الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٦٣ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٣ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( قال الذين حق عليهم القول ) يعني : من الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر ، ( ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون ) ، فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتبعوهم ، ثم تبرءوا من عبادتهم ، كما قال تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا .
كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) [ مريم : 81 ، 82 ] ، وقال : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون .
وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5 ، 6 ] ، وقال الخليل لقومه : ( إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) [ العنكبوت : 25 ] ، وقال الله : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) [ البقرة : 166 ، 167 ] ، ولهذا قال :
( قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) يقول: قال الذين وجب عليهم غضب الله ولعنته, وهم الشياطين الذين كانوا يغوون بني آدم: ( رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ).
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, في قوله: ( هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ) قال: هم الشياطين.
وقوله: ( تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ ) يقول: تبرأنا من ولايتهم ونصرتهم إليك ( مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ) يقول: لم يكونوا يعبدوننا.
قال الذين حق عليهم القول أي حقت عليهم كلمة العذاب وهم الرؤساء ; قاله الكلبي وقال قتادة : هم الشياطين .
ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا أي دعوناهم إلى الغي فقيل لهم : أغويتموهم ؟
قالوا : أغويناهم كما غوينا يعنون أضللناهم كما كنا ضالين .
تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون أي تبرأ بعضنا من بعض ، والشياطين يتبرءون ممن أطاعهم ، والرؤساء يتبرءون ممن قبل منهم ; كما قال تعالى : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين .
ولهذا { قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } الرؤساء والقادة، في الكفر والشر، مقرين بغوايتهم وإغوائهم: { رَبَّنَا هَؤُلَاءِ } التابعون { الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أي: كلنا قد اشترك في الغواية، وحق عليه كلمة العذاب.{ تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } من عبادتهم، أي: نحن برآء منهم ومن عملهم.
{ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } وإنما كانوا يعبدون الشياطين.
( قال الذين حق عليهم القول ) وجب عليهم العذاب وهم رءوس الضلالة ، ( ربنا هؤلاء الذين أغوينا ) أي : دعوناهم إلى الغي ، وهم الأتباع ، ( أغويناهم كما غوينا ) أضللناهم كما ضللنا ، ( تبرأنا إليك ) منهم ( ما كانوا إيانا يعبدون ) برئ بعضهم من بعض وصاروا أعداء ، كما قال تعالى : " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو " ( الزخرف - 67 ) .
«قال الذين حق عليهم القول» بدخول النار وهم رؤساء الضلالة «ربنا هؤلاء الذين أغوينا» هم مبتدأ وصفة «أغويناهم» خبره فغووا «كما غوينا» لم نكرههم على الغيّ «تبرأنا إليك» منهم «ما كانوا إيانا يعبدون» ما نافية وقدم المفعول للفاصلة.
قال الذين حقَّ عليهم العذاب، وهم دعاة الكفر: ربنا هؤلاء الذين أضللنا، أضللناهم كما ضللنا، تبرأنا إليك مِن ولايتهم ونصرتهم، ما كانوا إيانا يعبدون، وإنما كانوا يعبدون الشياطين.
والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى - : ( قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول .
.
.
) رؤساؤهم فى الكفر ، ودعاتهم إليه كالشياطين ، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال .أى قال : رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر ، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود .( رَبَّنَا هؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ ) أى : يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم .( أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ) أى : دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : ( هؤلاء ) مبتدأ ، و ( الذين أَغْوَيْنَآ ) صفته ، والراجع إلى الموصول محذوف و ( أَغْوَيْنَاهُمْ ) الخبر .
والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره : أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا ، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا ، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء .
أودعونا إلى الغى وسولوه لنا ، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم ، لأن إغواءنا لهم ، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا .
لا قسرا أو إلجاء " فلا فرق إذا بين غينا وغيهم .
.
" .وقوله - سبحانه - ( تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ) من كلام الرؤساء والشياطين ، فهو مقرر لما قبله ، ومؤكد له .أى : تبرأنا إليك منهم ، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية ، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا ، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة .فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة ، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ( وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ .
.
) وقوله - سبحانه - : ( واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ) .
اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآية أنه يسأل الكفار يوم القيامة عن ثلاثة أشياء أحدها: قوله: ﴿ وَيَوْمَ يناديهم فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ لما ثبت أن الكفار يوم القيامة قد عرفوا بطلان ما كانوا عليه وعرفوا صحة التوحيد والنبوة بالضرورة فيقول لهم أين ما كنتم تعبدونه وتجعلونه شريكاً في العبادة وتزعمون أنه يشفع؟
أين هو لينصركم ويخلصكم من هذا الذي نزل بكم.
ثم بين تعالى ما يقوله من حق عليه القول، والمراد من القول هو قوله: ﴿ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ ﴾ ومعنى حق عليه القول أي حق عليه مقتضاه، واختلفوا في أن الذين حق عليهم هذا القول من هم؟
فقال بعضهم الرؤساء الدعاة إلى الضلال، وقال بعضهم الشياطين قوله: ﴿ رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا ﴾ هؤلاء مبتدأ والذين أغوينا صفته والراجع إلى الموصوف محذوف وأغويناهم الخبر والكاف صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا والمراد كما أن غينا باختيارنا فكذا غيهم باختيارهم يعني أن إغواءنا لهم ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين بالإقدام على تلك العقائد والأعمال، وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان أنه قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقّ ووعَدتكمْ فأَخلفتكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَليكُمْ من سلْطان إِلا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاستجبتم لى فَلاَ تَلُومُوِني وَلُومُوا أنفُسَكُم ﴾ وقال تعالى لإبليس: ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين ﴾ فقوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ اتبعك ﴾ يدل على أن ذلك الاتباع لهم من قبل أنفسهم لا من قبل إلجاء الشيطان إلى ذلك، ثم قال تبرأنا إليك منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ما كانوا إيانا يعبدون إنما كانوا يعبدون أهواءهم، والحاصل أنهم يتبرءون منهم كما قال تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا ﴾ وأيضاً فلا يمتنع في قوله تعالى: ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِىَ ﴾ أن يريد به هؤلاء الرؤساء والشياطين فإنهم لما أطاعوهم فقد صيروهم لمكان الطاعة بمنزله الشريك لله تعالى، وإذا حمل الكلام على هذا الوجه كان جوابهم أن يقولوا إلهنا هؤلاء ما عبدونا إنما عبدوا أهواءهم الفاسدة.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ ادعوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ والأقرب أن هذا على سبيل التقرير لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم، فالمراد أنهم لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة في النصرة وأن العذاب ثابت فيهم، وكل ذلك على وجه التوبيخ، وفي ذكره ردع وزجر في دار الدنيا، فأما قوله تعالى: ﴿ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ ﴾ فكثير من المفسرين زعموا أن جواب لو محذوف وذكروا فيه وجوهاً أحدها: قال الضحاك ومقاتل يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة.
وثانيها: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق.
وثالثها: ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون.
ورابعها: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.
وخامسها: قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم ﴾ وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقريره وجوه: أحدها: أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله: ﴿ ادعوا شركاءكم ﴾ فهاهنا يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شيء كالسدر والدوار ويصيرون بحيث لا يبصرون شيئاً فقال تعالى: ﴿ وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ ﴾ شيئاً أما لما صاروا من شدة الخوف بحيث لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب.
وثانيها: أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء وهي الأصنام أنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم ﴿ وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ ﴾ أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين ولكنها ليست كذلك فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل قوله: ﴿ وَرَأَوُاْ العذاب ﴾ ضمير لا يليق إلا بالعقلاء فكيف يصح عوده إلى الأصنام؟
قلنا هذا كقوله: ﴿ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ وإنما ورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا.
وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي والكفار علموا حقية هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك النظم من الآية الأمر الثالث: من الأمور التي يسأل الله الكفار عنها قوله: ﴿ وَيَوْمَ يناديهم فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المرسلين فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنباء ﴾ أي فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعاً لا تهتدي إليهم فهم لا يتساءلون لا يسأل بعضهم بعضاً كما يتساءل الناس في المشكلات لأنهم يتساوون جميعاً في عمي الأنباء عليهم والعجز عن الجواب، وقرئ فعميت وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك يتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال، ويفوضون الأمر إلى علم الله وذلك قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب ﴾ فما ظنك بهؤلاء الضلال، قال القاضي هذه الآية تدل على بطلان القول بالجبر لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله تعالى ويجب وقوعه بالقدرة والإرادة لما عميت عليهم الأنباء ولقالوا إنما أتينا في تكذيب الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك، فكانت حجتهم على الله تعالى طاهرة وكذلك القول فيما تقدم لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك في الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك فتكون الحجة لهم في ذلك قوية والعذر ظاهراً والجواب: أن القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والثواب والعقاب إلا ويعيد استدلاله بها، وكما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف فكذا وجه جوابنا حرف واحد وهو أن علم الله تعالى بعدم الإيمان مع وقوع الإيمان متنافيان لذاتيهما فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمر بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمر بالجمع بين الضدين، والذي اعتمد القاضي عليه في دفع هذا الحرف في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن بل الواجب السكوت ولو أورد الكافر هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت، فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً فثبت أن الإشكال مشترك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ الشياطين أو أئمة الكفر ورؤوسه.
ومعنى حق عليهم القول: وجب عليهم مقتضاه وثبت، وهو قوله: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: 119] ، [السجدة: 13] و ﴿ هَؤُلاءِ ﴾ مبتدأ، و ﴿ الذين أَغْوَيْنَا ﴾ صفته، والراجع إلى الموصول محذوف، و ﴿ أغويناهم ﴾ الخبر، والكاف صفة مصدر محذوف، تقديره: أغويناهم، فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون: أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء.
أو دعونا إلى الغيّ وسوّلوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم؛ لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً لا قسراً وإلجاء، فلا فرق إذاً بين غينا وغيهم.
وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل وأنزل عليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر، وناهيك بذلك صارفاً عن الكفر وداعياً إلى الإيمان، وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان ﴿ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى فَلاَ تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ [إبراهيم: 22] والله تعالى قدّم هذا المعنى أوّل شيء، حيث قال لإبليس ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين ﴾ [الحجر: 42] .
﴿ تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ ﴾ منهم وما اختاروه من الكفر بأنفسهم، هوى منهم للباطل ومقتاً للحق، لا بقوّة منا على استكراههم ولا سلطان ﴿ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾ إنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم.
وإخلاء الجملتين من العاطف، لكونهما مقرّرتين لمعنى الجملة الأولى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ﴾ عُطِفَ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ.
﴿ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أيِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَهم شُرَكائِيَ، فَحُذِفَ المَفْعُولانِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما.
﴿ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ بِثُبُوتِ مُقْتَضاهُ وحُصُولِ مُؤَدّاهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ وغَيْرُهُ مِن آياتِ الوَعِيدِ.
﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْناهم فَحَذَفَ الرّاجِعَ إلى المَوْصُولِ.
﴿ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا ﴾ أيْ أغْوَيْناهم فَغَوَوْا غَيًّا مِثْلَ ما غَوَيْنا، وهو اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم غَوَوْا بِاخْتِيارِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا بِهِمْ إلّا وسْوَسَةً وتَسْوِيلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ ) صِفَةً وَ ( أغْوَيْناهُمُ ) الخَبَرَ لِأجْلِ ما اتَّصَلَ بِهِ فَإفادَةُ زِيادَةٍ عَلى الصِّفَةِ وهو وإنْ كانَ فَضْلَةً لَكِنَّهُ صارَ مِنَ اللَّوازِمِ.
﴿ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ﴾ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ مِنَ الكُفْرِ هَوًى مِنهم، وهو تَقْرِيرٌ لِلْجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ ولِذَلِكَ خَلَتْ عَنِ العاطِفِ وكَذا.
﴿ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ ﴾ أيْ ما كانُوا يَعْبُدُونَنا، وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أهْواءَهم.
وقِيلَ ما مَصْدَرِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِـ ( تَبَرَّأْنا ) أيْ تَبَرَّأْنا مِن عِبادَتِهِمْ إيّانا.
<div class="verse-tafsir"
{قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول} أي الشياطين أو أئمة الكفر ومعنى حق عليهم القول وجب عليهم مقتضاه وثبت وهو قوله لأمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أجمعين {رَبَّنَا هَؤُلاء} مبتدأ {الذين أَغْوَيْنَا} أي دعوناهم إلى الشرك وسولنا لهم الغي صفة والراجع إلى الموصول محذوف والخبر {أغويناهم} والكاف في {كَمَا غَوَيْنَا} صفة مصدر
محذوف تقديره أغويناهم فغروا غيا مثل ما غوينا يعنون أنالم نغوا لا باختيارنا فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً فلا فرق إذاً بين غينا وغيهم وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل وما بعث إليهم من الرسل وأنزل عليهم من الكتب وهو كقوله وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِىَ الامر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق إلى قوله ولوموا أنفسكم {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ} منهم ومما اختاروه من الكفر {مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} بل يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى حِكايَةِ السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدَ هَذا السُّؤالِ فَقِيلَ قالَ: ﴿ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ مُقْتَضى القَوْلِ وتَحَقَّقَ مُؤَدّاهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ وغَيْرُهُ مِن آياتِ الوَعِيدِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ مِنَ الشَّياطِينِ ورُؤَساءِ الكَفْرِ، وتَخْصِيصُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مَعَ شُمُولِ مَضْمُونِها الِاتِّباعَ أيْضًا لِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ دُونَ الَّذِينَ زَعَمُوهم شُرَكاءَ لِإخْراجِ مِثْلِ عِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِشُمُولِ الشُّرَكاءِ عَلى ما سُمِعَتْ لَهُ، ومُسارَعَتِهِمْ إلى الجَوابِ مَعَ كَوْنِ السُّؤالِ لِلْعَبَدَةِ لِتَفَطُّنِهِمْ إنَّ السُّؤالَ مِنهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإهانَةٍ وهو يَسْتَدْعِي اسْتِحْضارَهم وتَوْبِيخَهم بِالإضْلالِ وجَزْمِهِمْ بِأنَّ العَبَدَةَ سَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ أضَلُّونا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَبَدَةُ قَدْ أجابُوا مُعْتَذِرِينَ بِقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ أضَلُّونا ثُمَّ قالَ الشُّرَكاءُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى رَدًّا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَحْكِ إيجازًا لِظُهُورِهِ ﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا ﴾ تَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ والإشارَةِ إلى العَبَدَةِ لِبَيانِ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ (وهَؤُلاءِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، وجُمْلَةُ أغْوَيْنا صِلَةُ المَوْصُولِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِيما بَعْدُ أيِ الَّذِينَ أغْوَيْناهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا ﴾ هو الجَوابُ حَقِيقَةً أيْ ما أكْرَهْناهم عَلى الغَيِّ وإنَّما أغْوَيْناهم بِطَرِيقِ الوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ لا بِالقَسْرِ والإلْجاءِ فَغَوَوْا بِاخْتِيارِهِمْ غَيًّا مِثْلَ غَيِّنا بِاخْتِيارِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةَ اسْمِ الإشارَةِ والخَبَرُ جُمْلَةَ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا ومَنَعَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في التَّذْكِرَةِ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ الخَبَرَ لا يَكُونُ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ لِأنَّ إغْواءَهم إيّاهم قَدْ عُلِمَ مِنَ الوَصْفِ.
ورُدَّ بِأنَّ التَّشْبِيهَ دَلَّ عَلى أنَّهم غَوَوْا بِاخْتِيارٍ لا أنَّ الإغْواءَ إلْجاءٌ وقَوْلُهُ: إنَّ كَما غَوِينا فَضْلَةٌ فَلا تَصِيرُ ذاكَ أصْلًا في الجُمْلَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الفَضَلاتِ قَدْ تَلْزَمُ في بَعْضِ المَواضِعِ نَحْوَ زَيْدٌ عَمْرٌو قائِمٌ في دارِهِ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ وبَعْضُ الشّامِيِّينَ «كَما غَوِينا» بِكَسْرِ الواوِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ولَيْسَ ذَلِكَ مُخْتارًا لِأنَّ كَلامَ العَرَبِ غَوَيْتُ مِنَ الضَّلالَةِ وغَوِيتُ بِالكَسْرِ مِنَ البَشَمِ ﴿ تَبَرَّأْنا ﴾ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي هَوًى مِن أنْفُسِهِمْ مُوَجِّهِينَ التَّبَرُّؤَ ومُهَيَّئِينَ لَهُ ﴿ إلَيْكَ ﴾ والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها لِأنَّ الإقْرارَ بِالغَوايَةِ تَبَرُّؤٌ في الحَقِيقَةِ ولِذا لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما (كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ ﴾ أيْ ما كانُوا يَعْبُدُونَنا وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ في نَفْسِ الأمْرِ والمَآلِ أهْواءَهُمْ، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَبَرَّأْنا ﴾ وهُناكَ جارٌّ مُقَدَّرٌ أيْ تَبَرَّأْنا مِن عِبادَتِهِمْ إيّانا وجَعْلُها نافِيَةً عَلى أنَّ المَعْنى ما كانُوا يَعْبُدُونَنا بِاسْتِحْقاقٍ وحُجَّةٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فَإيّانا مَفْعُولُ يَعْبُدُونَ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني: الجنة فَهُوَ لاقِيهِ يعني: مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا بالمال ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار هل يستوي حالهما؟
قال في رواية الكلبي: نزل في عمار بن ياسر، وأبي جهل بن هشام وقال غيره: هذا في جميع المؤمنين، وجميع الكافرين ويقال نزلت في النبيّ ، وفي أبي جهل، يعني: من كان له في هذه الدنيا شدّة مع دين الله، خير ممن كان له سعة وفرج مع الشرك، ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ.
يعني: من المعذبين في النار.
وقال عز وجل: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: واذكر يوم يدعوهم يعني: المشركين فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ يعني: المشركين: كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجبت عليهم الحجة فوجب عليهم العذاب ويقال وجب عليهم القول وهو قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [الأعراف: 18] رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ يعني: القادة يقولون: ربنا هؤلاء الذين أضللنا يعني: السفلة أغويناهم كَما غَوَيْنا أي: أضللناهم كما كنا ضالين.
ويقال: يقول الكافرون رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا يعني: الشياطين.
فقالت الشياطين: أغويناهم.
يعني: أضللناهم كما غوينا، أي أضللنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ من عبادتهم مَا كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ يعني: ما كانوا يأمرونا بعبادة الآلهة وَقِيلَ للكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يعني آلهتكم التي تعبدون من دون الله فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ.
يقول الله عز وجل: وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ يعني: يودون لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا.
ويقال: يودون أن لم يكونوا اتبعوهم.
فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، أي: لم يجيبوهم بحجة تنفعهم فيودون أنهم لم يعبدوهم لما رأوا العذاب.
ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: يسألهم يوم القيامة فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ في التوحيد فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني: ألبست عليهم الحجج يَوْمَئِذٍ من الهول فَهُمْ لاَ يَتَساءَلُونَ يعني: لا يسأل بعضهم بعضاً عما يحتجون به، رجاء أن يكون عنده من الحجة ما لم يكن عند غيره، لأن الله تعالى أدحض حجتهم، وفي الدنيا إذا اشتبهت عليه الحجة، ربما يسأل عن غيره، فيلقنه الحجة، وفي الآخرة آيس من ذلك.
<div class="verse-tafsir"
بَعُوضَةٍ مَا سقى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةً» «١» رواه الترمذيُّ من طريق سهل بن سعد، قال: وفي البابِ عن أبي هريرة، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيح، انتهى.
وباقي الآيةِ بَيّنٌ لِمَنْ أبْصَرَ واهْتَدَى، جَعَلَنا اللهُ مِنْهُمْ بمنّه.
أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)
وقوله سبحانه: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ ...
الآية، معناها، يعمّ جميع العالم ومِنَ الْمُحْضَرِينَ: معناه: في عذاب الله قاله مجاهد «٢» وقتادة «٣» ، ولفظة الْمُحْضَرِينَ
مشيرةٌ إلى سوق [بجبر] «٤» .
وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ الضمير المتصل ب «ينادي» لِعَبَدَةِ الأوثَانِ، والإشارة إلى قريش وكفار العرب.
٥٩ أوقوله: قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ هؤلاء/ المجيبونَ هم كل مُغْوٍ دَاعٍ إلى الكُفْرِ من الشياطينِ والإنْسِ طَمِعُوا في التَّبَرِّي من مُتَّبِعِيهم فقالوا ربّنا هؤلاء إنّما أضللناهم كما ضللنا نحن باجتهادٍ لنَا ولَهُمُ، وأحبوا الكُفْرَ كما أَحبَبْناه تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ مَا كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ.
ثم أخبر تعالى: أنه يقال للكفرة العابدين للأصنام: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يعني: الأصْنَامَ، فَدَعَوْهُمْ فلَمْ يَكُنْ في الجمادات ما يجيبُ، ورأَى الكفارُ العذاب.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ﴾ أيْ: يُنادِي اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ هَذا عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِمْ؛ والمَعْنى: أيْنَ شُرَكائِيَ في قَوْلِكُمْ؟!
﴿ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ أيْ: وجَبَ عَلَيْهِمُ العَذابُ، وهم رُؤَساءُ الضَّلالَةِ، وَفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم رُؤُوسُ المُشْرِكِينَ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ ﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا ﴾ يَعْنُونَ الأتْباعَ ﴿ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا ﴾ أيْ: أضْلَلْناهم كَما ضَلَلْنا ﴿ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: تَبَرَّأْنا مِنهم إلَيْكَ؛ والمَعْنى أنَّهم يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ويَصِيرُونَ أعْداءً.
﴿ وَقِيلَ ﴾ لِكَفّارِ بَنِي آَدَمَ ﴿ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ أيْ: اسْتُغِيثُوا بِآَلِهَتِكم لِتُخَلِّصَكم مِنَ العَذابِ ﴿ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ﴾ أيْ: فَلَمْ يُجِيبُوهم إلى نَصْرِهِمْ ﴿ وَرَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ؛ والمَعْنى: لَوْ [أنَّهُمْ] كانُوا يَهْتَدُونَ لَما اتَّبَعُوهم ولَما رَأوُا العَذابَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ﴾ أيْ: يُنادِي اللَّهُ الكَفّارَ ويَسْألُهم ﴿ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ ﴾ .
﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العَقِيلِيُّ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " فَعَمِيَتْ " بِرَفْعِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: خَفِيَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَجُ، وسُمِّيَتْ أنْباءٌ، لِأنَّها أخْبارٌ يُخْبَرُ بِها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: عَمُوا عَنْها- مِن شِدَّةِ الهَوْلِ- فَلَمْ يُجِيبُوا، و " الأنْباءُ " هاهُنا: الحُجَجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَتَساءَلُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى سَكَتُوا فَلا يَتَساءَلُونَ في تِلْكَ السّاعَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ شَيْئًا مِن ذُنُوبِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
﴿ فَأمّا مَن تابَ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ وَآمَنَ ﴾ أيْ: صَدَّقَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ أدّى الفَرائِضَ ﴿ فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ ﴾ و " عَسى " مِنَ اللَّهِ واجِبٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ﴿ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ ﴾ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا النِداءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِواسِطَةٍ، ويُحْتَمَلُ لِأنْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، والضَمِيرِ بِـ "يُنادِي" لِعُبّادِ الأصْنامِ، والإشارَةُ إلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ: "أيْنَ" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، وقَوْلُهُ: "شُرَكائِيَ" أيْ: عَلى قَوْلِكم وزَعْمِكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمّا كانَ هَذا السُؤالُ مُسْكِتًا لَهم مُهِينًا فَكَأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِجُمْهُورِ الكَفَرَةِ، إلّا بِالمُغْوِينَ لَهُمْ، وبِالأعْيانِ والرُؤُوسِ مِنهُمْ، وبِالشَياطِينِ المُغْوِينَ، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِئَةَ المُغْوِيَةَ إنَّما أتَتِ الكَفَرَةَ عَلى عِلْمٍ بِأنَّ القَوْلَ عَلَيْها مُتَحَقِّقٌ، وبِأنَّ كَلِمَةَ العَذابِ ماضِيَةٌ، لَكِنَّهم طَمِعُوا في التَبَرِّي مِن أُولَئِكَ الكَفَرَةِ الأتْباعِ فَقالُوا: رَبَّنا هَؤُلاءِ أضْلَلْناهم كَما ضَلَلْنا نَحْنُ بِاجْتِهادٍ لَنا ولَهُمْ، وأرادُوا هُمُ اتِّباعَنا، وأحَبُّوا الكُفْرَ كَما أحْبَبْناهُ، فَنَحْنُ نَتَبَرَّأُ إلَيْكَ مِنهُمْ، وهم لَمْ يَعْبُدُونا إنَّما عَبَدُوا غَيْرَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَوْقِيفُ يَعُمْ جَمِيعَ الكَفَرَةِ، والمُجِيبُونَ هم جَمِيعُ المُغْوِينَ، كُلٌّ داعٍ إلى كُفْرٍ، مِنَ الشَياطِينِ الجِنُّ، ومِنَ الإنْسِ العُرَفاءُ والرُؤَساءُ والسادَةُ وقَرَأ الجُمْهُورٌ: "غَوَيْنا" بِفَتْحِ الواوِ، ويُقالُ: غَوى الرَجُلُ يَغْوِي بِكَسْرِ الواوِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمْ "غَوِينا" بِكَسْرِ الواوِ.
ثُمْ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ يُقالُ لِلْكَفَرَةِ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ الَّذِينَ اعْتَقَدُوهم آلِهَةً: ﴿ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ أيِ الأصْنامَ الَّتِي كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ، وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لَمّا كانَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِزَعْمِهِمْ ودَعْواهُمْ، فَهَذا القَوْلُ أصْلٌ مِنَ الِاخْتِصاصِ، أضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم دَعَوْهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ في الجَماداتِ ما يُجِيبُ، ورَأى الكُفّارُ العَذابَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ ﴾ ، ذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ جَوابَ "لَوْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَما نالَهُمُ العَذابُ، أو: لَما كانُوا في الدُنْيا عابِدِينَ لِلْأصْنامِ، فَفي الكَلامِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَأسُّفٍ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ مُحْتَمَلٌ مَعَ تَقْدِيرِنا الجَوابَ: "لَما كانُوا عابِدِينَ لِلْأصْنامِ"، وفي تَقْدِيرِنا الجَوابُ: "لَما نالَهُمُ العَذابُ" نِعْمَةً مِنّا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَوْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: فَوَدُّوا لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ.
<div class="verse-tafsir"
تخلص من إثبات بعثة الرسل وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى إبطال الشركاء لله، فالجملة معطوفة على جملة ﴿ أفمن وعدناه وعداً حسناً ﴾ [القصص: 61] مفيدة سبب كونهم من المحضرين، أي لأنهم اتخذوا من دون الله شركاء، وزعموا أنهم يشفعون لهم فإذا هم لا يجدونهم يوم يحضرون للعذاب، فلك أن تجعل مبدأ الجملة قوله ﴿ يناديهم ﴾ فيكون عطفاً على جملة ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين ﴾ [القصص: 61] أي يحضرون و ﴿ يناديهم فيقول: أين شركائي ﴾ الخ.
ولك أن تجعل مبدأ الجملة قوله ﴿ يوم يناديهم ﴾ .
ولك أن تجعله عطف مفردات فيكون ﴿ يوم يناديهم ﴾ عطفاً على ﴿ يوم القيامة من المحضرين ﴾ [القصص: 61] فيكون ﴿ يوم يناديهم ﴾ عين ﴿ يوم القيامة ﴾ وكان حقه أن يأتي بدلاً من ﴿ يوم القيامة ﴾ لكنه عدل عن الإبدال إلى العطف لاختلاف حال ذلك اليوم باختلاف العنوان، فنزل منزلة يوم مغاير زيادة في تهويل ذلك اليوم.
ولك أن تجعل ﴿ يوم يناديهم ﴾ منصوباً بفعل مقدر بعد واو العطف بتقدير: اذكر، أو بتقدير فعل دل عليه معنى النداء.
واستفهام التوبيخ من حصول أمر فظيع، تقديره: يوم يناديهم يكون ما لا يوصف من الرعب.
وضمير ﴿ يناديهم ﴾ المرفوع عائد إلى الله تعالى.
وضمير الجمع المنصوب عائد إلى المتحدث عنهم في الآيات السابقة ابتداء من قوله ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ [القصص: 57] فالمنادون جميع المشركين كما اقتضاه قوله تعالى ﴿ أين شركائي الذين كنتم تزعمون ﴾ .
والاستفهام بكلمة ﴿ أين ﴾ ظاهره استفهام عن المكان الذي يوجد فيه الشركاء ولكنه مستعمل كناية عن انتفاء وجود الشركاء المزعومين يومئذ، فالاستفهام مستعمل في الانتفاء.
ومفعولا ﴿ تزعمون ﴾ محذوفان دل عليهما ﴿ شركائي الذين كنتم تزعمون ﴾ أي تزعمونهم شركائي، وهذا الحذف اختصار وهو جائز في مفعولي (ظن).
وجردت جملة ﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ عن حرف العطف لأنها وقعت في موقع المحاورة فهي جواب عن قوله تعالى ﴿ أين شركائي الذين كنتم تزعمون ﴾ .
والذين تصدوا للجواب هم بعض المنادين ب ﴿ أين شركائي الذين كنتم تزعمون ﴾ علموا أنهم الأحرياء بالجواب.
وهؤلاء هم أيمة أهل الشرك من أهل مكة مثل أبي جهل وأمية بن خلف وسدنة أصنامهم كسادن العزى.
ولذلك عبّر عنهم ب ﴿ الذين حقّ عليهم القول ﴾ ولم يعبر عنهم ب (قالوا).
ومعنى ﴿ حق عليهم القول ﴾ يجوز أن يكون ﴿ حق ﴾ بمعنى تحقق وثبت ويكون القول قولا معهوداً وهو ما عهد للمسلمين من قوله تعالى ﴿ وحقَّ القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ [السجدة: 13] وقوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ [الزمر: 19] فالذين حق عليهم القول هم الذين حل الإبان الذي يحق عليهم فيه هذا القول.
والمعنى: أن الله ألجأهم إلى الاعتراف بأنهم أضلوا الضالين وأغووهم.
ويجوز أن يكون ﴿ حق ﴾ بمعنى وجب وتعين، أي حق عليهم الجواب لأنهم علموا أن قوله تعالى ﴿ فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ﴾ موجه إليهم فلم يكن لهم بد من إجابة ذلك السؤال.
ويكون المراد بالقول جنس القول، أي الكلام الذي يقال في ذلك المقام وهو الجواب عن الاستفهام بقوله ﴿ أين شركائي الذين كنتم تزعمون ﴾ وعلى كلا الاحتمالين فالذين حق عليهم القول هم أيمة الكفر كما يقتضيه قوله تعالى ﴿ هؤلاء الذين أغوينا...
﴾ الخ.
والتعريف في ﴿ القول ﴾ الأظهر أنه تعريف الجنس وهو ما دل عليه ﴿ قال ﴾ ، أي قال الذين حق عليهم أن يقولوا، أي الذين كانوا أحرى بأن يجيبوا لعلمهم بأن تبعة المسؤول عنه واقعة عليهم لأنه لما وجه التوبيخ إلى جملتهم تعين أن يتصدى للجواب الفريق الذين ثبتوا العامة على الشرك وأضلوا الدهماء.
وابتدأوا جوابهم بتوجيه النداء إلى الله بعنوان أنه ربهم، نداء أريد منه الاستعطاف بأنه الذي خلقهم اعترافاً منهم بالعبودية وتمهيداً للتنصل من أن يكونوا هم المخترعين لدين الشرك فإنهم إنما تلقوه عن غيرهم من سلفهم، والإشارة ب ﴿ هؤلاء ﴾ إلى بقية المنادين معهم قصداً لأن يتميزوا عمن سواهم من أهل الموقف وذلك بإلهام من الله ليزدادوا رُعباً، وأن يكون لهم مطمع في التخليص.
و ﴿ الذين أغوينا ﴾ خبر عن اسم الإشارة وهو اعتراف بأنهم أغووهم.
وجملة ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ استئناف بياني لجملة ﴿ الذين أغوينا ﴾ لأن اعترافهم بأنهم أغووهم يثير سؤال سائل متعجب كيف يعترفون بمثل هذا الجرم فأرادوا بيان الباعث لهم على إغواء إخوانهم وهو أنهم بثوا في عامة أتباعهم الغواية المستقرة في نفوسهم وظنوا أن ذلك الاعتراف يخفف عنهم من العذاب بقرينة قولهم ﴿ تبرّأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ .
وإنما لم يقتصر على جملة ﴿ أغويناهم ﴾ بأن يقال: هؤلاء الذين أغويناهم كما غوينا، لقصد الاهتمام بذكر هذا الإغواء بتأكيده اللفظي، وبإجماله في المرة الأولى وتفصيله في المرة الثانية، فليست إعادة فعل ﴿ أغوينا ﴾ لمجرد التأكيد.
قال ابن جني في كتاب «التنبيه» على إعراب الحماسة عند قول الأحوص: فإذا تزول تزول عن متخمط *** تخشى بوادره على الأقران إنما جاز أن يقول: فإذا تزول تزول، لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفاد منه الفائدة، ومثله قول الله تعالى ﴿ هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ﴾ ولو قال: هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم لم يُفد القول شيئاً، لأنه كقولك: الذي ضربته ضربته، والتي أكرمتها أكرمتها، ولكن لما اتصل ب ﴿ أغويناهم ﴾ الثانية قوله ﴿ كما غوينا ﴾ أفاد الكلام كقولك: الذي ضربته ضربته لأنه جاهل.
وقد كان أبو علي امتنع في هذه الآية مما اخترناه غير أن الأمر فيها عندي على ما عرفتك» اه.
وقد تقدم بيان كلامه عند قوله تعالى ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ﴾ في سورة الاسراء (7)، وقوله ﴿ وإذا بطشتم بطشتم جبارين ﴾ في سورة الشعراء (130)، وقوله ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ في سورة الفرقان (72)، فإن تلك الآيات تطابق بيت الأحوص لاشتمالهن على (إذا).
و ﴿ كما غوينا ﴾ صفة لمصدر، أي إغواء يوقع في نفوسهم غيّاً مثل الغي الذي في قلوبنا.
ووجه الشبه في أنهم تلقوا الغواية من غيرهم فأفاد التشبيه أن المجيبين أغواهم مُغوون قبلهم، وهم يحسبون هذا الجواب يدفع التبعة عنهم ويتوهمون أن السير على قدم الغاوين يبرر الغواية، وهذا كما حكى عنهم في سورة الشعراء (96، 99) ﴿ قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون ﴾ وحذف مفعول فعل ﴿ أغوينا ﴾ الأول وهو العائد من الصلة إلى الموصول لكثرة حذف أمثاله من كل عائد صلة هو ضمير نصب متصل وناصبه فعل أو وصف شبيه بالفعل، لأن اسم الموصول مغن عن ذكره ودال عليه فكان حذف العائد اختصاراً.
وذكر مفعول فعل ﴿ أغويناهم ﴾ الثاني اهتماماً بذكره لعدم الاستغناء عنه في الاستعمال.
وجملة ﴿ تبرأنا إليك ﴾ استئناف.
والتبرؤ: تفعل من البراءة وهي انتفاء ما يصم، فالتبرؤ: معالجة إثبات البراءة وتحقيقها.
وهو يتعدى إلى من يحاول إثبات البراءة لأجله بحرف (إلى) الدال على الانتهاء المجازي؛ يقال: إني أبرأ إلى الله من كذا، أي أوجه براءتي إلى الله، كما يتعدى إلى الشيء الذي يَصِم بحرف (من) الاتصالية التي هي للابتداء المجازي قال تعالى ﴿ فبراه الله مما قالوا ﴾ [الأحزاب: 69].
وقد تدخل (من) على اسم ذات باعتبار مضاف مقدر نحو قوله تعالى ﴿ وقال إني بريء منكم ﴾ [الأنفال: 48] أي من كفركم.
والتقدير: من أعمالكم وشؤونكم إما من أعمال خاصة يدل عليها المقام أو من عدة أعمال.
فالمعنى هنا تحقق التبرؤ لديك والمتبرأ منه هو مضمون جملة ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ فهي بيان لإجمال التبرؤ.
والمقصود: أنهم يتبرؤون من أن يكونوا هم المزعوم أنهم شركاء وإنما قصارى أمرهم أنهم مضلون وكان هذا المقصد إلجاء من الله إياهم ليعلنوا تنصلهم من ادعاء أنهم شركاء على رؤوس الملأ، أو حملهم على ذلك ما يشاهدون من فظاعة عذاب كل من ادعى المشركون له الإلهية باطلاً لما سمعوا قوله تعالى ﴿ إنكم وما تعبدون عن دون الله حصب جهنم ﴾ [الأنبياء: 98].
هذا ما انطوت عليه هذه الآية من المعاني.
وتقديم ﴿ إيانا ﴾ على ﴿ يعبدون ﴾ دون أن يقال يعبدوننا للاهتمام بهذا التبرؤ مع الرعاية على الفاصلة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحُجَجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: الأخْبارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ فَهم لا يَتَساءَلُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يُسْألُونَ بِالأنْسابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يَحْتَمِلَ مِن ذُنُوبِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِهِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الرّابِعُ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الحُجَّةِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ﴾ قال: هؤلاء بنو آدم ﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ قال: هم الجن ﴿ ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم...
﴾ الآية.
وقيل لبني آدم ﴿ ادعو شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ ولم يردوا عليهم خيراً.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴾ أي: حقت عليهم كلمة العذاب، وهم: الشياطين.
في قول مقاتل (١) وقال ابن عباس في رواية الكلبي: هم رؤوس الضلالة (٢) ﴿ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا ﴾ يعنون: كفار بني آدم.
في قول مقاتل (٣) وفي قول الكلبي: يعنون: الأتباع (٤) ﴿ أَغْوَيْنَا ﴾ : سوَّلنا لهم الغي والضلال (٥) قوله تعالى: ﴿ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أضللناهم كما ضللنا ﴿ تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ ﴾ منهم (٦) ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ الآية (٧) (١) "تفسير مقاتل" 68 أ.
وأخرجه عبد الرزاق 2/ 92، وابن جرير 20/ 98، وابن أبي حاتم 9/ 3000، عن قتادة، و"قال الزجاج 4/ 151: الجن والشياطين.
(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ، من قول الكلبي.
و"تنوير المقباس" 329.
(٣) "تفسير مقاتل" 68 أ.
(٤) "تنوير المقباس" 329.
(٥) "معانى القرآن" للزجاج 4/ 151، بنصه.
(٦) "تفسير مقاتل" 68 أ.
