الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٧٢ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 56 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٢ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم أخبر أنه لو جعل النهار سرمدا دائما مستمرا إلى يوم القيامة ، لأضر ذلك بهم ، ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال ; ولهذا قال : ( من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ) أي : تستريحون من حركاتكم وأشغالكم .
( أفلا تبصرون )
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (72) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ ) يا محمد لمشركي قومك ( أَرَأَيْتُمْ ) أيها القوم ( إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا ) دائما لا ليل معه أبدا( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ) من معبود غير المعبود الذي له عبادة كلّ شيء ( يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ) فتستقرون وتهدءون فيه ( أَفَلا تُبْصِرُونَ ) يقول: أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار عليكم؛ رحمة من الله لكم, وحجة منه عليكم, فتعلموا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا لمن أنعم عليكم بذلك دون غيره, ولمن له القدرة التي خالف بها بين ذلك.
قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أي تستقرون فيه من النصب أفلا تبصرون ما أنتم فيه من الخطإ في عبادة غيره ; فإذا أقررتم بأنه لا يقدر على إيتاء الليل والنهار غيره فلم تشركون به .
ولو جعل { عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } مواقع العبر، ومواضع الآيات، فتستنير بصائركم، وتسلكوا الطريق المستقيم.وقال في الليل { أَفَلَا تَسْمَعُونَ } وفي النهار { أَفَلَا تُبْصِرُونَ } لأن سلطان السمع أبلغ في الليل من سلطان البصر، وعكسه النهار.
وفي هذه الآيات، تنبيه إلى أن العبد ينبغي له أن يتدبر نعم اللّه عليه، ويستبصر فيها، ويقيسها بحال عدمها، فإنه إذا وازن بين حالة وجودها، وبين حالة عدمها، تنبه عقله لموضع المنة، بخلاف من جرى مع العوائد، ورأى أن هذا أمر لم يزل مستمرا، ولا يزال.
وعمي قلبه عن الثناء على اللّه، بنعمه، ورؤية افتقاره إليها في كل وقت، فإن هذا لا يحدث له فكرة شكر ولا ذكر.
( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة ) لا ليل فيه ، ( من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ) ما أنتم عليه من الخطأ .
«قل» لهم «أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله» بزعمكم «يأتيكم بليل تسكنون» تستريحون «فيه» من التعب «أفلا تبصرون» ما أنتم عليه من الخطأ في الإشراك فترجعون عنه.
قل لهم: أخبروني إن جعل الله عليكم النهار دائمًا إلى يوم القيامة، مَن إله غير الله يأتيكم بليل تستقرون وتهدؤون فيه؟
أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار؟
ثم قال لهم : أخبرونى بعد ذلك ، لو جعل الله - تعالى - عليكم الزمان ضياء دائما إلى يوم القيامة ( مَنْ إله غَيْرُ الله ) - تعالى - ( يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ) أى : تستريحون فيه من عناء العمل والكد والتعب بالنهار ( أَفلاَ تُبْصِرُونَ ) أى : أفلا تبصرون هذه الدلائل الساطعة الدالة على قدرة الله - تعالى - ورأفته بكم .إن دوام الزمان على هيئة واحدة من ليل أو نهار ، يؤدى إلى اختلال الحياة ، وعدم توفر أسباب المعيشة السليمة لكم ، بل ربما أدى إلى هلاككم .إن المشاهد من أحوال الناس ، أنهم مع وجود الليل لساعات محدودة ، يشتافون لطلوع الفجر ، لقضاء مصالحهم ، ومع وجود النهار لساعات محدودة - أيضا - يتطلعون إلى حلول الليل ، ليستريحوا فيه من عناء العمل .وختم - سبحانه - الآية الأولى بقوله : ( أَفَلاَ تَسْمَعُونَ ) لأن حاسة السمع - فيما لو كان الليل سرمدا - هى أكثر الحواس استعمالا فى تلك الحالة المفترضة ، وختم الآية الثانية بقوله : ( أَفلاَ تُبْصِرُونَ ) ، لأن حاسة البصر - فيما لو كان النهار سرمدا - من أكثر الحواس استعمالا فى هذه الحالة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : بنهار تتصرفون فيه ، كما قيل " بليل تسكنون فيه "؟قلت ذكر الضياء - هو ضوء الشمس - لأن المنافع التى تتعلق به متكاثرة ، ليس التصرف فى المعاش وحده ، والظلام ليس بتلك المنزلة .
اعلم أنه تعالى لما بين من قبل استحقاقه للحمد على وجه الإجمال بقوله: ﴿ وَهُوَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والأخرة وَلَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه سواه فقال لرسوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة ﴾ فنبه على أن الوجه في كون الليل والنهار نعمتان يتعاقبان على الزمان، لأن المرء في الدنيا وفي حال التكليف مدفوع إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولأجله يحصل الاجتماع فيمكن المعاملات ومعلوم أن ذلك لا يتم لولا الراحة والسكون بالليل فلابد منهما والحالة هذه، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب فلا حاجة بهم إلى الليل فلذلك يدوم لهم الضياء واللذات، فبين تعالى أنه لا قادر على ذلك إلا الله تعالى، وإنما قال: ﴿ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ أَفلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر فلما لم ينتفعوا نزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر قال الكلبي قوله: ﴿ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ ﴾ معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك وقوله: ﴿ أَفلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال، قال صاحب الكشاف السرمد الدائم المتصل من السرد وهو المتابعة، ومنه قولهم في الأشهر الحرم ثلاثة سرد وواحد فرد، فإن قيل هلا قال: بنهار تتصرفون فيه، كما قيل: بليل تسكنون فيه؟
قلنا ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة، وإنما قرن بالضياء أفلا تسمعون، لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل أفلا تبصرون لأن غيرك يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه، ومن رحمته زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضله في الآخر وهو النهار ولأداء الشكر على المنفعتين معاً.
واعلم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً وابتغاء فضل الله بالليل ممكناً إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره الله تعالى به فلهذا خصه به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ وقرئ: ﴿ أريتم ﴾ : بحذف الهمزة، وليس بحذف قياسي.
ومعناه: أخبروني من يقدر على هذا؟
والسرمد: الدائم المتصل، من السرد وهو المتابعة.
ومنه قولهم في الأشهر الحرم: ثلاثة سردٍ، وواحد فرد، والميم مزيدة.
ووزنه فعمل.
ونظيره.
دلامص، من الدلاص.
فإن قلت: هلا قيل: بنهار تتصرفون فيه، كما قيل: ﴿ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ ؟
قلت ذكر الضياء وهو ضوء الشمس: لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثمة قرن بالضياء ﴿ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ ﴾ لأنّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل ﴿ أَفلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ لأنّ غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره.
وأنت من السكون ونحوه ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ ﴾ زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة: لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر وهو النهار ولإرادة شكركم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ بِإسْكانِها في وسَطِ السَّماءِ أوْ تَحْرِيكِها عَلى مَدارٍ فَوْقِ الأُفُقِ.
﴿ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ اسْتِراحَةً عَنْ مَتاعِبِ الأشْغالِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَصِفِ الضِّياءَ بِما يُقابِلُهُ لِأنَّ الضَّوْءَ نِعْمَةٌ في ذاتِهِ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ ولا كَذَلِكَ اللَّيْلُ، ولِأنَّ مَنافِعَ الضَّوْءِ أكْثَرُ مِمّا يُقابِلُهُ ولِذَلِكَ قَرَنَ بِهِ ﴿ أفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ وبِاللَّيْلِ.
﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ لِأنَّ اسْتِفادَةَ العَقْلِ مِنَ السَّمْعِ أكْثَرُ مِنَ اسْتِفادَتِهِ مِنَ البَصَرِ.
﴿ وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ في اللَّيْلِ ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ في النَّهارِ بِأنْواعِ المَكاسِبِ.
﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ولِكَيْ تَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ في ذَلِكَ فَتَشْكُرُوهُ عَلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
{قل أرأيتم إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} ولم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قال بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ بل ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثم قرن بالضياء أفلا تسمعون لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده وقرن بالليل أفلا تبصرون لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره من السكون ونحوه
﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ بِإسْكانِ الشَّمْسِ في وسَطِ السَّماءِ مَثَلًا ﴿ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ اسْتِراحَةً مِن مَتاعِبِ الأشْغالِ ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ الشَّواهِدَ المَنصُوبَةَ الدّالَّةَ عَلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ لِتَقِفُوا عَلى أنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ كُلًّا مِن جُمْلَتَيْ أفَلا تَسْمَعُونَ وأفَلا تُبْصِرُونَ تَذْيِيلٌ لِلتَّوْبِيخِ الَّذِي يُعْطِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ ﴾ إلَخْ قَبْلَهُ، وأفادَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ظاهِرَ التَّقابُلِ يَقْتَضِي ذِكْرَ النَّهارِ والتَّصَرُّفَ فِيهِ إلّا أنَّ العُدُولَ عَنْ ذَلِكَ إلى الضِّياءِ وهو ضَوْءُ الشَّمْسِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَنافِعَ كَثِيرَةً مِنها التَّصَرُّفُ فَلَوْ أتى بِالنَّهارِ لاسْتَدْعى القَصْرَ عَلى تِلْكَ المَنفَعَةِ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ ولِأنَّ المَنافِعَ لِلضِّياءِ لا لِلنَّهارِ عَلى أنَّ النَّهارَ أيْضًا مِن مَنافِعِهِ، ثُمَّ اسْتَشْعَرَ أنْ يُقالَ: فَلِمَ لَمْ يُؤْتِ بِالظَّلامِ بَدَلَ اللَّيْلِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ لِتَتِمَّ المُقابَلَةُ مِن هَذا الوَجْهِ؟
وأجابَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ فَلا هو مَقْصُودٌ في ذاتِهِ كالضِّياءِ ولا أنَّ المَنافِعَ مِن رَوادِفِهِ مَعَ ما فِيهِما مِنَ الِاسْتِئْناسِ والِاشْمِئْزازِ، بَلْ لَوْ تَأمَّلَ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدَّ حَكَمَ بِأنَّ اللَّيْلَ مِن مَنافِعِ الضِّياءِ أيْضًا والظَّلامَ مِن ضَرُوراتِ كَوْنِ الشَّمْسِ المُضِيئَةِ تَحْتَ الأرْضِ وإلْقاءِ ظَلِّ اللَّيْلِ، ثُمَّ أفادَ أنَّ التَّفْصِلَةَ وهو التَّذْيِيلُ المَذْكُورُ فِيها إرْشادٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبِيخَ بِعَدَمِ التَّأمُّلِ في الضِّياءِ أكْثَرُ مِن حَيْثُ إنَّ مُدْرِكَ السَّمْعِ أكْثَرُ.
والمُرادُ ما يُدْرِكُهُ العَقْلُ بِواسِطَةِ السَّمْعِ فَلا يَرِدُ أنَّ مُدْرِكَهُ الأصْواتُ وحْدَها ومُدْرِكَ البَصَرِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ ما لا يُدْرَكُ بِحِسٍّ أصْلًا يُدْرَكُ بِواسِطَةِ السَّمْعِ إذا عَبَّرَ عَنْهُ المُعَبِّرُ بِعِبارَةٍ مُفْهِمَةٍ، وأمّا ما يُدْرَكُ بِالبَصَرِ فَمِن مُشاهَدَةِ المُبْصِراتِ وهي قَلِيلَةٌ، وأمّا المُطالَعَةُ مِنَ الكُتُبِ فَإنَّها أضْيَقُ مَجالًا مِنَ السَّمْعِ وقَرَعَهُ كَذا في الكَشْفِ، والعَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ قَرَّرَ عِبارَةَ الكَشّافِ بِما قَرَّرَ ثُمَّ قالَ: الأبْعَدُ مِنَ التَّكَلُّفِ أنْ يَجْعَلَ أفَلا تَسْمَعُونَ تَذْيِيلًا لِلتَّوْبِيخِ المُسْتَفادِ مِن أرَأيْتُمْ إلَخْ قَبْلَهُ وكَذا ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ عَلى ما في المَعالِمِ أفَلا تَسْمَعُونَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ أفَلا تُبْصِرُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ لِيَجْتَمِعَ لَهُمُ الصَّمَمُ والعَمى مِنَ الإعْراضِ عَنْ سَماعِ البَراهِينِ والإغْماضِ عَنْ رُؤْيَةِ الشَّواهِدِ.
ولَمّا كانَتِ اسْتِدامَةُ اللَّيْلِ أشَقَّ مِنِ اسْتِدامَةِ النَّهارِ لِأنَّ النَّوْمَ الَّذِي هو أجَلُّ الغَرَضِ فِيهِ شَبِيهُ المَوْتِ، والِابْتِغاءَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو بَعْضُ فَوائِدِ النَّهارِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ قِيلَ في الأوَّلِ أفَلا تَسْمَعُونَ أيْ سَماعَ فَهِمٍ وفي الثّانِي أفَلا تُبْصِرُونَ أيْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ لِيُطابِقَ كُلٌّ مِنَ التَّذْيِيلَيْنِ الكَلامَ السّابِقَ مِنِ التَّشْدِيدِ والتَّوْبِيخِ، وذَكَرَ في حاصِلِ المَعْنى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا ثُمَّ قالَ: وفِيهِ أنَّ دَلالَةَ النَّصِّ أُولى وأقْدَمُ مِنَ العَقْلِ، وصاحِبُ الكَشْفِ قَرَّرَ العِبارَةَ بِما سَمِعْتَ وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي ما في المَعالِمِ بَلْ يُؤَكِّدُهُ ويُبَيِّنُ فائِدَةَ التَّوْبِيخَيْنِ، ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ عَنِ الرّاغِبِ في غُرَّةِ التَّنْزِيلِ أنَّهُ قالَ: إنَّ نَسْخَ اللَّيْلِ بِالنَّيِّرِ الأعْظَمِ أبْلَغُ في المَنافِعِ وأضْمَنُ لِلْمَصالِحِ مِن نَسْخِ النَّهارِ بِاللَّيْلِ، ألا تَرى أنَّ الجَنَّةَ نَهارُها دائِمٌ لا لَيْلَ مَعَهُ لِاسْتِغْناءِ أهْلِها عَنِ الِاسْتِراحَةِ فَتَقْدِيمُ ذِكْرِ اللَّيْلِ لِانْكِشافِهِ عَنِ النَّهارِ الَّذِي هو أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا ومَنافِعُ ضَوْءِ شَمْسِهِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى أحَقُّ وأوْلى، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ أفَلا تَسْمَعُونَ سَماعَ مَن يَتَدَبَّرُ المَسْمُوعَ لِيَسْتَدْرِكَ مِنهُ قَصْدَ القائِلِ ويُحِيطَ بِأكْثَرَ ما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في النَّهارِ مِنَ المَنافِعِ فَإنَّ عَقِيبَ السَّماعِ اسْتِدْراكُ المُرادِ بِالمَسْمُوعِ إذا كانَ هُناكَ تَدَبُّرٌ وتَفَكُّرٌ فِيهِ ومَعْنى ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ أتَسْتَدْرِكُونَ مِن ذَلِكَ ما يَجِبُ اسْتِدْراكُهُ انْتَهى.
وفِي الكَشْفِ أنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ورُبَّما يُقالُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا فَرْضِيَّةَ جَعْلِ اللَّيْلِ سَرْمَدًا وثانِيًا فَرْضِيَّةَ جَعْلِ النَّهارِ كَذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ كَما قالُوا مُقَدَّمٌ عَلى النَّهارِ شَرْعًا وعُرْفًا وأيْضًا ذَلِكَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ ﴾ فَفي المَثَلِ اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ وكَذا بِقَوْلِهِ تَعالى سُبْحانَهُ: ﴿ لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ﴾ فَفي الأثَرِ كانَ الخَلْقُ في ظُلْمَةِ فَرْشِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ، ولَعَلَّهُ لِاعْتِبارِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ ذُيِّلَتِ الآيَةُ الأوْلى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى أفَلا تَسْمَعُونَ مِمَّنْ سَلَفَ مِن آبائِكم أوْ مِمّا سَلَفَ مِنّا أنَّ آلِهَتَكم لا تَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ والثّانِيَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى أفَلا تُبْصِرُونَ أنْتُمْ عَجْزَها عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وجِيءَ بِالضِّياءِ غَيْرَ مَوْصُوفٍ في الآيَةِ الأُولى وبِاللَّيْلِ مَوْصُوفًا في الثّانِيَةِ لِما أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقِيلَ في وجْهِ تَذْيِيلِ الآيَةِ الأوْلى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ دُونَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ أنَّ المَفْرُوضَ لَوْ تَحَقَّقَ بَقِيَ مَعَهُ السَّمْعُ دُونَ الإبْصارِ إذْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ لا تَحْجُبُ السَّمْعَ وتَحْجُبُ البَصَرَ، وفي وجْهِ تَذْيِيلِ الثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ دُونَ ﴿ أفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ أنَّ تَحَقُّقَ المَفْرُوضِ وعَدَمَهُ سِيّانِ في أمْرِ السَّمْعِ دُونَ الإبْصارِ إذْ لِضِياءِ النَّهارِ مَدْخَلٌ في الإبْصارِ ولَيْسَ لَهُ مَدْخَلٌ في السَّمْعِ أصْلًا وهو كَما تَرى (واعْلَمْ أنَّ هاهُنا إشْكالًا وهو أنَّ جَعْلَ اللَّيْلِ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ تَحَقَّقَ لَمْ يُتَصَوَّرِ الإتْيانُ بِضِياءٍ أصْلًا وكَذا جَعْلُ النَّهارِ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ تَحَقَّقَ لَمْ يُتَصَوَّرِ الإتْيانُ بِلَيْلٍ كَذَلِكَ، أمّا مِن غَيْرِهِ تَعالى فَظاهِرٌ لِأنَّهُ مَعْدِنُ العَجْزِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ فَلِاسْتِلْزامِهِ اجْتِماعَ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ لَوْ لَمْ يَجْتَمِعا لَمْ يَتَحَقَّقِ اللَّيْلُ مُسْتَمِرًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ وكَذا جَعْلُ النَّهارِ كَذَلِكَ وهو خِلافُ المَفْرُوضِ واجْتِماعُهُما مُحالٌ والمُحالُ لا صَلاحِيَةَ لَهُ لِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ فَلا يُرادُ.
وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ إنْ أرادَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَمَن إلَهٌ غَيْرُهُ تَعالى يَأْتِيكم بِخِلافِ مُرادِهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقْطَعَ الِاسْتِمْرارَ فَيَأْتِيَ بِنَهارٍ بَعْدَ لَيْلٍ ولَيْلٍ بَعْدَ نَهارٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ حِينَئِذٍ أنَّهُ جَلَّ وعَلا هو الَّذِي إنْ أرادَ ذَلِكَ يَأْتِيهِمْ بِخِلافِ مُرادِهِ تَعالى فَيَقْطَعُ الِاسْتِمْرارَ وهو مُشْكِلٌ أيْضًا لِأنَّ إتْيانَهُ تَعالى بِخِلافِ مُرادِهِ جَلَّ وعَلا مُسْتَلْزِمٌ لِتَخَلُّفِ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ وهو مُحالٌ فَإذا أرادَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى شَيْئًا عَلى وجْهِ إرادَةٍ لا تَعْلِيقٍ فِيها لا يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ الوَجْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْ أرادَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ غَيْرَ مُعَلِّقٍ لَهُ عَلى إرادَتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ خِلافَهُ لا يَأْتِيكم بِخِلافِهِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالقَيْدِ لِدَلالَةِ العَقْلِ الصَّرِيحِ عَلى أنَّ الإرادَةَ غَيْرَ المُعَلَّقَةِ لا يُمْكِنُ الإتْيانُ بِخِلافِ مُوجِبِها أصْلًا، ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَبُتُّ إرادَتَهُ فَجَمِيعُ ما يُرِيدُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُعَلَّقٌ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يُقالَ: لَيْسَ المُرادُ سِوى أنَّ آلِهَتَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِنَهارٍ بَعْدَ لَيْلٍ ولَيْلٍ بَعْدَ نَهارٍ إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ اسْتِمْرارَ أحَدِهِما، وإنَّما القادِرُ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى كَوْنِ ذَلِكَ الإتْيانِ مُقَيَّدًا بِتِلْكَ الإرادَةِ فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ يعني: من الشرك وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين الله تعالى فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ أي: من الناجين الفائزين بالخير.
قوله عز وجل: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وذلك أن الوليد بن المغيرة كان يقول: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] يعني به نفسه وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف فقال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ للرسالة من يشاء مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ يعني: ليس الخيار إليهم.
ويقال: هو ربك يخلق ما يشاء، ويختار لهم ما يشاء، مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي ما كان لهم طلب الخيار، والأفضل.
ويقال: ما كان لبعضهم على بعض فضل، والله تعالى هو الذي يختار.
وقال الزجاج: الوقف على قوله وَيَخْتارُ.
والمعنى: وربك يخلق ما يشاء، ويختار.
ثم قال: مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي لم يكن لهم أبداً أن يختاروا على الله، ويكون ما للنفي.
قال: ووجه آخر أن تكون بمعنى الذي، يعني: وربك يخلق ما يشاء، ويختار الذي لهم الخيرة أن يدعوهم إليه من عبادته، ما لهم فيه الخيرة.
ويقال: ما كان لهم الخيرة.
يعني: ليس لهم أن يختاروا على الله عز وجل، وليس إليهم الاختيار، والمعنى: لا نرسل الرسل إليهم على اختيارهم.
ثم قال: سُبْحانَ اللَّهِ أي تنزيهاً لله وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: ما تضمر وتسر قلوبهم وَما يُعْلِنُونَ من القول وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ أي: في الدنيا والآخرة.
وقال مقاتل: يعني يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الجنة ويقال: له الألوهية في الدنيا والآخرة، وله الحكم، يعني نفاذ الحكم، والقضاء يحكم في الدنيا والآخرة بما يشاء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.
قوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ يعني: ألا تنظرون إلى نعمة الله تعالى في خلق الليل والنهار لمصلحة الخلق، فلو جعل عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً أي دائماً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ المواعظ، وتعتبرون بها.
قوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني: دائماً مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ يعني: تقرّون وتستريحون فيه أَفَلا تُبْصِرُونَ من يفعل ذلك بكم، لأن العيش لا يصلح إلا بالليل والنهار، فأخبر عن صنعه لمصلحة الخلق، ليشكروه ويوحدوه ويعبدوه فقال: وَمِنْ رَحْمَتِهِ أي ومن نعمته وفضله جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يعني: في الليل وجعل لكم النهار وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني: لتطلبوا من رزقه في النهار وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: تشكرون رب هذه النعمة.
ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: أَنذَرَهُمْ بذلك اليوم ويقال: معناه اذكر ذلك اليوم الذي يناديهم يعني: يدعوهم فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنها لي شريك وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يعني: أخرجنا من كل أمة نبيها ورسولها شَهِيداً بالرسالة والبلاغ فَقُلْنا للمشركين هاتُوا بُرْهانَكُمْ يعني: حجتكم بأن معي شريكاً، فلم يكن لهم حجة فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني: أن عبادة الله هي الحق.
ويقال: علموا أن التوحيد لله.
ويقال: إن الحق ما دعا إليه الله، وأتاهم به الرسول وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: اشتغل عنهم بأنفسهم مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يكذبون في الدنيا يعني: الأصنام.
ويقال: الشياطين.
ويقال: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: لم ينتفعوا بما عبدوه من دون الله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ذهب الزجاج «١» وغيرُه إلى أن جَوابَ «لو» محذوفٌ.
تقديره: لمَا نَالَهُمْ العَذَابُ.
وقالَتْ فرقةٌ: لو: متعلِقةٌ بِمَا قَبْلَهَا، تقديرهُ: فَوَدُّوا حين رَأَوُا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون.
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)
وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ هذا النداء أيضا للكفّار، وفَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ: معناه أَظْلَمَتْ عليهم جهاتُها.
وقوله: فَهُمْ لاَ يَتَساءَلُونَ معناه، في قول مجاهد: لاَ يَتَساءلون بالأرحامِ «٢» ويحتملُ أنْ يرِيدَ أنهم لا يتساءلون عن الأنباء، ليقين جَميعهِم أنه لا حُجَّةَ لَهُمْ.
وقوله سبحانه: فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ.
قال كثير من العلماءِ: «عسى» من الله واجبة.
قال ع «٣» : وهذا ظَنُّ حَسَنٌ باللهِ تعالى يُشْبِهُ كَرَمَه وفَضْلَه سبحَانه، واللازِمُ مِنْ «عسى» : أنها تَرْجِيَة لاَ وَاجِبَة، وفي كتاب الله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم: ٥] .
ت: ومعنى الوجوب هنا: الوقوع.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ أيْ: سَماعُ فَهْمٍ وقَبُولٍ فَتَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى؟!
ومَعْنى ﴿ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ : تَسْتَرِيحُونَ مِنَ الحَرَكَةِ والنَّصَبِ ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والضَّلالَةِ؟!
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ رَحْمَةٌ مِنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ يَعْنِي في اللَّيْلِ ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ أيْ: لِتَلْتَمِسُوا مِن رِزْقِهِ بِالمَعاشِ في النَّهارِ ﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ أيْ: أخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولَها الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيْها بِالتَّبْلِيغِ ﴿ فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ أيْ: حُجَّتُكم عَلى ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِي ﴿ فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: بَطَلٌ في الآخِرَةِ ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الشُّرَكاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أُمُورًا يَشْهَدُ عَقْلُ كُلِّ مَفْطُورٍ بِأنَّ الأصْنامَ لا شَرِكَةَ لَها فِيها، فَمِنها عِلْمُ ما في النُفُوسِ وما يَهْجِسُ بِالخَواطِرِ.
و"تُكِنُّ" مَعْناهُ: تَسْتُرُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَكُنُّ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الكافِ، وعَبَّرَ عَنِ القَلْبِ بِالصَدْرِ حَيْثُ كانَ مُحْتَوِيًا عَلَيْهِ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ السِرَّ والإعْلانَ.
ثُمْ أفْرَدَ نَفْسَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ ونَفاها عَمّا سِواهُ، وأخْبَرَ أنَّ الحَمْدَ لَهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، إذْ لَهُ الصِفاتُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ، والحُكْمُ لَهُ.
وهو -فِي هَذا المَوْضِعِ- الفَصْلُ والقَضاءُ في الأُمُورِ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى بِالرَجْعَةِ إلَيْهِ والحَشْرِ.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم عَلى أمْرِ اللَيْلِ والنَهارِ، وما مَنَحَ اللهُ تَعالى فِيهِما مِنَ المَصالِحِ والمَرافِقِ، وأنْ يُوقِفَهم عَلى إنْعامِهِ تَعالى بِتَوْفِيقِ اللَيْلِ والنَهارِ، وأنَّهُ لَوْ مَدَّ أحَدَهُما سَرْمَدًا لَما وجَدَ مَن يَأْتِي بِالآخَرِ.
و"السَرْمَدُ" مِنَ الأشْياءِ: الدائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: "بِضِياءٍ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلَ: "بِضِئاءٍ" بِهَمْزَتَيْنِ، وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ.
ثُمْ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ انْقِسامَ اللَيْلِ والنَهارِ عَلى السُكُونِ وابْتِغاءِ الفَضْلِ بِالمَشْيِ والتَصَرُّفِ، وهَذا هو الغالِبُ في أمْرِ اللَيْلِ والنَهارِ، فَعَدَّدَ النِعْمَةَ بِالأغْلَبِ، وإنْ وُجِدَ مَن يَسْكُنُ بِالنَهارِ ويَبْتَغِي فَضْلَ اللهِ بِاللَيْلِ فَشاذٌّ نادِرٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ إنَّما عَبَّرَ بِهِ عَنِ الزَمانِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ لِتَقْسِيمٍ، أيْ: في هَذا الوَقْتِ الَّذِي هو لَيْلٌ ونَهارٌ يَقَعُ السُكُونُ وابْتِغاءُ الفَضْلِ.
وقَوْلُهُ: "وَلَعَلَّكُمْ" أيْ عَلى نَظَرِ البَشَرِ، مَن يَرى هَذا التَلَطُّفَ والرِفْقَ يَرى أنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي الشُكْرَ ولا بُدَّ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من الاستدلال على انفراده تعالى بالإلهية بصفات ذاته إلى الاستدلال على ذلك ببديع مصنوعاته، وفي ضمن هذا الاستدلال إدماج الامتنان على الناس وللتعريض بكفر المشركين جلائل نعمه.
ومن أبدع الاستدلال أن اختير للاستدلال على وحدانية الله هذا الصنع العجيب المتكرر كل يوم مرتين، والذي يستوي في إدراكه كل مميز، والذي هو أجلى مظاهر التغير في هذا العالم فهو دليل الحدوث وهو مما يدخل في التكيف به جميع الموجودات في هذا العالم حتى الأصنام فهي تظلم وتسود أجسامها بظلام الليل وتشرق وتضيء بضياء النهار، وكان الاستدلال بتعاقب الضياء والظلمة على الناس أقوى وأوضح من الاستدلال بتكوين أحدهما لو كان دائماً، لأن قدرة خالق الضدين وجاعل أحدهما ينسخ الآخر كل يوم أظهر منها لو لم يخلق إلا أقواهما وأنفعهما، ولأن النعمة بتعاقبهما دوماً أشد من الأنعام بأفضلهما وأنفعهما لأنه لو كان دائماً لكان مسؤوماً ولحصلت منه طائفة من المنافع، وفقدت منافع ضده.
فالتنقل في النعم مرغوب فيه ولو كان تنقلاً إلى ما هو دون.
وسيق إليهم هذا الاستدلال بأسلوب تلقين النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم اهتماماً بهذا التذكير لهذا الاستدلال ولاشتماله على ضدين متعاقبين، حتى لو كانت عقولهم قاصرة عن إدراك دلالة أحد الضدين لكان في الضد الآخر تنبيه لهم، ولو قصروا عن حكمة كل واحد منهما كان في تعاقبهما ما يكفي للاستدلال.
وجيء في الشرطين بحرف ﴿ إن ﴾ لأن الشرط مفروض فرضاً مخالفاً للواقع.
وعلم أنه قصد الاستدلال بعبرة خلق النور، فلذلك فرض استمرار الليل، والمقصود ما بعده وهو قوله ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ .
والسرمد: الدائم الذي لا ينقطع.
قال في «الكشاف»: من السرد وهو المتابعة ومنه قولهم في الأشهر الحُرم: ثلاثة سرد وواحد فرد.
والميم مزيدة ووزنه فعمل، ونظيره دُلامص من الدلاص اه.
دُلامص (بضم الدال وكسر الميم) من صفات الدرع وأصلها دِلاص (بدال مكسورة) أي براقة.
ونسب إلى صاحب «القاموس» وبعض النحاة أن ميم سرمد أصلية وأن وزنه فعلل.
والمراد بجعل الليل سرمداً أن لا يكون الله خلق الشمس ويكون خلق الأرض فكانت الأرض مظلمة.
والرؤية قلبية.
والاستفهام في ﴿ أرأيتم ﴾ تقريري، والاستفهام في ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ إنكاري وهم معترفون بهذا الانتفاء وأن خالق الليل والنهار هو الله تعالى لا غيره.
والمراد بالغاية في قوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ إحاطة أزمنة الدنيا وليس المراد انتهاء جعله سرمداً.
والإتيان بالضياء وبالليل مستعار للإيجاد؛ شبه إيجاد الشيء الذي لم يكن موجوداً بالإجاءة بشيء من مكان إلى مكان، ووجه الشبه المثول والظهور.
والضياء: النور.
وهو في هذا العالم من شعاع الشمس قال تعالى ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وتقدم في سورة يونس (5).
وعُبر بالضياء دون النهار لأن ظلمة الليل قد تخف قليلاً بنور القمر فكان ذكر الضياء إيماء إلى ذلك.
وفي تعدية فعل ﴿ يأتيكم ﴾ في الموضعين إلى ضمير المخاطبين إيماء إلى أن إيجاد الضياء وإيجاد الليل نعمة على الناس.
وهذا إدماج للامتنان في أثناء الاستدلال على الانفراد بالإلهية.
وإذ قد استمر المشركون على عبادة الأصنام بعد سطوع هذا الدليل وقد علموا أن الأصنام لا تقدر على إيجاد الضياء جعلوا كأنهم لا يسمعون هذه الآيات التي أقامت الحجة الواضحة على فساد معتقدهم، ففرع على تلك الحجة الاستفهام الإنكاري عن انتفاء سماعهم بقوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ أي أفلا تسمعون الكلام المشتمل على التذكير بأن الله هو خالق الليل والضياء ومنه هذه الآية.
وليس قوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ تذييلاً.
وكرر الأمر بالقول في مقام التقرير لأن التقرير يناسبه التكرير مثل مقام التوبيخ ومقام التهويل.
وعُكس الاستدلال الثاني بفرض أن يكون النهار وهو انتشار نور الشمس، سرمداً بأن خلق الله الأرض غير كروية الشكل بحيث يكون شعاع الشمس منتشراً على جميع سطح الأرض دوماً.
ووصف الليل ب ﴿ تسكنون فيه ﴾ إدماج للمنة في أثناء الاستدلال للتذكير بالنعمة المشتملة على نعم كثيرة وتلك هي نعمة السكون فيه فإنها تشمل لذة الراحة، ولذة الخلاص من الحر، ولذة استعادة نشاط المجموع العصبي الذي به التفكير والعمل، ولذة الأمن من العدوّ.
ولم يوصف الضياء بشيء لكثرة منافعه واختلاف أنواعها.
وتفرع على هذا الاستدلال أيضاً تنزيلهم منزلة من لا يبصرون الأشياء الدالة على عظيم صنع الله وتفرده بصنعها وهي منهم بمرأى الأعين.
وناسب السمع دليل فرض سرمدة الليل لأن الليل لو كان دائماً لم تكن للناس رؤية فإن رؤية الأشياء مشروطة بانتشار شيء من النور على سطح الجسم المرئي، فالظلمة الخالصة لا تُرى فيها المرئيات.
ولذلك جيء في جانب فرض دوام الليل بالإنكار على عدم سماعهم، وجيء في جانب فرض دوام النهار بالإنكار على عدم إبصارهم.
وليس قوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ تذييلاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَنَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أخْرَجْنا مِن كُلِّ أمَةٍ رَسُولًا مَبْعُوثًا إلَيْها.
الثّانِي: أحْضَرْنا مِن كُلِّ أمَةٍ رَسُولًا يَشْهَدُ عَلَيْها أنْ قَدْ بَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ إلَيْها، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حُجَّتُكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: بَيِّنَتُكم، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العَدْلَ لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: التَّوْحِيدُ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: الحُجَّةُ لِلَّهِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ يَعْنِي في القِيامَةِ.
﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الكَذِبِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن جعل الله عليكم الليل سرمداً ﴾ قال: دائماً.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سرمداً ﴾ قال: دائماً لا ينقطع.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ سرمداً إلى يوم القيامة ﴾ قال: دائماً ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ قال.
بنهار.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ قال: في الليل ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ قال: في النهار.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونزعنا من كل أمة شهيداً ﴾ قال: رسولاً ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ قال: هاتوا حجتكم بما كنتم تعبدون وتقولون.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ونزعنا من كل أمة شهيداً ﴾ قال: شهيدها: نبيها.
ليشهد عليها أنه قد بلغ رسالات ربه ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ قال: بَيّنَتَكُمْ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وضلّ عنهم ﴾ في القيامة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ يكذبون في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد: تأوون فيه إلى مساكنكم، كما تأوي الطير إلى وكورها (١) وقال مقاتل: تستقرون فيه من النَّصَب (٢) وقال أهل المعاني: امتن الله على عباده بالليل للسكون والراحة، ولا ليل في الجنة؛ لأن دار التكليف لابد فيها من التعب الذي يحتاج معه إلى الراحة والحمَّام (٣) قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أنتم عليه من الخطأ والضلالة والظلم.
وقال الكلبي: أفلا تعقلون أنه ليس معه إله غيره يفعل ذلك بكم.
قال أصحابنا: الإتيان من دلائل إثبات صانع واحد، وذلك أنه كان يجوز في العقل دوام كون الظلمة، وكذلك الضياء، فلما تعاقبا دلا على صانع يكور أحدهما على الآخر، ولما كان تعاقبهما على حسابٍ معلوم في الزيادة والنقصان، لا يختلفان في عام منذ خلقا، دل ذلك على توحيد الصانع؛ إذ لو كان معه إله لأشبه أن يريدَ أحدُهما بقاءَ الليل حين يريد الآخر انقضاءه، وكذلك ضياء النهار، فيختلفان حينئذ في حسابهما.
(١) أخرج ابن أبي حاتم 9/ 3003، عن السدي ﴿ تَسْكُنُونَ ﴾ تقرون فيه.
وفي "تنوير المقباس" 330: تستقرون فيه.
(٢) "تفسير مقاتل" 68 ب.
(٣) الحميم: الماء الحار، والحمَّام: مشتق منه، تذكَّره العرب.
"تهذيب اللغة" 4/ 15 (حمم).
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة ﴾ قيل إن الحمد في الآخرة قولهم: ﴿ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ [الزمر: 74] أو قولهم: ﴿ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن ﴾ [فاطر: 34] وفي ذكر الأولى مع الآخرة مطابقة ﴿ سَرْمَداً ﴾ أي دائماً، والمراد بالآيات إثبات الوحدانية وإبطال الشرك، فإن قيل: كيف قال ﴿ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ ﴾ ، وهلا قال: يأتيكم بنهار في مقابلة قوله: ﴿ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ ﴾ فالجواب أنه ذكر الضياء لجملة ما فيه من المنافع والعبر ﴿ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ أي في الليل ﴿ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ أي في النهار، ففي الآية لف ونشر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عندي أولم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن فليح وأبو عمرو وخزاعي عن أصحابه وابن مجاهد وأبو عون والسرندي عن قنبل.
الباقون بالإسكان ﴿ ويكأن ﴾ ﴿ ويكأنه ﴾ الوقف على الياء: أبو عمرو ويعقوب ﴿ ويك ﴾ الوقف على الكاف و ﴿ ويكأنه ﴾ موصولة: روى السوسي عن السرندي وهو مذهب حمزة.
الباقون كلاهما موصلان ﴿ لخسف ﴾ على البناء للفاعل: سهل ويعقوب وحفص ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ بضياء ﴾ ط ﴿ تسمعون ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ص لأن الواو للحال أي وقد آتينا مع طول الكلام ﴿ القوّة ﴾ ط بناء على أن التقدير و"أذكر" إذ قال: وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ تنوء ﴾ فلا وقف ﴿ الفرحين ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ عندي ﴾ ط ﴿ جمعاً ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ في زينته ﴾ ط لعدم العاطف واختلاف القائل.
﴿ قارون ﴾ لا لأن ما بعده تعليل التمني ولو ابتدأنا لحكمنا بأنه ذو حظ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ج لأن ما بعده احتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله، واحتمل أن يكون من قول أهل العلم ﴿ الصابرون ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ق قد قيل: لتفصيل الاعتبار ﴿ المنتصرون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج للابتداء بلولا مع اتحاد المقول ﴿ لخسف بنا ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ولا فساداً ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ج لعطف جملة الشرط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معاد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ للكافرين ﴾ ه ز للآية مع العطف ﴿ المشركين ﴾ ه للآية وخلو المعطوف عن نون التأكيد التي خلت المعطوف عليه مع اتفاق الجملتين آخراً احترازاً من إيهام كون ما بعده صفة ﴿ آخر ﴾ ه ﴿ لا إله إلا هو ﴾ ط ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: لما بين حقيقة آلهيته واستحقاقه للحمد المطلق وأن مرجع الكل إلى حكمته وقضائه، أتبعه بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه أحد سواه وهو تبديل ظلام الليل بضياء النهار وبالعكس.
والمعنى: أخبروني من يقدر على هذا؟
والسرمد الدائم المتصل من السرد، والميم زائدة، وانتصابه على أن مفعول ثانٍ لجعل أو على الحال، وإلى متعلق بجعل أو بـ ﴿ سرمداً ﴾ ، ومنافع الليل والنهار والاستدلال بهما على كمال قدرة الله تعالى قد تقدمت مراراً.
قال جار الله: وإنما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قيل: ﴿ بليل تسكنون فيه ﴾ لأن الضياء وهو ضوء الشمس تتعلق به المنافع المتكاثرة وليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثَمّ قرن بالضياء ﴿ أفلا تسمعون ﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل ﴿ أفلا تبصرون ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.
قال الكلبي: ﴿ أفلا تسمعون ﴾ معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك.
وقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.
وقال أهل البرهان: قدم الليل على النهار لأن ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل.
وإنما ختم الاية الأولى بقوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ بناء على الليل، وختم الأخرى بقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ بناء على النهار والنهار مبصر وآية النهار مبصرة.
ثم بين أن من رحمته زواجه بين الليل والنهار لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ولإرادة الشكر على النعمتين جميعاً.
وفي الآية طريقة اللف ثقة بفهم السامع وذلك لأن السكون بالنهار وإن كان ممكناً وكذا الابتغاء من فضل الله بالليل إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره فلهذا خصه به.
وفي تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء دليل على أنه لا شيء أسخط عند الله من الإشراك به، ويعلم منه أنه لا شيء أجلب لرضاه من الشهادة بوحدانيته.
وفحوى الخطاب: أين الذين ادّعيتم إلهيتهم لتخلصكم أو أين الذين قلتم إنها تقربكم إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله؟
فيكون ذلك زيادة في غمهم.
ومعنى ﴿ ونزعنا ﴾ وأخرجنا ﴿ من كل أمة شهيداً ﴾ قال بعضهم: هونبيهم لأن الأنبياء يشهدون أنهم بلغوا أمتهم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زيادة في غمهم أيضاً.
وقال آخرون: بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان، ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب، لأنه عم كل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه أزمنة الفترات والأزمنة التي بعد محمد .
﴿ فقلنا ﴾ للأمة ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ فيما كنتم عليه من الشرك وخلاف الرسول ﴿ فعلموا ﴾ حينئذ ﴿ أن الحق لله ﴾ ورسوله وغاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من الباطل والزور.
ثم عقب حديث أهل الضلال بقصة قارون.
وهو اسم أعجمي ولهذا لم ينصرف بعد العلمية ولو كان "فاعولاً" من قرن لا نصرف.
والظاهر أنه كان ممن آمن بموسى، هذا ظاهر نص القرآن ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة.
قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى.
وقيل: كان موسى ابن أخيه وكان يسمى المنوّر لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة إلا أنه نافق كما نافق السامري.
وقال: إذا كانت النبوّة لموسى والذبح والقربان إلى هارون فما لي؟
وفي قوله ﴿ فبغى عليهم ﴾ وجوه أحدها: أن بغيه استخفافه بالفقراء.
وثانيها أن ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم.
وقال القفال: معناه طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده.
وقال الضحاك: طغى عليهم واستطال فلم يوافقهم في أمر.
ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم ومثله عن شهر بن حوشب قال: بغيه أنه زاد عليهم في الثياب شبراً فهذا يعود إلى التكبر.
الكلبي: بغيه حسده وذلك أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة له والوزارة لهارون، وكان القربان إلى موسى فجعله إلى هارون فوجد قارون في نفسه حسدهما فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء إلى متى اصبر؟
قال موسى: هكذا حكم الله.
قال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يأتي كل واحد بعصا فألقى مجموع العصيّ في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها فأصبحوا فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر.
واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال كما أخبر الله عن ذلك بقوله ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ سأل الكلبي: الستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف إيتاء مال قارون إلى نفسه؟
فأجاب بأنه لا حجة في أن ماله حرام لجواز أنه ظفر بكنز لبعض الملوك الخالية، وكان الظفر عندهم طريق التملك، أو لعله وصل إليه بالإرث من جهات، أو بالكسب من جهة المضاربات وغيرها.
والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به الباب، أو جمع مفتح بالفتح وهو الخزانة.
فمن الناس من طعن في القول الأول لأن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوأة من الذهب لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ولهذا قال أبو رزين: يكفي للكوفة مفتاح واحد.
وأيضاً الكنوز هي الأموال المدفونة في الأرض ولا يتصوّر لها مفتاح.
أجاب الناصرون للقول الأول وهو اختيار ابن عباس والحسن: أن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقود جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد.
وأيضاً ما روي أن مفاتيحه كانت من جلود الإبل وكل مفتاح إصبع ولكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب حملت المفاتيح ستون بغلاً غير مذكور في القرآن.
فالصواب أن يفسر قوله ﴿ لتنوء ﴾ أي تنهض مثقلاً بأن تلك الخزائن يعسر ضبطها ومعرفتها على أهل القوّة في الحساب، وقريب منه قول أبي مسلم: إن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ والمراد أن حفظها والاطلاع عليها يثقل على العصبة أولي القوّة والمتانة في الرأي.
وظاهر الكنوز وإن كان من جهة العرف هو المال المدفون إلا أنه قد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق.
وأيضاً لا استبعاد في أن يكون موضع المال المدفون بيتاً تحت الأرض له غلق ومفتاح معه.
و ﴿ لا تفرح ﴾ كقوله ﴿ ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن ورضي بها.
قال ابن عباس: كان حبه ذلك شركاً لأنه ما كان يخاف معه عقوبه الله : ﴿ وابتغ فيما آتاك الله ﴾ من المال والثروة ﴿ الدار الآخرة ﴾ يعني أسباب حصول سعاداتها من أصناف الخيرات والمبرات الواجبة والمندوبة فإن ذلك هو نصيب المؤمن من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولا تنسَ نصيبك من الدنيا ﴾ ويحتمل أن يراد به اللذات المباحة.
وحين أمروه بالإحسان المالي أمروه بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن الغيبة والحضور.
وفي قوله ﴿ كما أحسن الله إليك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ وإلى ما قال الحكماء: المكافأة في الطبيعة واجبة.
و ﴿ الفساد في الأرض ﴾ المنهي عنه هو ما كان عليه من الظلم والبغي.
وهذا القائل موسى أو مؤمنو قومه وهو ظاهر اللفظ.
وكيف كان فقد جمع في هذه الألفاظ من الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد لكنه أبي أن يقبل بل تلقى النصح بكفران النعمة قائلاً ﴿ إنما آوتيته على علم عندي ﴾ قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك.
وقال سعيد بن المسيب والضحاك: إن موسى أنزل عليه الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وطالوت ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً.
وقيل: أراد علمه بوجوه المكاسب والتجارات.
وقيل: أراد إن الله أعطاني ذلك على علم له بحالي وباستئهالي لذلك.
وقوله ﴿ عندي ﴾ الأمر كذلك اي في اعتقادي وفي ظني فأجابه الله بقوله ﴿ أولم يعلم ﴾ الآية.
قال علماء المعاني: يجوز أن يكون المعنى بالاستفهام إثباتاً لعلمه لأنه قد قرأ في التوراة أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية وحفظها من موسى وغيره فكأنه قيل: إنه قد علم ذلك فلم اغتر بكثرة ماله وأعوانه؟
ويجوز أن يراد به نفي العلم لأنه لما تحدّى بكونه من أهل العلم حيث قال ﴿ على علم عندي ﴾ وبخه الله أنه لم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهلكى.
ووجه اتصال قوله ﴿ ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ بما قبله أنه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه عالم بكل المعلومات.
وقال أبو مسلم: أراد أنهم لا يسألون سؤال استيقان وإنما يسألون سؤال تقريع ومحاسبة ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ عن الحسن: في الحمرة والصفرة.
وقيل: خرج على بغلة شهباء عليه ثوب أحمر أرجواني، وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه.
وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عيلهن الحلى والثياب الفاخرة.
وقيل: في تسعين ألفاً عليهم الثياب الصفر.
قال الراغبون في الحياة العاجلة ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إِنه لذو حظ عظيم ﴾ والحظ الجد والبخت.
عن قتادة: كانوا مسلمين تمنوا ذلك رغبة في الإنفاق في سبيل الخير.
وقال آخرون: كانوا كفاراً وقد مر في سورة النساء تحقيق الغبطة والحسد في قوله ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ ﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ بأحوال الدنيا وأنها عند الآخرة كلا شيء ﴿ ويلكم ﴾ وأصله الدعاء بالهلاك إلا أنه قد يستعمل في الردع والزجر بطريق النصح والإِشفاق، والضمير في قوله ﴿ ولا يلقاها ﴾ عائد إلى الكلمة المذكورة وهي قوله ﴿ ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ﴾ أو إلى الصواب بمعنى المثوبة.
أو بتأويل الجنة، أو إلى السير والطريقة أي لا يلزم هذه السيرة ﴿ إلا الصابرون ﴾ على الطاعات وعن الشهوات وعلى ما قسم الله وحكم به من الغنى وضده، وظاهر حال قارون ينبئ عن أنه كان ذا أشر وبطر واستخفاف بحقوق الله واستهانة بنبيه وكتابه، فلا جرم خسف الله به وبدراه الأرض، إلا أن المفسرين فصلوا فقالوا: كان يؤذي نبي الله موسى وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل الف درهم على درهم، فحسبه فاستكثر فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمر بما شئ.
فقال: ائتوا إلى فلانة البغي حتى ترميه بنفسها في جمع بني إسرائيل فجعل لها ألف دينار أو طستاً مملوءاً من ذهب.
فلما كان يوم عيد قام موسى فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه.
فقال قارون: وإن كنت أنت؟
قال: وإن كنت أنا.
قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة.
فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك.
فقال: يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فيعتزل فاعتزلوا جميعهاً غير رجلين.
ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط.
ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون واصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه.
ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم.
فأوحى الله إلى موسى ما أفظك!
استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً.
قلت: لعل استغاثته كانت مقرونة بالتوبة وإلا فالعتاب بعيد.
ثم إن بني إسرائيل أصبحوا يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستفيد داره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله.
ومعنى ﴿ من المنتصرين ﴾ من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله ﴿ وأصبح الذين تمنوا مكانه ﴾ أي منزلته من الدنيا وأسبابها ﴿ بالأمس ﴾ أي بالزمان المتقدم ﴿ يقولون ﴾ راغبين في طاعة الله والرضا بقضائه وقسمته ﴿ ويكأن الله ﴾ من قرأ ﴿ وي ﴾ مفصولة عن ﴿ كأن ﴾ وهو مذهب الخليل وسيبويه فهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم كأنهم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وتندموا ثم قالوا ﴿ كأنه لا يفلح الكافرون ﴾ أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح نظير هذا الاستعمال قول الشاعر: ويكأن من يكن له نشب يحـ *** ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر وعند الكوفيين: ويك بمعنى ويلك أي ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون.
حكى هذا القول قطرب عن يونس، وجوّز جار الله أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى ﴿ وي ﴾ واللام مقدر قبل أن لبيان المقول لأجله هذا القول والتعليل أي لأنه لا يفلح الكفار كان ذلك الخسف.
قال في الكشاف قوله ﴿ تلك ﴾ تعظيم للدار الآخرة وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت ذكرها وبلغك وصفها.
قلت: يحتمل أن يكون للتبعيد حقيقة.
وفي قوله ﴿ لا يريدون ﴾ دون أن يقول "يتركون" زجر عظيم ووعظ بليغ كقوله ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ حيث علق الوعيد بالركون عن علي أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحته.
ومن الناس من رد العلو إلى فرعون والفساد إلى قارون لقوله ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ وقال في قصة قارون ﴿ ولا تبغ الفساد في الأرض ﴾ وضعف هذا التخصيص بيِّن لقوله في خاتمة الآية ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ قوله ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ الآية، قد مر تفسير مثله في آخر "الأنعام" وفي آخر "النمل".
وقوله ﴿ فلا يجزى الذين عملوا السيئات ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر إذ كان يكفي أن يقال: "فلا تجزون" إلا أنه أراد فضل تهجين لحالهم بإسناد عمل السيئات إليهم مكرراً، وفي ذلك لطف للسامعين في زيادة تبغيض السيئة إلى قلوبهم.
ثم أراد أن يسلي رسوله في خاتمة السورة فقال ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن ﴾ أي أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ وأي معاد فتنكير المعاد للتعظيم وأنه ليس لغيره من البشر مثله يعني أن الذي حملك صعوبة تكلي التبليغ وما يتصل به لمثيبك عليها ثواباً لا يحيط به الوصف.
وقيل: أراد عوده إلى مكة يوم الفتح، ووجه التنكير ظاهر لأن مكة يومئذ كانت معاداً له شأن لغلبة المسلمين وظهور عز الإسلام وأهله وذل أهل الشرك وحزبه والسورة مكية.
فقيل: وعده وهو بمكة في أذى من أهلها أنه مهاجر بالنبي منها ويعيده إليها في ظفر ودولة.
وقيل: نزلت عليه هذه الآية حين بلغ الجحفة في مهاجرة وقد اشتاق إلى وطنه.
وفي الآية إخبار عن الغيب وقد وقع كما أخبر فيكون فيه إعجاز دال على نبوّته.
وحين وعد رسوله الردّ إلى المعاد المعتبر قال ﴿ قل ﴾ لأهل الشرك ﴿ ربي أعلم ﴾ يعني نفسه وإياهم بما يستحقه كل من الفريقين في معاده، ولا يخفى أن هذا كلام منصف واثق بصدقه وحقيته.
ثم ذكر رسوله ما أنعم به عليه فقال ﴿ وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ﴾ قال أهل العربية: هذا الاستثناء محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة، أو "إلا" بمعنى "لكن" أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك.
ثم نهاه عن اتباع أهواء أهل الشرك وقد مرّ مراراً أن مثل هذا النهي من باب التهييج له ولأمته.
ثم إن مرجع الكل إليه فقال ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم أي يعدم كل شيء سواه، والوجه يعبر به عن الذات، ومنهم من فسر الهلاك بخروجه عن كونه منتفعاً به منفعته الخاصة به إما بالإماتة أوبتفريق الأجزاء كما يقال "هلك الثوب وهلك المتاع" وقال أهل التحقيق: معنى الهلاك كونه في حيز الإمكان غير مستحق للوجود ولا للعدم من عند ذاته، وإن سميت المعدوم شيئاً فممتنع الوجود أحق كل شيء بأن يسمى هالكاً.
استدلت المعتزلة بالآية على أن الجنة والنار غير مخلوقتين لأنهما لو كانتا مخلوقتين لعرض لهما الفناء بحكم الآية، وهذا يناقض قوله ﴿ أكلها دائم ﴾ وعورض بقوله ﴿ اعدّت للمتقين ﴾ و ﴿ أعدت للكافرين ﴾ ويحتمل أن يقال الكل بمعنى الأكثر ومن هناك قال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار.
وقيل: إلا العلماء فإن علمهم باق.
ويمكن أن يقال إن زمان فناء الجنة لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها فلا جرم أطلق لفظ الدوام عليه ومن فسر الهلاك بالإمكان فلا إشكال والله أعلم.
التأويل: ﴿ أرايتم إن جعل الله عليكم ﴾ ليل الفراق عند استيلاء ظلمة البشرية ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ نهار الوصل والتجلي ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ﴾ نهار الوصل بطلوع شمس التجلي ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بليل ﴾ سر تسكنون فيه عن وعثاء سطوة التجلي ﴿ ومن رحمته جعل لكم ﴾ ليل السر ونهار التجلي فإن العاشق لو دام في التجلي كان يستهلك وجوده، وكان النبي يقول "إنه ليغان على قلبي" وقال لعائشة: كلميني يا حميراء.
وذلك لتخرجه من سطوات شمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب.
وليس هذا السر من قبيل الحجاب وإنما هو من جملة الرحمة واللطف نظيره الشمس في عالم الصورة فإنها في خط الاستواء تحرق، وفي الآفاق الرحوية لا تؤثر، وفي الآفاق الحملية يعتدل الحر والبرد فتكثر العمارة وتسهل ويعيش الحيوان ﴿ ونزعنا من كل أمة ﴾ من أرباب النفوس ﴿ شهيداً ﴾ هو القلب الحاضر ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ وهو حقيقة التوحيد التي لا تحصل بالفعل إلا بجذبة خطاب الحق فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق لله ﴿ إن قارون ﴾ النفس ﴿ كان من قوم موسى ﴾ القلب لأن الله جعل النفس تبعاً للقلب وجعل سعادتها في متابعة ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ المودعة في صفاتها قد أهلك من قبله من القرون كإبليس فإنه أكثر علماً وطاعة ﴿ في زينته ﴾ هي التي زين حبها للناس من النساء والبنين وغير ذلك ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ وهم صفات النفس.
﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ وهو صفات الروح ﴿ فخسفنا به ﴾ الأرض دركات السفل ﴿ وبداره ﴾ وهي قالبه أرض جهنم يتغلغل فيها إلى يوم القيامة بل إلى الأبد ﴿ نجعلها للذين لا يريدون ﴾ كما قال في بعض الكتب المنزلة: عبدي أنا ملك حي لا أموت أبداً، أطعني أجعلك ملكاً حياً لا تموت أبداً.
عبدي أنا ملك إذا قلت لشيء كن فيكون، أطعني أجعلك ملكاً إذا قلت لشيء كن فيكون.
وعن النبي "عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت" ﴿ إن الذي فرض ﴾ أي أوجب عليك التخلق بخلق القرآن ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ هو مقام الفناء في الله والبقاء به ﴿ قل ربي أعلم من جاء بالهدى ﴾ وهو بذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي ﴿ إلا رحمة من ربك ﴾ أي إلا أنا ألقينا الكتاب إليك إلقاء الإكسير على النحاس فتخلقت بخلق القرآن والله المستعان.
قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : أو إن جعل النهار سرمداً، أي: دائماً لا ليل فيه...
إلى آخر ما ذكر من قوله: ﴿ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ ﴾ و ﴿ أَفلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ يخرج ذكره لوجهين: أحدهما: في تسفيههم في صرف العبادة والشكر إلى الأصنام التي كانوا يعبدونها على علم منهم أنها لا تملك شيئاً مما ذكر، من جعل الليل نهارا وجعل النهار ليلا، وتركهم عبادة من يعرفون أنه يملك ذلك كله؛ وكذلك ما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ...
﴾ الآية [الزمر: 38]، يقول - والله أعلم -: فإذا لا يملك ما تعبدون من دون الله دفع ضر أراده الله فيه وجعله رحمة، ولا دفع رحمة أرادها الله وجعله ضرّاً، فكيف تعبدونها وتتركون عبادة من يملك جعل هذا هذا ودفع هذا بهذا؟
فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: كيف تعبدون من لا يملك جعل الزمان كله ليلا دائماً لا نهار فيه، وجعل النهار نهارا كله دائماً لا ليل فيه، وتتركون عبادة من يملك ذلك كله يجعل وقت الراحة والقرار.
والثاني: يذكرهم عظيم نعمه ومننه حيث أنشأ هذا العالم محتاجاً إلى ما به قوام أنفسهم وأبدانهم في دينهم ودنياهم، ثم جعل ذلك كله على التعاون والتظاهر بعضهم بعضا ما لو جعل ذلك على غير ذلك لا يقوم أنفسهم وأبدانهم بذلك؛ حيث جعل الليل وقتاً للراحة والسكون، والنهار وقتاً للتقلب والتعيش، ولو كان ذلك كله وقتاً للراحة لا يقوم أنفسهم أبداً للتعيش والكسب، ولو كان كله وقتاً للتقلب والكسب لا راحة فيه لا تقوم أيضاً أنفسهم بذلك، لكنه - من رحمته وفضله - جعل لهم وقتاً للراحة، ثم جعله للكل لا لبعض دون بعض؛ وكذلك ما جعله وقتاً للتقلب إنما جعله كذلك للكل لا لبعض دون بعض؛ ليقوم لهم أسباب العيش، وما به قوام أنفسهم وأبدانهم، ولو كان ذلك كله وقتاً لأحدهما لم تقم أنفسهم، ولا بقي هذا العالم إلى الوقت الذي كتب له البقاء إلى ذلك الوقت وهو ما ذكر: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ ﴾ ، و ﴿ أَفلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ إنما هو سمع عقل وقلب وبصر عقل؛ كأنه يقول: أفلا تسمعون هذا بالعقل وأفلا تبصرون بالعقل، والله أعلم؛ كقوله: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ...
﴾ الآية [الحج: 46].
<div class="verse-tafsir"
قل لهم -أيها الرسول-: أخبروني إن صيّر الله عليكم النهار دائمًا مستمرًّا إلى يوم القيامة، من معبود غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه لتستريحوا من عناء العمل في النهار؟!
أفلا تبصرون هذه الآيات، وتعلمون أن لا إله إلا الله يأتيكم بذلك كله؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.52WxY"