو أن لا يحفظ حق الله فيه {فَتِلْكَ مساكنهم} منازلهم باقية الآثار يشاهدونها في الأسفار كبلاد ثمود وقوم شعيب وغيرهم {لَمْ تُسْكَن} حال والعامل فيها الإشارة {مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً} من السكنى أي لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوماً أو ساعة {وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين} لتلك المساكن من ساكنيها أي لا يملك التصرف فيها غيرنا
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ خَوْفَهم مِنَ النّاسِ بَيَّنَ أنَّهم أحِقّاءُ بِالخَوْفِ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها ﴾ أيْ وكَثِيرًا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانَتْ حالُهم كَحالِ هَؤُلاءِ في الأمْنِ وخَفْضِ العَيْشِ والدَّعَةِ حَتّى بَطِرُوا واغْتَرُّوا ولَمْ يَقُومُوا بِحَقِّ النِّعْمَةِ فَدَمَّرْنا عَلَيْهِمْ وخَرَّبْنا دِيارَهم ﴿ فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ ﴾ الَّتِي تَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِكم كَحِجْرِ ثَمُودَ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا حالَ كَوْنِها.
﴿ لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ مِن بَعْدِ تَدْمِيرِهِمْ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ أيْ إلّا زَمانًا قَلِيلًا إذْ لا يَسْكُنُها إلّا المارَّةُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ أوْ إلّا سَكَنًا قَلِيلًا وقِلَّتُهُ بِاعْتِبارِ قِلَّةِ السّاكِنِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَسْكُنْها مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلٌ مِنَ النّاسِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ المَساكِنِ أيْ إلّا قَلِيلًا مِنها سُكِنَ وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿ وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ ﴾ مِنهم إذْ لَمْ يَخْلُفْهم أحَدٌ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهم في دِيارِهِمْ وسائِرِ ذاتِ أيْدِيهِمْ، وفي الكَشّافِ أيْ تَرَكْناها عَلى حالٍ لا يَسْكُنُها أحَدٌ أوْ خَرَّبْناها وسَوَّيْناها بِالأرْضِ وهو مُشِيرٌ إلى أنَّ الوِراثَةَ إمّا مُجَرَّدُ انْتِقالِها مِن أصْحابِها وإمّا إلْحاقُها بِما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في البَدْءِ فَكَأنَّهُ رَجَعَ إلى أصْلِهِ ودَخَلَ في عِدادِ خالِصِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما كانَ أوَّلًا وهَذا مَعْنى الإرْثِ، وانْتِصابُ مَعِيشَتَها عَلى التَّمْيِيزِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، أوْ مُشَبَّهٌ بِالمَفْعُولِ بِهِ عَلى مَذْهَبِ بَعْضِهِمْ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَضْمِينِ بَطِرَتْ مَعْنى فِعْلَ مُتَعَدٍّ أيْ كَفَرَتْ مَعِيشَتَها ولَمْ تَرْعَ حَقَّها عَلى مَذْهَبِ أكْثَرِ البَصْرِيِّينَ أوْ عَلى إسْقاطِ (فِي أيْ في مَعِيشَتِها عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، أوْ عَلى الظَّرْفِ نَحْوَ: جِئْتُ خُفُوقَ النَّجْمِ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ: <div class="verse-tafsir"
ثم خوفهم فقال: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ فيما مضى بَطِرَتْ مَعِيشَتَها يعني: كفرت برزق ربها.
ذكر القرية، وأراد به أهل القرية يعني: أنهم كانوا يتقلّبون في رزق الله تعالى فلم يشكروه في نعمته.
ويقال: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها يعني: طغوا في نعمة الله، فأهلكهم الله تعالى بالعذاب في الدنيا.
ويقال: عاشوا في البطر وكفران النعم فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ يعني: انظروا واعتبروا في بيوتهم وديارهم بقيت خالية لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وهم المسافرون ينزلون بها يوماً أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ يعني: نرث الارض ومن عليها.
قوله عز وجل: وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى يعني: لم يعذب أهل القرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يعني: في معظمها ويقال: في أكبر قراها.
ويقال: أم القرى مكة.
قرأ حمزة والكسائي فِي أُمِّها بكسر الألف، وقرأ الباقون أُمِّها بالضم، ومعناهما واحد، يبعث في أمها رسولا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا يعني: القرآن وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ يعني: لم نهلكها إلا بظلم أهلها.
ثم قال عز وجل: وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني ما أعطيتم من مال.
ويقال: ما أعطيتم من الدنيا فهو فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: فهو متاع الحياة الدنيا، يعني: ينتفعون بها أيام حياتهم وَزِينَتُها يعني: وزهراتها ولا تبقى دائماً وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب والجنة خَيْرٌ وَأَبْقى يعني: أفضل وأدوم لأهله مما أعطيتم في الدنيا أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الباقي خير من الفاني.
قرأ عمرو يَعْقِلُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم.
وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ويحتمل أن يريد بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ أَمْرِ محمدٍ والإخبارِ به الذي هو في التوراة.
وقوله: وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ يُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، وقرأ حمزةُ والكسائي «٢» وعاصم: «سِحْران» والمرادُ بهما: التَّوراةُ والقرآنُ قاله ابن عباس «٣» ، وتَظاهَرا: معناه:
تعاوناً.
وقوله: أَهْدى مِنْهُما.
قال الثعلبي: يعني: أهدى من كتابِ محمدٍ وكتابِ موسى انتهى.
ت: ويحتملُ أنْ يكونَ الضميرُ في يَكْفُرُوا لقريشٍ كما أشار إليه الثعلبيُّ، وكذا في قالُوا لقريش عنده.
وسِحْرانِ يريدونَ موسى ومحمداً- عليهما السلام- وهو ظاهرُ قولِهم: إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ لأن اليهودَ لا يقولون ذلك في موسى في عصر نبينا محمد عليه السلام، ويُبيِّن هذَا كلَّه قولُه تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ...
الآية، فإنَّ ظاهرَ الآيةِ أنَّ المرادَ قريشٌ وعَلَى هذا كله مرّ الثعلبيّ، انتهى.
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)
إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠)
وقوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ...
الآية الذينَ وصَّلَ لَهُمُ القَوْلَ: همْ قريشٌ قاله مجاهد «١» وغيره، قال الجمهورُ: والمعنى: وَاصَلْنَا لهم في القرآن، وتابعناه موصولاً بعضُه ببعضٍ في المواعظ والزواجر، والدعاء، إلى الإسلام.
وذهبت فرقةٌ إلى: أنَّ الإشارة بتوصيلِ القولِ إنما هي إلى الألفاظ، فالمعنى «٢» : ولقد وصَّلنا لهم قَوْلاً معجزا دالّا على نبؤتك.
قال ع «٣» : والمعنى الأولُ تقديره: ولقد وصلنا لهم قولا يتضمّن معاني مَنْ تَدَبَّرَهَا اهْتَدَى.
ثم ذكر- تعالى- القومَ الذينَ آمنوا بمحمدٍ مِنْ أهلِ الكتاب مُبَاهِياً بهم قريشاً.
واختُلِفَ في تَعيينهم فقال الزهري: الإشَارَةُ: إلى النَّجَاشِيِّ «٤» .
وقيل: إلى سلمان، وابن سلام، وأسند الطبريُّ «٥» إلى رفاعة القرظي، قال: نزلت ٥٨ ب هذه الآيةُ/ في اليهود في عَشْرَةٍ أَنَا أَحَدُهُمْ، أَسْلَمْنَا فَأُوذِينَا «٦» فنزلت فينا هذه الآية.
والضمير في قَبْلِهِ يعود على القرآن.
وأَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ معناه: على مِلَّتَيْنِ وهذا المعنى هو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلّم «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بي ...
» الحديث «٧» .
ويَدْرَؤُنَ معناه: يَدْفَعُونَ وهذا وصفٌ لمكَارِمِ الأخلاقَ، أي: يتغابون ومن قال لهم سوءا لاينوه وقَابَلُوهُ من القول الحسِن بما يَدْفَعُه، واللغْوُ سَقَطُ القولِ، والقولُ يَسْقُط لوجوهٍ يَعِزُّ حَصْرُها، والمرادُ منه في الآيةِ: ما كان سبّاً وأذى ونحوه فأدب الإسلام الإعراض عنه.
وسَلامٌ في هذا الموضِع قُصِدَ به المَتَارَكةُ لا التحيّة.
قال
الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال، ولا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ معناه: لا نَطْلُبُهُمْ للجِدَالِ والمراجعة والمشاتمة.
ت: قال ابن المباركِ في «رقائقه» : أخبرنا حبيبُ بنُ حجر القيسي، قال: كان يقال: ما أحْسَنَ الإِيمَانَ يَزِينُه العلمُ، وما أحْسَنَ العِلمَ يَزِينُه العَمَلُ، وما أَحْسَنَ العَمَلَ يزينه الرفق، وما أضفت شيئا إلى شَيء، مِثْلَ حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، انتهى.
وأجْمَعَ جُلُّ المفسرينَ على أنَّ قولَه تعالى: إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ إنما نَزَلَتْ في شَأْنِ أَبي طالب، فَرَوى أبو هريرةَ وغيره «أن النبي صلى الله عليه وسلّم دَخَلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَمِّ، قُلْ: لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ ...
» الحديثُ «١» قد ذَكَرناه في سورة: «براءَة» ، فَماتَ أبو طالبٍ على كُفْرِه، فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ فيه.
قالَ أبو روق: قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إشارة إلى العباسِ «٢» ، والضميرُ في قوله: وَقالُوا لقريش.
قال ابن عباس: والمُتَكَلِّمُ بذلك فيهم الحارثُ بن نوفَلِ، وحكى الثعلبيُّ أنه قالَ له:
إنا لنعلم أن الذي تقولُ حَقٌّ وَلَكِنْ إن اتبَعْنَاكَ تَخَطَّفَتْنَا العرب.
وتجبى: معناه: تُجْمَعُ وتُجْلَبُ.
وقوله: كُلِّ شَيْءٍ يريد مما به صلاحُ حالهِم، ثم توعَّدَ قريشاً بقوله وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ وبَطِرَتْ معناه: سَفِهَت وأشِرَتْ وطَغَتْ قاله ابن زيد «٣» وغيره.
ت: قالَ الهروي: قولُه تعالى: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي: في مَعِيْشَتِهَا، والبَطَرُ:
الطغيانُ عند النِّعمةِ، انتهى.
ثم أحالَهُم على الاعتبارِ في خَرَابِ دِيار الأُمَمِ المُهْلَكَةِ كَحِجْرِ ثَمُودَ، وغيرِه.
ثُمَّ خَاطبَ تعالَى قريشاً مُحقِّراً لما كانوا يَفتَخِرُونَ به من مالٍ وبنينَ، وأَنَّ ذلك متاعُ الدنْيَا الفانِي، وأنَّ الآخرةَ وَمَا فِيهَا من النَّعِيمِ الذي أعدَّهُ اللهُ للمؤمِنِينَ خيْرٌ وأبقى.
ت: وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جناح
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ فِيما انْفَرَدَ بِهِ عَنِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِعَمِّهِ: " قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ "، فَقالَ: لَوْلا أنْ تُعَيِّرَنِي نِساءُ قُرَيْشٍ، يَقُلْنَ: إنَّما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ الجَزَعُ، لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ﴾ » .
قالَ الزَّجّاجُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مَن أحْبَبْتَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَن أحْبَبْتَ هِدايَتَهُ.
والثّانِي: مَن أحْبَبْتَهُ لِقَرابَتِهِ.
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ أيْ: يُرْشِدُ لِدِينِهِ مَن يَشاءُ ﴿ وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ أيْ: مَن قَدَّرَ لَهُ الهُدى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ العَوْفِيِّ: هم ناسٌ مِن قُرَيْشٍ قالُوا ذَلِكَ.
وقالَ في رِوايَةِ ابْن أبِي مُلَيْكَةَ: أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ قالَ ذَلِكَ.
وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ الَّذِي تَقُولُ حَقٌّ، ولَكِنْ يَمْنَعُنا أنْ نَتَّبِعَ [الهُدى] مَعَكَ مَخافَةَ أنْ تَتَخَطَّفُنا العَرَبُ مِن أرْضِنا، يَعْنُونَ مَكَّةَ.
ومَعْنى الآَيَةِ: إنِ اتَّبَعْناكَ عَلى دِينِكَ خِفْنا العَرَبَ لِمُخالَفَتِنا إيّاها.
والتَّخَطُّفُ: الِانْتِزاعُ بِسُرْعَةٍ؛ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهم، فَقالَ: ﴿ أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا ﴾ أيْ: أوَ لَمْ نُسَكِّنْهم حَرَمًا ونَجْعَلُهُ مَكانًا لَهم، ومَعْنى ﴿ آمِنًا ﴾ :ذُو أمْنٍ يَأْمَنُ فِيهِ النّاسُ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانَ يُغِيرُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وأهْلُ مَكَّةَ آَمِنُونَ في الحَرَمِ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ والغارَةِ، أيْ: فَكَيْفَ يَخافُونَ إذا أسْلَمُوا وهم في حَرَمٍ آمِنٍ؟!
﴿ يُجْبى ﴾ \[قَرَأ نافِعٌ: " تَجْبِي " بِالتّاءِ\]، أيْ: تُجْمَعُ إلَيْهِ وتُحْمَلُ مِن [كُلِّ] النَّواحِي الثَّمَراتُ، ﴿ رِزْقًا مِن لَدُنّا ﴾ أيْ: مِن عِنْدِنا ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ فَيَشْكُرُونَهُ.
ومَعْنى الآيَةِ: إذا كُنْتُمْ آَمِنِينَ في حَرَمِي تَأْكُلُونَ رِزْقِي وتَعْبُدُونَ غَيْرِي، فَكَيْفَ تَخافُونَ إذا عَبَدْتُمُونِي وآَمَنتُمْ بِي؟!
ثُمَّ خَوَّفَهم عَذابَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " مَعِيشَتَها " مَنصُوبَةٌ بِإسْقاطِ " في "، والمَعْنى: بَطِرَتْ في مَعِيشَتِها، والبَطَرُ: الطُّغْيانُ في النِّعْمَةِ.
قالَ عَطاءٌ: عاشُوا في البَطَرِ فَأكَلُوا رِزْقَ اللَّهِ وعَبَدُوا الأصْنامَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَسْكُنْها إلّا المُسافِرُونَ ومارُّ الطَّرِيقِ يَوْمًا أوْ ساعَةً، والمَعْنى: لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا سُكُونًا قَلِيلًا ﴿ وَكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُفْهم أحَدٌ بَعْدَ هَلاكِهِمْ في مَنازِلِهِمْ، فَبَقِيَتْ خَرابًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ ﴾ أجْمَعَ جُلَّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ﴾ إنَّما نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُما: «إنَّ رَسُولَ اللهِ دَخَلَ عَلَيْهِ وهو يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقالَ لَهُ: أيْ عَمِّ؟، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ، وكانَ بِحَضْرَتِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَّيَّةَ، وأبُو جَهْلٍ لَعَنَهُما اللهُ تَعالى، فَقالا لَهُ: أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يا أبا طالِبٍ ؟
فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمْ قالَ أبُو طالِبٍ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والأشْياخِ، فَتَفَجَّعَ رَسُولُ اللهِ وخَرَجَ عنهُ، فَماتَ أبُو طالِبٍ عَلى كُفْرِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ إشارَةً إلى أبِي طالِبٍ».
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَقالُوا ﴾ لِقُرَيْشٍ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: والمُتَكَلِّمْ بِذَلِكَ مِنهُمُ الحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ، وقَصَدَ الإخْبارَ بِأنَّ العَرَبَ تُنْكِرُ عَلَيْهِمْ رَفْضَ الأوثانِ وفِراقَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ بِتَخَطُّفِهِمْ مِن أرْضِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الهُدى ﴾ مَعْناهُ: عَلى زَعْمِكَ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّهُ قالَ: إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ الَّذِي تَقُولُ حَقٌّ، ولَكِنْ إنِ اتَّبَعْناكَ يَتَخَطَّفْنا العَرَبُ، فَقَطَعَهُمُ اللهُ تَعالى بِالحُجَّةِ، أيْ: ألَيْسَ كَوْنُ الحَرَمِ لَكم مِمّا يَسَّرْناهُ وكَفَفْنا عنكُمُ الأيْدِي فِيهِ؟
فَكَيْفَ بِكم لَوْ أسْلَمْتُمْ واتَّبَعْتُمْ شَرْعِي ودِينِي؟
ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "نُتَخَطَّفْ" بِضَمِّ الفاءِ، و"أمْنُ الحَرَمِ" هو ألّا يُغَزّى ولا يُؤْذى فِيهِ أحَدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ: يُجْمَعُ ويُجْلَبُ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "تُجْبى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "يُجْبى" أيْ: يُجْمَعُ، بِياءٍ مِن تَحْتٍ، ورُوِيَتِ التاءُ مِن فَوْقٍ عن أبِي عَمْرٍو، وأبِي جَعْفَرَ، وشَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يُرِيدُ مِمّا بِهِ صَلاحُ حالِهِمْ وقِوامُ أمْرِهِمْ، ولَيْسَ العُمُومُ فِيهِ عَلى الإطْلاقِ.
وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ: "ثُمُراتُ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ.
ثُمْ تَوَعَّدَ تَعالى قُرَيْشًا بِضَرْبِ المَثَلِ بِالقُرى المُهْلَكَةِ، أيْ: فَلا تَغْتَرُّوا بِالحَرَمِ والأمْنِ والثَمَراتِ الَّتِي تُجْبى، فَإنَّ اللهَ تَعالى مَهْلِكُ الكَفَرَةِ عَلى ما سَلَفَ في الأُمَمِ.
و"بَطِرَتْ" مَعْناهُ: سَفِهَتْ وأشَرِتَ وطَغَتْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، و"مَعِيشَتَها" نُصِبَتْ عَلى التَفْسِيرِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ ، وقالَ الأخْفَشُ: هو عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بَطِرَتْ في مَعِيشَتِها، ثُمْ أحالَهم عَلى الِاعْتِبارِ في خَرابِ دِيارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ كَحِجْرِ ثَمُودَ وغَيْرِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ أوَ لم نمكّن لهم حرماً آمناً ﴾ [القصص: 57] باعتبار ما تضمنته من الإنكار والتوبيخ، فإن ذلك يقتضي التعرض للانتقام شأن الأمم التي كفرت بنعم الله فهو تخويف لقريش من سوء عاقبة أقوام كانوا في مثل حالهم من الأمن والرزق فغمِطوا النعمة وقابلوها بالبطر.
والبطَر: التكبر.
وفعله قاصر من باب فَرِح، فانتصاب ﴿ معيشتها ﴾ بعد ﴿ بطرت ﴾ على تضمين ﴿ بطرت ﴾ معنى (كفرت) لأن البَطر وهو التكبر يستلزم عدم الاعتراف بما يُسدى إليه من الخير.
والمراد: بطِرت حالة معيشتها، أي نعمة عيشها.
والمعيشة هنا اسم مصدر بمعنى العيش والمراد حالته فهو على حذف مضاف دل عليه المقام، ويعلم أنها حالة حسنة من قوله: ﴿ بطرت ﴾ وهي حالة الأمن والرزق.
والإشارة ب (تلك) إلى ﴿ مساكنهم ﴾ الذي بيّن به اسم الإشارة لأنه في قوة تلك المساكن.
وبذلك صارت الإشارة إلى حاضر في الذهن منزَّل منزلة الحاضر بمرأى السامع، ولذلك فقوله: ﴿ لم تُسكن من بعدهم ﴾ خبر عن اسم الإشارة والتقدير: فمساكنهم لم تُسكَن من بعدهم إلا قليلاً.
والسكنى: الحلول في البيت ونحوه في الأوقات المعروفة بقصد الاستمرار زمناً طويلاً.
ومعنى ﴿ لم تُسكْن من بعدهم ﴾ لم يتركوا فيها خلفاً لهم.
وذلك كناية عن انقراضهم عن بكرة أبيهم.
وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ احتراس أي إلا إقامة المارين بها المعتبرين بهلاك أهلها.
وانتصب ﴿ قليلاً ﴾ على الاستثناء من عموم أزمان محذوفةٍ.
والتقدير: إلا زماناً قليلاً، أو على الاستثناء من مصدر محذوف.
والتقدير: لم تسكن سكناً إلاّ سكناً قليلاً، والسَّكْن القليل: هو مطلق الحلول بغير نية إطالة فهي إلمام لا سكنى.
فإطلاق السكنى على ذلك مشاكلة ليتأتى الاستثناء، أي لم تسكن إلا حلول المسافرين أو إناخة المنتجعين مثل نزول جيش غزوة تبوك بحجر ثمود واستقائهم من بئر الناقة.
والمعنى: فتلك مساكنهم خاوية خلاء لا يعمرها عامر، أي أن الله قدر بقاءها خالية لتبقى عبرة وموعظة بعذاب الله في الدنيا.
وبهذه الآية يظهر تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مرّ في طريقه إلى تبوك بحجْر ثمود فقال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبك مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين» أي خائفين أي اقتصاراً على ضرورة المرور لئلا يتعرضوا إلى تحقق حقيقة السكنى التي قدر الله انتفاءها بعد قومها فربما قدر إهلاك من يسكنها تحقيقاً لقدره.
وجملة ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ عطف على جملة ﴿ لم تُسكن من بعدهم ﴾ وهو يفيد أنها لم تسكن من بعدهم فلا يحلُّ فيها قوم آخرون بعدهم فعُبِّر عن تداول السكنى بالإرث على طريقة الاستعارة.
وقصْر إرث تلك المساكن على الله تعالى حقيقي، أي لا يرثها غيرنا.
وهو كناية عن حرمان تلك المساكن من الساكن.
وتلك الكناية رمز إلى شدة غضب الله تعالى على أهلها الأولين بحيث تجاوز غضبه الساكنين إلى نفس المساكن فعاقبها بالحرمان من بهجة المساكن لأن بهجة المساكن سكانها، فإن كمال الموجودات هو به قوام حقائقها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها ﴾ والبَطَرُ الطُّغْيانُ بِالنِّعْمَةِ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: يَعْنِي بَطِرَتْ في مَعِيشَتِها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: أبْطَرَتْها مَعِيشَتُها، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في أوائِلِها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: في مُعْظَمِ القُرى مِن سائِرِ الدُّنْيا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّ أُمَّ القُرى مَكَّةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ناساً من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن نتبعك يتخطفنا الناس، فأنزل الله تعالى ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك...
﴾ الآية.
وأخرج النسائي وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال: ﴿ إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمنا ﴾ قال: كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا فإذا خرج أحدهم قال: إنا من أهل الحرم لم يعرض له أحد، وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قتل وسلب.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ قال: أو لم يكونوا آمنين في حرمهم لا يغزون فيه، ولا يخافون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ نتخطف ﴾ قال: كان بعضهم يغير على بعض.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ قال: ثمرات الأرض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً ﴾ قال: في أوائلها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً ﴾ قال: أم القرى: مكة.
بعث الله إليهم رسولاً محمداً صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ قال: قال الله لم نهلك قرية بايمان، ولكنه أهلك القرى بظلم إذا ظلم أهلها، ولو كانت مكة آمنوا لم يهلكوا مع من هلك، ولكنهم كذبوا وظلموا فبذلك هلكوا.
<div class="verse-tafsir"
ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فقال: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ معنى البَطَر في اللغة: الحيرة، والبطر في النعمة هو: أن تكثر عليه النعمة فيدْهشَ فيها، ولا يهتدي للشكر عليها (١) قال الليث: البطر: الحَيرة، يقال: لا يُبْطِرن جَهلُ فلانٍ حِلمكَ.
أي: لا يُدْهشكَ عنه (٢) -: "الكِبْر بطر الحق" (٣) (٤) وقال أبو إسحاق: البطر: الطغيان عند النعمة (٥) وقال أبو علي الفارسي: البطر فيما قال بعض الناس: كراهة الشيء من غير أن يستحق أن يكره.
وانتصاب المعيشة عند الفراء بنقل الفعل وتحويله عنها، فإنه قال: نَصبُكَ المعيشةَ، كقوله: ﴿ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ وكنَصْب قوله: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا ﴾ ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ وقد مر (٦) وقال الزجاج: نُصب ﴿ مَعِيشَتَهَا ﴾ بإسقاط في، وأُعملَ الفعلُ، وتأويله: بطرت في معيشتها (٧) وهذا هو الوجه؛ لأن المعيشة لا تبطر، حتى يقال: كان الفعل لها، فنقل عنها: إنما يُبطر فيها (٨) قال ابن عباس: حملهم البطر والأشر.
وقال مقاتل: بطروا وأشروا، وتقلبوا في رزق الله، فلم يشكروا نعمه (٩) وقال عطاء: عاشوا في البطر، فأكلوا رزق الله، وعبدوا الأصنام (١٠) قوله تعالى: ﴿ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ قال مقاتل: لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلاً من المساكن، فقد سكن في بعضها (١١) (١٢) ورُدَّ عليه هذا بأن قيل: لو كان الاستثناء من المساكن، كان الوجه فيه الرفع، كقولك: القوم لم يُضرب إلا قليلٌ، ترفع إذا كان المضروب قليلاً، فإذا نصبت: كان القليل صفة للضرب أي: لم يُضرب إلا ضربًا قليلاً.
وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية؛ قال: لم يسكنها إلا المسافر، ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة (١٣) وقوله: ﴿ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ أي: لِما خَلَّفوا بعد هلاكهم (١٤) ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ ﴾ (١٥) (١٦) (١) "تهذيب اللغة" 13/ 336 (بطر).
والدَّهَش: ذهاب العقل من الذَّهْل والوَلَه.
"تهذيب اللغة" 6/ 77 (دهش).
(٢) كتاب "العين" 7/ 422 (بطر).
ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 336.
(٣) جزء من حديث عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - - عَنِ النَّبِيِّ - - قَالَ: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر" قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَة قَالَ: "إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَق وَغَمْطُ النَّاسِ".
أخرجه مسلم 1/ 93 في الإيمان" رقم 91.
والترمذي 4/ 317، كتاب البر، رقم 1998.
(٤) "تهذيب اللغة" 13/ 336 (بطر).
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 150.
(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 308.
قال الواحدي في تفسير الآية 4، من سورة النساء: قال الفراء والزجاج: المعنى فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق فنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا: أنت حسن وجهًا، والفعل في الأصل للوجه، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسَّرًا لموقع الفعل، ومثله: قررت به عينًا، وضقت به ذرعًا.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 150.
(٨) وهذا قول الثعلبي 8/ 150 أ: أي: أشرف وطغت وكفرت بربها، وجعل الفعل للقرية، وهو في الأصل للأهل.
(٩) "تفسير مقاتل" 67 ب.
(١٠) "تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ، عن عطاء بن أبي رباح.
(١١) "تفسير مقاتل" 67 ب.
(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 309.
(١٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ.
ونقل الرد على الفراء وقول ابن عباس: القرطبي 13/ 301.
(١٤) "تفسير مقاتل" 67 ب.
(١٥) "تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ.
(١٦) قال الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة مريم.
أي: نميت سكانها فنرثها ومن عليها؛ لأني أميتهم، وهذا كقوله: ﴿ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ وذكرنا الكلام فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ معنى بطرت طغت وسفهت، ومعيشتها: نصب على التفسير مثل: سفه نفسه، أو لعى إسقاط حرف الجرّ تقديره: بطرت في معيشتها أو يتضمن معنى بطرت: كفرت ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يعني: قليلاً من السكنى، أو قليلاً من الساكنين: أي لم يسكنها بعد إهلاكها إلا مارّاً على الطريق ساعة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سحران ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ بالتخفيف اتفاقاً ﴿ تجبى إليه ﴾ بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.
الباقون على التذكير ﴿ يعقلون ﴾ بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير ﴿ ثم هو ﴾ بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون ﴿ تبرأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .
الوقوف: ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ العمر ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ آياتنا ﴾ ج لما مر ﴿ مرسلين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ما أوتي موسى ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل ﴿ تظاهرا ﴾ ج للتعجب من عنادهم ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أهواهم ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ﴿ عليكم ﴾ ط لذلك ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ أرضنا ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ معيشتها ﴾ ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ آياتنا ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وزينتها ﴾ ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين ﴿ وأبقى ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ أغوينا ﴾ ج ﴿ غوينا ﴾ ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل ﴿ إليك ﴾ ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ج لجواز تعلق "لو" بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ ﴿ يهتدون ﴾ والوقف على ﴿ لهم ﴾ أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ لا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحين ﴾ ه ﴿ ويختار ﴾ ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد ﴿ الخيرة ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ز لعطف الجمل ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا فذكر أوّلاً أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب أنواراً للقلوب وإرشاداً لأهل الضلال وسبباً لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي التذكر إلى موسى.
ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ اي بجانب المكان الواقع في شق الغرب وهو ناحية الشأم التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء.
﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ على ذلك فقد يكون الشخص حاضراً ولا يكون شاهداً ولا مشاهداً.
قال ابن عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى.
ثم قال ﴿ ولكنا أنشأنا ﴾ بعد عهد موسى إلى عهدك ﴿ قروناً فتطاول عليهم العمر ﴾ فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى آخرهم قرناً وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء.
وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوّتك.
ثم فصل ما أجمل فذكر أوّل أمر موسى وبين أنه لم يكن هناك وهو قوله ﴿ وما كنت ثاوياً ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ وهم شعيب والمؤمنون به ﴿ تتلوا عليهم آياتنا ﴾ قال مقاتل: أي لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا ارسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها.
وقال الضحاك: يقول يا محمد: إنك لم تكن رسولاً إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ في كل زمان رسولاً فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.
ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه.
وعن بعض المفسرين أنه اراد قوله ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ﴾ إلى قوله ﴿ المفلحون ﴾ وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني.
قال: وإنما قال الله ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه.
وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد قال: يا رب أرنيهم.
قال: إنك لن تردكهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم.
قال: بلى يا رب.
فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال : أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس.
وروى سهل بن سعد أن رسول الله قال في قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: "كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة" .
قوله ﴿ ولكن رحمة ﴾ أي ولكنا علمناك ﴿ رحمة من ربك ﴾ ثم فسر الرحمة بقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة.
وقيل: كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة.
قوله ﴿ ولولا أن تصيبهم ﴾ هي امتناعية وجوابها محذوف.
والفاء في قوله ﴿ فيقولوا ﴾ للعطف على أن تصيبهم، وقوله ﴿ لولا أرسلت ﴾ هي تخصيصية.
والفاء في ﴿ فنتبع ﴾ جواب "لولا"، وذلك أن التخصيص في حكم الأمر لأن كلاً منهما بعث على الفعل.
والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم.
والحاصل أن إرسال الرسول لجل إزالة هذا العذر.
قال اصحاب اليبان: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها "لولا" وجيء بالقول معطوفاً عليها بفاء السببية تنبيهاً على أنهم لو لم يعاقبوا على كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فالسبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا يبان استحكام كفرهم وتصميمهم.
قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت.
وقال الكعبي: فيه دليل على أنه يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله .
وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان موقوفاً على خلق الله فأيّ فائدة في قولهم هذا.
ومعارضة الأشاعرة بالعلم والداعي معلومة.
ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا مقصود لهم إلا العناد فقال ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ اي الرسول المصدّق بالكتاب المعجز ﴿ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ من الكتاب المنزل جملة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم يكفروا ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى فقال : ﴿ أولم يكفروا ﴾ هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك الآيات الباهرة.
والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر والعنت.
وقال الكلبي: إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول اليهود قالوا: إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر فقال الله في حقهم ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ﴾ .
وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا أي تعاونا.
وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فـ ﴿ قالوا ساحران ﴾ والأظهر أن كفار مكة وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات.
ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال الله تعالى: ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟
فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت.
من قرأ ﴿ ساحران ﴾ بالألف فظاهر، وأما من قرأ ﴿ سحران ﴾ فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو القرآن والتوراة.
وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم اشبه منها بالكتب.
وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوّي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار.
وفي تكرار ﴿ قالوا ﴾ وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة ﴿ وقالوا إنا بكل ﴾ من موسى ومحمد أو بكل من الكتابين ﴿ كافرون ﴾ مرة.
وثانيهما أن يكون قوله ﴿ وقالوا ﴾ معطوفاً على ﴿ أولم يكفروا ﴾ ثم عجزهم بقوله ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ اي مما أنزل على موسى ومما أنزل عليّ.
قال ابن عباس ﴿ فإِن لم يستجيبوا لك ﴾ معناه فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج.
وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما.
وهذا اشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا.
ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم.
وإنما لم يقل "فإن لم يأتوا" لأن قوله ﴿ فأتوا ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى.
وفي قوله ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه ﴾ حال كونه ﴿ بغير هدى من الله ﴾ إشارة إلى فساد طريقة التقليد.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ اي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله خاصة بالمؤمن.
وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها مالا يحسن إلا بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذراً لهم.
ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله ﴿ ولقد وصلنا ﴾ أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متصلاً بعضه في أثر بعض ليكون ذلك اقرب إلى التذكر والتذكير والتنبيه فإِنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة جديدة.
ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً ووعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً إلى غير ذلك من معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا.
ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى.
وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله ﴾ أي من قبل القرآن ﴿ هم به يؤمنون ﴾ قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام.
وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من ارض الحبشة في السفينة، وثمانية جاؤا من الشام.
وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم.
والتحقيق أن كل من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلاً في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ تعليل للإٍيمان به لأن كونه حقاً من الله يوجب الإيمان به.
وقوله ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوا في كتب الأنبياء من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل وجوده ونزوله.
وفي قوله ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أقوال بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعث ثم اثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.
﴿ ويدرؤن بالحسنة ﴾ وهي الطاعة ﴿ السيئة ﴾ وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى.
يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.
وقال السدي: عاب اليهود عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم.
مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم بالتحمل والتواضع.
وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك ﴿ أعرضوا عنه وقالوا ﴾ لأهل ذلك اللغو ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا نسخ.
ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله.
قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في ابي طالب وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟
قال: فما تريد يا ابن أخي؟
قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله.
قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند الموت.
وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله ﴿ وهم ينهون وينأون عنه ﴾ .
واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله ﴿ وانك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة ههنا معلوم.
وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم ﴿ قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله : أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ وبين مزيته بقوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ قالوا: الكل ههنا بمعنى الأكثر.
قلت: يحتمل أن يكون على أصله.
وانتصب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مصدر لأن ﴿ يجبى ﴾ بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله.
وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة.
وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى.
ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله .
وفي الآية دلالة على صحة المحاجة.
لإزالة شبهة المبطلين.
قالت الشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على ايدي الناس وقد اضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن افعال العباد مستندة إلى الله.
ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بحديث آخر مخلوط بالوعيد.
وانتصب ﴿ معيشتها ﴾ بنزع الخافض كقوله ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أو على أنه ظرف مكان مجازاً كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله فيه.
ومعنى ﴿ إلا قليلاً ﴾ قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة.
ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً.
﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ كقوله ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ لأنه الباقي بعد فناء خلقه.
ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟
فقال ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ﴾ اي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها ﴿ رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة.
قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد خاتم الأنبياء.
وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن.
ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا.
فبين بقوله ﴿ وما أوتيتم من شيء ﴾ الآية.
أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم.
ونبه على جهلهم بقوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير.
نظير الاية قوله "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" .
قال البرهان: إنما السورة "وما أوتيتم" الواو وفي الشورى ﴿ فما أوتيتم ﴾ بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف.
وإنما زاد في هذه السورة ﴿ وزينتها ﴾ .
لأن المراد ههنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع مالا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة.
وأما في "الشورى" فلم يقصد الاستيعاب بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر الزينة.
ثم زاد البيان المذكور تأكيداً بقوله ﴿ افمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه ﴾ لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا محالة.
وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع الحياة الدنيا يسوّي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟
ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة ﴾ تراخي حال الإِحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن وقته.
وتخصيص لفظ ﴿ المحضرين ﴾ بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن.
قال الله ﴿ لكنت من المحضرين ﴾ ﴿ فإنهم لمحضرون ﴾ ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعاراً به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإِلزام وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة.
قيل: نزلت في النبي وأبي جهل.
وقيل: في علي وحمزة وأبي جهل.
وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة.
ثم ذكر من وصف القيامة قائلاً ﴿ ويوم يناديهم ﴾ أي فاذكر ذلك اليوم.
ومعنى الاستفهام في ﴿ أين ﴾ التوبيخ والتهكم.
ومفعولا ﴿ تزعمون ﴾ محذوفان تقديره تزعمونهم شركائي.
﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم الشياطين ورؤساء الكفر.
و ﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ الذين أغوينا ﴾ صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر ﴿ أغويناهم ﴾ والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا.
قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضاً أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا.
وقالت المعتزلة: يعنون أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن أغواءنا ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال فيكون كما حكي عن الشيطان ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ﴾ ثم قالوا ﴿ تبرأنا إليك ﴾ منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة.
وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى.
وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذاراً ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم وهو قوله: ﴿ وقيل ادعوا شركاءهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ زعم جم غفير من المفسرين أن جواب "لو" محذوف.
فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.
وقيل: اراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئاً ولكنهم صاروا مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئاً فلا جرم ما رأوه.
وقيل: الضمير للأصنام أي كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب.
وقيل: "لو" للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين.
ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.
ومعنى ﴿ عميت عليهم الأنباء ﴾ أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسال بعض الناس بعضاً في المشكلات لأنهم متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ فما ظنك بضلال أممهم؟!
قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك.
وكذا القول فيما تقدّم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك فيّ الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية والعذر ظاهراً.
وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي.
والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت.
وزيفه الأشعري بأن الكافر لو اورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً.
ولقائل أن يقول: السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت.
وحين فرغ من توبيخ الكفار وتهديدهم اتبعة ذكر التائبين وأنهم من المفلحين.
و"عسى" من الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب.
ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى وهي قولهم ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ فأجاب الله عنها بقوله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ لأنه المالك المطلق المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء.
وعلى مذهب المعتزلة هو حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير.
وقوله ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ بيان لقوله ﴿ ويختار ﴾ والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم "محمد خيرة الله من خلقه".
وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على ﴿ ما يشاء ﴾ ثم يقول ﴿ ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، واي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله.
فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك الأفضل لا يحصل فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة.
ثم قولهم "المستحق خير من المتفضل به" ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟
قلت: لقائل أن يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر.
ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ والغرض أن الخلق والاختيار والإِعزاز والإِذلال والإِهانة والإِجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.
ثم اكد ذلك بقوله ﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم ﴾ من عداوة نبيه ﴿ وما يعلنون ﴾ من مطاوعتهم فيه.
ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية.
و ﴿ لا إله إلا هو ﴾ تقرير لما قبله ﴿ له الحمد في ﴾ الدار ﴿ الأولى ﴾ على نعمه الفائضة على البر والفاجر ﴿ و ﴾ في الدار ﴿ الآخرة ﴾ كقولهم ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف.
قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.
والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس.
قال القاضي: إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر.
وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب.
ولقائل أن يقول: لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف.
ثم بين بقوله ﴿ وله الحكم ﴾ أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم ابيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه.
التأويل: ﴿ ولقد آتينا موسى ﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿ إذ قضينا إلى موسى ﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ وما كنت في عالم الشهادة ﴿ ولكنا أنشأنا قروناً ﴾ في عالم الشهادة ﴿ فتطاول عليهم العمر ﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿ وما كنت ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم.
ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ يعني محمداً.
وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿ لولا أوتي مثل ما أوتي ﴾ لولم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿ بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ﴾ ﴿ الذين آتيناهم ﴾ حقيقة ﴿ الكتاب ﴾ في عالم الأرواح ﴿ من قبل ﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿ هم به يؤمنون ﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ ولذلك قال ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أي في العالمين ﴿ بما صبروا ﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ ويدرؤن ﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ ومما رزقناهم ﴾ من الوجود المجازي ﴿ ينفقون ﴾ في طلب الوجود الحقيقي: ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو طلب ماسوى الله ﴿ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ في طلب الفاني ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح ابداً، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ وقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ الذين اصابهم رشاش النور ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ﴾ بجذبات الألوهية من ارض الأنانية ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ في مقام الهوية ﴿ يجبى إليه ثمرات ﴾ حقائق ﴿ كل شيء رزقاً ﴾ من العلوم اللدنية ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ذوق العلم اللدني ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً ﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿ إلا قليلاً ﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ اي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿ رسولاً ﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى "تجوّع ترنى تجرد تصل إلي" ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿ فبما أغويتني ﴾ أي ﴿ أغويناهم ﴾ بتقديريك ﴿ كما أغوينا ﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ ورأوا العذاب ﴾ يعني ﴿ لو كانوا يهتدون ﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ﴾ : دل قولهم: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ ﴾ على أنهم عرفوا أن ما جاء به رسول الله ويدعوهم إليه هو الهدى، حيث قالوا: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ ﴾ .
وقوله: ﴿ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ﴾ : يخرج قولهم هذا على وجهين: أحدهما: أن نهلك ونفنى جوعاً إذا خالفنا أهل الآفاق في الدين؛ لأن أرزاقهم وما به قوام أبدانهم إنما يحمل ويمار من الآفاق، فيقولون: إنا إذا اتبعنا الهدى معك وخالفنا في الدين أهل الآفاق، منعونا الميرة فنهلك ونموت جوعاً؛ فذلك تخطفهم من الأرض.
والثاني: قالوا ذلك مخافة أن يغزوا ويؤسروا أو يقتلوا إذا خالفوا أهل الآفاق والأطراف في الدين واتبعوا الهدى مخافة الأسر والقتل، فأجابهم الله وردّ عليهم اعتلالهم في الوجهين، فقال: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ﴾ يقول - والله أعلم -: إنا جعلناهم في الحرم آمنين، وما يمتار إليهم من أنواع الثمرات باللطف لا بموافقة الدين؛ ألا ترى أنهم مع موافقة الدين كانوا يتخطفون الناس منهم؛ حيث قال في آية أخرى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ أخبر أنهم مع موافقتهم في الدين يتخطفون؛ دل أنه إنما جعل لهم الحرم مأمنا والميرة إليهم باللطف لا بالموافقة في الدين؛ حتى لا يتعرض لأهل الحرم في الحرم ولا خارجه بشيء منه، ولا يتعرض - أيضاً - من دخل الحرم بشيء؛ ليعلم أنه إنما كان كذلك باللطف من الله لا بالموافقة في الدين.
والثاني: أنه مع ما كانوا يعبدون الأصنام دون الله فيه لا يمنعهم الرزق ويؤمنهم فيه، فلأن يفعل ذلك بهم عند عبادتهم لله وتركهم عبادة غيره أحق أن يرزقوا ويأمنوا فيه.
وقوله: ﴿ يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : قال أهل التأويل: ﴿ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي: من كل جنس ونوع من الثمرات يجيء إليه.
وظاهره: أن يجيء إليه من [كل] شيء أرفعه وأنفعه وذلك ثمرته؛ لأن ثمرة كل شيء أرفعه وأنفعه، يقال: ثمرة الشيء كذا وثمرة هذا الكلام كذا، أي: ما ينتفع من هذا: هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ما يحمل إليهم من الآفاق، ويجيء إليهم من الثمرات والأطعمة إنما هو باللطف لا بموافقة الدين؛ وكذلك لا يعلمون أن أمنهم فيه باللطف لا بموافقة الدين، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ : قال بعضهم: كفرت معيشتها.
وقال بعضهم: لم ترض معيشتها، وفيه إضمار "في"، أي: (بطرت في معيشتها) فانتصب لانتزاع حرف "في"، وتأويله - والله أعلم - أي: كم أهلكنا قرية بطر أهلكها في معيشتها، حتى صرفوا شكر ما أنعم عليهم، وجعلوا عبادتهم لغير الذي جعل لهم السعة والرخاء، فأنتم يا أهل مكة إذا بطرتم أشركتم في سعتكم وخصبكم تهلكون؛ كما أهلك من كان قبلكم، وهو كما قال: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ...
﴾ الآية [الأنعام: 44].
وقوله: ﴿ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ : من القريات، قريات إذا أهلك أهلها أسكن غيرهم فيها نحو: قريات فرعون وغيره، جعل مساكنهم لبني إسرائيل حيث قال: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الأعراف: 137]، وقوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ ، ومن القريات ما جعلها خربة معطلة لم يسكن غيرهم فيها نحو قريات لوط وغيره.
وقوله: ﴿ وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ ﴾ أي: الباقين، والوارث: هو الباقي في اللغة على ما ذكرنا آنفاً في غير موضع.
وقوله: ﴿ وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: إخبار عن هلاك أهل الأرض وفنائهم ويبقى هو؛ كقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ والثاني: إخبار عن هلاك أولئك وجعلها لغيرهم، أي: للمتقين؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: ﴿ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ﴾ أي: نؤخذ، وقوله: ﴿ يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ﴾ من الجباية، أي: يجمع، يقال: جبيت أجبي جباية وجبيا، وأجبى يجبي، أي: حاز يحوز، ﴿ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ أي: لم ترض بمعيشتها.
وقال القتبي: أي: أشرت.
وقالا: ﴿ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً ﴾ أي: في أكثرها وأعظمها قدرا وهي مكة، والنبي منهم والكتاب أنزل عليهم.
وقالا: و ﴿ أُمِّهَا ﴾ : كلمة لا يتكلم بها أحد يعنون بالكسر.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً ﴾ : جائز أن يكون تلك القرى التي أخبر أنه غير مهلكها حتى يبعث في أمها رسولا -: القريات اللاتي هن حول مكة، لا يهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا.
قيل: في أعظمها - وهي مكة - رسولا ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ﴾ ، فإن كان هذا؛ فيكون الإهلاك لها الانتزاع من أيديهم، وجعلها في أيدي أهل الإسلام على ما كان؛ لأن الله كان يفتح على رسوله قرية فقرية وبلدة فبلدة، حتى جعل الكل في أيدي المسلمين، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ ﴾ وهو وعد فتح مكة، وذلك إهلاكهم.
والثاني: جائز أن يكون هذا في كل القرى وجميع الرسل: أنه كان لا يهلكها بالكفر نفسه، حتى يبعث في أكبرها وأعظمها - وهي المصر - رسولا يتلو عليهم آياته، وذلك يشبه قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ .
وإنما ذكر بعث الرسول في أمها؛ لأنه إذا بعث الرسول في أعظمها - وهو المصر - ينتشر وينتهي إلى الآفاق والصغائر منها والقرى؛ لما أنهم يدخلون المصر لحوائجهم؛ فيتهيأ للرسول تلاوة الآيات عليهم والدعاء لهم، وإذا كان في بعض القرى لا يتهيأ لهم ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾ أي: معاندون مكابرون، لا نهلكهم إهلاك تعذيب بنفس الكفر في الدنيا، حتى يكون منهم العناد والمكابرة، إنما يعذبون عذاب الكفر في الآخرة وهو عذاب الأبد.
وقوله: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ : إنهم كانوا يتفاخرون بما أوتوا من السعة ومتاع الحياة الدنيا، وأهل الزهد والتقوى آثروا الباقي الموعود في الآخرة على متاع الحياة الدنيا وزينتها؛ ولذلك قال: ﴿ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، فجواب هذا أن يقال: بل الموعود الحسن الملاقى بالذي له عاقبة خير من المتاع الفاني الذي ليست له عاقبة، لكنه لم يذكر له جواباً، فجوابه ما ذكرنا.
ثم كل استفهام كان من الله فهو على الإيجاب في الحقيقة ليس على الاستفهام.
وقوله: ﴿ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ﴾ أي: يحضرون في النار.
وقيل: من المحضرين، أي المعذبين، وكلاهما واحد.
<div class="verse-tafsir"
وما أكثر القرى التي كفرت نعمة الله عليها فأسرفت في الذنوب والمعاصي، فأرسلنا عليها عذابًا فأهلكناها به، فتلك مساكنهم مندثرة يمرّ الناس عليها لم تسكن من بعد أهلها إلا قليلًا من بعض العابرين، وكنا نحن الوارثين الذين نرث السماوات والأرض ومن فيهما.
<div class="verse-tafsir" id="91.gGLYw"