الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٨٦ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٦ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مذكرا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم : ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب ) أي : ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك ، ( إلا رحمة من ربك ) أي : إنما نزل الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك ، فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة ( فلا تكونن ظهيرا ) أي : معينا ) للكافرين ) [ أي ] : ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) يقول تعالى ذكره: وما كنت ترجو يا محمد أن ينـزل عليك هذا القرآن, فتعلم الأنباء والأخبار عن الماضين قبلك, والحادثة بعدك, مما لم يكن بعد, مما لم تشهده ولا تشهده, ثم تتلو ذلك على قومك من قريش, إلا أن ربك رحمك, فأنـزله عليك, فقوله: ( إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) استثناء منقطع.
وقوله: ( فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ) يقول: فاحمد ربك على ما أنعم به عليك من رحمته إياك, بإنـزاله عليك هذا الكتاب, ولا تكوننّ عونا لمن كفر بربك على كفره به.
وقيل: إن ذلك من المؤخَّر الذي معناه التقديم, وإن معنى اللام: إن الذي فرض عليك القرآن, فأنـزله عليك, وما كنت ترجو أن ينـزل عليك, فتكون نبيا قبل ذلك, لرادّك إلى معاد.
قوله تعالى : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب أي ما علمت أننا نرسلك إلى الخلق وننزل عليك القرآن إلا رحمة من ربك قال الكسائي : هو استثناء منقطع بمعنى ( لكن ) فلا تكونن ظهيرا للكافرين أي عونا لهم ومساعدا وقد تقدم في هذه السورة .
{ وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ } أي: لم تكن متحريا لنزول هذا الكتاب عليك، ولا مستعدا له، ولا متصديا.
{ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } بك وبالعباد، فأرسلك بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فإذا علمت أنه أنزل إليك رحمة منه، [علمت] أن جميع ما أمر به ونهى عنه، فإنه رحمة وفضل من اللّه، فلا يكن في صدرك حرج من شيء منه، وتظن أن مخالفه أصلح وأنفع.{ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } أي: معينا لهم على ما هو من شعب كفرهم، ومن جملة مظاهرتهم، أن يقال في شيء منه، إنه خلاف الحكمة والمصلحة والمنفعة.
قوله تعالى : ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب ) أي : يوحى إليك القرآن ( إلا رحمة من ربك ) قال الفراء : هذا من الاستثناء المنقطع ، معناه : لكن ربك رحمك فأعطاك القرآن ( فلا تكونن ظهيرا للكافرين ) أي : معينا لهم على دينهم .
قال مقاتل : وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكر الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه .
«وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب» القرآن «إلا» لكن ألقي إليك «رحمة من ربِّك فلا تكوننَّ ظهيراً» معيناً «للكافرين» على دينهم الذي دعوك إليه.
وما كنت -أيها الرسول- تؤمِّل نزول القرآن عليك، لكن الله سبحانه وتعالى رحمك فأنزله عليك، فاشكر لله تعالى على نِعَمه، ولا تكوننَّ عونًا لأهل الشرك والضلال.
ثم ذكره - سبحانه - بنعمة اختصاصه بالنبوة وحمل الرسالة ، فقال : ( وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) .أى : وما كنت - أيها الرسول الكريم - قبل وحينا إليك بالرسالة ، تتوقع أو تظن أننا سنكلفك بها ، لكننا كلفناك بها وشرفناك بحملها رحمة منها بالناس فأنت الرحمة المهداة والنعمة المسداة إليهم ، لإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان .
اعلم أنه تعالى لما بين أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علواً في الأرض ولا فساداً، بل هي للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: ﴿ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا ﴾ وفيه وجوه أحدهما: المعنى من جاء بالحسنة حصل له من تلك الكلمة خير.
وثانيها: حصل له شيء هو أفضل من تلك الحسنة، ومعناه أنهم يزادون على ثوابهم وقد مر تفسيره في آخر النمل، وأما قوله: ﴿ وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فظاهره أن لا يزادوا على ما يستحقون.
وإذا صح ذلك في السيئات دل أن المراد في الحسنات بما هو خير منها ما ذكرناه من مزيد الفضل على الثواب، قال صاحب الكشاف تقدير الآية: ومن جاء بالسيئة فلا يجزون إلا ما كانوا يعملون، لكنه كرر ذلك لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً فضل تهجين لحالهم وزيادة تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويجزي بالحسنة عشر أمثالها، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: قال تعالى: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ كرر ذلك الإحسان واكتفى بذكر الإساءة بمرة واحدة، وفي هذه الآية كرر ذكر الإساءة مرتين واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة، فما السبب؟
الجواب: لأن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة، فكانت المبالغة في الزجر عن المعصية لائقة بهذا الباب، لأن المبالغة في الزجر عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة.
وأما الآية الآخرى فهي شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى.
السؤال الثاني: كيف قال: لا تجزي السيئة إلا بمثلها؟
مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد والجواب: لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبداً لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه.
قال الجبائي: وهذا يدل على بطلان مذهب من يجوز على الله تعالى أن يعذب الأطفال عذاباً دائماً بغير جرم، قلنا لا يجوز أن يفعله وليس في الآية ما يدل عليه، ثم إنه سبحانه لما شرح لرسوله أمر القيامة واستقصى في ذلك، شرح له ما يتصل بأحواله فقال: ﴿ إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ ﴾ قال أبو علي: الذي فرض عليك أحكامه وفرائضه لرادك بعد الموت إلى معاد، وتنكير المعاد لتعظيمه، كأنه قال إلى معاد وأي معاد، أي ليس لغيرك من البشر مثله.
وقيل المراد به مكة، ووجهه أن يراد برده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معاداً له شأن عظيم لاستيلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفر والسورة مكية، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها ظاهراً ظافراً.
وقال مقاتل: إنه عليه السلام خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل عليه السلام وقال: تشتاق إلى بلدك ومولدك، فقال عليه السلام: «نعم»، فقال جبريل عليه السلام: فإن الله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ ﴾ يعني إلى مكة ظاهراً عليهم وهذا أقرب، لأن ظاهر المعاد أنه كان فيه وفارقه وحصل العود، وذلك لا يليق إلا بمكة، وإن كان سائر الوجوه محتملاً لكن ذلك أقرب، قال أهل التحقيق: وهذا أحد ما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر فيكون معجزاً، ثم قال: ﴿ قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى وَمَنْ هُوَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ ووجه تعلقه بما قبله أن الله تعالى وعد رسوله الرد إلى معاد، قال: ﴿ قُلْ ﴾ للمشركين ﴿ رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى ﴾ يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة ﴿ وَمَنْ هُوَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ يعنيهم وما يستحقون من العقاب في معادهم، ثم قال لرسوله ﴿ وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ ﴾ ففي كلمة إلا وجهان: أحدهما: أنها للاستثناء، ثم قال صاحب الكشاف: هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل: (وما ألقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك) ويمكن أيضاً إجراؤه على ظاهره، أي وما كنت ترجو إلا أن يرحمك الله برحمته فينعم عليك بذلك، أي ما كنت ترجو إلا على هذا والوجه الثاني: أن إلا بمعنى لكن للاستدراك، أي ولكن رحمة من ربك ألقى إليك ونظيره قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا ولكن رَّحْمَةً مّن رَّبِكَ ﴾ خصصك به، ثم إنه كلفه بأمور أحدها: كلفه بأن لا يكون مظاهراً للكفار فقال: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين ﴾ .
وثانيها: أن قال: ﴿ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايات الله بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ ﴾ الميل إلى المشركين، قال الضحاك وذلك حين دعوه إلى دين آبائه ليزوجوه ويقاسموه شطراً من مالهم، أي لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات الله.
وثالثها: قوله: ﴿ وادع إلى رَبّكَ ﴾ أي: إلى دين ربك، وأراد التشدد في دعاء الكفار والمشركين، فلذلك قال: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ﴾ لأن من رضي بطريقتهم أو مال إليهم كان منهم.
ورابعها: قوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ وهذا وإن كان واجباً على الكل إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل التعظيم، فإن قيل الرسول كان معلوماً منه أن لا يفعل شيئاً من ذلك ألبتة فما فائدة هذا النهي؟
قلنا لعل الخطاب معه ولكن المراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلاً في أمورك، فإن من وثق بغير الله تعالى فكأنه لم يكمل طريقه في التوحيد، ثم بين أنه لا إله إلا هو، أي لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلا هو، كقوله: ﴿ رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً ﴾ فلا يجوز اتخاذ إله سواء، ثم قال: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: ﴿ كُلُّ شَيْء هَالِكٌ ﴾ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم، والمعنى أن الله تعالى يعدم كل شيء سواه، ومنهم من فسر الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعاً به، إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء، وإن كانت أجزاؤه باقية، فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا يريدون به فناء أجزائه، بل خروجه عن كونه منتفعاً به، ومنهم من قال: معنى كونه هالكاً كونه قابلاً للهلاك في ذاته، فإن كل ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ما كان ممكن الوجود كان قابلاً للعدم فكان قابلاً للهلاك، فأطلق عليه اسم الهلاك نظراً إلى هذا الوجه.
واعلم أن المتكلمين لما أرادوا إقامة الدلالة على أن كل شيء سوى الله تعالى يقبل العدم والهلاك قالوا: ثبت أن العالم محدث، وكل ما كان محدثاً فإن حقيقته قابلة للعدم والوجود، وكل ما كان كذلك وجب أن يبقى على هذه الحالة أبداً، لأن الإمكان من لوازم الماهية، ولازم الماهية لا يزول قط، إلا أنا لما نظرنا في هذه الدلالة ما وجدناها وافية بهذا الغرض، لأنهم إنما أقاموا الدلالة على حدوث الأجسام والأعراض، فلو قدروا على إقامة الدلالة على أن ما سوى الله تعالى إما متحيز أو قائم بالمتحيز لتم غرضهم، إلا أن الخصم يثبت موجودات لا متحيزة ولا قائمة بالمتحيز، فالدليل الذي يبين حدوث المتحيز والقائم بالمتحيز لا يبين حدوث كل ما سوى الله تعالى إلا بعد قيام الدلالة على نفي ذلك القسم الثالث، ولهم في نفي هذا القسم الثالث طريقان أحدهما: قولهم لا دليل عليه فوجب نفيه وهذه طريقة ركيكة بينا سقوطها في الكتب الكلامية والثاني: قولهم لو وجد موجود هكذا لكان مشاركاً لله تعالى في نفي المكان والزمان والإمكان، ولو كان كذلك لصار مثلاً لله تعالى وهو ضعيف، لاحتمال أن يقال إنهما وإن اشتركا في هذا السلب إلا أنه يتميز كل واحد منهما عن الآخر بماهية وحقيقة، وإذا كان كذلك ظهر أن دليلهم العقلي لا يفي بإثبات أن كل شيء هالك إلا وجهه، والذي يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول ثبت أن صانع العالم واجب الوجود لذاته فيستحيل وجود موجود آخر واجب لذاته، وإلا لاشتركا في الوجوب وامتاز كل واحد منهما عن الآخر بخصوصيته، وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد منهما مركباً عما به المشاركة وعما به الممايزة وكل مركب ممكن مفتقر إلى جزئه، ثم إن الجزأين إن كانا واجبين كانا مشتركين في الوجوب ومتمايزين باعتبار آخر فيلزم تركب كل واحد منهما أيضاً ويلزم التسلسل وهو محال، وإن لم يكونا واجبين فالمركب عنهما المفتقر إليهما أولى أن لا يكون واجباً، فثبت أن واجب الوجود واحد وأن كل ما عداه فهو ممكن وكل ممكن فلابد له من مرجح، وافتقاره إلى المرجح، إما حال عدمه أو حال وجوده، فإن كان الأول ثبت أنه محدث، وإن كان الثاني فافتقار الموجود إلى المؤثر، إما حال حدوثه أو حال بقائه، والثاني باطل لأنه يلزم إيجاد الموجود وهو محال فثبت أن الافتقار لا يحصل إلا حال الحدوث، وثبت أن كل ما سوى الله تعالى محدث سواء كان متحيزاً أو قائماً بالمتحيز أو لا متحيزاً ولا قائماً بالمتحيز، فإن نقضت هذه الدلالة بذات الله وصفاته، فاعلم أن هناك فرقاً قوياً وإذا ثبت حدوث كل ما سواه وثبت أن كل ما كان محدثاً كان قابلاً للعدم ثبت بهذا البرهان الباهر أن كل شيء هالك إلا وجهه، بمعنى كونه قابلاً للهلاك والعدم، ثم إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا هذا أولى وذلك لأنه سبحانه حكم بكونها هالكة في الحال، وعلى ما قلناه فهي هالكة في الحال، وعلى ما قلتموه أنها ستهلك لا إنها هالكة في الحال، فكان قولنا أولى وأيضاً فالممكن إذا وجد من حيث هو لم يكن مستحقاً لا للوجود ولا للعدم من ذاته، فهذه الاستحقاقية مستحقة له من ذاته، وأما الوجود فوارد عليه من الخارج فالوجود له كالثوب المستعار له وهو من حيث هو هو كالإنسان الفقير الذي استعار ثوباً من رجل غني، فإن الفقير لا يخرج بسبب ذلك عن كونه فقيراً كذا الممكنات عارية عن الوجود من حيث هي هي، وإنما الوجود ثوب حصل لها بالعارية فصح أنها أبداً هالكة من حيث هي هي، أما الذين حملوه على أنها ستعدم فقد احتجوا بأن قالوا: الهلاك في اللغة له معنيان أحدهما: خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به الثاني: الفناء والعدم لا جائز حمل اللفظ على الأول لأن هلاكها بمعنى خروجها عن حد الانتفاع محال، لأنها وإن تفرقت أجزاؤها فإنها منتفع بها لأن النفع المطلوب كونها بحيث يمكن أن يستدل بها على وجود الصانع القديم، وهذه المنفعة باقية سواء بقيت متفرقة أو مجتمعة، وسواء بقيت موجودة أو صارت معدومة.
وإذا تعذر حمل الهلاك على هذا الوجه وجب حمله على الفناء.
أجاب من حمل الهلاك على التفرق قال: هلاك الشيء خروجه عن المنفعة التي يكون الشيء مطلوباً لأجلها، فإذا مات الإنسان قيل هلك لأن الصفة المطلوبة منه حياته وعقله، وإذا تمزق الثوب قيل هلك، لأن المقصود منه صلاحيته للبس، فإذا تفرقت أجزاء العالم خرجت السموات والكواكب والجبال والبحار عن صفاتها التي لأجلها كانت منتفعاً بها انتفاعاً خاصاً، فلا جرم صح إطلاق اسم الهالك عليها فأما صحة الاستدلال بها على الصانع سبحانه فهذه المنفعة ليست منفعة خاصة بالشمس من حيث هي شمس والقمر من حيث هو قمر، فلم يلزم من بقائها أن لا يطلق عليها اسم الهالك ثم احتجوا على بقاء أجزاء العالم بقوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض ﴾ وهذا صريح بأن تلك الأجزاء باقية إلا أنها صارت متصفة بصفة أخرى فهذا ما في هذا الموضع.
المسألة الثانية: احتج أهل التوحيد بهذه الآية على أن الله تعالى شيء، قالوا لأنه استثنى من قوله: ﴿ كُلّ شَيء ﴾ استثناء يخرج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت اللفظ، فوجب كونه شيئاً يؤكده ما ذكرناه في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿ قُلْ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله ﴾ واحتجاجهم على أنه ليس بشيء بقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ﴾ والكاف معناه المثل فتقدير الآية ليس مثل مثله شيء ومثل مثل الله هو الله فوجب أن لا يكون الله شيئاً، جوابه: أن الكاف صلة زائدة.
المسألة الثالثة: استدلت المجسمة بهذه الآية على أن الله تعالى جسم من وجهين: الأول: قالوا الآية صريحة في إثبات الوجه وذلك يقتضي الجسمية والثاني: قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وكلمة إلى لانتهاء الغاية وذلك لا يعقل إلا في الأجسام والجواب: لو صح هذا الكلام يلزم أن يفنى جميع أعضائه وأن لا يبقى منه إلا الوجه، وقد التزم ذلك بعض المشبهة من الرافضة.
وهو بيان ابن سمعان وذلك لا يقول به عاقل، ثم من الناس من قال الوجه هو الوجود والحقيقة يقال وجه هذا الأمر كذا أي حقيقته، ومنهم من قال الوجه صلة، والمراد كل شيء هالك إلا هو، وأما كلمة إلى فالمعنى وإلى موضع حكمه وقضائه ترجعون.
المسألة الرابعة: استدلت المعتزلة به على أن الجنة والنار غير مخلوقتين، قالوا لأن الآية تقتضي فناء الكل فلو كانتا مخلوقتين لفنيتا، وهذا يناقض قوله تعالى في صفة الجنة: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ ﴾ والجواب: هذا معارض بقوله تعالى في صفة الجنة: ﴿ أُعِدَّتْ للمتقين ﴾ وفي صفة النار ﴿ وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ ثم إما أن يحمل قوله: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ ﴾ على الأكثر، كقوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيء ﴾ أو يحمل قوله: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ ﴾ على أن زمان فنائهما لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائهما لا جرم أطلق لفظ الدوام عليه.
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ كُلُّ شَيْء هَالِكٌ ﴾ يدل على أن الذات ذات بالفعل، لأنه حكم بالهلاك على الشيء فدل على أن الشيء في كونه شيئاً قابل للهلاك، فوجب أن لا يكون المعدوم شيئاً، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
فإن قلت: قوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ ﴾ ما وجه الاستثناء فيه؟
قلت: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما ألقى عليك الكتاب إلا رحمه من ربك.
ويجوز أن يكون إلا بمعنى لكن للاستدراك، أي: ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ ﴾ أيْ سَيَرُدُّكَ إلى مَعادِكَ كَما ألْقى إلَيْكَ الكِتابَ وما كُنْتَ تَرْجُوهُ.
﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ ولَكِنْ ألْقاهُ رَحْمَةً مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مَحْمُولًا عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً.
﴿ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴾ بِمُداراتِهِمْ والتَّحَمُّلِ عَنْهم والإجابَةِ إلى طِلْبَتِهِمْ.
﴿ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ ﴾ عَنْ قِراءَتِها والعَمَلِ بِها.
﴿ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ ﴾ وقُرِئَ ( يَصُدُّنَّكَ ) مِن أصَدَّ.
﴿ وادْعُ إلى رَبِّكَ ﴾ إلى عِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ.
﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ بِمُساعَدَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى} يوحى {إِلَيْكَ الكتاب} القرآن {إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} هو محمول على المعنى أي وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة من ربك أو إلا بمعنى لكن للاستدراك أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك الكتاب {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين} معيناً لهم على دينهم
﴿ وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ أيْضًا أيْ سَيَرُدُّكَ إلى مَعادٍ كَما أنْزَلَ إلَيْكَ القُرْآنَ العَظِيمَ الشَّأْنِ وما كُنْتَ تَرْجُوهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ والطَّبَرْسِيُّ: هو تَذْكِيرٌ لِنِعْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ ألْقاهُ تَعالى إلَيْكَ رَحْمَةً مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِن أعَمِّ العِلَلِ أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ عَلى أنَّ المُرادَ نَفْيُ الإلْقاءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَيَكُونُ المَعْنى ما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ لِأجْلِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأجْلِ التَّرَحُّمِ أوْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ التَّرَحُّمِ ﴿ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴾ أيْ مُعِينًا لَهم عَلى دِينِهِمْ، قالَ مُقاتِلٌ: إنْ كُفّارَ مَكَّةَ دَعَوْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى دِينِ آبائِهِ فَذَكَّرَهُ اللَّهُ تَعالى نِعَمَهُ ونَهاهُ عَنْ مُظاهَرَتِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ يعني: أن ينزل عليك القرآن إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يعني: إلا كان الكتاب رَحْمَةً مّن رَّبّكَ.
ويقال: في الآية تقديم، ومعناه: إن الذى فرض عليك القرآن يعني: جعلك نبياً، ينزل عليك القرآن، وما كنت ترجو قبل ذلك أن تكون نبياً بوحي إليك، لرادك إلى معاد، إلى مكة ظاهراً قاهراً.
ويقال: إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يعني: لكن دين ربك رحمة، واختارك لنبوته، وأنزل عليك الوحي.
ثم قال: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ يعني: عوناً للكافرين حين دعوه إلى دين آبائه.
ثم قال عز وجل: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ يعني: لا يصرفنك عن القرآن والتوحيد بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ يعني: بعد ما أنزل إليك جبريل بالقرآن وَادْعُ إِلى رَبِّكَ يعني: ادع الخلق إلى توحيد ربك وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يعني: لا تكونن مع المشركين على دينهم قوله عز وجل: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي: لا تعبد غير الله.
ثم وحد الربّ نفسه فقال: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ يعني: كل عمل هالك لا ثواب له إلا ما يراد به وجه الله عز وجل.
ويقال: كل شيء متغير إلا ملكه، فإن ملكه لا يتغير، ولا يزول إلى غيره أبداً لَهُ الْحُكْمُ يعني: له القضاء، وله نفاذ الحكم يحكم ما يريد وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني: إليه المرجع في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم- وعن رسول الله أنه قال: «من قرأ سُورَةَ القَصَصِ كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَنْ صدق موسى وكذبه، وَلَمْ يَبْقَ مَلَكٌ فِي السموات وَالأرْضِ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، أنَّهُ كَانَ صَادِقاً فِي قَوْلِهِ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١) (٢) (٣) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .
(٣) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
وقوله: وَيْكَأَنَّ مذهبُ الخليلِ وسيبويه: أن «وي» حرف تنبيه منفصلة من (كأن) ، لكنْ أُضيفت لكثرة الاستعمال.
وقال أبو حاتم وجماعة: ويْكَ: هي (وَيْلَكَ) حذفتِ اللامُ منها لكثرةِ الاستعمال.
وقالت فرقة: «ويكأن» بجملتها كلمة.
وقوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ...
الآية: هذا إخبار مستأنف من الله تعالى لنبيه- عليه السلام-، يرادُ به جميعُ العالمِ، ويتضمنُ الحضَّ على السعيِ، حسبَ ما دلت عليه الآيةُ، ويتضمنُ الانحناءَ على حالِ قارونَ ونظرائه، والمعنى: أَنَّ الآخرةَ ليست في شيء من أمر قارون وأشباهه وإنما هي لمن صفتُه كذا وكذا، والعلو المذموم: هو بالظلم والتجبر، قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «وذلك أَن تريد أن يكون شراكُ نعلك أفضلَ من شراكِ نعلِ أخيك» ، والفسادُ يعمُّ وجوه الشر.
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ قالت فرقة: معناه فرض عليك أحكام القرآنِ.
وقوله تعالى: لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال الجمهور: معناه: لرادك إلى الآخرة، أي:
باعِثُكَ بعد الموت، وقال ابن عباس وغيره: المعاد: الجنة «١» ، وقال ابن عباس «٢» أيضا
ومجاهد «١» : المعادُ: مكة، وفي البخاري بسنده عن ابن عباس: لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ: إلى مكة، انتهى.
وهذه الآية نزلت بالْجُحْفَةِ كما تقدَّم، والمعاد: الموضع الذي يعاد إليه.
وقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ هو تعديد نعم، والظهيرُ: المعينُ.
وقوله تعالى: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ: بأقوالهم ولا تَلْتَفِتْ نحوهم وامضِ لِشَأْنِكَ، وادعُ إلى ربك، وآيات الموادَعَةِ كلُّها منسوخةٌ.
وقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ قالت فرقة: المعنى: كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا هو سبحانه قاله الطبري وجماعة منهم أبو المعالي- رحمه الله- وقال الزَّجَّاجُ: إلا إياه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الغارِ لَيْلًا، فَمَضى مِن وجْهِهِ إلى المَدِينَةِ فَسارَ في غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخافَةَ الطَّلَبِ؛ فَلَمّا أمِنَ رَجَعَ إلى الطَّرِيقِ فَنَزَلَ الجُحْفَةَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى مَكَّةَ، فاشْتاقَ إلَيْها، وذَكَرَ مَوْلِدَهُ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: أتَشْتاقُ إلى بَلَدِكَ ومَوْلِدِكَ؟
قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالجُحْفَةِ» .
وَفِي مَعْنى ﴿ فَرَضَ عَلَيْكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها فُرِضَ عَلَيْكَ العَمَلُ بِالقُرْآنِ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أعْطاكَ القُرْآَنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ والثّالِثُ: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآَنَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: إلى مَكَّةَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والضِّحاكُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعادُ الرَّجُلِ: بَلَدُهُ، لِأنَّهُ يَتَصَرَّفُ [فِي البِلادِ ويَضْرِبُ في الأرْضِ] ثُمَّ يَعُودُ إلى بَلَدِهِ.
والثّانِي: إلى مَعادِكَ مِنَ الجَنَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ.
فَإنِ اعْتَرَضَ عَلى هَذا فَقِيلَ: الرَّدُّ يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ كانَ فِيما رُدَّ إلَيْهِ؛ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا كانَ أبُوهُ آَدَمَ في الجَنَّةِ ثُمَّ أُخْرِجَ.
كانَ كَأنَّ ولَدَهُ أُخْرِجَ مِنها، فَإذا دَخَلَها فَكَأنَّهُ أُعِيدَ.
والثّانِي: أنَّهُ دَخَلَها لَيْلَةَ المِعْراجِ، فَإذا دَخَلَها يَوْمَ القِيامَةِ كانَ رَدًّا إلَيْها، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ.
والثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: رَجَعَ الأمْرُ إلى كَذا، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَوْنٌ فِيهِ قَطُّ، وأنْشَدُوا: [وَما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ] يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعٌ وَقَدْ شَرَحْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ .
والثّالِثُ: لَرادُّكَ إلى المَوْتِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
والرّابِعُ: لَرادُّكَ إلى القِيامَةِ بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والزَّجّاجُ.
ثُمَّ ابْتَدَأ كَلامًا يَرُدُّ بِهِ عَلى الكُفّارِ حِينَ نَسَبُوا النَّبِيَّ إلى الضَّلالِ، فَقالَ: ﴿ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ﴾ والمَعْنى قَدْ عَلِمَ أنِّي جِئْتُ بِالهُدى، وأنَّكم في ضَلالٍ مُبِينٍ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ نِعَمَهُ، فَقالَ: ﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ ﴾ أيْ: أنْ تَكُونَ نَبِيًّا وأنْ يُوحى إلَيْكَ القُرْآَنُ ﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: إلّا أنَّ رَبَّكَ رَحِمَكَ فَأنْزَلَهُ عَلَيْكَ ﴿ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴾ أيْ: عَوْنًا لَهم عَلى دِينِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِ آَبائِهِ فَأمَرَ بِالِاحْتِرازِ مِنهم؛ والخِطابُ بِهَذا وأمْثالُهُ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ دِينِهِ لِئَلّا يُظاهِرُوا الكُفّارَ ولا يُوافِقُوهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ.
والثّانِي: إلّا هو، قالَهُ الضَّحّاكُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ الحُكْمُ ﴾ أيِ: الفَصْلُ بَيْنَ الخَلائِقِ في الآخِرَةِ دُونَ غَيْرِهِ ﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ في الآخِرَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴾ هَذا إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ، يُرادُ بِهِ إخْبارُ جَمِيعِ العالَمِ وحَضُّهم عَلى السَعْيِ بِحَسْبِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ، وهَذا الحَضُّ يَتَضَمَّنُ الإنْحاءَ عَلى حالِ قارُونَ ونُظَرائِهِ، والمَعْنى أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ في شَيْءٍ مِن أمْرِ قارُونَ، إنَّما هي لِمَن صِفَتُهُ كَذا وكَذا، و"العُلُوُّ" المَذْمُومُ، وهو الظُلْمُ والتَجَبُّرُ، قالَ النَبِيُّ : «وَذَلِكَ أنْ تُرِيدَ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِكَ أفْضَلَ مِن شِراكِ نَعْلِ أخِيكَ»، و"الفَسادُ" يَعُمُ الوُجُوهَ مِنَ الشَرِّ، ومِمّا قالَ العُلَماءُ: هو أخْذُ المالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ خَبَرٌ مُنْفَصِلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ مَعْناهُ: إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ ولا بُدَّ، فَفي وصْفِ أمْرِ جَزاءِ الآخِرَةِ أنَّهُ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلَهُ خَيْرٌ مِنَ القَدْرِ الَّذِي يَقْتَضِي النَظَرُ أنَّهُ مُوازٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ، هَذا عَلى أنْ نَجْعَلَ الحَسَنَةَ في التَفْضِيلِ، وفي القَوْلِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: مِن ثَوابِها المُوازِي لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: لَهُ خَيْرٌ بِحَسْبَ حَسَنَتِهِ ومِن أجْلِها، وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ السَيِّئَةَ لا يُضاعَفُ جَزاؤُها فَضْلًا مِنهُ ورَحْمَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ ﴾ ، مَعْناهُ: أنْزَلَهُ عَلَيْكَ وأثْبَتَهُ، والفَرْضُ أصِلُهُ عَمَلٌ فَرَضَهُ في عُودٍ أو نَحْوِهُ، فَكَأنَّ الأشْياءَ الَّتِي تُثْبَتُ وتُمَكَّنُ وتَبْقى تُشْبِهُ ذَلِكَ الفَرْضَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أعْطاكَ القُرْآنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في هَذا القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ، والمَعْنى: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ ، فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ: إلى الآخِرَةِ، أيْ: باعِثُكَ بَعْدَ المَوْتِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَقْصِدُها إثْباتُ الحَشْرِ، والإعْلامُ بِوُقُوعِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: وغَيْرُهُما: المَعادُ: الجَنَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: المَعادُ: المَوْتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ الآيَةَ -عَلى هَذا- واعِظَةٌ ومُذَكِّرَةٌ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: المَعادُ مَكَّةُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالجَحْفَةِ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ في هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- مُعْلِمَةٌ بِغَيْبٍ قَدْ ظَهَرَ لِلْأُمَّةِ، ومُؤْنِسَةٌ بِفَتْحٍ، و"المَعادُ": المَوْضِعُ الَّذِي يُعادُ إلَيْهِ، وقَدِ اشْتَهَرَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُ مَعادٌ لِلْكُلِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ ﴾ الآيَةُ، آيَةُ مُتارَكَةٍ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٍ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، وسَمّاها مَعادًا إمّا مِن حَيْثُ قَدْ دَخَلَها النَبِيُّ في الإسْراءِ والمِعْراجِ وغَيْرِهِ، وإمّا مِن حَيْثُ قَدْ كانَ فِيها آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَهي مَعادٌ لِذَرِّيَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما قالَ هَذا مِن حَيْثُ تُعْطِي لَفْظَةَ "المَعادِ" أنَّ المُخاطَبَ قَدْ كانَ في حالٍ يَعُودُ إلَيْها، وهَذا وإنْ كانَ مِمّا يَظْهَرُ في اللَفْظَةِ فَيَتَوَجَّهُ أنْ يُسَمّى مَعادًا ما لَمْ يَكُنِ المَرْءُ فِيهِ مُجَوَّزًا؛ ولِأنَّها أحْوالٌ تابِعَةٌ لِلْمَعادِ الَّذِي هو النُشُورُ مِنَ القُبُورِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو ﴾ الآيَةُ.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مُضْمَنُهُ تَقْدِيرُ النِعْمَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ، وأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى رَحِمَهُ رَحْمَةً لَمْ يَحْتَسِبْها ولا بَلَغَها أمَلُهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو ﴾ الآيَةُ كَلامٌ مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ أيْ: وأنْتَ بِحالِ مَن لا يَرْجُو ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُلْقى إلَيْكَ ﴾ عِبارَةٌ عن إعْلانِ النُبُوَّةِ وتَبْلِيغِ القُرْآنِ، كَما تَقُولُ: ألْقى فَلانٌ إلى فُلانٍ بِالرِياسَةِ، ونَحْوُ هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ نُصِبَ عَلى اسْتِثْناءٍ مُنْقَطِعٍ، و"الظَهِيرُ": المُعِينُ، أيِ: اشْتَدَّ يا مُحَمَّدُ في تَبْلِيغِكَ، ولا تَلِنْ، ولا تَفْشَلْ، فَتَكُونَ مَعُونَتُهُ لِلْكافِرِينَ بِهَذا الوَجْهِ، أيْ: بِالفُتُورِ عنهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ .
عطف على جملة: ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن ﴾ [القصص: 85] الخ باعتبار ما تضمنته من الوعد بالثواب الجزيل أو بالنصر المبين، أي كما حملك تبليغ القرآن فكان ذلك علامة على أنه أعد لك الجزاء بالنصر في الدنيا والآخرة.
كذلك إعطاؤه إياك الكتاب عن غير ترقب منك بل بمحض رحمة ربك، أي هو كذلك في أنه علامة لك على أن الله لا يترك نصرك على أعدائك فإنه ما اختارك لذلك إلا لأنه أعد لك نصراً مبيناً وثواباً جزيلاً.
وهذا أيضاً من دلالة الجملة على معنى غير مصرح به بل على معنى تعريضي بدلالة موقع الجملة.
وإلقاءُ الكتاب إليه وحيه به إليه.
أطلق عليه اسم الإلقاء على وجه الاستعارة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ في سورة [النحل: 86- 87].
والاستثناء في ﴿ إلا رحمة من ربك ﴾ استثناء منقطع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخامر نفسه رجاء أن يبعثه الله بكتاب من عنده بل كان ذلك مجرد رحمة من الله تعالى به واصطفاء له.
﴿ مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ﴾ تفريع على جملة ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن ﴾ [القصص: 85] وما عطف عليها وما تخلل بينهما مما اقتضى جميعه الوعد بنصره وظهور أمره وفوزه في الدنيا والآخرة، وأنه جاء من الله إلى قوم هم في ضلال مبين، وأن الذي رحمه فآتاه الكتاب على غير ترقب منه لا يجعل أمره سُدًى فأُعقب ذلك بتحذيره من أدنى مظاهرة للمشركين فإن فعل الكون لما وقع في سياق النهي وكان سياق النهي مثل سياق النفي لأن النهي أخو النفي في سائر تصاريف الكلام كان وقوع فعل الكون في سياقه مفيداً تعميم النهي عن كل كون من أكوان المظاهرة للمشركين.
والظهير: المعين.
والمظاهرة: المعاونة، وهي مراتب أعلاها النصرة وأدناها المصانعة والتسامح، لأن في المصانعة على المرغوب إعانة لراغبه.
فلما شمل النهي جميع أكوان المظاهرة لهم اقتضى النهي عن مصانعتهم والتسامح معهم، وهو يستلزم الأمر بضد المظاهرة فيكون كناية عن الأمر بالغلظة عليهم كصريح قوله تعالى ﴿ واغلُظْ عليهم ﴾ [التوبة: 73].
وهذا المعنى يناسب كون هذه الآيات آخر ما نزل قبل الهجرة وبعد متاركته المشركين ومغادرته البلد الذي يعمرونه.
وقيل النهي للتهييج لإثارة غضب النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وتقوية داعي شدته معهم.
ووجه تأويل النهي بصرْفِه عن ظاهره أو عن بعض ظاهره هو أن المنهي عنه لا يُفرض وقوعه من الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يُنهى عنه فكان ذلك قرينة على أنه مُؤوّل.
وتوجيه النهي إليه عن أن يصدوه عن آيات الله في قوله ﴿ ولا يصدّنّك عن آيات الله ﴾ كناية عن نهيه عن أن يتقبل منهم ما فيه صد عن آيات الله كما يقول العرب: لا أعرفنّك تفعل كذا، كنوا به عن: أنه لا يفعله.
فيعرف المتكلم الناهي فعله.
والمقصود: تحذير المسلمين من الركون إلى الكافرين في شيء من شؤون الإسلام فإن المشركين يحاولون صرف المسلمين عن سماع القرآن ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه لعلكم تغلبون ﴾ [فصلت: 26].
وقيل هو للتهييج أيضاً، وتأويل هذا النهي آكد من تأويل قوله ﴿ فلا تكونن ظهيراً للكافرين ﴾ .
ويجوز أن يكون النهي في ﴿ لا يصدَّنَّك ﴾ نهْيَ صِرفَة كما كان الأمر في قوله ﴿ فقال لهم الله موتوا ﴾ [البقرة: 243] أمرَ تكوين.
فالمعنى: أن الله قد ضمن لرسوله صرف المشركين عن أن يصدوه عن آيات الله وذلك إذ حال بينه وبينهم بأن أمره بالهجرة ويسَّرها له وللمسلمين معه.
والتقييد بالبعدية في قوله ﴿ بعد إذ أُنْزِلت إليك ﴾ لتعليل النهي أياما كان المراد منه، أي لا يجوز أن يصدّوك عن آيات الله بعد إذ أنزلها إليك فإنه ما أنزلها إليك إلا للأخذ بها ودوام تلاوتها، فلو فرض أن يصدوك عنها لذهب إنزالها إليك بُطلاً وعبثاً كقوله تعالى ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ [البقرة: 213].
والأمر في قوله ﴿ وادع إلى ربّك ﴾ مستعمل في الأمر بالدوام على الدعوة إلى الله لا إلى إيجاد الدعوة لأن ذلك حاصل، أي لا يصرفك إعراض المشركين عن إعادة دعوتهم إعذاراً لهم.
ويجوز أن يكون الدعاء مستعملاً في الأكمل من أنواعه، أي أنك بعد الخروج من مكة أشد تمكناً في الدعوة إلى الله مما كنت من قبل لأن تشغيب المشركين عليه كان يرنِّق صفاء تفرغه للدعوة.
وجميع هذه النواهي والأوامر داخلة في حَيّز التفريع بالفاء في قوله ﴿ فلا تكونَنّ ظهيراً للكافرين ﴾ .
أما قوله ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ فإن حُملت ﴿ مِنْ ﴾ فيه على معنى التبعيض كان النهي مؤوّلاً يمثل ما أولوا به النهيين اللذين قبله أنه للتهييج، أو أن المقصود به المسلمون.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ والفَرّاءُ.
الثّانِي: أعْطاكَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أوْجَبَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِهِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الرّابِعُ: حَمَّلَكَ تَأْدِيَتَهُ وكَلَّفَكَ إبْلاغَهُ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الخامِسُ: بَيَّنَهُ عَلى لِسانِكَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أيْ قَدَّرَ عَلَيْكَ إنْزالَهُ في أوْقاتِهِ لِأنَّ الفَرْضَ التَّقْدِيرُ.
﴿ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلى مَكَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ نُعَيْمٌ القارِيُّ.
الثّالِثُ: إلى المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: إلى الجَنَّةِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الجُحْفَةِ حِينَ عَسَفَ بِهِ الطَّرِيقُ إلَيْها فَلَيْسَتْ مَكِّيَّةً ولا مَدَنِيَّةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ إلّا هو، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
الثّالِثُ: إلّا مُلْكُهُ، حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ البُخارِيُّ.
الرّابِعُ: إلّا العُلَماءُ فَإنَّ عِلْمَهم باقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: إلّا جاهُهُ كَما يُقالُ لِفُلانٍ وجْهٌ في النّاسِ أيْ جاهٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
السّادِسُ: الوَجْهُ العَمَلُ ومِنهُ قَوْلُهم: مَن صَلّى بِاللَّيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَّهارِ أيْ عَمَلُهُ.
وَقالَ الشّاعِرُ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبَّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ ﴿ لَهُ الحُكْمُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: القَضاءُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ مِن أمْرِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: أنْ لَيْسَ لِعِبادِهِ أنْ يَحْكُمُوا إلّا بِأمْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُثِيبُ المُحْسِنَ ويُعاقِبُ المُسِيءَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله: ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ﴾ إلى مكة.
وأخرج ابن مردويه عن علي بن الحسين بن واقد رضي الله عنه قال: كل القرآن مكي أو مدني غير قوله: ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ﴾ فإنها أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة حين خرج مهاجراً إلى المدينة.
فلا هي مكية ولا مدنية، وكل آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة فهي مكية.
فنزلت بمكة أو بغيرها من البلدان، وكل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنها مدنية.
نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: إلى مكة.
زاد ابن مردويه ﴿ كما أخرجك منها ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: إلى مولدك؛ إلى مكة.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه، مثله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: الموت.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: الموت.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وأبو يعلى وابن جرير عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: إلى يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه، مثله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ﴾ قال: يحييك يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: إن له معاداً يبعثه الله يوم القيامة، ثم يدخله الجنة.
وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: معاده الجنة، وفي لفظ ﴿ معاده ﴾ آخرته.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: إلى معدنك من الجنة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ﴾ قال: لرادك إلى الجنة، ثم سائلك عن القرآن.
وأخرج الفريابي عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: إلى الجنة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: هذه مما كان يكتم ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرج ابن أبي حاتم عن نعيم القاري رضي الله عنه ﴿ لرادك إلى معاد ﴾ قال: إلى بيت المقدس.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ قال ابن عباس: أن يوحى إليك القرآن (١) وقال الكلبي: ما كنت ترجو أن تكون نبيًا (٢) وقال مقاتل: أن ينزل عليك القرآن، يذكره النعم (٣) وقوله: ﴿ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: رحمةً مني سبقت لك، وأنت في صلب آدم.
وقال مقاتل: يقول: كان الكتاب رحمة، يعني: نعمة من ربك، حين اختُصِصت بها يا محمد (٤) قال الفراء: هذا من الاستثناء المنقطع؛ ومعناه: وما كنت ترجو أن تعلم كتب الأولين وقصصهم، تتلوها على أهل مكة، ولم تحضرها ولم تشهدها إلا أن ربك رحمك (٥) ﴿ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ﴾ معينًا للكافرين على دينهم (٦) (١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3027، عن ابن عباس، والحسن.
(٢) "تنوير المقباس" 331.
(٣) "تفسير مقاتل" 70 أ.
(٤) "تفسير مقاتل" 70 أ.
(٥) "معانى القرآن" للفراء 2/ 313.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 158.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب ﴾ أي ما كنت تطمع أن تنال النبوّة، ولا أن ينزل عليك الكتاب، ولكن الله رحمك بذلك ورحم الناس بنبوّتك، والاستثناء بمعنى لكن فهو منقطع.
ويحتمل أن يكون متصلاً.
والمعنى ما أنزل عليك الكتاب إلا رحمة من ربك لك ورحمة للناس، ورحمة على هذا مفعول ما أجله أو حال، وعلى الأول منصوب على الاستثناء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عندي أولم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن فليح وأبو عمرو وخزاعي عن أصحابه وابن مجاهد وأبو عون والسرندي عن قنبل.
الباقون بالإسكان ﴿ ويكأن ﴾ ﴿ ويكأنه ﴾ الوقف على الياء: أبو عمرو ويعقوب ﴿ ويك ﴾ الوقف على الكاف و ﴿ ويكأنه ﴾ موصولة: روى السوسي عن السرندي وهو مذهب حمزة.
الباقون كلاهما موصلان ﴿ لخسف ﴾ على البناء للفاعل: سهل ويعقوب وحفص ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ بضياء ﴾ ط ﴿ تسمعون ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ص لأن الواو للحال أي وقد آتينا مع طول الكلام ﴿ القوّة ﴾ ط بناء على أن التقدير و"أذكر" إذ قال: وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ تنوء ﴾ فلا وقف ﴿ الفرحين ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ عندي ﴾ ط ﴿ جمعاً ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ في زينته ﴾ ط لعدم العاطف واختلاف القائل.
﴿ قارون ﴾ لا لأن ما بعده تعليل التمني ولو ابتدأنا لحكمنا بأنه ذو حظ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ج لأن ما بعده احتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله، واحتمل أن يكون من قول أهل العلم ﴿ الصابرون ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ق قد قيل: لتفصيل الاعتبار ﴿ المنتصرون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج للابتداء بلولا مع اتحاد المقول ﴿ لخسف بنا ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ولا فساداً ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ج لعطف جملة الشرط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معاد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ للكافرين ﴾ ه ز للآية مع العطف ﴿ المشركين ﴾ ه للآية وخلو المعطوف عن نون التأكيد التي خلت المعطوف عليه مع اتفاق الجملتين آخراً احترازاً من إيهام كون ما بعده صفة ﴿ آخر ﴾ ه ﴿ لا إله إلا هو ﴾ ط ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: لما بين حقيقة آلهيته واستحقاقه للحمد المطلق وأن مرجع الكل إلى حكمته وقضائه، أتبعه بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه أحد سواه وهو تبديل ظلام الليل بضياء النهار وبالعكس.
والمعنى: أخبروني من يقدر على هذا؟
والسرمد الدائم المتصل من السرد، والميم زائدة، وانتصابه على أن مفعول ثانٍ لجعل أو على الحال، وإلى متعلق بجعل أو بـ ﴿ سرمداً ﴾ ، ومنافع الليل والنهار والاستدلال بهما على كمال قدرة الله تعالى قد تقدمت مراراً.
قال جار الله: وإنما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قيل: ﴿ بليل تسكنون فيه ﴾ لأن الضياء وهو ضوء الشمس تتعلق به المنافع المتكاثرة وليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثَمّ قرن بالضياء ﴿ أفلا تسمعون ﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل ﴿ أفلا تبصرون ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.
قال الكلبي: ﴿ أفلا تسمعون ﴾ معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك.
وقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.
وقال أهل البرهان: قدم الليل على النهار لأن ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل.
وإنما ختم الاية الأولى بقوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ بناء على الليل، وختم الأخرى بقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ بناء على النهار والنهار مبصر وآية النهار مبصرة.
ثم بين أن من رحمته زواجه بين الليل والنهار لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ولإرادة الشكر على النعمتين جميعاً.
وفي الآية طريقة اللف ثقة بفهم السامع وذلك لأن السكون بالنهار وإن كان ممكناً وكذا الابتغاء من فضل الله بالليل إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره فلهذا خصه به.
وفي تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء دليل على أنه لا شيء أسخط عند الله من الإشراك به، ويعلم منه أنه لا شيء أجلب لرضاه من الشهادة بوحدانيته.
وفحوى الخطاب: أين الذين ادّعيتم إلهيتهم لتخلصكم أو أين الذين قلتم إنها تقربكم إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله؟
فيكون ذلك زيادة في غمهم.
ومعنى ﴿ ونزعنا ﴾ وأخرجنا ﴿ من كل أمة شهيداً ﴾ قال بعضهم: هونبيهم لأن الأنبياء يشهدون أنهم بلغوا أمتهم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زيادة في غمهم أيضاً.
وقال آخرون: بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان، ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب، لأنه عم كل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه أزمنة الفترات والأزمنة التي بعد محمد .
﴿ فقلنا ﴾ للأمة ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ فيما كنتم عليه من الشرك وخلاف الرسول ﴿ فعلموا ﴾ حينئذ ﴿ أن الحق لله ﴾ ورسوله وغاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من الباطل والزور.
ثم عقب حديث أهل الضلال بقصة قارون.
وهو اسم أعجمي ولهذا لم ينصرف بعد العلمية ولو كان "فاعولاً" من قرن لا نصرف.
والظاهر أنه كان ممن آمن بموسى، هذا ظاهر نص القرآن ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة.
قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى.
وقيل: كان موسى ابن أخيه وكان يسمى المنوّر لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة إلا أنه نافق كما نافق السامري.
وقال: إذا كانت النبوّة لموسى والذبح والقربان إلى هارون فما لي؟
وفي قوله ﴿ فبغى عليهم ﴾ وجوه أحدها: أن بغيه استخفافه بالفقراء.
وثانيها أن ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم.
وقال القفال: معناه طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده.
وقال الضحاك: طغى عليهم واستطال فلم يوافقهم في أمر.
ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم ومثله عن شهر بن حوشب قال: بغيه أنه زاد عليهم في الثياب شبراً فهذا يعود إلى التكبر.
الكلبي: بغيه حسده وذلك أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة له والوزارة لهارون، وكان القربان إلى موسى فجعله إلى هارون فوجد قارون في نفسه حسدهما فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء إلى متى اصبر؟
قال موسى: هكذا حكم الله.
قال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يأتي كل واحد بعصا فألقى مجموع العصيّ في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها فأصبحوا فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر.
واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال كما أخبر الله عن ذلك بقوله ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ سأل الكلبي: الستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف إيتاء مال قارون إلى نفسه؟
فأجاب بأنه لا حجة في أن ماله حرام لجواز أنه ظفر بكنز لبعض الملوك الخالية، وكان الظفر عندهم طريق التملك، أو لعله وصل إليه بالإرث من جهات، أو بالكسب من جهة المضاربات وغيرها.
والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به الباب، أو جمع مفتح بالفتح وهو الخزانة.
فمن الناس من طعن في القول الأول لأن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوأة من الذهب لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ولهذا قال أبو رزين: يكفي للكوفة مفتاح واحد.
وأيضاً الكنوز هي الأموال المدفونة في الأرض ولا يتصوّر لها مفتاح.
أجاب الناصرون للقول الأول وهو اختيار ابن عباس والحسن: أن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقود جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد.
وأيضاً ما روي أن مفاتيحه كانت من جلود الإبل وكل مفتاح إصبع ولكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب حملت المفاتيح ستون بغلاً غير مذكور في القرآن.
فالصواب أن يفسر قوله ﴿ لتنوء ﴾ أي تنهض مثقلاً بأن تلك الخزائن يعسر ضبطها ومعرفتها على أهل القوّة في الحساب، وقريب منه قول أبي مسلم: إن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ والمراد أن حفظها والاطلاع عليها يثقل على العصبة أولي القوّة والمتانة في الرأي.
وظاهر الكنوز وإن كان من جهة العرف هو المال المدفون إلا أنه قد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق.
وأيضاً لا استبعاد في أن يكون موضع المال المدفون بيتاً تحت الأرض له غلق ومفتاح معه.
و ﴿ لا تفرح ﴾ كقوله ﴿ ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن ورضي بها.
قال ابن عباس: كان حبه ذلك شركاً لأنه ما كان يخاف معه عقوبه الله : ﴿ وابتغ فيما آتاك الله ﴾ من المال والثروة ﴿ الدار الآخرة ﴾ يعني أسباب حصول سعاداتها من أصناف الخيرات والمبرات الواجبة والمندوبة فإن ذلك هو نصيب المؤمن من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولا تنسَ نصيبك من الدنيا ﴾ ويحتمل أن يراد به اللذات المباحة.
وحين أمروه بالإحسان المالي أمروه بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن الغيبة والحضور.
وفي قوله ﴿ كما أحسن الله إليك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ وإلى ما قال الحكماء: المكافأة في الطبيعة واجبة.
و ﴿ الفساد في الأرض ﴾ المنهي عنه هو ما كان عليه من الظلم والبغي.
وهذا القائل موسى أو مؤمنو قومه وهو ظاهر اللفظ.
وكيف كان فقد جمع في هذه الألفاظ من الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد لكنه أبي أن يقبل بل تلقى النصح بكفران النعمة قائلاً ﴿ إنما آوتيته على علم عندي ﴾ قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك.
وقال سعيد بن المسيب والضحاك: إن موسى أنزل عليه الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وطالوت ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً.
وقيل: أراد علمه بوجوه المكاسب والتجارات.
وقيل: أراد إن الله أعطاني ذلك على علم له بحالي وباستئهالي لذلك.
وقوله ﴿ عندي ﴾ الأمر كذلك اي في اعتقادي وفي ظني فأجابه الله بقوله ﴿ أولم يعلم ﴾ الآية.
قال علماء المعاني: يجوز أن يكون المعنى بالاستفهام إثباتاً لعلمه لأنه قد قرأ في التوراة أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية وحفظها من موسى وغيره فكأنه قيل: إنه قد علم ذلك فلم اغتر بكثرة ماله وأعوانه؟
ويجوز أن يراد به نفي العلم لأنه لما تحدّى بكونه من أهل العلم حيث قال ﴿ على علم عندي ﴾ وبخه الله أنه لم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهلكى.
ووجه اتصال قوله ﴿ ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ بما قبله أنه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه عالم بكل المعلومات.
وقال أبو مسلم: أراد أنهم لا يسألون سؤال استيقان وإنما يسألون سؤال تقريع ومحاسبة ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ عن الحسن: في الحمرة والصفرة.
وقيل: خرج على بغلة شهباء عليه ثوب أحمر أرجواني، وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه.
وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عيلهن الحلى والثياب الفاخرة.
وقيل: في تسعين ألفاً عليهم الثياب الصفر.
قال الراغبون في الحياة العاجلة ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إِنه لذو حظ عظيم ﴾ والحظ الجد والبخت.
عن قتادة: كانوا مسلمين تمنوا ذلك رغبة في الإنفاق في سبيل الخير.
وقال آخرون: كانوا كفاراً وقد مر في سورة النساء تحقيق الغبطة والحسد في قوله ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ ﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ بأحوال الدنيا وأنها عند الآخرة كلا شيء ﴿ ويلكم ﴾ وأصله الدعاء بالهلاك إلا أنه قد يستعمل في الردع والزجر بطريق النصح والإِشفاق، والضمير في قوله ﴿ ولا يلقاها ﴾ عائد إلى الكلمة المذكورة وهي قوله ﴿ ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ﴾ أو إلى الصواب بمعنى المثوبة.
أو بتأويل الجنة، أو إلى السير والطريقة أي لا يلزم هذه السيرة ﴿ إلا الصابرون ﴾ على الطاعات وعن الشهوات وعلى ما قسم الله وحكم به من الغنى وضده، وظاهر حال قارون ينبئ عن أنه كان ذا أشر وبطر واستخفاف بحقوق الله واستهانة بنبيه وكتابه، فلا جرم خسف الله به وبدراه الأرض، إلا أن المفسرين فصلوا فقالوا: كان يؤذي نبي الله موسى وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل الف درهم على درهم، فحسبه فاستكثر فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمر بما شئ.
فقال: ائتوا إلى فلانة البغي حتى ترميه بنفسها في جمع بني إسرائيل فجعل لها ألف دينار أو طستاً مملوءاً من ذهب.
فلما كان يوم عيد قام موسى فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه.
فقال قارون: وإن كنت أنت؟
قال: وإن كنت أنا.
قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة.
فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك.
فقال: يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فيعتزل فاعتزلوا جميعهاً غير رجلين.
ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط.
ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون واصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه.
ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم.
فأوحى الله إلى موسى ما أفظك!
استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً.
قلت: لعل استغاثته كانت مقرونة بالتوبة وإلا فالعتاب بعيد.
ثم إن بني إسرائيل أصبحوا يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستفيد داره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله.
ومعنى ﴿ من المنتصرين ﴾ من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله ﴿ وأصبح الذين تمنوا مكانه ﴾ أي منزلته من الدنيا وأسبابها ﴿ بالأمس ﴾ أي بالزمان المتقدم ﴿ يقولون ﴾ راغبين في طاعة الله والرضا بقضائه وقسمته ﴿ ويكأن الله ﴾ من قرأ ﴿ وي ﴾ مفصولة عن ﴿ كأن ﴾ وهو مذهب الخليل وسيبويه فهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم كأنهم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وتندموا ثم قالوا ﴿ كأنه لا يفلح الكافرون ﴾ أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح نظير هذا الاستعمال قول الشاعر: ويكأن من يكن له نشب يحـ *** ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر وعند الكوفيين: ويك بمعنى ويلك أي ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون.
حكى هذا القول قطرب عن يونس، وجوّز جار الله أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى ﴿ وي ﴾ واللام مقدر قبل أن لبيان المقول لأجله هذا القول والتعليل أي لأنه لا يفلح الكفار كان ذلك الخسف.
قال في الكشاف قوله ﴿ تلك ﴾ تعظيم للدار الآخرة وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت ذكرها وبلغك وصفها.
قلت: يحتمل أن يكون للتبعيد حقيقة.
وفي قوله ﴿ لا يريدون ﴾ دون أن يقول "يتركون" زجر عظيم ووعظ بليغ كقوله ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ حيث علق الوعيد بالركون عن علي أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحته.
ومن الناس من رد العلو إلى فرعون والفساد إلى قارون لقوله ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ وقال في قصة قارون ﴿ ولا تبغ الفساد في الأرض ﴾ وضعف هذا التخصيص بيِّن لقوله في خاتمة الآية ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ قوله ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ الآية، قد مر تفسير مثله في آخر "الأنعام" وفي آخر "النمل".
وقوله ﴿ فلا يجزى الذين عملوا السيئات ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر إذ كان يكفي أن يقال: "فلا تجزون" إلا أنه أراد فضل تهجين لحالهم بإسناد عمل السيئات إليهم مكرراً، وفي ذلك لطف للسامعين في زيادة تبغيض السيئة إلى قلوبهم.
ثم أراد أن يسلي رسوله في خاتمة السورة فقال ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن ﴾ أي أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ وأي معاد فتنكير المعاد للتعظيم وأنه ليس لغيره من البشر مثله يعني أن الذي حملك صعوبة تكلي التبليغ وما يتصل به لمثيبك عليها ثواباً لا يحيط به الوصف.
وقيل: أراد عوده إلى مكة يوم الفتح، ووجه التنكير ظاهر لأن مكة يومئذ كانت معاداً له شأن لغلبة المسلمين وظهور عز الإسلام وأهله وذل أهل الشرك وحزبه والسورة مكية.
فقيل: وعده وهو بمكة في أذى من أهلها أنه مهاجر بالنبي منها ويعيده إليها في ظفر ودولة.
وقيل: نزلت عليه هذه الآية حين بلغ الجحفة في مهاجرة وقد اشتاق إلى وطنه.
وفي الآية إخبار عن الغيب وقد وقع كما أخبر فيكون فيه إعجاز دال على نبوّته.
وحين وعد رسوله الردّ إلى المعاد المعتبر قال ﴿ قل ﴾ لأهل الشرك ﴿ ربي أعلم ﴾ يعني نفسه وإياهم بما يستحقه كل من الفريقين في معاده، ولا يخفى أن هذا كلام منصف واثق بصدقه وحقيته.
ثم ذكر رسوله ما أنعم به عليه فقال ﴿ وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ﴾ قال أهل العربية: هذا الاستثناء محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة، أو "إلا" بمعنى "لكن" أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك.
ثم نهاه عن اتباع أهواء أهل الشرك وقد مرّ مراراً أن مثل هذا النهي من باب التهييج له ولأمته.
ثم إن مرجع الكل إليه فقال ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم أي يعدم كل شيء سواه، والوجه يعبر به عن الذات، ومنهم من فسر الهلاك بخروجه عن كونه منتفعاً به منفعته الخاصة به إما بالإماتة أوبتفريق الأجزاء كما يقال "هلك الثوب وهلك المتاع" وقال أهل التحقيق: معنى الهلاك كونه في حيز الإمكان غير مستحق للوجود ولا للعدم من عند ذاته، وإن سميت المعدوم شيئاً فممتنع الوجود أحق كل شيء بأن يسمى هالكاً.
استدلت المعتزلة بالآية على أن الجنة والنار غير مخلوقتين لأنهما لو كانتا مخلوقتين لعرض لهما الفناء بحكم الآية، وهذا يناقض قوله ﴿ أكلها دائم ﴾ وعورض بقوله ﴿ اعدّت للمتقين ﴾ و ﴿ أعدت للكافرين ﴾ ويحتمل أن يقال الكل بمعنى الأكثر ومن هناك قال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار.
وقيل: إلا العلماء فإن علمهم باق.
ويمكن أن يقال إن زمان فناء الجنة لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها فلا جرم أطلق لفظ الدوام عليه ومن فسر الهلاك بالإمكان فلا إشكال والله أعلم.
التأويل: ﴿ أرايتم إن جعل الله عليكم ﴾ ليل الفراق عند استيلاء ظلمة البشرية ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ نهار الوصل والتجلي ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ﴾ نهار الوصل بطلوع شمس التجلي ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بليل ﴾ سر تسكنون فيه عن وعثاء سطوة التجلي ﴿ ومن رحمته جعل لكم ﴾ ليل السر ونهار التجلي فإن العاشق لو دام في التجلي كان يستهلك وجوده، وكان النبي يقول "إنه ليغان على قلبي" وقال لعائشة: كلميني يا حميراء.
وذلك لتخرجه من سطوات شمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب.
وليس هذا السر من قبيل الحجاب وإنما هو من جملة الرحمة واللطف نظيره الشمس في عالم الصورة فإنها في خط الاستواء تحرق، وفي الآفاق الرحوية لا تؤثر، وفي الآفاق الحملية يعتدل الحر والبرد فتكثر العمارة وتسهل ويعيش الحيوان ﴿ ونزعنا من كل أمة ﴾ من أرباب النفوس ﴿ شهيداً ﴾ هو القلب الحاضر ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ وهو حقيقة التوحيد التي لا تحصل بالفعل إلا بجذبة خطاب الحق فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق لله ﴿ إن قارون ﴾ النفس ﴿ كان من قوم موسى ﴾ القلب لأن الله جعل النفس تبعاً للقلب وجعل سعادتها في متابعة ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ المودعة في صفاتها قد أهلك من قبله من القرون كإبليس فإنه أكثر علماً وطاعة ﴿ في زينته ﴾ هي التي زين حبها للناس من النساء والبنين وغير ذلك ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ وهم صفات النفس.
﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ وهو صفات الروح ﴿ فخسفنا به ﴾ الأرض دركات السفل ﴿ وبداره ﴾ وهي قالبه أرض جهنم يتغلغل فيها إلى يوم القيامة بل إلى الأبد ﴿ نجعلها للذين لا يريدون ﴾ كما قال في بعض الكتب المنزلة: عبدي أنا ملك حي لا أموت أبداً، أطعني أجعلك ملكاً حياً لا تموت أبداً.
عبدي أنا ملك إذا قلت لشيء كن فيكون، أطعني أجعلك ملكاً إذا قلت لشيء كن فيكون.
وعن النبي "عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت" ﴿ إن الذي فرض ﴾ أي أوجب عليك التخلق بخلق القرآن ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ هو مقام الفناء في الله والبقاء به ﴿ قل ربي أعلم من جاء بالهدى ﴾ وهو بذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي ﴿ إلا رحمة من ربك ﴾ أي إلا أنا ألقينا الكتاب إليك إلقاء الإكسير على النحاس فتخلقت بخلق القرآن والله المستعان.
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَاد ﴾ : اختلف في قوله: ﴿ فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ؛ قال بعضهم: ﴿ فَرَضَ ﴾ أي: نزل عليك.
وقال بعضهم: فرض عليك العمل بالقرآن.
وقال بعضهم: فرض تبليغ ما أنزل عليك [من] القرآن والرسالة إلى الناس.
واختلف أيضاً في قوله: ﴿ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَاد ﴾ : قال بعضهم: إلى مكة.
وقال بعضهم: المعاد: هو البعث والساعة.
وقال بعضهم: المعاد: الجنة، ويقال: الموت؛ وكله البعث، والمعاد هو البعث في الظاهر.
وجائز أن تسمّى مكة: معادا؛ لما يعود الناس إليها مرة بعد مرة، كما تسمى: مثابة؛ لما يثوب الناس إليها مرة بعد مرة.
لكن من يقول بأن المعاد هو مكة يقول: إن النبي لما أمر بالهجرة إلى المدينة فهاجر إليها اشتاق إلى بلده ومولده ومولد آبائه، فنزل جبريل عليه بهذه الآية بشارة في العود إليها ظاهراً عليهم، قاهراً، فاتحاً له مكة؛ هذا تأويل من يقول بأن المعاد هو مكة.
وجائز أن يكون على غير هذا، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: كأنه حزن على الفراق منه إشفاقاً على هلاكهم لإخراجهم الرسول من بين أظهرهم؛ لأن الأمم السالفة إذا خرج من بينهم الرسل نزل بهم العذاب؛ فخاف أنهم لما أخرجوا من بين أظهرهم وأبوا إجابته أن يهلكوا أو يعذبوا؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ، فبشر بهذا أن ترد إليها وستعود إليهم، فيتبعونك ويؤمنون بك، وهم لا يهلكون إهلاك استئصال وتعذيب كسائر الأمم.
والثاني: يذكر على الامتنان عليه؛ يقول: إن الذي أنزل عليك القرآن وألقاه عليك بعد ما لم تكن ترجو إلقاءه عليك وإنزاله، ولكن برحمته ومنته ألقاه إليك وأنزله عليك حيث قال: ﴿ وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ ؛ فعلى ذلك يردّك إلى مكة بعدما لم تكن ترجو ردّك وعودك إليها.
وإن كان المعاد: هو البعث؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: على البشاره؛ كأنه يقول: إن الذي فرض عليك القرآن يردّك ويبعثك بمن كذبك وبمن صدقك، فينتقم من مكذبيك جزاء التكذيب، ويجزي من يصدقك جزاء التصديق.
والثاني: يذكره ويخاطبه، وإنما يريد به قومه، أي: سيبعثون وسيعودون إليها، فيكون كالآيات التي يخاطب بها رسوله والمراد بها: قومه؛ فهو يخرج على الوعيد لهم، ألا ترى أنه قال: ﴿ رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: ربي أعلم بمن جاء بالهدى فيجزيه جزاء الهدى، ومن هو في ضلال مبين فيجزيه جزاء ضلاله.
ويخرج ذكر هذا عند دعاء أولئك الكفرة: أنهم على الحق والهدى، وأن آباءهم كانوا على الحق والهدى، وأنتم على ضلال، فيقول: ﴿ رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ نحن أو أنتم؟!
فهو على التحاكم إلى الله أن يحكم بينهم، فيجزي كلا بما جاء به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: وما كنت ترجو - وإن كنت مطيعاً أي: خاضعاً - أن يلقى إليك الكتاب وينزل عليك وتصير رسولا، أي: لم تكن تطمع ذلك، ولكن الله بفضله ورحمته جعلك رسولا نبيّاً.
والثاني: ما كنت ترجو أن تكون في قومك وقبيلتك رسالة فضلا أن ترجو وتطمع في نفسك؛ لأنهم ليسوا من بني إسرائيل ولا من أهل الكتاب، والرسالة من قبل كانت لا تكون إلا في بني إسرائيل، ولكن الله جعل الرسالة في العرب، وفي نفسك برحمته وفضله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ ﴾ : هذا يخرج على وجوه: أحدها: على النهي، أي: لا تكن ظهيرا وإن كان لا يكون للعصمة التي عصمه الله؛ لأن العصمة لا تمنع النهي والأمر، بل منفعة العصمة إنما تكون عن النهي والأمر.
والثاني: على الأمن له والإياس أن يكون ظهيراً لهم، كأنه يخاف لعله أن يكون ظهيراً لهم في وقت من الأوقات، فأمنه الله عن ذلك فقال: لا تخف فإنك لا تكون ظهيراً لهم، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ على رفع الحزن والحسرة بتركهم الإيمان؛ فعلى ذلك الأول.
والثالث: أن الخطاب وإن كان له في الظاهر فالمراد منه غيره، على ما ذكرنا في غير آي من القرآن: أنه خاطب به رسوله والمراد به غيره؛ وكذلك بهذا.
وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ في هذا ما في الأول من الوجوه التي ذكرنا؛ وكذلك: هذا في قوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
وقوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ يرجى منفعته وشفاعته من دون الله باطل، إلا ما ابتغي منه وعمل له.
وقال بعضهم: كل شيء هالك وزائل إلا هو؛ فإنه حي لا يموت دائم لا يزول.
وقال بعضهم: كل أمر وجهة يتوجه إليها ويعمل به هالك إلا الجهة والوجه الذي أمر هو بالتوجيه إليه والعمل به، وهو قريب بالأول، والله أعلم.
وما كنت -أيها الرسول- تأمل -قبل البعثة- أن يُلْقَى إليك القرآن وحيًا من الله، لكن رحمة منه سبحانه اقتضت إنزاله عليك، فلا تكوننّ معينًا للكافرين على ما هم فيه من الضلال.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZjEWX"