الآية ١ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ١ من سورة الأحزاب

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الأحزاب [ وهي ] مدنية .

قال [ عبد الله بن ] الإمام أحمد : حدثنا خلف بن هشام ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن زر قال : قال لي أبي بن كعب : كأين تقرأ سورة الأحزاب ؟

أو كأين تعدها ؟

قال : قلت : ثلاثا وسبعين آية : فقال : قط!

لقد رأيتها وإنها لتعادل " سورة البقرة " ، ولقد قرأنا فيها : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عليم حكيم " .

ورواه النسائي من وجه آخر ، عن عاصم - وهو ابن أبي النجود ، وهو ابن بهدلة - به .

وهذا إسناد حسن ، وهو يقتضي أنه كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضا ، والله أعلم .

هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى ، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا ، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى .

وقد قال طلق بن حبيب : التقوى : أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ، ترجو ثواب الله ، وأن تترك معصية الله ، على نور من الله ، مخافة عذاب الله .

وقوله : ( ولا تطع الكافرين والمنافقين ) أي : لا تسمع منهم ولا تستشرهم ، ( إن الله كان عليما حكيما ) أي : فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه ، فإنه عليم بعواقب الأمور ، حكيم في أقواله وأفعاله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ) بطاعته، وأداء فرائضه، وواجب حقوقه عليك، والانتهاء عن محارمه، وانتهاك حدوده ( وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ ) الذين يقولون لك: اطرد عنك أتباعك من ضعفاء المؤمنين بك حتى نجالسك ( وَالْمُنَافِقِينَ ) الذين يظهرون لك الإيمان بالله والنصيحة لك، وهم لا يألونك وأصحابك ودينك خبالا فلا تقبل منهم رأيا، ولا تستشرهم مستنصحا بهم، فإنهم لك أعداء (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) يقول: إن الله ذو علم بما تضمره نفوسهم، وما الذي يقصدون في إظهارهم لك النصيحة، مع الذي ينطوون لك عليه، حكيم في تدبير أمرك وأمر أصحابك ودينك، وغير ذلك من تدبير جميع خلقه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة الأحزابمدنية في قول جميعهم .

نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطعنهم فيه وفي مناكحته وغيرها .

وهي ثلات وسبعون آية .

وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة .

وكانت فيها آية الرجم : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ) ; ذكره أبو بكر الأنباري عن أبي بن كعب .

وهذا يحمله أهل العلم على أن الله تعالى رفع من الأحزاب إليه ما يزيد على ما في أيدينا ، وأن آية الرجم رفع لفظها .

وقد حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتي آية ، فلما كتب المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي الآن .

قال أبو بكر : فمعنى هذا من قول أم المؤمنين عائشة : أن الله تعالى رفع إليه من سورة الأحزاب ما يزيد على ما عندنا .قلت : هذا وجه من وجوه النسخ ، وقد تقدم في ( البقرة ) القول فيه مستوفى والحمد لله .

وروى زر قال : قال لي أبي بن كعب : كم تعدون سورة الأحزاب ؟

قلت ثلاثا وسبعين آية ; قال : فوالذي يحلف به أبي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ، ولقد قرأنا منها آية الرجم : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم .

أراد أبي أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن .

وأما ما يحكى من أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت [ ص: 107 ] عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليف الملاحدة والروافض .بسم الله الرحمن الرحيمقوله تعالى : يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما .قوله تعالى : يا أيها النبي اتق الله ضمت ( أي ) لأنه نداء مفرد ، والتنبيه لازم لها .

و ( النبي ) نعت ل ( أي ) عند النحويين ; إلا الأخفش فإنه يقول : إنه صلة ل ( أي ) .

مكي : ولا يعرف في كلام العرب اسم مفرد صلة لشيء .

النحاس : وهو خطأ عند أكثر النحويين ; لأن الصلة لا تكون إلا جملة ، والاحتيال له فيما قال إنه لما كان نعتا لازما سمي صلة ; وهكذا الكوفيون يسمون نعت النكرة صلة لها .

ولا يجوز نصبه على الموضع عند أكثر النحويين .

وأجازه المازني ، جعله كقولك : يا زيد الظريف ، بنصب ( الظريف ) على موضع زيد .

مكي : وهذا نعت يستغنى عنه ، ونعت ( أي ) لا يستغنى عنه فلا يحسن نصبه على الموضع .

وأيضا فإن نعت ( أي ) هو المنادى في المعنى فلا يحسن نصبه .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود : قريظة والنضير وبني قينقاع ; وقد تابعه ناس منهم على النفاق ، فكان يلين لهم جانبه ; ويكرم صغيرهم وكبيرهم ، وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه ، وكان يسمع منهم ; فنزلت .

وقيل ; إنها نزلت فيما ذكر الواحدي والقشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن سفيان ، نزلوا المدينة على عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين بعد أحد ، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه ، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة ، وقل إن لها شفاعة ومنعة لمن عبدها ، وندعك وربك .

فشق على النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا .

فقال عمر : يا رسول الله ، ائذن لي في قتلهم .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني قد أعطيتهم الأمان فقال عمر : اخرجوا في لعنة الله وغضبه .

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة ; فنزلت الآية .

يا أيها النبي اتق الله أي خف الله .

ولا تطع الكافرين من أهل مكة ، يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة .

والمنافقين من أهل المدينة ، يعني عبد الله بن أبي وطعمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فيما نهيت عنه ، ولا [ ص: 108 ] تمل إليهم .

إن الله كان عليما بكفرهم حكيما فيما يفعل بهم .

الزمخشري : وروي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينه وبينهم ، وقام معهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس ، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفض ذكر آلهتنا .

وذكر الخبر بمعنى ما تقدم .

وأن الآية نزلت في نقض العهد ونبذ الموادعة .

ولا تطع الكافرين من أهل مكة .

والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا إليك .

وروي أن أهل مكة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم ، ويزوجه شيبة بن ربيعة بنته ، وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع ; فنزلت .

النحاس : ودل بقوله إن الله كان عليما حكيما على أنه كان يميل إليهم استدعاء لهم إلى الإسلام ; أي لو علم الله عز وجل أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنه ; لأنه حكيم .

ثم قيل : الخطاب له ولأمته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: يا أيها الذي منَّ اللّه عليه بالنبوة، واختصه بوحيه، وفضله على سائر الخلق، اشكر نعمة ربك عليك، باستعمال تقواه، التي أنت أولى بها من غيرك، والتي يجب عليك منها، أعظم من سواك، فامتثل أوامره ونواهيه، وبلغ رسالاته، وأدِّ إلى عباده وحيه، وابذل النصيحة للخلق.ولا يصدنك عن هذا المقصود صاد، ولا يردك عنه راد، فلا تطع كل كافر، قد أظهر العداوة للّه ورسوله، ولا منافق، قد استبطن التكذيب والكفر، وأظهر ضده.فهؤلاء هم الأعداء على الحقيقة، فلا تطعهم في بعض الأمور، التي تنقض التقوى، وتناقضها، ولا تتبع أهواءهم، فيضلوك عن الصواب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أيها النبي اتق الله ) نزلت في أبي سفيان بن حرب ، وعكرمة بن أبي جهل ، وأبي الأعور وعمرو بن سفيان السلمي ، وذلك أنهم قدموا المدينة فنزلوا على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين بعد قتال أحد ، وقد أعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمان على أن يكلموه ، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وطعمة بن أبيرق ، فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا ، اللات والعزى ومناة ، وقل : إن لها شفاعة لمن عبدها ، وندعك وربك ، فشق على النبي - صلى الله عليه وسلم - قولهم ، فقال عمر : يا رسول الله ائذن لنا في قتلهم ، فقال : إني قد أعطيتهم الأمان ، فقال عمر : اخرجوا في لعنة الله وغضبه ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر أن يخرجهم من المدينة فأنزل الله تعالى : ( يا أيها النبي اتق الله ) أي : دم على التقوى ، كالرجل يقول لغيره وهو قائم : قم هاهنا ، أي : اثبت قائما .

وقيل الخطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به الأمة .

وقال الضحاك : معناه اتق الله ولا تنقض العهد الذي بينك وبينهم .

( ولا تطع الكافرين ) من أهل مكة ، يعني : أبا سفيان ، وعكرمة ، وأبا الأعور ) ( والمنافقين ) من أهل المدينة ، عبد الله بن أبي ، وعبد الله بن سعد ، وطعمة ( إن الله كان عليما ) بخلقه ، قبل أن يخلقهم ) ( حكيما ) فيما دبره لهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها النبي اتق الله» دم على تقواه «ولا تطع الكافرين والمنافقين» فيما يخالف شريعتك «إن الله كان عليما» بما يكون قبل كونه «حكيما» فيما يخلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها النبي دُم على تقوى الله بالعمل بأوامره واجتناب محارمه، وليقتد بك المؤمنون؛ لأنهم أحوج إلى ذلك منك، ولا تطع الكافرين وأهل النفاق.

إن الله كان عليمًا بكل شيء، حكيمًا في خلقه وأمره وتدبيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة الأحزاب بهذا النداء لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم وبهذا الوصف الكريم ، وهو الوصف بالنبوة ، على سبيل التشريف والتعظيم .قال صاحب الكشاف : جعل - سبحانه - نداءه بالنبى والرسول فى قوله : ( ياأيها النبي ) .

( ياأيها الرسول ) وترك نداءه باسمه ، كما قال : يا آدم ، يا موسى ، يا عيسى ، يا داودك كرامة له وتشريفا ، وتنويها بفضله .فإن قلت : إن لم يوقع فى النداء .

فقد أوقعه فى الإِخبار ، فى قوله : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله ) قلت : ذلك لتعليم الناس بأنه رسول ، وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به .والمراد بأمره بتقوى الله : المداومة على ذلك ، والازدياد من هذه التقوى .أى : واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله ، وعلى مراقبته ، وعلى الخوف منه ، وأكثر من ذلك ، فإن تقوى الله ، على رأس الفضائل التى يحبها - سبحانه - .قال ابن كثير : هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى ، فإنه - تعالى - إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا ، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى .وقد قال خلف بن حبيب : التقوى أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ، ترجوا ثواب الله .وبعد الأمر بالتقوى ، جاء النهى عن طاعة غير المؤمنين ، فقال - تعالى - : ( وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ) .

أى : واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله ، واجتنب طاعة الكافرين الذين جحدوا نعم الله عليهم ، وعبدوا معه آلهة أخرى ، واجتنب كذلك طاعة المنافقين الذين يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر .وفى إيراد هذا النهى بعد الأمر بتقوى الله ، إشارة وإيحاء إلى ما كان يبذله هؤلاء الكافرون والمنافقون من جهود عنيفة ، لزحزحة النبى صلى الله عليه وسلم عما هو عليه من حق ، ولصرفه عن دعوتهم إلى الإِسلام .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن جماعة من أهل مكة ، طلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله ، وأن يعطوه شطر أموالهم ، وأن المنافقين واليهود بالمدينة هدوده بالقتل إن لم يرجع عن دعوتهم إلى الإِسلام ، فنزلت .وقوله - تعالى - ( إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) : تعليل الأمر والنهى ، أى : اتبع ما أمرناك به ، ومنا نهيناك عنه ، لأن الله - تعالى - عليم بكل شئ ، وحكيم فى كل أقواله وأفعاله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يا أيها النبى اتق الله ﴾ .

في تفسير الآية مسائل: الأولى: في الفرق بين النداء والمنادى بقوله يا رجل ويا أيها الرجل، وقد قيل فيه ما قيل ونحن نقول قول القائل يا رجل يدل على النداء وقوله يا أيها الرجل يدل على ذلك أيضاً وينبئ عن خطر خطب المنادي له أو غفلة المنادى أما الثاني: فمذكور وأما الأول: فلأن قوله: (يا أي) جعل المنادى غير معلوم أولاً فيكون كل سامع متطلعاً إلى المنادى فإذا خص واحداً كان في ذلك إنباء الكل لتطلعهم إليه، وإذا قال يا زيد أو يا رجل لا يلتفت إلى جانب المنادى إلا المذكور إذا علم هذا فنقول: ﴿ يا أَيُّهَا ﴾ لا يجوز حمله على غفلة النبي لأن قوله: ﴿ النبى ﴾ ينافي الغفلة لأن النبي عليه السلام خبير فلا يكون غافلاً فيجب حمله على خطر الخطب.

المسألة الثانية: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به إذ لا يصلح أن يقال للجالس اجلس وللساكت اسكت والنبي عليه السلام كان متقياً فما الوجه فيه؟

نقول فيه وجهان: أحدهما: منقول وهو أنه أمر بالمداومة فإنه يصح أن يقول القائل للجالس اجلس هاهنا إلى أن أجيئك، ويقول القائل للساكت قد أصبت فاسكت تسلم، أي دم على ما أنت عليه والثاني: وهو معقول لطيف، وهو أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي لم يؤمر بالتقوى بالمعنى الأول ولا بالمعنى الثاني، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا.

وكيف والأمور الدنيوية شاغلة والآدمي في الدنيا تارة مع الله، وأخرى مقبل على ما لابد منه، وإن كان معه الله وإلى هذا إشارة بقوله: ﴿ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحِى إِلَىَّ  ﴾ يعني يرفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فالأمر بالتقوى يوجب استدامة الحضور الوجه الثاني: هو أن النبي عليه الصلاة والسلام كل لحظة كان يزداد علمه ومرتبته حتى كان حاله فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه تركا للأفضل، فكان له في كل ساعة تقوى متجددة فقوله: ﴿ اتق الله ﴾ على هذا أمر بما ليس فيه وإلى هذا أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: من استوى يوماه فهو مغبون ولأنه طلب من ربه بأمر الله إياه به زيادة العلم حيث قال: ﴿ وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً  ﴾ وأيضاً إلى هذا وقعت الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» يعني يتجدد له مقام يقول الذي أتيت به من الشكر والعبادة لم يكن شيئاً، إذا علم هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم بحكم: ﴿ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ  ﴾ كان قد وقع له خوف ما يسير من جهة ألسنة الكفار والمنافقين ومن أيديهم بدليل قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه  ﴾ فأمره الله بتقوى أخرى فوق ما يتقيه بحيث تنسيه الخلق ولا يريد إلا الحق وزاد الله به درجته فكان ذلك بشارة له، في ﴿ يا أيها النبى ﴾ أنت ما بقيت في الدرجة التي يقنع منك بتقوى، مثل تقوى الآحاد أو تقوى الأوتاد بل لا يقنع منك إلا بتقوى تنسيك نفسك ألا ترى أن الإنسان إذا كان يخاف فوت مال إن هجم عليه غاشم يقصد قتله يذهل عن المال ويهرب ويتركه، فكذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمر بمثل هذه التقوى ومع هذه التقوى لا يبقى الخوف من أحد غير الله وخرج هذا مخرج قول القائل لمن يخاف زيد أو عمراً خف عمراً فإن زيداً لا يقدر عليك إذا كان عمرو معك فلا يكون ذلك أمراً بالخوف من عمرو فإنه يخاف وإنما يكون ذلك نهياً عن الخوف من زيد في ضمن الأمر بزيادة الخوف من عمرو حتى ينسيه زيداً.

ثم قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ﴾ يقرر قولنا أي اتق الله تقوى تمنعك من طاعتهم.

المسألة الثالثة: لم خص الكافرين والمنافقين بالذكر مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن لا يطيع أحداً غير الله؟

نقول لوجهين: أحدهما: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام الاتباع، ولا يتوقع أن يصير النبي عليه السلام مطيعاً له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعاً والثاني: هو أنه تعالى لما قال: ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ﴾ منعه من طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي عليه الصلاة والسلام طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بأمر أمر إيجاب معتقداً على أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ إشارة إلى أن التقوى ينبغي أن تكون عن صميم قلبك لا تخفى في نفسك تقوى غير الله كما يفعله الذي يرى من نفسه الشجاعة حيث يخاف في نفسه ويتجلد فإن التقوى من الله وهو عليم، وقوله: ﴿ حَكِيماً ﴾ إشارة إلى دفع وهم متوهم وهو أن متوهما لو قال إذا قال الله شيئاً وقال جميع الكافرين والمنافقين مع أنهم أقارب النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً آخر ورأوا المصلحة فيه وذكروا وجهاً معقولاً فاتباعهم لا يكون إلا مصلحة فقال الله تعالى إنه حكيم ولا تكون المصلحة إلى في قول الحكيم، فإذا أمرك الله بشيء فاتبعه ولو منعك أهل العالم عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن زرّ قال: قال لي أبيّ بن كعب رضي الله عنه: كم تعدّون سورة الأحزاب؟

قلت: ثلاثاً وسبعين آية.

قال: فوالذي يحلف به أبيّ بن كعب، إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول.

ولقد قرأنا منها آية الرجم: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)، أراد أبيّ رضي الله عنه أنّ ذلك من جملة ما نسخ من القرآن.

وأمّا ما يحكى: أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة رضي الله عنها فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض.

جعل نداءه بالنبيّ والرسول في قوله: ﴿ ياأيها النبى اتق الله ﴾ ﴿ ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ ﴾ [التحريم: 1] ، ﴿ ياأيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: 67] وترك نداءه باسمه كما قال: يا آدم، يا موسى، يا عيسى، يا داود: كرامة له وتشريفاً، وربئاً بمحله وتنويهاً بفضله.

فإن قلت: إن لم يوقع اسمه في النداء فقد أوقعه في الإخبار في قوله: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله ﴾ [الفتح: 29] ، ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ ﴾ [آل عمران: 144] .

قلت: ذاك لتعليم الناس بأنه رسول الله وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به، فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره بنحو ما ذكره في النداء ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128] ، و ﴿ وَقَالَ الرسول يارب ﴾ [الفرقان: 30] ، ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21] ، ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ [التوب: 62]، ﴿ النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 6] .

﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ﴾ [الأحزاب: 56] ، ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىّ ﴾ [المائدة: 81] ، اتق الله: واظب على ما أنت عليه من التقوى، واثبت عليه، وازدد منه، وذلك لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ﴾ لا تساعدهم على شيء ولا تقبل لهم رأياً ولا مشورة، وجانبهم واحترس منهم، فإنهم أعداء الله وأعداء المؤمنين، لا يريدون إلا المضارّة والمضادّة.

وروي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود: قريظة والنضير وبني قينقاع وقد بايعه أناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم.

وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه.

وكان يسمع منهم فنزلت.

وروي: أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد الله بن أبيّ ومعتب بن قشير والجد بن قيس، فقالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ارفض ذكر آلهتنا وقل إنها تشفع وتنفع وندعك وربك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين وهموا بقتلهم، فنزلت: أي اتق الله في نقض العهد ونبذ الموادعة، ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا إليك.

وروي أنّ أهل مكة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم، وأن يزوّجه شيبة بن ربيعة بنته، وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع.

فنزلت ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً ﴾ بالصواب من الخطإ، والمصلحة من المفسدة ﴿ حَكِيماً ﴾ لا يفعل شيئاً ولا يأمر به إلا بداعي الحكمة ﴿ واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ ﴾ في ترك طاعة الكافرين والمنافقين وغير ذلك ﴿ إِنَّ الله ﴾ الذي يوحي إليك خبير ﴿ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ فموح إليك ما يصلح به أعمالكم، فلا حاجة بكم إلى الاستماع من الكفرة.

وقرئ: ﴿ يعملون ﴾ بالياء، أي: بما يعمل المنافقون من كيدهم لكم ومكرهم بكم ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ وأسند أمرك إليه وكله إلى تدبيره ﴿ وَكِيلاً ﴾ حافظاً موكولاً إليه كل أمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الأحْزابِ مَدَنِيَّةٌ وآيُها ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ ناداهُ بِالنَّبِيِّ وأمَرَهُ بِالتَّقْوى تَعْظِيمًا لَهُ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ التَّقْوى، والمُرادُ بِهِ الأمْرُ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مانِعًا لَهُ عَمّا نَهى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ﴾ فِيما يَعُودُ بِوَهْنٍ في الدِّينِ.

رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهِلٍ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا عَلَيْهِ في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم وقامَ مَعَهُمُ ابْنُ أُبَيٍّ ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ إنَّ لَها شَفاعَةً ونَدَعْكَ ورَبَّكَ فَنَزَلَتْ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا ﴾ بِالمَصالِحِ والمَفاسِدِ.

﴿ حَكِيمًا ﴾ لا يَحْكُمُ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واتّبع ما يوحى إليك من رّبّك} في الثبات على التقوى وترك طاعة الكافرين والمنافقين {إنّ الله} الذي يوحي إليك {كان بما تعملون خبيرا} أى لم يزل عالما بأعمالكم وقيل إنما جمع لأن المراد بقوله اتبع هو وأصحابه وبالياء أبو عمرو أى بما يعمل الكافرون والمنافقون من كيدهم لكم ومكرهم بكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الأحْزابِ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأحْزابِ بِالمَدِينَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وهي ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: بِالإجْماعِ، وقالَ الدّانِيُّ: هَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، والطَّيالِسِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، وآخَرُونَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، كائِنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ، أوْ كائِنْ تَعُدُّها؟

قُلْتُ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً، فَقالَ: اقْطَعْ، لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لِتُعادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ، ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها «الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، وأرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ النَّسْخَ، وأمّا كَوْنُ الزِّيادَةِ كانَتْ في صَحِيفَةٍ عِنْدَ عائِشَةَ فَأكَلَها الدّاجِنُ، فَمِن وضْعِ المَلاحِدَةِ وكَذِبِهم في أنَّ ذَلِكَ ضاعَ بِأكْلِ الدّاجِنِ مِن غَيْرِ نَسْخٍ، كَذا في الكَشّافِ.

وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في الفَضائِلِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِائَتَيْ آيَةٍ فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ المَصاحِفَ لَمْ يَقْدِرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ، وهو ظاهِرٌ في الضَّياعِ مِنَ القُرْآنِ، ومُقْتَضى ما سَمِعْتُ أنَّهُ مَوْضُوعٌ، والحَقُّ أنَّ كُلَّ خَبَرٍ ظاهِرُهُ ضَياعُ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ، إمّا مَوْضُوعٌ أوْ مُؤَوَّلٌ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيِّ تَشابُهُ مَطْلَعِ هَذِهِ، ومَقْطَعِ تِلْكَ، فَإنَّ تِلْكَ خُتِمَتْ بِأمْرِ النَّبِيِّ  بِالإعْراضِ عَنِ الكافِرِينَ وانْتِظارِ عَذابِهِمْ، وهَذِهِ بَدَأتْ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّقْوى، وعَدَمِ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، واتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ ناداهُ جَلَّ وعَلا بِوَصْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ اسْمِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وتَفْخِيمًا، قالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ تَعالى جَعَلَ نِداءَهُ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالوَصْفِ كَرامَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَشْرِيفًا ورَبْأً بِمَحَلِّهِ، وتَنْوِيهًا بِفَضْلِهِ، وأوْقَعَ اسْمَهُ في الإخْبارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ  ﴾ ، ﴿ وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ  ﴾ لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وتَلْقِينٌ لَهم أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ، ويَدْعُوهُ بِهِ، فَلا تَفاوُتَ بَيْنَ النِّداءِ والإخْبارِ، ألا تَرى إلى ما لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّعْلِيمُ والتَّلْقِينُ مِنَ الإخْبارِ، كَيْفَ ذَكَرَهُ تَعالى بِنَحْوِ ما ذَكَرَهُ في النِّداءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ ، ﴿ وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ  ﴾ ، ﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ أمْرَ التَّعْلِيمِ والتَّلْقِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ ظاهِرٌ أمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ ﴾ فَلا، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ  ﴾ ، يَنْقُضُ ما بَناهُ، نَعَمِ النِّداءُ يُناسِبُ التَّعْظِيمَ، ورُبَّما يَكُونُ نِداءُ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في كُتُبِهِمْ أيْضًا عَلى نَحْوٍ مِنهُ، وحُكِيَ في القُرْآنِ بِأسْمائِهِمْ دَفْعًا لِلْإلْباسِ، والأشْبَهُ أنَّهُ لَمّا قَلَّ ذِكْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْمِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ شَأْنًا صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ.

واخْتارَ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ أنَّ النِّداءَ المَذْكُورَ هُنا لِلِاحْتِراسِ، وجَبْرِ ما يُوهِمُهُ الأمْرُ، والنَّهْيُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ  ﴾ ، وظاهِرُ سِياقِ ما بَعْدُ أنَّ المَعْنِيَّ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لا أُمَّتُهُ، كَما قِيلَ في نَظائِرِهِ، والمَقْصُودُ الدَّوامُ، والثَّباتُ عَلَيْها، وقِيلَ: الِازْدِيادُ مِنها، فَإنَّ لَها بابًا واسِعًا وعَرْضًا عَرِيضًا لا يُنال مَداهُ، ﴿ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ ﴾ أيِ المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ، ﴿ والمُنافِقِينَ ﴾ المُضْمِرِينَ لِذَلِكَ فِيما يُرِيدُونَ مِنَ الباطِلِ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «إنَّ أهْلَ مَكَّةَ مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ دَعَوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهِ عَلى أنْ يُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، وخَوَّفَهُ المُنافِقُونَ واليَهُودُ بِالمَدِينَةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ قَتَلُوهُ فَنَزَلَتْ،» وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ بِغَيْرِ إسْنادٍ: «أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في زَمانِ المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَهُمْ، وقامَ مَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعْتِبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ: إنَّها تَشْفَعُ، وتَنْفَعُ، ونَدَعُكَ ورَبَّكَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ فَنَزَلَتْ،» وقِيلَ: «نَزَلَتْ في ناسٍ مِن ثَقِيفَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَطَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُمَتِّعَهم بِاللّاتِ والعُزّى سَنَةً قالُوا: لِتَعْلَمَ قُرَيْشٌ مَنزِلَتَنا مِنكَ،» ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنَّهْيِ الثَّباتَ عَلى عَدَمِ الإطاعَةِ، وذِكْرُهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّقْوى المُرادُ مِنهُ الثَّباتُ عَلَيْها عَلى ما قِيلَ مِن قَبِيلِ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاهْتِمامَ بِهِ، وقِيلَ: مِن قَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ كُلٍّ مِنَ التَّقْوى والإطاعَةِ مُغايِرٌ لِلْآخَرِ عَلى ما رَوى الواحِدِيُّ، والثَّعْلَبِيُّ، والمَعْنى: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى في نَقْضِ العَهْدِ ونَبْذِ المُوادَعَةِ، ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا مِنكَ مِن رَفْضِ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ، وقَوْلِكَ: إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ، وكَأنَّهُ إنَّما قَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى في نَقْضِ العَهْدِ لِما أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ هَمُّوا بِما يَقْتَضِيهِ بِخِلافِ الإطاعَةِ المَنهِيِّ عَنْها، فَإنَّها مِمّا لَمْ يَهُمَّ بِما يَقْتَضِيها أحَدٌ أصْلًا، فَكانَ الِاهْتِمامُ بِالأمْرِ أتَمَّ مِنَ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ النَّهْيِ، ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ والحِكْمَةِ، فَيَعْلَمُ الأشْياءَ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ فَلا يَأْمُرُكَ إلّا بِما فِيهِ مَصْلَحَةٌ، ولا يَنْهاكَ إلّا عَمّا فِيهِ مَفْسَدَةٌ ولا يَحْكُمُ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، مُؤَكِّدٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِها.

وقِيلَ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا بِمَن يَتَّقِي، فَيُجازِيهِ بِما يَلِيقُ بِهِ، حَكِيمًا في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ، فالجُمْلَةُ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي سبعون وثلاث آيات مكية قوله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ قال مقاتل: وذلك أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، قدموا المدينة بعد أحد، وبعد الهدنة.

فمروا على عبد الله بن أبي المنافق.

فقام معهم عبد الله بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق.

فجاؤوا إلى الرسول  .

فقالوا له: اترك ذكر آلهتنا.

وقل: إن لها شفاعة في الآخرة ومنفعة لمن عبدها، وندعك وربك.

فشقّ ذلك على النبي  فقال عمر-  - ائذن لي في قتلهم.

فقال: «قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الأَمَانَ» .

فلم يأذن له بالقتل وأمره بأن يخرجهم من المدينة.

فقال لهم عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه.

فنزل يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وقال مقاتل في رواية الكلبي: قدموا على رسول الله  بالمدينة، فنزلوا على عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير، وجد بن قيس، فتكلموا فيما بينهم.

فلما اجتمعوا في أمر فيما بينهم، أتوا رسول الله  يدعونه إلى أمرهم، وعرضوا عليه أشياءً، فكرهها منهم.

فهمّ بهم رسول الله  والمسلمون أن يقتلوهم فنزل يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تنقض العهد الذي بينك وبينهم إلى المدةَ.

وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ من أهل مكة وَالْمُنافِقِينَ من أهل المدينة فيما دعوك إليه.

ويقال: إن المسلمين أرادوا أن ينقضوا العهد فأراد النبيّ  أن يأذن لهم.

فنزل يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ في نقض العهد.

وإنما ذكر النبيّ  وأراده هو وأصحابه.

ألا ترى أنه قال في سياق الآية: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بما اجتمعوا عليه حَكِيماً حيث نهاك عن نقض العهد وحكم بالوفاء.

قوله عز وجل: وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: ما في القرآن إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً من وفاء العهد ونقضه وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يعني: ثق بالله، وفوض أمرك إلى الله تعالى وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يعني: حافظاً وناصراً.

قرأ أبو عمرو: بِمَا يَعْمَلُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم.

وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة يعني: النبيّ  وأصحابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أزالَ الله بهذه الآية أحكاماً كانت في صدر الإسلام، منها أن النّبي صلى الله عليه وسلّم كان لا يصلي على ميت عليه دين، فذَكَرَ اللهُ تعالى أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فجمع هذا أن المؤمن يلزم أن يحبّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم أكثرَ من نَفسِهِ، حَسَبَ حديثِ عمر بن الخطاب، ويلزمُ أن يَمْتَثِلَ أوامرَهُ، أحبت نفسُهُ ذلك أو كرهت، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم حين نزلت هذه الآية: «أَنَاْ أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَاً أَوْ ضِيَاعاً فإلَيَّ وَعَلَيَّ، أَنا وليّه، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ...

» .

ت: ولفظ البخاريِّ من رواية أبي هريرةَ أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلاَّ وَأَنَا أولى به في الدّنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضِيَاعاً، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهِ» «١» .

قال ابن العربيِّ: في «أحكامه» «٢» : فهذا الحديث هو تفسير الولاية في هذه الآية.

انتهى.

قال ع «٣» : وقال بعض العارفين: هو صلى الله عليه وسلّم أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنَّ أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة.

قال ع «٤» : ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلّم: «فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُون فِيهَا تَقَحَّمَ الفَرَاشِ» .

قال عياض في «الشفا» : قال أهل التفسير في قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: ما أنفذه فيهم من أمر فهو ماضٍ عليهم كما يمضي حكمُ السيد على عبده، وقيل: اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس.

انتهى.

وشرّف تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلّم بأن جعلهن أمهاتِ المُؤْمِنِينَ في المَبَرَّةِ وحُرْمَةِ النّكاح، وفي مصحف أبيّ بن كعب «٥» :

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الأحْزابِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السِّلْمِيَّ، قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، فَنَزَلُوا عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومَعْتِبِ بْنِ قُشَيْرٍ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ؛ فَتَكَلَّمُوا فِيما بَيْنَهُمْ، وأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَدَعُوهُ إلى أمْرِهِمْ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ أشْياءَ كَرِهَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَرْفُضَ ذِكْرَ اللّاتِ والعُزّى ويَقُولَ: إنَّ لَها شَفاعَةً، فَكَرِهَ ذَلِكَ، ونَزَلَتْ [هَذِهِ] الآيَةُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ ﴾ الَّذِينَ يَقُولُونَ: اطْرُدْ عَنّا أتْباعَكَ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ ﴿ والمُنافِقِينَ ﴾ فَلا تَقْبَلْ مِنهم رَأْيًا.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ بِالتَّقْوى، وهو سَيِّدُ المُتَّقِينَ؟!

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ اسْتِدامَةُ ما هو عَلَيْهِ.

والثّانِي: الإكْثارُ مِمّا هو فِيهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ وُوجِهَ بِهِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وأرادَ بِالكافِرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ، وأبا الأعْوَرِ، وبِالمُنافِقِينَ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وطُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٨١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ: لِمُحَمَّدٍ قَلْبانِ، قَلْبٌ مَعَنا، وقَلْبٌ مَعَ أصْحابِهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ الفِهْرِيِّ- كَذا نَسَبَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ الفَرّاءُ: جَمِيلُ بْنُ أسَدٍ، ويُكَنّى: أبا مَعْمَرٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: أبُو مَعْمَرِ بْنُ أنَسٍ الفِهْرِيُّ وكانَ لَبِيبًا حافِظًا لِما سَمِعَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما حَفِظَ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا ولَهُ قَلْبانِ في جَوْفِهِ، وكانَ يَقُولُ: إنَّ لِي قَلْبَيْنِ أعْقِلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أفْضَلَ مِن عَقْلِ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وهُزِمَ المُشْرِكُونَ وفِيهِمْ يَوْمَئِذٍ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ، تَلَقّاهُ أبُو سُفْيانَ وهو مُعَلِّقٌ إحْدى نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ، والأُخْرى في رِجْلِهِ، فَقالَ لَهُ: ما حالُ النّاسِ؟

فَقالَ: انْهَزَمُوا، قالَ: فَما بالُكَ إحْدى نَعْلَيْكَ في يَدِكَ والأُخْرى في رِجْلِكَ؟

قالَ: ما شَعَرْتُ إلّا أنَّهُما في رِجْلَيَّ، فَعَرَفُوا [يَوْمَئِذٍ] أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ قَلْبانِ لَما نَسِيَ نَعْلَهُ في يَدِهِ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقَدْ قالَ الزُّهْرِيُّ في هَذا قَوْلًا عَجِيبًا، قالَ: بَلَغَنا أنَّ ذَلِكَ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ ضُرِبَ لَهُ مَثَلٌ يَقُولُ: لَيْسَ ابْنُ رَجُلٍ آخَرَ ابْنَكَ.

قالَ الأخْفَشُ: " مِن " زائِدَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَلْبَيْنِ ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: أكْذَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قالَ: لِي قَلْبانِ، ثُمَّ قَرَّرَ بِهَذا الكَلامِ ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ وغَيْرُهم مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَقالَ: ﴿ وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الزَّوْجَةَ لا تَكُونُ أُمًّا، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُطَلِّقُ بِهَذا الكَلامِ، وهو أنْ يَقُولَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ أيْ: ما جَعَلَ مَن تَدْعُونَهُ ابْنًا- ولَيْسَ بِوَلَدٍ في الحَقِيقَةِ- ابْنًا ﴿ ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ ﴾ أيْ: نَسَبُ مَن لا حَقِيقَةَ لِنَسَبِهِ قَوْلٌ بِالفَمِ لا حَقِيقَةَ تَحْتَهُ ﴿ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ ﴾ أيْ: لا يَجْعَلُ غَيْرَ الِابْنِ ابْنًا ﴿ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ أيْ: لِلسَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ.

وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ ﴾ نَزَلَتْ في أوْسِ بْنِ الصّامِتِ وامْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ.

وَمَعْنى الكَلامِ: ما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ كَأُمَّهاتِكم في التَّحْرِيمِ، إنَّما قَوْلُكم مَعْصِيَةٌ، وفِيهِ كَفّارَةٌ، وأزْواجُكم لَكم حَلالٌ؛ وسَنَشْرَحُ هَذا في سُورَةِ (المُجادَلَةِ) إنْ شاءَ اللَّهُ.

وذَكَرُوا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ نَزَلَ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، أعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ  وتَبَنّاهُ قَبْلَ الوَحْيِ،فَلَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ  زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ قالَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ وهو يَنْهى النّاسَ عَنْها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وكَذَلِكَ قالَ المَهَدُوِيُّ وغَيْرُهُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ اتَّقِ اللهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "اتَّقِ" ﴾ مَعْناهُ: دُمْ عَلى التَقْوى، ومَتى أُمِرَ أحَدٌ بِشَيْءٍ هو بِهِ مُتْلَبِسٌ فَإنَّما مَعْناهُ الدَوامُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى مَثَلِ الحالَةِ الماضِيَةِ، وحَذَّرَهُ تَعالى مِن طاعَةِ الكافِرِينَ، وهُمُ المُجَلَّحُونَ بِالكُفْرِ، والمُنافِقُونَ وهُمُ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ وهم لا يُبْطِنُونَهُ.

وَسَبَبُ الآيَةِ أنَّهم كانُوا يُلِحُّونَ عَلى رَسُولِ اللهِ  بِالطَلَباتِ والإراداتِ، رُبَّما كانَ في إرادَتِهِمْ سَعْيٌ عَلى الشَرْعِ، وهم يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ المَصالِحِ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ  : بِخُلُقِهِ العَظِيمِ وحِرْصِهِ عَلى اسْتِئْلافِهِمْ رُبَّما لا يَنَهُمُ في بَعْضِ الأُمُورِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، تَحْذِيرًا لَهُ مِنهُمْ، وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ، والنَوازِلُ في طَلَباتِهِمْ كَثِيرَةٌ مَحْفُوظَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  ، أيْ: لا عَلَيْكَ مِنهم ولا مِن إيمانِهِمْ، فاللهُ عَلِيمٌ بِما يَنْبَغِي لَكَ، حَكِيمٌ في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِاتِّباعٍ ما يُوحى إلَيْهِ - وهو القُرْآنُ الحَكِيمُ - والِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ تَوَعُّدٌ مّا.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، والتَوَعُّدُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْكافِرِينَ والمُنافِقِينَ أبْيَنُ.

وقَوْلُهُ "كانَ" في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ يَقْتَضِي الدَوامَ، أيْ: كانَ ويَكُونُ، ولَيْسَتِ الدالَّةَ عَلى زَمَنٍ مَخْصُوصٍ لِلْمُضِيِّ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في جَمِيعِ أمْرِهِ، وأعْلَمَهُ أنَّ ذَلِكَ كافٍ مُقْنِعٌ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿ "بِاللهِ" ﴾ زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وكَأنَّهُ قالَ: وكَفى اللهُ، وهي عِنْدُهُ كَقَوْلِهِمْ: بِحَسْبِكِ أنْ تَفْعَلَ، وغَيْرُهُ يَراها غَيْرَ زائِدَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِـ"كَفى"، عَلى مَعْنى: اكْتَفِ بِاللهِ، و"الوَكِيلُ" القائِمُ بِالأمْرِ المُغْنِي فِيهِ عن كُلِّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح السورة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وندائه بوصفه مُؤذِنٌ بأن الأهم من سوق هذه السورة يتعلق بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وقد نودي فيها خمس مرات في افتتاح أغراض مختلفة من التشريع بعضها خاص به وبعضها يتعلق بغيره وله ملابسة له.

فالنداء الأول: لافتتاح غرض تحديد واجبات رسالته نحو ربه.

والنداء الثاني: لافتتاح غرض التنويه بمقام أزواجه واقترابه من مقامه.

والنداء الثالث: لافتتاح بيان تحديد تقلبات شؤون رسالته في معاملة الأمة.

والنداء الرابع: في طالعَة غرض أحكام تزوجه وسيرته مع نسائه.

والنداء الخامس: في غرض تبليغه آداب النساء من أهل بيته ومن المؤمنات.

فهذا النداء الأول افتتح به الغرض الأصلي لبقية الأغراض وهو تحديد واجبات رسالته في تأدية مراد ربه تعالى على أكمل وجه دون أن يفسد عليه أعداء الدين أعماله، وهو نظير النداء الذي في قوله ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ [المائدة: 67] الآية، وقوله: ﴿ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ [المائدة: 41] الآيات.

ونداء النبي عليه الصلاة والسلام بوصف النبوءة دون اسمه العلم تشريف له بفضل هذا الوصف ليُربأ بمقامه عن أن يخاطب بمثل ما يخاطب به غيره ولذلك لم يناد في القرآن بغير ﴿ يا أيها النبي ﴾ أو ﴿ يا أيها الرسول ﴾ [المائدة: 67] بخلاف الإخبار عنه فقد يجيء بهذا الوصف كقوله ﴿ يوم لا يُخزِي الله النبي ﴾ [التحريم: 8] ﴿ وقال الرسول يا رب ﴾ [الفرقان: 30] ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ [الأنفال: 1] ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ [الأحزاب: 6]، ويجيء باسمه العلم كقوله ﴿ ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم ﴾ [الأحزاب: 40].

وقد يتعين إجراء اسمه العلم ليوصف بعده بالرسالة كقوله تعالى ﴿ محمد رسولُ الله ﴾ [الفتح: 29] وقوله ﴿ وما محمد إلا رسولٌ ﴾ [آل عمران: 144].

وتلك مقامات يقصد فيها تعليم الناس بأن صاحب ذلك الاسم هو رسول الله، أو تلقين لهم بأن يسمُّوه بذلك ويدْعوه به، فإن علم أسمائه من الإيمان لئلا يلتبس بغيره، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لي خمسة أسماءٍ: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» تعليماً للأمة.

وقد أنهى أبو بكر ابن العربي أسماء النبي صلى الله عليه وسلم إلى سبعة وستين وأنهاها السيوطي إلى ثلاثمائة.

وذكر ابن العربي أن بعض الصوفية قال: أسماء النبي ألفَا اسم كما سيأتي عند قوله تعالى: ﴿ يأيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ [الأحزاب: 45].

والأمر للنبيء بتقوى الله توطئة للنهي عن اتّباع الكافرين والمنافقين ليحصل من الجملتين قصرُ تقواه على التعلق بالله دون غيره، فإن معنى ﴿ لا تطع ﴾ مرادف معنى: لاَ تَتَّققِ الكافرين والمنافقين، فإن الطاعة تقوى؛ فصار مجموع الجملتين مفيداً معنى: يأيها النبي لا تتق إلا الله، فعدل عن صيغة القصر وهي أشهر في الكلام البليغ وأوجز إلى ذكر جملتي أمر ونهي لقصد النص على أنه قصر إضافي أريد به أن لا يطيع الكافرين والمنافقين لأنه لو اقتصر على أن يُقال: لا تتق إلا الله لما أصاخت إليه الأسماع إصاخة خاصة لأن تقوى النبي صلى الله عليه وسلم ربه أمر معلوم، فسلك مسلك الإطناب لهذا، كقول السموْأل: تَسِيل على حدّ الظُبات نفوسنا *** وليستْ على غير الظُبات تسيل فجاء بجملتي إثبات السيلان يِقَيْدٍ ونفيه في غير ذلك القيد للنص على أنهم لا يكرهون سيلان دمائهم على السيوف ولكنهم لا تسيل دماؤهم على غير السيوف.

فإن أصل صيغة القصر أنها مختصرة من جملتي إثبات ونفي، ولكون هذه الجملة كتكملة للتي قبلها عطفت عليها لاتحاد الغرض منهما.

وقد تعين بهذا أن الأمر في قوله ﴿ اتّققِ الله ﴾ والنهي في قوله ﴿ ولا تُطِععِ الكافرين والمنافقين ﴾ مستعملان في طلب الاستمرار على ما هو ملازم له من تقوى الله، فأشعر ذلك أن تشريعاً عظيماً سيلقى إليه لا يخلو من حرج عليه فيه وعلى بعض أمته، وأنه سيلقى مطاعن الكافرين والمنافقين.

وفائدة هذا الأمر والنهي التشهير لهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل أقوالهم ليَيْأسوا من ذلك لأنهم كانوا يدبرون مع المشركين المكايد ويظهرون أنهم ينصحون النبي صلى الله عليه وسلم ويلحّون عليه بالطلبات نصحاً تظاهراً بالإسلام.

والمراد بالكافرين المجاهرون بالكفر لأنه قوبل بالمنافقين، فيجوز أن يكونوا المشركين كما هو غالب إطلاق هذا الوصف في القرآن والأنسبُ بما سيعقبه من قوله ﴿ مَا جَعَلَ الله لِرَجُللٍ مِنْ قَلْبَيْن في جوفه ﴾ [الأحزاب: 4] إلى آخر أحكام التبنِّي، والموافق لما روي في سبب نزولها على ضعف فيه سنبينه؛ ويجوز أن يكونوا اليهودَ كما يقتضيه ما يروى في سبب النزول، ولو حمل على ما يعمّ نوعي الكافرين المجاهرين لم يكن بعيداً.

والطاعة: العمل على ما يأمر به الغير أو يشير به لأجل إجابة مرغوبة.

وماهيتها متفاوتة مقول عليها بالتشكيك، ووقوع اسمها في سياق النهي يقتضي النهي عن كل ما يتحقق فيه أدنى ماهيتها، مثل أن يعدل عن تزوج مُطَلَّقة متبناه لقول المنافقين: إن محمداً ينهَى عن تزوج نساء الأبناء وتزوج زوج ابنه زيد بن حارثة، وهو المعنى الذي جاء فيه قوله تعالى: ﴿ وتَخشى الناسَ والله أحق أن تَخشاه ﴾ [الأحزاب: 37]، وقوله: ﴿ ولا تطِع الكافرين والمنافقين ودَعْ أذاهم ﴾ [الأحزاب: 48] عقب قضية امرأة زيد.

ومثل نقض ما كان للمشركين من جعل الظهار موجباً مصير المظاهرَة أُمًّا للمُظاهِر حراماً عليه قربانها أبداً، ولذلك أردفت الجملة بجملة ﴿ إن الله كان عليماً حكيماً ﴾ تعليلاً للنهي.

والمعنى: أن الله حقيق بالطاعة له دون الكافرين والمنافقين لأنه عليم حكيم فلا يأمر إلا بما فيه الصلاح.

ودخول ﴿ إنّ ﴾ على الجملة قائم مقام فاء التعليل ومغننٍ غناءها على ما بُيّن في غير موضع، وشاهده المشهور قول بشار: بَكِّرَا صَاحِبَيّ قبل الهجير إن ذاك النجاحَ في التبكير وقد ذكر الواحدي في «أسباب النزول» والثعلبي والقشيري والماوردي في «تفاسيرهم»: أن قوله تعالى ﴿ ولا تُطِععِ الكافرين والمنافقين ﴾ نزل بسبب أنه بعد وقعة أُحُد جاء إلى المدينة أبو سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبو الأعور السُّلَمي عَمرُو بن سفيان من قريش وأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمان في المدينة وأن ينزلوا عند عبد الله بن أبيّ ابن سلول ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أُبيّ ومعتِّب بن قُشير، والجدّ بن قيس، وطمعةَ بن أُبَيْرِق فسألوا رسول الله أن يترك ذكر آلهة قريش، فغضب المسلمون وهَمّ عُمر بقتل النفر القرشيين، فمنعه رسول الله لأنه كان أعطاهم الأمان، فأمرهم أن يخرجوا من المدينة فنزلت هذه الآية، أي: اتق الله في حفظ الأمان ولا تطع الكافرين وهم النفر القرشيون والمنافقين وهم عبد الله بن أبّي ومن معه.

وهذا الخبر لا سند له ولم يعرج عليه أهل النقد مثل الطبري وابن كثير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الأحْزابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ وهَذا وإنْ كانَ مَعْلُومًا مِن حالِهِ فَفي أمْرِهِ بِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى هَذا الأمْرِ الإكْثارُ مِنِ اتِّقاءِ اللَّهِ في جِهادِ أعْدائِهِ.

الثّانِي: اسْتِدامَةُ التَّقْوى عَلى ما سَبَقَ مِن حالِهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ تُوَجَّهُ إلَيْهِ والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ مِن أُمَّتِهِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا وهو ما رُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا المَدِينَةَ لِيُجَدِّدُوا خِطابَ رَسُولِ اللَّهِ  في عَهْدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَنَزَلُوا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ وائْتَمَرُوا بَيْنَهم وأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أُمُورًا كَرِهَ جَمِيعَها فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  والمُسْلِمُونَ أنْ يَقْتُلُوهم فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ يَعْنِي في نَقْضِ العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم إلى المُدَّةِ المَشْرُوطَةِ لَهم.

» ﴿ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ.

﴿ والمُنافِقِينَ ﴾ مِن أهْلِ المَدِينَةِ فِيما دَعَوْا إلَيْهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلِيمًا بِسَرائِرِهِمْ حَكِيمًا بِتَأْخِيرِهِمْ.

الثّانِي: عَلِيمًا بِالمَصْلَحَةِ حَكِيمًا في التَّدْبِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ أبي بن خلف ﴿ والمنافقين ﴾ أبو عامر الراهب، وعبد الله بن أُبي بن سلول، والجد بن قيس.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ الآية.

قال مقاتل (١) (٢) (٣)  - المدينة بعد قتال أحد، ونزلوا على عبد الله بن أبي وقد اعطاهم النبي -  - الأمان على أن يكلموه ومعهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي -  -: ارفض ذكر آلهتنا، وقيل: إن لها شفاعة لمن عبدها، فشق ذلك عليه وأمر عمر رحمه الله بإخراجهم من المدينة، فأنزل الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ .

وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح (٤) قال الفراء: اتق الله في نقض العهد؛ لأنه كانت بينهم موادعة فأمر بأن لا ينقض العهد، وذلك أنهم سألوا رسول الله -  - أشياء فكرهها، فهم بهم المسلمون (٥) وقال أبو إسحاق: معناه أثبت على تقوى الله ودم عليه [[و (٦) ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ ﴾ يعني: أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور والمنافقين عبد الله بن أبي وابن سعد وطعمة.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ بما يكون قبل كونه.

﴿ حَكِيمًا ﴾ فيما يخلقه.

(١) انظر: "تفسير مقاتل" 86 أ.

وقد ذكر القصة بطولها.

(٢) هو: عمرو بن سفيان بن عبد شمس، أبو الأعور الأسلمي مشهور بكنيته.

قال مسلم وأبو أحمد والحاكم في "الكنى" له صحبه، وبه قال جماعة.

وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: أدرك الجاهلية ولا صحبة له وحديثه مرسل.

وذكره البخاري في من اسمه عمرو، ولم يذكر له صحبة، كان أميرًا لجيش الشام في عمورية سنة 23، ولم يذكر العلماء تاريخ وفاته -  -.

انظر: "أسد الغابة" 4/ 109، "الإصابة" 4/ 302.

(٣) في (ب): (مرا).

(٤) "تفسير ابن عباس" ص 350.

(٥) "معاني القرآن" 2/ 334.

(٦) في (أ): (قاله).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها النبي ﴾ نداء فيه تكريم له، لأنه ناداه بالنبوّة، ونادى سائر الأنبياء بأسمائهم ﴿ اتق الله ﴾ أي دُمْ على التقوى وزد منها ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ﴾ أي لا تقبل أقوالهم وإن أظهروا أنها نصيحة، ويعني بالكافرين المظهرين للكفر، وبالمنافقين الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر، وروي أن الكافرين هنا.

أبيّ بن خلف، والمنافقين هنا: عبد الله بن أبيّ بن سلول، والعموم أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.

بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.

وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.

الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.

﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.

الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.

التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.

قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟

قلت: ثلاثاً وسبعين آية.

قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.

أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.

وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.

ومن تشريفات الرسول  أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم  ﴾ ﴿ يا موسى  ﴾ ﴿ يا عيسى  ﴾ ﴿ يا داود  ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله  ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله  ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل  ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد  ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول  ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة  ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ  ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.

يروى أنه  لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.

وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.

أي اتق الله في نقض العهد.

﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.

﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه  في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه  لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.

وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.

فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.

والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور  ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.

ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.

كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.

وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.

وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.

وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.

والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".

واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله  فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله  هذه الآية.

وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم  ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.

وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.

وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.

وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.

وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.

ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.

ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.

ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.

ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي  بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.

وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله  "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.

ومن كمال عناية الله  بأمة محمد  أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.

ولذلك صار المؤمنون أخوة.

قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.

وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".

وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.

ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.

والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.

قال أهل النظم: كأنه  قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله  كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.

ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.

ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.

وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا  لأفضليته.

وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك  ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.

وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.

قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.

وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً  ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال  "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.

وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي  : حلالها حساب وحرامها عقاب.

فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.

ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم  ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.

قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.

وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.

ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.

وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.

وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.

وحين سمع رسول الله  بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.

ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.

ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.

ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.

والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.

ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.

فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.

﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي  وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله  بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله  ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.

ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله  بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.

والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.

ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.

قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.

عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله  ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.

وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.

وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.

ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.

عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.

ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.

قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.

اي ومعتقلاً رمحاً.

أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.

والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول  وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم  ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.

وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.

وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.

وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.

﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.

قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.

ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.

ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.

ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.

التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان  متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي  فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.

وبعد النبي  سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.

والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.

أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ .

جائز أن يكون ظاهر الخطاب وإن كان لرسول الله  : فهو للناس عاما؛ ألا ترى أنه قال على أثره: ﴿ وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ خاطب به الجماعة، وقد خاطب رسوله في غير آي من القرآن، والمراد به غيره؛ فعلى ذلك جائز أن يكون هذا كذلك.

ويشبه أن يكون المراد بالخطاب - أيضاً - خاصة، لكن إن كان ما خاطب به مما يشترك فيه غيره - دخل في ذلك الخطاب وفي ذلك النهي، وإن كان مما يتفرد به من نحو: تبليغ الرسالة إليهم، وما تضمنته الرسل، وإن خاف على نفسه القتل والهلاك فإن عليه ذلك لا محالة، كقوله: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ...

﴾ الآية [المائدة: 67].

وأما أهل التأويل فمما اختلفوا فيه: قال بعضهم: نزلت الآية، وذلك أن نفرا من أهل مكة - أبو سفيان بن حرب، وعكرمة ابن أبي جهل، وأبو الأعور السلمي، وهؤلاء - قدموا المدينة، فدخلوا على عبد الله بن أبي رئيس المنافقين بعد قتلى أحد، وقد أعطاهم النبي الأمان على أن يكلموه، فقالوا للنبي وعنده عمر بن الخطاب -  -: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومنات، وندعك وربك؛ فشق ذلك على النبي  ؛ فأنزل الله -  - هذه الآية: ﴿ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ ، وفيهم نزل: ﴿ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ  ﴾ .

وفي بعض الروايات: قالوا ذلك - وعنده عمر بن الخطاب - فقال: "يا رسول الله، ائذن لي في قتلهم؛ فقال النبي  : إني قد أعطيتهم الأمان" ، فإن كان على هذا فالنهي: عن نقض العهد والأمان.

وإن كان على الأول: فالنهي عن اتباع ما طلبوا منه من رفض آلهتهم والعبادة لها.

وبعضهم يقولون: إن أهل مكة نحو: شيبة بن ربيعة وهؤلاء قالوا له: إنا نعطيك يا محمد كذا كذا من المال، ونزوجك كذا كذا امرأة كثيرة المال؛ فارفضنا وآلهتنا؛ وإلا قتلك المنافقون: فلان وفلان، عدّوا نفراً؛ فأنزل الله -  - الآية في ذلك بالنهي عن اتباع ما طلبوا منه ودعوه إليه، وأمره بالتوكل على الله في ترك الاتباع لهم.

وأصله ما ذكرنا: أن النهي - وإن كان له خاصة - فيما ذكر فهو - وإن كان معصوماً - فالعصمة لا تمنع الأمر والنهي - بل العصمة إنما تنفع إذا كان ثمة نهي وأمر؛ إذ لولا النهي والأمر لكان لا معنى للعصمة ولا منفعة لها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ : في ترك تبليغ الرسالة إليهم، ﴿ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ في اتباع ما دعوك إليه وطلبوا منك، أو في غيره.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ .

﴿ عَلِيماً ﴾ بما كان ويكون منهم، أي: على علم بما يكون منهم من التكذيب والردّ عليك بعثك، لا على جهل، ﴿ حَكِيماً ﴾ : في ذلك، أي: بعثه إياك إليهم، على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد، لا يخرجه عن الحكمة، ليس كملوك الأرض: إذا أرسل بعضهم إلى بعض رسالات وهدايا، على علم من المرسل أن المبعوث إليه يرد الرسالة والهدية يكون سفهاً؛ لأنهم يبعثون ويرسلون لحاجة أنفسهم، أعني: أنفس المرسلين، فإذا أرسلوا على علم منهم بالردّ والتكذيب كان ذلك سفهاً خارجاً عن الحكمة.

فأما الله -  - إنما يرسل الرسل ويبعثهم لمنفعة أنفسهم وحاجتهم، فعلمه بالرد والتكذيب لا يخرجه عن الحكمة.

وقوله -  -: ﴿ وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ .

هذا يحتمل الخصوص له على ما ذكرنا، ويحتمل العموم على ما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ يدل على ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ : خاطب به الكل - والله أعلم - وهو ما ذكرنا أنه على علم بما يكون منهم من التكذيب والردّ.

وقوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: اعتمد على الله في تبليغ الرسالة، ولا تخف أذاهم.

﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً ﴾ .

أي: حافظاً يحفظك ويمنعهم عنك، كقوله: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها النبي، اثبُتْ ومن معك على تقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وخَفْه وحده، ولا تطع الكافرين والمنافقين فيما تهوى نفوسهم، إن الله كان عليمًا بما يكيده الكفار والمنافقون، حكيمًا في خلقه وتدبيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.B6lGK"

مزيد من التفاسير لسورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله