الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٨ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل ، خافت القبط أن يفني بني إسرائيل فيلون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة .
فقالوا لفرعون : إنه يوشك - إن استمر هذا الحال - أن يموت شيوخهم ، وغلمانهم لا يعيشون ، ونساؤهم لا يمكن أن يقمن بما يقوم به رجالهم من الأعمال ، فيخلص إلينا ذلك .
فأمر بقتل الولدان عاما وتركهم عاما ، فولد هارون ، عليه السلام ، في السنة التي يتركون فيها الولدان ، وولد موسى ، عليه السلام ، في السنة التي يقتلون فيها الولدان ، وكان لفرعون أناس موكلون بذلك ، وقوابل يدرن على النساء ، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها ، فإذا كان وقت ولادتها لا يقبلها إلا نساء القبط ، فإذا ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن ، وإن ولدت غلاما دخل أولئك الذباحون ، بأيديهم الشفار المرهفة ، فقتلوه ومضوا قبحهم الله .
فلما حملت أم موسى به ، عليه السلام ، لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها ، ولم تفطن لها الدايات ، ولكن لما وضعته ذكرا ضاقت به ذرعا ، وخافت عليه خوفا شديدا وأحبته حبا زائدا ، وكان موسى ، عليه السلام ، لا يراه أحد إلا أحبه ، فالسعيد من أحبه طبعا وشرعا قال الله تعالى : ( وألقيت عليك محبة مني ) [ طه : 39 ] .
فلما ضاقت ذرعا به ألهمت في سرها ، وألقي في خلدها ، ونفث في روعها ، كما قال الله تعالى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) .
وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل ، فاتخذت تابوتا ، ومهدت فيه مهدا ، وجعلت ترضع ولدها ، فإذا دخل عليها أحد ممن تخاف جعلته في ذلك التابوت ، وسيرته في البحر ، وربطته بحبل عندها .
فلما كان ذات يوم دخل عليها من تخافه ، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت ، وأرسلته في البحر وذهلت عن أن تربطه ، فذهب مع الماء واحتمله ، حتى مر به على دار فرعون ، فالتقطه الجواري فاحتملنه ، فذهبن به إلى امرأة فرعون ، ولا يدرين ما فيه ، وخشين أن يفتتن عليها في فتحه دونها .
فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه ، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه ، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها ; ولهذا قال ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا [ وحزنا ] ) .
قال محمد بن إسحاق وغيره : " اللام " هنا لام العاقبة لا لام التعليل ; لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك .
ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه ، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل ; لأن معناه أن الله تعالى ، قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوا وحزنا فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه ; ولهذا قال : ( إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) .
وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كتب كتابا إلى قوم من القدرية ، في تكذيبهم بكتاب الله وبأقداره النافذة في علمه السابق : وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن ، قال الله تعالى : ( ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) ، وقلتم أنتم : لو شاء فرعون أن يكون لموسى وليا ونصيرا ، والله يقول : ( ليكون لهم عدوا وحزنا ) .
القول في تأويل قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) يقول تعالى ذكره: فالتقطه آل فرعون فأصابوه وأخذوه; وأصله من اللقطة, وهو ما وُجد ضالا فأخذ، والعرب تقول: لما وردت عليه فجأة، من غير طلب له ولا إرادة، أصبته التقاطا, ولقيت فلانا التقاطا; ومنه قول الراجز: وَمَنْهَـــلٍ وَرَدْتُـــهُ الْتِقَاطَـــا لَـــمْ أَلْــقَ إِذْ وَرَدْتُــهُ فُرَّاطَــا (1) يعني فجأة.
واختلف أهل التأويل في المعني بقوله: (آلُ فِرْعَوْنَ) في هذا الموضع, فقال بعضهم: عنى بذلك: جواري امرأة فرعون.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: أقبل الموج بالتابوت يرفعه مرّة ويخفضه أخرى, حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون, فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغسلن, فوجدن التابوت, فأدخلنه إلى آسية, وظننّ أن فيه مالا فلما نظرت إليه آسية, وقعت عليها رحمته فأحبته; فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه, فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها, قال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل, وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا, فذلك قول الله: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ).
وقال آخرون: بل عني به ابنة فرعون.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن قيس, قال: كانت بنت فرعون برصاء, فجاءت إلى النيل, فإذا التابوت في النيل تخفقه الأمواج, فأخذته بنت فرعون, فلما فتحت التابوت, فإذا هي بصبي, فلما اطلعت في وجهه برأت من البرص, فجاءت به إلى أمها, فقالت: إن هذا الصبيّ مبارك لما نظرت إليه برئت, فقال فرعون: هذا من صبيان بني إسرائيل, هلمّ حتى أقتله, فقالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ .
وقال آخرون: عنى به أعوان فرعون.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: أصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كلّ غداة: فبينما هو جالس, إذ مرّ النيل بالتابوت يقذف به, وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه, فقالت: إن هذا لشيء في البحر, فأتوني به, فخرج إليه أعوانه, حتى جاءوا به, ففتح التابوت فإذا فيه صبيّ في مهده, فألقى الله عليه محبته, وعطف عليه نفسه, قالت امرأته آسية: لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا .
ولا قول في ذلك عندنا أولى بالصواب مما قال الله عزّ وجلّ: (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ) وقد بيَّنا معنى الآل فيما مضى بما فيه الكفاية من إعادته ههنا.
وقوله: ( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) فيقول القائل: ليكون موسى لآل فرعون عدوّا وحَزنا فالتقطوه, فيقال: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) قيل: إنهم حين التقطوه لم يلتقطوه لذلك، بل لما تقدّم ذكره، ولكنه إن شاء الله كما حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق, في قوله: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) قال: ليكون في عاقبة أمره عدوّا وحزنا لما أراد الله به، وليس لذلك أخذوه, ولكن امرأة فرعون قالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ فكان قول الله: (ليكون لهم عدوّا وحزنا) لما هو كائن في عاقبة أمره لهم, وهو كقول الآخر إذا قَرَّعه لفعل، كان فعله وهو يحسب محسنا في فعله، فأداه فعله ذلك إلى مساءة مندِّما له على فعله: فعلت هذا لضرّ نفسك, ولتضرّ به نفسك فعلت.
وقد كان الفاعل في حال فعله ذلك عند نفسه يفعله راجيا نفعه, غير أن العاقبة جاءت بخلاف ما كان يرجو.
فكذلك قوله: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) إنما هو: فالتقطه آل فرعون ظنًّا منهم أنهم محسنون إلى أنفسهم, ليكون قرّة عين لهم, فكانت عاقبة التقاطهم إياه منه هلاكهم على يديه.
وقوله: (عَدُوًّا وَحَزَنًا) يقول: يكون لهم عدوّا في دينهم, وحَزنًا على ما ينالهم منه من المكروه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) عدوا لهم في دينهم, وحزنا لما يأتيهم.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة: (وَحَزَنًا) بفتح الحاء والزاي.
وقرأته عامة قرّاء الكوفة: " وَحُزْنًا " بضم الحاء وتسكين الزاي.
والحَزَن بفتح الحاء والزاي مصدر من حزنت حزنا, والحُزْن بضم الحاء وتسكين الزاي الاسم: كالعَدَم والعُدْم، ونحوه.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى, وهما على اختلاف اللفظ فيهما بمنـزلة العَدَم, والعُدْم, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) يقول تعالى ذكره: إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا بربهم آثمين, فلذلك كان لهم موسى عَدُوّا وحَزَنا.
------------------------ الهوامش: (1) هذا بيتان من مشطور الرجز، لنقادة الأسدي، أوردهما في (اللسان: لقط) وأورد معهما بيتًا ثالثا، وهو * إلا الحمــام الـورق والغطـاط * قال: ولقيته التقاطًا: إذا لقيته من غير أن ترجوه أو تحسبه؛ قال نقادة الأسدي: "ومنهل وردته.." الأبيات الثلاثة: وقال سيبويه: التقاطا: أي فجأة، وهو من المصادر التي وقعت أحوالا، نحو جاء ركضا.
ووردت الماء والشيء التقاطا: إذا هجمت عليه بغتة، ولم تحتسبه.
وحكى ابن الأعرابي: لقيته لقاطًا: مواجهة.
وفي حديث عمر أن رجلا من تميم التقط شبكة، فطلب أن يجعلها له.
الشبكة: الآبار القريبة الماء.
والتقاطه: عثوره عليها من غير طلب.
اه.
وقال في (فرط): وفراطا القطا: متقدماتها إلى الوادي والماء.
وأنشد البيت ونسبه إلى نقادة الأسدي.
(وفي غطط): والغطاط القطا، بفتح الغين.
وقيل: ضرب من القطا، واحدته:غطاطة.
وقيل القطا: ضربان؛ فالقصار الأرجل، الصفر الأعناق، السود القوام.
الصهب الخوافي هي الكدرية والجونية (بضم أولهما) والطوال الأرجل، البيض البطون، الغبر الظهور، الواسعة العيون: هي الغطاط.
وقيل: الغطاط: ضرب من الطير، ليس من القطا، هن غبر البطون والظهور والأبدان، سود الأجنحة.
وقيل: سود بطون الأجنحة، طوال الأرجل والأعناق، لطاف.
اه.
وانظر أقوالا أخرى في (اللسان: غطط).
والبيت الأول في (معجم ما استعجم للبكري طبعة القاهرة بترتيب مصطفى السقا ص 779).
وفي الكتاب لسيبويه (1: 186).
قوله تعالى : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا لما كان التقاطهم إياه يؤدي إلى كونه لهم عدوا وحزنا ; فاللام في ( ليكون ) لام العاقبة ولام الصيرورة ; لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين ، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا ، فذكر الحال بالمآل ; كما قال الشاعر :وللمنايا تربي كل مرضعة ودورنا لخراب الدهر نبنيهاوقال آخر :فللموت تغذو الوالدات سخالها كما لخراب الدهر تبنى المساكنأي فعاقبة البناء الخراب وإن كان في الحال مفروحا به .والالتقاط وجود الشيء من غير [ ص: 234 ] طلب ولا إرادة ، والعرب تقول لما وجدته من غير طلب ولا إرادة : التقطه التقاطا ولقيت فلانا التقاطا .
قال الراجز :ومنهل وردته التقاطاومنه اللقطة .
وقد مضى بيان ذلك من الأحكام في سورة ( يوسف ) بما فيه كفاية وقرأ الأعمش ويحيى والمفضل وحمزة والكسائي وخلف : ( وحزنا ) بضم الحاء وسكون الزاي والباقون بفتحهما واختاره أبو عبيد وأبو حاتم قال : التفخيم فيه .
وهما لغتان مثل العدم والعدم ، والسقم والسقم ، والرشد والرشد إن فرعون وهامان وكان وزيره من القبط وجنودهما كانوا خاطئين أي عاصين مشركين آثمين .
{ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ } فصار من لقطهم، وهم الذين باشروا وجدانه، { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } أي: لتكون العاقبة والمآل من هذا الالتقاط، أن يكون عدوا لهم وحزنا يحزنهم، بسبب أن الحذر لا ينفع من القدر، وأن الذي خافوا منه من بني إسرائيل، قيض اللّه أن يكون زعيمهم، يتربى تحت أيديهم، وعلى نظرهم، وبكفالتهم.وعند التدبر والتأمل، تجد في طي ذلك من المصالح لبني إسرائيل، ودفع كثير من الأمور الفادحة بهم، ومنع كثير من التعديات قبل رسالته، بحيث إنه صار من كبار المملكة.وبالطبع، إنه لا بد أن يحصل منه مدافعة عن حقوق شعبه هذا، وهو هو ذو الهمة العالية والغيرة المتوقدة، ولهذا وصلت الحال بذلك الشعب المستضعف -الذي بلغ بهم الذل والإهانة إلى ما قص اللّه علينا بعضه - أن صار بعض أفراده، ينازع ذلك الشعب القاهر العالي في الأرض، كما سيأتي بيانه.وهذا مقدمة للظهور، فإن اللّه تعالى من سنته الجارية، أن جعل الأمور تمشي على التدريج شيئا فشيئا، ولا تأتي دفعة واحدة.وقوله: { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } أي: فأردنا أن نعاقبهم على خطئهم ونكيد هم، جزاء على مكرهم وكيدهم.
( فالتقطه آل فرعون ) والالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب ، ( ليكون لهم عدوا وحزنا ) وهذه اللام تسمى لام العاقبة ولام الصيرورة ؛ لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك .
قرأ حمزة والكسائي : " حزنا " بضم الحاء وسكون الزاي ، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي ، وهما لغتان ، ( إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) عاصين .
آثمين .
«فالتقطه» بالتابوت صبيحة الليل «آل» أعوان «فرعون» فوضعوه بين يديه وفتح وأخرج موسى منه وهو يمص من إبهامه لبناً «ليكون لهم» في عاقبة الأمر «عدواً» يقتل رجالهم «وحزناً» يستعبد نساءهم وفي قراءة بضم الحاء وسكون الزاي لغتان في المصدر وهو هنا بمعنى اسم الفاعل من حزنه كأحزنه «إن فرعون وهامان».
وزيره «وجنودهما كانوا خاطئين» من الخطيئة أي عاصين فعوقبوا على يديه.
وألْهمنا أم موسى حين ولدته وخشيت عليه أن يذبحه فرعون كما يذبح أبناء بني إسرائيل: أن أرضعيه مطمئنة، فإذا خشيت أن يُعرف أمره فضعيه في صندوق وألقيه في النيل، دون خوف من فرعون وقومه أن يقتلوه، ودون حزن على فراقه، إنا رادُّو ولدك إليك وباعثوه رسولا.
فوضعته في صندوق وألقته في النيل، فعثر عليه أعوان فرعون وأخذوه، فكانت عاقبةُ ذلك أن جعله الله لهم عدوًّا وحزنًا، فكان إهلاكُهم على يده.
إن فرعون وهامان وأعوانهما كانوا آثمين مشركين.
والفاء فى قوله : ( فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً .
.
.
) هى الفصيحة .والالتقاط : وجود الشىء والحصول عليه من غير طلب ولا قصد .والمراد بآل فرعون : جنوده وأتباعه الذين عثروا على التابوت الذى به موسى ، وحملوه إلى فرعون .
والحزن - بالتحريك ، وبضم فسكون - نقيض السرور ، وفعله كفرح .يقال : حزنه الأمر وأحزنه : أى : جعله حزينا .واللام فى قوله : ( لِيَكُونَ .
.
) هى لام العاقبة والصيرورة .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ) لما كان التقاطهم إياه يؤدى إلى كونه عدوا لهم وحزنا ، فاللام فى ( لِيَكُونَ ) لام العاقبة والصيرورة ، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين ، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا ، فذكر الحال بالمآل كما فى قول الشاعر :وللمنايا تربى كل مرضعة ...
ودورنا لخراب الدهر نبنيهاأى : فعاقبة البناء : الخراب ، وإن كان فى الحال مفروحا به .ويرى بعضهم أن اللام هنا يصح أن تكون للتعليل ، بمعنى ، أن الله - تعالى - سخر بمشيئته وإرادته فرعون وآله .
لالتقاط موسى ، ليجعله لهم عدوا وحزنا ، فكأنه - سبحانه - يقول : قدرنا عليهم التقاطه بحكمتنا وإرادتنا ، ليكون لهم عدوا وحزنا .إلى هذا المعنى أشار الإمام ابن كثير بقوله : قال محمد بن إسحاق وغيره اللام هنا لام العاقبة لا لام التعليل ، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك - أى : لم يريدوا بالتقاطه العداوة والحزن - ، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضى ما قالوا .
ولكن إذا نظرنا إلى معنى السياق ، فأنه نبقى اللام للتعليل ، لأن معناه : أن الله - تعالى - قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوا وحزنا ، فيكون أبلغ فى إبطال حذرهم منه .ومع وجاهة الرأيين ، إلا أننا نميل إلى الرأى الثانى ، لأنه - كما قال الإمام ابن كثير - أبلغ فى إبطال حذرهم منه ، ولأن قوله - تعالى - : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ ) يشير إلى أن اللام للتعليل .
.
.والمعنى : ونفذت أم موسى ما أوحيناه إليها ، فأرضعت ابنها موسى وألقته فى اليم حين خافت عليه القتل ، فالتقطه آل فرعون من اليم ، ليكون لهم عدوا وحزنا ، وليعلموا أن ما أردناه لا بد أن يتم مهما احترسوا واحتاطوا وحذروا ، فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن .وقوله - تعالى - : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ ) تعليل لما قبله ، و ( خَاطِئِينَ ) أى : مرتكبين للخطيئة التى هى الذنب العظيم ، كقوله - تعالى - فى قوم نوح - عليه السلام - :( مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً .
.
.
.
) وكقوله - سبحانه - فى شأن الكافرين ( بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) أى : فعلنا ما فعلنا من جعل موسى عدوا وحزنا لفرعون وآله ، لأن فرعون ووزيره هامان ، وجنودهما الذين يناصرونهما ، كانوا مرتكبين للذنوب العظيمة فى كل ما يأتون ويذرون ، ومن مظاهر ذلك قتلهم لذكور بنى إسرائيل ، وإبقاؤهم لإناثهم .
اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين ﴾ ابتدأ بذكر أوائل نعمه في هذا الباب بقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى ﴾ والكلام في هذا الوحي ذكرناه في سورة طه (37، 38) في قوله: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى * إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى ﴾ وقوله: ﴿ أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ كالدلالة على أنها أرضعته وليس في القرآن حد ذلك، ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ﴾ أن يفطن به جيرانك ويسمعون صوته عند البكاء ﴿ فَأَلْقِيهِ فِي اليم ﴾ قال ابن جريج: إنه بعد أربعة أشهر صاح فألقى في اليم والمراد باليم هاهنا النيل ﴿ وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِى ﴾ والخوف غم يحصل بسبب مكروه يتوقع حصوله في المستقبل، والحزن غم يلحقه بسبب مكروه حصل في الماضي، فكأنه قيل ولا تخافي من هلاكه ولا تحزني بسبب فراقه و ﴿ إنا رادّوه إليك ﴾ لتكوني أنت المرضعة له ﴿ وجاعلوه مِنَ المرسلين ﴾ إلى أهل مصر والشام وقصة الإلقاء في اليم قد تقدمت في سورة طه.
وقال ابن عباس: إن أم موسى عليه السلام لما تقارب ولادها كانت قابلة من القوابل التي وكلهم فرعون بالحبالى مصافية لأم موسى عليه السلام فلما أحست بالطلق أرسلت إليها وقالت لها قد نزل بي ما نزل ولينفعني اليوم حبك إياي فجلست القابلة فلما وقع موسى عليه السلام إلى الأرض هالها نور بين عينيه فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب موسى عليه السلام قلبها فقالت يا هذه ما جئتك إلا لقتل مولودك، ولكني وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحتفظي بابنك، فإنه أراه عدونا، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته يا أماه هذا الحرس فلفته ووضعته في تنور مسجور فطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع، فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا لم دخلت القابلة عليك؟
قالت إنها حبيبة لي دخلت للزيارة فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى أين الصبي؟
قالت لا أدري فسمعت بكاء في التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً فأخذته، ثم إن أم موسى عليه السلام لما رأت فرعون جد في طلب الولدان خافت على ابنها فقذف الله في قلبها أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل، فذهبت إلى نجار من أهل مصر فاشترت منه تابوتاً فقال لها ما تصنعين به؟
فقالت ابن لي أخشى عليه كيد فرعون أخبؤه فيه وما عرفت أنه يفشي ذلك الخبر، فلما انصرفت ذهب النجار ليخبر به الذباحين فلما جاءهم أمسك الله لسانه وجعل يشير بيده، فضربوه وطردوه فلما عاد إلى موضعه رد الله عليه نطقه فذهب مرة أخرى ليخبرهم به فضربوه وطردوه فلما عاد إلى موضعه رد الله نطقه، فذهب مرة أخرى ليخبرهم به فضربوه وطردوه فأخذ الله بصره ولسانه، فجعل لله تعالى أنه إن رد عليه بصره ولسانه فإنه لا يد لهم عليه فعلم الله تعالى منه الصدق فرد عليه بصره ولسانه وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكان لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها، فقالوا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا في شهر كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأمواج وتعلق بشجرة، فقال فرعون ائتوني به فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته وفتحته، فإذا هي بصبي صغير في المهد وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها فقالت الغواة من قوم فرعون إنا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه رمي في البحر فرقاً منك فهم فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.
أما قوله: ﴿ فالتقطه ءالَ فِرْعَوْنَ ﴾ فالالتقاط إصابة الشيء من غير طلب، والمراد بآل فرعون جواريه.
أما قوله: ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ فالمشهور أن هذه اللام يراد بها العاقبة قالوا وإلا نقض قوله: ﴿ وَقَالَتِ امرأت فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ ﴾ ونقض قوله: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى ﴾ ونظير هذه اللام قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ ﴾ وقوله الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب *** واعلم أن التحقيق ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن هذه اللام هي لام التعليل على سبيل المجاز، وذلك لأن مقصود الشيء وغرضه يؤول إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤول إليه الشيء على سبيل التشبيه، كإطلاق لفظ الأسد على الشجاع والبليد على الحمار، قرأ حمزة والكسائي (حزناً) بضم الحاء وسكون الزاي والباقون بالفتح وهما لغتان مثل السقم والسقم.
أما قوله: كانوا خاطئين ففيه وجهان: أحدهما: قال الحسن معنى ﴿ كَانُواْ خاطئين ﴾ ليس من الخطيئة بل المعنى وهم لا يشعرون أنه الذي يذهب بملكهم، وأما جمهور المفسرين فقالوا معناه كانوا خاطئين فيما كانوا عليه من الكفر والظلم، فعاقبهم الله تعالى بأن ربي عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم، وقرئ ﴿ خاطين ﴾ تخفيف خاطئين أي خاطين الصواب إلى الخطأ وبين تعالى أنها التقطته ليكون قرة عين لها وله جميعاً، قال ابن إسحاق إن الله تعالى ألقى محبته في قلبها لأنه كان في وجهه ملاحة كل من رآه أحبه، ولأنها حين فتحت التابوت رأت النور، ولأنها لما فتحت التابوت رأته يمتص إصبعه، ولأن ابنة فرعون لما لطخت برصها بريقه زال برصها ويقال ما كان لها ولد فأحبته، قال ابن عباس لما قالت: ﴿ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ ﴾ فقال فرعون يكون لك وأما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال عليه السلام: «والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت لهداه الله تعالى كما هداها» قال صاحب الكشاف ﴿ قُرَّةُ عَيْنٍ ﴾ خبر مبتدأ محذوف ولا يقوى أن يجعل مبتدأ ﴿ وَلاَ تقاتلوهم ﴾ خبراً ولو نصب لكان أقوى، وقراءة ابن مسعود دليل على أنه خبر، قرأ ﴿ لاَ تَقْتُلُوهُ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ ﴾ ، وذلك لتقديم لا تقتلوه، ثم قالت المرأة ﴿ عسى أَن يَنفَعَنَا ﴾ فنصيب منه خيراً ﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ لأنه أهل للتبني.
أما قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ فأكثر المفسرين على أنه ابتداء كلام من الله تعالى أي لا يشعرون أن هلاكهم بسببه وعلى يده، وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل، وقال ابن عباس يريد لا يشعرون إلى ماذا يصير أمر موسى عليه السلام.
وقال آخرون هذا من تمام كلام المرأة أي لا يشعر بنو إسرائيل وأهل مصر أن التقطناه، وهذا قول الكلبي.
<div class="verse-tafsir"
اللام في ﴿ لِيَكُونَ ﴾ هي لام كي التي معناها التعليل، كقولك: جئتك لتكرمني سواء بسواء ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة، لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوّاً وحزناً، ولكن: المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله، وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء، والتأدب الذي هو ثمرة الضرب في قولك: ضربته ليتأدّب.
وتحريره: أن هذه اللام حكمها حكم الأسد، حيث استعيرت لما يشبه التعليل، كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد.
وقرئ: ﴿ وحزناً ﴾ وهما لغتان: كالعُدم والعَدم ﴿ كَانُواْ خاطئين ﴾ في كل شيء، فليس خطؤهم في تربية عدوّهم ببدع منهم.
أو كانوا مذنبين مجرمين، فعاقبهم الله بأن ربي عدوّهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم.
وقرئ: ﴿ خاطين ﴾ ، تخفيف خاطئين، أو خاطين الصواب إلى الخطأ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى ﴾ بِإلْهامٍ أوْ رُؤْيا.
﴿ أنْ أرْضِعِيهِ ﴾ ما أمْكَنَكِ إخْفاؤُهُ.
﴿ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ ﴾ بِأنْ يُحِسَّ بِهِ.
﴿ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ﴾ في البَحْرِ يُرِيدُ النِّيلَ.
﴿ وَلا تَخافِي ﴾ عَلَيْهِ ضَيْعَةً ولا شَدَّةً.
﴿ وَلا تَحْزَنِي ﴾ لِفِراقِهِ.
﴿ إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ ﴾ عَنْ قَرِيبٍ بِحَيْثُ تَأْمَنِينَ عَلَيْهِ.
﴿ وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّها لَمّا ضَرَبَها الطَّلْقُ دَعَتْ قابِلَةً مِنَ المُوَكَّلاتِ بِحَبالى بَنِي إسْرائِيلَ فَعالَجَتْها، فَلَمّا وقَعَ مُوسى عَلى الأرْضِ هالَها نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وارْتَعَشَتْ مَفاصِلُها ودَخَلَ حُبُّهُ في قَلْبِها بِحَيْثُ مَنَعَها مِنَ السِّعايَةِ، فَأرْضَعَتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ ألَحَّ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ المَوالِيدِ واجْتَهَدَ العُيُونُ في تَفَحُّصِها فَأخَذَتْ لَهُ تابُوتًا فَقَذَفَتْهُ في النِّيلِ.
﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ تَعْلِيلٌ لِالتِقاطِهِمْ إيّاهُ بِما هو عاقِبَتُهُ ومُؤَدّاهُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالغَرَضِ الحامِلِ عَلَيْهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ وَحَزَنًا ﴾ .
﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ﴾ في كُلِّ شَيْءٍ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ مِنهم أنْ قَتَلُوا أُلُوفًا لِأجْلِهِ ثُمَّ أخَذُوهُ يُرَبُّونَهُ لِيَكْبُرَ ويَفْعَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ، أوْ مُذْنِبِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ رَبّى عَدُّوَهم عَلى أيْدِيهِمْ، فالجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِتَأْكِيدِ خَطَئِهِمْ أوْ لِبَيانِ المُوجِبِ لِما ابْتُلُوا بِهِ، وقُرِئَ «خاطِينَ» تَخْفِيفُ خاطِئِينَ أوْ «خاطِينَ» الصَّوابَ إلى الخَطَأِ.
<div class="verse-tafsir"
{فالتقطه آل فِرْعَوْنَ} أخذه قال الزجاج كان فرعون من أهل فارس من اصطخر {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً} أي ليصير الأمر إلى ذلك لا أنهم أخذوه لهذا كقولهم للموت ما تلده الوالدة وهي لم تلد لأن يموت ولدها ولكن المصير إلى ذلك كذا قاله الزجاج وعن هذا قال المفسرون إن هذه لام العاقبة والصيرورة وقال صاحب الكشاف هي لام كي التي معناها التعليل كقولك جئتك لتكرمني ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له شبه بالداعي الذي بفعل الفاعل القتل لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء {وحزنا} وحزنا
على حمزة وهما لغتان كالعدم والعدم
القصص (١٠ - ٨)
{إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خاطئين} خاطين بخفيف خاطئين أبو جعفر أي كانوا مذنبين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم وكانوا خاطئين في كل شيء فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ فَصِيحَةٌ والتَّقْدِيرُ فَفَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن إرْضاعِهِ وإلْقائِهِ في اليَمِّ لَمّا خافَتْ عَلَيْهِ، وحُذِفَ ما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ وإيذانًا بِكَمالِ سُرْعَةِ الِامْتِثالِ.
رُوِيَ أنَّها لَمّا ضَرَبَها الطَّلْقُ دَعَتْ قابِلَةً مِنَ المُوَكَّلاتِ بِحُبالى بَنِي إسْرائِيلَ فَعالَجَتْها، فَلَمّا وقَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الأرْضِ هالَها نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وارْتَعَشَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنها ودَخَلَ حُبُّهُ قَلْبَها بِحَيْثُ مَنَعَها مِنَ السِّعايَةِ فَقالَتْ لِأُمِّهِ: احْفَظِيهِ، فَلَمّا خَرَجَتْ جاءَ عُيُونُ فِرْعَوْنَ فَلَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وألْقَتْهُ في تَنُّورٍ مَسْجُورٍ لَمْ تَعْلَمْ ما تَصْنَعُ لِما طاشَ مِن عَقْلِها، فَطَلَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا فَخَرَجُوا وهي لا تَدْرِي مَكانَهُ فَسَمِعَتْ بُكاءَهُ مِنَ التَّنُّورِ فانْطَلَقَتْ إلَيْهِ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا فَأخَذَتْهُ، فَلَمّا ألَحَّ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ الوِلْدانِ واجْتَهَدَ العُيُونُ في تَفَحُّصِها أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها ما أوْحى، وأرْضَعَتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، أوْ أرْبَعَةً، أوْ ثَمانِيَةً عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، فَلَمّا خافَتَ عَلَيْهِ عَمَدَتْ إلى بَرْدِيٍّ فَصَنَعَتْ مِنهُ تابُوتًا أيْ صُنْدُوقًا فَطَلَتْهُ بِالقارِ مِن داخِلِهِ.
وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها دَعَتْ نَجّارًا، فَصَنَعَ لَها تابُوتًا، وجَعَلَتْ مِفْتاحَهُ مِن داخِلٍ، ووَضَعَتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ وألْقَتْهُ في النِّيلِ بَيْنَ أحْجارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَ جَوارِي آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ فَوَجَدْنَهُ فَأدْخَلْنَهُ إلَيْها وظَنَنَّ أنَّ فِيهِ مالًا، فَلَمّا فَتَحْنَهُ رَأتْهُ آسِيَةُ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ رَحْمَتُها فَأحَبَّتْهُ، وأرادَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُ فَلَمْ تَزَلْ تُكَلِّمُهُ حَتّى تَرَكَهُ لَها ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ لِفِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ بِنْتٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها وكانَتْ مِن أكْرَمِ النّاسِ إلَيْهِ، وكانَ بِها بَرَصٌ شَدِيدٌ أعْيا الأطِبّاءَ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ لَهُ أنَّها لا تَبْرَأُ إلّا مِن قِبَلِ البَحْرِ يُؤْخَذُ مِنهُ شِبْهُ الإنْسِ يَوْمَ كَذا مِن شَهْرِ كَذا حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ فَيُؤْخَذُ مِن رِيقِهِ فَيُلَطِّخُ بِهِ بَرَصَها فَتَبْرَأُ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمَ غَدا فِرْعَوْنُ في مَجْلِسٍ لَهُ عَلى شَفِيرِ النِّيلِ ومَعَهُ امْرَأتُهُ آسِيَةُ وأقْبَلَتْ بِنْتُهُ في جَوارِيها حَتّى جَلَسَتْ عَلى شاطِئِ النِّيلِ فَإذا بِتابُوتٍ تَضْرِبُهُ الأمْواجُ فَتَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ فَقالَ فِرْعَوْنُ: ائْتُونِي بِهِ فابْتَدَرُوا بِالسُّفُنِ فَأحْضَرُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعالَجُوا فَتْحَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وقَصَدُوا كَسْرَهُ فَأعْياهم فَنَظَرَتْ آسِيَةُ فَكُشِفَ لَها عَنْ نُورٍ في جَوْفِهِ لَمْ يَرَهُ غَيْرُها فَعالَجَتْهُ فَفَتَحَتْهُ فَإذا صَبِيٌّ صَغِيرٌ فِيهِ ولَهُ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وهو يَمُصُّ إبْهامَهُ لَبَنًا فَألْقى اللَّهُ تَعالى مَحَبَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَلْبِها وقُلُوبِ القَوْمِ وعَمَدَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ إلى رِيقِهِ فَلَطَّخَتْ بِهِ بَرَصَها فَبَرَأتْ مِن ساعَتِها.
وقِيلَ: لَمّا نَظَرَتْ إلى وجْهِهِ بَرَأتْ فَقالَتِ الغُواةُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنّا نَظُنُّ أنَّ هَذا هو الَّذِي نَحْذَرُ مِنهُ رُمِيَ في البَحْرِ خَوْفًا مِنكَ فاقْتُلْهُ فَهَمَّ أنْ يَقْتُلَهُ فاسْتَوْهَبَتْهُ آسِيَةُ فَتَرَكَهُ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والأخْبارُ في هَذِهِ القِصَّةِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنها ما قَدَّمْنا، وآلُ فِرْعَوْنَ أتْباعُهُ وقَوْلُهُمْ: إنَّ الآلَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما فِيهِ شَرَفٌ مَبْنِيٌّ عَلى الغالِبِ أوِ الشَّرَفُ فِيهِ أعَمُّ مِنَ الشَّرَفِ الحَقِيقِيِّ والصُّورِيِّ ومَعْنى التِقاطِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذُهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذَ اللُّقَطَةِ أيْ أخْذَ اعْتِناءٍ بِهِ وصِيانَةٍ لَهُ عَنِ الضَّياعِ ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ ضَرُورَةَ أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم لِلِالتِقاطِ أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا وإنَّما دَعاهم شَيْءٌ آخَرُ كالتَّبَنِّي ونَفْعِهِ إيّاهم إذا كَبُرَ.
وفِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ أقْوالٌ: الأوَّلُ أنْ يُشَبَّهَ كَوْنُهُ عَدُوًّا وحَزَنًا بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ كالتَّبَنِّي والنَّفْعِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا في النَّفْسِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِغَيْرِ المُشَبَّهِ ويَدُلْ عَلى ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يَخُصُّ المُشَبَّهَ بِهِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ فَيَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أصْلِيَّةٌ في المَجْرُورِ واللّامُ عَلى حَقِيقَتِها، الثّانِي أنْ يُشَبِّهَ أوَّلًا تَرَتُّبَ غَيْرِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ بِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ أيْ يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ بَيْنَ التَّرْتِيبَيْنِ الكُلِّيَّيْنِ لِيَسْرِيَ في جُزْئِيّاتِهِما فَيَتَحَقَّقُ تَبَعًا تَشْبِيهُ تَرَتُّبِ كَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا أعْنِي التَّرَتُّبَ المَخْصُوصَ عَلى الِالتِقاطِ بِتَرَتُّبِ التَّبَنِّي ونَحْوَهُ مِمّا هو عِلَّةٌ غائِيَّةٌ- أعْنِي التَّرَتُّبَ المَخْصُوصَ أيْضًا عَلَيْهِ- ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في المُشَبَّهِ اللّامُ المَوْضُوعَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ الَّذِي هو المُشَبَّهُ بِهِ فَتَكُونُ الِاسْتِعارَةُ أوَّلًا في العَلِيَّةِ والعَرْضِيَّةِ وتَبَعًا في اللّامِ فَصارَ حُكْمُ اللّامِ حُكْمَ الأسَدِ حَيْثُ اسْتُعِيرَتْ لِما يُشْبِهُ العِلَّةَ كَما اسْتُعِيرَ الأسَدُ لِما يُشْبِهُ الأسَدَ بَيْدَ أنَّ الِاسْتِعارَةَ هاهُنا مَكْنِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، الثّالِثُ ما أفادَهُ كَلامُ الخَطِيبِ الدِّمَشْقِيِّ في التَّلْخِيصِ والإيضاحِ وهو أنْ يُقَدَّرَ التَّشْبِيهُ أوَّلًا لِكَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ ثُمَّ يَسْرِي ذَلِكَ التَّشْبِيهُ إلى تَشْبِيهِ تَرَتُّبِهِ بِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ فَتُسْتَعارُ اللّامُ المَوْضُوعَةُ لِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِتَرَتُّبِ كَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا مِن غَيْرِ اسْتِعارَةٍ في المَجْرُورِ وهَذا التَّشْبِيهُ كَتَشْبِيهِ الرَّبِيعِ بِالقادِرِ المُخْتارِ ثُمَّ إسْنادُ الإنْباتِ إلَيْهِ وهو مُفادُ كَلامِ الكَشّافِ، واخْتارَ ذَلِكَ العَلّامَةُ عَبْدُ الحَكِيمِ، فَقالَ: وهو الحَقُّ عِنْدِي لِأنَّ اللّامَ لَمّا كانَ مَعْناها مُحْتاجًا إلى ذِكْرِ المَجْرُورِ كانَ اللّائِقُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ والتَّشْبِيهُ فِيها تابِعًا لِتَشْبِيهِ المَجْرُورِ لا تابِعًا لِتَشْبِيهِ مَعْنًى كُلِّيٍّ بِمَعْنًى كُلِّيٍّ مَعْنى الحَرْفِ مِن جُزْئِيّاتِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ وتَبِعَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ انْتَهى فَتَأمَّلْ.
واسْتُشْكِلَ أصْلُ تَعْلِيلِ الِالتِقاطِ بِأنَّ الِالتِقاطَ الوِجْدانُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ والتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي حَقِيقَةَ القَصْدِ وهو تَوَهُّمٌ لِأنَّ الوِجْدانَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لا يُنافِي قَصْدَ أخْذِ ما وُجِدَ لِغَرَضٍ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَعْنى هُنا فَأخَذَهُ أخْذَ اللُّقَطَةِ أيْ أخْذَ اعْتِناءٍ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ إلَخْ، والتَّعْلِيلُ فِيهِ إنَّما هو لِلْأخْذِ ولا إشْكالَ فِيهِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ تَعَلُّقُ اللّامِ بِمُقَدَّرٍ أيْ قَدَّرْنا الِالتِقاطَ لِيَكُونَ إلَخْ، وعَلَيْهِ لا تَجُوزُ في الكَلامِ إلّا عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تُعَلَّلُ وهو أمْرٌ غَيْرُ ما نَحْنُ فِيهِ، ولا يَخْفى أنَّ كَلامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْلُّ وأعْلى مِن أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ مِثْلُ هَذا الِاحْتِمالِ، وفي جَعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَ الحُزْنِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ سَعْدانَ- حُزْنًا- بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِفَتْحَتَيْنِ لُغَةَ قُرَيْشٍ ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ﴾ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ أوْ مِن شَأْنِهِمُ الخَطَأُ فَلَيْسَ بِبِدَعٍ مِنهم أنْ قَتَلُوا أُلُوفًا لِأجْلِهِ ثُمَّ أخَذُوهُ يُرَبُّونَهُ لِيَكْبُرَ ويَفْعَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ، رُوِيَ أنَّهُ ذَبَحَ في طَلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعُونَ ألْفَ ولِيدٍ.
و ﴿ خاطِئِينَ ﴾ عَلى هَذا مِنَ الخَطَأِ في الرَّأْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن خَطِئَ بِمَعْنى أذْنَبَ، وفي الأساسِ يُقالُ: خَطِئَ خَطَأً إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ، والمَعْنى وكانُوا مُذْنِبِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ رَبِّي عَدُّوهم عَلى أيْدِيهِمْ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ لِتَأْكِيدِ خَطَئِهِمُ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ فَإنَّهُ كَما سَمِعْتَ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ عَلى الثّانِي، اعْتِراضٌ لِتَأْكِيدِ ذَنْبِهِمُ المَفْهُومِ مِن حاصِلِ الكَلامِ، وقِيلَ: يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا لِبَيانِ المُوجِبِ لِما ابْتُلُوا بِهِ ويَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا إنْ أُرِيدَ بِما ابْتُلُوا بِهِ كَوْنُهُ عَدُوًّا وحَزَنًا وهو لا يُنافِي الِاعْتِراضَ عِنْدَهُمْ، وقُرِئَ خاطِينَ بِغَيْرِ هَمْزٍ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ وحُذِفَتْ وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو مِن خَطا يَخْطُو أيْ خاطِّينَ الصَّوابَ إلى ضِدِّهِ فَهو مَجازٌ.
<div class="verse-tafsir"
وقوله عز وجل: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى يعني: أَلْهمنا أم موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ وذلك: أن أم موسى حبلت، فلم يظهر بها أثر الحبل حتى ولدت موسى وأرضعته ثلاثة أشهر أو أكثر، فألهمها الله تعالى بقوله: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ يعني: صياحه فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ يعني: في البحر.
قال مقاتل: وهو النيل، فعلمها جبريل .
ويقال: رأت في المنام بأنها تؤمر أن تلقيه في البحر.
ويقال: كان هذا إلهاماً.
ويقال: كانت دلالة لها حيث علمت بالرؤيا أو بشيء خيل لها أن تفعل ما فعلت، كما أن إبراهيم رأى في المنام ذبح إسحاق أو إسماعيل عليهما السلام وذكر أنها كانت تخبز يوماً، وكان موسى على رأس التنور، فدخل قوم فرعون يطلبون الولد، فوضعته في التنور، فدخلوا فلم يجدوا موسى فجاءت إلى التنور، فوجدته يلعب بأصابعه في الأرض، فاستيقنت أن الله تعالى يحفظه، فجعلته في التابوت، وألقته في النيل.
ثم قال: وَلا تَخافِي الغرق وَلا تَحْزَنِي أن لا يرد إليك إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ يعني: رسولاً إلى فرعون وقومه.
فلما ألقته في النيل جاء به الماء، وكان يمرّ النيل في دار فرعون، فوجدته جواري فرعون بين الماء والشجر، فمن ثم سمي موسى بلفظ القبط موشى، فالمو: الماء، وشا: الشجر.
فذلك قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً يعني: إن أخذهم إياه كان سبباً لحزنهم، فكأنهم أخذوه لذلك، وإن كان أخذهم لم يكن لذلك.
قرأ حمزة والكسائي وَحَزَناً بضم الحاء، وسكون الزاي.
وقرأ الباقون بنصب الحاء والزاي، وهما لغتان: ومعناهما واحد.
ثم قال: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ يعني: مشركين، ويقال: عاصين آثمين.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
تفسير «سورة القصص»
وهي مكّيّة إلّا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ فإنّها نزلت بالجحفة في وقت هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة قاله ابن سلام وغيره، وقال مقاتل: فيها من المدني: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
/ قوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى ...
٥٥ ب الآية، معنى نَتْلُوا: نَقُصُّ وخَصَّ تعالى بقوله لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ من حيث إنهم هم المنْتَفِعُونَ بذلك دون غيرهم، وعَلا فِي الْأَرْضِ أي: علوّ طغيان وتغلّب، وفِي الْأَرْضِ يريد أرض مصر، والشيعُ: الفرقُ، والطائفةُ المستضعفةُ: هم بنو إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ خوفَ خرابِ مُلْكِه على ما أخبرته كَهَنَتُه، أو لأجل رؤيا رآها قاله السدي «١» .
وطمع بجهله أن يَرُدَّ القدرَ، وأين هذا المنزعُ من قول النبي صلى الله عليه وسلّم لعمر: «إن يكنه
فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ» «١» يعني: ابنَ صَيَّادٍ إذ خافَ عمرُ أَن يكونَ هو الدَّجَّالَ، وباقي الآيةِ بيِّن وتقدَّم قصصُه.
والأئمة: ولاة الأمور قاله قتادة «٢» .
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ يريدُ: أرضَ مصرَ والشامِ، وقرأ حمزة «٣» : «وَيَرَى فِرْعَوْنُ» - باليَاء وفتح الراء- والمعنى: ويقعُ فرعونُ وقومُه فيما خافُوه وحذِرُوه من جهة بني إسرائيل، وظهورهم، وهامان: هو وزيرُ فرعونَ وأكبَرُ رجالِه، وهذا الوَحْي إلى أم موسى، قيل:
وَحْيُ إلهامٍ، وقيلَ: بمَلَكٍ.
وقيل: في مَنَامٍ وجملة الأمرِ أنها عَلِمَتْ أنَّ هذا الذي وقع في نفسِها هو من عند الله، قال السدي وغيره: أُمِرَتْ أن تُرْضِعَهُ عَقِبَ الوِلاَدَةِ، وَتَصْنَعَ بهِ مَا فِي الآية «٤» لأَن الخوفَ كانَ عَقِبَ كلِّ وِلاَدَة، واليمُّ: معظم الماء، والمرادُ: نِيلُ مِصر، واسم أم موسى يوحانذ «٥» ، ورُوِيَ في قَصَصِ هذهِ الآيةِ: أن أمَّ مُوسَى لَفَّتْهُ في ثِيابهِ وَجَعَلَتْ له تابوتاً صَغِيراً، وسَدَّتْه عليه بقُفْلٍ، وعَلَّقَتْ مِفْتَاحَه عَلَيْه، وأسلمَتْهُ ثقةً بالله وانتظاراً لوعدِه سبحانه، فلما غابَ عنها عاودَها بثُّها وأَسِفَتْ عليه، وأَقْنَطَهَا الشيطانُ فاهْتَمَّتْ به وكَادَتْ تَفْتَضِحُ، وجعلتِ الأُخْتُ تَقُصُّهُ، أي:
تَطْلُبُ أثَرَه، وتَقَدَّم باقي القصةِ في «طه» وغيرِها، والالتقاط: اللقاء عن «٦» غير قصد، وآل فِرْعَوْنَ: أهله وجملتُه، واللامُ في لِيَكُونَ: لام العَاقِبَة.
وقال ص: لِيَكُونَ: اللامُ للتعليلِ المجازيِّ، ولمَّا كانَ مآله إلى ذلك، عبَّر عنه بلام العاقبة، وبلام الصيرورة، انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ إلْهامٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ جِبْرِيلَ أتاها بِذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ رُؤْيا مَنامٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ أمِّ مُوسى " يُوخابِذَ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أرْضِعِيهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ امْرَأةً مِنَ القَوابِلِ مُصافِيَةً لِأُمِّ مُوسى، فَلَمّا وضَعَتْهُ تَوَلَّتْ أمْرَها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَآَها بَعْضُ العُيُونِ فَجاؤُوا لِيَدْخُلُوا عَلى أُمِّ مُوسى، فَقالَتْ أُخْتُهُ: يا أُمّاهُ هَذا الحَرَسُ بِالبابِ، فَلَفَّتْ مُوسى في خِرْقَةٍ ووَضَعَتْهُ في التَّنُّورِ وهو يَسْجُرُ، فَدَخَلُوا ثُمَّ خَرَجُوا، فَقالَ لِأُخْتِهِ: أيْنَ الصَّبِيُّ، قالَتْ: لا أدْرِي، فَسَمِعَتْ بُكاءَهُ مِنَ التَّنُّورِ فاطَّلَعَتْ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا، فَأرْضَعَتْهُ بَعْدَ وِلادَتِهِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، فَلَمّا خافَتْ عَلَيْهِ صَنَعَتْ لَهُ التّابُوتَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا خِفْتِ عَلَيْهِ القَتْلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: إذا خِفْتِ [عَلَيْهِ] أنْ يَصِيحَ أوْ يَبْكِيَ فَيُسْمَعُ صَوْتُهُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَخافِي ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَغْرَقَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: أنْ يَضِيعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَقالَ الأصْمَعِيُّ: قُلْتُ لِأعْرابِيَّةٍ: ما أفْصَحَكَ!
فَقالَتْ: أوَبَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَصاحَةٌ وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ، فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ، ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي، إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ جَمَعَ فِيها بَيْنَ أمْرَيْنِ ونَهْيَيْنِ وخَبَرَيْنِ وبِشارَتَيْنِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ الِالتِقاطُ: إصابَةُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ طَلَبٍ.
والمُرادُ بِآَلِ فِرْعَوْنَ: الَّذِينَ تَوَلَّوْا أخْذَ التّابُوتِ مِنَ البَحْرِ.
وَفِي الَّذِينَ التَقَطُوهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: ابْنَةُ فِرْعَوْنَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ.
والثّالِثُ: أعْوانُ فِرْعَوْنَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا ﴾ أيْ: لِيَصِيرَ بِهِمُ الأمْرُ إلى ذَلِكَ لا أنَّهم أخَذُوهُ لِهَذا، وهَذِهِ اللّامُ تُسَمّى لامَ العاقِبَةَ، وقَدْ شَرَحْناهُ في (يُونُسَ: ٨٨) .
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا في دِينِهِمْ وحَزَنًا لِما يَصْنَعُهُ بِهِمْ.
والثّانِي: عَدُوًّا لِرِجالِهِمْ وحَزَنًا عَلى نِسائِهِمْ، فَقُتِلَ الرِّجالُ بِالغَرَقِ، واسْتَعْبَدَ النِّساءَ.
﴿ وَقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ ﴾ وهي آَسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وكانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تُزَوَّجَها فِرْعَوْنُ: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: رَفَعَ " قُرَّةَ عَيْنٍ " عَلى إضْمارِ " هو " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ فِرْعَوْنُ لا يُولَدُ لَهُ إلّا البَناتُ، فَقالَتْ: ﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ فَنَصِيبُ مِنهُ خَيْرًا ﴿ أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ ، ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّ هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: لا يَشْعُرُ بَنُو إسْرائِيلَ أنّا التَقَطْناهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ.
والرّابِعُ: لا يَشْعُرُونَ أنِّي أفْعَلُ ما أُرِيدُ لا ما يُرِيدُونَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ﴾ ﴿ وَقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أو نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عن جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ .
الِالتِقاطُ: اللِقاءُ عَلى غَيْرِ قَصْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ومَنهَلٍ ورَدْتُهُ التِقاطًا لَمْ ألْقَ إذْ ورَدْتُهُ فُرّاطًا و ﴿ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ : أهُلُهُ، ويُرْوَيَ أنَّ آسِيَةَ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ رَأتِ التابُوتَ يَعُومُ في اليَمِّ فَأمَرَتْ بِسَوْقِهِ وفَتْحِهِ، فَرَأتْ فِيهِ صَبِيًّا صَغِيرًا فَرَحَمَتْهُ وأحَبَّتْهُ، وقالَ السُدِّيُّ: إنْ جَوارِيَها كانَ لَهُنَّ فُرْضَةٌ في القَصْرِ عَلى النِيلِ، يَدْخُلُ الماءُ فِيها إلى القَصْرِ حَتّى يَنَلْنَهُ في المَرافِقِ والمَنافِعِ، فَبَيْنا هُنَّ يَغْسِلْنَ في تِلْكَ الفُرْضَةِ إذْ جاءَ التابُوتُ فَحَمَلْنَهُ إلى مَوْلاتِهِنَّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ: رَآهُ فِرْعَوْنَ يَعُومُ فَأمَرَ بِسَوْقِهِ، وآسِيَةٌ جالِسَةٌ مَعَهُ، فَكانَ ما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ، لا أنَّ القَصَدَ بِالِالتِقاطِ كانَ لِأنْ يَكُونَ عَدُوًّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَحَزَنا" بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَحُزْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزايِ، و"الخاطِئُ": مُتَعَمِّدُ الخَطَأ، والمُخْطِئُ: الَّذِي لا يَتَعَمَّدُهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الوَقْتِ الَّذِي قالَتْ فِيهِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ التِقاطِ التابُوتِ لَمّا أشْعَرَتْ فِرْعَوْنَ بِهِ؛ إذْ سَبَقَ إلى وهْمِهِ أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ ذَلِكَ قُصِدَ بِهِ التَخَلُّصُ مِنَ الذَبْحِ، فَقالَ: عَلَيَّ بِالذَبّاحِينَ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ ما ذُكِرَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: أمّا لِي فَلا، قالَ النَبِيُّ : «لَوْ قالَ: نَعَمْ لَآمَنَ بِمُوسى ولَكانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ»، وقالَ السُدِّيُّ: بَلْ رَبَّتْهُ حَتّى دَرَجَ، فَرَأى فِرْعَوْنُ فِيهِ شَهامَةً، وظَنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْذَهُ في يَدِهِ، فَمَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَدَهُ ونَتْفَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، فَهَمَّ حِينَئِذٍ بِذَبْحِهِ، وحِينَئِذٍ خاطَبَتْهُ بِهَذا، واخْتَبَرَتْهُ لَهُ في الجَمْرَةِ والياقُوتَةِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ بِأنَّهُ الَّذِي يَفْسَدُ المُلْكُ عَلى يَدَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "لا تَقْتُلُوهُ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ"، قَدَّمَ وأخَّرَ.
وقَوْلُهُ: "وَأصْبَحَ" عِبارَةٌ عن دَوامِ الحالِ واسْتِقْرارِها، وهي كَظَلَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ لِلْعَبّاسِ يَوْمَ الفَتْحِ: لَقَدْ أصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أخِيكَ اليَوْمَ عَظِيمًا، يُرِيدُ: اسْتَقَرَّ بِهِ حالُهُ عَظِيمًا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فارِغًا" مِنَ الفَراغِ، واخْتُلِفَ في مَعْنى ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فارِغًا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مَن ذِكُرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ مالِكٌ: هو ذِهابُ العَقْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَبْرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ووَحْيِهِ إلَيْها، أيْ: تَناسَتْهُ بالهَمِّ، وفَتَرَ أثَرُهُ في نَفْسِها، وقالَ لَها إبْلِيسُ: فَرَرْتِ بِهِ مِن قَتْلٍ لَكِ فِيهِ أجْرٌ، وقَتَلْتِهِ بِيَدِكِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ؛ إذْ لَمْ يَغْرَقْ، وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عَبِيدٍ -وَيُقالُ: ابْنُ عُبَيْدَةَ -، والحُسْنُ: "فَزَعًا" مِنَ الفَزَعِ -بِالفاءِ والزايِ-، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قَرْعًا" بِالقافِ والراءِ، مِنَ القارِعَةِ، وهي الهَمُّ العَظِيمُ، وقَرَأ بَعْضُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "فَرَغا" بِالفاءِ المَكْسُورَةِ والراءِ الساكِنَةِ والغَيْنِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناها: ذاهِبًا هَدْرًا تالِفًا مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ طَلِيحَةَ الأسْدِيِّ: فَإنْ يَكْ قَتْلى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم ∗∗∗ فَلَنْ يَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبالِ أيْ: هَدْرًا تالِفًا لا يَنْفَعُ.
وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: "فُرُغًا" بِضَمِّ الفاءِ والراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ أيْ أمْرُ ابْنِها، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: كادَتْ أمُّ مُوسى أنْ تَقُولَ: وا ابْناهُ، وتَخْرُجُ صائِحَةً عَلى وجْهِها».
"والرَبْطُ عَلى القَلْبِ" تَأْنِيسُهُ وتَقْوِيَتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلشُّجاعِ والصابِرِ في المَضايِقِ: رابِطُ الجَأْشِ، قالَ قَتادَةُ: ورَبَطَ عَلى قَلْبِها بِالإيمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وبِما أوحى إلَيْها بِهِ.
ثُمْ قالَتْ لِأُخْتِ مُوسى طَمَعًا مِنها وطَلَبًا لَهُ: "قُصِّيهِ"، والقَصُّ: طَلَبَ الأثَرِ، فَيُرْوى أنَّ أُخْتَهُ خَرَجَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ تَبْحَثُ مُتَخَفِّيَةً، فَرَأتْهُ عِنْدَ قَوْمٍ مِن حاشِيَةِ آلِ فِرْعَوْنَ يَطْلُبُونَ لَهُ امْرَأةً تُرْضِعُهُ حِينَ لَمْ يَقْبَلِ المَراضِعَ، و ﴿ عن جُنُبٍ ﴾ أيْ: ناحِيَةٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ ولا قُرْبٌ يُشْعِرُها بِهِ، ويُقالُ: "عن جَنابَةٍ" و "عن جَنابٍ"، ومِنها قَوْلُ الشاعِرِ: لَقَدْ ذَكَّرَتْنِي عن جَنابِ حَمامَةٌ ∗∗∗ بِعُسْفانَ أهْلِي والفُؤادُ حَزِينُ ومِنَ الجَنابَةِ قَوْلُ الأعْشى: أتَيْتُ حُرَيْثًا زائِرًا عن جَنابَةٍ ∗∗∗ وكانَ حُرَيْثٌ عن عَطائِي جامِدًا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ: عن مَكانِ جُنُبِ، أو عن بُعْدٍ، ومَعْنى الآيَةِ: عن بُعْدٍ، لَمْ تَدْنِ مِنهُ فَيَشْعُرُ بِها، وأنْشُدُ أبُو عُبَيْدَةَ لِعَلْقَمَةَ: فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عن جَنابَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي امْرُؤٌ وسَطَ القِبابِ غَرِيبُ وقَرَأ قَتادَةُ: "عن جَنْبٍ" بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وقَرَأ "عن جانِبٍ" النُعْمانُ بْنُ سالِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عن جُنُبٍ" بِضَمِّ الجِيمِ والنُونِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ، وهَذا مِن جُمْلَةِ لَطائِفِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ ولِأُمِّهِ حَسَبَ الوَعْدِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْها.
ويُقالُ: بَصَرْتُ الشَيْءَ وأبْصَرْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ مُتَقارِبٍ، قالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: "عن جُنُبٍ" مَعْناهُ: عن شَوْقٍ، وهي لُغَةٌ لِجَذّامٍ، يَقُولُونَ: جَنَبْتُ إلى لِقائِكَ، أيِ اشْتَقْتُ إلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى "عن جُنُبٍ" أنَّها تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأنَّها تُرِيدُهُ.
<div class="verse-tafsir"
الالتقاط افتعال من اللقط، وهو تناول الشيء الملقى في الأرض ونحوها بقصد أو ذهول.
أسند الالتقاط إلى آل فرعون لأن استخراج تابوت موسى من النهر كان من إحدى النساء الحافات بابنة فرعون حين كانت مع أترابها وداياتها على ساحل النيل كما جاء في الإصحاح الثاني من سفر الخروج.
واللام في ﴿ ليكون لهم عدواً ﴾ لام التعليل وهي المعروفة عند النحاة بلام كي وهي لام جارة مثل كي، وهي هنا متعلقة ب (التقطه).
وحق لام كي أن تكون جارة لمصدر منسبك من (أن) المقدرة بعد اللام ومن الفعل المنصوب بها فذلك المصدر هو العلة الباعثة على صدور ذلك الفعل من فاعله.
وقد استعملت في الآية استعمالاً وارداً على طريقة الاستعارة دون الحقيقة لظهور أنهم لم يكن داعيهم إلى التقاطه أن يكون لهم عدوّاً وحزناً ولكنهم التقطوه رأفة به وحباً له لما أُلقي في نفوسهم من شفقة عليه ولكن لما كانت عاقبة التقاطهم إياه أن كان لهم عدوّاً في الله ومُوجب حزن لهم، شبهت العاقبة بالعلة في كونها نتيجة للفعل كشأن العلة غالباً فاستعير لترتب العاقبة المشبهة الحرف الذي يدل على ترتيب العلة تبعاً لاستعارة معنى الحرف إلى معنى آخر استعارة تبعية، أي استعير الحرف تبعاً لاستعارة معناه لأن الحروف بمعزل عن الاستعارة لأن الحرف لا يقع موصوفاً، فالاستعارة تكون في معناه ثم تسري من المعنى إلى الحرف فلذلك سميت استعارة تبعية عند جمهور علماء المعاني خلافاً للسكاكي.
وضمير ﴿ لهم ﴾ يعود إلى آل فرعون باعتبار الوصف العنواني لأن موسى كان عدواً لفرعون آخر بعد هذا، أي ليكون لدولتهم وأمتهم عدواً وحزناً فقد كانت بعثة موسى في مدة ابن فرعون هذا.
ووصفه بالحزن وهو مصدر على تقدير متعلق محذوف، أي حزناً لهم لدلالة قوله لهم السابق.
وليس هذا من الوصف بالمصدر للمبالغة مثل قولك: فلان عدل، لأن ذلك إذا كان المصدر واقعاً موقع اسم الفاعل فكان معنى المصدر قائماً بالموصوف.
والمعنى هنا: ليكون لهم حزناً.
والإسناد مجاز عقلي لأنه سبب الحزن وليس هو حزناً.
وقرأ الجمهور ﴿ وحزناً ﴾ بفتح الحاء والزاي.
وقرأه حمزة والكسائي وخلف بضم الحاء وسكون الزاي وهما لغتان كالعَدَم والعُدْم.
وجملة ﴿ إن فرعون وهامان ﴾ إلى آخرها في موضع العلة لجملة ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ أي قدّر الله نجاة موسى ليكون لهم عدوّاً وحزناً، لأنهم كانوا مجرمين فجعل الله ذلك عقاباً لهم على ظلمهم بني إسرائيل وعلى عبادة الأصنام.
والخاطئ: اسم فاعل من خَطِئ كفرح إذا فعل الخطيئة وهي الإثم والذنب، قال تعالى ﴿ ناصية كاذبة خاطئة ﴾ [العلق: 16].
ومصدره الخطء بكسر الخاء وسكون الطاء.
وتقدم في قوله تعالى ﴿ إن قتلهم كان خطئاً كبيراً ﴾ في [الإسراء: 31].
وأما الخطأ وهو ضد العمد ففعله أخطأ فهو مخطئ، قال تعالى ﴿ ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم ﴾ [الأحزاب: 5]، فعلى هذا يتعين أن الفصحاء فرقوا الاستعمال بين مرتكب الخطيئة ومرتكب الخطأ، وعلى التفرقة بين أخطأ وخطِئ درج نفطويه وتبعه الجوهري والحريري.
وذهب أبو عبيد وابن قتيبة إلى أن اللفظين مترادفان وأنهما لغتان، وظاهر كلام الزمخشري هنا أنه جار على قول أبي عبيد وابن قتيبة فقد فسر هذه الآية بالمعنيين وقال في «الأساس»: «أخطأ في الرأي وخطئ إذا تعمد الذنب.
وقيل: هما واحد».
ويظهر أن أصلهما لغتان في معنى مخالفة الصواب عن غير عمد أو عن عمد، ثم غلب الاستعمال الفصيح على تخصيص أخطأ بفعل على غير عمد وخطِئ بالإجرام والذنب وهذا الذي استقر عليه استعمال اللغة.
وإن الفروق بين الألفاظ من أحسن تهذيب اللغة.
فأما محمل الآية هنا فلا يناسبه إلا أن يكون ﴿ خاطئين ﴾ من الخطيئة ليكون الكلام تعليلاً لتكوين حزنهم منه بالأخارة.
وتقدم ذكر هامان آنفاً القصص [6].
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إلْهامٌ مِنَ اللَّهِ قَدْ قَذَفَهُ في قَلْبِها ولَيْسَ بِوَحْيِ نُبُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ رُؤْيا مَنامٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْها مَعَ المَلائِكَةِ كَوَحْيِهِ إلى النَّبِيِّينَ، حَكاهُ قُطْرُبٌ.
﴿ أنْ أرْضِعِيهِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كانَ الوَحْيُ بِالرِّضاعِ قَبْلَ الوِلادَةِ، وقالَ غَيْرُهُ بَعْدَها.
﴿ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ ﴾ يَعْنِي القَتْلَ الَّذِي أمَرَ بِهِ فِرْعَوْنُ في بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ﴾ واليَمُّ: البَحْرُ وهو النِّيلُ.
﴿ وَلا تَخافِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَخافِي عَلَيْهِ الغَرَقَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: لا تَخافِي عَلَيْهِ الضَّيْعَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامَةَ.
﴿ وَلا تَحْزَنِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَحْزَنِي عَلى فِراقِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: لا تَحْزَنِي أنْ يُقْتَلَ، قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
فَقِيلَ: إنَّها جَعَلَتْهُ في تابُوتٍ طُولُهُ خَمْسَةُ أشْبارٍ وعَرْضُهُ خَمْسَةُ أشْبارٍ وجَعَلَتِ المِفْتاحُ مَعَ التّابُوتِ وطَرَحَتْهُ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ أرْضَعَتْهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وقالَ آخَرُونَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ في حِكايَةِ الكَلْبِيِّ.
وَحُكِيَ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ النَّجّارُ مَن صُنْعِهِ التّابُوتَ أتى إلى فِرْعَوْنَ يُخْبِرُهُ فَبَعَثَ مَعَهُ مَن يَأْخُذُهُ فَطَمَسَ اللَّهُ عَلى عَيْنِهِ وقَلْبِهِ فَلَمْ يَعْرِفِ الطَّرِيقَ فَأيْقَنَ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي تَخَوَّفَ فِرْعَوْنُ مِنهُ فَآمَنَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ وهو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلَمّا تَوارى عَنْها نَدَّمَها الشَّيْطانُ وقالَتْ في نَفْسِها لَوْ ذُبِحَ عِنْدِي فَوارَيْتُهُ وكَفَّنْتُهُ كانَ أحَبَّ ألِيَّ مِن إلْقائِهِ بِيَدِي إلى دَوابِّ البَحْرِ وحِيتانِهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ ﴾ الآيَةَ، حَكى الأصْمَعِيُّ قالَ: سَمِعْتُ جارِيَةً أعْرابِيَّةً تُنْشِدُ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِذَنْبِي كُلِّهِ قَبَّلْتُ إنْسانًا بِغَيْرِ حِلِّهِ ∗∗∗ مِثْلَ الغَزالِ ناعِمًا في دَلِّهِ ∗∗∗ فانْتَصَفَ اللَّيْلُ ولَمْ أُصَلِّهِ فَقُلْتُ: قاتَلَكِ اللَّهُ ما أفْصَحَكِ!
فَقالَتْ: أوَيُعَدُّ هَذا فَصاحَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ ﴾ الآيَةَ، فَجَمَعَ في آيَةٍ واحِدَةٍ بَيْنَ أمْرَيْنِ ونَهْيَيْنِ وخَبَرَيْنِ وبِشارَتَيْنِ.
قَوْلُهُ ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَقَطَهُ جَوارِي امْرَأتِهِ حِينَ خَرَجْنَ لِاسْتِسْقاءِ الماءِ فَوَجَدْنَ تابُوتَهُ فَحَمَلْنَهُ إلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ خَرَجَتْ إلى البَحْرِ وكانَتْ بَرْصاءَ فَوَجَدَتْ تابُوتَهُ فَأخَذَتْهُ فَبَرِئَتْ مَن بَرَصِها فَقالَتْ: هَذا الصَّبِيُّ مُبارَكٌ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ أيْ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا في عاقِبَةِ أمْرِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم في الحالِ عَدُوًّا ولا حَزَنًا لِأنَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ فَرِحَتْ بِهِ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا فَذُكِرَ الحالُ بِالمَآلِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ولِلْمَنايا تُرَبِّي كُلَّ مُرْضِعَةٍ ∗∗∗ ودُورُنا لِخَرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيها ﴿ وَقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ ﴾ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أصْحابَ فِرْعَوْنَ لَمّا عَلِمُوا بِمُوسى جاءُوا لِيَذْبَحُوهُ فَمَنَعَتْهم وجاءَتْ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ وقالَتْ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ.
﴿ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ فَقالَ فِرْعَوْنُ: قُرَّةُ عَيْنٍ لَكِ فَأمّا لِي فَلا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : «والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ بِأنَّهُ يَكُونُ لَهُ قُرَّةُ عَيْنٍ كَما أقَرَّتِ امْرَأتُهُ لَهَداهُ اللَّهُ بِهِ كَما هَداها ولَكِنَّ اللَّهَ حَرَمَهُ ذَلِكَ» .
وَفِي قُرَّةِ العَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَرَّدَها بِالسُّرُورِ مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ وهو البَرْدُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَرَّ فِيها دَمْعَها فَلَمْ يَخْرُجْ بِالحُزْنِ مَأْخُوذٌ مِن قَرَّ في المَكانِ إذا أقامَ فِيهِ.
﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ أنَّ هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ وفي زَمانِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأوحينا إلى أم موسى ﴾ يقول: ألهمناها الذي صنعت بموسى.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأوحينا إلى أم موسى ﴾ قال: قذف في نفسها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ﴾ قال: وحي جاءها عن الله قذف في قلبها، وليس بوحي نبوة ﴿ فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ﴾ قال: فجعلته في تابوت فقذفته في البحر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: إن الله أوحى إلى أم موسى حين وضعت ﴿ أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ﴾ فلما خافت عليه جعلته في التابوت، وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في البحر، وخرجت امرأة فرعون إلى البحر وابنة لفرعون برصاء، فرأوا سواداً في البحر، فأخرج التابوت إليهم، فبدرت ابنة فرعون وهي برصاء إلى التابوت، فوجدت موسى في التابوت وهو مولود، فأخذته فبرأت من برصها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش رضي الله عنه قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: في قوله: ﴿ فإذا خفت عليه ﴾ قال: أن يسمع جيرانك صوته.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ﴾ قال: فجعلته في بستان فكانت تأتيه في كل يوم مره فترضعه، وتأتيه في كل ليله فترضعه فيكفيه ذلك ﴿ فإذا خفت عليه ﴾ قال: إذا بلغ أربعة أشهر وصاح وابتغى من الرضاع أكثر من ذلك.
فذلك قوله: ﴿ فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تخافي ﴾ قال: لا تخافي عليه البحر ﴿ ولا تحزني ﴾ يقول: ولا تحزني لفراقه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً ﴾ قال: في دينهم ﴿ وحزناً ﴾ قال: لما يأتيهم به.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ أي: من البحر، والالتقاط إصابة الشيء من غير طلب (١) (٢) ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ وقرئ: (وَحُزْنًا) (٣) (٤) قال أبو إسحاق:] (٥) ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ ﴾ أي: ليصير الأمر إلى ذلك، لا أنهم طلبوه وأخذوه لهذا، كما تقول للذي كسب مالاً فأداه ذلك إلى الهلاك: إنما كسب فلان لحتفه، وهو لم يطلب المال طلبًا للحتف.
ومثله: فللموت ما تلد الوالدة (٦) (٧) (٨) ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ خَاطِئِينَ ﴾ أي: عاصين آثمين (٩) (١) "تهذيب اللغة" 16/ 249، مادة: لقط.
ويطلق الالتقاط على الأخذ فجأة.
"وضح البرهان" 2/ 146.
(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 31، عن السدي.
وذكر قولين آخرين: ابنة فرعون، أعوان فرعون.
قال ابن جرير: ولا قول في ذلك عندنا أولى بالصواب مما قال الله -عز وجل- ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ .
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2943، عن أبي عبد الرحمن الحبلي.
وذكره في خبر مطول الثعلبي 8/ 140 أ.
(٣) قرأ حمزة والكسائي: (وَحُزْنًا) بضم الحاء، وتسكين الزاي، وقرأ الباقون بفتح الحاء، والزاي.
"السبعة في القراءات" 492، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 412، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 341.
(٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 412.
قال الفراء: وكأن الحُزْن الاسم، وكأن الحزَن مصدر، وهما بمنزلة: العُدْم، والعَدَم.
"معاني القرآن" 2/ 302.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من نسخة (ج).
(٦) عجز بيت لشتيم بن خويلد، يرثي أولاده الثلاثة، وصدره: فإن يكن الموت أمتاهم (٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 133.
و"تفسير ابن جرير" 20/ 32، وذكره الثعلبي 8/ 141 أ، بمعناه.
وفي "الدر المصون" 8/ 651: في اللام الوجهان المشهوران: العِلِّيَّة المجازية بمعنى: أن ذلك لما كان نتيجة فعلهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله، أو الصيرورة.
(٨) "تفسير مقاتل" 63 ب.
قال ابن جرير 20/ 33: عدوًا في دينهم، وحزنًا على ما ينالهم منه من المكروه.
(٩) "تفسير ابن جرير" 20/ 33.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهَامَانَ ﴾ وهو وزير فرعون ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى ﴾ اختلف هل كان هذا الوحي بإلهام أو منام أو كلام بواسطة الملك، وهذا أظهر لثقتها بما أوحى إليها وامتثالها ما أمرت به ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ﴾ أي إذا خفت عليه أن يذبحه فرعون؛ لأن كان يذبح أبناء بني إسرائيل، لما أخبره الكهان أن هلاكه على يد غلام منهم ﴿ فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ الالتقاط اللقاء من غير قصد، رُوي أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت في البحر، وهو النيل فأمرت أن يساق لها، ففتحته فوجدت فيه صبياً فأحبته، وقالت لفرعون: هذا قرّة عين لي ولك ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً ﴾ اللام لام العاقبة وتسمى أيضاً لام الصيرورة ﴿ لاَ تَقْتُلُوهُ ﴾ روي أن فرعون همّ بذبحه، إذ توسم أنه من بني إسارئيل، فقالت امرأته لا تقتلوه ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي لا يشعرون أن هلاكهم يكون على يديه، والضمير الفاعل لفرعون وقومه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويرى ﴾ بفتح الياء وإمالة الراء ﴿ فرعون وهامان وجنودهما ﴾ مرفوعات: حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤوا قوله ﴿ وحزناً ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ كوفي.
﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ أرضعيه ﴾ ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية ﴿ ولا تحزني ﴾ ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا.
﴿ من المرسلين ﴾ ه ﴿ وحزنا ﴾ ط ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ولك ﴾ ط ﴿ لا تقتلوه ﴾ ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي.
﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فارغاً ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ قصيه ﴾ ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله ﴿ فقالت ﴾ عطف على قوله ﴿ فبصرت ﴾ والحال معترض ﴿ ناصحون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يقتتلان ﴾ لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهراً ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفاً من ﴿ عدوّه ﴾ الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من ﴿ عدوّه ﴾ الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فغفر له ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ للمجرمين ﴾ ه ﴿ يستصرخه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ط ﴿ لهما ﴾ لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ بالأمس ﴾ ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل ﴿ المصلحين ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القول ﴿ من الناصحين ﴾ ه ﴿ يترقب ﴾ ز لما قلنا في ﴿ يسعى ﴾ ﴿ الظالمين ﴾ ه.
التفسير: فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء.
﴿ نتلو عليك ﴾ على لسان جبرائيل ﴿ من نبأ موسى وفرعون ﴾ أي طرفاً من خبرها متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو محقين ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء.
ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلاً سأل: وكيف كان نبؤهما؟
فقال مستأنفاً ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي طغى وتكبر في أرض مملكته ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافاً في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقاً مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم بنو إسرائيل والقبط.
وقوله ﴿ يستضعف ﴾ حال من الضمير في ﴿ جعل ﴾ أو صفة ﴿ شيعاً ﴾ أو مستأنف.
و ﴿ يذبح ﴾ بدل منه.
وقوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن ألبتة ﴿ ونريد ﴾ حكاية حال ماضية معطوفة على قوله ﴿ إن فرعون علا ﴾ فهذه أيضاً تفسير للنبأ.
وجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ يستضعف ﴾ اي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع.
﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ مقدمين في أمور الدين والدنيا.
وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير.
وعن مجاهد: دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكاً.
ومعنى الوراثة والتمكين في ارض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.
يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.
قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحفظيه.
فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها.
فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا: لم دخلت القابلة عليك؟
قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة.
فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟
فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً.
فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل.
فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر.
وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون.
وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس.
فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبناً، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها.
فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.
قال علماء البيان: اللام في قوله ﴿ ليكون لهم عدوّاً ﴾ لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلاً نتيجة المجيء في قولك "جئتك لتكرمني" وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضاً.
ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم اذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم.
قال النحويون ﴿ قرة عين ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ و ﴿ لا تقتلوه ﴾ خبراً لأن الطلب لا يقع خبراً إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب.
روي في حديث أن آسية حين قالت ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ قال فرعون: لك لا لي، ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها.
ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء.
قال في الكشاف ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ حال من آل فرعون.
وقوله ﴿ إن فرعون ﴾ الآية.
جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً.
وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه.
قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالاً من فاعل ﴿ قالت ﴾ أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمآل وهو أن هلاكهم على يده وبسببه.
وقال الكلبي: اي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه.
قوله ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال الحسن: اي فارغاً من كل هم إلا من هم موسى.
وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعاً ودهشاً.
وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا ﴿ فألقيه في اليم ولا تخافي ﴾ الغرق وسائر المخاوف ﴿ ولا تحزني ﴾ والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعاً، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه.
ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها.
وقال أبو عبيدة: فارغاً من الخوف فالله يقول ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟
أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس.
وفي رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع.
وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون.
ثم قال ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن ﴿ لتكون من المؤمنين ﴾ المصدّقين بوعد الله وهو قوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ .
وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه.
والأول أظهر بدليل قوله ﴿ وقالت لأخته قصيه ﴾ اي اقتفي اثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم ﴿ فبصرت به ﴾ أي أبصرته ﴿ عن جنب ﴾ عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بحالها وغرضها.
والتحريم ههنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهراً فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه.
وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه.
وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة اشهر فعرف ريحها.
و ﴿ المراضع ﴾ جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا.
روي أنها لما قالت ﴿ وهم له ناصحون ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون.
والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد.
والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه.
فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها.
فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟
قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها.
قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة.
قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال ﴿ ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ﴾ أي أكثر الناس ﴿ لا يعلمون ﴾ حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله.
وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها.
قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول "ولكن أكثر الناس" كما قال في سورة يوسف ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً.
وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك.
وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله ﴿ ولتعلم ﴾ المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.
ثم بين كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلاً: ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ وزاد ههنا قوله ﴿ واستوى ﴾ فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد.
والأصح أنهما متغايران.
والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة.
وعن ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين.
وهو عند الأطباء سن الوقوف.
فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف.
والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم - قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله ﴿ ودخل المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب.
قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره في هذه السورة.
وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى ﴿ فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً ﴾ وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.
أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر.
وقال الضحاك: هي عين شمس.
وقيل: هي مصر.
وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو.
وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره.
قاله السدي.
وقيل: إن الغفلة لموسى من اهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر.
قال الزجاج: قوله ﴿ هذا ﴾ ﴿ وهذا ﴾ وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه.
عن مقاتل: أن الرجلين كان كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط.
واحتج عليه بأن موسى قال له ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً كأنه قال ممن شايعه على دينه.
وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلهاً.
يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون.
وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري ﴿ فاستغاثه ﴾ سأله أن يخلصه منه ﴿ فوكزه ﴾ أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف ﴿ فقضى عليه ﴾ أي أماته وقتله.
الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ وقال ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً؟
وأيضاً قوله ﴿ هذا من عدوّه ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً وكان دمه مباحاً والاستغفار من القتل المباح غير جائز.
وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر.
فقوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفاً الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به ﴿ فاغفر لي ﴾ فاستره على هذا كله.
إذا سلم أنه كان نبياً في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله.
ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلاً عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئاً آخر كما قررنا.
قوله ﴿ بما أنعمت عليّ ﴾ قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.
وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرماً.
وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى.
وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيراً والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها.
وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة.
عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل.
فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى.
وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله اراد أن جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز ﴿ أصبح ﴾ موسى من غد ذلك اليوم ﴿ خائفاً يترقب ﴾ الأخبار وما يقال فيه ﴿ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ﴾ يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد.
فغويّ بمعنى غاوٍ.
وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغوٍ لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء.
قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف.
وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ﴾ لا يليق إلا أن يكون قولاً للكافر.
قال جار الله: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن.
وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل.
وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة ﴾ أي من ابعد مسافاتها إليه.
وقوله ﴿ يسعى ﴾ صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفاً.
قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفاً وفي "يس" أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً.
والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بامره ومعنى ﴿ يأتمرون بك ﴾ يتشاورون بسببك.
وقوله ﴿ لك من الناصحين ﴾ كقوله ﴿ فيه من الزاهدين ﴾ وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة.
﴿ فخرج منها خائفاً يترقب ﴾ المكروه من جهتهم وأن يلحق به ﴿ قال ﴾ ملتجئاً إلى الله ﴿ رب نجني من القوم الظالمين ﴾ وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنباً وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص.
التأويل: ﴿ إن فرعون ﴾ النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية ﴿ وجعل أهلها ﴾ وهم الروح والسر والعقل أصنافاً في الاستخدام لاستيفاء الشهوات ﴿ يستضعف طائفة ﴾ وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ للاستعداد الفطري.
﴿ ونرى فرعون ﴾ النفس ﴿ وهامان ﴾ الهوى ﴿ وجنودهما ﴾ من الصفات البهيمية والسبعية ولاشيطانية ﴿ أم موسى ﴾ السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر ﴿ أن أرضعيه ﴾ من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية.
﴿ فألقيه في اليم ﴾ في الدنيا في تابوت القالب ﴿ وجاعلوه من المرسلين ﴾ أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي ﴿ فالتقطه آل فرعون ﴾ وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل ﴿ ليكون لهم ﴾ في العاقبة ﴿ عدوّاً ﴾ يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات.
﴿ وحزناً ﴾ بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله.
﴿ وقالت امرأة فرعون ﴾ النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في اسباب اللذات الحسيات.
﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بأن ينجينا من النار.
قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر.
﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم.
﴿ فؤاد أم موسى ﴾ هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل.
ودخل مدينة القالب ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ وهم الصفات النفسانية ﴿ فوجد فيها رجلين ﴾ صفتين.
إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس.
وفي قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ لآنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس.
﴿ وجاء رجل ﴾ هو العقل ﴿ من أقصى ﴾ مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة الروحانية ﴿ يسعى ﴾ في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية ﴿ خائفاً ﴾ من سطوات فرعون النفس ﴿ يترقب ﴾ مكايدهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إن الوحي هاهنا وحي الإلهام والقذف في القلب، لا وحي إرسال صارت رسولة، وذلك لا يجوز.
لكن يقال: جائز أن تلهم هي إرضاعه وإلقاءه في اليم، فأمّا أن تلهم ما ذكر: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ هذا مما لا سبيل إلى معرفة ذلك وعلمه إلا بتصريح قول ومشافهة آخر، اللهم إلا أن يقال: إنه كان بموسى آيات الرسالة وأعلام به؛ لما عرفت هي بتلك الأعلام والآيات التي كانت له أنه يرد إليها، وأنه يبقى رسولا إلى وقت، وقد كانت بالرسل أعلام وآيات الرسالة في حال صغرهم وصباهم؛ نحو عيسى حيث كلم قومه في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ...
﴾ ، إلى آخر ما ذكر وأن محمدا لما ولد بالليل استنارت تلك الناحية واستضاءت بنوره حتى ظنوا أن الشمس قد طلعت ونحوه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون بموسى أعلام وآيات عرفت أمه بها أنه رسول، وأنه يرد إليها.
وإنما تكلفنا بهذا التخريج قول أهل التأويل: إنه وحي إلهام وقذف في القلب لا غير.
وعندنا جائز أن يكون الوحي إليها وحي إرسال رسول وإخبار من غير أن صارت هي بذلك رسولة؛ نحو ما ذكر من قصة مريم أن الملك لما دخل تعوذت بالله منه حيث قالت: ﴿ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ ، وذلك من البشارة التي بشروها بالولد فلم تصر بما أرسل إليها من الرسل وشافهوها رسولة؛ فعلى ذلك أم موسى؛ ونحو بشارة الملائكة لامرأة إبراهيم بالولد وهو قوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ ، ونحوه ما يكثر ذكره لم يصيروا بذلك رسلا؛ فعلى ذلك الوحي إلى أم موسى يحتمل ما ذكرنا.
وجائز ذلك من غير أن صارت بذلك رسولة، وهو أشبه وأقرب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ : قال بعضهم: في الآية إضمار؛ لأنهم لم يلتقطوه؛ ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن كان فيه إضمار، أي: التقطه آل فرعون ليتخذوه ولدا ووليا، فكان لهم عدوا وحزنا إذا كبر [و]نحو هذا.
وقال بعضهم: ذاك إخبار عما في علم الله أنه يكون ما ذكر، معناه - والله أعلم -: التقطه آل فرعون، فكان في علم الله - - أنه يكون لهم عدوا وحزنا، وذلك جائز في اللغة؛ يقال: ...
....
....
*** لدوا للموت وابنوا للخراب لا يلدون للموت ولا يبنون للخراب، ولكن إخبار عما هو عليه عملهم في الآخرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ ﴾ : ظاهر.
وفيه نقض قول المعتزلة من وجه.
وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ : هذا لطف من الله بموسى؛ حيث ألقى محبته في قلوبهم وحلاوته في أعينهم، وهو ما ذكر منة عليه حيث قال: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ ليتأدى بذلك الشكر عليه.
قال أبو معاذ: قال مقاتل: قوله: ﴿ قرت عين لي ولك لا ﴾ تقول: ليس لك بقرة عين.
قال أبو معاذ: وهذا محال، ولو كان كذلك لكان في القراءة: "تقتلونه"، وهذا - أيضاً - محال لقوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا ﴾ ، ولو كانت القراءة: (قرت عين لي ولك لا [لا] تقتلوه) لكان مقاتل مصيباً.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أن إهلاكهم واستئصالهم على يديه.
والثاني: لا يشعرون أنه هو المطلوب بقتله من بين الكل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً ﴾ : قال بعضهم: فارغاً من هم موسى وحزنها عليه.
وقال بعضهم: فارغاً من كل شيء إلا على موسى وذكره، وكأن قوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً ﴾ جواب قوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ...
﴾ الآية.
وهو يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الله رفع الحزن والخوف وطمأنها من غير أن كان ثمة قول أو كلام.
والثاني: على القول لها: لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فلو كان على هذا فهو على البشارة لها بالردّ إليها وجعله رسولا، أو على النهي والزجر عن الحزن عليه والخوف عليه، هو حزن مفارقته لها، والخوف عليه خوف الهلاك؛ كقول يعقوب حيث قال: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ ذكر الحزن عند المفارقة والذهاب عنه، والخوف عند الهلاك، فرفع الله عنها حزن المفارقة، وبشرها بالرد إليها وجعله رسوله وأمنها عن الهلاك؛ فيكون قوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً ﴾ مما خافت عليه وحزنت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا ﴾ : كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها بما ذكر من قوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ...
﴾ الآية، فلم تكد أن تبدي، وهو كما ذكر: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ أي: كان يهم بها لو لم ير برهان ربّه لا أنه هم بها؛ وهو كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾ أي: كان يركن إليهم شيئاً قليلا لو لم يثبته، لكنه ثبته فلم يركن إليهم ونحوه؛ فعلى ذلك الأول.
وقال أهل التأويل: ربط قلبها بالإيمان.
وجائز أن يكون ربطه قلبها لما ذكر من قوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ...
﴾ الآية.
وقال بعضهم: ﴿ فَارِغاً ﴾ من عهد الله الذي كان عهد إليها، أنساها عهد الله عظم البلاء الذي حل بها، فكادت تبدي به، ثم تداركها الله بالرحمة فربط على قلبها فذكرت وارعوت.
وقال بعضهم: اتخذه فرعون ولداً، فصار الناس يقولون: ابن فرعون ابن فرعون، فأدركت أمه الرقة وحبّ الولد فكادت تقول: بل هو ابني، والأوّل أشبه، وفي حرف ابن مسعود وأبيّ وحفصة: ﴿ إن كادت لتشعر به ﴾ .
وقوله: ﴿ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ أي: اتبعي أثره.
وقوله: ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ ﴾ قيل: عن بعد، أي: كانت تتبع أثره عن بعد منه.
وقال بعضهم: الجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى موضع بعيد، وهو إلى جنبه بقرب منه، وذلك عند الناس معروف ظاهر فيهم ذلك.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ ﴾ قال: مشيت بجانبه وهي معرضة عنه كأجنبية.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : أن هذه تراقبه أو تنظر إليه وتحفظه.
أو لا يشعرون أن هلاكهم على يديه.
بصرت وأبصرت واحد.
وقوله: ﴿ عَن جُنُبٍ ﴾ : عن ناحية بعيدة، وجوانب: جماعة، ويقال: رجل جنب وقوم أجناب، وجانب وأجناب وأجانب وأجنبي أي: غريب، وهذا كله من الاجتناب؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقوله: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ ﴾ : حرم تحريم منع وحظر الذي ضده الإطلاق والإرسال، لا التحريم الذي ضده الحل، وذلك لطف من الله وفضل ورحمة؛ حيث منع موسى عن أن يرتضع من النساء وهو طفل، وهَمُّ أمثاله الارتضاع والرغبة في التناول من كل لبن ومن كل مرضع ترضعه لا تمييز لهم في الارتضاع؛ فدل امتناعه وكفه نفسه عن الارتضاع من النساء أجمع أن ذلك لطف من الله أعطاه ليمتنع عنه.
فعلى ذلك جائز أن يكون عند الله لطف لو أعطى الكافر الذي همته الكفر والرغبة فيه لآمن واهتدى، لكنه لما عرف رغبته وهمته فيه واختياره له منع ذلك عنه ولم يعطه.
وهذا الحرف ينقض على المعتزلة مذهبهم في زعمهم أن الله قد أعطى كل كافر السبب الذي به يؤمن وما به يصير مؤمناً، حتى لم يبق شيء مما يكون به إيمانه إلا وقد أعطاه، لكنه لم يؤمن، فينقض قولهم ما ذكرنا من أمر موسى أن عنده لطفاً لم يعطه لو أعطاه لآمن واهتدى، لكنه لم يعطه لما ذكرنا.
وفيه لطف آخر: وهو أن فرعون والقبط كانوا يقتلون الولدان من الذكور؛ ليصير الذي يخاف هلاكه وذهاب ملكه على يديه مقتولا، فجعل الله بلطفه ورحمته محبته في قلب فرعون وقلوب أهله، حتى صار أحب الخلق إليهم، وصاروا هم أشفق الناس وأرحمهم عليه، حتى خافوا هلاكه وطلبوا له المراضع؛ لئلا يهلك بعدما كانوا يطلبون هلاكه وتلفه، وذلك لطف منه له ورحمة، وهو ما قال: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ ، وبالله يستفاد كل فضل ونعمة.
وقوله: ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ .
قوله: ﴿ فَقَالَتْ ﴾ أي: أخته التي كانت تتبعه وتمشي على أثره، وذلك منها تعريض بالدلالة لهم إلى أمّه؛ لئلا يشعروا أنها أمّه حيث قالت: ﴿ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ ﴾ ، ولم تقل: على امرأة لها لبن وهي ترضع، ولعلها لو قالت لهم ذلك وقع عندهم أنها أمه، ولكن دلتهم إلى بيت ليقع عندهم أنهم أهل بيت قتل ولدهم ولهم ولد يكفلونه لكم، أي: يقبلونه ويضمونه إلى أنفسهم.
﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ : يحتمل قولهم: ﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ أي: لفرعون لا يخونونه فيه.
ويحتمل ﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ لموسى.
وقوله: ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ﴾ : بالمقام معه والكون عندها، ﴿ وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ : على فراقه.
أو أن يقال: ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: تسرّ بردّه إليها، وذلك معروف في النساء ظاهر أنهن يحزن بمفارقة أولادهن ويهممن لذلك، ويسررن إذا جعلوا إليهن واجتمعوا.
وقوله: ﴿ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ : كانت تعلم هي - والله أعلم - أن وعد الله حق كائن لا محالة، لكن علم خبر لا علم عيان ومشاهدة؛ كأنه قال: لتعلم علم عيان ومشاهدة ما علمت علم خبر؛ لأن علم العيان والمشاهدة أكبر وأبلغ وأتقى للشبهة من علم الإخبار؛ ألا ترى أن إبراهيم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى، وإن كان يعلم حقيقة أنه يحيي الموتى، وأنه قادر على ذلك، لكنه كان يعلمه علم خبر فأحبّ أن يعلمه علم عيان ومشاهدة؛ لأنه أكبر وأبلغ وأدفع للوساوس من علم الإخبار؟!
فعلى ذلك هذا.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : والمعتزلة فيهم؛ لأنه أخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين؛ حيث قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ ، وهم يقولون: أراد ألاَّ يملأ جهنم؛ لأنهم يقولون: إنه أراد إيمان كل الناس جميعاً وشاء ذلك لهم فلم يؤمنوا، فعلى قولهم: إذا شاء ذلك لهم شاء ألاَّ يملأ جهنم منهم، فذلك خلف في الوعد وكذب في القول على قولهم.
<div class="verse-tafsir"
فامتثلت ما ألهمناها من وضعه في صندوق، ورميه في النهر، فعثر عليه آل فرعون فأخذوه، ليتحقق ما أراداه الله من أن موسى سيكون عدوًّا لفرعون يزيل الله ملكه على يده، جالبًا لحزنهم، إن فرعون ووزيره هامان وأعوانهما كانوا آثمين بسبب كفرهم وطغيانهم، وإفسادهم في الأرض.
<div class="verse-tafsir" id="91.V2L45"