الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٧٧ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 128 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٧ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) أي : استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة ، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات ، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة .
( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) أي : مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح ، فإن لربك عليك حقا ، ولنفسك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، ولزورك عليك حقا ، فآت كل ذي حق حقه .
( وأحسن كما أحسن الله إليك ) أي : أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك ( ولا تبغ الفساد في الأرض ) أي : لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض ، وتسيء إلى خلق الله ( إن الله لا يحب المفسدين ) .
القول في تأويل قوله تعالى : وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل قوم قارون له: لا تبغ يا قارون على قومك بكثرة مالك, والتمس فيما آتاك الله من الأموال خيرات الآخرة, بالعمل فيها بطاعة الله في الدنيا وقوله: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) يقول: ولا تترك نصيبك وحظك من الدنيا, أن تأخذ فيها بنصيبك من الآخرة, فتعمل فيه بما ينجيك غدا من عقاب الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) يقول: لا تترك أن تعمل لله في الدنيا.
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا يحيى بن آدم, عن سفيان, عن الأعمش, عن ابن عباس ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) قال: أن تعمل فيها لآخرتك.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا قرة بن خالد, عن عون بن عبد الله ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) قال: إن قوما يضعونها على غير موضعها.
ولا تنس نصيبك من الدنيا: تعمل فيها بطاعة الله.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا عبد الله بن المبارك, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) قال: العمل بطاعته.
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا يحيى بن يمان, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: تعمل في دنياك لآخرتك.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) قال: العمل فيها بطاعة الله.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدننا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن عيسى الجُرَشِيّ, عن مجاهد: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) قال: أن تعمل في دنياك لآخرتك.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن مجاهد, قال: العمل بطاعة الله: نصيبه من الدنيا, الذي يُثاب عليه في الآخرة.
حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) قال: لا تنس أن تقدم من دنياك لآخرتك, فإنما تجد في آخرتك ما قدمت في الدنيا, فيما رزقك الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تترك أن تطلب فيها حظك من الرزق.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ): قال الحسن: ما أحلّ الله لك منها, فإن لك فيه غنى وكفاية.
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا محمد بن حميد المعمري, عن معمر, عن قَتادة: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) قال: طلب الحلال.
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا حفص, عن أشعث, عن الحسن: ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ): قال: قدِّم الفضل, وأمسك ما يبلغك.
القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: الحلال فيها.
وقوله: ( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) يقول: وأحسن في الدنيا إنفاق مالك الذي آتاكه الله, في وجوهه وسبله, كما أحسن الله إليك, فوسع عليك منه, وبسط لك فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) قال: أحسن فيما رزقك الله.
(ولا تبغ الفساد في الأرض) يقول: ولا تلتمس ما حرّم الله عليك من البغي على قومك.
(إِن الله لا يحب المفسدين) يقول: إن الله لا يحبّ بغاة البغي والمعاصي.
قوله تعالى : وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة أي اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة ; فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي .قوله تعالى : ولا تنس نصيبك من الدنيا اختلف فيه ; فقال ابن عباس والجمهور : لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك ; إذ الآخرة إنما يعمل لها ، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها ، فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة وقال الحسن وقتادة : معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ونظرك لعاقبة دنياك ، فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة ; قاله ابن عطية .قلت : وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله : احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا وعن الحسن : قدم الفضل ، وأمسك ما يبلغ .
وقال مالك : هو الأكل والشرب بلا سرف .
وقيل : أراد بنصيبه الكفن ، فهذا وعظ متصل ; كأنهم قالوا : لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن ونحو هذا قول الشاعر :نصيبك مما تجمع [ من ] الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوطوقال آخر :وهي القناعة لا تبغي بها بدلا فيها النعيم وفيها راحة البدنانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن[ ص: 289 ] قال ابن العربي : وأبدع ما فيه عندي قول قتادة : ولا تنس نصيبك الحلال ، فهو نصيبك من الدنيا ويا ما أحسن هذا وأحسن كما أحسن الله إليك أي أطع الله واعبده كما أنعم عليك ومنه الحديث : ما الإحسان ؟
قال : أن تعبد الله كأنك تراه وقيل : هو أمر بصلة المساكين قال ابن العربي : فيه أقوال كثيرة جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله وقال مالك : الأكل والشرب من غير سرف قال ابن العربي : أرى مالكا أراد الرد على الغالين في العبادة والتقشف ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلواء ، ويشرب العسل ، ويستعمل الشواء ، ويشرب الماء البارد وقد مضى هذا المعنى في غير موضع ولا تبغ الفساد في الأرض أي لا تعمل بالمعاصي إن الله لا يحب المفسدين .
{ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ } أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند اللّه، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات، { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } أي: لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك، { وَأَحْسَنُ } إلى عباد اللّه { كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } بهذه الأموال، { وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ } بالتكبر والعمل بمعاصي اللّه والاشتغال بالنعم عن المنعم، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } بل يعاقبهم على ذلك، أشد العقوبة.
( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ) اطلب فيما أعطاك الله من الأموال والنعمة والجنة وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم عليك وتنفقه في رضا الله تعالى ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) قال مجاهد ، وابن زيد : لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب ، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة .
وقال السدي : بالصدقة وصلة الرحم .
وقال علي : لا تنس صحتك وقوتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن شاذان ، أخبرنا أبو يزيد حاتم بن محبوب الشامي ، أخبرنا حسين المروزي ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا جعفر بن برقان ، عن زياد بن الجراح ، عن عمرو بن ميمون الأودي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل : وهو يعظه : " اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك " الحديث مرسل .
قال الحسن : أمره أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه ، قال منصور بن زاذان في قوله : " ولا تنس نصيبك من الدنيا " ، قال : قوتك وقوت أهلك .
( وأحسن كما أحسن الله إليك ) [ أي : أحسن بطاعة الله ] كما أحسن الله إليك بنعمته .
وقيل : أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك ( ولا تبغ الفساد في الأرض ) من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض ( إن الله لا يحب المفسدين )
«وابتغ» اطلب «فيما آتاك الله» من المال «الدار الآخرة» بأن تنفقه في طاعة الله «ولا تنس» تترك «نصيبك من الدنيا» أي أن تعمل فيها للآخرة «وأحسن» للناس بالصدقة «كما أحسن الله إليك ولا تبغ» تطلب «الفساد في الأرض» بعمل المعاصي «إن الله لا يحب المفسدين» بمعنى أنه يعاقبهم.
والتمس فيما أتاك الله من الأموال ثواب الدار الآخرة، بالعمل فيها بطاعة الله في الدنيا، ولا تترك حظك من الدنيا، بأن تتمتع فيها بالحلال دون إسراف، وأحسن إلى الناس بالصدقة، كما أحسن الله إليك بهذه الأموال الكثيرة، ولا تلتمس ما حرَّم الله عليك من البغي على قومك، إن الله لا يحب المفسدين.
ثم قالوا له - أيضا - على سبيل النصح والإرشاد : ( وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة ) أى : واطلب فيما أعطاك الله - تعالى - من أموال عظيمة ، ثواب الدار الآخرة ، عن طريق إنفاق جزء من مالك فى وجوه الخير ، كالإحسان إلى الفقراء والمحتاجين .( وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ) أى : اجعل مالك زادا لآخرتك ، ولا تترك التنعم بنعم الله فى دنياك ، فإن لربك عليك حقا ، ولنفسك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، ولضيفك عليك حقا ، فأعط كل ذى حق حقه .( وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ) أى : وأحسن إلى عباد الله بأن تترك البغى عليهم ، وتعطيهم حقوقهم .
مثل ما أحسن الله إليك بنعم كثيرة .( وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض ) أى : ولا تطلب الفساد فى الأرض عن طريق البغى والظلم ( إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين ) كما أنه - سبحانه - لا يحب الفرحين المختالين .وهكذا ساق العقلاء من قوم قارون النصائح الحكيمة له ، والتى من شأن من اتبعها أن ينال السعادة فى دنياه وأخراه .
اعلم أن نص القرآن يدل على أن قارون كان من قوم موسى عليه السلام، وظاهر ذلك يدل على أنه كان ممن قد أمن به ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة، قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى عليه السلام، لأنه كان قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى، وموسى بن عمران بن قاهث بن لاوى وقال محمد بن إسحاق إنه كان عم موسى عليه السلام، لأن موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث وقارون بن يصهر بن قاهث.
وعن ابن عباس أنه كان ابن خالته، ثم قيل إنه كان يسمى المنور لحسن صورته وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، إلا أنه نافق كما نافق السامري.
أما قوله: ﴿ فبغى عَلَيْهِمْ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه بغى بسبب ماله، وبغيه أنه استخف بالفقراء ولم يرع لهم حق الإيمان ولا عظمهم مع كثرة أمواله والثاني: أنه من الظلم، قيل ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم الثالث: قال القفال: بغى عليهم، أي طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده الرابع: قال الضحاك: طغى عليهم واستطال عليهم فلم يوفقهم في أمر الخامس: قال ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم وسخط عليهم السادس: قال شهر بن حوشب: بغيه عليهم أنه زاد عليهم في الثياب شبراً، وهذا يعود إلى التكبر السابع: قال الكلبي: بغيه عليهم أنه حسد هرون على الحبورة، يروى أن موسى عليه السلام لما قطع البحر وأغرق الله تعالى فرعون جعل الحبورة لهرون، فحصلت له النبوة والحبورة وكان صاحب القربان والمذبح، وكان لموسى الرسالة، فوجد قارون من ذلك في نفسه، فقال يا موسى لك الرسالة، ولهرون الحبورة، ولست في شيء ولا أصبر أنا على هذا، فقال موسى عليه السلام: والله ما صنعت ذلك لهرون ولكن الله جعله له، فقال والله لا أصدقك أبداً حتى تأتيني بآية أعرف بها أن الله جعل ذلك لهرون، قال فأمر موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل أن يجئ كل رجل منهم بعصاه، فجاءوا بها، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له، وكان ذلك بأمر الله تعالى، فدعا ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هرون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون أما ترى ما صنع الله لهرون!
فقال والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثير، وولى هرون الحبورة والمذبح والقربان، فكان بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هرون فيضعها في المذبح وتنزل النار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى عليه السلام ولا يجالسه، وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان قارون من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام الله تعالى».
أما قوله: ﴿ إِنَّ قارون كَانَ مِن قَوْمِ موسى فبغى عَلَيْهِمْ أُوْلِى القوة ﴾ ففيه أبحاث: الأول: قال الكعبي: ألستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف الله مال قارون إلى نفسه بقوله: ﴿ وَءاتَيْنَاهُ ﴾ وأجاب بأنه لا حجة في أنه كان حراماً، ويجوز أن من تقدمه من الملوك جمعوا وكنزوا فظفر قارون بذلك، وكان هذا الظفر طريق التملك، أو وصل إليه بالإرث من جهات، ثم بالتكسب من جهة المضاربات وغيرها وكان الكل محتملاً.
البحث الثاني: المفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به، وقيل هي الخزائن وقياس واحدها مفتح بفتح الميم، ويقال ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله، والعصبة الجماعة الكثيرة والعصابة مثلها، فالعشرة عصبة بدليل قوله تعالى في إخوة يوسف عليه السلام: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم.
إذا عرفت معنى الألفاظ فنقول: هاهنا قولان أحدهما: أن المراد بالمفاتح المفاتيح وهي التي يفتح بها الباب، قالوا كانت مفاتيحه من جلود الإبل وكل مفتاح مثل إصبع، وكان لكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب قارون حملت المفاتيح على ستين بغلاً، ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين: الأول: أن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح الثاني: أن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض، فلا يجوز أن يكون لها مفاتيح والجواب: عن الأول أن المال إذا كان من جنس العروض، لا من جنس النقد جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد، وأيضاً فهذا الذي يقال إن تلك المفاتيح بلغت ستين حملاً، ليس مذكوراً في القرآن فلا تقبل هذه الرواية، وتفسير القرآن أن تلك المفاتيح كانت كثيرة، وكان كل واحد منها معيناً لشيء آخر، فكان يثقل على العصبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها، وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد، وعن الثاني أن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق القول الثاني: وهو اختيار ابن عباس والحسن أن تحمل المفاتح على نفس المال وهذا أبين وعن الشبهة أبعد.
قال ابن عباس: كانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء، وكانت خزائنه أربعمائة ألف فيحمل كل رجل عشرة آلاف القول الثالث: وهو اختيار أبي مسلم: أن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب ﴾ والمراد آتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أولي القوة والهداية، أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها والقائمين عليها أن يحفظوها، ثم إنه تعالى بين أنه كان في قومه من وعظه بأمور أحدها: قوله: ﴿ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين ﴾ والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة أصلاً، وقال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها، فأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح بها وما أحسن ما قال المتنبي: أشد الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى: ﴿ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم ﴾ قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركاً، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى.
وثانيها: قوله: ﴿ وابتغ فِيمَا ءاتَاكَ الله الدار الأخرة ﴾ والظاهر أنه كان مقراً بالآخرة، والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة ويسلك طريقة التواضع.
وثالثها: قوله: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ﴾ وفيه وجوه: أحدها: لعله كان مستغرق الهم في طلب الدنيا فلأجل ذلك ما كان يتفرغ للتنعم والالتذاذ فنهاه الواعظ عن ذلك.
وثانيها: لما أمره الواعظ بصرف المال إلى الآخرة بين له بهذا الكلام أنه لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة.
وثالثها: المراد منه الإنفاق في طاعة الله فإن ذلك هو نصيب المرء من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب قال عليه السلام: «فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار».
ورابعها: قوله: ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ لما أمره بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر، وإنما قال: ﴿ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ تنبيهاً على قوله: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ .
وخامسها: قوله: ﴿ وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض ﴾ والمراد ما كان عليه من الظلم والبغي وقيل إن هذا القائل هو موسى عليه السلام، وقال آخرون بل مؤمنو قومه، وكيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما لو قيل لم يكن عليه مزيد، لكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه بكفر النعمة فقال: إنما أوتيته على علم عندي وفيه وجوه: أحدها: قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك.
وثانيها: قال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى عليه السلام أنزل عليه علم الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وكالب ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضة والنحاس فيجعله ذهباً.
وثالثها: أراد به علمه بوجوه المكاسب والتجارات.
ورابعها: أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِى ﴾ أي الله أعطاني ذلك مع كونه عالماً بي وبأحوالي فلو لم يكن ذلك مصلحة لما فعل وقوله: ﴿ عِندِى ﴾ أي عندي أن الأمر كذلك، كما يقول المفتى عندي أن الأمر كذلك أي مذهبي واعتقادي ذلك، ثم أجاب الله تعالى عن كلامه بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ وفيه وجهان: الأول: يجوز أن يكون هذا إثباتاً لعلمه بأن الله تعالى قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى لأنه قد قرأه في التوراة وأخبر به موسى عليه السلام وسمعه من حفاظ التواريخ كأنه قيل له: أو لم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته الثاني: يجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك كأنه لما قال أوتيته على علم عندي فتصلف بالعلم وتعظم به، قيل أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه، ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين؟.
أما قوله: ﴿ وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ فالمعنى أكثر جمعاً للمال أو أكثر جماعة وعدداً، وحاصل الجواب أن اغتراره بماله وقوته وجموعه من الخطأ العظيم، وأنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافاً.
فأما قوله: ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ﴾ فالمراد أن الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها، لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة به إلى السؤال، فإن قيل كيف الجمع بينه وبين قوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قلنا يحمل ذلك على وقتين على ما قررناه، وذكر أبو مسلم وجهاً آخر فقال: السؤال قد يكون للمحاسبة، وقد يكون للتقرير والتبكيت، وقد يكون للاستعتاب، وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ﴿ هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قارون ﴾ اسم أعجمي مثل هرون، ولم ينصرف للعجمة والتعريف، ولو كان فاعولاً من قرن لانصرف.
وقيل: معنى كونه من قومه أنه آمن به.
وقيل: كان إسرائيلياً ابن عم موسى: هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب.
وموسى بن عمران بن قاهث.
وقيل: كان موسى ابن أخيه، وكان يسمى المنور لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، ولكنه نافق كما نافق السامري وقال: إذا كانت النبوّة لموسى عليه السلام، والمذبح والقربان إلى هرون فمالي؟
وروي: أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة والحبورة لهرون يقرّب القربان ويكون رأساً فيهم وكان القربان إلى موسى فجعله موسى إلى أخيه وجد قارون في نفسه وحسدهما، فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء، إلى متى أصبر؟
قال موسى: هذا صنع الله قال: والله لا أصدق حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل واحد بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيهم بالليل، فأصبحوا وإذا بعصا هرون تهتز ولها ورق أخضر، وكانت من شجر اللوز، فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر ﴿ فبغى عَلَيْهِمْ ﴾ من البغي وهو الظلم.
قيل: ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم.
وقيل: من البغي وهو الكبر والبذخ: تبذخ عليهم بكثرة ماله وولده.
وقيل: زاد عليهم في الثياب شبراً.
المفاتح: جمع مفتح بالكسر: وهو ما يفتح به.
وقيل هي الخزائن، وقياس واحدها: مفتح بالفتح.
ويقال: ناء به الحمل، إذا أثقله حتى أماله.
والعصبة: الجماعة الكثيرة والعصابة: مثلها.
واعصوصبوا: اجتمعوا.
وقيل: كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلاً، لكل خزانة مفتاح، ولا يزيد المفتاح على أصبع.
وكانت من جلود.
قال أبو رزين يكفي الكوفة مفتاح، وقد بولغ في ذكر ذلك بلفظ: الكنوز، والمفاتح، والنوء، والعصبة، وأولى القوة.
وقرأ بُديل بن ميسرة: لينوء بالياء.
ووجهه أن يفسر المفاتح بالخزائن، ويعطيها حكم ما أضيفت إليه للملابسة والاتصال، كقولك ذهبت أهل اليمامة.
ومحل إذ منصوب بتنوء ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ كقوله: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم ﴾ [الحديد: 23] وقول القائل: وَلَسْتُ بِمِفْرَاحٍ إذَا الدَّهْرُ سَرَّنِي وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن.
وأمّا من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيه عن قريب، لم تحدّثه نفسه بالفرح.
وما أحسن ما قال القائل: أَشَدُّ الغمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ** تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاَ ﴿ وابتغ فِيمَا ءاتَاكَ الله ﴾ من الغنى والثروة ﴿ الدار الاخرة ﴾ بأن تفعل فيه أفعال الخير من أصناف الواجب والمندوب إليه، وتجعله زادك إلى الآخرة ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ ﴾ وهو أن تأخذ منه ما يكفيك ويصلحك ﴿ وَأَحْسِن ﴾ إلى عباد الله ﴿ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ أوأحسن بشكرك وطاعتك لله كما أحسن إليك.
والفساد في الأرض: ما كان عليه من الظلم والبغي.
وقيل إن القائل موسى عليه السلام.
وقرئ: ﴿ واتبع ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى ﴾ كانَ ابْنَ عَمِّهِ يَصْهَرُ بْنُ قاهِثَ بْنِ لاوى وكانَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ.
﴿ فَبَغى عَلَيْهِمْ ﴾ فَطَلَبَ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ أمْرِهِ، أوْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ أوْ ظَلَمَهم.
قِيلَ وذَلِكَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ حَسَدَهم لِما رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لَكَ الرِّسالَةُ ولِهارُونَ الحُبُورَةُ وأنا في غَيْرِ شَيْءٍ إلى مَتى أصْبِرُ قالَ مُوسى هَذا صُنْعُ اللَّهِ.
﴿ وَآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ﴾ مِنَ الأمْوالِ المُدَّخَرَةِ.
﴿ ما إنَّ مَفاتِحَهُ ﴾ مَفاتِيحَ صَنادِيقِهِ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ خَزائِنُهُ وقِياسُ واحِدُها المِفْتَحُ.
﴿ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ ﴾ خَبَرُ إنَّ والجُمْلَةُ صِلَةُ ما وهو ثانِي مَفْعُولَيْ آتى، وناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أثْقَلَهُ حَتّى أمالَهُ، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ واعْصَوْصَبُوا اجْتَمَعُوا.
وقُرِئَ «لَيَنُوءُ» بِالياءِ عَلى إعْطاءِ المُضافِ حَكَمَ المُضافِ إلَيْهِ.
﴿ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴾ مَنصُوبٌ بِـ «تَنُوءُ» .
﴿ لا تَفْرَحْ ﴾ لا تَبْطُرْ والفَرَحُ بِالدُّنْيا مَذْمُومٌ مُطْلَقًا لِأنَّهُ نَتِيجَةُ حُبِّها والرِّضا بِها والذُّهُولِ عَنْ ذَهابِها، فَإنَّ العِلْمَ بِأنَّ ما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مُفارَقَةٌ لا مَحالَةَ يُوجِبُ التَّرَحَ كَما قِيلَ: أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ.
.
.
تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا وَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ﴾ ، وعَلَّلَ النَّهْيَ ها هُنا بِكَوْنِهِ مانِعًا مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ ﴾ أيْ بِزَخارِفِ الدُّنْيا.
﴿ وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ ﴾ مِنَ الغِنى.
﴿ الدّارَ الآخِرَةَ ﴾ بِصَرْفِهِ فِيما يُوجِبُها لَكَ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أنْ يَكُونَ وصْلَةً إلَيْها.
﴿ وَلا تَنْسَ ﴾ ولا تَتْرُكْ تَرْكَ المَنسِيِّ.
﴿ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ﴾ وهو أنْ تُحَصِّلَ بِها آخِرَتَكَ وتَأْخُذَ مِنها ما يَكْفِيكَ.
﴿ وَأحْسِنْ ﴾ إلى عِبادِ اللَّهِ.
﴿ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ فِيما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ.
وقِيلَ أحْسِنْ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ كَما أحْسَنَ إلَيْكَ بِالإنْعامِ.
﴿ وَلا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ ﴾ بِأمْرٍ يَكُونُ عِلَّةً لِلظُّلْمِ والبَغْيِ، نَهْيٌ لَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ.
﴿ قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ فُضِّلْتُ بِهِ عَلى النّاسِ واسْتَوْجَبْتُ بِهِ التَّفَوُّقَ عَلَيْهِمْ بِالجاهِ والمالِ، و ( عَلى عِلْمٍ ) في مَوْضِعِ الحالِ وهو عِلْمُ التَّوْراةِ وكانَ أعْلَمَهم بِها، وقِيلَ هو الكِيمْياءُ وقِيلَ عِلْمُ التِّجارَةِ والدَّهْقَنَةِ وسائِرِ المَكاسِبِ، وقِيلَ العِلْمُ بِكُنُوزِ يُوسُفَ، و ( عِنْدِي ) صِفَةٌ لَهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( أُوتِيتُهُ ) كَقَوْلِكَ: جازَ هَذا عِنْدِي أيْ في ظَنِّي واعْتِقادِي.
﴿ أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ﴾ تَعَجُّبٌ وتَوْبِيخٌ عَلى اغْتِرارِهِ بِقُوَّتِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ قَرَأهُ في التَّوْراةِ وسَمِعَهُ مِن حُفّاظِ التَّوارِيخِ، أوْ رَدٌّ لِادِّعائِهِ لِلْعِلْمِ وتَعَظُّمِهِ بِهِ بِنَفْيِ هَذا العِلْمِ عَنْهُ أيْ أعْنَدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعى ولَمْ يَعْلَمْ هَذا حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ.
﴿ وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ سُؤالُ اسْتِعْلامٍ فَإنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلَيْها أوْ مُعاتَبَةٍ فَإنَّهم يُعَذَّبُونَ بِها بَغْتَةً، كَأنَّهُ لَمّا هَدَّدَ قارُونَ بِذِكْرِ إهْلاكِ مَن قَبْلَهُ مِمَّنْ كانُوا أقْوى مِنهُ وأغْنى أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُطَّلِعًا عَلى ما يَخُصُّهم بَلِ اللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ذُنُوبِ المُجْرِمِينَ كُلِّهِمْ مُعاقِبُهم عَلَيْها لا مَحالَةَ.
<div class="verse-tafsir"
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)
{وابتغ فيما آتاك الله} من الغنى والثروة {الدار الأخرة} بأن تتصدق على الفقراء وتصل الرحم ونصرف إلى أبواب الخير {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا} وهو أن تأخذ ما يكفيك ويصلحك وقيل معناه وأطاب بدنياك آخرتك فإن ذلك حظ المؤمن منها {وَأَحْسَنُ} إلى عباد الله {كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ} أو أحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام كما أحسن إليك بالإنعام {وَلاَ تَبْغِ الفساد فِى الأرض} بالظلم والبغي {إِنَّ الله لاَ يحب المفسدين}
﴿ وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ ﴾ مِنَ الكُنُوزِ والغِنى ﴿ الدّارَ الآخِرَةَ ﴾ أيْ ثَوابَها أيْ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى فِيها بِصَرْفِ ذَلِكَ إلى ما يَكُونُ وسِيلَةً إلَيْهِ و(فِي) إمّا ظَرْفِيَّةٌ عَلى مَعْنى ابْتَغِ مُتَقَلَّبًا ومُتَصَرَّفًا فِيهِ أوْ سَبَبِيَّةٌ عَلى مَعْنى ابْتَغِ بِصَرْفِ ما آتاكَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وقُرِئَ «اتَّبِعْ» ﴿ ولا تَنْسَ ﴾ أيْ ولا تَتْرُكْ تَرْكَ المَنسِيِّ ﴿ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ﴾ أيْ حَظَّكَ مِنها وهو كَما أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ عَنْ قَتادَةَ هو أنْ تَأْخُذَ مِنَ الدُّنْيا ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكَ، وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: لَيْسَ هو عَرَضٌ مِن عَرَضِ الدُّنْيا ولَكِنَّ نَصِيبَكَ عُمْرُكَ أنْ تُقَدِّمَ فِيهِ لِآخِرَتِكَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: قَدِّمِ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما يُبَلِّغُكَ، وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُّرْبُ بِلا سَرَفٍ، وقِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ مِنَ الدُّنْيا الكَفَنَ كَما قالَ الشّاعِرُ: نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ وفِي نَهْيِهِمْ إيّاهُ عَنْ نِسْيانِ ذَلِكَ حَضٌّ عَظِيمٌ لَهُ عَلى التَّزَوُّدِ مِن مالِهِ لِلْآخِرَةِ فَإنَّ مَن يَكُونُ نَصِيبُهُ مِن دُنْياهُ وجَمِيعِ ما يَمْلِكُهُ الكَفَنَ لا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ (التَّزَوُّدِ) مِن مالِهِ وتَقْدِيمُ ما يَنْفَعُهُ في آخِرَتِهِ ﴿ وأحْسِنْ ﴾ إلى عِبادِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ أيْ مِثْلَ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْكَ فِيما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، والتَّشْبِيهُ في مُطْلَقِ الإحْسانِ أوْ لِأجْلِ إحْسانِهِ سُبْحانَهُ إلَيْكَ عَلى أنَّ الكافَ لِلتَّعْلِيلِ.
وقِيلَ: المَعْنى وأحْسِنْ بِالشُّكْرِ الطّاعَةَ كَما أحْسَنَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ بِالإنْعامِ، والكافُ عَلَيْهِ أيْضًا تَحْتَمِلِ التَّشْبِيهَ والتَّعْلِيلَ ﴿ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ ﴾ نَهْيٌ عَنِ الِاسْتِمْرارِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ ﴾ وهَذِهِ المَوْعِظَةُ بِأسْرِها كانَتْ مِن مُؤْمِنِي قَوْمِهِ كَما هو ظاهِرُ الآيَةِ، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى يعني: من بني إسرائيل.
ويقال: كان ابن عم موسى فَبَغى عَلَيْهِمْ يعني: تطاول وتكبر على بني إسرائيل، وكان فرعون قد ملكه على بني إسرائيل حين كانوا بمصر، فلما قطع موسى البحر ببني إسرائيل ومعه قارون، وأغرق الله تعالى فرعون وجنوده، ورجع موسى ببني إسرائيل إلى أرض مصر وسكنوا ديارهم كما قال في رواية أُخرى وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: 59] وجعلت الحبورة لهارون، وهو الرأس الذي يقرّب القربان.
فقال قارون لموسى: لك النبوة ولهارون الحبورة والمذبح، وأنا لست في ذلك من شيء.
فقال له موسى: أنا لم أفعل ذلك، ولكن الله تعالى فعل ذلك.
فقال له قارون: لا أصدقك على هذا، واعتزل قارون ومن تبعه من بني إسرائيل، وكان كثير المال والتبع.
وروي عن الحسن أنه قال: إنّ أول من شرف الشرف قارون، لما بنى داره وفرغ منها، وشرفها وصنع للناس طعاماً سبعة أيام، يجمعهم كل يوم ويطعمهم.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «لما أمر الله تعالى موسى بالزكاة قال لقارون: إن الله تعالى أمرني أن آخذ من مالك الزكاة، فأعط من كل مائتي درهم خمسة دراهم، فلم يرض بذلك ثمّ قال له: اعط من كل مائتي درهم درهماً، فلم يرض بذلك، فقال له: اعط من كل ألف درهم درهماً، فلم يرض بذلك.
وقال لبني إسرائيل: إن موسى لم يرض حتى تناول أموالكم، فما ترون؟
قالوا: رأينا لرأيك تبع.
قال: فإني أرى أن ترموه فتهلكوه، فبعثوا إلى امرأة زانية، فأعطوه حكما على أن ترميه بنفسها، ثم أتوه في جماعة بني إسرائيل فقالوا: يا موسى، ما على من يسرق من الحرز؟
قال: تقطع يده.
قالوا: وإن كنت أنت؟
قال: وإن كنت أنا.
قالوا: وما على الزاني إذا زنى؟
قال: يرجم.
قالوا: وإن كنت أنت؟
قال: وإن كنت أنا.
قالوا: فأنت قد زنيت.
قال: أنا، وجزع من ذلك، فأرسلوا إلى المرأة، فلما جاءت وعظها وعظم عليها موسى الحلف بالله، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التَّورَاة على موسى إلا صدقت.
قالت: أما إذا حلفتني، فإني أشهد أنك بريء، وإنك رسول الله.
وقالت: أرسلوا إليَّ فأعطوني حكمي على أن أرميك بنفسي.
قال: فخرّ موسى لله ساجداً يبكي، فأوحى الله تعالى إليه: ما يبكيك؟
قد أمرت الأرض أن تطيعك، فأمرها بما شئت.
فقال موسى: خذيهم، فأخذتهم» .
وفي رواية الحسن: خرج موسى مغضبا، فدعا الله عز وجل، وقال: عبدك قارون الذي عبد غيرك وجحدك، فأوحى الله تعالى إلى موسى: إني قد أمرت الأرض بأن تطيعك، فجاء موسى حتى دخل إلى قارون حين اجتمع الناس في داره.
فقال: يا عدو الله كذبتني في كلام له غيظ، حتى غضب قارون وأقبل عليه بكلام شديد، وهّم به.
فلما رأى موسى ذلك قال: يا أرض خذيهم.
قال: وكان قارون على فرش على سرير مرتفع في السماء، فأخذت الأرض أقدامهم، وغاب سريره ومجلسه، وقد دخل من الدار في الأرض مثل ما أخذت منهم على قدرها، فأقبل موسى يوبخهم ويغلظ لهم المقالة.
فلما رأى القوم ما نزل بهم، عرفوا أن هذا الأمر ليس لهم به قوة، فنادوا: يا موسى ارحمنا وكف عنا، وجعلوا يتضرعون إليه ويطلبون رضاه، وهو لا يزداد إلا غضباً وتوبيخاً لهم ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، فجعلوا يتضرعون إليه ويسألونه، وهو يوبخهم.
ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أوساطهم، وكانت الأرض تأخذ من الدار كل مرة مثل ما تأخذ منهم، وهم يتضرعون في ذلك إلى موسى ويسألونه.
ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى آباطهم، فمدوا أيديهم إلى وجه الأرض رجاء أن يمتنعوا بها.
ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، فلم يبق على وجه الأرض منهم شيء إلا رؤوسهم، ولم يبق من الدار إلا شرفها.
وقال قارون: يا موسى أنشدك بالله وبالرحم.
فقال: يا أرض خذيهم، فاستوت الأرض عليهم وعلى الدار.
فانطلق موسى وهو فرح بذلك، فأوحى الله تعالى إليه، يا موسى يتضرع إليك عبادي، ودعوك وسألوك فلم ترحمهم، أما وعزتي وجلالي لو أنهم دعوني، واستغاثوا بي لرحمتهم، ولكن تركوا أن يجعلوا رغبتهم ورجاءهم إلي، وجعلوها إليك، فتركتهم فذلك قوله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ يعني: تطاول على بني إسرائيل، وعلى موسى وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ يعني: من المال مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ يعني: خزائنه لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ قال مقاتل: العصبة من العشرة إلى الأربعين، فإذا كانوا أربعين فهم أولو قوة.
يقول: لتعجز العصبة أولو القوة عن حمل مفاتيح الخزائن.
وقال أهل اللغة: ناء به الحمل إذا أثقله.
وقال القتبي: تنوء بالعصبة، أي تميل بها العصبة، إذا حملتها من ثقلها، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: «العصبة في هذا الموضع أربعون رجلاً، وخزائنه كانت أربعمائة ألف، يحمل كل رجل عشرة آلاف ويقال مَفاتِحَهُ يعني: مفاتيح خزائنه يحملها أربعون رجلاً.
ويقال: أربعون بغلاً.
وروى وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال: كان مفاتيح كنوز قارون من جلد، كل مفتاح مثل الإصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حمل المفاتيح على ستين بغلاً، كل بغل أغر محجل إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ يعني: بني إسرائيل لاَ تَفْرَحْ يعني: لا تفخر بما أوتيت من الأموال.
ويقال: لا تفرح بكثرة المال إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ يعني: المرحين المفاخرين.
ويقال: البطرين ويقال: لا تَفْرَحْ أي: لا تأشر، والأشر: أشد الفرح الذي يخالطه حرص شديد حتى يبطر، يعني: يطغى وقالوا له: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ يعني: اطلب مما أعطاك الله تعالى من الأموال والخير الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا يعني: لا تترك حظك من الدنيا أن تعمل لآخرتك وَأَحْسِنْ العطية من الصدقة والخير كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ يعني: أعط الناس كما أعطاك الله.
ويقال: أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ يعني: أنفقه في طاعة الله تعالى، ولا تنفقه في معصية الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ المنفقين في المعصية- وقوله: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي: لا تضيع عمرك فإنه نصيبك من الدنيا (١) يقول الله تعالى: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً من الأموال منهم: نمرود وغيره وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ يعني: لا يسأل الكافرون عن ذنوبهم، لأن كل كافر يعرف بسيماه، وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل: لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية وقيل: لا يسأل الكافرون يوم القيامة عن ذنوبهم سؤال النجاة، بل يسألون سؤال العذاب والمناقشة.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
<div class="verse-tafsir"
لِسُلَيْمَانَ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ-: يَا بُنَيَّ، لاَ تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، يَدَعُ الرَّجُلُ فَقِيراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «١» ، انتهى.
وابتغاء الفضل: هو بالمَشي والتصرُّفِ.
وقوله تعالى: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: عُدُوْلَ الأممِ وأخيارَهَا، فيشهدوْنَ على الأمم بخيرِها وشرِّها، فيحقُّ العذابُ عَلى مَنْ شُهِدَ عليه بالكُفْرِ، وقيل له: على جهة الإعذار في المحاورة: هاتُوا بُرْهانَكُمْ، ومن هذه الآيةِ انْتُزِعَ قولُ القاضِي عند إرادة الحكم: أبقيت لك حجة.
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)
وقوله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ ...
الآية، كان قارونُ مِنْ قرابةِ مُوسى: ممن آمن بموسى وحَفظَ/ التوراةَ وكَانَ عند مُوْسَى عليه السلام مِنْ عُبَّادِ ٥٩ ب الْمُؤمِنين، ثم إنَّ الله أضَلَّهُ وبَغَى عَلى قَوْمِهِ بأَنْوَاعِ البَغْيِ مِنْ ذلكَ كُفْرُهُ بموسَى.
وقال الثَّعْلَبِيُّ: قال ابن المسيب: كانَ قارونُ عامِلاً لِفِرْعونَ عَلى بني إسرائيل ممنْ يبغي عليهم ويظلُمهم.
قال قتادةُ: بَغَى عليهم بِكَثْرَةِ مالِهِ وولدِه «٢» ، انتهى.
ت: وما ذَكَرَهُ ابنُ المسيب، هو الذي يَصِحُّ في النظر لمتُأَمِّلِ الآية، ولولا الإطالة
لَبَيَّنْتُ وَجْهَ ذَلِكَ، والمَفاتِحُ ظاهِرُها: أنها التي يُفْتَحُ بِها، ويحتمل أنْ يُرِيدَ بها: الخزائنَ والأوعيةَ الكبارَ قاله الضحاك «١» لأنَّ المِفْتَحُ في كلام العرب الخزانة، وأمّا قوله:
لَتَنُوأُ فمعناه: تَنْهَضُ بتحامل واشتدادِ، قال كثير من المفسرين: إنَّ المرادَ: أن العُصْبةَ تَنُوءُ بالمفَاتِح المُثْقِلةِ لها فَقُلِبَ.
قلت: وقال عريب الأندلسي في كتاب «الأَنواء» : له نَوْءُ كذا معناه: مثله منه:
لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ، انتهى، وهو حَسَنٌ إنْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ.
وقالَ الدَّاوُودِيُّ عن ابن عباسٍ:
لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ يقولُ تَثْقُلُ وكذا قال الواحديُّ، انتهى.
واخْتُلِفَ في العصبة:
كمْ هُمْ؟
فقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ- رضي الله عنه-: ثَلاثَةُ «٢» ، وقال قتادةُ: هم من العشرة إلى الأربعين «٣» ، قال البخاريُّ «٤» : يقال: الفَرِحينَ المَرِحينَ.
قال الغَزَالِيُّ في «الإحْيَاءِ» : الفَرَحُ بالدنيا والتَّنَعُّمُ بِهَا سُمٌّ قَاتِلٌ يَسْرِي في العُرُوقِ فَيُخْرِجُ مِن القَلْبِ الخوفَ والحَزَنَ وذِكْرَ الموتِ وأهوالَ القيامة وهذا هو موتُ القلبِ والعياذُ باللهِ، فأولوا الحَزْم من أربابِ القلوبِ جَرَّبُوا قلوبَهم في حال الفَرَحِ بمُوَاتَاةِ الدنيا، وعلموا أن النَّجَاةَ في الحُزْنِ الدائم، والتباعُدِ من أسبابِ الفَرَح، والبَطَرِ فقَطَّعُوا النَّفْسَ عن ملاذِّها وعَوَّدُوها الصَّبْرَ عَنْ شَهَوَاتِها حَلالِها وحَرَامِهَا، وعلموا أن حلالَها حِسَابٌ وهُوَ نَوْعُ عذابٍ، وَمَنْ نُوقِشَ الحساب عُذِّبَ، فَخَلَّصُوا أَنْفُسَهُمْ من عَذابِهَا، وَتَوَصَّلُوا إلى الحرّية والملكِ في الدنيا والآخرة بالخلاص من أسْرِ الشهواتِ وَرقِّها، والأنْسِ بِذِكْرِ اللهِ تعَالَى والاشْتِغَالِ بِطَاعَتِه، انتهى.
قال ابن الحاجِّ في «المَدْخَلِ» : قال يَمَنُ بن رزق- رحمه الله تعالى-: وأنا أُوصيكَ بأن تُطِيلَ النظرَ في مِرْآةِ الفِكْرَةِ مَعَ كثرةِ الخَلَوَاتِ، حَتَّى يُرِيَكَ شَيْنَ المَعْصِيَةِ وَقُبْحِهَا، فَيَدْعُوكَ ذَلِكَ النَّظَرُ إلى تَركها، ثم قال يمن بن رزق: ولاَ تَفْرَحَنَّ بِكَثْرَةِ العَمل مع قلةِ الحزْنِ، واغْتَنِمْ قليلَ العَمَلِ مَعَ الحزنِ، فإن قليلَ حُزْنِ الآخرةِ الدَّائِمِ فِي القلبِ يَنْفِي كُلَّ سُرُورِ ألفْتَهُ من سرورِ الدنيا، وقليلَ سرورِ الدنيا في القلب ينفي عنك «٥» جميع حزن
الآخِرَة.
والحزنُ لا يصلُ إلى القلبِ إلاَّ مع تَيَقُّظِهِ وَتَيَقُّظُهُ حَيَاتهُ، وسرورُ الدُّنيا لِغَيْرِ الآخرةِ لا يصلُ إلى القلب إلا مع غَفْلَتِه وغفلةُ القَلْبِ مَوتُه، وعلامةُ ثَبَاتِ اليقِينِ في القَلْبِ اسْتِدَامَةِ الحُزْن فِيهِ.
وقال- رحمه الله-: اعْلَمْ أني لم أجدْ شَيئاً أبلَغَ في الزُّهد في الدنيا من ثباتِ حزْن الآخرة في القلب، وعلامَةُ ثباتِ حُزْنِ الآخِرةِ في القلبِ أَنْسُ العبدِ بالوَحْدَةِ، انتهى.
وقولهم له: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا.
قال ابن عباس والجمهور: معناه: لا تُضَيِّعْ عُمْرَكَ في أَلاَّ تعمل عملاً صالحاً في دنياك إذ الآخرة إنّما يُعْمَلُ لَهَا في الدنيا، فنصيبُ الإنسانِ عمرُه وعملَه الصالحُ فيها فينبغي/ أن لا يُهْمِلَه.
وحكى الثعلبيّ أنه قيل: أرادوا بنصيبه الكفَنَ.
قال: ع «١» : وهذا كلُّه وعْظٌ متَّصِلٌ ونحو هذا قولُ الشاعر: [الطويل]
نَصِيبُكَ مِمَّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّه ...
رِدَاءَانِ تلوى فِيهِمَا وَحَنُوطِ «٢»
وقال ابن العربي في «أحكامه «٣» » : وفي معنى النصيبِ ثلاثة أقوال: الأولُ: لا تَنْس حظَّكَ من الدنيا، أي: لا تَغْفَلْ أنْ تَعْمَلَ في الدنيا للآخرة، الثاني: أمْسِك مَا يَبْلُغَكَ فذلك حظُّ الدنيا، وأنْفِقِ الفَضْلَ فذلكَ حظُّ الآخرة، الثالث: لاَ تَغْفَلْ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ، انتهى.
وقولهُم: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أمرٌ بِصِلةِ المساكينِ وذَوِي الحاجَاتِ.
ص: كَما أَحْسَنَ: - الكاف للتشبيهِ أو للتعليل-، انتهى.
وقول قارون: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قال الجمهور: ادَّعَى أنَّ عندَه علماً استوجَبَ به أن يكونَ صاحبَ ذلك المالِ، ثم اخْتَلَفُوا في ذلك العلم، فقال ابن المسيب: أراد علم الكيمياء «٤» .
وقال أبو سليمان الداراني: أراد العلم بالتجارة ووجوهِ تثميرِ المال، وقيل غير هذا.
وقوله تعالى: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ.
قال محمد بن كعب: هو كلامٌ متصِلٌ بمعنى ما قبلَه، والضميرُ في ذُنُوبِهِمُ عائدٌ على مَنْ أُهْلِكَ مِن القرون، أي: أهْلِكوا وَلَمْ يُسْئَلْ غَيرُهم بَعْدَهُمْ عن ذنوبهم، أي: كل
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى ﴾ أيْ: مِن عَشِيرَتِهِ؛ وفي نَسَبِهِ إلى مُوسى ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ ابْنَ عَمِّهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ، وإبْراهِيمُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: ابْنُ خالَتِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَمَّ مُوسى، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قالَ الزَّجّاجُ: " قارُونُ " اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ، ولَوْ كانَ " فاعُولًا " مِنَ العَرَبِيَّةِ مَن " قَرَنْتُ الشَّيْءَ " لا نَصْرِفُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَغى عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا عَلى أنْ تَقْذِفَ مُوسى بِنَفْسِها، فَفَعَلَتْ، فاسْتَحْلَفَها مُوسى عَلى ما قالَتْ، فَأخْبَرَتْهُ بِقِصَّتِها، فَكانَ هَذا بَغْيَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ بَغى بِالكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: بِالكِبَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ زادَ في طُولِ ثِيابِهِ شِبْرًا، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ كانَ يَخْدِمُ فِرْعَوْنَ فَتَعَدّى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وظَلَمَهم حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي المُرادِ بِمَفاتِحِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَفاتِيحُ الخَزائِنِ الَّتِي تُفْتَحُ بِها الأبْوابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ قارُونَ وِقْرَ سِتِّينَ بَغْلًا، وكانَتْ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ.
والثّانِي: أنَّها خَزائِنُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ، والضَّحّاكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ مَفاتِحُهُ خَزائِنَ مالِهِ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ أبُو صالِحٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تُحْمَلُ عَلى أرْبَعِينَ بَغْلًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ ﴾ أيْ: تُثْقِلُهم وتُمِيلُهم.
ومَعْنى الكَلامِ: لَتُنِئُ العُصْبَةُ، فَلَمّا دَخَلَتِ الباءُ في " العُصْبَةِ " انْفَتَحَتِ التّاءُ، كَما تَقُولُ: هَذا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ، وهَذا يُذْهِبُ الأبْصارَ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ في آخَرِينَ.
وقالَ بَعْضُهم: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، وتَقْدِيرُهُ: ما إنِ العُصْبَةُ لَتَنُوءُ بِمَفاتِحِهِ، كَما يُقالُ: إنَّها لَتَنُوءُ بِها عَجِيزَتُها، أيْ: هي تَنُوءُ بِعَجِيزَتِها وأنْشَدُوا: فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي ومالِي وما آَلُوكَ إلّا ما أُطِيقُ أيْ: فَدَيْتُ بِنَفْسِي وبِمالِي نَفْسَهُ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، والأخْفَشِ.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى العُصْبَةِ في سُورَةِ (يُوسُفَ: ٨)، و[فِي] المُرادِ بِها [ها هُنا] سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أرْبَعُونَ رَجُلًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: خَمْسَةَ عَشَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: فَوْقَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: سَبْعُونَ رَجُلًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والسّادِسُ: ما بَيْنَ الخَمْسَةَ عَشَرَ إلى الأرْبَعِينَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴾ في القائِلِ لَهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِن قَوْمِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ مُوسى لَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَفْرَحْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: لا تَأْشَرْ، ولا تَبْطَرْ، قالَ الشّاعِرُ: ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ أيْ: لَسْتُ بِأشِرٍ، فَأمّا السُّرُورُ، فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ ﴾ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيَوَةَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " الفارِحِينَ " [بِألِفٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ ﴾ أيْ: اطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " واتَّبِعْ " بِتَشْدِيدِ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ بَعْدَها وعَيْنٍ ساكِنَةٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ (الدّارُ الآخِرَةُ) وهي: الجَنَّةُ؛ وذَلِكَ يَكُونُ بِإنْفاقِهِ في رِضى اللَّهِ تَعالى وشُكْرِ المُنْعِمِ بِهِ ﴿ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَعْمَلَ في الدُّنْيا لِلْآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنْ يُقَدِّمَ الفَضْلَ ويُمْسِكَ ما يُغْنِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنْ يَسْتَغْنِيَ بِالحَلالِ عَنِ الحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي مَعْنى: ﴿ وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ حَكاها الماوَرْدِيُّ.
أحَدُها: أعْطِ فَضْلَ مالِكَ كَما زادَكَ عَلى قَدْرِ حاجَتِكَ.
والثّانِي: أحْسِنْ فِيما افْتَرَضَ عَلَيْكَ كَما أحْسَنَ في إنْعامِهِ إلَيْكَ.
والثّالِثُ: أحْسِنْ في طَلَبِ الحَلالِ كَما أحْسَنَ إلَيْكَ في الإحْلالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ ﴾ فَتَعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي.
﴿ قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ مِن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أُوتِيتُهُ ﴾ يَعْنِي المالَ ﴿ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عَلى عِلْمٍ عِنْدِي بِصَنْعَةِ الذَّهَبِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْن عَبّاسٍ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لا أصِلَ لَهُ، لِأنَّ الكِيمْياءَ باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ.
والثّانِي: بِرِضى اللَّهِ عَنِّي قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: إنَّما أُعْطِيتُهُ لِفَضْلِ عِلْمِي، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ الزَّجّاجُ: ادَّعى أنَّهُ أُعْطِيَ المالَ لِعِلْمِهِ بِالتَّوْراةِ.
والخامِسُ: عَلى عِلْمٍ عِنْدِي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَعْلَمْ ﴾ يَعْنِي قارُونَ ﴿ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ ﴾ بِالعَذابِ ﴿ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ ﴾ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ﴾ لِلْأمْوالِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يُسْألُونَ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ مَن قَبْلَهم وإنْ سُئِلُوا سُؤالَ تَوْبِيخٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ تَعْرِفُهم بِسِيماهم فَلا تَسْألُهم عَنْ ذُنُوبِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: يَدْخُلُونَ النّارَ بِغَيْرِ حِسابٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: يُعَذَّبُونَ ولا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِن الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ ﴾ ﴿ وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ قارُونُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَرابَةِ قارُونَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَ ابْنُ إسْحاقٍ: هو عَمُّهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: هو ابْنُ عَمِّهِ، وهَذا أشْهَرُ، وقِيلَ: ابْنُ خالَتِهِ، فَهو بِإجْماعٍ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ مِمَّنْ آمَنَ بِمُوسى، وحَفِظَ التَوْراةَ، وكانَ مَن أقْرَأِ الناسِ لَها، وكانَ عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن عُبّادِ المُؤْمِنِينَ، ثُمْ لَحِقَهُ الزَهْوُ والإعْجابُ، فَبَغى عَلى قَوْمِهِ بِأنْواعٍ مِنَ البَغْيِ، فَمِن ذَلِكَ كُفْرُهُ بِمُوسى واسْتِخْفافُهُ بِهِ، ومُطالَبَتُهُ لَهُ بِأنْ يَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّهُ عَمَدَ إلى امْرَأةٍ مُومِسَةٍ ذاتِ جَمالٍ، وقالَ لَها: أنا أُحْسِنُ إلَيْكَ، وأحْفَظُكَ في أهْلِي عَلى أنْ تَجِيئِي في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدِي فَتَقُولِي: يا قارُونُ اكْفِنِي أمْرَ مُوسى فَإنَّهُ يَتَعَرَّضُ في نَفْسِي، فَجاءَتِ المَرْأةُ، فَلَمّا وقَفَتْ عَلى المَلَأِ أحْدَثَ اللهُ تَعالى لَها تَوْبَةً، فَقالَتْ: يا بَنِي إسْرائِيلَ، إنَّ قارُونَ قالَ لِي كَذا وكَذا، فَفَضَحَتْهُ في جَمِيعِ القِصَّةِ، وبَرَّأ اللهُ بِقُدْرَتِهِ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مُطالَبَتِهِ، وقِيلَ: بَلْ قالَتِ المَرْأةُ ذَلِكَ عن مُوسى، فَلَمّا بَلَغَهُ الخَبَرُ وقَفَ المَرْأةَ بِمَحْضَرٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَتْ: يا نَبِيَّ اللهِ، كَذَبْتُ أنا عَلَيْكَ، وإنَّما دَفَعَنِي قارُونُ إلى هَذِهِ المَقالَةِ.
وكانَ مِن بَغْيِهِ أنَّهُ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا عَلى ثِيابِ الناسِ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَصْدُرُ عَمَّنْ فَسَدَ اعْتِقادُهُ.
وكانَ مِن أعْظَمِ الناسِ مالًا، وسُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ.
والمَفاتِيحُ: ظاهِرُها أنَّها الَّتِي يُفْتَحُ بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها الخَزائِنَ والأوعِيَةَ الكِبارَ، قالَهُ الضَحّاكُ: لِأنَّ المِفْتاحَ في كَلامِ العَرَبِ الخِزانَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في شَأْنِ قارُونَ، فَرُوِيَ عن خَيْثَمَةَ أنَّهُ قالَ: نَجِدُ في الإنْجِيلِ مَكْتُوبًا: (إنَّ مَفاتِيحَ قارُونَ كانَتْ مِن جُلُودِ الإبِلِ، وكانَ المِفْتاحُ مِن نِصْفِ شِبْرٍ، وكانَتْ وِقْرَ سِتِّينَ بَغْلًا أو بَعِيرًا لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ).
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا يَقْرُبُ مِنهُ، ذَلِكَ كُلُّهُ ضَعِيفٌ، والنَظَرُ يَشْهَدُ بِفَسادِ هَذا، ومَن كانَ الَّذِي يُمَيِّزُ بَعْضَها مِن بَعْضٍ؟
وما الداعِي لِهَذا، وفي المُمْكِنِ أنْ تَرْجِعَ كُلُّها إلى ما يُحْصى ويُقْدَرُ عَلى حَمْلِهِ بِسُهُولَةٍ؟
وكانَ يَلْزَمُ -عَلى هَذا- أنْ تَكُونَ "مَفاتِيحَ" بِياءٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، والَّذِي يُشْبِهُ هُوَ: إمّا أنْ تَكُونَ المَفاتِيحُ مِنَ الحَدِيدِ ونَحْوِهِ، وعَلى هَذا تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ؛ إذْ كانَتْ كَثِيرَةً لِكَثْرَةِ مَخازِنِهِ، أو تَكُونَ "المَفاتِحُ" الخَزائِنَ، قالَ أبُو صالِحٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تُحْمَلُ عَلى أرْبَعِينَ بَغْلًا.
وأمّا قَوْلُهُ: "تَنُوءُ" فَمَعْناهُ: تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ يَصِفُ رامِيًا: حَتّى إذا ما التَأمَتْ مَفاصِلُهُ وناءَ في شِقِّ الشَمالِ كاهِلُهُ والوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّ العُصْبَةَ تَنُوءُ بِالمَفاتِيحِ المُثْقِلَةِ لَها، وكَذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ المُرادَ هَذا، لِكِنَّهُ قَلْبٌ كَما تَفْعَلُ العَرَبُ كَثِيرًا، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي ومالِي ∗∗∗ وما آلُوكُ إلّا ما أُطِيقُ وَقَوْلُ الآخَرِ: وتَرْكَبُ خَيْلًا لا هَوادَةَ بَيْنِها ∗∗∗ وتَشْقى الرِماحُ بِالضَياطِرَةِ الحُمْرِ وهَذا البَيْتُ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ إذْ يَتَّجِهُ عَلى وجْهِهِ فَتَأمَّلْهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ: ما كُنْتَ في الحَرْبِ العَوانِ مُغَمَّرًا ∗∗∗ إذْ شَبَّ حَرُّ وقُودِها أجْذالَها وقالَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ: التَقْدِيرُ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، فَجُعِلَ بَدَلُ ذَلِكَ تَعْدِيَةَ الفِعْلِ بِحَرْفِ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: ناءَ الحِمْلُ وأنْأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ بِمَعْنى: جَعَلَتْهُ يَنُوءُ، والعَرَبُ تَقُولُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُسْنَدَ "تَنُوءُ" إلى المَفاتِيحِ مَجازًا؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وهَذا مُطَّرِدٌ في قَوْلِهِمْ: ناءَ الحِمْلُ بِالعِيرِ، ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "العُصْبَةِ"، كَمْ هِيَ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ثَلاثَةٌ، وقالَ قَتادَةُ: العُصْبَةُ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ حَمْلًا عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: "لَيَنُوءُ" بِالياءِ، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى أنَّهُ يَقْرَأُ: "مَفاتِحَهُ" جَمْعًا، وذَكَرَ أبُو عَمْرِو الدانِي أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: "ما إنَّ مِفْتاحَهُ" عَلى الإفْرادِ، فَيُسْتَغْنى عَلى هَذا عن تَوْجِيهِ أبِي الفَتْحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "فَبَغى"، ونَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكُ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، و"لا يُحِبُّ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- صِفَةُ فِعْلٍ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ قَدْ وقَعَ فَمُحالٌ أنْ يَرْجِعَ إلى الإرادَةِ، وإنَّما هو لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَهِبُهم رَحْمَتَهُ.
ثُمْ وصَّوْهُ بِأنْ يَطْلُبَ بِمالِهِ رِضى اللهِ وآخِرَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيا ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في ألّا تَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا في دُنْياكَ؛ إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصالِحُ فَيَنْبَغِي ألّا تُهْمِلَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالكَلامُ كُلُّهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- شِدَّةٌ في المَوْعِظَةِ.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: مَعْناهُ: وَلا تُضَيِّعْ حَظَّكَ أيْضًا مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، ونَظَرِكَ إلى عاقِبَةِ دُنْياكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالكَلامُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو في الرِفْقِ بِهِ وإصْلاحِ الأمْرِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ، وهَذا مِمّا يَجِبُ اسْتِعْمالُهُ مَعَ المَوْعُوظِ خَشْيَةَ النَبْوَةِ مِنَ الشِدَّةِ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمُ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ، وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُرْبُ بِلا سَرَفٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّهُ قِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ كَأنَّهم قالُوا: لا تَنْسَ أنَّكَ تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ إلّا نَصِيبَكَ الَّذِي هو الكَفَنُ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ وقَوْلُهُ: ﴿ وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللهُ إلَيْكَ ﴾ أمْرٌ بِصِلَةِ المَساكِينِ وذَوِي الحاجَةِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ قارون كَانَ مِن قَوْمِ موسى فبغى عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بالعصبة أُوْلِى القُوَّةِ ﴾ كان من صنوف أذى أيمة الكفر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ومن دواعي تصلبهم في إعراضهم عن دعوته اعتزازهم بأموالهم وقالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] أي على رجل من أهل الثروة فهي عندهم سبب العظمة ونبزهم المسلمين بأنهم ضعفاء القوم، وقد تكرر في القرآن توبيخهم على ذلك كقوله ﴿ وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً ﴾ [سبأ: 35] وقوله ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ﴾ [المزمل: 11] الآية.
روى الواحدي عن ابن مسعود وغيره بأسانيد: إن الملأ من قريش وسادتهم منهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والمطعم بن عدي والحارث بن نوفل.
قالوا: «أيريد محمد أن نكون تبعاً لهؤلاء (يعنون خباباً، وبلالاً، وعماراً، وصهيباً) فلو طرد محمد عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم له في صدورنا وأطمع له عندنا وأرجى لاتباعنا إياه وتصديقنا له فأنزل الله تعالى ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ إلى قوله ﴿ بالشاكرين ﴾ [الأنعام: 52- 53].
وكان فيما تقدم من الآيات قريباً قوله تعالى ﴿ وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ﴾ إلى قوله ﴿ من المحضرين ﴾ [القصص: 60- 61] كما تقدم.
وقد ضرب الله الأمثال للمشركين في جميع أحوالهم بأمثال نظرائهم من الأمم السالفة فضرب في هذه السورة لحال تعاظمهم بأموالهم مثلاً بحال قارون مع موسى وأن مثل قارون صالح لأن يكون مثلاً لأبي لهب ولأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه في قرابتهما من النبي صلى الله عليه وسلم وأذاهما إياه، وللعاصي بن وائل السهمي في أذاه لخباب بن الأرتّ وغيره، وللوليد بن المغيرة من التعاظم بماله وذويه.
قال تعالى ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالا ممدوداً ﴾ [المدثر: 11- 12] فإن المراد به الوليد بن المغيرة.
فقوله ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ اسئناف ابتدائي لذكر قصة ضربت مثلاً لحال بعض كفار مكة وهم سادتهم مثل الوليد بن المغيرة وأبي جهل بن هشام ولها مزيد تعلق بجملة ﴿ وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ﴾ إلى قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين ﴾ [القصص: 60، 61].
ولهذه القصة اتصال بانتهاء قصة جند فرعون المنتهية عند قوله تعالى ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ [القصص: 46] الآية.
و ﴿ قارون ﴾ اسم معرب أصله في العبرانية (قورح) بضم القاف مشبعة وفتح الراء، وقع في تعريبه تغيير بعض حروفه للتخفيف، وأجري وزنه على متعارف الأوزان العربية مثل طالوت، وجالوت، فليست حروفه حروف اشتقاق من مادة قرن.
و (قورح هذا ابن عم موسى عليه السلام دنيا)، فهو قورح بن يصهار بن قهات بن لاوى بن يعقوب.
وموسى هو ابن عمرم المسمى عمران في العربية ابن قاهت فيكون يصاهر أخا عمرم، وورد في الإصحاح السادس عشر من سفر العدد أن (قُورَح) هذا تألب مع بعض زعماء بني إسرائيل مائتين وخمسين رجلاً منهم على موسى وهارون عليهما السلام حين جعل الله الكهانة في بني هارون من سبط (لاوى) فحسدهم قورح إذ كان ابن عمهم وقال لموسى وهارون: ما بالكما ترتفعان على جماعة الرب إن الجماعة مقدسة والرب معها فغضب الله على قورح وأتباعه وخسف بهم الأرض وذهبت أموال (قورح) كلها، وكان ذلك حين كان بنو إسرائيل على أبواب (أريحا) قبل فتحها.
وذكر المفسرون أن فرعون كان جعل (قورح) رئيساً على بني إسرائيل في مصر وأنه جمع ثروة عظيمة.
وما حكاه القرآن يبين سبب نُشُوء الحسد في نفسه لموسى لأن موسى لما جاء بالرسالة وخرج ببني إسرائيل زال تأمّر ﴿ قارون ﴾ على قومه فحقد على موسى.
وقد أكثر القصاص من وصف بذخة قارون وعظمته ما ليس في القرآن.
وما لهم به من برهان.
وتلقفه المفسرون حاشا ابن عطية.
وافتتاح الجملة بحرف التوكيد يجوز أن يكون لإفادة تأكيد خبر ﴿ إن ﴾ وما عطف عليه وتعلق به مما اشتملت عليه القصة وهو سوء عاقبة الذين تغرهم أموالهم وتزدهيهم فلا يكترثون بشكر النعمة ويستخفون بالدين، ويكفرون بشرائع الله لظهور أن الإخبار عن قارون بأنه من قوم موسى ليس من شأنه أن يتردد فيه السامع حتى يؤكد له، فمصب التأكيد هو ما بعد قوله ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح ﴾ إلى آخر القصة المنتهية بالخسف.
ويجوز أن تكون ﴿ إن ﴾ لمجرد الاهتمام بالخبر ومناط الاهتمام هو مجموع ما تضمنته القصة من العبر التي منها أنه من قوم موسى فصار عدواً له ولأتباعه، فأمره أغرب من أمر فرعون.
وعدل عن أن يقال: كان من بني إسرائيل، لما في إضافة ﴿ قوم ﴾ إلى ﴿ موسى ﴾ من الإيماء إلى أن لقارون اتصالاً خاصاً بموسى فهو اتصال القرابة.
وجملة ﴿ فبغى عليهم ﴾ معترضة بين جملة ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ وجملة ﴿ وءاتيناه من الكنوز ﴾ ، والفاء فيها للترتيب والتعقيب، أي لم يلبث أن بطر النعمة واجترأ على ذوي قرابته، للتعجيب من بغي أحد على قومه كما قال طرفة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهنّد والبغي: الاعتداء، والاعتداء على الأمة الاستخفاف بحقوقها، وأول ذلك خرق شريعتها.
وفي الإخبار عنه بأنه ﴿ من قوم موسى ﴾ تمهيد للكناية بهذا الخبر عن إرادة التنظير بما عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي بعض قرابته من المشركين عليه.
وفي قوله ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ محسّن بديعي وهو ما يسمى النثر المتزن، أي النثر الذي يجيء بميزان بعض بحور الشعر، فإن هذه الجملة جاءت على ميزان مصراع من بحر الخفيف، ووجه وقوع ذلك في القرآن أن الحال البلاغي يقتضي التعبير بألفاظ وتركيب يكون مجموعه في ميزان مصراع من أحد بحور الشعر.
وجملة ﴿ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ﴾ صلة ﴿ ما ﴾ الموصولة عند نحاة البصرة الذين لا يمنعون أن تقع ﴿ إن ﴾ في افتتاح صلة الموصول.
ومنع الكوفيون من ذلك واعتُذر عنهم بأن ذلك غير مسموع في كلام العرب ولذلك تأولوا ﴿ ما ﴾ هنا بأنها نكرة موصوفة وأن الجملة بعدها في محل الصفة.
والمفاتح: جمع مفتح بكسر الميم وفتح المثناة الفوقيية وهو آلة الفتح، ويسمى المفتاح أيضاً.
وجمعه مفاتيح وقد تقدم عند قوله تعالى ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ في سورة [الأنعام: 59].
و ﴿ الكنوز ﴾ : جمع كنز وهو مختزن المال من صندوق أو خزانة، وتقدم في قوله تعالى ﴿ لولا أنزل عليه كنز ﴾ في سورة [هود: 12]، وأنه كان يقدر بمقدار من المال مثل ما يقولون: بدرة مال، وأنه كان يجعل لذلك المقدار خزانة أو صندوق يسعه ولكل صندوق أو خزانة مفتاحه.
وعن أبي رزين لقيط بن عامر العُقيلي أحد الصحابة أنه قال «يكفي الكوفة مفتاح» أي مفتاح واحد، أي كنز واحد من المال له مفتاح، فتكون كثرة المفاتيح كناية عن كثرة الخزائن وتلك كناية عن وفرة المال فهو كناية بمرتبتين مثل: جبان الكلب مهزول الفصيل *** ﴿ بالعصبة ﴾ باء الملابسة أن تثقل مع العصبة الذين يحملونها فهي لشدة ثقلها تثقل مع أن حملتها عصبة أولو قوة وليست هذه الباء باء السببية كالتي في قول امرئ القيس: وأردف إعجازاً وناء بكلكل *** ولا كمثال صاحب «الكشاف»: ناء به الحمل، إذا أثقله الحمل حتى أماله.
وأما قول أبي عبيدة بأن تركيب الآية فيه قلب، فلا يقبله من كان له قلب.
والعُصبة: الجماعة، وتقدم في سورة يوسف.
وأقرب الأقوال في مقدارها قول مجاهد أنه من عشرة إلى خمسة عشر.
وكان اكتسب الأموال في مصر وخرج بها.
﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ ﴾ ﴿ يُحِبُّ الفرحين * وابتغ فِيمَآ ءَاتَاكَ الله الدار الاخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفساد فِى الارض إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين ﴾ ﴿ إذ ﴾ ظرف منصوب بفعل (بغى عليهم) والمقصود من هذا الظرف القصة وليس القصد به توقيت البغي ولذلك قدره بعض المفسرين متعلقاً ب (أذكر) محذوفاً وهو المعني في نظائره من القصص.
والمراد بالقوم بعضهم إما جماعة منهم وهم أهل الموعظة وإما موسى عليه السلام أطلق عليه اسم القوم لأن أقواله قدوة للقوم فكأنهم قالوا قوله.
والفرح يطلق على السرور كما في قوله تعالى ﴿ وفرحوا بها ﴾ في [يونس: 22].
ويطلق على البطر والازدهاء، وهو الفرح المفرط المذموم، وتقدم في قوله تعالى ﴿ وفرحوا بالحياة الدنيا ﴾ في سورة [الرعد: 26] وهو التمحض للفرح.
والفرح المنهيّ عنه هو المفرط منه، أي الذي تمحض للتعلق بمتاع الدنيا ولذات النفس به لأن الانكباب على ذلك يميت من النفس الاهتمام بالأعمال الصالحة والمنافسة لاكتسابها فينحدر به التوغل في الإقبال على اللذات إلى حضيض الإعراض عن الكمال النفساني والاهتمام بالآداب الدينية، فحذف المتعلق بالفعل لدلالة المقام على أن المعنى لا تفرح بلذات الدنيا معرضاً عن الدين والعمل للآخرة كما أفصح عنه قوله ﴿ وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة ﴾ .
وأحسب أن الفرح إذا لم يعلق به شيء دل على أنه صار سجية الموصوف فصار مراداً به العجب والبطر.
وقد أشير إلى بيان المقصود تعضيداً لدلالة المقام بقوله ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ ، أي المفرطين في الفرح فإن صيغة (فعل) صيغة مبالغة مع الإشارة إلى تعليل النهي، فالجملة علة للتي قبلها، والمبالغة في الفرح تقتضي شدة الإقبال على ما يفرح به وهي تستلزم الإعراض عن غيره فصار النهي عن شدة الفرح رمزاً إلى الإعراض عن الجد والواجب في ذلك.
وابتغاء الدار الآخرة طلبها، أي طلب نعيمها وثوابها.
وعلق بفعل الابتغاء قوله ﴿ فيما ءاتاك الله ﴾ بحرف الظرفية، أي اطلب بمعظمه وأكثره.
والظرفية مجازية للدلالة على تغلغل ابتغاء الدار الآخرة في ما آتاه الله وما آتاه هو كنوز المال، فالظرفية هنا كالتي في قوله تعالى ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ [النساء: 5] أي منها ومعظمها، وقول سبرة بن عمرو الفقعسي: نحابي بها أكفاءنا ونهينها *** ونشرب في أثمانها ونقامر أي اطلب بكنوزك أسباب حصول الثواب بالإنفاق منها في سبيل الله وما أوجبه ورغب فيه من القربان ووجوه البر.
﴿ الدار الاخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ ﴾ .
جملة معترضة بين الجملتين الحافتين بها، والواو اعتراضية.
والنهي في ﴿ ولا تنس نصيبك ﴾ مستعمل في الإباحة.
والنسيان كناية عن الترك كقوله في حديث الخيل «ولم ينس حق الله في رقابها»، أي لا نلومك على أن تأخذ نصيبك من الدنيا أي الذي لا يأتي على نصيب الآخرة.
وهذا احتراس في الموعظة خشية نفور الموعوظ من موعظة الواعظ لأنهم لما قالوا لقارون ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ﴾ أوهموا أن يترك حظوظ الدنيا فلا يستعمل ماله إلا في القربات، فأفيد أن له استعمال بعضه في ما هو متمحض لنعيم الدنيا إذا آتى حق الله في أمواله.
فقيل: أرادوا أن لك أن تأخذ ما أحلّ الله لك.
والنصيب: الحظ والقسط، وهو فعيل من النصب لأن ما يعطى لأحد ينصب له ويميز، وإضافة النصيب إلى ضميره دالة على أنه حقه وأن للمرء الانتفاع بماله في ما يلائمه في الدنيا خاصة مما ليس من القربات ولم يكن حراماً.
قال مالك: في رأيي معنى ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ تعيش وتأكل وتشرب غير مضيق عليك.
وقال قتادة: نصيب الدنيا هو الحلال كلّه.
وبذلك تكون هذه الآية مثالاً لاستعمال صيغة النهي لمعنى الإباحة.
و ﴿ من ﴾ للتبعيض.
والمراد بالدنيا نعيمها.
فالمعنى: نصيبك الذي هو بعض نعيم الدنيا.
﴿ مِنَ الدنيا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفساد فِى الارض إِنَّ الله لاَ ﴾ .
الإحسان داخل في عموم ابتغاء الدار الآخرة ولكنه ذكر هنا ليبنى عليه الاحتجاج بقوله ﴿ كما أحسن الله إليك ﴾ .
والكاف للتشبيه، و(ما) مصدرية، أي كإحسان الله إليك، والمشبه هو الإحسان المأخوذ من ﴿ أحسن ﴾ أي إحساناً شبيهاً بإحسان الله إليك.
ومعنى الشبه: أن يكون الشكر على كل نعمة من جنسها.
وقد شاع بين النحاة تسمية هذه الكاف كاف التعليل، ومثلها قوله تعالى ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198].
والتحقيق أن التعليل حاصل من معنى التشبيه وليس معنى مستقلاً من معاني الكاف.
وحذف متعلق الإحسان لتعميم ما يُحسن إليه فيشمل نفسه وقومه ودوابه ومخلوقات الله الداخلة في دائرة التمكن من الإحسان إليها.
وفي الحديث: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» فالإحسان في كل شيء بحسبه، والإحسان لكل شيء بما يناسبه حتى الأذى المأذون فيه فبقدره ويكون بحسن القول وطلاقة الوجه وحسن اللقاء.
وعطف ﴿ لا تبغ الفساد في الأرض ﴾ للتحذير من خلط الإحسان بالفساد فإن الفساد ضد الإحسان، فالأمر بالإحسان يقتضي النهي عن الفساد وإنما نص عليه لأنه لما تعددت موارد الإحسان والإساءة فقد يغيب عن الذهن أن الإساءة إلى شيء مع الإحسان إلى أشياء يعتبر غير إحسان.
والمراد بالأرض أرضهم التي هم حالّون بها، وإذ قد كانت جزءاً من الكرة الأرضية فالإفساد فيها إفساد مظروف في عموم الأرض.
وقد تقدمت نظائره منها في قوله تعالى ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ﴾ في سورة [البقرة: 205].
وجملة ﴿ إن الله لا يحب المفسدين ﴾ علة للنهي عن الإفساد، لأن العمل الذي لا يحبه الله لا يجوز لعباده عمله، وقد كان ﴿ قارون ﴾ موحّداً على دين إسرائيل ولكنه كان شاكّاً في صدق مواعيد موسى وفي تشريعاته.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ ابْنَ عَمِّهِ، قالَهُ قَتادَةُ: ابْنُ عَمِّ مُوسى أخِي أبِيهِ وكانَ قَطَعَ البَحْرَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ وكانَ يُسَمّى: المُنَوَّرَ، مِن حُسْنِ صَوْتِهِ بِالتَّوْراةِ، ولَكِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ نافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ.
﴿ فَبَغى عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ كَفَرَ بِاللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُ زادَ في طُولِ ثِيابِهِ شِبْرًا، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلا عَلَيْهِمْ بِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ صَنَعَ بَغْيًا، حِينَ أمَرَ اللَّهُ مُوسى بِرَجْمِ الزّانِي فَعَمَدَ قارُونُ إلى امْرَأةٍ بَغِيٍّ فَأعْطاها مالًا وحَمَلَها عَلى أنِ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أنَّهُ زَنى بِها وقالَ: فَأنْتَ قَدْ زَنَيْتَ.
وَحَضَرَتِ البَغِيُّ فادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَعَظُمَ عَلى مُوسى ما قالَتْ وأحْلَفَها بِاللَّهِ الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وأنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى إلّا صَدَقْتِ، فَقالَتْ: أشْهَدُ أنَّكَ بَرِيءٌ وأنَّ قارُونَ أعْطانِي مالًا وحَمَلَنِي عَلى أنْ قُلْتُ، وأنْتَ الصّادِقُ وقارُونُ الكاذِبُ فَكانَ هَذا بَغْيُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ السُّدِّيُّ: وكانَ اسْمُ البَغِيِّ شَجَرَتا وبَذَلَ لَها قارُونُ ألْفَيْ دِرْهَمٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ كانَ غُلامًا لِفِرْعَوْنَ فَتَعَدّى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وظَلَمَهم، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
السّادِسُ: أنَّهُ نَسَبَ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الكُنُوزِ إلى نَفْسِهِ بِعِلْمِهِ وحِيلَتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ وَآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أصابَ كَنْزًا مِن كُنُوزِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، قالَهُ الوَلِيدُ.
﴿ ما إنَّ مَفاتِحَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: خَزائِنُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو رَزِينٍ.
الثّانِي: أوْعِيَتُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: مَفاتِيحُ خَزائِنِهِ وكانَتْ مِن جُلُودٍ يَحْمِلُها أرْبَعُونَ بَغْلًا.
الرّابِعُ: أنَّ مَفاتِيحَ الكُنُوزِ إحاطَةُ عِلْمِهِ بِها، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ .
﴿ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَتُثْقِلُ العُصْبَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: لَتَمِيلُ بِالعُصْبَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّأْيِ وهو البُعْدُ قالَ الشّاعِرُ: يَنْأوْنَ عَنّا وما تَنْأى مَوَدَّتُهم والقَلْبُ فِيهِمْ رَهِينٌ حَيْثُما كانُوا الثّالِثُ: لَتَنُوءُ بِهِ العُصْبَةُ كَما قالَ الشّاعِرُ إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ خَضَفْ والعُصْبَةُ الجَماعَةُ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى سَبْعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: سَبْعُونَ رَجُلًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّانِي: أرْبَعُونَ رَجُلًا، قالَهُ الحَكَمُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى الخَمْسَةَ عَشَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ.
قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
السّادِسُ: ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والتِّسْعَةِ وهُمُ النَّفَرُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
السّابِعُ: عَشْرَةٌ لِقَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وَزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ هَذا مِنَ المَقْلُوبِ تَأْوِيلُهُ: إنَّ العُصْبَةَ لَتَنُوءُ بِالمَفاتِحِ.
﴿ أُولِي القُوَّةِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ أُولِي الشِّدَّةِ.
﴿ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ مِنهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: قَوْلُ مُوسى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تَبْغِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباغِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لا تَبْخَلْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباخِلِينَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: لا تَبْطَرُ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ البَطِرِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ الشّاعِرُ: ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي ∗∗∗ ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَغَلِّبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: طَلَبُ الحَلالِ في كَسْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ الصَّدَقَةُ وصِلَةُ الرَّحِمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: وهو أعَمُّ أنْ يَتَقَرَّبَ بِنِعَمِ اللَّهِ إلَيْهِ، والمُرادُ بِالدّارِ الآخِرَةِ الجَنَّةُ.
﴿ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ.
أحَدُها: لا تَنْسَ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيا أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا تَنْسَ اسْتِغْناكَ بِما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ عَمّا حَرَّمَهُ عَلَيْكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: لا تَنْسَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ أنْ تَشْكُرَهُ عَلَيْهِ بِالطّاعَةِ وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
الثّانِي: وأحْسِنْ فِيما افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ كَما أحْسَنَ في إنْعامِهِ عَلَيْكَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: أحْسِنْ في طَلَبِ الحَلالِ كَما أحْسَنَ إلَيْكَ في الإحْلالِ.
﴿ وَلا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا عَمَلَ فِيها بِالمَعاصِي.
الثّانِي: لا تَقْطَعْ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يُحِبُّ أعْمالَ المُفْسِدِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا يُقَرِّبُ المُفْسِدِينَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ قال: كان ابن عمه، وكان يبتغي العلم حتى جمع علماً، فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده.
فقال له موسى عليه السلام: إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى فقال: إن موسى عليه السلام يريد أن يأكل أموالكم.
جاءكم بالصلاة، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوه أن تعطوه أموالكم؟
قالوا: لا نحتمل فما ترى فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها.
فارسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك.
قالت: نعم.
فجاء قارون إلى موسى عليه السلام قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك قال: نعم.
فجمعهم فقالوا له: بم أمرك ربك؟
قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تصلوا الرحم، وكذا وكذا، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم.
قالوا: وإن كنت أنت قال: نعم.
قالوا: فإنك قد زنيت قال: أنا.
فأرسلوا إلى المرأة، فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى؟
فقال لها موسى عليه السلام: أنشدك بالله إلا ما صدقت قالت: أما إذ نشدتني بالله فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخر موسى عليه السلام ساجداً يبكي، فأوحى الله إليه: ما يبكيك؟
قد سلطناك على الأرض، فمرها فتطيعك.
فرفع رأسه فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى...
يا موسى...
فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى...
يا موسى...
فقال: خذيهم فغيبتهم فأوحى الله يا موسى: سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم.
قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض ﴾ وخسف به إلى الأرض السفلى.
وأخرج الفريابي عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كان قارون ابن عم موسى.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ قال: كان ابن عمه أخي أبي قارون بن مصر بن فاهث أو قاهث، وموسى بن عرمرم بن فاهث أو قاهث، وعرمرم بالعربية عمران.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله قال: كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل، وكان يسمى النور من حسن صوته بالتوراة، ولكن عدوّ الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه الله ببغيه.
وإنما بغى لكثرة ماله وولده.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فبغى عليهم ﴾ قال: فعلا عليهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ﴾ قال: زاد عليهم في طول ثيابه شبراً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ قال: أصاب كنزاً من كنوز يوسف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الوليد بن زوران رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ قال: كان قارون يعلم الكيمياء.
وأخرج ابن مردويه عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت أرض دار قارون من فضة، وأساسها من ذهب» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن خيثمة رضي الله عنه قال: وجدت في الإِنجيل أن مفاتيح خزائن قارون كانت وقر ستين بغلاً غراً محجلةً، ما يزيد منها مفتاح على أصبع، لكل مفتاح كنز.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن خيثمة رضي الله عنه قال: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغر محجلاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: كانت المفاتيح من جلود الإِبل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لتنوء بالعصبة ﴾ يقول: لا يرفعها العصبة من الرجال ﴿ أولي القوّة ﴾ .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لتنوء بالعصبة ﴾ قال: لتثقل قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول امرئ القيس إذ يقول: تمشي فتثقلها عجيزتها ** مشي الضعيف ينوء بالوسق وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ العصبة ﴾ ما بين العشرة إلى الخمسة عشر ﴿ أولوا القوّة ﴾ خمسة عشر.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال: ﴿ العصبة ﴾ ما بين الخمس عشرة إلى الأربعين.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ العصبة ﴾ أربعون رجلاً.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كنا نحدث أن ﴿ العصبة ﴾ ما فوق العشرة إلى الأربعين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح مولى أم هانئ قال: ﴿ العصبة ﴾ سبعون رجلاً.
قال: وكانت خزانته تُحْمَلُ على أربعين بغلاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح ﴾ قال: هم المؤمنون منهم قالوا: يا قارون لا تفرح بما أوليت فتبطر.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: المرحين، الأشرين، البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.
وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الشعب والخرائطي في اعتلال القلوب عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب كل قلب حزين» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان وقال: هذا متن منكر، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زُرِ القبور تَذْكُر بها الآخرة، واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة، وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: الفرح هنا البغي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: إن الله لا يحب الفرح بطراً ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ﴾ قال: تصدق، وقرب الله تعالى، وصل الرحم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: المرحين.
وفي قوله: ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ يقول: لا تترك أن تعمل لله في الدنيا.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ و لا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: أن تعمل فيها لآخرتك.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: العمل بطاعة الله نصيبه من الدنيا الذي يثاب عليه في الآخرة.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك ﴾ قال: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغك- وفي لفظ- قال: امسك قوت سنة، وتصدق بما بقي.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: أن تأخذ من الدنيا ما أحل الله لك، فإن لك فيه غنى وكفاية.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن منصور رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: ليس هو عرض من عرض الدنيا، ولكن هو نصيبك عمرك أن تقدم فيه لآخرتك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي ﴾ يقول على خير عندي، وعلم عندي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾ يقول: علم الله أني أهل لذلك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ قال: المشركون.
لا يسألون عن ذنوبهم، ولا يحاسبون لدخول النار بغير حساب.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ قال: كقوله: ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ [ الرحمن: 41] سود الوجوه، زرق العيون، الملائكة لا تسأل عنهم قد عرفتهم.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج على براذين بيض، عليها سرج من أرجوان، وعليها ثياب معصفرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في ثوبين أحمرين.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الزبير رضي الله عنه قال: خرج قارون على قومه في ثوبين أحمرين بغير عصفر كالقرمز.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في ثياب صفر وحمر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات، وكان ذلك أول يوم في الأرض رؤيت المعصفرات فيها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في حشمه.
وذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة الاف دابة، عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء وعلى دوابهم قطائف الأرجوان.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، وعليها ثلاثمائة جارية، على بغال شهب عليهن ثياب حمر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج في جوار بيض، على سروج من ذهب، على قطف أرجوان، وهن على بغال بيض، عليهن ثياب حمر، وحلى ذهب.
وأخرج ابن مردويه عن أوس بن أوس الثقفي «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال في أربعة آلاف بغل يعني عليه البزيون» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدة بن أبي لبابة رضي الله عنه قال: أول من صبغ بالسواد قارون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ قال: أناس من أهل التوحيد قالوا: ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا يلقاها إلا الصابرون ﴾ يعني لا يلقى ثواب الله، والصواب من القول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه لذو حظ عظيم ﴾ قال: ذو جد.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الحرث رضي الله عنه؛ وهو ابن نوفل الهاشمي قال: بلغنا أن قارون أوتي من الكنوز والمال حتى جعل باب داره من ذهب، وجعل داره كلها من صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، يطعمهم الطعام ويتحدثون عنده، وكان مؤذياً لموسى عليه الصلاة والسلام، فلم تدعه القسوة والهوى حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مذكورة بالجمال كانت تذكر بريبة فقال لها: هل لك أن أموّلك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من إسرائيل عندي فتقولين: يا قارون ألا تنهي موسى عني؟
فقالت: بلى.
فلمّا جاء أصحابه واجتمعوا عنده، دعا بها فقامت على رؤوسهم، فقلب الله قلبها ورزقها التوبة فقالت: ما أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله، وأبرئ رسول الله عليه السلام فقالت: إن قارون بعث إلي فقال: هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي، وتقولين: يا قارون ألا تنهي موسى عني، فإني لم أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله، وأبرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكس قارون رأسه وعرف أنه قد هلك.
وفشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى عليه السلام، وكان موسى عليه السلام شديد الغضب.
فلما بلغه توضأ، ثم صلى وسجد وبكى وقال: يا رب...
عدوك قارون كان لي مؤذياً، فذكر أشياء ثم لم ينهاه حتى أراد فضيحتي.
يا رب سلطني عليه.
فأوحى الله إليه: أن مر الأرض بما شئت تطعك.
فجاء موسى إلى قارون، فلما رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال: يا موسى ارحمني فقال موسى عليه السلام: يا أرض خذيهم، فاضطربت داره وخسف به وبأصحابه حتى تغيبت أقدامهم، وساخت دارهم على قدر ذلك فقال قارون: يا موسى ارحمني فقال: يا أرض خذيهم، فخسف به وبداره وبأصحابه، فلما خسف به قيل له: «يا موسى ما أفظك أما وعزتي لو إياي دعا لرحمته» وقال أبو عمران الجوني: فقيل لموسى: لا أعبد في الأرض بعدك أحداً.
وأخرج الفريابي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض ﴾ قال: خسف به إلى الأرض السفلى.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة عن أبي ميمون عن سمرة بن جندب قال: يخسف بقارون وقومه في كل يوم قدر قامة، فلا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه، مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: إن الله أمر الأرض أن تطيعه ساعة.
وأخرج عبد بن حميد عن مالك بن دينار رضي الله عنه: أن قارون يخسف به كل يوم قامة.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما خسف بقارون فهو يذهب وموسى قريب منه قال: يا موسى ادع ربك يرحمني.
فلم يجبه موسى حتى ذهب.
فأوحى الله إليه «استغاث بك فلم تغثه، وعزتي وجلالي لو قال: يا رب لرحمته» .
وأخرج أحمد في الزهد عن عون بن عبد الله القاري عامل عمر بن عبد العزيز على ديوان فلسطين أنه بلغه: أن الله عز وجل أمر الأرض أن تطيع موسى عليه السلام في قارون، فلما لقيه موسى قال للأرض: أطيعيني فأخذته إلى الركبتين، ثم قال: أطيعيني فوارته في جوفها، فأوحى الله إليه «يا موسى ما أشد قلبك، وعزتي وجلالي لو بي استغاث لأغثته» قال: رب غضباً لك فعلت.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ﴾ قال: ما كانت عنده منعة يمتنع بها من الله تعالى.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويكأن الله ﴾ يقول: أو لا يعلم ﴿ أن الله يبسط الرزق ﴾ وفي قوله: ﴿ ويكأنه لا يفلح الكافرون ﴾ يقول: أو لا يعلم ﴿ أنه لا يفلح الكافرون ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقال أبو إسحاق: أراد لا تفرح بكثرة المال في الدنيا، لأن الذي يفرح بالمال يصرفه في غير أمر الآخرة.
والدليل على أنهم أرادوا لا تفرح بالمال في الدنيا، قوله تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾ (١) (٢) (٣) والمعنى: اطلب فيما أنعم الله به عليك الجنة، وهو: أن يشكر الله، وينفق مما أوتي في رضا الله، يدل عليه قوله: ﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: العمل لله فيها بما يحب ويرضى.
وقال في رواية الأعمش: أي: تعمل فيها لآخرتك (٤) وهو قول مقاتل ومجاهد وابن زيد؛ قالوا: لا تترك أن تعمل لآخرتك (٥) (٦) (٧) (٨) وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: العمل بطاعة الله نصيبه من الدنيا، الذي يثاب عليه في الآخرة (٩) وقال قتادة: لا تنس الحلال من الدنيا؛ ابتغ الحلال (١٠) (١١) وقال الحسن: أُمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، وُيقدَّم ما سوى ذلك لآخرته (١٢) (١٣) (١٤) قوله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: يريد أطع الله واعبده كما أنعم عليك.
وقال مقاتل: وأحسن العطية في الصدقة والخير ﴿ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾ يقول: لا تبغ بإحسان الله إليك أن تعمل في الأرض بالمعاصي (١٥) وقال الكلبي: ﴿ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾ فتدعو إلى عبادة غير الله (١٦) (١٧) (١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 155.
(٢) في نسخة (أ): الأموال.
والمناسب الإفراد؛ لإفراد ما بعده.
(٣) "تفسير مقاتل" 69 أ.
(٤) أخرجه ابن جرير 20/ 112، وابن أبي حاتم 9/ 3010، من طريق الأعمش.
(٥) أخرجه ابن جرير 20/ 112، وابن أبي حاتم 9/ 3010، عن مجاهد وابن زيد.
وذكره عنهما الثعلبي 8/ 152 أ.
و"تفسير مقاتل" 69 أ.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 155.
(٧) ذكره الثعلبي 8/ 152 أ، من طريق الوالبي، علي بن أبي طلحة.
(٨) ذكره عنه الثعلبي 8/ 152 أ.
(٩) أخرجه ابن جرير 20/ 112، وابن أبي حاتم 9/ 3010، عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح.
(١٠) أخرجه ابن جرير 20/ 113، وابن أبي حاتم 9/ 3011.
(١١) اقتصر عليه أبو عبيدة "مجاز القرآن" 2/ 111.
وابن قتيبة، "غريب القرآن" 335.
(١٢) ذكره عنه الثعلبي 8/ 152 أ.
(١٣) أخرجه ابن جرير 20/ 113، وابن أبي حاتم 9/ 3011.
(١٤) أخرجه الثعلبي 8/ 152 أ، بسنده عن منصور بن زاذان، قال: قوتك وقوت أهلكْ.
(١٥) "تفسير مقاتل" 69 أ.
(١٦) "تنوير المقباس" 330.
(١٧) "تفسير مقاتل" 69 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة ﴾ أي اقصد الآخرة بما أعطاك الله من المال، وذلك بفعل الحسنات والصدقات ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ﴾ أي لا تضيع حظك من دنياك وتمتع بها مع عملك إنما هو بما يعمل فيها من الخير، فالكلام على هذا وعظ، وعلى الأول إباحة للتمتع بالدنيا لئلا ينفر عن قبول الموعظة ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ أي أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بالغنى قال: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي ﴾ لما وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الردل عليهم، والروغان عما ألزموه من الموعظة، والمعنى: أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له بسبب علم عندي استجوبته به، اختلف في هذا العلم فقيل: إنه علم الكيمياء وقيل: التجارب للأمور والمعرفة بالمكاسب، وقيل: حفظه التوراة وهذا بعيد، لأنه كان كافراً، قيل: المعنى إنما أوتيته على علم من الله وتخصيص خصني به، ثم جعل قوله عندي كما تقول في ظني واعتقادي ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون ﴾ هذا ردّ عليه في اغتراره بالدنيا وكثرة جمعه للمال أو جمعه للخدم، والأول أظهر.
﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ﴾ في معناه قولان: أحدهما أنه متصل بما قبله، والضمير في ذنوبهم يعود على القرون المتقدمة، والمجرمون من بعدهم أي: لا يسأل المجرمون عن ذنوب من تقدمهم من الأمم الهالكة؛ لأن كل أحد إنما يسأل عن ذنوبه خاصة، والثاني: أنه إخبار عن حال المجرمين في الآخرة؛ وأنهم لا يسألون عن ذنوبهم؛ لكونهم يدخلون النار من غير حساب، والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويسألون عنها لقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: 92-93] وأن هذا السؤال المنفي السؤال على وجه الاختبار وطلب التعريف، لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه؛ لكن يسألون على وجه التوبيخ، وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة، فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه فهو على وجه الاستخبار والتعريف، ومنه قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ [الرحمن: 39].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عندي أولم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن فليح وأبو عمرو وخزاعي عن أصحابه وابن مجاهد وأبو عون والسرندي عن قنبل.
الباقون بالإسكان ﴿ ويكأن ﴾ ﴿ ويكأنه ﴾ الوقف على الياء: أبو عمرو ويعقوب ﴿ ويك ﴾ الوقف على الكاف و ﴿ ويكأنه ﴾ موصولة: روى السوسي عن السرندي وهو مذهب حمزة.
الباقون كلاهما موصلان ﴿ لخسف ﴾ على البناء للفاعل: سهل ويعقوب وحفص ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ بضياء ﴾ ط ﴿ تسمعون ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ص لأن الواو للحال أي وقد آتينا مع طول الكلام ﴿ القوّة ﴾ ط بناء على أن التقدير و"أذكر" إذ قال: وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ تنوء ﴾ فلا وقف ﴿ الفرحين ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ عندي ﴾ ط ﴿ جمعاً ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ في زينته ﴾ ط لعدم العاطف واختلاف القائل.
﴿ قارون ﴾ لا لأن ما بعده تعليل التمني ولو ابتدأنا لحكمنا بأنه ذو حظ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ج لأن ما بعده احتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله، واحتمل أن يكون من قول أهل العلم ﴿ الصابرون ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ق قد قيل: لتفصيل الاعتبار ﴿ المنتصرون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج للابتداء بلولا مع اتحاد المقول ﴿ لخسف بنا ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ولا فساداً ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ج لعطف جملة الشرط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معاد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ للكافرين ﴾ ه ز للآية مع العطف ﴿ المشركين ﴾ ه للآية وخلو المعطوف عن نون التأكيد التي خلت المعطوف عليه مع اتفاق الجملتين آخراً احترازاً من إيهام كون ما بعده صفة ﴿ آخر ﴾ ه ﴿ لا إله إلا هو ﴾ ط ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: لما بين حقيقة آلهيته واستحقاقه للحمد المطلق وأن مرجع الكل إلى حكمته وقضائه، أتبعه بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه أحد سواه وهو تبديل ظلام الليل بضياء النهار وبالعكس.
والمعنى: أخبروني من يقدر على هذا؟
والسرمد الدائم المتصل من السرد، والميم زائدة، وانتصابه على أن مفعول ثانٍ لجعل أو على الحال، وإلى متعلق بجعل أو بـ ﴿ سرمداً ﴾ ، ومنافع الليل والنهار والاستدلال بهما على كمال قدرة الله تعالى قد تقدمت مراراً.
قال جار الله: وإنما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قيل: ﴿ بليل تسكنون فيه ﴾ لأن الضياء وهو ضوء الشمس تتعلق به المنافع المتكاثرة وليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثَمّ قرن بالضياء ﴿ أفلا تسمعون ﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل ﴿ أفلا تبصرون ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.
قال الكلبي: ﴿ أفلا تسمعون ﴾ معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك.
وقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.
وقال أهل البرهان: قدم الليل على النهار لأن ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل.
وإنما ختم الاية الأولى بقوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ بناء على الليل، وختم الأخرى بقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ بناء على النهار والنهار مبصر وآية النهار مبصرة.
ثم بين أن من رحمته زواجه بين الليل والنهار لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ولإرادة الشكر على النعمتين جميعاً.
وفي الآية طريقة اللف ثقة بفهم السامع وذلك لأن السكون بالنهار وإن كان ممكناً وكذا الابتغاء من فضل الله بالليل إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره فلهذا خصه به.
وفي تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء دليل على أنه لا شيء أسخط عند الله من الإشراك به، ويعلم منه أنه لا شيء أجلب لرضاه من الشهادة بوحدانيته.
وفحوى الخطاب: أين الذين ادّعيتم إلهيتهم لتخلصكم أو أين الذين قلتم إنها تقربكم إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله؟
فيكون ذلك زيادة في غمهم.
ومعنى ﴿ ونزعنا ﴾ وأخرجنا ﴿ من كل أمة شهيداً ﴾ قال بعضهم: هونبيهم لأن الأنبياء يشهدون أنهم بلغوا أمتهم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زيادة في غمهم أيضاً.
وقال آخرون: بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان، ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب، لأنه عم كل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه أزمنة الفترات والأزمنة التي بعد محمد .
﴿ فقلنا ﴾ للأمة ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ فيما كنتم عليه من الشرك وخلاف الرسول ﴿ فعلموا ﴾ حينئذ ﴿ أن الحق لله ﴾ ورسوله وغاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من الباطل والزور.
ثم عقب حديث أهل الضلال بقصة قارون.
وهو اسم أعجمي ولهذا لم ينصرف بعد العلمية ولو كان "فاعولاً" من قرن لا نصرف.
والظاهر أنه كان ممن آمن بموسى، هذا ظاهر نص القرآن ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة.
قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى.
وقيل: كان موسى ابن أخيه وكان يسمى المنوّر لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة إلا أنه نافق كما نافق السامري.
وقال: إذا كانت النبوّة لموسى والذبح والقربان إلى هارون فما لي؟
وفي قوله ﴿ فبغى عليهم ﴾ وجوه أحدها: أن بغيه استخفافه بالفقراء.
وثانيها أن ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم.
وقال القفال: معناه طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده.
وقال الضحاك: طغى عليهم واستطال فلم يوافقهم في أمر.
ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم ومثله عن شهر بن حوشب قال: بغيه أنه زاد عليهم في الثياب شبراً فهذا يعود إلى التكبر.
الكلبي: بغيه حسده وذلك أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة له والوزارة لهارون، وكان القربان إلى موسى فجعله إلى هارون فوجد قارون في نفسه حسدهما فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء إلى متى اصبر؟
قال موسى: هكذا حكم الله.
قال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يأتي كل واحد بعصا فألقى مجموع العصيّ في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها فأصبحوا فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر.
واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال كما أخبر الله عن ذلك بقوله ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ سأل الكلبي: الستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف إيتاء مال قارون إلى نفسه؟
فأجاب بأنه لا حجة في أن ماله حرام لجواز أنه ظفر بكنز لبعض الملوك الخالية، وكان الظفر عندهم طريق التملك، أو لعله وصل إليه بالإرث من جهات، أو بالكسب من جهة المضاربات وغيرها.
والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به الباب، أو جمع مفتح بالفتح وهو الخزانة.
فمن الناس من طعن في القول الأول لأن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوأة من الذهب لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ولهذا قال أبو رزين: يكفي للكوفة مفتاح واحد.
وأيضاً الكنوز هي الأموال المدفونة في الأرض ولا يتصوّر لها مفتاح.
أجاب الناصرون للقول الأول وهو اختيار ابن عباس والحسن: أن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقود جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد.
وأيضاً ما روي أن مفاتيحه كانت من جلود الإبل وكل مفتاح إصبع ولكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب حملت المفاتيح ستون بغلاً غير مذكور في القرآن.
فالصواب أن يفسر قوله ﴿ لتنوء ﴾ أي تنهض مثقلاً بأن تلك الخزائن يعسر ضبطها ومعرفتها على أهل القوّة في الحساب، وقريب منه قول أبي مسلم: إن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ والمراد أن حفظها والاطلاع عليها يثقل على العصبة أولي القوّة والمتانة في الرأي.
وظاهر الكنوز وإن كان من جهة العرف هو المال المدفون إلا أنه قد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق.
وأيضاً لا استبعاد في أن يكون موضع المال المدفون بيتاً تحت الأرض له غلق ومفتاح معه.
و ﴿ لا تفرح ﴾ كقوله ﴿ ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن ورضي بها.
قال ابن عباس: كان حبه ذلك شركاً لأنه ما كان يخاف معه عقوبه الله : ﴿ وابتغ فيما آتاك الله ﴾ من المال والثروة ﴿ الدار الآخرة ﴾ يعني أسباب حصول سعاداتها من أصناف الخيرات والمبرات الواجبة والمندوبة فإن ذلك هو نصيب المؤمن من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولا تنسَ نصيبك من الدنيا ﴾ ويحتمل أن يراد به اللذات المباحة.
وحين أمروه بالإحسان المالي أمروه بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن الغيبة والحضور.
وفي قوله ﴿ كما أحسن الله إليك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ وإلى ما قال الحكماء: المكافأة في الطبيعة واجبة.
و ﴿ الفساد في الأرض ﴾ المنهي عنه هو ما كان عليه من الظلم والبغي.
وهذا القائل موسى أو مؤمنو قومه وهو ظاهر اللفظ.
وكيف كان فقد جمع في هذه الألفاظ من الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد لكنه أبي أن يقبل بل تلقى النصح بكفران النعمة قائلاً ﴿ إنما آوتيته على علم عندي ﴾ قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك.
وقال سعيد بن المسيب والضحاك: إن موسى أنزل عليه الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وطالوت ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً.
وقيل: أراد علمه بوجوه المكاسب والتجارات.
وقيل: أراد إن الله أعطاني ذلك على علم له بحالي وباستئهالي لذلك.
وقوله ﴿ عندي ﴾ الأمر كذلك اي في اعتقادي وفي ظني فأجابه الله بقوله ﴿ أولم يعلم ﴾ الآية.
قال علماء المعاني: يجوز أن يكون المعنى بالاستفهام إثباتاً لعلمه لأنه قد قرأ في التوراة أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية وحفظها من موسى وغيره فكأنه قيل: إنه قد علم ذلك فلم اغتر بكثرة ماله وأعوانه؟
ويجوز أن يراد به نفي العلم لأنه لما تحدّى بكونه من أهل العلم حيث قال ﴿ على علم عندي ﴾ وبخه الله أنه لم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهلكى.
ووجه اتصال قوله ﴿ ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ بما قبله أنه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه عالم بكل المعلومات.
وقال أبو مسلم: أراد أنهم لا يسألون سؤال استيقان وإنما يسألون سؤال تقريع ومحاسبة ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ عن الحسن: في الحمرة والصفرة.
وقيل: خرج على بغلة شهباء عليه ثوب أحمر أرجواني، وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه.
وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عيلهن الحلى والثياب الفاخرة.
وقيل: في تسعين ألفاً عليهم الثياب الصفر.
قال الراغبون في الحياة العاجلة ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إِنه لذو حظ عظيم ﴾ والحظ الجد والبخت.
عن قتادة: كانوا مسلمين تمنوا ذلك رغبة في الإنفاق في سبيل الخير.
وقال آخرون: كانوا كفاراً وقد مر في سورة النساء تحقيق الغبطة والحسد في قوله ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ ﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ بأحوال الدنيا وأنها عند الآخرة كلا شيء ﴿ ويلكم ﴾ وأصله الدعاء بالهلاك إلا أنه قد يستعمل في الردع والزجر بطريق النصح والإِشفاق، والضمير في قوله ﴿ ولا يلقاها ﴾ عائد إلى الكلمة المذكورة وهي قوله ﴿ ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ﴾ أو إلى الصواب بمعنى المثوبة.
أو بتأويل الجنة، أو إلى السير والطريقة أي لا يلزم هذه السيرة ﴿ إلا الصابرون ﴾ على الطاعات وعن الشهوات وعلى ما قسم الله وحكم به من الغنى وضده، وظاهر حال قارون ينبئ عن أنه كان ذا أشر وبطر واستخفاف بحقوق الله واستهانة بنبيه وكتابه، فلا جرم خسف الله به وبدراه الأرض، إلا أن المفسرين فصلوا فقالوا: كان يؤذي نبي الله موسى وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل الف درهم على درهم، فحسبه فاستكثر فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمر بما شئ.
فقال: ائتوا إلى فلانة البغي حتى ترميه بنفسها في جمع بني إسرائيل فجعل لها ألف دينار أو طستاً مملوءاً من ذهب.
فلما كان يوم عيد قام موسى فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه.
فقال قارون: وإن كنت أنت؟
قال: وإن كنت أنا.
قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة.
فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك.
فقال: يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فيعتزل فاعتزلوا جميعهاً غير رجلين.
ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط.
ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون واصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه.
ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم.
فأوحى الله إلى موسى ما أفظك!
استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً.
قلت: لعل استغاثته كانت مقرونة بالتوبة وإلا فالعتاب بعيد.
ثم إن بني إسرائيل أصبحوا يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستفيد داره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله.
ومعنى ﴿ من المنتصرين ﴾ من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله ﴿ وأصبح الذين تمنوا مكانه ﴾ أي منزلته من الدنيا وأسبابها ﴿ بالأمس ﴾ أي بالزمان المتقدم ﴿ يقولون ﴾ راغبين في طاعة الله والرضا بقضائه وقسمته ﴿ ويكأن الله ﴾ من قرأ ﴿ وي ﴾ مفصولة عن ﴿ كأن ﴾ وهو مذهب الخليل وسيبويه فهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم كأنهم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وتندموا ثم قالوا ﴿ كأنه لا يفلح الكافرون ﴾ أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح نظير هذا الاستعمال قول الشاعر: ويكأن من يكن له نشب يحـ *** ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر وعند الكوفيين: ويك بمعنى ويلك أي ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون.
حكى هذا القول قطرب عن يونس، وجوّز جار الله أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى ﴿ وي ﴾ واللام مقدر قبل أن لبيان المقول لأجله هذا القول والتعليل أي لأنه لا يفلح الكفار كان ذلك الخسف.
قال في الكشاف قوله ﴿ تلك ﴾ تعظيم للدار الآخرة وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت ذكرها وبلغك وصفها.
قلت: يحتمل أن يكون للتبعيد حقيقة.
وفي قوله ﴿ لا يريدون ﴾ دون أن يقول "يتركون" زجر عظيم ووعظ بليغ كقوله ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ حيث علق الوعيد بالركون عن علي أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحته.
ومن الناس من رد العلو إلى فرعون والفساد إلى قارون لقوله ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ وقال في قصة قارون ﴿ ولا تبغ الفساد في الأرض ﴾ وضعف هذا التخصيص بيِّن لقوله في خاتمة الآية ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ قوله ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ الآية، قد مر تفسير مثله في آخر "الأنعام" وفي آخر "النمل".
وقوله ﴿ فلا يجزى الذين عملوا السيئات ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر إذ كان يكفي أن يقال: "فلا تجزون" إلا أنه أراد فضل تهجين لحالهم بإسناد عمل السيئات إليهم مكرراً، وفي ذلك لطف للسامعين في زيادة تبغيض السيئة إلى قلوبهم.
ثم أراد أن يسلي رسوله في خاتمة السورة فقال ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن ﴾ أي أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ وأي معاد فتنكير المعاد للتعظيم وأنه ليس لغيره من البشر مثله يعني أن الذي حملك صعوبة تكلي التبليغ وما يتصل به لمثيبك عليها ثواباً لا يحيط به الوصف.
وقيل: أراد عوده إلى مكة يوم الفتح، ووجه التنكير ظاهر لأن مكة يومئذ كانت معاداً له شأن لغلبة المسلمين وظهور عز الإسلام وأهله وذل أهل الشرك وحزبه والسورة مكية.
فقيل: وعده وهو بمكة في أذى من أهلها أنه مهاجر بالنبي منها ويعيده إليها في ظفر ودولة.
وقيل: نزلت عليه هذه الآية حين بلغ الجحفة في مهاجرة وقد اشتاق إلى وطنه.
وفي الآية إخبار عن الغيب وقد وقع كما أخبر فيكون فيه إعجاز دال على نبوّته.
وحين وعد رسوله الردّ إلى المعاد المعتبر قال ﴿ قل ﴾ لأهل الشرك ﴿ ربي أعلم ﴾ يعني نفسه وإياهم بما يستحقه كل من الفريقين في معاده، ولا يخفى أن هذا كلام منصف واثق بصدقه وحقيته.
ثم ذكر رسوله ما أنعم به عليه فقال ﴿ وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ﴾ قال أهل العربية: هذا الاستثناء محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة، أو "إلا" بمعنى "لكن" أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك.
ثم نهاه عن اتباع أهواء أهل الشرك وقد مرّ مراراً أن مثل هذا النهي من باب التهييج له ولأمته.
ثم إن مرجع الكل إليه فقال ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم أي يعدم كل شيء سواه، والوجه يعبر به عن الذات، ومنهم من فسر الهلاك بخروجه عن كونه منتفعاً به منفعته الخاصة به إما بالإماتة أوبتفريق الأجزاء كما يقال "هلك الثوب وهلك المتاع" وقال أهل التحقيق: معنى الهلاك كونه في حيز الإمكان غير مستحق للوجود ولا للعدم من عند ذاته، وإن سميت المعدوم شيئاً فممتنع الوجود أحق كل شيء بأن يسمى هالكاً.
استدلت المعتزلة بالآية على أن الجنة والنار غير مخلوقتين لأنهما لو كانتا مخلوقتين لعرض لهما الفناء بحكم الآية، وهذا يناقض قوله ﴿ أكلها دائم ﴾ وعورض بقوله ﴿ اعدّت للمتقين ﴾ و ﴿ أعدت للكافرين ﴾ ويحتمل أن يقال الكل بمعنى الأكثر ومن هناك قال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار.
وقيل: إلا العلماء فإن علمهم باق.
ويمكن أن يقال إن زمان فناء الجنة لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها فلا جرم أطلق لفظ الدوام عليه ومن فسر الهلاك بالإمكان فلا إشكال والله أعلم.
التأويل: ﴿ أرايتم إن جعل الله عليكم ﴾ ليل الفراق عند استيلاء ظلمة البشرية ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ نهار الوصل والتجلي ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ﴾ نهار الوصل بطلوع شمس التجلي ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بليل ﴾ سر تسكنون فيه عن وعثاء سطوة التجلي ﴿ ومن رحمته جعل لكم ﴾ ليل السر ونهار التجلي فإن العاشق لو دام في التجلي كان يستهلك وجوده، وكان النبي يقول "إنه ليغان على قلبي" وقال لعائشة: كلميني يا حميراء.
وذلك لتخرجه من سطوات شمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب.
وليس هذا السر من قبيل الحجاب وإنما هو من جملة الرحمة واللطف نظيره الشمس في عالم الصورة فإنها في خط الاستواء تحرق، وفي الآفاق الرحوية لا تؤثر، وفي الآفاق الحملية يعتدل الحر والبرد فتكثر العمارة وتسهل ويعيش الحيوان ﴿ ونزعنا من كل أمة ﴾ من أرباب النفوس ﴿ شهيداً ﴾ هو القلب الحاضر ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ وهو حقيقة التوحيد التي لا تحصل بالفعل إلا بجذبة خطاب الحق فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق لله ﴿ إن قارون ﴾ النفس ﴿ كان من قوم موسى ﴾ القلب لأن الله جعل النفس تبعاً للقلب وجعل سعادتها في متابعة ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ المودعة في صفاتها قد أهلك من قبله من القرون كإبليس فإنه أكثر علماً وطاعة ﴿ في زينته ﴾ هي التي زين حبها للناس من النساء والبنين وغير ذلك ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ وهم صفات النفس.
﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ وهو صفات الروح ﴿ فخسفنا به ﴾ الأرض دركات السفل ﴿ وبداره ﴾ وهي قالبه أرض جهنم يتغلغل فيها إلى يوم القيامة بل إلى الأبد ﴿ نجعلها للذين لا يريدون ﴾ كما قال في بعض الكتب المنزلة: عبدي أنا ملك حي لا أموت أبداً، أطعني أجعلك ملكاً حياً لا تموت أبداً.
عبدي أنا ملك إذا قلت لشيء كن فيكون، أطعني أجعلك ملكاً إذا قلت لشيء كن فيكون.
وعن النبي "عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت" ﴿ إن الذي فرض ﴾ أي أوجب عليك التخلق بخلق القرآن ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ هو مقام الفناء في الله والبقاء به ﴿ قل ربي أعلم من جاء بالهدى ﴾ وهو بذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي ﴿ إلا رحمة من ربك ﴾ أي إلا أنا ألقينا الكتاب إليك إلقاء الإكسير على النحاس فتخلقت بخلق القرآن والله المستعان.
قوله: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - يخوّف أهل مكة، ويوعدهم ببغيهم على الله وعلى رسوله بعذاب ينزل بهم؛ كما نزل بقارون ببغيه على موسى وقومه، أي: لم تنفعه قرابته من موسى ولا صلته به؛ لما ذكر أنه كان ابن عمه وكان ختنه: زوج أخته مريم؛ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: لا تنفعكم القرابة التي بينكم وبين رسول الله ولا اتصالكم - به من عذاب الله ومقته في الدنيا، إذا بغيتم عليه وتركتم اتباعه؛ كما لم تنفع القرابة التي بين قارون وموسى من عذاب الله ومقته في الدنيا إذا بغى عليه، وكما لم تنفع أبوة أبي إبراهيم لأبي إبراهيم إذا بغى عليه وترك اتباعه، حيث تبرأ إبراهيم منه وحيث قال: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية [مريم: 45]، وحيث لم تنفع لامرأة نوح ولوط الزوجية التي كانت بينهما وبين نوح ولوط من نزول العذاب ومقته بهما إذا تركتا اتباعهما وبغتا عليهما؛ فعلى ذلك يأهل مكة لا ينفعكم من عذاب الله ومقته قرابتكم برسول الله - صلوات الله عليه - ووصلتكم به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ : اختلف أهل التأويل في بغيه عليهم: قال بعضهم: هو أن موسى طلب منه زكاة ما آتاه الله من المال، فمنعه وأبى أن يعطيه.
وقال بعضهم: بغيه عليهم هو أن أعطى امرأة جعلا لتقذفه بنفسها، فأراد أن يفضحه على رءوس الأخيار والملأ وأن يرجموه، فدفع الله عنه وبرأه منه.
وقال بعضهم: إنما بغى عليه بكثرة ماله وولده، هذا يشبه أن يكون كأنه افتخر بكثرة ماله في دفع عذاب الله ونقمته؛ كقول أهل مكة: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً...
﴾ الآية [سبأ: 35].
وقال بعضهم: بغى عليه لأن النبوة جعلت في موسى والحبورة في هارون، ولم يجعل لقارون شيء، فاعتزل عن موسى واتبعه ناس كثير، فاعتدى عليه ونحو هذا كثير مما قالوه.
والأشبه أن يكون بغيه الذي ذكر عليه كبغي فرعون وهامان عليه؛ حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [العنكبوت: 39]، فكان منه ما كان من فرعون وهامان من التكذيب والرد لرسالته، وتسميته: ساحراً كذاباً، فذلك هو البغي عليه.
أو لا يفسر البغي عليه؛ لأنه ذكر البغي ولم يبين ما ذلك البغي، والله أعلم بذلك.
وقال قائلون: بغيه عليه: هو أن زاد في ثيابهم شبرا، فذلك أيضاً لا نعلمه فهو مثل الأول.
وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ ﴾ : قال بعضهم: مفاتحه: خزائنه.
وقال بعضهم: جمع مفتاح وهو في الأصل مفاتيح.
وذكر أن كنوزه كانت كذا كذا ألفاً، وأن مفاتيحه كان يحملها كذا كذا بغلا، وأنها من جلود كذا أو من كذا قدر كذا، فذلك أيضاً لا نعلمه ولا نفسره ولا نذكره إلا قدر ما ذكر في الكتاب؛ إذ ذكر في الكتاب الكنوز والمفاتح، وذكر أن العصبة تنوء بها وذلك للكثرة ما ذكر، ولكن لا نعلم قدره وعدده ما هو؟
ولا كم هو؟
وكذلك العصبة أيضاً لا نعلمه كم عدده؟
إلا أن أهل التأويل يقول بعضهم: من عشرة إلى أربعين، ويقول بعضهم: من عشرة إلى خمس وسبعين، وبعضهم: من عشرة إلى خمس عشرة ونحوه، لا نفسره ولا نذكر عدده سوى أنه اسم جماعة يتعصب بعضهم بعضاً يرجعون جميعاً إلى أمر واحد، وكذلك الشيعة هي جماعة يتشيع بعضهم بعضاً ويتبع بعضهم بعضاً؛ ولذلك قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أي: يتعصب بعضنا بعضاً لا ندعه يأكله، ولئن لم نفعل ولم نحفظه ﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: لتثقل بالعصبة تلك المفاتيح.
وقال القتبي: ﴿ لَتَنُوءُ ﴾ أي: تميل بها العصبة إذا حملتها من ثقلها.
وقال أبو عوسجة: ﴿ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ ﴾ ، أي: لتعجز العصبة عن حملها.
وقال بعضهم: تنوء: تثقل، والعصبة: جماعة.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ ﴾ : قال بعضهم: لا تبطر ولا تأشر؛ إن الله لا يحب البطرين الأشرين.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ أي: لا تفتخر على الناس بما آتاك الله من المال ولا تتكبر عليهم، و ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ لا تسكن إليها، ولا تركن إلى ذلك، إن الله لا يحب من ذكر.
وقوله: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ : كان كثرة ما آتاه الله من المال أنسته الآخرة، وشغلته عنها وعن العمل لها، حتى حمله ذلك الجحود والإنكار، فقالوا: وابتغ الدار الآخرة بما آتاك الله.
﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: لا تنس من مالك نصيبك في الدنيا ولكن قدم لآخرتك.
قال الحسن في قوله: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا...
﴾ إلى آخره قال: أمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، ويقدم ما سوى ذلك لآخرته، وكذلك قال في قوله: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ أي: قدم الفضل وأمسك ما يبلغك.
﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ : قال: يكفيك ما أحل الله لك من الدنيا؛ فإن فيه غناء وكفاية.
وأصله: ما روي عن نبي الله أنه قال: "لك من الدنيا ما أكلت ولبست وأفنيت وما قدمت" جعل المقدم من الدنيا له، وأمّا ما خلفه فهو لغيره.
وهكذا أمر الدنيا لم تخلق الدنيا لتبقى لأهلها أو يبقى أهلها فيها، ولكن إنما خلقت لتفنى هي أو يفنى أهلها، وخلقت الآخرة للبقاء، فنصيبه من الدنيا ما قدم وأنفق في طاعة الله وفي سبيله ليس ما خلفه في هذه الدنيا.
وقوله: ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَأَحْسِن ﴾ إلى نفسك في العمل للآخرة كما أحسن الله إليك، وأحسن إلى الخلق كما أحسن الله إليك.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا يدل أنه كان ينفق ماله إلا أنه كان ينفق في الصدّ عن سبيل الله؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولو كان في ترك الإنفاق لم يكن في ذلك بغي الفساد في الأرض.
ثم الواجب على من حضر الملوك وشهد مجالسهم من أهل العلم أن يخوفوا الملوك، ويواعدوهم بما أوعد قوم موسى قارون وخوفوه، ويأمروهم بالصلاح في أنفسهم وفي رعيتهم، كما أمر أولئك قارون، وينهوهم كما نهاه أولئك، فإن أجابوهم وإلا امتنعوا عنهم وكفوا أنفسهم عن الاختلاف إليهم، فإن لم يفعلوا فهم شركاؤهم في جميع ما يفعلون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: إن قارون كان أخبر الناس بالتوراة وأعلمهم بها وسمي: قارون لذلك، وذكر أنه سمي: المنور؛ لحسن صوته بالتوراة.
وقال بعضهم: سميّ: منوراً لذكائه، والله أعلم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ : وهو الكمياء، ذكر أنه يعالج صنعة الذهب ويحسنها.
وقال بعضهم: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ أي: على خبر عندي، قال ذلك على أثر قول أولئك: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ إلى قوله : ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كأنهم أوعدوه بذهاب ذلك عنه وهلاكه، فقال - والله أعلم -: إنما أوتيت ذلك على علم عندي، لم أوت جزافاً بلا سبب، وكأنه - والله أعلم - نسي الآخرة بما أوتي من المال والكنوز، وترك الإنفاق في الخير، وكان ينفق في صد الناس عن سبيل الله؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، إلا أنه كان عارفاً بالله حيث قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ وقالوا له: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ دل هذا منهم أنه كان عارفاً بالله .
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - لما أنه كان يفتخر ويستكبر على الناس بما أوتي من الأموال والكنوز والأتباع، ويحسب أنه يدفع العذاب الموعود في هذه الدنيا بذلك عن نفسه.
أو يظن أنه لما أوتي ذلك لا يعذب كظن أولئك الكفرة حيث قالوا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ؛ فجائز أن كان من قارون من الإعجاب بالكثرة والجمع ما ذكر بأولئك، فقال عند ذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ ، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم من العذاب؛ فعلى ذلك أنت يا قارون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: لا يسألون عن ذنوبهم؛ كقوله: ﴿ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ ﴾ .
وقال بعضهم: لا يسأل هذه الأمة عن صنيع مجرمي الأمم الخالية.
وجائز ألا يسأل عن ذنوبهم؛ لأنهم لا يرون ما يعملون من الأعمال ذنوباً، ولكن إنما يسألون عن الدليل الذي به لا يرون تلك الأعمال ذنباً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إنه خرج على بغال شهب، ومعه كذا كذا من الجواري على كذا كذا بغال شهب عليهن من الثياب كذا.
وقال بعضهم: إنه خرج على براذين كذا بيض ومع كذا كذا غلمان وجواري، ونحو ما ذكروا.
لكنّا لا ندري على أيّ زينة خرج؟
ولكنا نعلم أنه خرج على الزينة التي يخرج أمثاله من الملوك، ولا نفسّر أنه كذا على كذا، وكذلك لا نفسّر العلم؛ ذكر أنه أوتي له من المال والكنز أنه كان عنده كذا من العلم، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ أي: أوتوا منافع العلم: لأنه قد يؤتى العلم ربمّا، ولا يؤتى من الانتفاع له به ما أوتي هؤلاء ؛ حيث قالوا لأولئك: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ لم يكن من أولئك إلا التمني أن يؤتوا مثل ما أوتي قارون، ثم نهاهم الذين أوتوا منافع العلم والانتفاع به عن ذلك التمني، فدل ذلك أن التمني لا يسع الاشتغال به والطلب؛ حيث قالوا لهم: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ كيف ذكره بالتأنيث، وإنما تقدم له ذكر الثواب، فألا قال: (وما يلقاه)؟
لكن اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ كناية عن تلك المقالة التي كانت من أولئك الذين أوتوا العلم لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا، أي: لا يلقى تلك المقالة التي قالوها لأولئك إلا الصابرون.
وقال بعضهم: لا، ولكن ذلك كناية عن الأعمال، أي: ولا يلقى تلك الأعمال ولا يوفق إليها إلا الصابرون.
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ أي: لا يوفق، ويقال: لا يرزق.
﴿ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ يحتمل: المؤمنين أنفسهم؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: آمنوا.
ويحتمل: الصابرون: الذين صبروا أنفسهم وحبسوها على أداء ما افترض الله عليهم، ولم يؤتوا أنفسهم شهواتهم وهواها، والله أعلم.
ثم كان في قوم موسى خصال ثلاث لم تكن تلك ومثلها في غيرهم من الأمم.
أحدها: ما ذكر من صلابة [الذين] أوتوا العلم، ويقينهم، وطمأنينتهم فيما وعدوا في الآخرة من الثواب، وصبرهم على أداء ما افترض الله عليهم، وحبسوا أنفسهم عن مُنَاهم وشهواتهم، ولصلابتهم وقوتهم في الدّين ما وعظوا قارون، حيث قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ وهو كان يومئذ ملكاً، ولما قالوا لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .
والثاني: ما ذكر سحرة فرعون حين أوعدهم بالقطع والصلب والقتل بإيمانهم الذي آمنوا فقالوا: ﴿ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴾ وقالوا: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ وأمثال ذلك مما لم يبالوا حلول ما أوعدهم وخوفهم من أنواع العذاب.
والثالث: ما ذكر من الذي كان يكتم إيمانه؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ وإنما أظهر ذلك حين قال فرعون: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ كأنه همّ أن يقتله؛ ألا ترى أن ذلك الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه قال لهم: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ لم يبال هلاك نفسه بإظهاره الإيمان بعد أن أعان به الله موسى، ونفع له بما قال، واستقبل فرعون وقومه بما استقبل.
فهذه خصال لم تذكر عن قوم قط من سوى قوم موسى مثلها.
ولذلك وصفهم ونعتهم بفضل الهداية والعدالة، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ .
وهكذا الواجب على كل مؤمن إذا أريد منه أخذ الإيمان، أو خاف على دينه أن يذهب به، أو أن يدخل فيه النقصان ألاَّ يبدّل ذلك، وإن خاف على نفسه تلفها وهلاكها وتعذيبها بأشدّ ما يكون من العذاب؛ ألا ترى أن الله مدح أصحاب الأخدود بما احتملوا أشدّ العذاب وأسوأ القتل، ولم يتركوا الإيمان، ولم يعطوا أولئك الكفرة ما أرادوا منهم، فهكذا الاختيار على كل مسلم أن يختار ما اختار أولئك.
وهكذا الواجب على كل من يأتي الأمراء والسلاطين ويحضر مجالسهم من العلماء أن يعظوهم، ويأمروهم بكل ما يؤتى، وينهوهم عن كل محذور، ويدلوهم على كل خير وكل ما هو طاعة لله، كما فعل قوم قارون بقارون، وإلا لم يحضروا مجالسهم ولا أتوا طائعين، فلو فعلوا فإنهم يكونون شركاءهم.
وذكر عن بعض السلف أنه قال: في عيسى وقارون عبرة لمن اعتبر؛ إن عيسى - صلوات الله عليه - زهد في الدنيا زهداً، حتى لم يتخذ لنفسه مسكناً يسكنه، ولا مقرّاً يقر فيه، ولا اتخذ لنفسه ما يتعيش به، ولا اشتغل بشيء منها، فرفعه الله إلى السماء، فجعل عيشه ومقره فيها في كرامة الله وجواره.
وقارون كان يرغب في هذه الدنيا رغبة، وجهد في طلبها طاقته ووسعه، وركن إليها ركوناً، حتى خسفه الله في الأرض، وأدخله فيها مع كنوزه وأتباعه، فيكون فيها إلى يوم القيامة؛ ففي ذلك عبرة وآية لكل راغب وزاهد، فيرغب الزاهد في الزهد فيها، وينزجر الراغب عن الرغبة فيها، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ﴾ بالبغي الذي بغى عليهم؛ أعني: على موسى وأصحابه.
وقوله: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ كأنه كان يفتخر بالمال والحواشي، ويتقوى بذلك في دفع عذاب الله ونقمته؛ لذلك قال: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لم يغن في دفع عذاب الله عنه أتباعه وحواشيه، وهو كظنّ أولئك: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ وكان ظنهم ذلك وقولهم إنما كان بوجهين: أنهم ظنوا أن أموالهم وأتباعهم تدفع عنهم عذاب الله ونقمته كما تدفع نقمة بعضهم عن بعض فيما بينهم؛ كقول ذلك الرجل: ﴿ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ .
والثاني: ظنوا أنهم إنما أعطوا هذه الأموال والأتباع في هذه الدنيا لكرامة لهم عند الله؛ فلا يعذبون أبداً.
وقوله: ﴿ وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ ﴾ كانوا تمنّوا أن يعطوا مثل ما أعطي قارون ﴿ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ...
وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ قال بعض أهل الأدب: (وَيْ) صلة، وإنما هو (كأنّ) و(كأنّه).
وقال مقاتل: ﴿ وَيْكَأَنَّهُ ﴾ أي: لكنه ويكأنّ.
قال بعضهم: قوله: ﴿ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: اعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء، واعلموا أنه لا يفلح الكافرون، لكن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ولكنه لا يفلح الكافرون.
وقال بعضهم: ألم تر أن الله يبسط الرزق، وألم تر أنه لا يفلح كذا.
وقال الزجاج: "وي" مقطوعة من (كأنّ) وهو حرف يفتتح به التندم، ثم ابتدأ بقوله: كأنه لا يفلح الكافرون.
ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في وجوب الأصلح على الله؛ لأنهم ذكروا مِنَّة الله في منعه إياهم ما تمنوا بالأمس مما أوتي قارون، فلو كان ما أعطي قارون أصلح له في دينه لم يكن في منعه عن هؤلاء منة؛ دل أن ما أعطى قارون لم يكن أصلح له، بل المنع أصلح له، وأن ليس على الله حفظ الأصلح للعباد في الدّين.
وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ في ظاهرها: أن كل من لا يريد العلوّ في هذه الدنيا ولا الفساد فيها يكون من أهل نعمة الله، وكذلك ما ذكر من الدار الآخرة، وجهنم هي من دار الآخرة أيضاً، لكن الآية تخرج على وجهين: أحدهما: كأنها نزلت في رؤساء الكفرة وكبرائهم من الذين كانت همتهم في التكبر والتجبر على الرسل، والفساد فيها، في صرف الناس عن دين الله واتباع الرسل، فقال - والله أعلم -: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ﴾ - أي: الجنة - ليست لهؤلاء، ولكن لمن تواضع للرسل، ودعا الناس إلى دين الله واتباع الرسل.
والثاني: تكون الآية في الذين كانوا يعملون بالخيرات والطاعات منهم في نحو صلة الأرحام والصدقة على الفقراء والإنفاق في ذلك، فأخبر أنهم وإن كانوا يعملون بتلك الأعمال فإنما يعملون للدنيا والعلو فيها لا للآخرة، فتلك الدار الآخرة ليست لهم، إنما هي للذين يعملون ويريدون بها الدار الآخرة.
وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ﴾ : كأنه يقول: تلك الدار التي دعوا إليها ليست لمن ذكر، وهي الدار التي قال الله فيها: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ ، فالدار الآخرة هي الدار التي دعوا إليها وهي الجنة؛ الدار الآخرة على الإطلاق: الجنة؛ كالكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق: دين الله، ونحوه.
وقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: تلك الدار الآخرة للمتقين.
وقوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما قال أهل التأويل على التقديم والتأخير: فله منها خير، ومعناه: أن ما يكون له في الآخرة من الخير؛ إنما يكون بتلك الحسنة التي جاء بها في الدنيا وهي التوحيد.
والثاني: قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ما أعطوا في الآخرة من الخير والثواب خير مما يعطون في الدنيا بصبرهم، وحبسهم أنفسهم عن شهواتها وأمانيها.
والثالث: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ثواب الله وما أكرموا به خير مما عملوا في الدنيا.
والرابع: أن توفيقه إياهم وإرشاده خير مما عملوا.
أو أن يكون ذكر الله وحمده خير مما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ : قالوا جميعاً: السيئة: هي الشرك، ﴿ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ هو التخليد في النار أبداً، ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ : فيما يجزون بها بل ظلموا أنفسهم.
<div class="verse-tafsir"
واطلب فيما أعطاك الله من الأموال الثواب في الدار الآخرة، بأن تنفقه في وجوه الخير، ولا تنس نصيبك من الأكل والشرب واللباس وغير ذلك من النعم، في غير إسراف ولا مخيلة، وأحسن التعامل مع ربك ومع عباده كما أحسن سبحانه إليك، ولا تطلب الفساد في الأرض بارتكاب المعاصي وترك الطاعات، إن الله لا يحب المفسدين في الأرض بذلك، بل يبغضهم.
من فوائد الآيات تعاقب الليل والنهار نعمة من نعم الله يجب شكرها له.
الطغيان كما يكون بالرئاسة والملك يكون بالمال.
الفرح بَطَرًا معصية يمقتها الله.
ضرورة النصح لمن يُخاف عليه من الفتنة.
بغض الله للمفسدين في الأرض.
<div class="verse-tafsir" id="91.bwWGz"