(٧) "معانى القرآن" للزجاج 4/ 151.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول رَبَّنَا هؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ ﴾ معنى ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ : وجب عليهم العذاب، والمراد بذلك رؤساء المشركين وكبراؤهم، والإشارة بقولهم: ﴿ هؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ ﴾ : إلى أتباعهم من الضعفاء، فإن قيل: كيف الجمع بين قولهم ﴿ أَغْوَيْنَآ ﴾ وبين قولهم: ﴿ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ ﴾ ، فإنهم اعترفوا بإغوائهم، وتبرأوا مع ذلك منهم؟
فالجواب إن إغوائهم لهم هو أمرهم لهم بالشرك، والمعنى أنا حملناهم على الشرك كما حملنا أنفسنا عليه، ولكن لم يكونوا يعبدوننا إنما كانوا يعبدون غيرنا، من الأصنام وغيرها فتبرأنا إليك من عبادتهم لنا، فتحصل من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغووا الضعفاء، وتبرأوا من أن يكونوا هم آلهتهم فلا تناقض في الكلام، وقد قيل في معنى الآية غير هذا مما هو تكلف بعيد ﴿ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ ﴾ فيه أربعة أوجه: الأول أن المعنى لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لم يعبدوا الأصنام، والثاني لو أنهم كانوا يهتدون لم يعذبوا والثالث لو أنهم كانوا يهتدون في الآخرة لحيلة يدفعون بها العذاب لفعلوا، فلو على هذه الأقوال حرف امتناع وجوابها محذوف، والرابع أن يكون للتمني: أي تمنوا لو كانوا مهتدين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سحران ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ بالتخفيف اتفاقاً ﴿ تجبى إليه ﴾ بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.
الباقون على التذكير ﴿ يعقلون ﴾ بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير ﴿ ثم هو ﴾ بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون ﴿ تبرأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .
الوقوف: ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ العمر ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ آياتنا ﴾ ج لما مر ﴿ مرسلين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ما أوتي موسى ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل ﴿ تظاهرا ﴾ ج للتعجب من عنادهم ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أهواهم ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ﴿ عليكم ﴾ ط لذلك ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ أرضنا ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ معيشتها ﴾ ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ آياتنا ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وزينتها ﴾ ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين ﴿ وأبقى ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ أغوينا ﴾ ج ﴿ غوينا ﴾ ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل ﴿ إليك ﴾ ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ج لجواز تعلق "لو" بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ ﴿ يهتدون ﴾ والوقف على ﴿ لهم ﴾ أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ لا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحين ﴾ ه ﴿ ويختار ﴾ ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد ﴿ الخيرة ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ز لعطف الجمل ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا فذكر أوّلاً أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب أنواراً للقلوب وإرشاداً لأهل الضلال وسبباً لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي التذكر إلى موسى.
ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ اي بجانب المكان الواقع في شق الغرب وهو ناحية الشأم التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء.
﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ على ذلك فقد يكون الشخص حاضراً ولا يكون شاهداً ولا مشاهداً.
قال ابن عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى.
ثم قال ﴿ ولكنا أنشأنا ﴾ بعد عهد موسى إلى عهدك ﴿ قروناً فتطاول عليهم العمر ﴾ فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى آخرهم قرناً وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء.
وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوّتك.
ثم فصل ما أجمل فذكر أوّل أمر موسى وبين أنه لم يكن هناك وهو قوله ﴿ وما كنت ثاوياً ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ وهم شعيب والمؤمنون به ﴿ تتلوا عليهم آياتنا ﴾ قال مقاتل: أي لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا ارسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها.
وقال الضحاك: يقول يا محمد: إنك لم تكن رسولاً إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ في كل زمان رسولاً فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.
ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه.
وعن بعض المفسرين أنه اراد قوله ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ﴾ إلى قوله ﴿ المفلحون ﴾ وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني.
قال: وإنما قال الله ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه.
وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد قال: يا رب أرنيهم.
قال: إنك لن تردكهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم.
قال: بلى يا رب.
فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال : أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس.
وروى سهل بن سعد أن رسول الله قال في قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: "كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة" .
قوله ﴿ ولكن رحمة ﴾ أي ولكنا علمناك ﴿ رحمة من ربك ﴾ ثم فسر الرحمة بقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة.
وقيل: كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة.
قوله ﴿ ولولا أن تصيبهم ﴾ هي امتناعية وجوابها محذوف.
والفاء في قوله ﴿ فيقولوا ﴾ للعطف على أن تصيبهم، وقوله ﴿ لولا أرسلت ﴾ هي تخصيصية.
والفاء في ﴿ فنتبع ﴾ جواب "لولا"، وذلك أن التخصيص في حكم الأمر لأن كلاً منهما بعث على الفعل.
والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم.
والحاصل أن إرسال الرسول لجل إزالة هذا العذر.
قال اصحاب اليبان: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها "لولا" وجيء بالقول معطوفاً عليها بفاء السببية تنبيهاً على أنهم لو لم يعاقبوا على كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فالسبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا يبان استحكام كفرهم وتصميمهم.
قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت.
وقال الكعبي: فيه دليل على أنه يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله .
وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان موقوفاً على خلق الله فأيّ فائدة في قولهم هذا.
ومعارضة الأشاعرة بالعلم والداعي معلومة.
ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا مقصود لهم إلا العناد فقال ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ اي الرسول المصدّق بالكتاب المعجز ﴿ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ من الكتاب المنزل جملة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم يكفروا ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى فقال : ﴿ أولم يكفروا ﴾ هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك الآيات الباهرة.
والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر والعنت.
وقال الكلبي: إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول اليهود قالوا: إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر فقال الله في حقهم ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ﴾ .
وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا أي تعاونا.
وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فـ ﴿ قالوا ساحران ﴾ والأظهر أن كفار مكة وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات.
ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال الله تعالى: ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟
فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت.
من قرأ ﴿ ساحران ﴾ بالألف فظاهر، وأما من قرأ ﴿ سحران ﴾ فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو القرآن والتوراة.
وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم اشبه منها بالكتب.
وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوّي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار.
وفي تكرار ﴿ قالوا ﴾ وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة ﴿ وقالوا إنا بكل ﴾ من موسى ومحمد أو بكل من الكتابين ﴿ كافرون ﴾ مرة.
وثانيهما أن يكون قوله ﴿ وقالوا ﴾ معطوفاً على ﴿ أولم يكفروا ﴾ ثم عجزهم بقوله ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ اي مما أنزل على موسى ومما أنزل عليّ.
قال ابن عباس ﴿ فإِن لم يستجيبوا لك ﴾ معناه فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج.
وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما.
وهذا اشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا.
ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم.
وإنما لم يقل "فإن لم يأتوا" لأن قوله ﴿ فأتوا ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى.
وفي قوله ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه ﴾ حال كونه ﴿ بغير هدى من الله ﴾ إشارة إلى فساد طريقة التقليد.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ اي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله خاصة بالمؤمن.
وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها مالا يحسن إلا بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذراً لهم.
ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله ﴿ ولقد وصلنا ﴾ أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متصلاً بعضه في أثر بعض ليكون ذلك اقرب إلى التذكر والتذكير والتنبيه فإِنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة جديدة.
ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً ووعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً إلى غير ذلك من معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا.
ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى.
وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله ﴾ أي من قبل القرآن ﴿ هم به يؤمنون ﴾ قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام.
وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من ارض الحبشة في السفينة، وثمانية جاؤا من الشام.
وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم.
والتحقيق أن كل من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلاً في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ تعليل للإٍيمان به لأن كونه حقاً من الله يوجب الإيمان به.
وقوله ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوا في كتب الأنبياء من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل وجوده ونزوله.
وفي قوله ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أقوال بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعث ثم اثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.
﴿ ويدرؤن بالحسنة ﴾ وهي الطاعة ﴿ السيئة ﴾ وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى.
يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.
وقال السدي: عاب اليهود عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم.
مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم بالتحمل والتواضع.
وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك ﴿ أعرضوا عنه وقالوا ﴾ لأهل ذلك اللغو ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا نسخ.
ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله.
قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في ابي طالب وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟
قال: فما تريد يا ابن أخي؟
قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله.
قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند الموت.
وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله ﴿ وهم ينهون وينأون عنه ﴾ .
واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله ﴿ وانك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة ههنا معلوم.
وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم ﴿ قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله : أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ وبين مزيته بقوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ قالوا: الكل ههنا بمعنى الأكثر.
قلت: يحتمل أن يكون على أصله.
وانتصب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مصدر لأن ﴿ يجبى ﴾ بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله.
وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة.
وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى.
ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله .
وفي الآية دلالة على صحة المحاجة.
لإزالة شبهة المبطلين.
قالت الشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على ايدي الناس وقد اضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن افعال العباد مستندة إلى الله.
ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بحديث آخر مخلوط بالوعيد.
وانتصب ﴿ معيشتها ﴾ بنزع الخافض كقوله ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أو على أنه ظرف مكان مجازاً كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله فيه.
ومعنى ﴿ إلا قليلاً ﴾ قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة.
ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً.
﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ كقوله ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ لأنه الباقي بعد فناء خلقه.
ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟
فقال ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ﴾ اي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها ﴿ رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة.
قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد خاتم الأنبياء.
وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن.
ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا.
فبين بقوله ﴿ وما أوتيتم من شيء ﴾ الآية.
أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم.
ونبه على جهلهم بقوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير.
نظير الاية قوله "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" .
قال البرهان: إنما السورة "وما أوتيتم" الواو وفي الشورى ﴿ فما أوتيتم ﴾ بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف.
وإنما زاد في هذه السورة ﴿ وزينتها ﴾ .
لأن المراد ههنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع مالا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة.
وأما في "الشورى" فلم يقصد الاستيعاب بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر الزينة.
ثم زاد البيان المذكور تأكيداً بقوله ﴿ افمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه ﴾ لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا محالة.
وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع الحياة الدنيا يسوّي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟
ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة ﴾ تراخي حال الإِحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن وقته.
وتخصيص لفظ ﴿ المحضرين ﴾ بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن.
قال الله ﴿ لكنت من المحضرين ﴾ ﴿ فإنهم لمحضرون ﴾ ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعاراً به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإِلزام وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة.
قيل: نزلت في النبي وأبي جهل.
وقيل: في علي وحمزة وأبي جهل.
وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة.
ثم ذكر من وصف القيامة قائلاً ﴿ ويوم يناديهم ﴾ أي فاذكر ذلك اليوم.
ومعنى الاستفهام في ﴿ أين ﴾ التوبيخ والتهكم.
ومفعولا ﴿ تزعمون ﴾ محذوفان تقديره تزعمونهم شركائي.
﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم الشياطين ورؤساء الكفر.
و ﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ الذين أغوينا ﴾ صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر ﴿ أغويناهم ﴾ والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا.
قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضاً أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا.
وقالت المعتزلة: يعنون أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن أغواءنا ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال فيكون كما حكي عن الشيطان ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ﴾ ثم قالوا ﴿ تبرأنا إليك ﴾ منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة.
وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى.
وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذاراً ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم وهو قوله: ﴿ وقيل ادعوا شركاءهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ زعم جم غفير من المفسرين أن جواب "لو" محذوف.
فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.
وقيل: اراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئاً ولكنهم صاروا مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئاً فلا جرم ما رأوه.
وقيل: الضمير للأصنام أي كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب.
وقيل: "لو" للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين.
ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.
ومعنى ﴿ عميت عليهم الأنباء ﴾ أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسال بعض الناس بعضاً في المشكلات لأنهم متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ فما ظنك بضلال أممهم؟!
قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك.
وكذا القول فيما تقدّم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك فيّ الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية والعذر ظاهراً.
وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي.
والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت.
وزيفه الأشعري بأن الكافر لو اورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً.
ولقائل أن يقول: السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت.
وحين فرغ من توبيخ الكفار وتهديدهم اتبعة ذكر التائبين وأنهم من المفلحين.
و"عسى" من الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب.
ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى وهي قولهم ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ فأجاب الله عنها بقوله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ لأنه المالك المطلق المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء.
وعلى مذهب المعتزلة هو حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير.
وقوله ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ بيان لقوله ﴿ ويختار ﴾ والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم "محمد خيرة الله من خلقه".
وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على ﴿ ما يشاء ﴾ ثم يقول ﴿ ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، واي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله.
فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك الأفضل لا يحصل فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة.
ثم قولهم "المستحق خير من المتفضل به" ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟
قلت: لقائل أن يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر.
ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ والغرض أن الخلق والاختيار والإِعزاز والإِذلال والإِهانة والإِجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.
ثم اكد ذلك بقوله ﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم ﴾ من عداوة نبيه ﴿ وما يعلنون ﴾ من مطاوعتهم فيه.
ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية.
و ﴿ لا إله إلا هو ﴾ تقرير لما قبله ﴿ له الحمد في ﴾ الدار ﴿ الأولى ﴾ على نعمه الفائضة على البر والفاجر ﴿ و ﴾ في الدار ﴿ الآخرة ﴾ كقولهم ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف.
قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.
والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس.
قال القاضي: إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر.
وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب.
ولقائل أن يقول: لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف.
ثم بين بقوله ﴿ وله الحكم ﴾ أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم ابيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه.
التأويل: ﴿ ولقد آتينا موسى ﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿ إذ قضينا إلى موسى ﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ وما كنت في عالم الشهادة ﴿ ولكنا أنشأنا قروناً ﴾ في عالم الشهادة ﴿ فتطاول عليهم العمر ﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿ وما كنت ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم.
ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ يعني محمداً.
وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿ لولا أوتي مثل ما أوتي ﴾ لولم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿ بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ﴾ ﴿ الذين آتيناهم ﴾ حقيقة ﴿ الكتاب ﴾ في عالم الأرواح ﴿ من قبل ﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿ هم به يؤمنون ﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ ولذلك قال ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أي في العالمين ﴿ بما صبروا ﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ ويدرؤن ﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ ومما رزقناهم ﴾ من الوجود المجازي ﴿ ينفقون ﴾ في طلب الوجود الحقيقي: ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو طلب ماسوى الله ﴿ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ في طلب الفاني ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح ابداً، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ وقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ الذين اصابهم رشاش النور ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ﴾ بجذبات الألوهية من ارض الأنانية ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ في مقام الهوية ﴿ يجبى إليه ثمرات ﴾ حقائق ﴿ كل شيء رزقاً ﴾ من العلوم اللدنية ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ذوق العلم اللدني ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً ﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿ إلا قليلاً ﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ اي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿ رسولاً ﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى "تجوّع ترنى تجرد تصل إلي" ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿ فبما أغويتني ﴾ أي ﴿ أغويناهم ﴾ بتقديريك ﴿ كما أغوينا ﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ ورأوا العذاب ﴾ يعني ﴿ لو كانوا يهتدون ﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ الذين في زعمكم أنهم شركائي، حيث أشركتموهم في العبادة وتسمية الألوهية، وإلا لم يكن لله شريك فيقول: أين هؤلاء الذين زعمتم أنهم شركائي.
ثم قوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ إنما يقال لهم لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، فيقول: أين شفاعة من زعمتم أنهم شفعاؤكم عند الله، وأين قربتكم وزلفاكم بعبادتكم إياها حيث زعمتم أن عبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى؟
أين ذلك لكم منهم؟
وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ الذي قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .
وجائز أن يكون قوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ أي: وجب عليهم العذاب؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم ﴾ أي: وجب العذاب عليهم؛ وكقوله: ﴿ وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ ﴾ أي: وجب العذاب عليهم بما ظلموا ونحوه.
ثم اختلفوا في الذين حق عليهم القول.
فمنهم من يقول: هم رؤساء الكفرة وأئمتهم الذين أضلوا أتباعهم ودعوهم إلى الضلال.
ومنهم من يقول: هم شياطين الجن.
وللفريقين جميعاً في الكتاب ذكر: قال في أئمتهم: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ ﴾ ، وقال: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا ﴾ وأمثال هذا كثير.
وقال في شياطين الجن: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ ، وقال: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...
﴾ الآية [الصافات: 22]، ونحوه كثير أيضاً.
وقوله: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾ : يقولون: ﴿ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾ يعتذرون: أنه لم يكن منا إليهم إلا الدعاء والإشارة إلى الغواية؛ وهو كقول إبليس اللعين وخطبته يومئذ حيث قال: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [إبراهيم: 22]؛ فعلى ذلك هؤلاء يقولون: لم يكن منا إليهم سوى الدعاء بلا برهان ولا حجة فاتبعونا؛ فلا تلومونا ولوموا أنفسكم؛ حيث تركتم إجابة الرسل ومعهم براهين وحجج، وأجبتمونا بلا حجة ولا برهان، فأغويناكم كما غوينا، ولو كنا على الهدى لهديناكم، كقوله: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾ : إنما يتبرءون أنا لم نأمرهم بالعبادة لنا، وإلا كانوا عبدوهم.
ثم إن للمعتزلة أدنى تعلق بهذه الآية؛ لأنهم يقولون: إنما أضافوا الغواية إلى أنفسهم حيث قالوا: ﴿ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾ ؛ دل أن الله لا يغوي أحدا.
فيقال لهم: إنا لا نضيف ولا نجيز إضافة الغواية إلى الله فيما يخرج مخرج الذم له، وإنما نضيف فيما يخرج مخرج المدح له والثناء عليه، ثم قد أضاف إبليس الغواية إليه، ولم ينكر عليه حيث قال: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ في غير موضع وقال: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ﴾ ، ونحوه كثير في القرآن، فما خرج مخرج المدح له والثناء عليه يضاف إليه، وما خرج مخرج الذم له فلا، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله أعلم.
وقوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ يوم قال لإبليس: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ، ثم قالت الشياطين في الآخرة: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ ﴾ يعنون: كفار بني آدم، هؤلاء الذين أضللناهم عن الهدى كما ضللنا تبرأنا إليك منهم يا رب ﴿ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾ ، فتبرأت الشياطين ممن كان يعبدها، فقالوا: لم نأمرهم بعبادتنا، وقيل لكفار بني آدم: ﴿ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ يقول سلوا الآلهة التي سميتموها: آلهة أهم آلهة؟
﴿ فَدَعَوْهُمْ ﴾ أي: سألوهم، فلم تجبهم الآلهة بأنها آلهة.
وقوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ في الدنيا، أي: معي شركاء على ما ذكرنا من قبل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ يحتمل شركاءكم في الخلقة، أو شركاءكم في العبادة ادعوهم؛ ليشفعوا لكم ويقربوكم إلى الله على ما زعمتم في الدنيا، ﴿ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ ، أي: لم يشفعوا لهم ولم يستجيبوا لهم؛ لما لم يجعل في وسعهم الإجابة لهم واجباً كائناً في الآخرة.
وقوله: ﴿ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ ﴾ : تأويله، أي: لو رأوا العذاب في الدنيا لكانوا يهتدون، ولكن لم يروه؛ هذا وجه.
ووجه آخر: أنهم لم يصدقوا بالعذاب في الدنيا، ولو صدقوه لاهتدوا مخافة نزول العذاب بهم.
والثالث: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ ﴾ اختلف فيه: قال قائلون: إنما يسألون عن إجابتهم الرسل ماذا أجبتموهم؟
على علم منه أنهم ماذا أجابوا هم، ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ ﴾ أي: الإجابة، فلا يتهيأ لهم الإجابة لهول ذلك وفزعهم.
وقال بعضهم: إنما يسألون عن الحجة والعذر الذي به كانوا تركوا إجابة الرسل، فيقول لهم: لأي حجة وعذر تركتم إجابتهم ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ ﴾ ، أي: الحجج والعذر، لما لم يكن لهم الحجة والعذر في تركهم إجابتهم.
﴿ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ : قال بعضهم: لا يسأل بعضهم بعضا، بل يتبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا على ما ذكر في الكتاب.
وقال بعضهم: ﴿ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ بالحجة والبرهان؛ لما لا حجة لهم ولا برهان، أي: لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج؛ لأن الله أدحض حججهم وكلل ألسنتهم.
وقال بعضهم: لا يتساءلون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتساءلون في الدنيا؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\]، والله أعلم بذلك.
ثم إن بعض المعتزلة تكلموا فيه وقالوا: لو كان الأمر على ما قاله القدريون والجبريون في المشيئة والإرادة، لكان يسهل لهم الاحتجاج، ويهون لهم العذر، فيقولون: يا ربنا أجبنا ما نفذ من مشيئتك وإرادتك، وما مضى من قضائك وكتابتك علينا؛ إذ كنت أنت قضيت وكتبت علينا وشئت وأردت ما كان منا من التكذيب لهم وترك الإجابة، فلم يكن لنا تخلص مما شئت أنت وقضيت علينا.
إلى هذا الخيال يذهب جعفر بن حرب، وهذا تعليم لأولئك الكفرة الحجاج بالباطل والكذب بين يدي رب العالمين للتكذيب الذي كان منهم.
ثم يقال: لو كان لهم ذلك الحجاج على زعمكم، فلا يكون ذلك لهم بقولنا، ولكن إنما يكون بكتاب الله وسنة رسوله وقول المسلمين أجمع حيث قالوا: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)، وبكتاب الله ما ذكر في غير آي من القرآن ﴿ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ...
﴾ الآية [يونس: 99]، وأمثاله مما لا يحصى من الآيات، فلئن كان لهم ذلك إنما يكون بما ذكرنا لا بقولنا.
وأصله: أنه لا يكون لهم هذا النوع من الاحتجاج؛ لأنهم وقت فعلهم لا يفعلون بأن الله شاء ذلك لهم أو قضى وكتب ذلك عليهم، وهم يودون ويحبون وقت فعلهم أن يشاء الله ذلك منهم ويرضى، فإذا كانوا وقت فعلهم لا يفعلون لذلك، فكيف يكون لهم الحجاج على ما كانوا عليه يفعلون لا لذلك؟!
لكن هذا منهم تعليم الكذب لهم ليكذبوا بين يدي رب العالمين على ما ذكر.
وأصل قولنا في هذا: أنا نقول: إنه شاء من كل ما علم أنه يكون منه ويختار، وكذلك قضى وكتب على كل ما علم أنه يكون منه؛ إذ لا يجوز أن يشاء منه خلاف ما علم أنه يكون؛ لأن فيه أحد وجهين: إما الجهل بالعواقب.
وإما العجز فيه.
وذانك عن الله منفيان، الله عن ذلك علوّاً كبيرا.
وأصلهما: ما روي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: بيننا وبين القدرية حرفان: أحدهما: أنا نقول لهم: إن الله علم ما يكون أنه يكون، فإن قالوا: لا، كفروا؛ لأنهم جهلوا الله، وإن قالوا: بلى، فيقال لهم: وشاء أن يكون ما علم أنه يكون، فإن قالوا: لا، كفروا؛ لأنهم يقولون: شاء أن يجهل، وذلك كفر، وإن قالوا: بلى شاء ذلك، لزمهم قولنا في المشيئة والإرادة لله في ذلك.
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ فَعَمِيَتْ ﴾ بالتخفيف، أي: خفيت، و ﴿ فَعَمِيَتْ ﴾ بالتشديد، أي: أخفيت.
وقوله: ﴿ فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ أي: فأما من تاب، أي: رجع عما كان فيه من الشرك والكفر، وآمن بالذي دعاهم الرسل وأجابهم، وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه.
﴿ فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ ﴾ : يحتمل رجوع ﴿ فَعَسَىٰ ﴾ إلى ذلك الرجل الذي نعته، يقول: على رجاء القبول والفلاح يفعل ما يفعل من التوبة والعمل الصالح.
أو أن يقال ما قال أهل التأويل: إن ﴿ عَسَى ﴾ من الله واجب، وهو ما ذكرنا أن كل استفهام كان من الله فهو على اللزوم والوجوب؛ فعلى ذلك حرف (عسى)، و(لعل)، وإن كان حرف شك في الظاهر، فهو من الله على الوجوب واليقين.
قال أبو معاذ: الفلاح في كلام العرب البقاء، ويقال: النجاة، وقد ذكرناه في غير موضع.
<div class="verse-tafsir"
قال الذين وجب عليهم العذاب من الدعاة إلى الكفر: ربنا هؤلاء الذين أضللناهم كما ضللنا، نتبرأ إليك منهم، ما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون الشياطين.
<div class="verse-tafsir" id="91.VjvnD"