الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ١٦ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم ، ولا يطول أعمارهم ، بل ربما كان ذلك سببا في تعجيل أخذهم غرة; ولهذا قال : ( وإذا لا تمتعون إلا قليلا ) أي : بعد هربكم وفراركم ، ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) [ النساء : 77 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا (16) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قُلْ) يا محمد، لهؤلاء الذين يستأذنوك في الانصراف عنك ويقولون: إن بيوتنا عورة ( لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ) يقول: لأن ذلك، أو ما كتب الله منهما واصل إليكم بكل حال، كرهتم أو أحببتم (وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا) يقول: وإذا فررتم من الموت أو القتل لم يزد فراركم ذلك في أعماركم وآجالكم، بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، ثم يأتيكم ما كتب لكم وعليكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا ) وإنما الدنيا كلها قليل.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، عن ربيع بن خيثم (وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا) قال: إلى آجالهم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، عن ربيع بن خيثم (وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا) قال: ما بينهم وبين الأجل.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن قالا ثنا سفيان، عن منصور، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خيثم، مثله إلا أنه قال: ما بينهم وبين آجالهم.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي رزين، أنه قال في هذه الآية: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا قال: ليضحكوا في الدنيا قليلا وليبكوا في النار كثيرا.
وقال في هذه الآية: (وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا) قال: إلى آجالهم.
أحد هذين الحديثين رفعه إلى ربيع بن خيثم.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خيثم (وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا) قال: الأجل.
ورفع قوله: (تُمَتَّعُونَ) ولم ينصب بـ" إذًا " للواو التي معها؛ وذلك أنه إذا كان قبلها واو، كان معنى " إذًا " التأخير بعد الفعل، كأنه قيل: ولو فرّوا لا يمتَّعون إلا قليلا إذًا، وقد يُنصب بها أحيانا، وإن كان معها واو؛ لأن الفعل متروك، فكأنها لأوّل الكلام.
قوله تعالى : قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا .قوله تعالى : قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل أي من حضر أجله مات أو قتل ; فلا ينفع الفرار .
وإذا لا تمتعون إلا قليلا أي في الدنيا بعد الفرار إلى أن تنقضي آجالكم ; وكل ما هو آت فقريب .
وروى الساجي عن يعقوب الحضرمي ( وإذا لا يمتعون ) بياء .
وفي بعض الروايات ( وإذا لا تمتعوا ) نصب ب ( إذا ) ، والرفع بمعنى ( ولا تمتعون ) .
و ( إذا ) ملغاة ، ويجوز إعمالها .
فهذا حكمها إذا كان قبلها الواو والفاء .
فإذا كانت مبتدأة نصبت بها فقلت : إذا أكرمك .
{ قُلْ } لهم، لائمًا على فرارهم، ومخبرًا أنهم لا يفيدهم ذلك شيئًا { لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ } فلو كنتم في بيوتكم، لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعكم.والأسباب تنفع، إذا لم يعارضها القضاء والقدر، فإذا جاء القضاء والقدر، تلاشى كل سبب، وبطلت كل وسيلة، ظنها الإنسان تنجيه.{ وَإِذَا } حين فررتم لتسلموا من الموت والقتل، ولتنعموا في الدنيا فإنكم { لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا } متاعًا، لا يسوى فراركم، وترككم أمر اللّه، وتفويتكم على أنفسكم، التمتع الأبدي، في النعيم السرمدي.
( قل ) لهم ( لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ) الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أو قتل ( وإذا لا تمتعون إلا قليلا ) أي : لا تمتعون بعد الفرار إلا مدة آجالكم وهي قليل .
«قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا» إن فررتم «لا تمتعون» في الدنيا بعد فراركم «إلا قليلا» بقية آجالكم.
قل -أيها النبي- لهؤلاء المنافقين: لن ينفعكم الفرار من المعركة خوفًا من الموت أو القتل؛ فإن ذلك لا يؤخر آجالكم، وإن فررتم فلن تتمتعوا في هذه الدنيا إلا بقدر أعماركم المحدودة، وهو زمن يسير جدًا بالنسبة إلى الآخرة.
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين ، فوبختهم على سوء فهمهم ، وعلى جبنهم وخورهم ، وعلى سلاطة ألسنتهم .
.
فقال - تعالى - : ( قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار .
.
.
.
مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنافقين : ( لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل ) ، لأن كل إنسان لا بد له من نهاية تنتهى عندها حياته ، سواء أكانت تلك النهاية عن طريق القتل بالسيف ، أم عن طريق الموت على الفراش .وما دام الأمر كذلك ، فعلى هؤلاء المنافقين أن يعلموا : أن الجبن لا يؤخر الحياة ، وأن الشجاعة لا تقدمها عن موعدها .
وصدق الله إذ يقول : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) وقوله : ( إِن فَرَرْتُمْ .
.
.
) جوابه محذوف لدلالة ما سبق عليه .
أى : إن فررتم لن ينفعكم فراركم .وقوله : ( وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) تذييل قصد به زجرهم عن الجبن الذى استولى عليهم .أى : إن فراركم من الموت أو القتل ، إن نفعكم - على سبيل الفرض - لفترة من الوقت ، فلن ينفعكم طويلا ، لأنكم لن تتمتعوا بالحياة بعد هذا الفرار إلا وقتا قليلا ، ثم ينزل بكم قضاء الله - تعالى - الذى لا مرد لكم منه ، فما تفرون منه هو نازل بكم قطعا .
بياناً لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً وندماً، وذكروا أن القتال لا يزال لهم قدماً ثم هددهم بقوله: ﴿ وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً ﴾ وقوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل ﴾ إشارة إلى أن الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما وقع عليه القرار، وما قدره الله كائن فمن أمر بشيء إذا خالفه يبقى في ورطة العقاب آجلاً ولا ينتفع بالمخالفة عاجلاً، ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ كأنه يقول ولو فررتم منه في يومكم مع أنه غير ممكن لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً فالعاقل لا يرغب في شيء قليل مع أنه يفوت عليه شيئاً كثيراً، فلا فرار لكم ولو كان لما متعتم بعد الفرار إلا قليلاً.
<div class="verse-tafsir"
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.
وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلنّ.
وعن محمد بن إسحق عاهدوا يوم أحد أن لا يفرّوا بعدما نزل فيهم ما نزل ﴿ مَسْئُولاً ﴾ مطلوباً مقتضى حتى يوفى به ﴿ لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار ﴾ مما لابد لكم من نزوله بكم من حتف أنف أو قتل.
وإن نفعكم الفرار مثلاً فمنعتم بالتأخير: لم يكن ذلك التمتيع إلا زماناً قليلاً.
وعن بعض المروانية: أنه مرّ بحائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ ﴾ يَعْنِي بَنِي حارِثَةَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ فَشِلُوا ثُمَّ تابُوا أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِهِ.
﴿ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا ﴾ عَنِ الوَفاءِ بِهِ مُجازًى عَلَيْهِ.
﴿ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ ﴾ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِن حَتْفِ أنْفٍ، أوْ قَتْلٍ في وقْتٍ مُعِينٍ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ وجَرى عَلَيْهِ القَلَمُ.
﴿ وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا ﴾ أيْ وإنْ نَفَعَكُمُ الفِرارُ مَثَلًا فَمُتِّعْتُمْ بِالتَّأْخِيرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمْتِيعُ إلّا تَمْتِيعًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا.
<div class="verse-tafsir"
{قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي إن كان حضر أجلكم لم ينفعكم الفرار وإن لم بحضر وفررتم لم تمتعوا في الدنيا إلا قليلاً وهو مدة أعماركم وذلك قليل وعن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال ذلك القليل نطلب
﴿ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ ﴾ أيْ لَنْ يَنْفَعَكم ذَلِكَ، ويَدْفَعَ عَنْكم ما أُبْرِمَ في الأزَلِ عَلَيْكم مِن مَوْتِ أحَدِكم حَتْفَ أنْفِهِ، أوْ قَتْلِهِ بِسَيْفٍ ونَحْوِهِ، فَإنَّ المُقَدَّرَ كائِنٌ لا مَحالَةَ، ﴿ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا ﴾ أيْ وإنْ نَفَعَكُمُ الفِرارُ بِأنْ دَفَعَ عَنْكم ما أُبْرِمَ عَلَيْكم فَمُتِّعْتُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمْتِيعُ إلّا تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا.
وهَذا مِن بابِ فَرْضِ المُحالِ، ولَمْ يَقُلْ: ولَوْ نَفَعَكم إخْراجًا لِلْكَلامِ مَخْرَجَ المُماشاةِ أوْ إذا نَفَعَكُمُ الفِرارُ فَمُتِّعْتُمْ بِالتَّأْخِيرِ بِأنْ كانَ ذَلِكَ مُعَلَّقًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى الفِرارِ مَرْبُوطًا بِهِ، لَمْ يَكُنِ التَّمْتِيعُ إلّا قَلِيلًا، فَإنَّ أيّامَ الحَياةِ وإنْ طالَتْ قَصِيرَةٌ، وعُمْرٌ تَأْكُلُهُ ذَرّاتُ الدَّقائِقِ وإنْ كَثُرَ قَلِيلٌ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المَعْنى لا يَنْفَعُكم نَفْعًا دائِمًا أوْ تامًّا في دَفْعِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ المَوْتِ أوِ القَتْلِ بِالكُلِّيَّةِ، إذْ لا بُدَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِن مَوْتٍ حَتْفَ أنْفِهِ أوْ قَتْلٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ لا لِأنَّهُ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ لِأنَّهُ تابِعٌ لِلْمُقْضى فَلا يَكُونُ باعِثًا عَلَيْهِ، بَلْ لِأنَّهُ مُقْتَضى تَرَتُّبِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، فَلا دِلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ الفِرارَ لا يُغْنِي شَيْئًا حَتّى يُشْكِلَ بِالنَّهْيِ عَنِ الإلْقاءِ إلى التَّهْلُكَةِ، وبِالأمْرِ بِالفِرارِ عَنِ المَضارِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ في الفِرارِ نَفْعًا في الجُمْلَةِ إذِ المَعْنى لا تُمَتَّعُونَ عَلى تَقْدِيرِ الفِرارِ إلّا مَتاعًا قَلِيلًا، وفِيهِ ما فِيهِ فَتَأمَّلْ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ بَعْضَ المَرْوانِيَّةِ مَرَّ عَلى حائِطٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ، فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: ذَلِكَ القَلِيلُ نَطْلُبُ، وكَأنَّهُ مالَ إلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى ما ذَكَرَهُ البَعْضُ في الآيَةِ، وجَوابُ الشَّرْطِ لِإنْ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ( وإذًا ) تَقَدَّمَها ها هُنا حَرْفُ عَطْفٍ، فَيَجُوزُ فِيها الإعْمالُ والإهْمالُ، لَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ هُنا إلّا بِالإهْمالِ.
وقُرِئَ بِالإعْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ [الإسْراءِ: 76] ( وإذا لا يَلْبَثُوا خِلافَكَ ) وقُرِئَ «لا يُمَتَّعُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ يعني: أتاكم المشركون من فوق الوادي.
يعني: طلحة بن خويلد الأسدي وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من قبل المغرب وهو أبو الأعور السلمي.
ويقال: مِنْ فَوْقِكُمْ أي: من قبل المشرق، مالك بن عوف، وعيينة بن حصن الفزاري، ويهود بني قريظة.
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أبو سفيان.
فلما رأى ذلك قالوا: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ يعني: شخصت الأبصار فوقاً يعني: أبصار المنافقين، لأنهم أشد خوفاً كأنهم خشب مسندة وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ خوفاً، هذا على وجه المثل.
ويقال: اضطراب القلب يبلغ الحناجر.
ويقال: إذا خاف الإنسان، تنتفخ الرئة، وإذا انتفخت الرئة، يبلغ القلب الحنجرة.
ويقال للجبان: منتفخ الرئة.
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا يعني: الإياس من النصرة.
يعني: ظننتم أن لن ينصر الله عز وجل محمدا ، قرأ ابن كثير والكسائي وعاصم في رواية حفص: الظنون بالألف عند الوقف، ويطرحونها عند الوصل.
وكذلك في قوله وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الأحزاب: 66] فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب: 67] وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: بالألف في حال الوصل والوقف.
وقرأ أبو عمرو وحمزة بغير ألف في الحالتين جميعاً.
فمن قرأ بالألف في الحالين، فلاتباع الخط.
لأن في مصحف الإمام وفي سائر المصاحف بالألف.
ومن قرأ بغير ألف فلأن الألف غير أصلية، وإنما يستعمل هذه الألف الشعراء في القوافي.
وقال أبو عبيدة: أحب إلي في هذه الحروف أن يتعمد الوقف عليها بالألف، ليكون متبعاً للمصحف، واللغة.
ثم قال عز وجل: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ يعني: عند ذلك اختبر المؤمنون.
يعني: أمروا بالقتال والحضور.
وكان في ذلك اختباراً لهم وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً أي: حركوا تحريكاً شديداً واجتهدوا اجتهاداً شديداً.
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً وهم لم يقولوا رسول الله، وإنما قالوا باسمه.
ولكن الله عز وجل ذكره بهذا اللفظ.
قوله عز وجل: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يعني: جماعة من المنافقين يا أَهْلَ يَثْرِبَ يعني: يا أهل المدينة وكان اسم المدينة يثرب، فسماها رسول الله المدينة لاَ مُقامَ لَكُمْ قرأ عاصم في رواية حفص: بضم الميم.
وقرأ الباقون: بالنصب.
فمن يقرأ بالضم فمعناه لا إقامة لكم.
ومن قرأ بالنصب، فهو بالمكان أي: لا مكان لكم تقومون فيه، والجمع المقامات.
وكان أبو عبيدة يقرأ بالنصب، لأنه يحتمل المقام والمكان جميعاً.
يعني: أن المنافقين قالوا: خوفاً ورعباً منهم: لا مقام لكم عند القتال.
فَارْجِعُوا يعني: فانصرفوا إلى المدينة وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ وهم بنو حارثة وبنو سلمة، وذلك أن بيوتهم كانت من ناحية المدينة يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعني: ضائعة، نخشى عليها السراق.
ويقال: معناه أن بيوتنا مما يلي العدو، وإنا لا نأمن على أهالينا.
وقال القتبي: أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ.
وكان الرجال ستراً وحفظاً للبيوت.
فقالوا: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعني: خالية والعرب تقول: اعور منزلك أي: إذا سقط جداره.
يقول الله تعالى: وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ لأن الله عز وجل يحفظها، يعني: وما هي بخالية إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً أي: ما يريدون إلا فراراً من القتال.
ثم قال: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها يعني: لو دخل العسكر من نواحي المدينة ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ يعني: دعوهم إلى الشرك لَآتَوْها قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: لاَتَوْهَا بالهمزة بغير مد.
وقرأ الباقون: بالهمز والمد.
فمن قرأ بالمد لَآتَوْها يعني: لأعطوها.
ومن قرأ بغير مد معناه صاروا إليها وجاءوها وكلاهما يرجع إلى معنى واحد يعني: لو دعوا إلى الشرك لأجابوا سريعاً.
وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً أي: وما تحسبوا بالشرك إلا قليلاً.
يعني: يجيبوا سريعاً.
ويقال: لو فعلوا ذلك لم يلبثوا بالمدينة إلا قليلاً.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل قتال الخندق حين كان النبيّ بمكة، خرج سبعون رجلاً من المدينة إلى مكة.
فخرج إليهم رسول الله ليلة العقبة إلى السبعين، فبايعهم وبايعوه.
فقالوا للنبي : اشترط لربك ولنفسك ما شئت.
فقال: «أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بهِ شَيْئاً وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا مَنَعْتُمْ به أَنْفُسَكُمْ وَأَوْلادَكُمْ» .
فقالوا: قد فعلنا ذلك.
فما لنا؟
قال- -: «لكم النصرة في الدنيا، والجنة في الآخرة» .
قالوا: قد فعلنا ذلك، فذلك قوله: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ منهزمين وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا يعني: يسأل في الآخرة من ينقض العهد.
قوله عز وجل: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: لا تؤجلون إلا يسيراً، لأن الدنيا كلها قليلة.
ثم قال عز وجل: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: يمنعكم من قضاء الله وعذابه إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً يعني: القتل أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً أي: عافية.
ويقال: سُوءاً يعني: الهزيمة أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً يعني: خيراً.
وهو النصر.
يعني: من يقدر على دفع السوء عنكم وجر الخير إليكم وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً يعني: قريباً ومانعا.
<div class="verse-tafsir"
معناه: اخْتُبِرُوا وَزُلْزِلُوا: مَعْنَاه: حُرِّكُوا بعنف.
ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمَرْضَى القلوبِ على جِهَةِ الذَّمِّ لَهُمْ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً فَرُوِيَ عَنْ يزِيدَ بْنِ رُومَانَ أن مُعَتِّبَ بن قُشَيْرٍ قال: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أن نَفْتَتِحَ كنوز كِسْرَى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا إلا غروراً، وقال غيره من المنافقين نحو هذا.
وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)
وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي: من المنافقين لاَ مُقامَ لَكُمْ أي: لا موضعَ قيام ومُمَانَعة، فارْجِعوا إلى منازِلكم وبيوتِكم، وكان هذا على جِهَة التخذيل عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، والفريق المستأذن هو أوسُ بن قيظي استأذنَ في ذلك على اتِّفَاقِ من أصحابهِ المنافقين فقالَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أيْ: مُنْكَشِفَة للعدو فأكذَبَهم الله- تعالى- ولو دخلت المدينة مِنْ أَقْطارِها أي: من نواحيها، واشتد الخوف الحقيقي، ثم سُئِلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه لبادروا إليها وآتوها محبين فيها ولم يَتَلَبَّثُوا في بُيوتهم لحفظها إلاَّ يسيراً، قيل: قَدْرَ ما يأخذون سلاحَهم.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد كانوا عاهدوا الله إثْر أُحُدٍ لاَ يُولُّونَ الأدْبَارَ وفي قوله تعالى: وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا تَوَعُّدٌ وباقي الآية بَيِّن.
ثم وبَّخَهُمْ بقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وهم الذين يُعَوِّقُونَ الناسَ عن نُصْرة الرسولِ ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك ويَسْعَوْنَ على الدين، وأما القائلون لإخوانهم هَلُمَّ إلينا فقال ابن زيد وغيره: أراد
من كان من المنافقين يقول لإخوانه في النَّسَب وقَرَابته هلُم، أَي: إلى المنَازِل والأكل والشرب، واترك القتال «١» .
وروي: أنّ جماعة منهم فَعَلَتْ ذلك وأصلُ هَلُمَّ:
ها المم.
وهذا مِثْلُ تعليل «رَدَّ» من «ارْدُدْ» والبأسُ: القتالُ وإِلَّا قَلِيلًا معناه إلا إتيانا قليلا، وأَشِحَّةً جمع شَحِيحٍ والصَّوَابِ تَعْمِيمُ الشُّحِّ أنْ يكون بِكُلّ ما فيه للمؤمنين منفعة.
وقوله: فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ قيل: معناه: فإذا قوي الخوفُ رأيت هؤلاء المنافقين ٧٢ ب ينظرونَ إليك/ نَظَرَ الهَلِعِ المُخْتَلِطِ الذي يُغْشَى عَليه، فإذا ذهب ذلك الخوفُ العظيمُ وَتَنَفَّسَ المختَنِقُ: سَلَقُوكُمْ أي: خاطبوكم مخاطبة بليغة، يقال: خطيب سَلاَّقٌ ومِسْلاَقٌ ومِسْلَقٌ ولِسَان أيضاً كذلك إذا كان فصيحاً مقتدراً ووصف الألسِنة بالحدّة لقَطْعِها المعاني ونفوذِها في الأقوال، قالت فرقةٌ: وهذا السَّلْقُ هو في مخادعةِ المؤمنِين بما يُرْضيهِم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة.
وقوله: أَشِحَّةً حال من الضمير في سَلَقُوكُمْ.
وقوله: عَلَى الْخَيْرِ يدل على عموم الشح في قوله أولاً: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ وقيل: المراد بالخير: المال، أي: أشحة على مال الغنائِم، والله أعلم.
ثم أخبرَ تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا، وجمهورُ المفسرينَ على أن هذه الإشارةَ إلى منافقينَ لم يكن لهم قط إيمان، ويكونُ قولهُ: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي: أنها لم تُقْبَل قط، والإشارة بذلك في قوله وَكانَ ذلِكَ إلى حبط أعمال هؤلاء المنافقين، والضميرُ في قوله: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ للمنافقين، والمعنى: أنهم من الفزع والجزع بحيثُ رَحَلَ الأحزابُ وهزمهَم الله تعالى، وهؤلاء يظنون أنها من الخُدَعِ وأنَّهم لم يَذْهَبوا، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ، أي: يرجعوا إليهم كرةً ثانية يَوَدُّوا من الخوف والجبن لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ أي:
خارجون إلى البادية.
فِي الْأَعْرابِ وهم أهل العمود ليسلموا من القتال.
يَسْئَلُونَ أي من وَرَدَ عليهم.
ثم سَلَّى سبحانه عَنْهُم وحَقَّر شَأْنَهُم بِأَنْ أخْبَرَ أنهمْ لَو حَضَرُوا لَمَا أَغْنَوا وَلَمَا قَاتَلُوا إلا قِتَالاً قَلِيلاً لا نفعَ لَه.
ثُم قال تعالى- على جهة الموعظة-: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ حين صَبَرَ وجَادَ بنفسه، وأُسْوَةٌ معناه قُدْوَة، وَرَجَاءُ الله تَابع للمَعْرِفة به، ورجاء اليومِ الآخر ثمرة العمل الصالح، وذكرُ الله كثيراً من خَير الأعمال فَنَبَّه عليه.
ت: وعن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا مَعَ عَبْدِي إذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» «١» .
رواه ابن ماجه، واللفظ له وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي الدرداء.
وروى جابرُ بن عبد الله قال: خرج علينا النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيّها النَّاسُ، إن لِلَّهِ سَرَايا مِنَ المَلاَئِكَةِ تَحُلُّ وَتَقِفُ على مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الأَرْضِ، فارتعوا فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ، قَالُوا:
وأَيْن رِيَاضُ الجَنَّةِ يا رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟
قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ فاغدوا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللهِ وذَكِّرُوهُ أنْفُسَكُمْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ فَإنَّ اللهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنْهُ، حَيثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ» «٢» رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحُ الإِسناد.
وعن معاذِ بْنِ جبل قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلّم أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللهِ تعالى؟
قَالَ:
«أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» «٣» رواه ابن حبان في «صحيحه» ، انتهى من «السِّلاَحِ» .
ولَولاَ خشيةُ الإطالةِ، لأتَيْتُ في هذا الباب بأحاديثَ كَثِيرَةٍ، وروى ابنُ المُبَاركَ في «رقائقه» قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجِيحٍ عن مجاهدٍ قَالَ: لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكرَاتِ حَتَّى يَذْكُرَ اللهَ قَائِماً وَقَاعِداً وَمُضْطَجِعاً، انتَهى.
وفي «مصحف ابن مسعود «٤» » «يَحْسَبُونَ الأحزاب/ قَدْ ذَهَبُواْ فَإِذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا ودّوا ٧٣ أأنّهم بادون في الأعراب» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ المُنافِقِينَ.
وفي القائِلِينَ لِهَذا مِنهم قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ يَثْرِبَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَثْرِبُ: اسْمُ أرْضٍ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ في ناحِيَةٍ مِنها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا مُقامَ لَكُمْ ﴾ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ لا مُقامَ ﴾ بِضَمِّ المِيمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن ضَمَّ المِيمَ، فالمَعْنى: لا إقامَةَ لَكُمْ؛ ومَن فَتَحَها، فالمَعْنى: لا مَكانَ لَكم تُقِيمُونَ فِيهِ.
وهَؤُلاءِ كانُوا يُثَبِّطُونَ المُؤْمِنِينَ عَنِ النَّبِيِّ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْجِعُوا ﴾ أيْ: إلى المَدِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ بِالمُسْلِمِينَ حَتّى عَسْكَرُوا بِـ " سَلْعٍ "، وجَعَلُوا الخَنْدَقَ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ المُنافِقُونَ لِلنّاسِ: لَيْسَ لَكم هاهُنا مُقامٌ، لِكَثْرَةِ العَدُوِّ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وحَكى الماوَرْدِيُّ قَوْلَيْنِ [آخَرَيْنِ] أحَدُهُما: لا مُقامَ لَكم عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ فارْجِعُوا إلى دِينِ مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: لا مُقامَ لَكم عَلى القِتالِ، فارْجِعُوا إلى طَلَبِ الأمانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم بَنُو حارِثَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بَنُو حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما اسْتَأْذَنَهُ رَجُلانِ مِن بَنِي حارِثَةَ.
والثّانِي: بَنُو حارِثَةَ، وبَنُو سَلَمَةَ بْنِ جُشَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: خالِيَةٌ، فَقَدَ أمْكَنَ مَن أرادَ دُخُولَها، وأصْلُ العَوْرَةِ: ما ذَهَبَ عَنْهُ السِّتْرُ والحِفْظُ، فَكَأنَّ الرِّجالَ سِتْرٌ وحِفْظٌ لِلْبُيُوتِ، فَإذا ذَهَبُوا أعْوَرَتِ البُيُوتُ، تَقُولُ العَرَبُ: أعْوَرَ مَنزِلِي: إذا ذَهَبَ سِتْرُهُ، أوْ سَقَطَ جِدارُهُ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا بانَ مِنهُ مَوْضِعُ خَلَلٍ لِلضَّرْبِ والطَّعْنِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ وَما هي بِعَوْرَةٍ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ يَحْفَظُها، ولَكِنْ يُرِيدُونَ الفِرارَ.
وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ.
وقالَ قَتادَةُ: قالُوا بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ، ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ وأعْلَمَ أنَّ قَصْدَهُمُ الفِرارُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ﴾ يَعْنِي المَدِينَةَ؛ والأقْطارُ: النَّواحِي والجَوانِبُ، واحِدُها: قُطْرٌ، ﴿ ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والضَّحّاكُ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: " ثُمَّ سُيِلُوا " بِرَفْعِ السِّينِ وكَسْرِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو الجَوْزاءِ: " ثُمَّ سُوءِلُوا " بِرَفْعِ السِّينِ ومَدِّ الواوِ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو الأشْهَبِ: " ثُمَّ سُولُوا " بِرَفْعِ السِّينِ وسُكُونِ الواوِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا هَمْزٍ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " ثُمَّ سِيلُوا " بِكَسْرِ السِّينِ ساكِنَةَ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا واوٍ.
ومَعْنى: ﴿ سُئِلُوا الفِتْنَةَ ﴾ ، أيْ: سُئِلُوا فِعْلَها؛ [والفِتْنَةُ: الشِّرْكُ، (لَآتَوْها) ] قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " لَأتَوْها " بِالقَصْرِ، أيْ: لَقَصْدُوها، ولَفَعَلُوها.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ لآتَوْها ﴾ بِالمَدِّ، أيْ: لَأعْطَوْها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْنى الآيَةِ: لَوْ أنَّ الأحْزابَ دَخَلُوا المَدِينَةَ ثُمَّ أمَرُوهم بِالشِّرْكِ لَأشْرَكُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وما احْتَبَسُوا عَنِ الإجابَةِ إلى الكُفْرِ إلّا قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: وما تَلَبَّثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ الإجابَةِ إلّا يَسِيرًا حَتّى يُعَذَّبُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ، وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في الآيَةِ قَوْلًا عَجِيبًا، وهو أنَّ الفِتْنَةَ هاهُنا: الحَرْبُ، والمَعْنى: ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ عَلى أهْلِها مِن أقْطارِها، ثُمَّ سُئِلَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ الحَرْبَ لَأتَوْها مُبادِرِينَ، وما تَلَبَّثُوا- يَعْنِي الجُيُوشَ الدّاخِلَةَ عَلَيْهِمْ بِها- إلّا قَلِيلًا حَتّى يُخْرِجُوهم مِنها؛ وإنَّما مَنَعَهم مِنَ القِتالِ مَعَكَ ما قَدْ تَداخَلَهم مِنَ الشَّكِّ في دِينِكَ؛ قالَ: وهَذا المَعْنى حَفِظْتُهُ مِن كِتابِ الواقِدِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ في وقْتِ مُعاهَدَتِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم ناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ، فَلَمّا عَلِمُوا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ قالُوا: لَئِنْ شَهِدْنا قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهم أهْلُ العَقَبَةِ، وهم سَبْعُونَ رَجُلًا بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ونُصْرَةِ رَسُولِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ بِالمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ما نَزَلَ، عاهَدَ اللَّهَ مَعْتِبُ بْنُ قُشَيْرٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ: لا نُوَلِّي دُبُرًا قَطُّ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ الأحْزابِ نافَقا، قالَهُ الواقِدِيُّ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وهو ألْيَقُ مِمّا قَبْلَهُ.
وإذا كانَ الكَلامُ في حَقِّ المُنافِقِينَ، فَكَيْفَ يُطْلَقُ القَوْلُ عَلى أهْلِ العَقَبَةِ كُلِّهِمْ!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا ﴾ أيْ: يُسْألُونَ عَنْهُ في الآخِرَةِ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ الفِرارَ لا يَزِيدُ في آجالِهِمْ، فَقالَ: ﴿ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ ﴾ بَعْدَ الفِرارِ في الدُّنْيا ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ وهو باقِي آجالِكم.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ لا يُدْفَعُ، بِقَوْلِهِ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللَّهِ ﴾ أيْ: يُجِيرُكم ويَمْنَعُكم مِنهُ ﴿ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا ﴾ وهو الإهْلاكُ والهَزِيمَةُ والبَلاءُ ﴿ أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ﴾ وهي النَّصْرُ والعافِيَةُ والسَّلامَةُ ﴿ وَلا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ أيْ: لا يَجِدُونَ مُوالِيًا ولا ناصِرًا يَمْنَعُهم مِن مُرادِ اللَّهِ فِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أو أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مَن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا ﴾ أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُخاطِبَهم بِتَوْبِيخٍ، فَأعْلَمَهم بِأنَّ الفِرارَ لا يُنْجِيهِمْ مِنَ القَدَرِ، بِأنَّهم لا يُمَتَّعُونَ في تِلْكَ الأوطانِ، بَلْ تَنْقَطِعُ أعْمارُهم في يَسِيرٍ مِنَ المُدَّةِ، والقَلِيلُ الَّذِي اسْتَثْناهُ هي مُدَّةَ الآجالِ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى عاصِمٍ مِنَ اللهِ يُسْنَدُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّهم لا يَجِدُونَ ذَلِكَ، ولا ولِيَّ ولا نَصِيرَ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُمَتَّعُونَ" بِالياءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُمَتَّعُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ.
ثُمَّ وبَّخَهم بِأنَّ اللهَ يَعْلَمُ المُعَوِّقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعُوقُونَ الناسَ عن نُصْرَةِ الرَسُولِ، ويَمْنَعُونَهم بِالأقْوالِ والأفْعالِ مِن ذَلِكَ، ويَسْعَوْنَ عَلى الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ، وَتَقُولُ: عاقَنِي أمْرُ كَذا، وعَوَّقَنِي إذا بالَغْتُ وضَعَّفْتُ الفِعْلَ.
وأمّا القائِلُونَ فاخْتَلَفَ الناسُ في حالِهِمْ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: أرادَ المُنافِقِينَ، يَقُولُ المُنافِقُ لِإخْوانِهِ في النَسَبِ وقَرابَتِهِ: "هَلُمَّ إلَيْنا" أيْ: إلى المَنازِلِ والأكْلِ والشُرْبِ وتَرْكِ القِتالِ، ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنهم فَعَلَتْ ذَلِكَ.
ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ رَجَعَ إلى دارِهِ فَوَجَدَ أخا لَهُ مُنافِقًا، بَيْنَ يَدَيْهِ رَغِيفٌ وشِواءٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ لَهُ: أتَجْلِسُ هَكَذا ورَسُولُ اللهِ في القِتالِ؟
فَقالَ لَهُ أخُوهُ: هَلُمَّ إلى ما أنا فِيهِ يا فُلانُ، ودَعْنِي مِن مُحَمَّدٍ فَقْدَ واللهِ هَلَكَ، وما لَهُ قِبَلٌ بِأعْدائِهِ.
فَشَتَمَهُ أخُوهُ وقالَ: واللهِ لِأُعَرِّفَنَّ رَسُولَ اللهِ ، فَذَهَبَ إلى النَبِيِّ فَوَجَدَ الآيَةَ نَزَلَتْ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ مَن كانَ مِنَ المُنافِقِينَ يُداخِلُ كَفارَّ قُرَيْشٍ مِنَ العَرَبِ، فَإنَّهُ كانَ مِنهم مَن يُداخِلُهُمْ، وقالَ لَهُمْ: "هَلُمَّ إلَيْنا"، أيْ إلى المَدِينَةِ فَإنَّكم تَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا، والإخْوانُ- عَلى هَذا - هم في الكُفْرِ والمَذْهَبِ السُوءِ.
و"هَلُمَّ" بِمَعْنى: أقْبِلْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَسْتَعْمِلُها عَلى حَدٍّ واحِدٍ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والمُفْرَدِ والجَمْعِ، وهَذا عَلى أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، هَذِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ومِنهم مَن يُجْرِيها مَجْرى الأفْعالِ فَيُلْحِقُها الضَمائِرَ المُخْتَلِفَةَ، فَيَقُولُ: هَلُمَّ، وهَلُمُّوا.
وأصْلُ "هَلُمَّ": "هالمُمْ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ المِيمِ إلى اللامِ فاسْتُغْنِيَ عَنِ الألْفِ، وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ لِسُكُونِها فَجاءَ "هَلُمَّ"، وهَذا مِثْلَ تَعْلِيلِ: "رَدَّ" مِنَ ارْدُدْ.
والبَأْسُ: القِتالُ، و"إلّا قَلِيلًا" مَعْناهُ: إلّا إتْيانًا قَلِيلًا، وقِلَّتُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ وقِلَّةِ أزْمِنَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقِلَّةِ عِقابِهِ، وأنَّهُ رِياءٌ وتَلْمِيعٌ لا تَحْقِيقَ.
<div class="verse-tafsir"
جواب عن قولهم ﴿ إن بيوتنا عورة ﴾ [الأحزاب: 13] ولذلك فصِّلت لأنها جرت على أسلوب التقاول والتجاوب، وما بين الجملتين من قوله ﴿ ولو دُخِلت عليهم إلى قوله مسؤولاً ﴾ [الأحزاب: 14 15] اعتراض كما تقدم.
وهذا يرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لهم بالرجوع إلى المدينة وأنه ردّ عليهم بما أمره الله أن يقوله لهم، أي: قد علم الله أنكم ما أردتم إلا الفرار جبناً والفرار لا يدفع عنكم الموت أو القتل، فمعنى نفي نفعه: نفيُ ما يقصد منه لأن نفع الشيء هو أن يحصل منه ما يقصد له.
فقوله ﴿ من الموت ﴾ يتعلق ب ﴿ الفرار وفررتم ﴾ وليس متعلقاً ب ﴿ ينفعكم ﴾ لأن متعلق ﴿ ينفعكم ﴾ غير مذكور لظهوره من السياق، فالفائدة مستغنية عن المتعلق، أي: لن ينفعكم بالنجاة.
ومعنى نفي نفع الفرار وإن كان فيه تعاطي سبب النجاة، هذا السبب غير مأذون فيه لوجوب الثبات في وجه العدوّ مع النبي صلى الله عليه وسلم فيتمحض في هذا الفرار مراعاةُ جانب الحقيقة وهو ما قُدر للإنسان من الله إذ لا معارض له، فلو كان الفرار مأذوناً فيه لجاز مراعاة ما فيه من أسباب النجاة؛ فقد كان المسلمون مأمورين بثبات الواحد للعشرة من العدوّ فكان حينئذ الفرار من وجه عشرة أضعاففِ المسلمين غير مأذون فيه وأذن فيما زاد على ذلك، ولما نسخ الله ذلك بأن يثبت المسلمون لِضِعف عددهم من العدوّ فالفرار فيما زاد على ذلك مأذون فيه، وكذلك إذا كان المسلمون زحفاً فإن الفرار حرام ساعتئذ.
وأحسب أن الأمر في غزوة الخندق كان قبل النسخ فلذلك وبّخ الله الذين أضمروا الفرار فإن عدد جيش الأحزاب يومئذ كان بمقدار أربعة أمثال جيش المسلمين ولم يكن المسلمون يومئذ زحفاً فإن الحالة حالة حصار.
ويجوز أن يكون المعنى أيضاً: أنكم إن فررتم فنجوتم من القتل لا ينفعكم الفرار من الموت بالأجل وعسى أن تكون آجالكم قريبة.
و ﴿ الموت، أريد به: الموت الزُؤام وهو الموت حتف أنفه لأنه قوبل بالقتل.
والمعنى: أن الفرار لا يدفع الموت الذي علم الله أنه يقع بالفار في الوقت الذي علم أن الفار يموت فيه ويقتل فإذا خُيِّل إلى الفارّ أن الفرار قد دفع عنه خطراً فإنما ذلك في الأحوال التي علم الله أنها لا يصيب الفارَّ فيها أذى ولا بدّ له من موت حتف أنفه أو قتل في الإبان الذي علم الله أنه يموت فيه أو يُقتل.
ولهذا عقب بجملة وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً ﴾ جواباً عن كلام مقدر دل عليه المذكور، أي إن خيل إليكم أن الفرار نفع الذي فرّ في وقت ما فما هو إلاّ نفع زهيد لأنه تأخير في أجل الحياة وهو متاع قليل، أي: إعطاء الحياة مدة منتهية، فإن ﴿ إذن ﴾ قد تكون جواباً لمحذوف دل عليه الكلام المذكور، كقول العنبري: لو كنت من مأزن لم تستبح إبلي *** بنو اللقيطة من ذهل بن شيبان إذنْ لقام بنصري معشر خشن *** عند الحفيظة إنْ ذو لَوْثَة لاَنا فإن قوله: إذن لقام بنصري، جواب وجزاء عن مقدر دل عليه: لم تستبح إبلي.
والتقدير: فإن استباحوا إبلي إذَنْ لقام بنصري معشر، وهو الذي أشعر كلام المرزوقي باختياره خلافاً لما في «مغني اللبيب».
والأكثر أن ﴿ إذن ﴾ إن وقعت بعد الواو والفاء العاطفتين أن لا ينصب المضارع بعدها، وورد نصبه نادراً.
والمقصود من الآية تخليق المسلمين بخُلق استضعاف الحياة الدنيا وصرف هممهم إلى السعي نحو الكمال الذي به السعادة الأبدية سيراً وراء تعاليم الدين التي تقود النفوس إلى أوج الملَكية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ﴾ أيْ لَوْ دُخِلَ عَلى المُنافِقِينَ مِن أقْطارِ المَدِينَةِ ونَواحِيها.
﴿ ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما تَلَبَّثُوا عَنِ الإجابَةِ إلى الفِتْنَةِ إلّا يَسِيرًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: ما تَلَبَّثُوا بِالمَدِينَةِ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَعْدَمُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ الآيَةَ، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم عاهَدُوهُ قَبْلَ الخَنْدَقِ وبَعْدَ بَدْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: قَبْلَ نَظَرِهِمْ إلى الأحْزابِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: قَبْلَ قَوْلِهِمْ يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم بَنُو حارِثَةَ.
﴿ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَسْؤُولًا عَنْهُ لِلْجَزاءِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: لِلْوَفاءِ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنْ أرادَ بِكم هَزِيمَةً أوْ أرادَ بِكم نَصْرًا، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: إنْ أرادَ بِكم عَذابًا، أوْ أرادَ بِكم خَيْرًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: إنْ أرادَ بِكم قَتْلًا أوْ أرادَ بِكم تَوْبَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها ﴾ قال: لأعطوها يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على المدينة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ﴾ قال: من نواحيها ﴿ ثم سئلوا الفتنة لآتوها ﴾ قال: لو دعوا إلى الشرك لأجابوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ﴾ قال: من أطرافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ يعني الشرك.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ﴾ أي لو دخل عليهم من نواحي المدينة ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ قال: الشرك ﴿ لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يقول: لأعطوه طيبة به أنفسهم ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ﴾ قال: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله سبحانه أهل بدر من الفضيلة والكرامة قالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان في ناحية المدينة.
فصنعوا ما قص الله عليكم.
وفي قوله: ﴿ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم....
﴾ قال: لن تزدادوا على آجالكم التي أجلكم الله، وذلك قليل وإنما الدنيا كلها قليل.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الربيع بن خثيم رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً ﴾ قال: ما بينهم وبين الأجل.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم ﴾ قال: المنافقين يعوقون الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم...
﴾ قال: هذا يوم الأحزاب، انصرف رجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف فقال له: أنت هاهنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف.
قال: هلم الي لقد بلغ بك وبصاحبك- والذي يحلف به- لا يستقي لها محمد أبداً قال: كذبت- والذي يحلف به- وكان أخاه من أبيه وأمه، والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم بأمرك، وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره، فوجده قد نزل جبريل عليه السلام بخبره، ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم ﴾ قال: هؤلاء أناس من المنافقين كانوا يقولون: لاخوانهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك ﴿ والقائلين لإخوانهم ﴾ أي من المؤمنين ﴿ هلم إلينا ﴾ أي دعوا محمداً وأصحابه فإنه هالك ومقتول ﴿ ولا يأتون البأس إلا قليلاً ﴾ قال: لا يحضرون القتال إلا كارهين.
وان حضروه كانت أيديهم من المسلمين، وقلوبهم من المشركين.
<div class="verse-tafsir"
ثم أخبر أنهم إن جبنوا عن العرب وخذلوا النبي - - وأصحابه حرصًا على الحياة، وخوفًا من الموت لم ينفعهم ذلك، فقال قوله: ﴿ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ﴾ قال ابن عباس: لأن المراد إذا حضر أجله مات أو قتل (١) قوله تعالى: ﴿ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أي: لا يمتعون في الدنيا بعد الفرار إن فررتم إلا مدة آجالكم.
قال الربع بن خيثم (٢) (٣) وقال الكلبي: تمتعون إلى آجالكم، وهو القليل؛ لأن كل ما هو آت قريب (٤) (١) انظر: "الوسيط" 3/ 463، ولم أجد من نسب هذا القول لابن عباس غير الواحدي.
(٢) هو: الإمام العابد أبو يزيد الربيع بن خيثم الثوري الكوفي، أدرك زمان النبي - - وأرسل عنه، وكان يعد من عقلاء الرجال، روى عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب الأنصاري وغيرهما، وعنه روى الشعبي والنخعي ومنذر الثوري وغيرهم، توفي رحمه الله قبل سنة 65 هـ انظر: "الطبقات الكبرى" 6/ 182، "حلية الأولياء" 2/ 105، "السير" 4/ 258.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 138، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3121، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 560، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر.
(٤) لم أقف عليه عن الكلبي، وأورده القرطبي 14/ 151، ولم ينسبه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ﴾ أي لو دخلت عليهم المدينة من جهاتها ﴿ ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة ﴾ يريد بالفتنة الكفر أو قتال المسلمين ﴿ لآتَوْهَا ﴾ بالقصر بمعنى جاؤوا ليها وبالمدّ بمعنى أعطوها من أنفسهم ﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ ﴾ الضمير للمدينة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.
بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.
وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.
الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.
﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.
الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.
التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.
قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟
قلت: ثلاثاً وسبعين آية.
قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.
أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.
وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.
ومن تشريفات الرسول أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ﴿ يا عيسى ﴾ ﴿ يا داود ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.
يروى أنه لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.
وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.
أي اتق الله في نقض العهد.
﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.
﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.
وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.
فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.
والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.
ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.
كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.
وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.
وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.
وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.
والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".
واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.
وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.
وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.
وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.
وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.
ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.
ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.
ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.
ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.
وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.
ومن كمال عناية الله بأمة محمد أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.
ولذلك صار المؤمنون أخوة.
قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.
وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".
وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.
ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.
والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.
قال أهل النظم: كأنه قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.
ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.
ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.
وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا لأفضليته.
وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.
وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.
قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.
وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.
وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي : حلالها حساب وحرامها عقاب.
فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.
ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.
قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.
وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.
ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.
وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.
وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.
وحين سمع رسول الله بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.
ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.
ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.
ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.
والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.
ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.
فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.
﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.
ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.
والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.
ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.
قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.
وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.
وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.
ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.
عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.
قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.
اي ومعتقلاً رمحاً.
أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.
والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.
وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.
وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.
وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.
﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.
قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.
ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.
ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.
ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.
التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.
وبعد النبي سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.
والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.
أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .
يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ : هما واحد، وهم المنافقون.
وجائز أن يكون المنافقون هم الذين أضمروا الخلاف له، وأظهروا الوفاق، على إبانة الحق لهم وظهوره، ﴿ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ : هم الذين كانوا مرتابين في ذلك، لم يبن لهم ذلك، ولم ينجل قالوا هذا.
﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ : قال عامة أهل التأويل: الذي وعد لهم فتوح البلدان، قالوا لما أحاط بهم - أعني: بالمؤمنين - الكفار قال ذلك المنافقون.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ ﴾ .
قيل: ﴿ يَثْرِبَ ﴾ : المدينة، ويقال: ﴿ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ ﴾ : يأهل المدينة، وروي عن النبي أنه قال: "من قال للمدينة: يثرب، فليستغفر الله ثلاثاً؛ هي طابة هي طابة" ثم قال بعضهم: إن قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ إنما قاله أهل النفاق لبعضهم: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ .
ثم يحتمل قوله ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: ما قالوا: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ من الفتح والنصر ﴿ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .
والثاني: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ ؛ لما لم يقع عندهم أنهم يصلون إلى ما كانوا يطمعون ويأملون؛ لأنهم كانوا يخرجون رغبة في الأموال وطمعاً فيها، وهو ما وصفهم: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...
﴾ الآية [الحج: 11].
وجائز أن يكون هذا القول من المؤمنين لأهل النفاق؛ فإن كان من المؤمنين لأولئك فالوجه فيه: أنهم أرادوا أن يطردوهم؛ لفشلهم ولجبنهم؛ لئلا يهزموا جنود المؤمنين بانهزامهم؛ لأنهم قوم همتهم الانهزام فإذا انهزموا هم انهزم غيرهم؛ فالمعنى: إذا كان ذلك من المؤمنين لهم غير المعنى إذا كان [من] أهل النفاق بعضهم لبعض، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .
بالرجوع إلى المدينة، كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ : خالية من الناس، ليس فيها أحد، فنخاف السرق عليها والأخذ والمكابرة.
ويحتمل أن يكونوا أرادوا بالعورة دخول العدوّ عليها إذا كانوا هم في الجند، العورة، أي: يدخل علينا مكروه ما يحزننا ويهمُّنا، أو كلام نحو هذا، فأكذبهم الله في قولهم، وقال: ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ، بل الله يحفظها على ما وعد، حتى لا يدخل عليهم مكروه لما يخافون ولا يصيبهم.
وقوله: ﴿ إِن يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: ما يريدون ﴿ إِلاَّ فِرَاراً ﴾ من القتال.
وقوله: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما، أي: لو دخلوا عليهم من أطراف المدينة ونواحيها، ثم دعوا إلى الشرك لأجابوهم، ﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ ، أي: لم يمتنعوا عن إجابتهم، بل لأجابوهم به كما دعوا.
وقال بعضهم: إنهم لو كانوا في بيوتهم، فدخلوا عليهم من نواحيها، ثم سئلوا الأموال وما تحويه أيديهم ﴿ لآتَوْهَا ﴾ ، أي: لأعطوها.
﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ .
يخبر عن نفاقهم وخلافهم له في السرّ أنهم يعطون لأولئك ما يريدون من الأموال أو الدين، ويوافقونهم ولا يوافقونكم ألبتة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ ﴾ .
قال بعضهم: كان أناس غابوا وقعة بدر وما أعطى الله أصحاب بدر من الفضيلة والكرامة؛ فقالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن؛ فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ ﴾ ، وذلك أنهم كانوا عاهدوا الرسول على عهدهم بمكة على العقبة بمنى، واشترط عليهم لربّه ولنفسه: أمّا لربّه: أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئاً، واشترط لنفسه أن ينصروه ويعزروه ويعينوه [ويمنعوه] ما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأولادهم؛ فقالوا: فإذا فعلنا ذلك؛ فما لنا با نبي الله؟
قال: لكم النصر في الدنيا، [و]الجنة في الآخرة؛ قالوا: قد فعلنا؛ فذلك قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ ليلة العقبة حين شرطوا للنبي المنعة: ألا يولوا الأدبار منهزمين.
﴿ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً ﴾ .
أي: يسأل من نقض العهد في الآخرة ومن وفى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً ﴾ مجزيا نقضاً أو وفاءً، يجزون على وفاء العهد ونقضه.
وقوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ ﴾ .
قال أهل التأويل: إن قضي عليكم الموت أو القتل؛ فلن ينفعكم الفرار.
وقال بعضهم: إن جعل انقضاء آجالكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار؛ بل تنقضي.
وأصله: إن كان المكتوب عليكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار منه؛ بل يأتي لا محالة؛ كقوله: ﴿ لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ﴾ الآية [آل عمران: 154]، أي: لا محالة المكتوب عليهم القتل - وإن كانوا في بيوتهم - لبرزوا؛ فيقتلون.
﴿ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: إنما الدنيا قليل إلى آجالكم.
وجائز أن يكون معناه: ولئن نفعكم الفرار عنه ﴿ لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ؛ كقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ الآية [الشعراء: 205-206].
قال أبو عوسجة والقتبي: أدعياءكم: من تبنيتموه واتخذتموه ولدا، ما جعلتم بمنزلة الصلب وكانوا يورثون من ادعوا.
﴿ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ .
إن قولكم على التشبيه والمجاز، ليس على التحقيق.
﴿ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَقْسَطُ ﴾ : أعدل.
﴿ وَإِذْ زَاغَتِ ﴾ : عدلت ومالت ﴿ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ ﴾ ، أي: كادت تبلغ الحلقوم من الخوف، والحناجر جماعة الحنجرة، وهي المذبح.
وقوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ ، أي: شددوا عليهم وهوّلوا، والزلزال: الشدائد، وأصلها من التحريك و ﴿ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ ﴾ و ﴿ وَٱللاَّتِي ﴾ مآلهما واحد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ﴾ .
ذكر هذا على أثر قوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: إنكم، وإن فررتم من الموت أو القتل، فإن الله إن أراد بكم سوءاً أو هلاكاً لا يملك أحد دفعه عنكم، أو إن أراد بكم رحمة ونجاة وخيراً لا يملك أحد منعه عنكم، وقد تعلمون أنكم لا تجدون من دون الله وليّاً ينفعكم ولا نصيراً ينصركم ويمنعكم عن حلول ذلك عليكم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ ﴾ : هم المانعون منكم، ﴿ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ : قال بعضهم: هم اليهود أرسلوا إلى المنافقين، وقالوا: من ذا الذي يحملكم على قتل أنفسكم بأيدي أبي سفيان ومن معه من أصحابه؟!
فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة ما استبقوا منكم أحدا، فإنا نشفق عليكم؛ فإنما أنتم إخواننا ونحن جيرانكم، ﴿ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ .
وقال بعضهم: هم المنافقون، عوق بعضهم بعضا ومنع عن الخروج مع رسول الله إلى قتال العدوّ.
وفيه أمران: أحدهما: دلالة على إثبات الرسالة؛ لأنهم كانوا يسرون هذا ويخفون فيما بينهم، ثم أخبرهم بذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله .
والثاني: أن يكونوا أبدا على حذر مما يضمرون من الخلاف له؛ كقوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ...
﴾ الآية [التوبة: 64].
وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
أي: لا يأتون القتال والحرب إلا مراءاة وسمعة، هذا - والله أعلم - يشبه أن يريد بالقليل: أنهم لا يأتون إتيان من يريد القتال والقيام معهم؛ ولكن مراءاة وسمعة وإظهاراً للوفاق لهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أي: بخلاء على الإنفاق عليكم، أي: لا ينفقون عليكم ولا على سبيل الخير، والله أعلم.
وقال بعضهم: الشح - أيضاً - هو الحرص، يقول: ﴿ أَشِحَّةً ﴾ ، أي: حراصاً على قسمة الغنيمة، يخبر عن معرضهم في الدنيا وركونهم إليها وميلهم فيها، ثم أخبر عن جبنهم وفشلهم وشدة خوفهم، وهو ما قال: ﴿ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ﴾ .
يخبر أنهم لجبنهم وفشلهم يصيرون كالمغشي عليه من الموت.
﴿ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ .
يخبر عن شدة حرصهم في قسمة الغنيمة ورغبتهم فيها - أنهم أشح قوم وأسوؤهم مقاسمة، يقولون: أعطونا، أعطونا؛ إنا قد شهدنا معكم؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ .
قال بعضهم: هذا قولهم، أي: إنا أشح منكم على رسول الله وعلى دينه، وأضنن منكم على الخير، أي: نحن أحرص عليه منكم.
وقال بعضهم: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ ، أي: حراصاً على الغنيمة والنيل منها.
ثم أخبر عنهم، وعن خلافهم له؛ حيث قال: ﴿ أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .
التي عملوها في الظاهر، ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً ﴾ : أي: صنعهم الذي صنعوا على الله، ﴿ يَسِيراً ﴾ ، أي: لا يضره.
وقال بعضهم: حبط أعمالهم، وتعذيبه إياهم مع كثرة أتباعهم وأعوانهم على الله يسير، أي: لا يشتد عليه ولا يصعب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ ﴾ .
أي: يحسب هؤلاء المنافقين أن الأحزاب لم يذهبوا؛ من الفرق والجبن والفشل الذي فيهم يوم الخندق.
﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ ﴾ ، أي: يقبل الأحزاب، ﴿ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، أي: بألسنتهم كانوا بمنزلة البداء؛ وأنهم تركوا أوطانهم وديارهم.
﴿ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ﴾ : كانت همتهم التخلف والفرار من القتال وطلب أخبار المؤمنين: أنهم ما فعل بهم؟
نحو ما قال: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ هكذا كانت عادتهم، ثم ابتلاهم الله بما كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين ويضمرون الخلاف لهم؛ والعداوة بفضل فشل وجبن ما لم يكن ذلك في غيرهم؛ ففي ذلك تحذير للمؤمنين وزجر عن مثل هذا الصنيع ومثل هذه المعاملة؛ لئلا يبتلوا بمثل ما ابتلي أولئك.
وفيه أنه يعامل بعضهم بعضا على الظاهر الذي ظهر دون حقيقة ما يكون؛ وعلى ذلك يجري الحكم على ما عامل رسول الله وأصحابه أهل النفاق، وحكمه على ما أظهروا دون ما أضمروا في الأنكحة والصهر وغير ذلك من الأحكام، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، أي: إلا فيما يدفعون عن أنفسهم لو قصدوا، فأما الدفع عن المؤمنين ودينهم فلا.
وجائز أن يكون المراد بالقليل، أي: لا يقاتلون ألبتة حقيقة القتال، وهو ما ذكر عنهم؛ حيث قال: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، أي: فسادا في أمركم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لهؤلاء: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من القتال خوفًا من الموت أو من القتل؛ لأن الآجال مقدرة، وإذا فررتم ولم يَحِنْ أجلكم فإنكم لا تستمتعون في الحياة إلا زمنًا قليلًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.dORkr"