الآية ٣٠ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٣٠ من سورة لقمان

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 56 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل ) أي : إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق ، أي : الموجود الحق ، الإله الحق ، وأن كل ما سواه باطل فإنه الغني عما سواه ، وكل شيء فقير إليه; لأن كل ما في السماوات والأرض الجميع خلقه وعبيده ، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه ، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابا لعجزوا عن ذلك ; ولهذا قال : ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ) أي : العلي : الذي لا أعلى منه ، الكبير : الذي هو أكبر من كل شيء ، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) يقول تعالى ذكره : هذا الذي أخبرتك يا محمد أن الله فعله من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، وغير ذلك من عظيم قُدرته، إنما فعله بأنه الله حقا، دون ما يدعوه هؤلاء المشركون به، وأنه لا يقدر على فعل ذلك سواه، ولا تصلح الألوهة إلا لمن فعل ذلك بقُدرته.

وقوله.(وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الباطِلُ) يقول تعالى ذكره: وبأن الذي يعبد هؤلاء المشركون من دون الله الباطل الذي يضمحلّ، فيبيد ويفنى (وأنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ) يقول تعالى ذكره: وبأن الله هو العليُّ، يقول: ذو العلوّ على كلّ شيء، وكلّ ما دونه فله متذلل منقاد، الكبير الذي كل شيء دونه، فله متصاغر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ذلك أي فعل الله تعالى ذلك لتعلموا وتقروا بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل أي الشيطان ; قاله مجاهد .

وقيل : ما أشركوا به الله تعالى من الأصنام والأوثان .

وأن الله هو العلي الكبير العلي في مكانته ، الكبير في سلطانه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ذَلِكَ } الذي بين لكم من عظمته وصفاته، ما بيَّن { بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } في ذاته وفي صفاته، ودينه حق، ورسله حق، ووعده حق، ووعيده حق، وعبادته هي الحق.{ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ } في ذاته وصفاته، فلولا إيجاد اللّه له لما وجد، ولولا إمداده لَمَا بَقِيَ، فإذا كان باطلا، كانت عبادته أبطل وأبطل.{ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ } بذاته، فوق جميع مخلوقاته، الذي علت صفاته، أن يقاس بها صفات أحد من الخلق، وعلا على الخلق فقهرهم { الْكَبِيرُ } الذي له الكبرياء في ذاته وصفاته، وله الكبرياء في قلوب أهل السماء والأرض.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك بأن الله هو الحق ) أي : ذلك الذي ذكرت لتعلموا أن الله هو الحق ( وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» المذكور «بأن الله هو الحق» الثابت «وأن ما يدعون» بالياء والتاء يعبدون «من دونه الباطل» الزائل «وأن الله هو العليُّ» على خلقه بالقهر «الكبيرُ» العظيم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك كله من عظيم قدرتي؛ لتعلموا وتقروا أن الله هو الحق في ذاته وصفاته، وأفعاله، وأن ما يدعون من دونه الباطل، وأن الله هو العلي بذاته وقَدْره وقهره فوق جميع مخلوقاته، الكبير على كل شيء، وكل ما عداه خاضع له، فهو وحده المستحق أن يُعبد دون مَن سواه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

واسم الإِشارة فى قوله : ( ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الحق .

.

.

) يعود إلى ما تقدم ذكره من إيلاج الليل فى النهار ، وتسخير الشمس والقمر .

وهو مبتدأ .

وقوله ( بِأَنَّ الله هُوَ الحق ) خبره والباء للسببية .

أى : ذلك الذى فعلناه سببه ، أن الله - تعالى - هو الإِله الحق ، الذى لا إله سواه ، وأن ما يدعون من دونه من آلهة أخرى هو ( الباطل ) الذى لا يصح أن يسمى بهذا الاسم ، لأنه مخلوق زائل متغير ، لا يضر ولا ينفع .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ولما ذكر تعالى أوصاف الكمال بقوله: ﴿ إِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ  ﴾ وأشار إلى الإرادة والكمال بقوله: ﴿ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله  ﴾ وبقوله: ﴿ يُولِجُ اليل فِي النهار  ﴾ وعلى الجملة فقوله: ﴿ هُوَ الغنى ﴾ إشارة إلى كل صفة سلبية فإنه إذا كان غنياً لا يكون عرضاً محتاجاً إلى الجوهر في القوام، ولا جسماً محتاجاً إلى الحيز في الدوام، ولا شيئاً من الممكنات المحتاجة إلى الموجد، وذكر بعده جميع الأوصاف الثبوتية صريحاً وتضمناً، فإن الحياة في ضمن العلم والقدرة قال ذلك بأن الله هو الحق أي ذلك الاتصاف بأنه هو الحق والحق هو الثبوت والثابت الله وهو الثابت المطلق الذي لا زوال له وهو الثبوت، فإن المذهب الصحيح أن وجوده غير حقيقته فكل ما عداه فله زوال نظراً إليه والله له الثبوت والوجود نظراً إليه فهو الحق وما عداه الباطل لأن الباطل هو الزائل يقال بطل ظله إذا زال وإذا كان له الثبوت من كل وجه يكون تاماً لا نقص فيه.

ثم اعلم أن الحكماء قالوا الله تام وفوق التمام وجعلوا الأشياء على أربعة أقسام ناقص ومكتف وتام وفوق التمام (فالناقص) ما ليس له ما ينبغي أن يكون له كالصبي والمريض والأعمى (والمكتفي) وهو الذي أعطى ما يدفع به حاجته في وقته كالإنسان والحيوان الذي له من الآلات ما يدفع به حاجته في وقتها لكنها في التحلل والزوال (والتام) ما حصل له كل ما جاز له، وإن لم يحتج إليه كالملائكة المقربين لهم درجات لا تزداد ولا ينقص الله منها لهم شيئاً كما قال جبريل عليه السلام لو دنوت أنملة لاحترقت لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ  ﴾ (وفوق التمام) هو الذي حصل له ما جاز له وحصل لما عداه ما جاز له أو احتاج إليه لكن الله تعالى حاصل له كل ما يجوز له من صفات الكمال ونعوت الجلال، فهو تام وحصل لغيره كل ما جاز له أو احتاج إليه فهو فوق التمام إذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿ هُوَ الحق ﴾ إشارة إلى التمام وقوله: ﴿ وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير ﴾ أي فوق التمام وقوله: ﴿ وَهُوَ العلى ﴾ أي في صفاته وقوله: ﴿ الكبير ﴾ أي في ذاته وذلك ينافي أن يكون جسماً في مكان لأنه يكون حينئذ جسداً مقدراً بمقدار فيمكن فرض ما هو أكبر منه فيكون صغيراً بالنسبة إلى المفروض لكنه كبير من مطلقاً أكبر من كل ما يتصور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كل واحد من الشمس والقمر يجري في فلكه، ويقطعه إلى وقت معلوم: الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهر.

وعن الحسن: الأجل المسمى: يوم القيامة.

لأنه لا ينقطع جريهما إلا حينئذٍ.

دلّ أيضاً بالليل والنهار وتعاقبهما وزيادتهما ونقصانهما وجرى النيرين في فلكيهما كل ذلك على تقدير وحساب.

وبإحاطته بجميع أعمال الخلق: على عظم قدرته وحكمته.

فإن قلت: يجري لأجل مسمى، ويجري إلى أجل مسمى: أهو من تعاقب الحرفين؟

قلت: كلا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العطن.

ولكن المعنيين: أعني الانتهاء والاختصاص كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأنّ قولك يجري إلى أجل مسمى: معناه يبلغه وينتهي إليه.

وقولك: يجري لأجل مسمى: تريد يجري لإدراك أجل مسمى، تجعل الجري مختصاً بإدراك أجل مسمى.

ألا ترى أن جري الشمس مختص بآخر السنة.

وجري القمر مختص بآخر الشهر.

فكلا المعنيين غير ناب به موضعه ﴿ ذلك ﴾ الذي وصف من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون.

فكيف بالجماد الذي تدعونه من دون الله، إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت إلهيته.

وأنّ من دونه باطل الإلهية ﴿ وَأَنَّ الله هُوَ العلى ﴾ الشأن ﴿ الكبير ﴾ السلطان.

أو ذلك الذي أوحى إليك من هذه الآيات بسبب بيان أنّ الله هو الحق، وأنّ إلها غيره باطل، وأنّ الله هو العليّ الكبير عن أن يشرك به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها إذْ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لِأنَّهُ يَكْفِي لِوُجُودِ الكُلِّ تَعَلُّقُ إرادَتِهِ الواجِبَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ الذّاتِيَّةِ كَما قالَ ( إنَّما أمْرُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .

﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ ﴿ بَصِيرٌ ﴾ يُبْصِرُ كُلَّ مُبْصِرٍ لا يَشْغَلُهُ إدْراكُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ فَكَذَلِكَ الخَلْقُ.

﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي ﴾ كُلٌّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ يَجْرِي في فَلَكِهِ.

﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ إلى مُنْتَهى مَعْلُومِ الشَّمْسِ إلى آخِرِ السَّنَةِ والقَمَرِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ.

وَقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أنَّ الـ ( أجَلٍ ) ها هُنا مُنْتَهى الجَرْيِ وثَمَّةَ غَرَضُهُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا وكِلا المَعْنَيَيْنِ حاصِلٌ في الغاياتِ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ عالِمٌ بِكُنْهِهِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِي ذُكِرَ مِن سِعَةِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ وعَجائِبِ الصُّنْعِ واخْتِصاصِ البارِي بِها.

﴿ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ الثّابِتُ في ذاتِهِ الواجِبُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوِ الثّابِتُ إلَهِيَّتُهُ.

( وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) الباطِلُ المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ لِأنَّهُ لا يُوجِدُ ولا يَتَّصِفُ إلّا بِجَعْلِهِ أوِ الباطِلُ إلَهِيَّتُهُ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ بِالياءِ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ مُتَرَفِّعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ومُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّ مَا يدعون} بالياء عراقى فى غير أبي بكر {مِن دُونِهِ الباطل وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير} أي ذلك الوصف الذي وصف به من

عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت الإلهية وأن من دونه باطل الإلهية وأنه هو العلي الشأن الكبير السلطان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ وأشارَتْ إلَيْهِ مِن سَعَةِ العِلْمِ، وكَمالِ القُدْرَةِ واخْتِصاصِ البارِي تَعالى شَأْنُهُ بِها ﴿ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ الثّابِتُ المُتَحَقِّقُ في ذاتِهِ أيِ الواجِبُ الوُجُودِ.

﴿ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ إلَهًا ﴿ الباطِلُ ﴾ المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ، وهو المُمْكِنُ الَّذِي لا يُوجَدُ إلّا بِغَيْرِهِ، وهو الواجِبُ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ ﴾ عَلى الأشْياءِ ﴿ الكَبِيرُ ﴾ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ أوْ يَتَّصِفَ جَلَّ وعَلا بِنَقْصٍ لا بِشَيْءٍ أعْلى مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ شَأْنًا وأكْبَرَ سُلْطانًا، ووَجْهُ سَبَبِيَّةِ الأوَّلِ لِما ذُكِرَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى وحْدَهُ واجِبُ الوُجُودِ في ذاتِهِ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ هو سُبْحانَهُ وحْدَهُ المُوجِدَ لِسائِرِ المَصْنُوعاتِ البَدِيعَةِ الشَّأْنِ، فَيَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ، والإيجابُ قَدْ أُبْطِلَ في الأُصُولِ، ومَن صَدَرَتْ عَنْهُ جَمِيعُ هاتِيكَ المَصْنُوعاتِ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ كامِلَ العِلْمِ عَلى ما بُيِّنَ في الكَلامِ، ووَجْهُ سَبَبِيَّةِ الثّالِثِ لِذَلِكَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى وحْدَهُ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ مُتَسَلِّطًا عَلَيْها مُتَنَزِّهًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ أوْ يَتَّصِفَ بِنَقْصٍ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ تَعالى وحْدَهُ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ، وقَدْ سَمِعْتَ الكَلامَ فِيهِ، وأمّا وجْهُ سَبَبِيَّةِ كَوْنِ ما يَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ إلَهًا باطِلًا مُمْكِنًا في ذاتِهِ لِذَلِكَ، فَهو أنَّ إمْكانَهُ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ عِنْدَهم عَلى ما عَداهُ مِمّا لَمْ يَعْتَقِدُوا إلَهِيَّتَهُ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ غَيْرِهِ مِمّا سِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ ما فِيهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى إمْكانِهِ مَوْجُودٌ في ذَلِكَ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، ومَتى كانَ ما يَدْعُونَهُ إلَهًا مِن دُونِهِ تَعالى وغَيْرِهِ مِمّا سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُمْكِنًا انْحَصَرَ وُجُوبُ الوُجُودِ في اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ إفادَتَهُ لِلْمَطْلُوبِ، وكَأنَّهُ إنَّما قِيلَ: إنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ دُونَ أنَّ ما سِواهُ الباطِلُ مَثَلًا نَظِيرَ قَوْلِ لَبِيدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ تَنْصِيصًا عَلى فَظاعَةِ ما هم عَلَيْهِ، واسْتِلْزَمُ ذَلِكَ إمْكانَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مِنَ المَوْجُوداتِ مِن بابِ أوْلى بِناءً عَلى ما يَزْعُمُ المُشْرِكُونَ في آلِهَتِهِمْ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ، ولَمْ يَكْتَفِ في بَيانِ السَّبَبِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ) بَلْ عَطَفَ عَلَيْهِ ما عَطَفَ مَعَ أنَّهُ مِمّا يَعُودُ إلَيْهِ، وتُشْعِرُ تِلْكَ الجُمْلَةُ بِهِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِالمَطْلُوبِ، وبِما يُفِيدُهُ مَنطُوقُ المَعْطُوفِ مِن بُطْلانِ الشَّرِيكِ، وكَوْنِهِ تَعالى هو العَلِيُّ الكَبِيرُ.

وقِيلَ: أيُّ ذَلِكَ الِاتِّصافِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ مِن عَجائِبِ القُدْرَةِ، والحِكْمَةِ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الإلَهُ الثّابِتُ إلَهِيَّتُهُ، وأنَّ مَن دُونَهُ سُبْحانَهُ باطِلُ الإلَهِيَّةِ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى هو العَلِيُّ الشَّأْنِ الكَبِيرُ السُّلْطانِ، ومَدارُ أمْرِ السَّبَبِيَّةِ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ هو الثّابِتُ الإلَهِيَّةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ إلَهًا كانَ قادِرًا خالِقًا عالِمًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ كالفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ﴾ إلى هَذا المَقامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ كالفَذْلَكَةِ لِتِلْكَ الفَواصِلِ المَذْكُورَةِ هُنالِكَ كُلِّها.

ولَعَلَّ ما قَدَّمْنا أوْلى بِالِاعْتِبارِ، وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ في الِاعْتِراضِ عَلى ذَلِكَ: أنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَعالى وعُلُوَّهُ وكِبْرِياءَهُ وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِمَناطِيَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، لَكِنَّ بُطْلانَ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ لا دَخْلَ لَهُ في المَناطِيَّةِ قَطْعًا فَلا مَساغَ لِنَظْمِهِ في سِلْكِ الأسْبابِ بَلْ هو تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ ضَرُورَةَ أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ هي المُقْتَضِيَةُ لِبُطْلانِها، لا أنَّ بُطْلانَها يَقْتَضِيها انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، والعَجَبُ مِنهُ أنَّهُ ذَكَرَ مِثْلَ ما اعْتَرَضَ عَلَيْهِ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحَجِّ، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ذَلِكَ، أيْ ما تُلِيَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ بِسَبَبِ بَيانِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ إلَهِيَّتُهُ فَقَطْ، ولِأجْلِهِ لِكَوْنِها ناطِقَةً بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ، ولِأجْلِ بَيانِ بُطْلانِ إلَهِيَّةِ ما يَدَّعُونَ مِن دُونِهِ لِكَوْنِها شاهِدَةً شَهادَةً بَيِّنَةً لا رَيْبَ فِيها، ولِأجْلِ بَيانِ أنَّهُ تَعالى هو المُرْتَفِعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ المُتَسَلِّطُ عَلَيْهِ فَإنَّ ما في تَضاعِيفِ تِلْكَ الآياتِ الكَرِيمَةِ مُبَيِّنٌ لِاخْتِصاصِ العُلُوِّ والكِبْرِياءِ بِهِ أيَّ بَيانٍ، وهو وجْهٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ سِوى اعْتِبارِ حَذْفِ مُضافٍ، كَما لا يَخْفى، وكَأنَّهُ إنَّما قِيلَ هُنا: وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ بِدُونِ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وفي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ، ﴾ بِتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِما أنَّ الحَطَّ عَلى المُشْرِكِينَ وآلِهَتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ دُونَ الحَطِّ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ السُّورَةِ.

وقالَ النَّيْسابُورِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ آيَةَ الحَجِّ وقَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ آياتٍ كُلُّ آيَةٍ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ، فَناسَبَ ذَلِكَ تَوْسِيطُ الضَّمِيرِ بِخِلافِ ما هُنا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: تَقَدَّمَ في تِلْكَ السُّورَةِ ذِكْرُ الشَّيْطانِ مَرّاتٍ، فَلِهَذا ذُكِرَتْ تِلْكَ المُؤَكِّداتُ بِخِلافِ هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الشَّيْطانِ فِيها نَحْوَ ذِكْرِهِ هُناكَ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ «تَدْعُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن عبادة خلقه الْحَمِيدُ في فعاله.

ويقال: حميد أي: محمود.

يعني: يحمد ويشكر.

قوله عز وجل: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآية.

قال قتادة: ذلك أن المشركين قالوا: هذا كلام يوشك أن ينفد وينقطع.

فنزل قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ الآية.

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن اليهود أعداء الله.

سألوا رسول الله  عن الروح فنزل قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) [الإسراء: 85] قالوا: كيف تقول هذا وأنت تزعم أن من أوتي الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كثيراً.

فكيف يجتمع علم قليل وخير كثير؟

فنزل وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ يقول: لو أن الشجر تبرى وتجعل أقلاماً وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ تكون كلها مداداً، يكتب بها علم الله عز وجل، لانكسرت الأقلام، ولنفد المداد، ولم ينفد علم الله تعالى.

فما أعطاكم الله من العلم قليل فيما عنده من العلم.

قرأ أبو عمرو: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ بنصب الراء.

وقرأ الباقون: بالضم.

فمن قرأ بالنصب نصبه.

لأنّ معناه: ولو أن ما فى الارض وأن البحر يمده.

ومن قرأ بالضم: فهو على الاستئناف وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ يعني: أمد إلى كل بحر مثله ما نفدت مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ يعني: علمه وعجائبه.

ويقال: معاني كلمات الله.

لأن لكل آية ولكل كلمة من المعاني ما لا يدرك ولا يحصى.

ويقال: مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ لأن كلمات الله لا تدرك ما تكلم به في الأزل سبحانه وتعالى.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عزيز بالنعمة على الكافر، حكيم حكم أنه ليس لعلمه غاية، وأن العلم للخلق غاية.

ثم قال عز وجل: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ قال مقاتل: نزلت في أبي بن خلف وابني أسد منبه ونبيه كلاهما ابني أسد قالوا: إن الله عز وجل خلقنا أطواراً، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم يقول: إنه بعث في ساعة واحدة، فقال الله عزَّ وَجَلَّ: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أيها الناس جميعاً.

يقال: هاهنا مضمر.

فكأنه يقول: إلا كخلق نفس واحدة، وكبعث نفس واحدة.

ويقال: معناه قدرته على بعث الخلق أجمعين، وعلى خلق الخلق أجمعين، كقدرته على خلق نفس واحدة.

ويقال: كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: إلا كخلق آدم  .

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بَصِيرٌ بهم.

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني: انتقاص كل واحد منها بصاحبه.

ويقال: يدخل الليل في النهار، والنهار في الليل وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ذللهما لبني آدم كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: يجريان في السماء إلى يوم القيامة، وهو الأجل المسمى.

ويقال: يجري كل واحد منهما إلى أجله في الغروب، حتى ينتهى إلى وقت نهايته وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

روي عن أبي عمرو في إحدى الروايتين أنه قرأ يعلمون بالياء بلفظ المغايبة.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: ذلِكَ يعني: هذا الذي ذكر من صنع الله عز وجل بالنهار والليل والشمس والقمر بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ يعني: ليعلموا أن الله هو الحق وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ يعني: من الآلهة لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء من ذلك يعني: لا تنفعهم عبادتها.

قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: وإنما يَدْعُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة لهم.

ثم عظّم نفسه فقال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يعني: ليعلموا أن الله هو الرفيع الكبير.

يعني: العظيم، وهو الذي يعظم ويحمد.

ثم بيّن قدرته فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ يعني: السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ أي: برحمة الله لمنفعة الخلق لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ يعني: من علامات وحدانيته.

ويقال: من عجائبه.

إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: إن الذي ترون في البحر لَآياتٍ يعني: لعبارات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ على أمر الله عز وجل عند البلاء.

ويقال: الذي يصبر في الأحوال كلها، شكورا لله عز وجل في نعمه.

ويقال: لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يعني: لكل مؤمن موحد.

وإنما وصفه بأفضل خصلتين في المؤمن، لأن أفضل خصال المؤمن: الصبر والشكر.

والصبار هو للمبالغة في الصبر.

والشكور على ميزان فعول هو للمبالغة في الشكر.

وروي عن قتادة أنه قال: إن أحب العباد إلى الله من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

فأعلم الله عز وجل أن المتفكر المعتبر في خلق السموات والأرض هو الصبار والشكور.

قوله عز وجل: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ يعني: أتاهم موج، كما يقال: من غشي سدد السلطان يجلس ويقم.

ويقال: علاهم.

ويقال: غطاهم موج كالظلل يعني: كالسحاب.

ويقال: كالجبال، وهو جمع ظلة.

يعني: يأتيهم الموج بعضه فوق بعض وله سواد لكثرته.

دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: أخلصوا له بالدعوة فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يعني: إلى القرار فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ يعني: فمنهم من يؤمن، ومنهم من يكفر ولا يؤمن.

ثم ذكر المشرك الذي ينقض العهد فقال تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا يعني: لا يترك العهد إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ يعني: غدار بالعهد.

كفور لله عز وجل في نعمه.

وقال القتبي: الختر أقبح الغدر.

كَفُورٍ على ميزان فعول.

وإنما يذكر هذا اللفظ إذا صار عادة له كما يقال: ظلوم.

وقد ذكر الكافر بأقبح خصلتين فيه، كما ذكر المؤمن بأحسن خصلتين فيه وهو قوله: صَبَّارٍ شَكُورٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: لأنه كله ب «كن فيكون» ، قاله مجاهد «١» .

وقوله تعالى: كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يريد: القيامة.

وقوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ يحتمل أن يريدَ ما تحملَه السفنُ من الطَّعامِ والأرزاقِ والتجاراتِ، فالباء: للإلْزَاقِ، ويحتمل أن يريدَ بالريحِ وتسخيرِ الله البحرَ ونحوَ هذا، فالباءُ باءُ السببِ.

وذكر تعالى من صفات المؤمن الصبَّارَ والشَّكُورَ لأنهما عُظْمُ أخلاقه، الصبرُ على الطاعاتِ وعلى النوائبِ، وعن الشهواتِ، والشكرُ على الضراءِ والسراءِ.

وقال الشعبي: الصبرُ نصفُ الإيمانِ والشكرُ نصفُه الآخرُ، واليقينُ الإيمان «٢» كله.

و «غَشِي» غطَّى أو قارَب، والظُّلَلِ: السحابُ.

وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ.

قال الحسن: منهم مؤمن «٣» يعرف حق الله في هذه النعم، والختَّار القبيحُ «٤» الغَدْرِ، وذلك أن مِنَن الله على العباد كأنها عهود ومِنَنٌ يلزمَ عنها أداء شكرها، والعبادةُ لمسديها، فمن كفر ذلك وجحد به، فكأنه ختر وخان، قال الحسن: الختار هو الغدار «٥» .

وكَفُورٍ: بناء مبالغة.

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ...

الآية يَجْزِي مَعْنَاه يَقْضي، والمعنى: لا ينفعه بشيء، وقرأ الجمهور: «الغَرور» «٦» : - بفتح

الغَيْنِ- وهو الشيطانُ قاله مجاهد «١» وغيره، واعلم أيها الأخ أنّ مَنْ فَهِمَ كَلامَ رَبِّه وَرُزِقَ التوفيقَ لم يَنْخَدِعْ بغُرورِ الدنيا وزخرفها الفاني بَل يَصْرِفُ هِمَّتَه بالكُلِّيَةِ إلى التزود لآخرته ساعياً في مَرْضَاةِ ربه، وأنَّ مَنْ أيقنَ أنَّ اللهَ يطلبُه صَدَقَ الطلبَ إليه، كما قاله الإمام العارفُ بالله ابن عطاء الله.

وإنه لا بد لبناءِ هذا الوجودِ أن تَنْهَدِمَ دعائمُه وأن تسلب كرائِمهُ، فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى، قد أشرق نورُه وظهرت تباشيرُه، فَصَدَفَ عن هذه الدار مُغْضِياً، وأعرض عَنها مولياً، فلم يتخذْها وطناً، ولا جعلها/ ٦٩ أسكنا بل أنْهَضَ الهمَّةَ فيها إلى اللهِ تعالى وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِيناً به في القدومِ عليه، فما زالت مطيةُ عَزْمِهِ لا يَقِرُّ قرارُها.

دائما تَسْيَارُهَا، إلى أن أناخَتْ بِحَضْرَةِ القُدَسِ، وبساطِ الإنْسِ، انتهى.

وَرَوَيْنَا في «جامع الترمذي» عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أغبط أوليائي عندي المؤمن خَفِيفٌ الحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرَّ، وَكَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ لاَ يُشَارُ إلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ على ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَضَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ نَوَائِحُهُ قَلَّ تراثه» ، قال أبو عيسى: وبهذا الإسنادِ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء «٢» مَكَّةَ ذَهَباً، قُلْتُ: لاَ، يَا رَبِّ، ولكن أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً، أَوْ قَالَ: ثَلاَثاً أَوْ نَحْوَ هذا، فَإذَا جُعْتُ، تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ، وَإذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ» «٣» .

قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي الباب عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، انتهى.

والغُرُورُ: التَّطْمِيعُ بما لا يَحْصُلُ.

وقال ابن جُبَيْرٍ: معنى الآية: أن تَعملَ المعصيةَ وتَتَمَنَّى المغفرة «٤» ، وفي الحديثِ الصحيح: عنه صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ تعالى وتلا الآية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ...

إلى آخرها» «٥» .

قال أبو حيَّان: بِأَيِّ أَرْضٍ: - الباء ظَرْفِيةٌ والجملة في موضع نصب- ب تَدْرِي.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ في آخَرِينَ مِن قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنَّ اللَّهَ خَلَقَنا أطْوارًا: نُطْفَةً، عَلَقَةً، مُضْغَةً، عِظامًا، لَحْمًا، ثُمَّ تَزْعُمُ أنّا نُبْعَثُ خَلْقًا جَدِيدًا جَمِيعًا في ساعَةٍ واحِدَةٍ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ومَعْناها: ما خَلْقُكم أيُّها النّاسُ جَمِيعًا في القُدْرَةِ إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، ولا بَعْثُكم جَمِيعًا في القُدْرَةِ إلّا كَبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [آلِ عِمْرانَ: ٢٧، الرَّعْدِ: ٢، الحَجِّ: ٦٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن نِعَمِهِ جَرَيانُ الفُلْكِ ﴿ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ ﴾ أيْ: لِيُرِيَكم مِن صَنْعَتِهِ عَجائِبَهُ في البَحْرِ، وابْتِغاءِ الرِّزْقِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: لِكُلِّ صَبُورٍ عَلى أمْرِ اللَّهِ ﴿ شَكُورٍ ﴾ في نِعَمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا غَشِيَهُمْ ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: هو عامٌّ في الكُفّارِ والمُسْلِمِينَ ﴿ مَوْجٌ كالظُّلَلِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهي جَمْعُ ظُلَّةٍ، يُرادُ أنْ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، فَلَهُ سَوادٌ مِن كَثْرَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا [يُونُسَ: ٢٢]؛ والمَعْنى أنَّهم لا يَذْكُرُونَ أصْنامَهم في شَدائِدِهِمْ إنَّما يَذْكُرُونَ اللَّهَ وحْدَهُ.

وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ لَمّا هَرَبَ يَوْمَ الفَتْحِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَكِبَ البَحْرَ فَأصابَتْهم رِيحٌ عاصِفٌ، فَقالَ أهْلُ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا، فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا هاهُنا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: ما هَذا الَّذِي تَقُولُونَ؟

فَقالُوا: هَذا مَكانٌ لا يَنْفَعُ فِيهِ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: هَذا إلَهُ مُحَمَّدٍ الَّذِي كانَ يَدْعُونا إلَيْهِ، لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ إلّا الإخْلاصُ ما يُنْجِينِي في البِرِّ غَيْرُهُ، ارْجِعُوا بِنا، فَرَجَعَ فَأسْلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُؤْمِنٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مُقْتَصِدٌ في قَوْلِهِ، وهو كافِرٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

يَعْنِي أنَّهُ يَعْتَرِفُ بِأنَّ اللَّهَ وحْدَهُ القادِرُ عَلى إنْجائِهِ وإنْ كانَ مُضْمِرًا لِلشِّرْكِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العادِلُ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ في البَحْرِ مِنَ التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا " الخَتّارُ " فَقالَ الحَسَنُ: هو الغَدّارُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخَتْرُ: أقْبَحُ الغَدْرِ وأشَدُّهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ خُوطِبَ بِهِ النَبِيُّ  والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ العالَمِ، وهَذِهِ عَبْرَةٌ تَدُلُّ عَلى الخالِقِ المُخْتَرِعِ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ بِتَدَرُّجٍ، والنَهارُ كَذَلِكَ، فَما قَصُرَ مِن أحَدِهِما زادَ في الآخَرِ، ثُمَّ بِالعَكْسِ يَنْقَسِمُ بِحِكْمَةٍ بارِئِ العالَمِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

و"يُولِجُ" مَعْناهُ: يُدْخِلُ، و"الأجَلُ المُسَمّى": القِيامَةُ الَّتِي تُنْتَقَضُ فِيها هَذِهِ البِنْيَةُ وتُكَوَّرُ الشَمْسُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرُو "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ ﴾ ، الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى هَذِهِ العِبْرَةِ وما جَرى مَجْراها، ومَعْنى ﴿ هُوَ الحَقُّ ﴾ أيْ: صِفَةُ الأُلُوهِيَّةِ لَهُ حَقٌّ، فَيَحْسُنُ في القَوْلِ تَقْدِيرُ "ذُو"، وكَذَلِكَ البابُ مَتى أُخْبِرَ بِمَصْدَرٍ عن عَيْنٍ، فالتَقْدِيرُ: ذُو كَذا، و"حَقٌّ" مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ وهَذا كَثِيرٌ.

ومَتى قُلْتُ: كَذا وكَذا حَقٌّ، فَإنَّما مَعْناهُ: اتِّصافُ كَذا بِكَذا حَقٌّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ ما يَدْعُونَ ﴾ يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ الأصْنامَ، وتَكُونُ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، ويَكُونُ الإخْبارُ عنها بِالباطِلِ عَلى نَحْوِ ما قَدَّمْناهُ في "الحَقُّ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، كَأنَّهُ قالَ: وأنَّ دُعاءَكم آلِهَةً مِن دُونِهِ الباطِلُ، أيِ الفِعْلِ الَّذِي لا يُؤَدِّي إلى الغايَةِ المَطْلُوبَةِ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ: "يَدْعُونَ" بِالياءِ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأهْلُ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو:.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كاف الخطاب المتصلُ باسم الإشارة موجه إلى غير معين، والمقصود به المشركون بقرينة قوله ﴿ وأن ما تدعون من دونه الباطل ﴾ بتاء الخطاب في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم.

والمشار إليه هو المذكور آنفاً وهو الإيلاج والتسخير.

وموقع هذه الجملة موقع النتيجة من الدليل فلها حكم بدل الاشتمال ولذلك فصلت ولم تعطف فإنهم معترفون بأن الله هو فاعل ذلك فلزمهم الدليل ونتيجته.

والمعنى: أن إيلاج الليل في النهار وعكسه وتسخير الشمس والقمر مُسبب عن انفراد الله تعالى بالإلهية، فالباء للسببية، وهو ظرف مستقر خبر عن اسم الإشارة.

وضمير الفصل مفيد للاختصاص، أي: هو الحق لا أصنامكم ولا غيرها مما يُدّعى إلهية غيره تعالى.

و ﴿ الحق: هنا بمعنى الثابت، ويفهم أن المراد حقية ثبوت إلهيته بقرينة السياق ولمقابلته بقوله وأن ما تدعون من دونه الباطل، ﴾ والمعنى: لما كان ذلك الصنع البديع مسبباً عن انفراد الله بالإلهية كان ذلك أيضاً دليلاً على انفراد الله بالإلهية للتلازم بين السبب والمسبب.

والتعريف في ﴿ الحق ﴾ و ﴿ الباطل ﴾ تعريف الجنس.

وإنما لم يؤت بضمير الفصل في الشق الثاني لأن ما يدعونه من دون الله من أصنامهم يشترك معها في أنه باطل.

وذكر ضمير الفصل في نظيره من سورة الحج (73) لاقتضاء المقام ذلك كما تقدم.

والظاهر أنا إذا جعلنا الباء في ﴿ بأن الله هو الحق ﴾ باء السببية أن يكون قوله ﴿ وأن ما تدعون من دونه الباطل ﴾ عطفاً على الخبر وهو مجموع ﴿ بأن الله.

﴾ فالتقدير: ذلك أن ما تدعون من دونه الباطل.

ويقدر حرف جر مناسب للمعنى حُذف قبل ﴿ أنّ ﴾ وهو حرف (على) أي: ذلك دال.

وهذا كما قدر حرف (عن) في قوله تعالى: ﴿ وترغبون أن تنكِحوهن ﴾ [النساء: 127] ولا يكون عطفاً على مدخول باء السببية إذ ليس لبطلان آلهتهم أثر في إيلاج الليل في النهار وتسخير الشمس والقمر، أو تقدر لام العلة، أي ذلك، لأن ما تدعونه باطل؛ فلذلك لم يكن لها حظ في إيلاج الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر باعتراف المشركين.

وقوله ﴿ وأن الله هو العلي الكبير ﴾ واقع موقع الفذلكة لما تقدم من دلالة إيلاج الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر لأنه إذا استقر أنَّ ما ذُكر دال على أن الله هو الحق بالإلهية، ودال على أن ما يدعونه باطل، ثبت أنه العلي الكبير دون أصنامهم.

وقد اجتلب ضمير الفصل هنا للدلالة على الاختصاص وسلب العلو والعظمة عن أصنامهم.

والأحسن أن نجعل الباء للملابسة أو المصاحبة وهي ظرف مستقر خبر عن اسم الإشارة، فإن شأن الباء التي للملابسة أن تكون ظرفاً مستقراً بل قال الرضِيُّ: إنها لا تكون إلاّ كذلك، أي أنها لا تتعلق إلا بنحو الخبر أو الحال كما قال: وما لي بحمد الله لحم ولا دم *** أي: حالة كوني ملابساً حمد الله، أي: غير ساخط من قضائه، ويقال: أنت بخير النظرين، أي: مستقر.

فالتقدير: ذلك المذكور من الإيلاج والتسخير ملابس لحقيَّة إلهية الله تعالى، ويكون المعطوفان معطوفين على المجرور بالباء، أي ملابس لكون الله إلهاً حقاً، ولكون ما تدعون من دونه باطل الإلهية ولكون الله هو العلي الكبير.

والملابسة المفادة بالباء هي ملابسة الدليل للمدلول وبذلك يستقيم النظم بدون تكلف، ويزداد وقوع جملة ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ إلى آخرها في موقع النتيجة وضوحاً.

وضمير الفصل في قوله وأن الله هو العلي الكبير } للاختصاص كما تقدم في قوله: ﴿ إن الله هو الغني الحميد ﴾ [لقمان: 26].

و ﴿ العلي ﴾ : صفة مشتقة من العلوّ المعنويّ المجازي وهو القدسية والشرف.

والكبير: وصف مشتق من الكِبَر المجازي وهو عظمة الشأن.

وتقدم نظير هذه الآية في سورة الحج (63) مع زيادة ضمير الفصل في قوله ﴿ وأن ما تدعون من دونه هو الباطل ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَأْخُذُ الصَّيْفَ مِنَ الشِّتاءِ ويَأْخُذُ الشِّتاءَ مِنَ الصَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَنْقُصُ مِنَ النَّهارِ لِيَجْعَلَهُ في اللَّيْلِ ويَنْقُصُ مِنَ اللَّيْلِ لِيَجْعَلَهُ في النَّهارِ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: يُسْلِكُ الظُّلْمَةَ مَسالِكَ الضِّياءِ ويُسْلِكُ الضِّياءَ مَسالِكَ الظُّلْمَةِ فَيَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، قالَهُابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ يُدْخِلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ في ضَوْءِ النَّهارِ إذا أقْبَلَ، ويُدْخِلُ ضَوْءَ النَّهارِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إذا أقْبَلَ، فَيَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما داخِلًا في الآخَرِ.

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ أيْ ذَلَّلَهُما بِالطُّلُوعِ والأُفُولِ تَقْدِيرًا لِلْآجالِ وإتْمامًا لِلْمَنافِعِ.

﴿ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلى وقْتِهِ في طُلُوعِهِ وأُفُولِهِ لا يَعْدُوهُ ولا يُقَصِّرُ عَنْهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّانِي: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ يَعْنِي بِما تَعْمَلُونَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّانِي: أنَّ الحَقَّ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ هو القاضِي بِالحَقِّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ طاعَةَ اللَّهِ حَقٌّ.

﴿ وَأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الشَّيْطانُ هو الباطِلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: ما أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ أيِ العَلِيُّ في مَكانَتِهِ الكَبِيرُ في سُلْطانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ﴾ قال: يقول له كن فيكون.

القليل والكثير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ﴾ يقول: إنما خلق الله الناس كلهم وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها.

وفي قوله: ﴿ ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ﴾ قال: نقصان الليل زيادة النهار ﴿ ويولج النهار في الليل ﴾ نقصان النهار زيادة في الليل ﴿ كل يجري إلى أجل مسمى ﴾ لذلك كله وقت واحد معلوم، لا يعدوه ولا يقصر دونه.

وفي قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ قال: إن أحب عباد الله إليه الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

وفي قوله: ﴿ وإذا غشيهم موج كالظلل ﴾ قال: كالسحاب وفي قوله: ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ﴾ قال: غدار بذمته، كفور بربه.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمنهم مقتصد ﴾ قال: في القول وهو كافر ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ﴾ قال: غدار ﴿ كفور ﴾ قال: كافر.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ختار ﴾ قال: جحاد.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ كل ختار كفور ﴾ قال: الجبار.

الغدار.

الظلوم.

الغشوم.

﴿ الكفور ﴾ الذي يغطي النعمة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: لقد علمت واستيقنت ذات نفسها ** بأن لا تخاف الدهر صرمي ولا ختري وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل ختار ﴾ قال: الذي يغدر بعهده ﴿ كفور ﴾ قال: بربه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: هو الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: أن تعمل بالمعصية وتتمنى المغفرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الله ﴾ يحتمل أن تكون الباء سببية، أو يكون المعنى ذلك بأن الله شاهد هو الحق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نعمه ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ والبحر ﴾ بالنصب: أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم "أن" الآخرون: بالرفع حملاً على محل "أن" ومعمولها ﴿ وأن ما يدعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب ﴿ وينزل الغيث ﴾ التشديد: ابو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم.

الوقوف: ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ منير ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ الوثقى ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ كلمات الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ز لأن قوله ﴿ كل ﴾ مبتدأ مع عطف "أن" على "أن" الأولى ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ الباطل ﴾ لا ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ من آياته ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عن ولده ﴾ لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظاً مع صدق الاتصال معنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ قف للفصل بين الموعظتين ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الغيث ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب ﴿ الأرحام ﴾ ط لابتداء الجملة المنفية التي فيها استفهام ﴿ غداً ﴾ ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون الاكتفاء بضميرها ﴿ تموت ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة ايضاً، ولو كانت تعبداً محضاً للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية.

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين  ﴾ الآية ومعنى ﴿ اسبغ ﴾ أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها.

والباطنة مالا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلاً.

ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهراً، والباطنة إمداد الملائكة.

وعن الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم.

وقيل: النفس.

ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول "الحج".

ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلاً ﴿ أولو كان ﴾ إلخ.

ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟

ثم اراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال ﴿ ومن يسلم وجهه إلى الله ﴾ وهو نظير قوله في "البقرة" ﴿ بلى من أسلم وجهه لله  ﴾ والفرق أن معناه مع "إلى" يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ يمتعهم ﴾ الآية.

كقوله في البقرة ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره  ﴾ وغلظ العذاب شدته.

ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر "العنكبوت" مثله إلا أنه قال في آخره ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ وذلك أنه زاد هناك قوله ﴿ وسخر الشمس والقمر  ﴾ فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس.

ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق.

وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال ﴿ ولو أن ما في الأرض ﴾ الاية.

عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة.

وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد.

وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر.

ويجوز أن تكون الجملة حالاً واللام في البحر للجنس.

وجعل جنس البحار ممدوداً بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيراً من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله قوله  "المؤمن يأكل في معاً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" أراد الأكل الكثير.

وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً، فهي تصب فيه مدادها ابداً صباً لا ينقطع.

قلت: جعله الأبحر سبعة تقديراً ينافي قوله "أبدا لا ينقطع" وإنما لم يجعل للأقلام مداداً لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم.

وإنما لم يقل:كلم الله" على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه؟

وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة "كن" وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف.

ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة.

ثم أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء.

ثم أعاد طرفاً من دلائل قدرته مع تذكير بعض نعمه قائلاً ﴿ الم تر ﴾ وقد مر نظيره في "الحج" إلى قوله ﴿ الكبير ﴾ وقوله ههنا ﴿ يجري إلى أجل مسمى ﴾ وقوله في "فاطر" و"الزمر" ﴿ لأجل مسمى  ﴾ يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايراً، لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر.

وعن الحسن: هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ.

والثاني معناه اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا.

ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن هذه الآية صدِّرت بالتعجيب فناسب التطويل.

والمشار إليه بذلك هو ما وصف من عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق.

قال بعضهم ﴿ العلي ﴾ إشارة إلى كونه تماماً وهو أن حصل له كما ينبغي أن يكون له.

و ﴿ الكبير ﴾ إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه.

ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية.

ومعنى ﴿ بنعمته ﴾ بإحسانه ورحمته أو بالريح الطيبة التي هي بأمر الله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإجراء ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ في السراء.

ووجه المناسبة أن كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في الأفعال والأوامر ومنه قوله  "الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر" .

ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول كالجبال المتلاصقة.

وإنما قال ههنا.

﴿ فمنهم مقتصد ﴾ وقد قال فيما قبل ﴿ إذا هم يشركون  ﴾ لأنه ذكر ههنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله اثر في الخيال فيخفض شيئاً من غلو الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطاً في الإخلاص أيضاً لا غالياً فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.

والختر أشد الغدر ومنه قولهم "لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر".

والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه.

والكفور طباق الشكور.

وحين بيَّن الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة.

ومعنى ﴿ لا يجزي ﴾ لا يقضي كما مر في أول "البقرة".

وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، فكأنه قال: لا يجزي فيه ﴿ والد عن ولده ﴾ شيئاً من الآلام ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ﴾ من أسباب الإهانة.

قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية إسمية لأجل التوكيد.

وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا لآبائهم الكفرة وفي توسيط "هو" مزيد تأكيد.

وفي لفظ ﴿ المولود ﴾ دون أن قول "ولا ولد" تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضاً بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه.

وقيل: إنما أوردت الثانية إسمية لأن الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي شفقة لا وجوباً ﴿ إن وعد الله ﴾ بمجيء ذلك اليوم ﴿ حق ﴾ أو وعده بعدم جزاء الوالد عن الولد وبالعكس حق.

و ﴿ الغرور ﴾ بناء مبالغة وهو الشيطان اي لا ينبغي أن تغرنكم الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة.

روي عن النبي  "مفاتيح الغيب خمس" وتلا قوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ إلى آخرها.

وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر واشار إليه بالأصابع الخمس.

فاستفتى العلماء في ذلك فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.

قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم النشور، وإنما المراد أنه  حذر الناس من يوم القيامة.

كان لقائل أن يقول: متى الساعة؟

فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مراراً وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى.

ثم إنه كأنه قال: أيها السائل إن لك شيئاً أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فلا تعلم ﴿ ماذا تكسب غداً ﴾ مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟

والسر في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانة هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول "طه"، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره.

والسر في إخفاء الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف ابداً مشغول السر بالله معتمداً عليه في اسباب الرزق وغيره.

روي أن ملك الموت مر على سليمان  فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه.

فقال الرجل: من هذا؟

قال: ملك الموت.

فقال: كأنه يريدني.

وسأل سليمان أن يحمله على الريح إلى بلاد الهند ففعل.

ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن اقبض روحه بالهند وهو عندك.

قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرئ ﴿ بآية أرض ﴾ والأفصح عدم تأنيثه.

التأويل: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ﴾ هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام العلوية والسفلية، البسطية والمركبة.

وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها.

وتسخير ما في أرض النفوس من اضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها.

﴿ ثم نضطرهم ﴾ لفساد استعدادهم ﴿ تجري في البحر بنعمة الله ﴾ سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة في بحر الحققة لإِراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أخبر رسوله أنك لو سألتهم من خلق السماوات والأرض يقولون ذلك ويجيبونك: الله خلقهم.

ثم يخرج قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ على أثر إقرارهم له بالتوحيد له والتفرد بالخلق على وجهين: أحدهما: أمر رسوله بالحمد له؛ لما لا يحتاج إلى إقامة الحجة على وحدانية الله وربوبيته سوى إقرارهم؛ إذ قد أقروا له بالوحدانية فيما ذكر؛ فعلى ذلك يلزمهم ذلك في كل شيء، دق أو جل؛ فيقع الأمر بالحمد على ذلك.

أو يأمر رسوله بالحمد له؛ لما أنجاه وخلصه وسلمه عما ابتلوا هم وفتنوا من التكذيب وعبادة الأصنام بعد إقرارهم بالوحدانية له والألوهية؛ فحمده على إفضاله عليه ورحمته وعصمته له بين أولئك الكفرة.

على هذين الوجهين يخرج تأويل أمر الحمد على أثر ما ذكر، والله أعلم.

ويكون قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ مقطوعاً مفصولا من قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ؛ إذ لو لم يجعل مفصولا منه، لخرج الأمر بالحمد له في الظاهر على ما لا يعلم أولئك، وذلك لا يصلح.

ثم قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما ذكرنا: أنه نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا به من نحو البصر والسمع واللسان ونحوه؛ فعلى ذلك العلم.

والثاني: لا يعلمون؛ لما تركوا النظر والتفكر في أسباب العلم.

أو أن يكون قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : أن عبادتهم الأصنام لا تقربهم إلى الله زلفى ولا تشفع لهم؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تزلفهم إلى الله، ورجاء أن يكونوا لهم شفعاء عند الله بقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

أو أن يكونوا لم يعلموا بجزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا - في الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .

كأنه يخبرهم ويذكر[هم]: أن ما يأمرهم به وينهاهم عنه، وما يمتحنهم من جميع أنواع المحن لا لحاجة نفسه أو لدفع المضرة عن نفسه؛ ولكن لحاجة أنفس الممتحنين ولمنفعتهم ولدفع المضرة عنهم؛ إذ من بلغ ملكه وغناه وسلطانه المبلغ الذي ذكر حتى كان له جميع ما في السماوات والأرض - لا يحتمل أن يأمر الخلق وينهى أو يمتحن لحاجة نفسه؛ ولكن لحاجة الخلق في جر المنفعة ولدفع المضرة.

أو يذكرهم نعمه عليهم؛ ليتأدى به شكره، حيث سخر لهم ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما، وحقيقة ملك ذلك كله له.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ : الغني بذاته لا يعجزه شيء، أو غني عمن استغنى عنه، ﴿ ٱلْحَمِيدُ ﴾ ، قيل: أهل أن يحمد ويشكر بذاته.

وقيل: حميد في فعاله وصنائعه، ويكون الحميد بمعنى: الحامد، ويكون بمعنى: المحمود، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : لا يحتمل أن يكون ذكر هذا الكلام ابتداء من غير أمر أو سؤال أو خطاب سبق من القوم حتى ذكر هذا، لكنا ما نعلم ما سبب ذلك؟

وما قصته؟

وما أمره؟

حتى أنزل هذا، لكن ابن عباس -  - يقول: إن اليهود - أعداء الله - سألوا رسول الله  عن الروح وما هو؟

فنزل: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  ﴾ أي: من علم ربي، لا علم لي به، وتلا قوله: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ ، أي: يسيراً في علم الله، فلما قرأ عليهم هذه الآية قالوا: كيف تزعم هذا وأنت تزعم أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؛ فكيف يجتمع هذا: علم قليل وخير كثير؟!

قال: فنزل ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ﴾ ، يقول: تبرى الشجرة أقلاماً، والبحر يمده سبعة أبحر؛ فتكون كلها مداداً يكتب بها علم الله لانكسرت الأقلام، ولنفذ المداد ولم ينفذ علم الله، فما أعطاكم من العلم قليل فيما عنده من العلم كثير فيما عندكم، إلى هذا يذهب أكثرهم.

ولكن غير هذا كأنه أشبه بسبب نزوله وذكره، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا في قوله: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أنه بلغ ملكه وسلطانه ما لو صار ما ذكر من الأشجار كلها أقلاما والبحار كلها مدادا، فكتب بها أسماء خلقه وملكه وسلطانه لنفذ ذلك كله، ولم ينفذ خلقه ولم يبلغوا غاية ذلك.

أو ذكر هذا لهذا القرآن؛ لقول كان من الكفرة في قلته في نفسه وصغر ما كتب هو فيه أن يقولوا: كيف يسع في هذا المقدار علم الكتب السالفة المتقدمة، وهي أوقار وهو جزء؟!

فيخبر - والله أعلم -: أنه جمع في هذا من المعاني والعلم والحكمة ما لو فسره وبين ما أودع فيه وضمنه، ما لو جعل ما في الأرض من الشجر أقلاماً والبحار مداداً، فكتب ما أودع فيه وضمنه - لنفذ ذلك كله ولم ينفذ ما جمع فيه وضمنه، هذا - والله أعلم -: يشبه أن يكون تأويله وسبب نزوله، والله أعلم بذلك.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: ذكر هذا؛ لأن نفراً من قريش قالوا للنبي: إن الله خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظما، لحماً، ثم تزعم أنا نبعث خلقاً جديداً في ساعة واحدة؟!

فقال الله - عز وجل -: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ ﴾ أيها الناس جميعاً على الله في القدرة إلا كبعث نفس واحدة.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ ، لقولهم الذي قالوه: إنا لا نبعث، ﴿ بَصِيرٌ ﴾ ، بأمر الخلق والبعث.

وجائز أن يكون قال: هذا، لما قد أقروا ببعث نفس واحدة لما انتهى إليهم [من] الأخبار عما كان في الأمم السالفة من الإحياء بعد الممات وتواترت على ذلك، من ذلك قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ  ﴾ ، وكقولهم: - حيث قالوا -: ﴿ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً...

﴾ الآية [النساء: 153]، وكقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ  ﴾ فكأنهم أقروا ببعث هؤلاء لما تواترت عليهم الأخبار بذلك، وأنكروا بعث سائرهم؛ فقال: ما خلقكم ولا بعثكم جميعاً إلا كبعث نفس واحدة: إذا ثبت لواحد ففي الكل كذلك.

أو أن يذكر هذا؛ لأن الأسباب إنما تختلف في الأمور على الخلق وتعسر لخصال ثلاث: إما لعجز، أو لجهل، أو لشغل، فإذا كان الله -  وتعالى - يتعالى عن أن يعجزه شيء، أو يخفى عليه شيء، أو يشغله شيء؛ فصار خلق الكل عليه وبعث الكل كخلق نفس واحدة وكبعث نفس واحدة.

أو أن يذكر [هذا]؛ لأن الواحد والكل والقليل والكثير [و]ما كان وما يكون تحت قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ معبر بكن مترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، لكنه ذكر ﴿ كُنْ ﴾ ؛ لأنه أوجز حرف في كلام العرب وأقصر كلام يترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ : كأنه قد كان من أولئك من قول أو كلام في ذلك؛ حتى قال: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لذلك؛ ﴿ بَصِيرٌ ﴾ عالم لذلك.

أو بصير بأحوال الخلق وبأمورهم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ﴾ .

يذكرهم قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ وفيه دلالة البعث.

أما قدرته: فلما أدخل الليل في النهار والنهار في الليل، ثم حفظهما على حد واحد وعلى ميزان واحد، على غير تفاوت يقع في ذلك ولا تغير؛ فمن قدر على ذلك لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء؛ وكذلك ما ذكر: من تسخير الشمس والقمر، وما يقطعان في يوم واحد وليلة واحدة - مسيرة خمسمائة عام ما لا يتصور ذلك في أوهام الخلق ولا في تقديرهم قطع ذلك المقدار من المسير في مثل تلك المدة.

ودل إنشاء أحدهما وإحداثه بعدما ذهب الآخر برمته وكليته حتى لا يبقى له أثر - على أنه قادر على الإحياء بعد الموت وبعدما ذهب أثره؛ ففي ذلك دلائل من وجوه: أحدها: دلالة قدرته؛ حيث أدخل أحدهما في الآخر، وحفظهما كذلك على حد واحد وتقدير واحد، على غير تغيير وتفاوت يقع في ذلك؛ دل ذلك على قدرته وعلمه وتدبيره.

ودل إنشاء كل واحد منهما بعدما ذهب الآخر على القدرة على البعث.

وقوله: ﴿ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .

إلى الوقت الذي جعل له، لا يتقدم ولا يتأخر.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ، ظاهراً وباطناً هذا وعيد؛ ليكونوا أبداً خائفين حذرين متيقظين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر من خلق الخلق وإنشاء ما ذكر وتسخيره لمن ذلك، وصنعه في الليل والنهار والشمس والقمر وجميع ما ذكر هو صنع الإله الحق المستحق لتسيمة الألوهية والعبادة.

﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ ، من الأصنام مبطلون غير مستحقين تسمية الألوهية والعبادة.

أو هو الحق؛ لأنه هو الذي يسوق إليكم هذه النعم والمنافع، ﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ ﴾ : لا ينفعكم عبادتكم إياها.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك التدبير والتقدير يشهدان بأن الله وحده هو الحق، فهو حق في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ما يعبده المشركون من دونه الباطل الذي لا أساس له، وأن الله هو العلي بذَاتِه وقَهْرِه وقَدْرِه على جميع مخلوقاته، الذي لا أعلى منه، الذي هو أكبر من كل شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.XDobW"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله