الآية ١٣ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ١٣ من سورة الأحزاب

وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ يَـٰٓأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُوا۟ ۚ وَيَسْتَـْٔذِنُ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌۭ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًۭا ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 103 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوم آخرون قالوا كما قال الله : ( وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ) يعني : المدينة ، كما جاء في الصحيح : " أريت [ في المنام ] دار هجرتكم ، أرض بين حرتين فذهب وهلي أنها هجر ، فإذا هي يثرب " ، وفي لفظ : " المدينة " .

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن مهدي ، حدثنا صالح بن عمر ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سمى المدينة يثرب ، فليستغفر الله ، هي طابة ، هي طابة " .

تفرد به الإمام أحمد ، وفي إسناده ضعف ، والله أعلم .

ويقال : إنما كان أصل تسميتها " يثرب " برجل نزلها من العماليق ، يقال له : يثرب بن عبيل بن مهلابيل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح .

قاله السهيلي ، قال : وروي عن بعضهم أنه قال : إن لها [ في التوراة ] أحد عشر اسما : المدينة ، وطابة ، وطيبة ، المسكينة ، والجابرة ، والمحبة ، والمحبوبة ، والقاصمة ، والمجبورة ، والعذراء ، والمرحومة .

وعن كعب الأحبار قال : إنا نجد في التوراة يقول الله للمدينة : يا طيبة ، ويا طابة ، ويا مسكينة [ لا تقلي الكنوز ، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى ] .

وقوله : ( لا مقام لكم ) أي : هاهنا ، يعنون عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة ، ( فارجعوا ) أي : إلى بيوتكم ومنازلكم .

( ويستأذن فريق منهم النبي ) : قال العوفي ، عن ابن عباس : هم بنو حارثة قالوا : بيوتنا نخاف عليها السرق .

وكذا قال غير واحد .

وذكر ابن إسحاق : أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي ، يعني : اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة ، أي : ليس دونها ما يحجبها عن العدو ، فهم يخشون عليها منهم .

قال الله تعالى : ( وما هي بعورة ) أي : ليست كما يزعمون ، ( إن يريدون إلا فرارا ) أي : هربا من الزحف .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا (13) يعني تعالى ذكره بقوله: ( وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ ) وإذ قال بعضهم: يا أهل يثرب، ويثرب: اسم أرض، فيقال: إن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية من يثرب.

وقوله: (لا مُقامَ لَكُمْ فارْجِعُوا) بفتح الميم من مقام.

يقول: لا مكان لكم، تقومون فيه، كما قال الشاعر: فــأيِّي مــا وأَيُّــكَ كـانَ شَـرّا فَقيــدَ إلــى المَقامَــةِ لا يَرَاهــا (14) قوله: (فارْجِعُوا) يقول: فارجعوا إلى منازلكم، أمرهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والفرار منه، وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: إن ذلك من قيل أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان (وَإذْ قَالتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أهل يَثْرِب ...) إلى (فِرَارًا) يقول: أوس بن قيظي ومن كان على ذلك من رأيه من قومه، والقراءة على فتح الميم من قوله: (لا مَقَامَ لَكُمْ) بمعنى: لا موضع قيام لكم، وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها، لإجماع الحجة من القرّاء عليها.

وذُكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ ذلك (لا مُقامَ لَكُمْ) بضم الميم؛ يعني: لا إقامة لكم.

وقوله: ( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ) يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإذن بالانصراف عنه إلى منـزله، ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وَيَسْتأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيُّ ...) إلى قوله: (إلا فِرَارًا) قال: هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية نخشى عليها السرق.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ) قال: نخشى عليها السرق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ) وإنها مما يلي العدوّ، وإنا نخاف عليها السرّاق، فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلا يجد بها عدوّا، قال الله: (إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا) يقول: إنما كان قولهم ذلك (إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ) إنما كان يريدون بذلك الفرار.

حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا عبيد الله بن حمران، قال: ثنا عبد السلام بن شدّاد أبو طالوت عن أبيه في هذه الآية (إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِي بِعَوْرَةٍ) قال: ضائعة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا .قوله تعالى : وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا الطائفة تقع على الواحد فما فوقه .

وعني به هنا أوس بن قيظي والد عرابة بن أوس ; الذي يقول فيه الشماخ :إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمينو ( يثرب ) هي المدينة ; وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة وطابة .

وقال أبو عبيدة : يثرب اسم أرض ، والمدينة ناحية منها .

السهيلي : وسميت يثرب لأن الذي نزلها من العماليق اسمه يثرب بن عميل بن مهلائيل بن عوض بن عملاق بن لاوق بن إرم .

وفي بعض هذه الأسماء اختلاف .

وبنو عميل هم الذين سكنوا الجحفة فأجحفت بهم السيول فيها .

وبها سميت الجحفة .

" لا مقام لكم " بفتح الميم قراءة العامة .

وقرأ حفص والسلمي والجحدري وأبو حيوة : بضم الميم ; يكون مصدرا من أقام يقيم ; أي لا إقامة ، أو موضعا يقيمون فيه .

ومن فتح فهو اسم مكان ; أي لا موضع لكم تقيمون فيه .

( فارجعوا ) أي إلى منازلكم .

أمروهم [ ص: 137 ] بالهروب من عسكر النبي صلى الله عليه وسلم .

قال ابن عباس : قالت اليهود لعبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه من المنافقين : ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه !

فارجعوا إلى المدينة فإنا مع القوم فأنتم آمنون .قوله تعالى : ويستأذن فريق منهم النبي في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة ، وهم بنو حارثة بن الحارث ، في قول ابن عباس .

وقال يزيد بن رومان : قال ذلك أوس بن قيظي عن ملأ من قومه .

( يقولون إن بيوتنا عورة ) أي سائبة ضائعة ليست بحصينة ، وهي مما يلي العدو .

وقيل : ممكنة للسراق لخلوها من الرجال .

يقال : دار معورة وذات عورة إذا كان يسهل دخولها .

يقال : عور المكان عورا فهو عور .

وبيوت عورة .

وأعور فهو معور .

وقيل : عورة ذات عورة .

وكل مكان ليس بممنوع ولا مستور فهو عورة ; قاله الهروي .

وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو رجاء العطاردي : ( عورة ) بكسر الواو ; يعني قصيرة الجدران فيها خلل .

تقول العرب : دار فلان عورة إذا لم تكن حصينة .

وقد أعور الفارس إذا بدا فيه خلل للضرب والطعن ; قال الشاعر :متى تلقهم لم تلق في البيت معورا ولا الضيف مفجوعا ولا الجار مرملاالجوهري : والعورة كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب .

النحاس : يقال أعور المكان إذا تبينت فيه عورة ، وأعور الفارس إذا تبين فيه موضع الخلل .

المهدوي : ومن كسر الواو في عورة فهو شاذ ; ومثله قولهم : رجل عور ; أي لا شيء له ، وكان القياس أن يعل فيقال : عار ; كيوم راح ، ورجل مال ; أصلهما روح ومول .

ثم قال تعالى عورة وما هي بعورة تكذيبا لهم وردا عليهم فيما ذكروه .

إن يريدون إلا فرارا أي ما يريدون إلا الهرب .

قيل : من القتل .

وقيل : من الدين .

وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في قبيلتين من الأنصار : بني حارثة وبني سلمة ; وهموا أن يتركوا مراكزهم يوم الخندق ، وفيهم أنزل الله تعالى : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا الآية .

فلما نزلت هذه الآية قالوا : والله ما ساءنا ما كنا هممنا به ; إذ الله ولينا .

وقال السدي : الذي استأذنه منهم رجلان من الأنصار من بني حارثة أحدهما - أبو عرابة بن أوس ، والآخر أوس بن قيظي .

قال الضحاك : ورجع ثمانون رجلا بغير إذنه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ } من المنافقين، بعد ما جزعوا وقلَّ صبرهم، وصاروا أيضًا من المخذولين، فلا صبروا بأنفسهم، ولا تركوا الناس من شرهم، فقالت هذه الطائفة: { يَا أَهْلَ يَثْرِبَ } يريدون { يا أهل المدينة } فنادوهم باسم الوطن المنبئ [عن التسمية] فيه إشارة إلى أن الدين والأخوة الإيمانية، ليس له في قلوبهم قدر، وأن الذي حملهم على ذلك، مجرد الخور الطبيعي.{ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ } أي: في موضعكم الذي خرجتم إليه خارج المدينة، وكانوا عسكروا دون الخندق، وخارج المدينة، { فَارْجِعُوا } إلى المدينة، فهذه الطائفة تخذل عن الجهاد، وتبين أنهم لا قوة لهم بقتال عدوهم، ويأمرونهم بترك القتال، فهذه الطائفة، شر الطوائف وأضرها، وطائفة أخرى دونهم، أصابهم الجبن والجزع، وأحبوا أن ينخزلوا عن الصفوف، فجعلوا يعتذرون بالأعذار الباطلة، وهم الذين قال اللّه فيهم: { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } أي: عليها الخطر، ونخاف عليها أن يهجم عليها الأعداء، ونحن غُيَّبٌ عنها، فَأْذَنْ لنا نرجع إليها، فنحرسها، وهم كذبة في ذلك.{ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ } أي: ما قصدهم { إِلَّا فِرَارًا } ولكن جعلوا هذا الكلام، وسيلة وعذرًا.

[لهم] فهؤلاء قل إيمانهم، وليس له ثبوت عند اشتداد المحن.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذ قالت طائفة منهم ) أي : من المنافقين ، وهم أوس بن قيظي وأصحابه ) ( يا أهل يثرب ) يعني المدينة ، قال أبو عبيدة : " يثرب " : اسم أرض ، ومدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ناحية منها .

وفي بعض الأخبار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تسمى المدينة يثرب ، وقال : " هي طابة " ، كأنه كره هذه اللفظة .

( لا مقام لكم ) قرأ العامة بفتح الميم ، أي : لا مكان لكم تنزلون وتقيمون فيه ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، وحفص : بضم الميم ، أي : لا إقامة لكم ) ( فارجعوا ) ; إلى منازلكم عن اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل : عن القتال إلى مساكنكم .

( ويستأذن فريق منهم النبي ) وهم بنو حارثة وبنو سلمة ( يقولون إن بيوتنا عورة ) أي : خالية ضائعة ، وهو مما يلي العدو نخشى عليها السراق .

وقرأ أبو رجاء العطاردي " عورة " بكسر الواو ، أي : قصيرة الجدران يسهل دخول السراق عليها ، فكذبهم الله فقال : ( وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ) أي : ما يريدون إلا الفرار .

( ولو دخلت عليهم ) أي : لو دخلت عليهم المدينة ، يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم ، وهم الأحزاب ) ( من أقطارها ) جوانبها ونواحيها جمع قطر ) ( ثم سئلوا الفتنة ) أي : الشرك .

) ( لآتوها ) لأعطوها ، وقرأ أهل الحجاز لأتوها مقصورا ، أي : لجاؤوها وفعلوها ورجعوا عن الإسلام ) ( وما تلبثوا بها ) أي : ما احتبسوا عن الفتنة ) ( إلا يسيرا ) ولأسرعوا الإجابة إلى الشرك طيبة به أنفسهم ، هذا قول أكثر المفسرين .

وقال الحسن والفراء : وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا .

مسألة: الجزء السادسالتحليل الموضوعي ) ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ( 12 ) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ( 13 ) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ( 14 ) ) ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ ) مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ، وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأَصْحَابُهُ ( وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) شَكٌّ وَضَعْفُ اعْتِقَادٍ : ( مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ) وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ النِّفَاقِ : يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ فَتْحَ قُصُورِ الشَّامِ وَفَارِسَ وَأَحَدُنَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجَاوِزَ رَحْلَهُ ، هَذَا وَاللَّهِ الْغُرُورُ .

( وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ) أَيْ : مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، وَهُمْ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وَأَصْحَابُهُ ) ( يَا أَهْلَ يَثْرِبَ ) يَعْنِي الْمَدِينَةَ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : " يَثْرِبُ " : اسْمُ أَرْضٍ ، وَمَدِينَةُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا .

وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُسَمَّى الْمَدِينَةُ يَثْرِبَ ، وَقَالَ : " هِيَ طَابَةُ " ، كَأَنَّهُ كَرِهَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ .

( لَا مُقَامَ لَكُمْ ) قَرَأَ الْعَامَّةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ ، أَيْ : لَا مَكَانَ لَكُمْ تَنْزِلُونَ وَتُقِيمُونَ فِيهِ ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَحَفْصٌ : بِضَمِّ الْمِيمِ ، أَيْ : لَا إِقَامَةَ لَكُمْ ) ( فَارْجِعُوا ) ; إِلَى مَنَازِلِكُمْ عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقِيلَ : عَنِ الْقِتَالِ إِلَى مَسَاكِنِكُمْ .

( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ) وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلَمَةَ ( يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ) أَيْ : خَالِيَةٌ ضَائِعَةٌ ، وَهُوَ مِمَّا يَلِي الْعَدُوَّ نَخْشَى عَلَيْهَا السُّرَّاقَ .

وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الْوَاوِ ، أَيْ : قَصِيرَةَ الْجُدْرَانِ يَسْهُلُ دُخُولُ السُّرَّاقِ عَلَيْهَا ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ : ( وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ) أَيْ : مَا يُرِيدُونَ إِلَّا الْفِرَارَ .

( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمُ الْمَدِينَةَ ، يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْجُيُوشَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ قِتَالَهُمْ ، وَهُمُ الْأَحْزَابُ ) ( مِنْ أَقْطَارِهَا ) جَوَانِبِهَا وَنَوَاحِيهَا جَمْعُ قُطْرٍ ) ( ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ ) أَيْ : الشِّرْكَ .

) ( لَآتَوْهَا ) لَأَعْطَوْهَا ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ لَأَتَوْهَا مَقْصُورًا ، أَيْ : لَجَاؤُوهَا وَفَعَلُوهَا وَرَجَعُوا عَنِ الْإِسْلَامِ ) ( وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا ) أَيْ : مَا احْتَبَسُوا عَنِ الْفِتْنَةِ ) ( إِلَّا يَسِيرًا ) وَلَأَسْرَعُوا الْإِجَابَةَ إِلَى الشِّرْكِ طَيِّبَةً بِهِ أَنْفُسُهُمْ ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ .

وَقَالَ الْحَسَنُ وَالْفَرَّاءُ : وَمَا أَقَامُوا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ إِعْطَاءِ الْكُفْرِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَهْلَكُوا .

مسألة: الجزء السادسالتحليل الموضوعي ) ( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ( 12 ) وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ( 13 ) ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ( 14 ) ) ( وإذ يقول المنافقون ) معتب بن قشير ، وقيل : عبد الله بن أبي وأصحابه ( والذين في قلوبهم مرض ) شك وضعف اعتقاد : ( ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) وهو قول أهل النفاق : يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله ، هذا والله الغرور .

( وإذ قالت طائفة منهم ) أي : من المنافقين ، وهم أوس بن قيظي وأصحابه ) ( يا أهل يثرب ) يعني المدينة ، قال أبو عبيدة : " يثرب " : اسم أرض ، ومدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ناحية منها .

وفي بعض الأخبار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تسمى المدينة يثرب ، وقال : " هي طابة " ، كأنه كره هذه اللفظة .

( لا مقام لكم ) قرأ العامة بفتح الميم ، أي : لا مكان لكم تنزلون وتقيمون فيه ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، وحفص : بضم الميم ، أي : لا إقامة لكم ) ( فارجعوا ) ; إلى منازلكم عن اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل : عن القتال إلى مساكنكم .

( ويستأذن فريق منهم النبي ) وهم بنو حارثة وبنو سلمة ( يقولون إن بيوتنا عورة ) أي : خالية ضائعة ، وهو مما يلي العدو نخشى عليها السراق .

وقرأ أبو رجاء العطاردي " عورة " بكسر الواو ، أي : قصيرة الجدران يسهل دخول السراق عليها ، فكذبهم الله فقال : ( وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ) أي : ما يريدون إلا الفرار .

وقال الحسن والفراء : وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ قالت طائفة منهم» أي المنافقون «يا أهل يثرب» هي أرض المدينة ولم تصرف للعلمية ووزن الفعل «لا مقام لكم» بضم الميم وفتحها: أي لا إقامة ولا مكانة «فارجعوا» إلى منازلكم من المدينة وكانوا خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى سلع جبل خارج المدينة للقتال «ويستأذن فريق منهم النبي» في الرجوع «يقولون إنَّ بيوتنا عورة» غير حصينة يخشى عليها، قال تعالى: «وما هي بعورة إن» ما «يريدون إلا فرارا» من القتال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها النبي- قول طائفة من المنافقين منادين المؤمنين من أهل "المدينة": يا أهل "يثرب"(وهو الاسم القديم "للمدينة") لا إقامة لكم في معركة خاسرة، فارجعوا إلى منازلكم داخل "المدينة"، ويستأذن فريق آخر من المنافقين الرسول صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى منازلهم بحجة أنها غير محصنة، فيخشون عليها، والحق أنها ليست كذلك، وما قصدوا بذلك إلا الفرار من القتال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ ياأهل يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فارجعوا .

.

.

) .أى : واذكروا - كذلك - أيها المؤمنون - وقت أن قالت لكم طائفة من هؤلاء المنافقين : ( ياأهل يَثْرِبَ ) أى : يا أهل المدينة ، لا مقام لكم فى هذا المكان الذى تقيمون فيه بجوار الخندق لحماية بيوتكم ومدينتكم ، فارجعوا إلى مساكنكم ، واستسلموا لأعدائكم .قال الشوكانى : وذلك أن المسلمين خرجوا فى غزوة الخندق ، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع ، وجعلوا وجوههم إلى العدو ، وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم .

فقال هؤلاء المنافقون : ليس ها هنا موضع إقامة وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة .ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بهذا القول الذميم ، بل كانوا يهربون من الوقوف إلى جانب المؤمنين ، فقال - تعالى - : ( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً ) .أى : أنهم كانوا يحرضون غيرهم على ترك مكانه فى الجهاد ، ولا يكتفون بذلك ، بل كان كل فريق منهم يذهب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فيستأذنه فى الرجوع إلى بيوتهم ، قائلين له : يا رسول الله : ( إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ) أى : خالية ممن يحرسها .يقال : دار ذات عورة إذا سهل دخولها لقلة حصانتها .وهنا يكشف القرآن عن حقيقتهم ويكذبهم فى دعواهم فيقول ( وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ) أى : والحال أن بيوتهم كما يزعمون ، وإنما الحق أنهم يريدون الفرار من ميدان القتال ، لضعف إيمانهم ، وجب نفوسهم .روى " أن بنى حارثة بعثوا أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول له : إن بيوتنا عورة ، وليست دار من دور الأنصار مثل دورنا ، وليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا ، فأذن لنا كى نرجع إلى دورنا ، فمنع ذرارينا ونساءنا .

فأذن لهم صلى الله عليه وسلم .فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال : يا رسول الله ، لا تأذن لهم ، إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا فعلوا ذلك .

.

فردهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فسر الظنون وبينها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث قطعوا بأن الغلبة واقعة وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ ياأهل يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ أي لا وجه لإقامتكم مع محمد كما يقال لا إقامة على الذل والهوان أي لا وجه لها ويثرب اسم للبقعة التي هي المدينة فارجعوا أي عن محمد، واتفقوا مع الأحزاب تخرجوا من الأحزان ثم السامعون عزموا على الرجوع واستأذنوه وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي فيها خلل لا يأمن صاحبها السارق على متاعه والعدو على أتباعه ثم بين الله كذبهم بقوله: ﴿ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ ﴾ وبين قصدهم وما تكن صدورهم وهو الفرار وزوال القرار بسبب الخوف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ قيل قائله: معتب بن قشير حين رأى الأحزاب قال: يعدنا محمد فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا، ما هذا إلا وعد غرور ﴿ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ ﴾ هم أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه.

وعن السدي عبد الله بن أبيّ وأصحابه.

ويثرب: اسم المدينة.

وقيل: أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ قرئ بضم الميم وفتحها، أي لا قرار لكم ههنا، ولا مكان تقيمون فيه أو تقومون ﴿ فارجعوا ﴾ إلى المدينة: أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: قالوا لهم: ارجعوا كفاراً وأسلموا محمداً، وإلا فليست يثرب لكم بمكان.

قرئ: ﴿ عورة ﴾ بسكون الواو وكسرها، فالعورة: الخلل، والعورة: ذات العورة، يقال: عور المكان عوراً إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق.

ويجوزأن تكون ﴿ عَوْرَةٌ ﴾ تخفيف: عورة، اعتذروا أنّ بيوتهم معترضة للعدو ممكنة للسراق لأنها غير محرزة ولا محصنة، فاستأذنوه وليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون ذلك، وإنما يريدون الفرار ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ المدينة.

وقيل: بيوتهم، من قولك: دخلت على فلان داره ﴿ مّنْ أَقْطَارِهَا ﴾ من جوانبها، يريد: ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة التي يفرون خوفاً منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها.

وانثالت على أهاليهم وأولادهم ناهبين سابين، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة ﴿ الفتنة ﴾ أي الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، لأتوها: لجاؤها وفعلوها.

وقرئ: ﴿ لآتوها ﴾ لأعطوها ﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا ﴾ وما ألبثوا إعطاءها ﴿ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف.

أو وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيراً، فإن الله يهلكهم.

والمعنى: أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم، ويتمحلون ليفروا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملؤوهم هولاً ورعباً؛ وهؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا عليهم أرضهم وديارهم وعرض عليهم الكفر وقيل لهم كونوا على المسلمين، لسارعوا إليه وما تعللوا بشيء، وما ذاك إلا لمقتهم الإسلام.

وشدة بغضهم لأهله، وحبهم الكفر وتهالكهم على حزبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي أوْسَ بْنَ قَيْظِيٍّ وأتْباعَهُ.

﴿ يا أهْلَ يَثْرِبَ ﴾ أهْلَ المَدِينَةِ، وقِيلَ هو اسْمُ أرْضٍ وقَعَتِ المَدِينَةُ في ناحِيَةٍ مِنها.

﴿ لا مُقامَ ﴾ لا مَوْضِعَ قِيامٍ.

﴿ لَكُمْ ﴾ ها هُنا، وقَرَأ حَفْصٌ بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مَكانٌ أوْ مَصْدَرٌ مِن أقامَ.

﴿ فارْجِعُوا ﴾ إلى مَنازِلِكم هارِبِينَ، وقِيلَ المَعْنى لا مُقامَ لَكم عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ فارْجِعُوا إلى الشِّرْكِ وأسْلِمُوهُ لِتَسْلَمُوا، أوْ لا مُقامَ لَكم بِيَثْرِبَ فارْجِعُوا كُفّارًا لِيُمْكِنَكُمُ المُقامُ بِها.

﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ ﴾ لِلرُّجُوعِ.

﴿ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ﴾ غَيْرُ حَصِينَةٍ وأصْلُها الخَلَلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ العَوْرَةِ مَن عَوِرَتِ الدّارُ إذا اخْتَلَتْ وقَدْ قُرِئَ بِها.

﴿ وَما هي بِعَوْرَةٍ ﴾ بَلْ هي حَصِينَةٌ.

﴿ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا ﴾ أيْ وما يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إلّا الفِرارَ مِنَ القِتالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ} من المنافقين وهم عبد الله بن أبى وأصحابة {يا أهل يَثْرِبَ} هم أهل المدينة {لاَ مُقَامَ لَكُمْ} وبضم الميم حفص أى لافرار لكم ههنا ولا مكان تقومون فيه أو تقيمون {فارجعوا} عن الإيمان إلى الكفر أو من عسكر رسول الله إلى المدينة {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النبى} أي

بنو حارثة {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أي ذات عورة {وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} العورة الخلل والعورة ذات العورة وهي قراءة ابن عباس يقال عور المكان عوراً إذا بدا منه خلل يخاف منه العدو والسارق ويجوز أن يكون عورة تخفيف عورة اعتذرو أن بيوتهم عرضة للعدو والسارق لأنها غير محصنة فاستأذنوه ليحصنوها ثم يرجعوا إليه فأكذبهم

الأحزاب (١٨ - ١٤)

الله بأنهم لايخاقون ذلك وإنما يريدون الفرار من القتال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ وأصْحابُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سَلِمَةَ، وقالَ أوْسُ بْنُ رُومانَ: هم أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وأصْحابُهُ بَنُو حارِثَةَ، وضَمِيرُ ( مِنهم ) لِلْمُنافِقِينَ أوْ لِلْجَمِيعِ ﴿ يا أهْلَ يَثْرِبَ ﴾ هو اسْمُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اسْمُ بُقْعَةٍ وقَعَتِ المَدِينَةُ في ناحِيَةٍ مِنها، وقِيلَ: اسْمُ أرْضِها، وهو عَلَيْها مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ، ووَزْنِ الفِعْلِ، أوِ التَّأْنِيثِ، ولا يَنْبَغِي تَسْمِيَةُ المَدِينَةِ بِذَلِكَ.

أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى هي طابَةُ هي طابَةُ هي طابَةُ )».

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(لا تَدْعُونَها يَثْرِبَ، فَإنَّها طَيْبَةُ )، يَعْنِي المَدِينَةَ، (ومَن قالَ: يَثْرِبُ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى ثَلاثَ مَرّاتٍ، هي طَيْبَةُ هي طَيْبَةُ هي طَيْبَةُ )».

وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ: أنَّ تَسْمِيَتَها بِهِ مَكْرُوهَةٌ كَراهَةً تَنْزِيهِيَّةً، وذُكِرَ في وجْهِ ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ يُشْعِرُ بِالتَّثْرِيبِ، وهو اللَّوْمُ والتَّعْبِيرُ.

وقالَ الرّاغِبُ: التَّثْرِيبُ التَّقْرِيعُ بِالذَّنْبِ والثَّرْبُ شَحْمَةٌ رَقِيقَةٌ، ويَثْرِبُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن هَذا البابِ، والياءُ تَكُونُ فِيهِ زائِدَةً انْتَهى، وقِيلَ: يَثْرِبُ اسْمُ رَجُلٍ مِنَ العَمالِقَةِ، وبِهِ سُمِّيَتِ المَدِينَةُ، وكانَ يُقالُ لَها: أثْرَبُ أيْضًا، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الشَّرِيفِ المُرْتَضى أنَّ لِلْمَدِينَةِ أسْماءً مِنها يَثْرِبُ، وطَيْبَةُ، وطابَةُ، والدّارُ، والسَّكِينَةُ، وجائِزَةُ، والمَحْبُورَةُ، والمَحَبَّةُ، والمَحْبُوبَةُ، والعَذْراءُ، والمَرْحُومَةُ، والقاصِمَةُ، ويَنْدَدُ انْتَهى، وكَأنَّ القائِلِينَ اخْتارُوا يَثْرِبَ مِن بَيْنِ الأسْماءِ مُخالَفَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِما عَلِمُوا مِن كَراهِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِهَذا الِاسْمِ مِن بَيْنِها، ونِداؤُهم أهْلَ المَدِينَةِ بِعُنْوانِ أهْلِيَّتِهِمْ لَها تَرْشِيحٌ لِما بَعْدُ مِنَ الأمْرِ بِالرُّجُوعِ إلَيْها ﴿ لا مُقامَ لَكُمْ ﴾ أيْ لا مَكانَ إقامَةٍ أوْ لا إقامَةَ لَكم أيْ لا يَنْبَغِي أوْ لا يُمْكِنُ لَكُمُ الإقامَةُ ها هُنا.

وقالَ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ وأكْثَرُ السَّبْعَةِ «لا مَقامَ» بِفَتْحِ المِيمِ، وهو يَحْتَمِلُ أيْضًا المَكانَ أيْ لا مَكانَ قِيامٍ، والمَصْدَرَ أيْ لا قِيامَ لَكُمْ، والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ ﴿ فارْجِعُوا ﴾ أيْ إلى مَنازِلِكم بِالمَدِينَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أسْلَمَ لَكم مِنَ القَتْلِ أوْ لِيَكُونَ لَكم عِنْدَ هَذِهِ الأحْزابِ يَدٌ، قِيلَ: ومُرادُهم أمْرُهم بِالفِرارِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ ما بَعْدُ، لَكِنَّهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالرُّجُوعِ تَرْوِيجًا لِمَقالَتِهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الفِرارِ المَذْمُومِ، وقِيلَ: المَعْنى لا مُقامَ لَكم في دِينِ مُحَمَّدٍ  فارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ، وأسْلِمُوهُ إلى أعْدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ لا مُقامَ لَكم بَعْدَ اليَوْمِ في يَثْرِبَ، أوْ نَواحِيها لِغَلَبَةِ الأعْداءِ فارْجِعُوا كُفّارًا لِيَتَسَنّى لَكُمُ المُقامُ فِيها لِارْتِفاعِ العَداوَةِ حِينَئِذٍ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا خافُوا مِن قَتْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهم بَعْدَ غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ ظَهَرَ أنَّهم مُنافِقُونَ فَقالُوا: ﴿ لا مُقامَ لَكُمْ ﴾ عَلى مَعْنى لا مُقامَ لَكم مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ إنْ غُلِبَ قَتَلَكم فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ وأسْلِمُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ فارْجِعُوا عَنِ الإسْلامِ، واتَّفِقُوا مَعَ الأحْزابِ، أوْ لَيْسَ لَكم مَحَلُّ إقامَةٍ في الدُّنْيا أصْلًا إنْ بَقِيتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى آخِرِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ، وبَعْضُ هَذِهِ الأوْجُهِ بَعِيدٌ جِدًّا كَما لا يَخْفى.

﴿ ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قالَتْ )، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِما مَرَّ مِنَ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والمُسْتَأْذِنُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَنُو حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ، قِيلَ: أرْسَلُوا أوْسَ بْنَ قَيْظِيٍّ أحَدَهم لِلِاسْتِئْذانِ، وقالَ السُّدِّيُّ: جاءَ هو ورَجُلٌ آخَرُ مِنهم يُدْعى أبا عُرابَةَ بْنَ أوْسٍ، وقِيلَ: المُسْتَأْذِنُ بَنُو حارِثَةَ، وبَنُو سَلِمَةَ اسْتَأْذَنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الرُّجُوعِ مُمْتَثِلِينَ بِأمْرِ أُولَئِكَ القائِلِينَ: يا أهْلَ يَثْرِبَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ بَدَلٌ مِن ( يَسْتَأْذِنُ ) أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِئْذانِ ﴿ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ﴾ أيْ ذَلِيلَةُ الحِيطانِ يُخافُ عَلَيْها السُّرّاقُ، كَما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقالَ الرّاغِبُ: أيْ مُتَخَرَّقَةٌ مُمْكَنَةٌ لِمَن أرادَها، وقالَ الكَلْبِيُّ: أيْ خالِيَةٌ مِنَ الرِّجالِ ضائِعَةٌ، وقالَ قَتادَةُ: قاصِيَةٌ يُخْشى عَلَيْها العَدُوُّ، وأصْلُها عَلى ما قِيلَ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخَلَلِ، ووُصِفَ بِها مُبالَغَةً، وتَكُونُ صِفَةً لِلْمُؤَنَّثِ والمُذَكَّرِ والمُفْرَدِ وغَيْرِهِ، كَما هو شَأْنُ المَصادِرِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً مُشَبَّهَةً عَلى أنَّها مُخَفَّفُ عَوِرَةٍ بِكَسْرِ الواوِ، كَما قَرَأ بِذَلِكَ هُنا وفِيما بَعْدُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو طالُوتَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن عَوِرَتِ الدّارُ إذا اخْتَلَّتْ، قالَ ابْنُ جِنِّي: صِحَّةُ الواوِ عَلى هَذا شاذَّةٌ، والقِياسُ قَلْبُها ألِفًا فَيُقالُ: عارَةٌ، كَما يُقالُ: كَبْشٌ صافٌ، ونَعْجَةٌ صافَةٌ، ويَوْمٌ راحٌ ورَجُلٌ مالٌ، والأصْلٌ صَوْفٌ وصَوْفَةٌ ورَوْحٌ ومَوْلٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ القِياسَ إنَّما يَقْتَضِي القَلْبَ إذا وقَعَ القَلْبُ في الفِعْلِ، وعَوِرَ هُنا قَدْ صَحَّتْ عَيْنُهُ حَمْلًا عَلى اعْوَرَّ المُشَدَّدِ، ورَجَّحَ كَوْنَها مَصْدَرًا وصْفٌ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِذارِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَصْدِيرُ مَقالَتِهِمْ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما هي بِعَوْرَةٍ ﴾ إذا أُجْرِيَ فِيهِ هَذا اللَّفْظُ كَما أُجْرِيَ فِيما قَبْلَهُ أنَّ المُرادَ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ  ﴾ والواوُ فِيهِ لِلْحالِ أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ﴿ إنْ يُرِيدُونَ ﴾ أيْ ما يُرِيدُونَ بِالِاسْتِئْذانِ ﴿ إلا فِرارًا ﴾ أيْ هَرَبًا مِنَ القِتالِ ونُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ قالَهُ جَماعَةٌ، قِيلَ: فِرارٌ مِنَ الدِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ يعني: أتاكم المشركون من فوق الوادي.

يعني: طلحة بن خويلد الأسدي وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من قبل المغرب وهو أبو الأعور السلمي.

ويقال: مِنْ فَوْقِكُمْ أي: من قبل المشرق، مالك بن عوف، وعيينة بن حصن الفزاري، ويهود بني قريظة.

وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أبو سفيان.

فلما رأى ذلك قالوا: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ يعني: شخصت الأبصار فوقاً يعني: أبصار المنافقين، لأنهم أشد خوفاً كأنهم خشب مسندة وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ خوفاً، هذا على وجه المثل.

ويقال: اضطراب القلب يبلغ الحناجر.

ويقال: إذا خاف الإنسان، تنتفخ الرئة، وإذا انتفخت الرئة، يبلغ القلب الحنجرة.

ويقال للجبان: منتفخ الرئة.

وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا يعني: الإياس من النصرة.

يعني: ظننتم أن لن ينصر الله عز وجل محمدا  ، قرأ ابن كثير والكسائي وعاصم في رواية حفص: الظنون بالألف عند الوقف، ويطرحونها عند الوصل.

وكذلك في قوله وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الأحزاب: 66] فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب: 67] وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: بالألف في حال الوصل والوقف.

وقرأ أبو عمرو وحمزة بغير ألف في الحالتين جميعاً.

فمن قرأ بالألف في الحالين، فلاتباع الخط.

لأن في مصحف الإمام وفي سائر المصاحف بالألف.

ومن قرأ بغير ألف فلأن الألف غير أصلية، وإنما يستعمل هذه الألف الشعراء في القوافي.

وقال أبو عبيدة: أحب إلي في هذه الحروف أن يتعمد الوقف عليها بالألف، ليكون متبعاً للمصحف، واللغة.

ثم قال عز وجل: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ يعني: عند ذلك اختبر المؤمنون.

يعني: أمروا بالقتال والحضور.

وكان في ذلك اختباراً لهم وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً أي: حركوا تحريكاً شديداً واجتهدوا اجتهاداً شديداً.

وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً وهم لم يقولوا رسول الله، وإنما قالوا باسمه.

ولكن الله عز وجل ذكره بهذا اللفظ.

قوله عز وجل: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يعني: جماعة من المنافقين يا أَهْلَ يَثْرِبَ يعني: يا أهل المدينة وكان اسم المدينة يثرب، فسماها رسول الله  المدينة لاَ مُقامَ لَكُمْ قرأ عاصم في رواية حفص: بضم الميم.

وقرأ الباقون: بالنصب.

فمن يقرأ بالضم فمعناه لا إقامة لكم.

ومن قرأ بالنصب، فهو بالمكان أي: لا مكان لكم تقومون فيه، والجمع المقامات.

وكان أبو عبيدة يقرأ بالنصب، لأنه يحتمل المقام والمكان جميعاً.

يعني: أن المنافقين قالوا: خوفاً ورعباً منهم: لا مقام لكم عند القتال.

فَارْجِعُوا يعني: فانصرفوا إلى المدينة وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ وهم بنو حارثة وبنو سلمة، وذلك أن بيوتهم كانت من ناحية المدينة يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعني: ضائعة، نخشى عليها السراق.

ويقال: معناه أن بيوتنا مما يلي العدو، وإنا لا نأمن على أهالينا.

وقال القتبي: أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ.

وكان الرجال ستراً وحفظاً للبيوت.

فقالوا: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعني: خالية والعرب تقول: اعور منزلك أي: إذا سقط جداره.

يقول الله تعالى: وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ لأن الله عز وجل يحفظها، يعني: وما هي بخالية إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً أي: ما يريدون إلا فراراً من القتال.

ثم قال: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها يعني: لو دخل العسكر من نواحي المدينة ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ يعني: دعوهم إلى الشرك لَآتَوْها قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: لاَتَوْهَا بالهمزة بغير مد.

وقرأ الباقون: بالهمز والمد.

فمن قرأ بالمد لَآتَوْها يعني: لأعطوها.

ومن قرأ بغير مد معناه صاروا إليها وجاءوها وكلاهما يرجع إلى معنى واحد يعني: لو دعوا إلى الشرك لأجابوا سريعاً.

وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً أي: وما تحسبوا بالشرك إلا قليلاً.

يعني: يجيبوا سريعاً.

ويقال: لو فعلوا ذلك لم يلبثوا بالمدينة إلا قليلاً.

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل قتال الخندق حين كان النبيّ  بمكة، خرج سبعون رجلاً من المدينة إلى مكة.

فخرج إليهم رسول الله  ليلة العقبة إلى السبعين، فبايعهم وبايعوه.

فقالوا للنبي  : اشترط لربك ولنفسك ما شئت.

فقال: «أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بهِ شَيْئاً وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا مَنَعْتُمْ به أَنْفُسَكُمْ وَأَوْلادَكُمْ» .

فقالوا: قد فعلنا ذلك.

فما لنا؟

قال-  -: «لكم النصرة في الدنيا، والجنة في الآخرة» .

قالوا: قد فعلنا ذلك، فذلك قوله: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ منهزمين وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا يعني: يسأل في الآخرة من ينقض العهد.

قوله عز وجل: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: لا تؤجلون إلا يسيراً، لأن الدنيا كلها قليلة.

ثم قال عز وجل: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: يمنعكم من قضاء الله وعذابه إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً يعني: القتل أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً أي: عافية.

ويقال: سُوءاً يعني: الهزيمة أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً يعني: خيراً.

وهو النصر.

يعني: من يقدر على دفع السوء عنكم وجر الخير إليكم وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً يعني: قريباً ومانعا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

معناه: اخْتُبِرُوا وَزُلْزِلُوا: مَعْنَاه: حُرِّكُوا بعنف.

ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمَرْضَى القلوبِ على جِهَةِ الذَّمِّ لَهُمْ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً فَرُوِيَ عَنْ يزِيدَ بْنِ رُومَانَ أن مُعَتِّبَ بن قُشَيْرٍ قال: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أن نَفْتَتِحَ كنوز كِسْرَى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا إلا غروراً، وقال غيره من المنافقين نحو هذا.

وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي: من المنافقين لاَ مُقامَ لَكُمْ أي: لا موضعَ قيام ومُمَانَعة، فارْجِعوا إلى منازِلكم وبيوتِكم، وكان هذا على جِهَة التخذيل عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، والفريق المستأذن هو أوسُ بن قيظي استأذنَ في ذلك على اتِّفَاقِ من أصحابهِ المنافقين فقالَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أيْ: مُنْكَشِفَة للعدو فأكذَبَهم الله- تعالى- ولو دخلت المدينة مِنْ أَقْطارِها أي: من نواحيها، واشتد الخوف الحقيقي، ثم سُئِلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه لبادروا إليها وآتوها محبين فيها ولم يَتَلَبَّثُوا في بُيوتهم لحفظها إلاَّ يسيراً، قيل: قَدْرَ ما يأخذون سلاحَهم.

ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد كانوا عاهدوا الله إثْر أُحُدٍ لاَ يُولُّونَ الأدْبَارَ وفي قوله تعالى: وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا تَوَعُّدٌ وباقي الآية بَيِّن.

ثم وبَّخَهُمْ بقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وهم الذين يُعَوِّقُونَ الناسَ عن نُصْرة الرسولِ ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك ويَسْعَوْنَ على الدين، وأما القائلون لإخوانهم هَلُمَّ إلينا فقال ابن زيد وغيره: أراد

من كان من المنافقين يقول لإخوانه في النَّسَب وقَرَابته هلُم، أَي: إلى المنَازِل والأكل والشرب، واترك القتال «١» .

وروي: أنّ جماعة منهم فَعَلَتْ ذلك وأصلُ هَلُمَّ:

ها المم.

وهذا مِثْلُ تعليل «رَدَّ» من «ارْدُدْ» والبأسُ: القتالُ وإِلَّا قَلِيلًا معناه إلا إتيانا قليلا، وأَشِحَّةً جمع شَحِيحٍ والصَّوَابِ تَعْمِيمُ الشُّحِّ أنْ يكون بِكُلّ ما فيه للمؤمنين منفعة.

وقوله: فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ قيل: معناه: فإذا قوي الخوفُ رأيت هؤلاء المنافقين ٧٢ ب ينظرونَ إليك/ نَظَرَ الهَلِعِ المُخْتَلِطِ الذي يُغْشَى عَليه، فإذا ذهب ذلك الخوفُ العظيمُ وَتَنَفَّسَ المختَنِقُ: سَلَقُوكُمْ أي: خاطبوكم مخاطبة بليغة، يقال: خطيب سَلاَّقٌ ومِسْلاَقٌ ومِسْلَقٌ ولِسَان أيضاً كذلك إذا كان فصيحاً مقتدراً ووصف الألسِنة بالحدّة لقَطْعِها المعاني ونفوذِها في الأقوال، قالت فرقةٌ: وهذا السَّلْقُ هو في مخادعةِ المؤمنِين بما يُرْضيهِم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة.

وقوله: أَشِحَّةً حال من الضمير في سَلَقُوكُمْ.

وقوله: عَلَى الْخَيْرِ يدل على عموم الشح في قوله أولاً: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ وقيل: المراد بالخير: المال، أي: أشحة على مال الغنائِم، والله أعلم.

ثم أخبرَ تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا، وجمهورُ المفسرينَ على أن هذه الإشارةَ إلى منافقينَ لم يكن لهم قط إيمان، ويكونُ قولهُ: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي: أنها لم تُقْبَل قط، والإشارة بذلك في قوله وَكانَ ذلِكَ إلى حبط أعمال هؤلاء المنافقين، والضميرُ في قوله: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ للمنافقين، والمعنى: أنهم من الفزع والجزع بحيثُ رَحَلَ الأحزابُ وهزمهَم الله تعالى، وهؤلاء يظنون أنها من الخُدَعِ وأنَّهم لم يَذْهَبوا، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ، أي: يرجعوا إليهم كرةً ثانية يَوَدُّوا من الخوف والجبن لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ أي:

خارجون إلى البادية.

فِي الْأَعْرابِ وهم أهل العمود ليسلموا من القتال.

يَسْئَلُونَ أي من وَرَدَ عليهم.

ثم سَلَّى سبحانه عَنْهُم وحَقَّر شَأْنَهُم بِأَنْ أخْبَرَ أنهمْ لَو حَضَرُوا لَمَا أَغْنَوا وَلَمَا قَاتَلُوا إلا قِتَالاً قَلِيلاً لا نفعَ لَه.

ثُم قال تعالى- على جهة الموعظة-: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ حين صَبَرَ وجَادَ بنفسه، وأُسْوَةٌ معناه قُدْوَة، وَرَجَاءُ الله تَابع للمَعْرِفة به، ورجاء اليومِ الآخر ثمرة العمل الصالح، وذكرُ الله كثيراً من خَير الأعمال فَنَبَّه عليه.

ت: وعن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا مَعَ عَبْدِي إذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» «١» .

رواه ابن ماجه، واللفظ له وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي الدرداء.

وروى جابرُ بن عبد الله قال: خرج علينا النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيّها النَّاسُ، إن لِلَّهِ سَرَايا مِنَ المَلاَئِكَةِ تَحُلُّ وَتَقِفُ على مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الأَرْضِ، فارتعوا فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ، قَالُوا:

وأَيْن رِيَاضُ الجَنَّةِ يا رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟

قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ فاغدوا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللهِ وذَكِّرُوهُ أنْفُسَكُمْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ فَإنَّ اللهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنْهُ، حَيثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ» «٢» رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحُ الإِسناد.

وعن معاذِ بْنِ جبل قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلّم أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللهِ تعالى؟

قَالَ:

«أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» «٣» رواه ابن حبان في «صحيحه» ، انتهى من «السِّلاَحِ» .

ولَولاَ خشيةُ الإطالةِ، لأتَيْتُ في هذا الباب بأحاديثَ كَثِيرَةٍ، وروى ابنُ المُبَاركَ في «رقائقه» قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجِيحٍ عن مجاهدٍ قَالَ: لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكرَاتِ حَتَّى يَذْكُرَ اللهَ قَائِماً وَقَاعِداً وَمُضْطَجِعاً، انتَهى.

وفي «مصحف ابن مسعود «٤» » «يَحْسَبُونَ الأحزاب/ قَدْ ذَهَبُواْ فَإِذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا ودّوا ٧٣ أأنّهم بادون في الأعراب» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ المُنافِقِينَ.

وفي القائِلِينَ لِهَذا مِنهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ يَثْرِبَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَثْرِبُ: اسْمُ أرْضٍ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ  في ناحِيَةٍ مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا مُقامَ لَكُمْ ﴾ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ لا مُقامَ ﴾ بِضَمِّ المِيمِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن ضَمَّ المِيمَ، فالمَعْنى: لا إقامَةَ لَكُمْ؛ ومَن فَتَحَها، فالمَعْنى: لا مَكانَ لَكم تُقِيمُونَ فِيهِ.

وهَؤُلاءِ كانُوا يُثَبِّطُونَ المُؤْمِنِينَ عَنِ النَّبِيِّ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْجِعُوا ﴾ أيْ: إلى المَدِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  خَرَجَ بِالمُسْلِمِينَ حَتّى عَسْكَرُوا بِـ " سَلْعٍ "، وجَعَلُوا الخَنْدَقَ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ المُنافِقُونَ لِلنّاسِ: لَيْسَ لَكم هاهُنا مُقامٌ، لِكَثْرَةِ العَدُوِّ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وحَكى الماوَرْدِيُّ قَوْلَيْنِ [آخَرَيْنِ] أحَدُهُما: لا مُقامَ لَكم عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ فارْجِعُوا إلى دِينِ مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: لا مُقامَ لَكم عَلى القِتالِ، فارْجِعُوا إلى طَلَبِ الأمانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم بَنُو حارِثَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: بَنُو حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما اسْتَأْذَنَهُ رَجُلانِ مِن بَنِي حارِثَةَ.

والثّانِي: بَنُو حارِثَةَ، وبَنُو سَلَمَةَ بْنِ جُشَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: خالِيَةٌ، فَقَدَ أمْكَنَ مَن أرادَ دُخُولَها، وأصْلُ العَوْرَةِ: ما ذَهَبَ عَنْهُ السِّتْرُ والحِفْظُ، فَكَأنَّ الرِّجالَ سِتْرٌ وحِفْظٌ لِلْبُيُوتِ، فَإذا ذَهَبُوا أعْوَرَتِ البُيُوتُ، تَقُولُ العَرَبُ: أعْوَرَ مَنزِلِي: إذا ذَهَبَ سِتْرُهُ، أوْ سَقَطَ جِدارُهُ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا بانَ مِنهُ مَوْضِعُ خَلَلٍ لِلضَّرْبِ والطَّعْنِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ وَما هي بِعَوْرَةٍ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ يَحْفَظُها، ولَكِنْ يُرِيدُونَ الفِرارَ.

وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ.

وقالَ قَتادَةُ: قالُوا بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ، ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ وأعْلَمَ أنَّ قَصْدَهُمُ الفِرارُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ﴾ يَعْنِي المَدِينَةَ؛ والأقْطارُ: النَّواحِي والجَوانِبُ، واحِدُها: قُطْرٌ، ﴿ ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والضَّحّاكُ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: " ثُمَّ سُيِلُوا " بِرَفْعِ السِّينِ وكَسْرِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو الجَوْزاءِ: " ثُمَّ سُوءِلُوا " بِرَفْعِ السِّينِ ومَدِّ الواوِ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو الأشْهَبِ: " ثُمَّ سُولُوا " بِرَفْعِ السِّينِ وسُكُونِ الواوِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا هَمْزٍ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " ثُمَّ سِيلُوا " بِكَسْرِ السِّينِ ساكِنَةَ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا واوٍ.

ومَعْنى: ﴿ سُئِلُوا الفِتْنَةَ ﴾ ، أيْ: سُئِلُوا فِعْلَها؛ [والفِتْنَةُ: الشِّرْكُ، (لَآتَوْها) ] قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " لَأتَوْها " بِالقَصْرِ، أيْ: لَقَصْدُوها، ولَفَعَلُوها.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ لآتَوْها ﴾ بِالمَدِّ، أيْ: لَأعْطَوْها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْنى الآيَةِ: لَوْ أنَّ الأحْزابَ دَخَلُوا المَدِينَةَ ثُمَّ أمَرُوهم بِالشِّرْكِ لَأشْرَكُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وما احْتَبَسُوا عَنِ الإجابَةِ إلى الكُفْرِ إلّا قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: وما تَلَبَّثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ الإجابَةِ إلّا يَسِيرًا حَتّى يُعَذَّبُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ، وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في الآيَةِ قَوْلًا عَجِيبًا، وهو أنَّ الفِتْنَةَ هاهُنا: الحَرْبُ، والمَعْنى: ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ عَلى أهْلِها مِن أقْطارِها، ثُمَّ سُئِلَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ الحَرْبَ لَأتَوْها مُبادِرِينَ، وما تَلَبَّثُوا- يَعْنِي الجُيُوشَ الدّاخِلَةَ عَلَيْهِمْ بِها- إلّا قَلِيلًا حَتّى يُخْرِجُوهم مِنها؛ وإنَّما مَنَعَهم مِنَ القِتالِ مَعَكَ ما قَدْ تَداخَلَهم مِنَ الشَّكِّ في دِينِكَ؛ قالَ: وهَذا المَعْنى حَفِظْتُهُ مِن كِتابِ الواقِدِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ في وقْتِ مُعاهَدَتِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم ناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ، فَلَمّا عَلِمُوا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ قالُوا: لَئِنْ شَهِدْنا قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ العَقَبَةِ، وهم سَبْعُونَ رَجُلًا بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَلى طاعَةِ اللَّهِ ونُصْرَةِ رَسُولِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ بِالمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ما نَزَلَ، عاهَدَ اللَّهَ مَعْتِبُ بْنُ قُشَيْرٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ: لا نُوَلِّي دُبُرًا قَطُّ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ الأحْزابِ نافَقا، قالَهُ الواقِدِيُّ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وهو ألْيَقُ مِمّا قَبْلَهُ.

وإذا كانَ الكَلامُ في حَقِّ المُنافِقِينَ، فَكَيْفَ يُطْلَقُ القَوْلُ عَلى أهْلِ العَقَبَةِ كُلِّهِمْ!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا ﴾ أيْ: يُسْألُونَ عَنْهُ في الآخِرَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ الفِرارَ لا يَزِيدُ في آجالِهِمْ، فَقالَ: ﴿ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ ﴾ بَعْدَ الفِرارِ في الدُّنْيا ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ وهو باقِي آجالِكم.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ لا يُدْفَعُ، بِقَوْلِهِ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللَّهِ ﴾ أيْ: يُجِيرُكم ويَمْنَعُكم مِنهُ ﴿ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا ﴾ وهو الإهْلاكُ والهَزِيمَةُ والبَلاءُ ﴿ أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ﴾ وهي النَّصْرُ والعافِيَةُ والسَّلامَةُ ﴿ وَلا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ أيْ: لا يَجِدُونَ مُوالِيًا ولا ناصِرًا يَمْنَعُهم مِن مُرادِ اللَّهِ فِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهم النَبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنَّ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا ﴾ ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللهَ مَسْؤُولا ﴾ هَذِهِ المَقالَةُ رُوِيَ أنَّ بَنِي حارِثَةَ قالُوها، وبُيُوتُهم بِحُدُودِ المَدِينَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَنُو سَلَمَةَ، وقِيلَ: القائِلُ لِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وأصْحابُهُ.

وقَرَأ السِلْمِيُّ، وحَفَصٌ، واليَمانِيُّ، والأعْرَجُ: "لا مَقامَ" بِضَمِّ المِيمِ، بِمَعْنى: لا مَوْضِعَ قِيامٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والنَخْعِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، وطِلْحَةَ، والمَعْنى: في حَوْمَةِ القِتالِ ومَوْضِعِ المُمانَعَةِ.

﴿ "فارْجِعُوا" ﴾ مَعْناهُ: إلى مَنازِلِكم وبُيُوتِكُمْ، وكانَ هَذا عَلى جِهَةِ التَخْذِيلِ عن رَسُولِ اللهِ  .

والفَرِيقُ المُسْتَأْذِنُ، رُوِيَ أنَّ أوسَ بْنَ قِيظِي، اسْتَأْذَنَ في ذَلِكَ عَنِ اتِّفاقٍ مِن عَشِيرَتِهِ، فَقالَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ، أيْ مُنْكَشِفَةٌ لِلْعَدُوِّ، وقِيلَ: أرادَ: خالِيَةٌ لِلسُّرّاقِ، ويُقالُ: أعْوَرُ المَنزِلِ إذا انْكَشَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَنا الشَدَّةُ الأُولى إذا القِرْنُ أعْوَرا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَرِيقُ بَنُو حارِثَةَ، وهم كانُوا عاهَدُوا اللهَ إثْرَ أُحُدٍ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ: "عَوِرَةٌ" بِكَسْرِ الواوِ فِيهِما، وهو اسْمُ فاعِلٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "صِحَّةُ الواوِ في هَذِهِ شاذَّةٌ، لِأنَّها مُتَحَرِّكَةٌ قَبْلَها فَتْحَةٌ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "عَوْرَةٌ" ﴾ ساكِنَةَ الواوِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، والبَيْتُ المَعْمُورُ هو المُنْفَرِدُ المُعَرَّضُ لِمَن شاءَهُ بِسُوءٍ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عن بُيُوتِهِمْ أنَّها لَيْسَتْ كَما ذَكَرُوهُ، وأنَّ قَصْدَهُمُ الفِرارَ، وأنَّ ما أظْهَرُوهُ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ حِمايَةَ بُيُوتِهِمْ وخاصَّةً نُفُوسَهم لَيْسَ كَذَلِكَ، وأنَّهم إنَّما يَكْرَهُونَ نَصْرَ رَسُولِ اللهِ  ، ويُرِيدُونَ خِزْيَهُ وأنْ يُغْلَبَ.

ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ مِن أقْطارِها، واشْتَدَّ الخَوْفُ الحَقِيقِيُّ، ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ والحَرْبَ لِمُحَمَّدٍ  وأصْحابِهِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ لَطارُوا إلَيْها وأتَوْها مُجِيبِينَ فِيها، ولَمْ يَتَلَبَّثُوا في بُيُوتِهِمْ لِحِفْظِها إلّا يَسِيرًا، قِيلَ: قَدْرَ ما يَأْخُذُونَ سِلاحَهم.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "ثُمَّ سُوُلُو الفِتْنَةَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي مَن سالَ يُسالُ كَخافَ يُخافُ، لُغَةٌ في "سَألَ" العَيْنُ فِيها واوٌ، وحَكى أبُو زَيْدٍ: هُما يَتَساوَلانِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: "سُلُوا الفِتْنَةَ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "سُوئِلُوا" بِالمَدِّ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "لَأتَوْها" بِمَعْنى لَجاؤَوْها، وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "لَآتَوْها" بِمَعْنى: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، فَكَأنَّها رَدٌّ عَلى السُؤالِ ومُشْبِهَةً لَهُ، قالَ الشَعْبِيُّ: وقَرَأها النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالمَدِّ.

ثُمَّ أخْبَرَ عنهم تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم قَدْ كانُوا عاهَدُوا عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، ورُوِيَ عن يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ إلى بَنِي حارِثَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهم مَعَ بَنِي سَلَمَةَ كانَتا الطائِفَتَيْنِ اللَتَيْنِ هَمَّتا بِالفَشَلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ تابُوا وعاهَدا عَلى أنْ لا يَقَعُ فِرارٌ، فَوَقَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مَن بَنِي حارِثَةَ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولا ﴾ تَوَعُّدٌ.

و"الأقْطارُ": النَواحِي، واحِدُها قُطْرٌ وقَتْرٌ، والضَمِيرُ في بِها يُحْتَمَلُ المَدِينَةُ ويُحْتَمَلُ البُيُوتُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ وإذْ زاغتْ الأبصار ﴾ [الأحزاب: 10] فإن ذلك كله مما ألحَق بالمسلمين ابتلاء فبعضه من حال الحرب وبعضه من أذى المنافقين، ليحذروا المنافقين فيما يحدث من بعد، ولئلا يخشوا كيدهم فإن الله يصرفه كما صرف أشدَّه يوم الأحزاب.

وقول المنافقين هذا يحتمل أن يكونوا قالوه عَلَناً بين المسلمين قصدوا به إدخال الشك في قلوب المؤمنين لعلهم يردونهم عن دينهم فأوهموا بقولهم ﴿ ما وَعَدَنا الله ورسوله ﴾ الخ...

أنهم ممن يؤمن بالله ورسوله، فنسبة الغرور إلى الله ورسوله إما على معنى التشبيه البليغ وإما لأنهم بجهلهم يجوزون على الله أن يغرّ عباده، ويحتمل أنهم قالوا ذلك بين أهل ملتهم فيكون نسبْة الوعد إلى الله ورسوله تهكماً كقول فرعون ﴿ إنّ رسولكم الذي أُرْسِل إليكم لمجنون ﴾ [الشعراء: 27].

والغرور: ظهور الشيء المكروه في صورة المحبوب، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ لا يغرنّك تقلُّبُ الذين كفروا في البلاد ﴾ في سورة آل عمران (196)، وقوله تعالى: ﴿ زُخْرف القول غروراً ﴾ في سورة الأنعام (112).

والمعنى: أن الله وعدهم النصر فكان الأمر هزيمة وهم يعنون الوعد العام وإلاَّ فإن وقعة الخندق جاءت بغتة ولم يُرْوَ أنهم وُعدوا فيها بنصر.

والذين في قلوبهم مرض } هم الذين كانوا مترددين بين الإيمان والكفر فأخلصوا يومئذ النفاق وصمّمُوا عليه.

والمراد بالطائفة الذين قالوا: ﴿ يا أهل يثرب لا مقامَ لكم فارجعوا ﴾ عبدُ الله بن أبيِّ ابنُ سَلول وأصحابُه.

كذا قال السدي.

وقال الأكثر: هو أوس بن قَيظي أحدُ بني حارثة، وهو والد عَرابة بن أوس الممدوح بقول الشمّاخ: رأيت عرابةَ الأوْسيَّ يسمو *** إلى الخيرات منقطع القرين في جماعة من منافقي قومه.

والظاهر هو ما قاله السُدّي لأن عبد الله بن أبَيّ رأس المنافقين، فهو الذي يدعو أهل يثرب كلّهم.

وقوله ﴿ لا مقام لكم ﴾ قرأه الجمهور بفتح الميم وهو اسم لمكان القيام، أي: الوجود.

وقرأه حفص عن عاصم بضم الميم، أي: محلّ الإقامة.

والنفي هنا بمعنى نفي المنفعة فلما رأى هذا الفريق قلة جدوى وجودهم جعلها كالعدم، أي لا فائدة لكم في ذلك، وهو يروم تخذيل الناس كما فعل يوم أُحُد.

و ﴿ يثرب ﴾ : اسم مدينة الرسول، وقال أبو عبيدة يثرب: اسم أرض والمدينة في ناحية منها، أي: اسم أرض بما فيها من الحوائط والنخل والمدينة في تلك الأرض.

سميت باسم يثرب من العمالقة، وهو يثرب بن قانية الحفيد الخامس لإرَم بن سام بن نوح.

وقد روي عن البراء بن عازب وابن عباس أن النبي نهى عن تسميتها يثرب وسماها طَابة.

وفي قوله ﴿ يا أهل يثرب لا مقام لكم ﴾ محسِّنٌ بديعيّ، وهو الاتِزان لأن هذا القول يكون منه مصراع من بحر السريع من عَروضه الثانية المخبُولة المكشوفة إذ صارت مفعولات بمجموع الخبل والكشف إلى فَعَلن فوزنه مستفعلن مستفعلن فَعَلن.

والمراد بقوله ﴿ فريق منهم ﴾ جماعة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وليسوا فريقاً من الطائفة المذكورة آنفاً، بل هؤلاء هم أوس بن قيظي وجمع من عشيرته بني حارثة وكان بنو حارثة أكثرهم مسلمين وفيهم منافقون، فجاء منافقوهم يعتذرون بأن منازلهم عورة، أي: غير حصينة.

وجملة ﴿ ويستأذن فريق ﴾ عطف على جملة ﴿ قالت طائفة ﴾ ، وجيء فيها بالفعل المضارع للإشارة إلى أنهم يلِحُّون في الاستئذان ويكررونه ويجددونه.

والعورة: الثغر بين الجبلين الذي يتمكن العدو أن يتسرب منه إلى الحي، قال لبيد: وأجَنَّ عوراتتِ الثغورِ ظَلامُها *** والاستئذان: طلب الإذن وهؤلاء راموا الانخذال واستحيَوا.

ولم يذكر المفسرون أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم.

وذكر أهل السير أن ثمانين منهم رجعوا دون إذنه.

وهذا يقتضي أنه لم يأذن لهم وإلا لما ظهر تميزهم عن غيرهم، وأيضاً فإن في الفعل المضارع من قوله ﴿ يستأذن ﴾ إيماء إلى أنه لم يأذن لهم وستَعلم ذلك، ومنازل بني حارثة كانت في أقصى المدينة قرب منازل بني سَلِمة فإنهما كانا حيين متلازمين قال تعالى: ﴿ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ﴾ [آل عمران: 122] هما بنو حارثة وبنو سلمة في غزوة أُحُد.

وفي الحديث: أن بني سَلِمة راموا أن ينقلوا منازلهم قرب المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم «يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم» أي خُطاكم.

فهذا الفريق منهم يعتلُّون بأن منازلهم بعيدة عن المدينة وآطامها.

والتأكيد بحرف ﴿ إنَّ ﴾ في قولهم ﴿ إن بيوتنا عورة ﴾ تمويه لإظهار قولهم ﴿ بيوتنا عورة ﴾ في صورة الصدق.

ولما علموا أنهم كاذبون وأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم كذبهم جعلوا تكذيبه إياهم في صورة أنه يشك في صدقهم فأكدوا الخبر.

وجملة ﴿ وما هي بعورة إلى قوله مسؤول ﴾ [الأحزاب: 15] معترضة بين جملة ﴿ يستأذن فريق منهم ﴾ الخ وجملة ﴿ لنينفعكم الفرار ﴾ [الأحزاب: 16].

فقوله: ﴿ وما هي بعورة ﴾ تكذيب لهم فإن المدينة كانت محصنة يومئذ بخندق وكان جيش المسلمين حارسها.

ولم يقرن هذا التكذيب بمؤكد لإظهار أن كذبهم واضح غير محتاج إلى تأكيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالحَصْرِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: بِالجُوعِ فَقَدْ أصابَهم بِالخَنْدَقِ جُوعٌ شَدِيدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: امْتُحِنُوا في الصَّبْرِ عَلى إيمانِهِمْ وتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ عَنِ المُنافِقِينَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَحَكى ابْنُ عِيسى أنَّ ﴿ هُنالِكَ ﴾ لِلْبُعْدِ مِنَ المَكانِ، وهُناكَ لِلْوَسَطِ وهُنا لِلْقَرِيبِ.

﴿ وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اضْطِرابُهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ حَرَّكَهُمُ الأمْرُ بِالثَّباتِ والصَّبْرِ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الرّابِعُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَرَضَ النِّفاقُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا ﴾ حَكى السُّدِّيُّ «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ يَحْفِرُ الخَنْدَقَ لِحَرْبِ الأحْزابِ فَبَيْنا هو يَضْرِبُ فِيهِ بِمِعْوَلِهِ إذْ وقَعَ المِعْوَلُ عَلى صَفاةٍ فَطارَ مِنها كَهَيْئَةِ الشِّهابِ مِن نارٍ في السَّماءِ، وضَرَبَ الثّانِي فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ، وضَرَبَ الثّالِثَ فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ فَرَأى ذَلِكَ سَلْمانُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : (رَأيْتَ ما خَرَجَ في كُلِّ ضَرْبَةٍ ضَرَبْتَها؟

قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : (تُفْتَحُ لَكم بِيضُ المَدائِنِ وقُصُورُ الرُّومِ ومَدائِنُ اليَمَنِ، قالَ: فَفَشا ذَلِكَ في أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  فَتَحَدَّثُوا بِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى قُشَيْرَ بْنَ مُعَتِّبٍ.

وَقالَ غَيْرُهُ قُشَيْرَ بْنَ عَدِيٍّ الأنْصارِيَّ مِنَ الأوْسِ: وعَدَنا مُحَمَّدٌ أنْ تُفْتَحَ لَنا مَدائِنُ اليَمَنِ وقُصُورُ الرُّومِ وبِيضُ المَدائِنِ وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ إلّا قُتِلَ؟

هَذا واللَّهِ الغُرُورُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ المُنافِقِينَ قِيلَ إنَّهم مِن بَنِي سُلَيْمٍ، وقِيلَ إنَّهُ مِن قَوْلِ أوْسِ بْنِ فَيْظِيٍّ ومَن وافَقَهُ عَلى رَأْيِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وحَكى السُّدِّيُّ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ.

﴿ يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ المِيمِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّ المَقامَ بِالفَتْحِ الثَّباتُ عَلى الأمْرِ، وبِالضَّمِّ الثَّباتُ في المَكانِ.

الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ بِالفَتْحِ المَنزِلُ وبِالضَّمِّ الإقامَةُ.

وَفي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ لا مُقامَ لَكم عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ فارْجِعُوا إلى دِينِ مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: لا مُقامَ لَكم عَلى القِتالِ فارْجِعُوا إلى طَلَبِ الأمانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: لا مُقامَ في مَكانِكم فارْجِعُوا إلى مَساكِنِكم، قالَ النَّقّاشُ.

والمُرادُ بِيَثْرِبَ المَدِينَةُ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ يَثْرِبَ هي المَدِينَةُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّ المَدِينَةَ في ناحِيَةٍ مِن يَثْرِبَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَدْ رَوى يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  « (مَن قالَ: المَدِينَةُ يَثْرِبُ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي طابَةُ) ثَلاثَ مَرّاتٍ.

» ﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي اسْتَأْذَنَهُ مِنهم رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي حارِثَةَ، أحَدُهُما أبُو عُرابَةَ بْنُ أوْسٍ، والآخِرُ أوْسُ بْنُ فَيْظِيٍّ.

قالَ الضَّحّاكُ: ورَجَعَ ثَمانُونَ رَجُلًا بِغَيْرِ إذْنٍ.

﴿ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قاصِيَةٌ مِنَ المَدِينَةِ نَخافُ عَلى عَوْرَةِ النِّساءِ والصِّبْيانِ مِنَ السَّبْيِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: خالِيَةٌ لَيْسَ فِيها إلّا العَوْرَةُ مِنَ النِّساءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدِ اعْوَرَّ الفارِسُ إذا كانَ فِيهِ مَوْضِعُ خَلَلٍ لِلضَّرْبِ قالَ الشّاعِرُ: لَهُ الشِّدَّةُ الأُولى إذا القَرْنُ أعَوَرا الثّالِثُ: مَكْشُوفَةُ الحِيطانِ نَخافُ عَلَيْها السِّراقَ والطَّلَبَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والعَرَبُ تَقُولُ قَدْ أعْوَرَ مَنزِلُكَ إذا ذَهَبَ سَتْرُهُ وسَقَطَ جِدارُهُ وكُلُّ ما كُرِهَ انْكِشافُهُ فَهو عِنْدَهم عَوْرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ بُيُوتَنا عَوِرَةٌ، بِكَسْرِ الواوِ، أيْ مُمْكِنَةُ العَوْرَةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَما هي بِعَوْرَةٍ ﴾ تَكْذِيبًا لَهم فِيما ذَكَرُوهُ.

﴿ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِرارًا مِنَ القَتْلِ.

الثّانِي: مِنَ الدِّينِ.

وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي حارِثَةَ وبَنِي سَلَمَةَ، هَمُّوا أنْ يَتْرُكُوا مَراكِزَهم يَوْمَ الخَنْدَقِ وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا  ﴾ الآيَةَ.

فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: واللَّهِ ما سَرَّنا ما كُنّا هَمَمْنا بِهِ إنْ كانَ اللَّهُ ولِيَّنا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ قال: من المنافقين.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن المبارك عن هارون بن موسى قال: أمرت رجلاً فسأل الحسن رضي الله عنه ﴿ لا مُقام لكم ﴾ أو ﴿ لا مَقام لكم ﴾ قال: كلتاهما عربية قال ابن المبارك رضي الله عنه: المقام: المنزل حيث هو قائم.

والمقام: الاقامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا مقام لكم ﴾ قال: لا مقاتل لكم ههنا، ففروا ودعوا هذا الرجل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا مقام لكم فارجعوا ﴾ فروا ودعوا محمداً صلى الله عليه وسلم.

وأخرج مالك وأحمد وعبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت بقرية تأكل القرى يقولون: يثرب.

وهي المدينة.

تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديدة» .

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة.

هي طابة.

هي طابة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدعونها يثرب، فإنها طيبة يعني المدينة، ومن قال: يثرب، فليستغفر الله ثلاث مرات.

هي طيبة.

هي طيبة.

هي طيبة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ﴾ قال: إلى المدينة عن قتال أبي سفيان ﴿ ويستأذن فريق منهم النبي ﴾ قال: جاءه رجلان من الأنصار ومن بني حارثة، أحدهما يدعى أبا عرابة بن أوس، والآخر يدعى أوس بن قيظي، فقالا: يا رسول الله ﴿ إن بيوتنا عورة ﴾ يعنون أنها ذليلة الحيطان، وهي في أقصى المدينة، ونحن نخاف السرق فائذن لنا فقال الله: ﴿ ما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويستأذن فريق منهم النبي ﴾ قال: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلية نخشى عليها السرق.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إن الذين قالوا بيوتنا عورة يوم الخندق: بنو حارثة بن الحارث.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن بيوتنا عورة ﴾ نخاف عليها السرق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ﴾ يعني: من المنافقين، قال بعضهم لبعض: ﴿ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ ﴾ في عسكر رسول الله -  - ليس لكم به موضع إقامة.

قال مقاتل: هم بنو سالم من المنافقين (١) (٢) وقال ابن عباس: قالت اليهود للمنافقين: ﴿ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ﴾ (٣)  - في ناصية منها، وأنشد لحسان مما قاله في الجاهلية (٤) سأهدي لها في كل عام قصيدة ...

وأقعد مكفيا بيثرب مكرما وروي أن النبي -  - نهى أن يقال للمدينة: يثرب، وسماها طيبة (٥) (٦) ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ  ﴾ .

قوله: ﴿ لَا مُقَامَ لَكُمْ ﴾ .

قال أبو إسحاق: لا مكان لكم تقيمون فيه (٧) ﴿ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ \[الشعراء 58، الدخان:26\].

قال الشاعر: فأيي ما وأيك (٨) (٩) ودخلت التاء كما دخلت على المنزلة والمقامة، والمقامة موضع ثواء ولبث.

وقرأ عاصم: لا مقام لكم بضم الميم (١٠) قال الفراء (١١) (١٢) وقال أبو علي: يجوز في قول من ضم الميم أن يكون المعنى: لا موضع إقامة لكم، وهذا أشبه؛ لأنه في معنى من فتح، يقال: لا مقام لكم (١٣) (١٤) وقوله: ﴿ فَارْجِعُوا ﴾ قال المفسرون: أي إلى المدينة، وذلك أن رسول الله -  - والمسلمون خرجوا عام الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع والخندق بينه وبين القوم، فقال هؤلاء الذين يثبطون الناس عن رسول الله -  -: ليس لكم هاهنا موضع إقامة؛ لكثرة العدد وغلبة الأحزاب، فارجعوا إلى المدينة (١٥) قوله -عز وجل-: ﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ﴾ أي: في الرجوع إلى المدينة.

قال مقاتل: وهم بنو حارثة وبنو سلمة قالوا للنبي -  - إن بيوتنا عورة (١٦) قال الليث: العورة سوأة الإنسان وكل أمر يستحي (١٧) قوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ : أي ليست بحريزة.

ويقال في التذكير (١٨) (١٩) (٢٠) قال الفراء: يقال: أعور منزلك إذا بدت منه عورة، وأعور الفارس اذا كان فيه موضع خلل للضرب، وأنشد: له الشدة الأولى إذا القرن (٢١) (٢٢) وقال ابن قتيبة: أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ، وكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت، فإذا ذهبوا عنها أعورت البيوت، تقول العرب: أعور منزلك إذا ذهب سترها وسقط جدارها، وأعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب والطعن (٢٣) قال مجاهد والحسن ومقاتل: قالوا: بيوتنا ضائعة (٢٤) (٢٥) وقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلي العدو، ولا نأمن على أهالينا (٢٦) وقال الكلبي: بيوتنا عورة أي خلاء (٢٧) (٢٨) وقال أبو إسحاق: فكذبهم الله وأعلم أن قصدهم الهرب والفرار (٢٩) ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾ قال مقاتل: ما يريدون إلا فرارًا من القتال ونصرة النبي -  - (٣٠) (١) "تفسير مقاتل" 89 أ.

(٢) انظر: "الكشاف" 3/ 230، "زاد المسير" 6/ 359، "تفسير الماوردي" 4/ 381.

(٣) انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 148.

(٤) البيت من الطويل، وهو لحسان في "ديوانه" ص 369.

"مجاز القرآن" 2/ 134.

(٥) أخرج الإمام أحمد في "مسنده" 4/ 285 عن البراء بن عازب -  - قال: قال رسول الله -  -: "من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة هي طابة" وذكره ابن كثير في "التفسير" 5/ 343، وقال: تفرد به الإمام أحمد، وهو ضعيف.

(٦) نظر: "اللسان" 1/ 234 (ثرب).

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.

(٨) في (ب): (ما واك).

(٩) البيت من الوافر، وهو للعباس بن مرداس في "ديوانه" ص 148، "خزانة الأدب" 4/ 367، "الكتاب" 2/ 402، "لسان العرب" 12/ 506، "الحجة" 5/ 471.

المقامة: بالضمة المجلس وجماعة الناس، والمراد: أعماه الله حتى صار يقاد إلى مجلسه.

(١٠) "الحجة" 5/ 471، "الكشف عن وجوه السبع وعللها وحججها" 2/ 195.

(١١) "معاني القرآن" 2/ 337.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.

(١٣) "الحجة" 5/ 471.

(١٤) في (ب): زيادة: (يكون المعنى لا موضع)، وهو خطأ.

(١٥) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 135، "تفسير الماوردي" 4/ 382، "مجمع البيان" 8/ 545، "زاد المسير" 6/ 360.

(١٦) "تفسير مقاتل" 89 أ.

(١٧) في (أ): (يستحق)، وعلق في الهامش: يستحي.

(١٨) في (ب): (بالتذكير).

(١٩) "تهذيب اللغة" 3/ 173 (عار).

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220 مع اختلاف يسير.

(٢١) في (ب): (القرآن)، وهو خطأ.

(٢٢) "معاني القرآن" 2/ 337.

وهذا شطر بيت لم أهتد إلى تمامه وقائله.

قال الفراء: أنشدني أبو ثروان، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 172، و"اللسان" 4/ 617 (عور) وقال: إنه في وصف أسد.

(٢٣) "تفسير غريب القرآن" ص 348.

(٢٤) طمس في (ب).

(٢٥) انظر: "تفسير الطبري" 11/ 1361، "تفسير مقاتل" 2/ 272، "مجمع البيان" للطبرسي 8/ 545.

(٢٦) انظر: "تفسير الطبري" 11/ 136، "مجمع البيان للطبرسي" 8/ 545.

(٢٧) في (أ): (خال)، وهو خطأ.

(٢٨) "تفسير الماوردي" 4/ 383.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.

(٣٠) "تفسير مقاتل" 89 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ ﴾ قال السهيلي: الطائفة تقع على الواحد مما فوقه، والمراد هنا أوس بن قبطي ﴿ ياأهل يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فارجعوا ﴾ يثرب اسم المدينة وقيل: اسم البقعة التي المدينة في طرف منها، ومقام اسم مَوْضِع من القيام، أي لإقرار لكم هنا يعنون مَوْضع القتال وقرئ بالضم وهو اسم موضع من الإقامة، وقولهم: فارجعوا إلى منازلكم بالمدينة ودعوا القتال ﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي ﴾ أي يستأذنه في الانصراف والمستأذن أوس بن قبطي وعشيرته وقيل: بنو حارثة ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ أي منكشفة للعدوّ وقيل: خالية للسراق فكذبهم الله في ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.

بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.

وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.

الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.

﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.

الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.

التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.

قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟

قلت: ثلاثاً وسبعين آية.

قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.

أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.

وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.

ومن تشريفات الرسول  أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم  ﴾ ﴿ يا موسى  ﴾ ﴿ يا عيسى  ﴾ ﴿ يا داود  ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله  ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله  ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل  ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد  ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول  ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة  ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ  ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.

يروى أنه  لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.

وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.

أي اتق الله في نقض العهد.

﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.

﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه  في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه  لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.

وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.

فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.

والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور  ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.

ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.

كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.

وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.

وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.

وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.

والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".

واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله  فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله  هذه الآية.

وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم  ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.

وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.

وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.

وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.

وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.

ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.

ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.

ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.

ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي  بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.

وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله  "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.

ومن كمال عناية الله  بأمة محمد  أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.

ولذلك صار المؤمنون أخوة.

قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.

وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".

وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.

ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.

والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.

قال أهل النظم: كأنه  قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله  كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.

ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.

ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.

وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا  لأفضليته.

وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك  ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.

وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.

قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.

وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً  ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال  "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.

وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي  : حلالها حساب وحرامها عقاب.

فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.

ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم  ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.

قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.

وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.

ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.

وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.

وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.

وحين سمع رسول الله  بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.

ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.

ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.

ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.

والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.

ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.

فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.

﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي  وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله  بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله  ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.

ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله  بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.

والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.

ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.

قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.

عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله  ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.

وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.

وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.

ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.

عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.

ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.

قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.

اي ومعتقلاً رمحاً.

أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.

والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول  وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم  ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.

وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.

وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.

وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.

﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.

قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.

ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.

ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.

ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.

التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان  متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي  فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.

وبعد النبي  سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.

والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.

أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ : هما واحد، وهم المنافقون.

وجائز أن يكون المنافقون هم الذين أضمروا الخلاف له، وأظهروا الوفاق، على إبانة الحق لهم وظهوره، ﴿ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ : هم الذين كانوا مرتابين في ذلك، لم يبن لهم ذلك، ولم ينجل قالوا هذا.

﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ : قال عامة أهل التأويل: الذي وعد لهم فتوح البلدان، قالوا لما أحاط بهم - أعني: بالمؤمنين - الكفار قال ذلك المنافقون.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ ﴾ .

قيل: ﴿ يَثْرِبَ ﴾ : المدينة، ويقال: ﴿ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ ﴾ : يأهل المدينة، وروي عن النبي  أنه قال: "من قال للمدينة: يثرب، فليستغفر الله ثلاثاً؛ هي طابة هي طابة" ثم قال بعضهم: إن قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ إنما قاله أهل النفاق لبعضهم: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ .

ثم يحتمل قوله ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: ما قالوا: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ من الفتح والنصر ﴿ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .

والثاني: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ ؛ لما لم يقع عندهم أنهم يصلون إلى ما كانوا يطمعون ويأملون؛ لأنهم كانوا يخرجون رغبة في الأموال وطمعاً فيها، وهو ما وصفهم: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...

﴾ الآية [الحج: 11].

وجائز أن يكون هذا القول من المؤمنين لأهل النفاق؛ فإن كان من المؤمنين لأولئك فالوجه فيه: أنهم أرادوا أن يطردوهم؛ لفشلهم ولجبنهم؛ لئلا يهزموا جنود المؤمنين بانهزامهم؛ لأنهم قوم همتهم الانهزام فإذا انهزموا هم انهزم غيرهم؛ فالمعنى: إذا كان ذلك من المؤمنين لهم غير المعنى إذا كان [من] أهل النفاق بعضهم لبعض، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .

بالرجوع إلى المدينة، كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ : خالية من الناس، ليس فيها أحد، فنخاف السرق عليها والأخذ والمكابرة.

ويحتمل أن يكونوا أرادوا بالعورة دخول العدوّ عليها إذا كانوا هم في الجند، العورة، أي: يدخل علينا مكروه ما يحزننا ويهمُّنا، أو كلام نحو هذا، فأكذبهم الله في قولهم، وقال: ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ، بل الله يحفظها على ما وعد، حتى لا يدخل عليهم مكروه لما يخافون ولا يصيبهم.

وقوله: ﴿ إِن يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: ما يريدون ﴿ إِلاَّ فِرَاراً ﴾ من القتال.

وقوله: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما، أي: لو دخلوا عليهم من أطراف المدينة ونواحيها، ثم دعوا إلى الشرك لأجابوهم، ﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ ، أي: لم يمتنعوا عن إجابتهم، بل لأجابوهم به كما دعوا.

وقال بعضهم: إنهم لو كانوا في بيوتهم، فدخلوا عليهم من نواحيها، ثم سئلوا الأموال وما تحويه أيديهم ﴿ لآتَوْهَا ﴾ ، أي: لأعطوها.

﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ .

يخبر عن نفاقهم وخلافهم له في السرّ أنهم يعطون لأولئك ما يريدون من الأموال أو الدين، ويوافقونهم ولا يوافقونكم ألبتة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ ﴾ .

قال بعضهم: كان أناس غابوا وقعة بدر وما أعطى الله أصحاب بدر من الفضيلة والكرامة؛ فقالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن؛ فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ ﴾ ، وذلك أنهم كانوا عاهدوا الرسول على عهدهم بمكة على العقبة بمنى، واشترط عليهم لربّه ولنفسه: أمّا لربّه: أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئاً، واشترط لنفسه أن ينصروه ويعزروه ويعينوه [ويمنعوه] ما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأولادهم؛ فقالوا: فإذا فعلنا ذلك؛ فما لنا با نبي الله؟

قال: لكم النصر في الدنيا، [و]الجنة في الآخرة؛ قالوا: قد فعلنا؛ فذلك قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ ليلة العقبة حين شرطوا للنبي المنعة: ألا يولوا الأدبار منهزمين.

﴿ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً ﴾ .

أي: يسأل من نقض العهد في الآخرة ومن وفى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً ﴾ مجزيا نقضاً أو وفاءً، يجزون على وفاء العهد ونقضه.

وقوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ ﴾ .

قال أهل التأويل: إن قضي عليكم الموت أو القتل؛ فلن ينفعكم الفرار.

وقال بعضهم: إن جعل انقضاء آجالكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار؛ بل تنقضي.

وأصله: إن كان المكتوب عليكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار منه؛ بل يأتي لا محالة؛ كقوله: ﴿ لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ﴾ الآية [آل عمران: 154]، أي: لا محالة المكتوب عليهم القتل - وإن كانوا في بيوتهم - لبرزوا؛ فيقتلون.

﴿ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: إنما الدنيا قليل إلى آجالكم.

وجائز أن يكون معناه: ولئن نفعكم الفرار عنه ﴿ لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ؛ كقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ الآية [الشعراء: 205-206].

قال أبو عوسجة والقتبي: أدعياءكم: من تبنيتموه واتخذتموه ولدا، ما جعلتم بمنزلة الصلب وكانوا يورثون من ادعوا.

﴿ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ .

إن قولكم على التشبيه والمجاز، ليس على التحقيق.

﴿ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ﴾ .

وقوله: ﴿ أَقْسَطُ ﴾ : أعدل.

﴿ وَإِذْ زَاغَتِ ﴾ : عدلت ومالت ﴿ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ ﴾ ، أي: كادت تبلغ الحلقوم من الخوف، والحناجر جماعة الحنجرة، وهي المذبح.

وقوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ ، أي: شددوا عليهم وهوّلوا، والزلزال: الشدائد، وأصلها من التحريك و ﴿ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ ﴾ و ﴿ وَٱللاَّتِي ﴾ مآلهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ﴾ .

ذكر هذا على أثر قوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: إنكم، وإن فررتم من الموت أو القتل، فإن الله إن أراد بكم سوءاً أو هلاكاً لا يملك أحد دفعه عنكم، أو إن أراد بكم رحمة ونجاة وخيراً لا يملك أحد منعه عنكم، وقد تعلمون أنكم لا تجدون من دون الله وليّاً ينفعكم ولا نصيراً ينصركم ويمنعكم عن حلول ذلك عليكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ ﴾ : هم المانعون منكم، ﴿ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ : قال بعضهم: هم اليهود أرسلوا إلى المنافقين، وقالوا: من ذا الذي يحملكم على قتل أنفسكم بأيدي أبي سفيان ومن معه من أصحابه؟!

فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة ما استبقوا منكم أحدا، فإنا نشفق عليكم؛ فإنما أنتم إخواننا ونحن جيرانكم، ﴿ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ .

وقال بعضهم: هم المنافقون، عوق بعضهم بعضا ومنع عن الخروج مع رسول الله إلى قتال العدوّ.

وفيه أمران: أحدهما: دلالة على إثبات الرسالة؛ لأنهم كانوا يسرون هذا ويخفون فيما بينهم، ثم أخبرهم بذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله  .

والثاني: أن يكونوا أبدا على حذر مما يضمرون من الخلاف له؛ كقوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ...

﴾ الآية [التوبة: 64].

وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

أي: لا يأتون القتال والحرب إلا مراءاة وسمعة، هذا - والله أعلم - يشبه أن يريد بالقليل: أنهم لا يأتون إتيان من يريد القتال والقيام معهم؛ ولكن مراءاة وسمعة وإظهاراً للوفاق لهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أي: بخلاء على الإنفاق عليكم، أي: لا ينفقون عليكم ولا على سبيل الخير، والله أعلم.

وقال بعضهم: الشح - أيضاً - هو الحرص، يقول: ﴿ أَشِحَّةً ﴾ ، أي: حراصاً على قسمة الغنيمة، يخبر عن معرضهم في الدنيا وركونهم إليها وميلهم فيها، ثم أخبر عن جبنهم وفشلهم وشدة خوفهم، وهو ما قال: ﴿ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ  ﴾ .

يخبر أنهم لجبنهم وفشلهم يصيرون كالمغشي عليه من الموت.

﴿ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ .

يخبر عن شدة حرصهم في قسمة الغنيمة ورغبتهم فيها - أنهم أشح قوم وأسوؤهم مقاسمة، يقولون: أعطونا، أعطونا؛ إنا قد شهدنا معكم؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ .

قال بعضهم: هذا قولهم، أي: إنا أشح منكم على رسول الله وعلى دينه، وأضنن منكم على الخير، أي: نحن أحرص عليه منكم.

وقال بعضهم: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ ، أي: حراصاً على الغنيمة والنيل منها.

ثم أخبر عنهم، وعن خلافهم له؛ حيث قال: ﴿ أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .

التي عملوها في الظاهر، ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً ﴾ : أي: صنعهم الذي صنعوا على الله، ﴿ يَسِيراً ﴾ ، أي: لا يضره.

وقال بعضهم: حبط أعمالهم، وتعذيبه إياهم مع كثرة أتباعهم وأعوانهم على الله يسير، أي: لا يشتد عليه ولا يصعب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ ﴾ .

أي: يحسب هؤلاء المنافقين أن الأحزاب لم يذهبوا؛ من الفرق والجبن والفشل الذي فيهم يوم الخندق.

﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ ﴾ ، أي: يقبل الأحزاب، ﴿ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، أي: بألسنتهم كانوا بمنزلة البداء؛ وأنهم تركوا أوطانهم وديارهم.

﴿ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ﴾ : كانت همتهم التخلف والفرار من القتال وطلب أخبار المؤمنين: أنهم ما فعل بهم؟

نحو ما قال: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ  لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ  ﴾ هكذا كانت عادتهم، ثم ابتلاهم الله بما كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين ويضمرون الخلاف لهم؛ والعداوة بفضل فشل وجبن ما لم يكن ذلك في غيرهم؛ ففي ذلك تحذير للمؤمنين وزجر عن مثل هذا الصنيع ومثل هذه المعاملة؛ لئلا يبتلوا بمثل ما ابتلي أولئك.

وفيه أنه يعامل بعضهم بعضا على الظاهر الذي ظهر دون حقيقة ما يكون؛ وعلى ذلك يجري الحكم على ما عامل رسول الله وأصحابه أهل النفاق، وحكمه على ما أظهروا دون ما أضمروا في الأنكحة والصهر وغير ذلك من الأحكام، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، أي: إلا فيما يدفعون عن أنفسهم لو قصدوا، فأما الدفع عن المؤمنين ودينهم فلا.

وجائز أن يكون المراد بالقليل، أي: لا يقاتلون ألبتة حقيقة القتال، وهو ما ذكر عنهم؛ حيث قال: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً  ﴾ ، أي: فسادا في أمركم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- حين قال فريق من المنافقين لأهل المدينة: يا أهل يثرب (اسم المدينة قبل الإسلام)، لا إقامة لكم عند سفح سَلْع قرب الخندق فارجعوا إلى منازلكم، ويطلب فريق منهم الإذن من النبي  أن ينصرفوا إلى بيوتهم بدعوى أن بيوتهم مكشوفة للعدو وليست بمكشوفة كما زعموا، وإنما يريدون بهذا الاعتذار الكاذب الفرار من العدوّ.

<div class="verse-tafsir" id="91.NOLjW"

مزيد من التفاسير لسورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله