الآية ٢٥ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٢٥ من سورة الأحزاب

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا۟ خَيْرًۭا ۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًۭا ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة ، بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية ، ولولا أن جعل الله رسوله رحمة للعالمين ، لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم على عاد ، ولكن قال الله تعالى : ( وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) [ الأنفال : 33 ] ، فسلط عليهم هواء فرق شملهم ، كما كان سبب اجتماعهم من الهوى ، وهم أخلاط من قبائل شتى ، أحزاب وآراء ، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم ، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحنقهم ، لم ينالوا خيرا لا في الدنيا ، مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم ، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، بالعداوة ، وهمهم بقتله ، واستئصال جيشه ، ومن هم بشيء وصدق همه بفعله ، فهو في الحقيقة كفاعله .

وقوله : ( وكفى الله المؤمنين القتال ) أي : لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم ، بل كفى الله وحده ، ونصر عبده ، وأعز جنده; ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، فلا شيء بعده " .

أخرجاه من حديث أبي هريرة .

وفي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال : " اللهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، اهزم الأحزاب .

اللهم اهزمهم وزلزلهم " .

وفي قوله : ( وكفى الله المؤمنين القتال ) : إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش ، وهكذا وقع بعدها ، لم يغزهم المشركون ، بل غزاهم المسلمون في بلادهم .

قال محمد بن إسحاق : لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا : " لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ، ولكنكم تغزونهم " فلم تغز قريش بعد ذلك ، وكان هو يغزوهم بعد ذلك ، حتى فتح الله عليه مكة .

وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق حديث صحيح ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن سفيان ، حدثني أبو إسحاق قال : سمعت سليمان بن صرد يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " الآن نغزوهم ولا يغزونا " .

وهكذا رواه البخاري في صحيحه ، من حديث الثوري وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، به .

وقوله تعالى : ( وكان الله قويا عزيزا ) أي : بحوله وقوته ، ردهم خائبين ، لم ينالوا خيرا ، وأعز الله الإسلام وأهله وصدق وعده ، ونصر رسوله وعبده ، فله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) يقول تعالى ذكره (ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفُروا) به وبرسوله من قُرَيش وغطفان (بغَيْظِهِمْ) يقول: بكربهم وغمهم، بفوتهم ما أمَّلوا من الظفر، وخيبتهم مما كانوا طَمِعوا فيه من الغَلَبة (لَمْ ينَالوا خَيْرًا) يقول: لم يصيبوا من المسلمين مالا ولا إسارا(وكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنينَ القِتالَ) بجنود من الملائكة والريح التي بعثها عليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا) الأحزاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا) وذلك يوم أبي سفيان والأحزاب، ردّ الله أبا سفيان وأصحابه بغيظهم لم ينالوا خيرا(وكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنينَ القِتالَ) بالجنود من عنده، والريح التي بعث عليهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا) : أي: قريش وغطفان.

حدثني الحسين بن عليّ الصُّدائي، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: حُبسنا يوم الخندق عن الصلاة، فلم نصلّ الظهر، ولا العصر، ولا المغرب، ولا العشاء، حتى كان بعد العشاء بهويّ كفينا، وأنـزل الله (وكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنينَ القِتالَ وكان اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام الصلاة، وصلى الظهر، فأحسن صلاتها، كما كان يصليها في وقتها، ثم صلى العصر كذلك، ثم صلى المغرب كذلك، ثم صلى العشاء كذلك، جعل لكل صلاة إقامة، وذلك قبل أن تنـزل صلاة الخوف فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا .

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا ابن أبي فديك، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبي سعيد الخدري قال: حُبسنا يوم الخندق، فذكر نحوه.

وقوله: (وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) يقول: وكان الله قويا على فعل ما يشاء فعله بخلقه، فينصر من شاء منهم على من شاء أن يخذله، لا يغلبه غالب؛(عزيزا): يقول: هو شديد انتقامه ممن انتقم منه من أعدائه.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وكانَ اللَّهُ قَويًّا عَزيزًا) : قويا في أمره، عزيزا في نقمته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا .قوله تعالى : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا قال محمد بن عمرو يرفعه إلى عائشة : قالت : ( الذين كفروا ) هاهنا أبو سفيان وعيينة بن بدر ، رجع أبو سفيان إلى تهامة ، ورجع عيينة إلى نجد وكفى الله المؤمنين القتال بأن أرسل عليهم ريحا وجنودا حتى رجعوا ورجعت بنو قريظة إلى صياصيهم ، فكفي أمر قريظة - بالرعب .

وكان الله قويا أمره عزيزا لا يغلب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا } أي: ردهم خائبين، لم يحصل لهم الأمر الذي كانوا حنقين عليه، مغتاظين قادرين ]عليه[ جازمين، بأن لهم الدائرة، قد غرتهم جموعهم، وأعجبوا بتحزبهم، وفرحوا بِعَدَدِهمْ وعُدَدِهِمْ.فأرسل اللّه عليهم، ريحًا عظيمة، وهي ريح الصبا، فزعزعت مراكزهم، وقوَّضت خيامهم، وكفأت قدورهم وأزعجتهم، وضربهم اللّه بالرعب، فانصرفوا بغيظهم، وهذا من نصر اللّه لعباده المؤمنين.{ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ } بما صنع لهم من الأسباب العادية والقدرية، { وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا } لا يغالبه أحد إلا غُلِبَ، ولا يستنصره أحد إلا غَلَبَ، ولا يعجزه أمر أراده، ولا ينفع أهل القوة والعزة، قوتهم وعزتهم، إن لم يعنهم بقوته وعزته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(ورد الله الذين كفروا ) من قريش وغطفان ) ( بغيظهم ) لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا ( لم ينالوا خيرا ) ظفرا ( وكفى الله المؤمنين القتال ) بالملائكة والريح ( وكان الله قويا عزيزا ) قويا في ملكه عزيزا في انتقامه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وردَّ الله الذين كفروا» أي الأحزاب «بغيظهم لم ينالوا خيرا» مرادهم من الظفر بالمؤمنين «وكفى الله المؤمنين القتال» بالريح والملائكة «وكان الله قويا» على إيجاد ما يريده «عزيزا» غالبا على أمره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وردَّ الله أحزاب الكفر عن "المدينة" خائبين خاسرين مغتاظين، لم ينالوا خيرًا في الدنيا ولا في الآخرة، وكفى الله المؤمنين القتال بما أيدهم به من الأسباب.

وكان الله قويًا لا يُغالَب ولا يُقْهَر، عزيزًا في ملكه وسلطانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - المصير السيئ الذى انتهى إليه الكافرون فقال : ( وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ) .أى : ورد الله - تعالى - بفضله وقدرته الذين كفروا عنكم - أيها المؤمنون - حالة كونهم متلبسين بغيظهم وحقدهم .

دون أن ينالوا أى خير من إتيانهم إليكم ، بل رجعوا خائبين خاسرين .فقوله ( بِغَيْظِهِمْ ) حال من الموصول ، والباء للملابسة ، وجملة ( لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ) حال ثانية من الموصول أيضاً .وقوله : ( وَكَفَى الله المؤمنين القتال ) بيان للمنة العظمى التى امتن بها - سبحانه - عليهم .أى : وأغنى الله - تعالى - بفضله وإحسانه المؤمنين عن متاعب القتال وأهواله بأن أرسل على جنود الأحزاب ريحا شديدة ، وجنودا من عنده .( وَكَانَ الله ) - تعالى - ( قَوِيّاً ) على إحداث كل أمر يريده ( عَزِيزاً ) أى : غالبا على كل شئ .قال ابن كثير : وفى قوله ( وَكَفَى الله المؤمنين القتال ) إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش .

وهكذا وقع بعدها .

لم يغزهم المشركون ، بل غزاهم المسلمون فى بلادهم ." قال محمد بن إسحق : لما انصرف أهل الخندق عن الخندق ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا : " لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ، ولكنكم تغزونهم " فلم تغز قريش بعد ذلك المسلمين ، وكان صلى الله عليه وسلم هو الذى يغزوهم بعد ذلك ، حتى فتح الله عليه مكة .وروى الإِمام أحمد " عن سليمان بن صرد قال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " الآن نغزوهم ولا يغزونا " " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

إشارة إلى وفائهم بعهدهم الذي عاهدوا الله أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت فمنهم من قضى نحبه أي قاتل حتى قتل فوفى بنذره والنحب النذر، ومنهم من هو بعد في القتال ينتظر الشهادة وفاء بالعهد وما بدلوا تبديلاً بخلاف المنافقين فإنهم قالوا لا نولي الأدبار فبدلوا قولهم وولوا أدبارهم وقوله: ﴿ لّيَجْزِىَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ ﴾ أي بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة كما صدقوا مواعيدهم ويعذب المنافقين الذين كذبوا واخلفوا وقوله: ﴿ إِن شَاء ﴾ ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد، وإنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل يأس النبي عليه الصلاة والسلام عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس منهم وقوله: ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً ﴾ حيث ستر ذنوبهم و ﴿ رَّحِيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده أو نقول: ﴿ وَيُعَذّبَ المنافقين ﴾ مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جازاهم الله به على صدقهم فقال: ﴿ وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ ﴾ أي مع غيظهم لم يشفوا صدراً ولم يحققوا أمراً ﴿ وَكَفَى الله المؤمنين القتال ﴾ أي لم يحوجهم إلى قتال ﴿ وَكَانَ الله قَوِيّاً ﴾ غير محتاج إلى قتالهم عزيزاً قادراً على استئصال الكفار وإذلالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحمزة، ومصعب بن عمير، وغيرهم، رضي الله عنهم: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ ﴾ يعني حمزة ومصعباً ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ﴾ يعني عثمان وطلحة.

وفي الحديث: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة» فإن قلت: ما قضاء النحب؟

قلت: وقع عبارة عن الموت؛ لأنّ كل حي لابد له من أن يموت.

فكأنه نذرٌ لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أي: نذره.

وقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ ﴾ يحتمل موته شهيداً، ويحتمل وفاءه بنذره من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: فما حقيقة قوله: ﴿ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ ﴾ ؟

قلت: يقال: صدقني أخوك وكذبني، إذا قال لك الصدق والكذب.

وأمّا المثل: صدقني سنّ بكره.

فمعناه: صدقني في سن بكره، بطرح الجار وإيصال الفعل، فلا يخلو ﴿ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ ﴾ إما أن يكون بمنزلة السنّ في طرح الجار، وإمّا أن يجعل المعاهد عليه مصدوقاً على المجاز، كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك، وهم وافون به فقد صدقوه، ولو كانوا ناكثين لكذبوه ولكان مكذوباً ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ ﴾ العهد ولا غيروه، لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة، ولقد ثبت طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد حتى أصيبت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوجب طلحة» وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرض القلوب: جعل المنافقون، كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأنّ كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما.

ويعذبهم ﴿ إِن شَاء ﴾ إذا لم يتوبوا ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ إذا تابوا ﴿ وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ ﴾ الأحزاب ﴿ بِغَيْظِهِمْ ﴾ مغيظين، كقوله: ﴿ تَنبُتُ بالدهن ﴾ [المؤمنون: 20] .

﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ غير ظافرين، وهما حالان بتداخل أو تعاقب.

ويجوز أن تكون الثانية بياناً للأولى أو استئنافاً ﴿ وَكَفَى الله المؤمنين القتال ﴾ بالريح والملائكة ﴿ وَأَنزَلَ الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب من أهل الكتاب ﴿ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ من حصونهم.

والصيصية ما تحصن به، يقال لقرن الثور والظبي: صيصية، ولشوكة الديك، وهي مخلبه التي في ساقه، لأنه يتحصن بها.

روي أنّ جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم- صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم- على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج، فقال: ما هَذَا يا جبريلُ؟

قال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن السرج، فقال: يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع السلاح، إن اللَّهَ يأمرُكَ المسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم، فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة فأذن في الناس: أَنْ مَنْ كانَ سَامعاً مطيعاً فَلاَ يصلي العصرَ إلا في بني قريظةَ.

فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء الآخرة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: تنزلون على حكمي؟

فأبوا، فقال: على حكم سعد بن معاذ؟

فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبي ذراريهم ونساؤهم، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً.

وقدمهم فضرب أعناقهم وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.

وقرئ: ﴿ الرعب ﴾ ، بسكون العين وضمها.

وتأسرون، بضم السين.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالت الأنصار في ذلك، فقال: «إنكم في منازلكم» ، وقال عمر رضي الله عنه: أما تخمس كما خمست يوم بدر؟

قال: «لا، إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس» قال: رضينا بما صنع الله ورسوله ﴿ وَأَرْضاً لَّمْ ﴾ عن الحسن رضي الله عنه: فارس والروم.

وعن قتادة رضي الله عنه: كنا نحدث أنها مكة.

وعن مقاتل رضي الله عنه: هي خيبر.

وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.

ومن بدع التفاسير: أنه أراد نساءهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي الأحْزابَ.

﴿ بِغَيْظِهِمْ ﴾ مُتَغَيِّظِينَ.

﴿ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا ﴾ غَيْرَ ظافِرِينَ وهُما حالانِ بِتَداخُلٍ أوْ تَعاقُبٍ.

﴿ وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ ﴾ بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا ﴾ عَلى إحْداثِ ما يُرِيدُهُ.

﴿ عَزِيزًا ﴾ غالِبًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ} الأحزاب {بِغَيْظِهِمْ} حال أى مغيظين كقوله تنبت بالدهن {لم ينالوا خيرا} ظفر أى لم يظفروا بالمسلمين وسماه خيرا يزعمهم وهو حال أي غير ظافرين {وَكَفَى الله المؤمنين القتال} بالريح والملائكة

الأحزاب (٢٨ - ٢٥)

{وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً} قادراً غالباً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ورَدَّ اللَّهُ ﴾ إلَخْ، رُجُوعٌ إلى حِكايَةِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ وتَفْصِيلٌ لِتَتِمَّةِ النِّعْمَةِ المُشارِ إلَيْها إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها  ﴾ ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (أرْسَلْنا)، وقَدْ وسَّطَ بَيْنَهُما بَيانُ كَوْنِ ما نَزَلَ بِهِمْ واقِعَةً طامَّةً تَحَيَّرَتْ بِهِ العُقُولُ والأفْهامُ، وداهِيَةً تَحاكَّتْ فِيها الرُّكَبُ، وزَلَّتِ الأقْدامُ، وتَفْصِيلُ ما صَدَرَ عَنْ فَرِيقَيْ أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الكُفْرِ والنِّفاقِ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ لِإظْهارِ عِظَمِ النِّعْمَةِ وإبانَةِ خَطَرِها الجَلِيلِ بِبَيانِ وُصُولِها إلَيْهِمْ عِنْدَ غايَةِ احْتِياجِهِمْ إلَيْها، أيْ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها، ورَدَدْنا بِذَلِكَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وجَوَّزَ شَيْخُ الإسْلامِ، ولَعَلَّ صَنِيعَهُ يُشِيرُ إلى أوْلَوِيَّتِهِ حَيْثُ بَدَأ بِهِ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى عَلى المُقَدَّرِ قَبْلَ: ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ ) كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ حِكايَةِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وقَعَ ما وقَعَ مِنَ الحَوادِثِ ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( لِيَجْزِيَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ أنْ جَزاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِصِدْقِهِمْ، ورَدَّ أعْداءَهم وهَذا الرَّدُّ مِن جُمْلَةِ جَزائِهِمْ عَلى صِدْقِهِمْ، وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا الأحْزابُ عَلى ما رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَنى المُشْرِكِينَ واليَهُودَ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأبِي سُفْيانَ، وأصْحابِهِ، ولَعَلَّهُ الأوْلى، وعَلى القَوْلَيْنِ المُرادُ: رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ حَوْلَ المَدِينَةِ وتَحَزُّبِهِمْ إلى مَساكِنِهِمْ، ﴿ بِغَيْظِهِمْ ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ لا مِن ضَمِيرِ ( كَفَرُوا )، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِغَيْظِهِمْ، وهو أشَدُّ الغَضَبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا ﴾ حالٌ مِن ذاكَ أيْضًا، أوْ مِن ضَمِيرِ ( بِغَيْظِهِمْ ) أيْ غَيْرَ ظافِرِينَ بِخَيْرٍ أصْلًا، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الخَيْرَ بِالظَّفَرِ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، وإطْلاقُ الخَيْرِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمْ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ  ﴾ ، والأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ كُلُّ خَيْرٍ عِنْدَهُمْ، فالنَّكِرَةُ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ سَبَبِ غَيْظِهِمْ، أوْ بَدَلًا، ﴿ وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ ﴾ أيْ وقاهم سُبْحانَهُ ذَلِكَ، ( وكَفى ) هَذِهِ تَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى أغْنى وتَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

والكَلامُ هُنا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، والأصْلُ: وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنِ القِتالِ، أيْ أغْناهم سُبْحانَهُ عَنْهُ، ولا وجْهَ لَهُ وهَذِهِ الكِفايَةُ كانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: بِقَتْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ «وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ» وفي مَجْمَعِ البَيانِ: هو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ، والظّاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها  ﴾ ، وكَأنَّ المُرادَ بِالقِتالِ الَّذِي كَفاهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ القِتالُ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ مِن تَعْبِيَةِ الصُّفُوفِ، والرَّمْيِ بِالسِّهامِ، والمُقارَعَةِ بِالسُّيُوفِ، أوِ القِتالُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ التَّحَزُّبُ والِاجْتِماعُ بِحُكْمِ العادَةِ.

وفِي البَحْرِ: ما هو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ كَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مُداوَمَةَ القِتالِ، وعَوْدَتَهُ، فَإنَّ قُرَيْشًا هُزِمُوا بِقُوَّةِ اللَّهِ تَعالى وعِزَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وما غَزَوُا المُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإلّا فَقَدْ وقَعَ قِتالٌ في الجُمْلَةِ، وقَتْلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ أصابَهُ سَهْمٌ فَماتَ مِنهُ بِمَكَّةَ، ومِن بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ فَتَوَرَّطَ فِيهِ فَقُتِلَ، ومِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ مِن بَنِي مالِكِ بْنِ حِسْلٍ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، نازَلَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَما عَلِمْتَ فَقَتَلَهُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَتَلَ يَوْمَئِذٍ ابْنَهُ حِسْلًا أيْضًا فَيَكُونُ مَن قُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ أرْبَعَةً، واسْتُشْهِدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ هَذِهِ الغَزْوَةِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وأنَسُ بْنُ أُوَيْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وهم مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، والطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمانِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ عَثَمَةَ، وهُما مِن بَنِي جُشَمَ بْنِ الخَزْرَجِ مِن بَنِي سَلِمَةَ، وكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، وهو مِن بَنِي النَّجّارِ، ثُمَّ مِن بَنِي دِينارٍ أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ولَمْ يُسْتَشْهَدْ إلّا هَؤُلاءِ السِّتَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا ﴾ عَلى إحْداثِ كُلِّ ما يُرِيدُ جَلَّ شَأْنُهُ، ﴿ عَزِيزًا ﴾ غالِبًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ يعني: وفوا بالعهد الذي عاهدوا ليلة العقبة فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ يعني: أجله فمات.

أو قتل على الوفاء.

يعني: وفاء بالعهد.

وقال القتبي: النحب في اللغة النذر.

وذلك أنهم نذروا، إذا لقوا العدو أن يقاتلوا فقتل في القتال، فسمي قتله قضاء نحبه، واستعير النحب مكان الموت.

وقال مجاهد: النحب العهد.

وروى عيسى بن طلحة قال: جاء أعرابي فسأل النبيّ  عن الذين قضوا نحبهم فأعرض عنه.

وطلع طلحة بن عبيد الله فقال رسول الله  : «هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ» .

ثم قال عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ يعني: ينتظر أجله وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا يعني: ما غيّروا بالعهد الذي عهدوا تغييراً.

ثم قال عز وجل: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ يعني: الوافين بوفائهم وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ يعني: إذا ماتوا على النفاق إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يعني: يقبل توبتهم إن تابوا إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً لمن تاب منهم رحيما بهم قوله عز وجل: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: صدهم وهم الكفار الّذين جاءوا يوم الخندق بِغَيْظِهِمْ يعني: صرفهم عن المدينة مع غيظ منهم لَمْ يَنالُوا خَيْراً يعني: لم يصيبوا ما أرادوا من الظفر والغنيمة وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ يعني: دفع الله عنهم مؤنة القتال حيث بعث عليهم ريحاً وجنوداً.

وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً فلما رجع النبيّ  من الخندق دخل المدينة، ودخل على فاطمة-  ا-، وأراد أن يغسل رأسه.

فجاءه جبريل-  -: وقال: لا تغسل رأسك، ولكن اذهب إلى بني قريظة.

فخرج رسول الله  .

ويقال: إن جبريل-  - قال له حين وضع سلاحه: وضعت سلاحك؟

قال: «نعم» قال: ما وضعت الملائكة- عليهم السلام- سلاحها بعد، وقد أمرك الله عز وجل أن تنهض نحو بني قريظة، فخرج رسول الله  إلى الناس فقال: «عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَنْ لا تُصَلُّوا العَصْرَ إلاّ بِبَنِي قُرَيْظَة» .

فلبس رسول الله  سلاحه وخرج المسلمون معه، واللواء في يد علي بن أبي طالب-  -.

فمر على بني عدي وبني النجار وقد أخذوا السلاح.

فقال: «مَنْ أَمَرَكُمْ أنْ تَلْبَسُوا السِّلاحَ» .

فقالوا: دحية الكلبي.

وكان جبريل-  - يتمثل في صورته.

فلما جاء بني قريظة، وجد بعض الصحابة قد صلوا العصر قبل أن يأتوا بني قريظة مخافة أن تفوتهم عن وقتها، وأبى بعضهم فقالوا: نهانا رسول الله  أن نصلي حتى نأتي بني قريظة.

فلم ينتهوا إلى بني قريظة حتى غابت الشمس، ولم يصلوا العصر.

قال: فلم يؤنب أحداً من الفريقين، أي: رضي بما فعل الفريقان جميعاً.

وفيه دليل لقول بعض الناس: إن لكل مجتهد نصيب.

فجاء علي-  - باللواء حتى غرزه عند الحصن.

فسبت اليهود رسول الله  وأزواجه، ورجع إليه علي-  -، فقال: تأخر يا رسول الله ونحن نكفيك فيهم.

قال: «سَبُّونِي وَلَوْ كَانُوا دُونِي لَمْ يَسُبُّونِي» .

فلما جاءهم رسول الله  فقال: «يا إخْوَةَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله وحُكْمِ رَسُولِهِ» .

فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً.

ورجع حيي بن أخطب من الروحاء، وقد ذكر يمينه التي حلف بها لكعب بن الأشرف، ودخل معهم في حصنهم، ونزل بنو سعد بن شعبة أسد وثعلبة، فأسلموا.

وأبى من بقي.

فقال رسول الله  لأبي لبابة بن عبد المنذر: «اذْهَبْ فَقُلْ لِحُلَفَائِكَ وَمَوَالِيكَ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله تَعَالَى وَرَسُولِهِ- عَلَيْهِ السَّلامَ-» .

فجاءهم أبو لبابة.

فقال: انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله ورسوله.

فقالوا: يا أبا لبابة نصرناك يوم بعاث، ويوم الحدائق والمواطن كلها التي كانت بين الأوس والخزرج، ونحن مواليك وحلفاؤك، فانصح لنا ماذا ترى؟

فأشار إليهم ووضع يده على حلقه يعني: الذبح.

فقالوا: لا تفعل يعني: لا ننزل.

فقال له النبيّ  : «خنت الله ورسوله» .

فقال: نعم.

فانطلق فربط نفسه بخشبة من خشب المسجد حتى تاب الله عليه، والتمسه رسول الله  فلم يجده.

فقالوا: إنه قد ربط نفسه بخشبة من خشبة المسجد.

فقال: «لَوْ جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ فأمَّا إذ رَبَطَ نَفْسَهُ فَدَعُوهُ حَتَّى يَتُوبَ الله عَلَيْهِ» .

ثم أتاه النبي  فحلّه، فقال كعب بن أسد لأصحابه من بني قريظة: أما تعلمون أنه قد جاءنا ابن فلان اليهودي من الشام؟

فقال لنا: جئتكم لنبي ينتهي إلى هذه الأرض من قريش، وأنه يبعث بالذبح والقتل والسب، فلا يهولنكم ذلك، وكونوا أولياءه وأنصاره.

فقالوا: لا نكون تبعاً لغيرنا، نحن أهل الكتاب والنبوة، لا نتبع قوماً أميين ما درسوا كتاباً قط، فلا نفعل.

فقال كعب بن أسد: أطيعوني في إحدى ثلاث: قالوا: وما هي؟

فقال: إنكم لتعرفون أنه رسول الله.

فاتبعوه، وانصروه، وكونوا أنصاره وأولياءه.

فقالوا: لا نكون تبعاً لغيرنا.

فقال: إما إذا أبيتم، فإن هذه ليلة السبت، هم يأمنونكم، انزلوا إليهم فبيتوهم حتى تقتلوهم.

فقالوا لا نكسر سبتنا.

فقد كسر قوم من بني إسرائيل سبتهم، فمسخهم الله تعالى قردة وخنازير.

قال: فإن أبيتم هذا.

فإذا كان يوم الأحد فاقتلوا أبناءكم ونساءكم.

ثم انزلوا إليهم بأسيافكم فقاتلوهم حتى تموتوا كراماً.

فقالوا: لا نفعل.

فلبثوا خمسة عشر ليلة محاصرين.

فقال رسول الله  : «عَلَى حُكْمِ مَنْ تَنْزِلُونَ؟» قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ.

فأرسل رسول الله  إلى سعد بن معاذ، وكان جريحاً قد رمته بني قريظة، فأصاب أكحله، فدعا الله تعالى أن لا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة.

فأتي به على حمار، فتبعه قوم كان ميلهم إلى بني قريظة، وكانوا يقولون له: يا أبا عمرو أحسن في حلفائك ومواليك، إن رسول الله  يحب البقية وقد نصروك يوم بعاث، ويوم حدائق، فلم يكلمهم حتى نظر إلى بيوت بني قريظة.

فقال سعد: قد آن لي أن لا أخاف في الله لومة لائم.

فعرفوا أنه سوف يقتلهم.

فرجعوا عنه.

فلما دنا من رسول الله  قال النبيّ  : لمن حوله: «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ» .

فقام إليه الأنصار، فأنزلوه.

فقال: «احْكُمْ فِيهِمْ يَا أبا عَمْرٍو» .

فقال سعد لليهود: أترضون بحكمي؟

قالوا: نعم.

فقال: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه؟

قالوا: نعم.

فالتفت إلى رسول الله  وأصحابه، وهاب أن يخاطب رسول الله  ، فقال: وَعَلَيَّ مِنْ هَاهُنَا مثل ذلك، وإنه ليغض بصره عن رسول الله  : فقال النبيّ  : «نَعَمْ نَعَمْ وَعَلَيْنَا» .

فقال لبني قريظة: انزلوا فلما نزلوا.

قال: احكم فيهم يا رسول الله إن تقتل مقاتليهم، وتسبي ذراريهم، وتقسم أموالهم.

فقال النبي  : «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ مَنْ فَوْقَ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» .

فأتى حيي بن أخطب مأسوراً في حلة.

فجاءه رجل من الأنصار، فنزع رداءه، فبقي في إزاره، فجعل يمزق إزاره لكي لا يلبسه أحد وهو يقول: لا بأس بأمر الله.

فلما جاء بين يدي رسول الله  قال: «ألَمْ يُمَكِنِّي الله مِنْكَ يَا عَدُوَّ الله» ؟

فقال: بلى وما ألوم نفسي فيك قد التمست العز في مظانه، وقلقلت في كل مقلقل، فأبى الله إلا أن يمكّنك مني.

فأمر بضرب عنقه.

ثم جاءوا بعزاز بن سموأل فقال: «ألم يمكني الله منك» ؟

فقال: بلى يا أبا القاسم، فضرب عنقه.

ثم قال لسعد: «عَلَيْكَ بِمَنْ بَقِيَ» .

وقال: «لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّيْنِ حَرَّ الهَاجِرَةِ، وَحَرَّ السَّيْف» .

فحسبهم كذلك في دار الحارث، - وفي بعض الروايات- ببيت خراب» .

ثم أخرجهم رسلاً فقتلهم على الولاء والترتيب.

فقال بعضهم لبعض: ما تراهم يصنعون بنا؟

فقال واحد: ألا تعقلون أنهم يقتلون؟

ألا ترون أن الداعي لا يسكت؟

ومن ذهب لا يرجع؟

فقتلوا كلهم ولم يسلم أحد منهم.

كان فيهم رجل يقال له: زبير بن باطا.

فكلم ثابت بن قيس بن شماس رسول الله  في أمره فقال: إن الزبير بن باطا له عندي يد، وقد أعانني يوم بعاث فهبهُ لِي يا رسول الله حتى أعتقه.

فقال-  -: «هُوَ لَكَ» .

فجاء إليه.

فقال: يا أَبا عبد الرحمن أتعرفني؟

قال: نعم.

وهل ينكر الرجل أخاه، أنت ثابت بن قيس.

قال: أتذكر يداً لك عندي يوم بعاث؟.

قال: نعم.

إن الكريم يجزي باليد، فاجز بها.

فقال: قد وهبك النبي  لي، وقد أعتقتك.

قال: شيخ كبير لا أهل له كيف يعيش.

فجاء ثابت إلى رسول الله  ، فكلّمه في أهله، فقال: «لَكَ أهْلُهُ» .

فجاء إليه.

فقال: قد وهب لي رسول الله  أهلك فهي لك.

فقال: شيخ كبير أعمى وامرأة ضعيفة، وأطفال صغار لا مال لهم كيف يعيشون؟

فقام ثابت إلى رسول الله  يسأله ماله.

فقال: «لَكَ مَالُهُ» .

فجاء إليه.

فقال: قد وهب لي رسول الله  مالك لي فهو لك.

فقال: فما فعلت بكعب بن أسد الذي وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي؟

قال: قتل.

قال: فما فعل بعزاز بن سموأل مقدم اليهود إذا حملوا وحاميهم إذا انصرفوا؟

قال: قتل.

قال: فما فعل بسيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب يحملهم في الحرب ويطعمهم في المحل؟

قال: قتل.

قال فما فعل بفلان وفلان؟

قال: قتل.

قال: فقال يا ابن الأخ لا خير في الحياة بعد أولئك ألا أصبر فيه قدر فراغ دلو ماء حتى ألقى الأحبة.

قال أبو بكر: ويلك يا ابن باطا، والله ما هو إفراغ دلو ماء، ولكنه عذاب الله أبداً.

يا ابن الأخ قدمني إلى مصارع قومي، فاضرب ضربة أجهز بها، وأرفع يدك عن العصام، وألصق بالرأس.

فإن أحسن الجسد أن يكون فيه شيء من العنق.

فقال ثابت: ما كنت لأقتلك.

قال: ما أبالي من قتلني.

فتقدم رجل من أصحاب رسول الله  فضرب عنقه.

وغنم الله عز وجل رسوله أموال بني قريظة، وذراريها، فقسمها بين المسلمين.

فنزل قوله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ يعني: عاونوهم مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم بنو قريظة مِنْ صَياصِيهِمْ يعني: من قصورهم، وحصونهم، وأصل الصياصي في اللغة: قرون الثور لأنه يتحصن به.

فقيل: للحصون صياصي لأنها تمنع.

ثم قال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حين انهزم الأحزاب فَرِيقاً تَقْتُلُونَ يعني: رجالهم وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً تسبون طائفة وهم النساء والصبيان.

قال مقاتل: قتل أربعمائة وخمسون رجلاً، وسبي من النساء والصبيان ستمائة وخمسون.

وقال في رواية الكلبي: كانوا سبعمائة فقسمها بين المهاجرين.

ثم قال عز وجل: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ يعني: مزارعهم وَدِيارَهُمْ يعني: منازلهم وَأَمْوالَهُمْ يعني: العروض والحيوان وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها يعني: لم تملكوها ولم تقدروا عليها.

يعني: ورثكم تلك الأرض أيضاً وهي أرض خيبر.

وروي عن الحسن وغيره في قوله أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها قال: كل ما فتح على المسلمين إلى يوم القيامة وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً يعني: على فتح مكة وغيرها من القرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ...

الآية.

قالت فرقة: لما أمر- رسول الله صلى الله عليه وسلّم- بحفر الخندقِ أعلمهم بأنهم سَيُحْصَرَون، وأمرهم بالاستعدادِ لذلك، وأعْلمهم بأنهم سَيُنْصَرُوْنَ بعد ذلك، فلما رأوا الأحزاب: قالُوا: هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ الآية، وقالت فرقة: أرادوا بوعد الله ما نَزَل في سورة البقرة من قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله قَرِيبٌ [البقرة:

٢١٤] .

قال ع «١» : وَيُحْتَمَلُ أنهم أرادوا جميعَ ذلك.

ثم أثنى سُبحانه على رجالٍ عَاهدوا الله على الاسْتِقَامَةِ فَوَفَّوْا، وَقَضَوْا نَحْبُهُمْ، أي: نَذْرَهُمْ، وَعَهَدَهُمْ، «والنَّحْبُ» فِي كَلاَمِ العَرَبِ: النَّذْرُ والشَّيءُ الذي يلتزمُهُ الإنسان، وقَد يُسَمَّى المَوْتُ نَحْباً، وبهِ فسَّر ابن عبَّاس «٢» وغيرُه هذه الآيةَ، ويقال للذي جاهد في أمرٍ حتى ماتَ: قضى فيه نحبه، ويقالُ لمن مات: قضى فلان نحبه فممن سَمَّى المفسرون أنّه أُشِيرَ إليه بهذه الآية أنس بن النضر عَمُّ أنسِ بن مالكٍ، وذلك أنه غَابَ عن بَدْرِ فساءَه ذلك، وقال لئن شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم مَشْهَداً ليَرَيَنَّ اللهُ ما أصْنَعُ.

فلما كان أحَدٌ أبلَى بلاءً حَسَناً حَتَّى قُتِلَ وَوُجِدَ فيه نَيِّفٌ على ثمانينَ جُرْحاً، فكانوا يَروْنَ أن هذه الآيةَ في أنس بن النضر ونظرائه.

وقالت فرقة: الموصوفون بقَضَاء النَّحْبِ هم جماعة من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلّم وَفَّوْا بِعُهُودِ الإسْلاَمِ عَلَى التَّمَامِ، فالشُّهَداءُ منهم، والعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالجنّةِ منْهم، إلى مَن حَصَل في هذه المرتبةِ مِمَّنْ لَم يُنَصَّ عليه، ويُصَحَّحُ هذه المقالةَ أيضاً مَا رُوِيَ أن رَسولَ الله صلى الله عليه وسلّم كان عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنِ الَّذِي قضى نَحْبَهُ؟

فَسَكَتَ عنه النّبيّ صلى الله عليه وسلّم سَاعَةً، ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ على بَابِ المَسْجِدِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أَيْنَ السَّائِلُ؟

فَقَالَ: هَأَنَذَا، يا رسُولَ الله، قال:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أنَسِ بْنِ النَّضْرِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «غابَ عَمِّي أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتالِ بَدْرٍ، فَلَمّا قَدِمَ قالَ: غِبْتُ عَنْ أوَّلِ قِتالِ قاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ  المُشْرِكِينَ، لَئِنْ أشْهَدَنِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قِتالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصْنَعُ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ النّاسُ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وأعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ، يَعْنِي المُسْلِمِينَ؛ ثُمَّ مَشى بِسَيْفِهِ، فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، فَقالَ: أيْ سَعْدُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ، واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ.

قالَ سَعْدٌ: فَما اسْتَطَعْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما صَنَعَ؛ قالَ أنَسٌ: فَوَجَدْناهُ بَيْنَ القَتْلى بِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ جِراحَةً، مِن ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، قَدْ مَثَّلُوا بِهِ؛ قالَ: فَما عَرَفْناهُ حَتّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنانِهِ؛ قالَ أنَسٌ: فَكُنّا نَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ وفي أصْحابِهِ.» والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في طَلْحَةِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.

رَوى النَّزّالُ بْنُ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم قالُوا لَهُ: حَدِّثْنا عَنْ طَلْحَةَ، قالَ: ذاكَ امْرُؤٌ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ﴾ لا حِسابَ عَلَيْهِ فِيما يَسْتَقْبِلُ.

وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هَذا القَدْرَ مِنَ الآيَةِ في طَلْحَةَ، وأوَّلَها في أنَسٍ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى الآيَةِ: وفَوْا لِلَّهِ بِما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ.

وفي ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم عاهَدُوا لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلى الإسْلامِ والنُّصْرَةِ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَعاهَدُوا اللَّهَ أنْ لا يَتَأخَّرُوا بَعْدَها.

والثّالِثُ: أنَّهم عاهَدُوا أنْ لا يَفِرُّوا إذا لاقَوْا، فَصَدَقُوا.

والرّابِعُ: أنَّهم عاهَدُوا عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَمِنهم مَن ماتَ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ المَوْتَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فَمِنهم مَن قَضى عَهْدَهُ قُتِلَ أوْ عاشَ.

ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ أنْ يَقْضِيَهُ بِقِتالٍ أوْ صِدْقِ لِقاءٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: فَمِنهم مَن قَضى نَذْرَهُ الَّذِي كانَ نَذْرٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

فَيَكُونُ النَّحْبُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الأجَلَ؛ وعَلى الثّانِي: العَهْدَ؛ وعَلى الثّالِثِ: النَّذْرَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ قَضى نَحْبَهُ ﴾ أيْ: قُتِلَ، وأصْلُ النَّحْبِ: النَّذْرُ، كَأنَّ قَوْمًا نَذَرُوا أنَّهم إنْ لَقُوا العَدُوَّ قاتَلُوا حَتّى يُقْتَلُوا أوْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقُتِلُوا، فَقِيلَ: فُلانٌ قَضى نَحْبَهُ، أيْ: قُتِلَ، فاسْتُعِيرَ النَّحْبُ مَكانَ الأجَلِ، لِأنَّ الأجَلَ وقَعَ بِالنَّحْبِ، وكانَ النَّحْبُ سَبَبًا لَهُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْعَطِيَّةِ: " مَنٌّ "، لِأنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأنَسُ بْنُ النَّضْرِ وأصْحابُهُ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ﴿ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ﴾ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، ﴿ وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ ﴾ ما وعَدَ اللَّهُ مِن نَصْرِهِ، أوِ الشَّهادَةِ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ أصْحابُهُ ﴿ وَما بَدَّلُوا ﴾ أيْ: ما غَيَّرُوا العَهْدَ الَّذِي عاهَدُوا رَبَّهم عَلَيْهِ كَما غَيَّرَ المُنافِقُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ صَدَقُوا فِيما عاهَدُوا [اللَّهَ] عَلَيْهِ ﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ ﴾ بِنَقْضِ العَهْدِ ﴿ إنْ شاءَ ﴾ وهو أنْ يُمِيتَهم عَلى نِفاقِهِمْ ﴿ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ في الدُّنْيا، فَيُخْرِجَهم مِنَ النِّفاقِ إلى الإيمانِ، فَيَغْفِرَ لَهم.

﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي الأحْزابَ، صَدَّهم ومَنَعَهم عَنِ الظَّفَرِ بِالمُسْلِمِينَ ﴿ بِغَيْظِهِمْ ﴾ أيْ: لَمْ يُشْفِ صُدُورَهم بِنَيْلِ ما أرادُوا ﴿ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا ﴾ أيْ: لَمْ يَظْفَرُوا بِالمُسْلِمِينَ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، خَيْرًا فَخُوطِبُوا عَلى اسْتِعْمالِهِمْ ﴿ وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ ﴾ بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ، ﴿ وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ ﴾ أيْ: عاوَنُوا الأحْزابَ، وهم بَنُو قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّهم نَقَضُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  مِنَ العَهْدِ، وصارُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يَدًا واحِدَةً.

وَهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيرَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا انْصَرَفَ مِنَ الخَنْدَقِ وضَعَ عَنْهُ اللَّأْمَةَ واغْتَسَلَ، فَتَبَدّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: ألا أراكَ وضَعْتَ اللَّأْمَةَ، وما وضَعَتِ المَلائِكَةُ سِلاحَها مُنْذُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً؟!

إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَسِيرَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَإنِّي عامِدٌ إلَيْهِمْ فَمُزَلْزِلٌ بِهِمْ حُصُونَهُمْ؛ فَدَعا عَلِيًّا فَدَفَعَ لِواءَهُ إلَيْهِ، وبَعَثَ بِلالًا فَنادى في النّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  يَأْمُرُكم أنْ لا تُصَلُّوا العَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ سارَ إلَيْهِمْ فَحاصَرَهم خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أشَدَّ الحِصارِ، وقِيلَ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَأرْسَلُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  : أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ بْنَ عَبْدِ المُنْذِرِ، فَأرْسَلَهُ إلَيْهِمْ، فَشاوَرُوهُ في أمْرِهِمْ، فَأشارَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ: إنَّهُ الذَّبْحُ، ثُمَّ نَدِمَ فَقالَ: خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فانْصَرَفَ فارْتَبَطَ في المَسْجِدِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأمَّرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وكُتِّفُوا، ونُحُّوا ناحِيَةً، وجُعِلَ النِّساءُ والذُّرِّيَّةُ ناحِيَةً.

وكَلَّمَتِ الأوْسُ رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَهَبَهم لَهُمْ، وكانُوا حُلَفاءَهُمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ  الحُكْمَ فِيهِمْ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ؛» هَكَذا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ.

وحَكى غَيْرُهُ: «أنَّهم نَزَلُوا أوَّلًا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمِهِ حِلْفٌ فَرَجَوْا أنْ تَأْخُذَهُ فِيهِمْ هَوادَةٌ، فَحَكَمَ فِيهِمْ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المُواسِي، وتُسْبى النِّساءُ والذَّرارِي، وتُقَسَّمَ الأمْوالُ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ "؛ وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ  وأمَرَ بِهِمْ فَأُدْخِلُوا المَدِينَةَ، وحُفِرَ لَهم أُخْدُودٌ في السُّوقِ، وجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ  ومَعَهُ أصْحابُهُ، وأُخْرِجُوا إلَيْهِ فَضُرِبَتْ أعْناقُهُمْ، وكانُوا ما بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ إلى السَّبْعِمِائَةِ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن صَياصِيهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: مِن حُصُونِهِمْ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ الصَّياصِي: قُرُونُ البَقَرِ، لِأنَّها تَمْتَنِعُ بِها، وتَدْفَعُ عَنْ أنْفُسِها، فَقِيلَ لِلْحُصُونِ: الصَّياصِي، لِأنَّها تَمْنَعُ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ قَرْنٍ صِيصِيَةٌ، وصِيصِيَةُ الدِّيكِ: شَوْكَةٌ يَتَحَصَّنُ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ أيْ: ألْقى فِيها الخَوْفَ ﴿ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ وهُمُ المُقاتِلَةُ ﴿ وَتَأْسِرُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " وتَأْسُرُونَ " بِرَفْعِ السِّينِ ﴿ فَرِيقًا ﴾ وهُمُ النِّساءُ والذَّرارِي، ﴿ وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ ﴾ يَعْنِي عَقارَهم ونَخِيلَهم ومَنازِلَهم ﴿ وَأمْوالَهُمْ ﴾ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحُلِيِّ والعَبِيدِ والإماءِ ﴿ وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها ﴾ أيْ: لَمْ تَطَؤُوها بِأقْدامِكم بَعْدُ، وهي مِمّا سَنَفْتَحُها عَلَيْكُمْ؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ما ظَهَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: مَكَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: خَيْبَرُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، وابْنُ إسْحاقَ، ومُقاتِلٌ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾ ﴿ وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﴾ ﴿ وَأورَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ عَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في هَزْمِ الأحْزابِ، وأنَّ اللهَ تَعالى رَدَّهم بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَشْفُوا مِنهُ شَيْئًا، ولا نالُوا مُرادًا، وكَفى اللهُ كُلَّ مَن كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ  أنْ يُقاتِلَ الأحْزابَ.

ورُوِيَ أنَّ المُرادَ بِـ المُؤْمِنِينَ هَنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَوْمٌ مَعَهُ عَبِئُوا لِلْقِتالِ وبَرَزُوا ودَعَوْا إلَيْهِ.

وقِيلَ: عَنى رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، فَكَفاهُمُ اللهُ مُداوَمَةَ ذَلِكَ ودَعْوَتَهُ بِأنْ هَزَمَ الأحْزابَ بِالرِيحِ والمَلائِكَةِ، وصَنَعَ ذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ.

«قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ فَلَمْ نُصَلِّ الظَهْرَ ولا العَصْرَ ولا المَغْرِبَ ولا العَشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَيْلِ كَفِينا، وأنْزَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ ﴾ ، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ  بِلالًا فَأقامَ، وصَلّى الظُهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلَّ صَلاةٍ بِإقامَةِ إقامَةٍ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ ﴾ يُرِيدُ بَنِي قُرَيْظَةَ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالَ الرُمّانِيِّ: وقالَ الحَسَنُ: الَّذِينَ أنْزَلُوا مِن صَياصِيهِمْ بَنُو النَضِيرِ، وقالَ الناسُ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّهم «لَمّا غَدَرُوا بِرَسُولِ اللهِ  وظاهَرُوا الأحْزابَ عَلَيْهِ أرادَ اللهُ النِقْمَةَ مِنهُمْ، فَلَمّا ذَهَبَ الأحْزابُ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى رَسُولِ اللهِ  وقْتَ الظُهْرِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنِ اللهَ تَعالى يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَنادى رَسُولُ اللهِ  في الناسِ، وقالَ لَهُمْ: "لا يُصَلِّينَ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَخَرَجَ الناسُ إلَيْها، ووَصَلَها قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ بَعْدَ العَشاءِ وهم لَمْ يُصَلُّوا العَصْرَ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ النَبِيِّ  فَلَمْ يُخَطِّئْهم رَسُولُ اللهِ  في ذَلِكَ، وصَلّى قَوْمٌ في الطَرِيقِ، ورَأوا أنَّ قَوْلَ النَبِيِّ  إنَّما خَرَجَ مَخْرَجَ التَأْكِيدِ، فَلَمْ يُخَطِّئْهم أيْضًا، وحَصَرَ رَسُولُ اللهِ  بَنِي قُرَيْظَةَ خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأوسِ حِلْفٌ، فَرَجَوْا حُنَوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ بِأنْ تُقْتَلَ المُقاتِلَةُ، وتُسْبى الذُرِّيَّةُ والعَيّالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ، فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ تَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم أمْوالٌ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِيكِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةِ"، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ  بِرِجالِهِمْ فَأُخْرِجُوا أرْسالًا، وضَرَبَ أعْناقَهُمْ، وهم مِنَ الثَمانِمِائَةَ إلى التِسْعِمِئَةِ، وسِيقَ فِيهِمْ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبُ النَضْرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلُهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللهِ  ، فَلَمّا ذَهَبَ الأحْزابُ دَخَلَ عِنْدَهُمْ، وفاءَ لَهُمْ، فَأخَذَهُ الحَصْرُ حَتّى نَزَلَ فِيمَن نَزَلَ عَلى حَكْمِ سَعْدٍ، فَلَمّا قُرِّبَ وعَلَيْهِ حُلَّتانِ فُقّاحِيَّتانِ، ويَداهُ مَجْمُوعَةٌ إلى عُنُقِهِ وأبْصَرَ رَسُولَ اللهِ  ، فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، واللهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَقَدِ اجْتَهَدْتُ ولَكِنْ مَن يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلُ، ثُمَّ قالَ: أيُّها الناسُ، لا بَأْسَ، إنَّهُ أمْرُ اللهِ وقَدَرُهُ ومَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمُ فَضَرَبَتْ عُنُقَهُ، وفِيهِ يَقُولُ جَبَلُ بْنُ جَوّالٍ الثَعْلَبِيِّ: لَعْمُرِكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلُ لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقِلِ » وقَوْلُهُ: ﴿ "ظاهَرُوهُمْ" ﴾ مَعْناهُ: عاوَنُوهُمْ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ آزَرُوهُمْ"، وهي بِمَعْنى: ظاهَرُوهم.

والصَياصِي: الحُصُونُ، وإحْداها: صِيصَةُ، وهي كُلُّ ما يَمْتَنِعُ بِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِقُرُونِ البَقَرِ: الصَياصِي، والصَياصِي أيْضًا شَوْكُ الحاكَّةِ، وتَتَّخِذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: كَوَقْعِ الصَياصِي ∗∗∗ في النَسِيجِ المُمَدَّدِ والفَرِيقُ المَقْتُولُ: الرِجالُ المُقاتِلَةُ، والفَرِيقُ المَأْسُورُ: العِيالُ والذُرِّيَّةُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَتَأْسِرُونَ" ﴾ بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَتَأْسُرُونَ" بِضَمِّ السِينِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأورَثَكُمْ" ﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ حَصَلَ ذَلِكَ لَهم بَعْدَ مَوْتِ الآخَرِينَ وقَتْلِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها ﴾ يُرِيدُ بِها البِلادَ الَّتِي فُتِحَتْ بَعْدَ كالعِراقِ والشامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، فَوَعْدُ اللهِ تَعالى بِها عِنْدَ فَتْحِ حُصُونِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ قَضى بِذَلِكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن فِرَقٍ أنَّهم خَصَّصُوا ذَلِكَ، فَقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُومَ وفارِسَ، وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ، ومُقاتِلُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خُيَبْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اليَمَنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ دُونَ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ [الأحزاب: 9] وهو الأنسب بسياق الآيات بعدها، أي أرسل الله عليهم ريحاً وردّهم، أو حال من ضمير ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ [الأحزاب: 20]، أي: يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وقد رد الله الأحزاب فذهبوا.

والرد: الإرجاع إلى المكان الذي صُدر منه فإنَّ ردهم إلى ديارهم من تمام النعمة على المسلمين بعد نعمة إرسال الريح عليهم لأن رجوعهم أعمل في اطمئنان المسلمين.

وعُبر عن الأحزاب بالذين كفروا للإيماء إلى أن كفرهم هو سبب خيبتهم العجيبة الشأن.

والباء في ﴿ بغيظهم ﴾ للملابسة، وهو ظرف مستقرّ في موضع الحال، أي: ردهم مُغِيظين.

وإظهار اسم الجلالة دون ضمير المتكلم للتنبيه على عظم شأن هذا الرد العجيب كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ليجزي الله الصادقين بصدقهم ﴾ [الأحزاب: 24].

والغيظ: الحَنق والغضب، وكان غضبهم عظيماً يناسب حال خيبتهم لأنهم تجشموا كلفة التجمّع والإنفاق وطولِ المكث حول المدينة بلا طائل وخابت آمالهم في فتح المدينة وأكل ثمارها وإفناء المسلمين، وهم يحسبون أنها منازلة أيام قليلة، ثم غاظهم ما لحقهم من النكبة بالريح والانهزام الذي لم يعرفوا سببه.

وجملة ﴿ لم ينالوا خيراً ﴾ حال ثانية.

ولك أن تجعل جملة ﴿ لم ينالوا خيراً ﴾ استئنافاً بيانياً لبيان موجب غيظهم.

و ﴿ كفى ﴾ بمعنى أغنى، أي: أراحهم من كلفة القتال بأن صرف الأحزاب.

و ﴿ كفى ﴾ بهذا المعنى تتعدى إلى مفعولين يقال: كفيتُك مُهمك وليست هي التي تزاد الباء في مفعولها فتلك بمعنى: حسب.

وفي قوله ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ حذف مضاف، أي كلفة القتال، أو أرزاء القتال، فإن المؤمنين كانوا يومئذ بحاجة إلى توفير عددهم وعُددهم بعد مصيبة يوم أُحُد ولو التقوا مع جيش المشركين لكانت أرزاؤهم كثيرة ولو انتصروا على المشركين.

والقول في إظهار اسم الجلالة في قوله ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ كالقول في وجملة ﴿ وكان الله قوياً عزيزاً ﴾ تذييل لجملة ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ إلى آخرها.

والقوة: القدرة، وقد تقدمت في قوله ﴿ لو أنّ لي بكم قوة ﴾ في سورة [هود: 80].

والعزة: العظمة والمنعة، وتقدمت في قوله تعالى: ﴿ أخذته العزّة بالإثم ﴾ في سورة [البقرة: 206].

وذكر فعل ﴿ كان ﴾ للدلالة على أن العزة والقوة وصفان ثابتان لله تعالى، ومن تعلُّقات قوتِه وعزته أن صرف ذلك الجيش العظيم خائبين مفتضحين وألقى بينه وبين أحلافه من قريظة الشك، وأرسل عليهم الريح والقرّ، وهدَى نُعيماً بن مسعود الغطفاني إلى الإسلام دون أن يشعر قومه فاستطاع النصح للمسلمين بالكَيد للمشركين.

ذلك كله معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ ﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وجُمُوعَهُ مِنَ الأحْزابِ.

﴿ بِغَيْظِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِحِقْدِهِمْ.

الثّانِي: بِغَمِّهِمْ.

﴿ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا ﴾ قالَ السُّدِّيُّ لَمْ يُصِيبُوا مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ ظَفَرًا ولا مَغْنَمًا.

﴿ وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

حَكى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدٍ عَنْ مُرَّةَ قالَ أقْرَأنا ابْنُ مَسْعُودٍ هَذا الحَرْفَ: ﴿ وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ ﴾ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

الثّانِي: بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا ﴾ في سُلْطانِهِ.

﴿ عَزِيزًا ﴾ في انْتِقامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ورد الله الذين كفروا بغيظهم ﴾ قال: الأحزاب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ ورد الله الذين كفروا بغيظهم ﴾ قال: أبو سفيان وأصحابه ﴿ لم ينالوا خيراً ﴾ قال: لم يصيبوا من محمد صلى الله عليه وسلم ظفراً ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ انهزموا بالريح من غير قتال.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ قال: بالجنود من عنده، والريح التي بعث عليهم ﴿ وكان الله قوياً ﴾ في أمره ﴿ عزيزاً ﴾ في نقمته.

وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: «لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب، وحتى قال النبي صلى الله عليه وسلم» اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم أنك إن تشأ لا تعبد «فبينما هم على ذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان جميعاً، فخذل بين الناس، فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال.

فذلك قوله: ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: لما كان يوم الأحزاب ردهم الله ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «من يحمي أعراض المسلمين؟

قال كعب رضي الله عنه: أنا يا رسول الله.

قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: أنا يا رسول الله.

فقال: إنك تحسن الشعر.

فقال حسان: أنا يا رسول الله فقال: نعم.

اهجهم أنت، فإنه سيعينك عليهم روح القدس» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بعلي بن أبي طالب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ ﴾ أي: صدهم ومنعهم عن المسلمين وعن الظفر بهم، يعني الاْحزاب بغيظهم، أي لم يشف صدورهم بنيل المراد وردهم فيهم غيظهم على المسلمين، والباء في (بغيظهم) بمعنى مع كما يقال: خرج بثيابه وركب الأمير بسلاحه.

قوله تعالى: ﴿ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ﴾ قال ابن عباس: يريد ما كانوا يؤمنون (١) (٢) قال أبو إسحاق: أي لم يظفروا بالمسلمين، وذلك عندهم خير فخوطبوا على استعمالهم (٣) ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾ بالريح والملائكة التي أرسلت إليهم (٤) ﴿ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا ﴾ في ملكه.

﴿ عَزِيزًا ﴾ في قدرته.

قاله ابن عباس (٥) (٦) (١) هكذا في النسخ!

ولعل الأصوب: يؤملون.

(٢) لم أقف عليه.

(٣) لم أقف عليه عن أبي إسحاق، وقد ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 550، ولم ينسبه لأحد.

(٤) هكذا في النسخ!

والظاهر أن "إليهم" زائدة.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) في (ب): (باليهود).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ ﴾ يعني: قتل شهيداً قال أنس بن مالك: يعني عمي أنس بن النضر، وقيل: يعني حمزة بن عبد المطلب، وقضاء النحب عبارة عن الموت عند ابن عباس وغيره، وقيل: قضى نحبه: وفي العهد الذي عاهد الله عليه، ويدل على هذا ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «طلحة ممن قضى نحبه» وهو لم يقتل حينئذ ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ﴾ المفعول محذوفكم أي ينتظر أن يقضي نحبه، أو ينتظر الشهادة في سبيل الله على قول ابن عباس، أو ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح على القول الآخر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.

الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.

الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.

﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.

الباقون: بكسرها.

﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.

الباقون: بكسرها.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.

التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.

وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.

والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.

ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه  قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.

وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.

والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.

ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".

ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.

ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.

وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.

وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا  ﴾ إلى آخره.

كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله  حتى يستشهدوا، فمدحهم الله  بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.

ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.

﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.

وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.

وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.

﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.

"روي أن جبرائيل  أتى رسول الله  صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟

فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله  يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.

فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله  : تنزلون على حكمي.

فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله  وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .

وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.

وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.

﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.

وعن مقاتل: هي خيبر.

وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.

وعن الحسن: فارس والروم.

وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.

وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.

ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله  "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.

لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي  أم لا؟

فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.

ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟

والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي  لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي  الطلاق أم لا؟

الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.

ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.

ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟

الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.

وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.

وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.

والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان  ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول  وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول  سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.

والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.

ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله  ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد  ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.

فقالت: اخترت نفسي.

أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.

وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.

واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.

وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.

وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله  ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي  مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.

وحين خيرهن النبي  واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.

وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.

وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم  ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.

وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.

وقيل: هي عصيانهن رسول الله  ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.

وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟

وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.

والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.

ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.

قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.

والواحد وما وراءه.

والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.

وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.

وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.

ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون  ﴾ واصله "إقررن".

من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.

وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.

والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة  ﴾ وذلك في سورة النور.

والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم  ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.

والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد  .

وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.

وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.

ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.

وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي  لأنه أصل، وفاطمة  ما والحسن والحسين  ما بالاتفاق.

والصحيح أن علياً  منهم لمعاشرته بنت النبي  وملازمته إياه.

وورود الآية في شأن أزواج النبي  يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.

فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.

ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.

يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.

ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك  ﴾ أي بسببه.

ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.

ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.

ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.

وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله  وهي النية.

قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.

والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.

وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله  زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.

فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.

وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي  فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله  فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه  لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي  لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.

ثم إن رسول الله  أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه  لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.

وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله  فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.

فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟

قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.

فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.

فلما اعتدت قال رسول الله  : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.

قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله  ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.

ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.

فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله  ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.

قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.

وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.

نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.

الذي أخفى النبي  في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.

وعن عائشة لو كتم رسول الله  شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.

والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.

قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.

ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.

قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي  يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.

ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.

عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.

وقيل: التطليق.

فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.

ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي  عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.

ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.

وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.

ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.

والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.

ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾  إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد  ومجيء عيسى  في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.

التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله  فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.

فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله  ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.

وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.

﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.

﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.

﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.

﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي  مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي  ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي  بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.

والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.

فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.

﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.

وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.

الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.

إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.

﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.

وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.

﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾  فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول  كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ .

قال بعضهم: ذلك حيث كان يباشر القتال بنفسه، فباشروا معه القتال [فمن باشر معه القتال] أساه بأسوة حسنة، ومن لم يفعل فلم يواسه.

وابن عباس يقول: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ ، أي: سنة صالحة أو نحوه.

مثل هذا إنما يذكر عن زلات تكون إما من المنافقين أو من المؤمنين، فيقول: لكم في التأسي برسول الله الاقتداء والقدوة به، فهو يخرج على وجوه: أحدها: أي: لقد كان لكم في رسول الله قبل أن يبعث رسولا، وقبل أن يوحى إليه فيما عرفتموه من حسن خلقه وكرمه وشرفه وأمانته - أسوة حسنة؛ فكيف تركتم اتباعه إذا بعث رسولا؟!

والثاني: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ ﴾ ، أي: صار لكم ﴿ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ ﴾ إذا بعث رسولا ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ : فيما أنزل إليه وأوحي إليه، وفيما شاهدتموه من حسن خلقه وكرمه؛ فالواجب عليكم أن تتأسوا به.

والثالث: لقد كان لكم بالمؤمنين أسوة استوائهم لو اتبعتم ما شرع لكم رسول الله وسن.

أو الأسوة: هي الاستواء؛ كقول الناس: "فلان أسوة غرمائه"، أي: يكون المال بينهم على الاستواء، هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية.

وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ ﴾ .

قال بعضهم: يكون في رسول الله أسوة لمن خاف الله وآمن باليوم الآخر وبجزاء الأعمال، فأما المنافق والذي لا يؤمن بالبعث، فلا يكون فيه أسوة له.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: لقد كان لكم أسوة حسنة، ولمن كان يرجو الله واليوم الآخر.

أو أن يكون لكم في رسول الله أسوة حسنة، وفيمن كان يرجو الله واليوم الآخر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ .

ذكر الله يحتمل في نعمته وإحسانه، يذكر بالشكر له وحسن الثناء، أو يذكر سلطانه وملكه أو جلاله وعظمته وكبرياءه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ .

حيث أخبرهم أنكم ستلقون كذا في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ  ﴾ : قالوا لما عاينوا ما وعد لهم وأخبرهم: ﴿ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ فيما أخبرنا من الوحي قبل أن يكون وقبل أن نلقاه.

﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً ﴾ .

أي: ما زادهم إلا إيماناً ما رأوا وعاينوا، فيما وعد وأخبر، إلا إيماناً وتصديقاً لرسول الله  في وعده وخبره.

وقال قائلون: إن رسول الله  قد وعد لهم وأخبر: أن يوم الخندق تكون من الأحزاب كذا والجنود كذا، وإنكم ستلقون يومئذ كذا، فلما رأوا ذلك وعاينوه قالوا عند ذلك: ﴿ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً ﴾ وتصديقاً لرسول الله؛ لأن ذلك آية وحجة لرسالته؛ فهو يزيدهم تصديقاً له.

وقوله: ﴿ وَتَسْلِيماً ﴾ ، أي: تسليماً لأمر الله وتفويضاً له.

وقيل: وما زادهم بما أصابهم يوم الخندق إلا إيماناً وتصديقاً إلى تصديقهم الأول، ويقيناً إلى يقينهم الأوّل، وتسليماً لأمر الله؛ لأن ذلك الأمر كان قضي عليهم أن يصيبهم، فسلموا لله أمره؛ فصبروا عليه، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ .

قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ - الذين هم عندكم مؤمنون - ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ ، ورجال لم يصدقوا وهم المنافقون؛ لأن ظاهر هذا الكلام يدل على أن من المؤمنين الذين هم في الظاهر عندهم مؤمنون لم يصدقوا، فأما من كان في الحقيقة مؤمناً فقد صدق عهده.

والثاني: ذكر ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ خصّ بعض المؤمنين بصدق ما عاهدوا وهم الذين خرجوا لذلك: لم يكن بهم عذر فوفوا ذلك العهد؛ وتخلف بعض من المؤمنين؛ للعذر؛ فلم يتهيأ لهم وفاء ذلك العهد لهم وصدقه؛ وكذلك يخرج قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: وفي بعهده.

﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ .

بالوفاء أن يرتفع عنه العذر؛ فبقي ذلك، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ : وفاءه.

وقال بعضهم: ﴿ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: هلك عليه، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ ذلك، أي على شرف الهلاك.

وقوله: ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ﴾ .

هذا يقوي التأويل الذي ذكرنا: أخبر في قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ : أن الذين خلفهم العذر فلم يوفوا عهده، والذين لا عذر بهم، فخرجوا فوفوا كلهم لم يبدلوا عهد الله تبديلا؛ لأنه إنما خلفهم العذر؛ فلم يكن في ذلك تبديل.

وقوله: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴾ على ما وفوا، ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ : هذا يدل أن من المنافقين من قد يتوب؛ حيث قال: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ويعذب الذي مات على نفاقه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ، أي: لم يزل غفوراً رحيماً، حيث رحمهم، ولم يأخذهم وقت ارتكابهم الجرم، ولكن أمهلهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ ﴾ ، أي: ردّ كفار مكة يوم الخندق، ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ .

قال بعضهم: أي: غنيمة، أي: ردهم بغيظهم، لم يصيبوا شيئاً من الغنيمة؛ فإن كان المراد من الخير: الغنيمة، فجائز أن يستدل على تملك أهل الحرب أموال المسلمين إذا أحرزوها، حيث قال: ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ ، أي: مالا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ ، أي: سرورا بما كانوا يأملون ويطمعون هلاك المؤمنين على أيديهم، لما أحاطوا بهم وضيقوا عليهم الأمر؛ حتى احتاجوا إلى الخندق؛ فكانوا في أيديهم.

يقول: إنهم لم ينالوا ذلك السرور الذي كانوا يأملونه ويرجونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ﴾ .

حيث بعث عليهم الريح وسلط عليهم الملائكة؛ حتى هزموهم حتى كفوا القتال والحرب معهم.

﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ﴾ .

أي: كان الله لم يزل قويّاً عزيزاً؛ لأنه قوي بذاته عزيز بذاته لا يلحقه ذل، وإن لحق أولياءه الذل والضعف، ليس كملوك الأرض إذا ذهب أصحابهم أو دخل فيهم ذل وضعف؛ ذلّ ملكهم؛ لأنه عزيز بجنده وحشمه، فأمّا الله -  - [فهو] قوي بذاته، عزيز بذاته، لا يلحقه ذل ولا ضعف بذهاب أوليائه.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ : كان رجال فاتهم يوم بدر؛ فقالوا: لئن حضرنا قتالا، لنفعلن ولنفعلن، فلما كان يوم الأحزاب قاتلوا؛ فذلك قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: مات على ما عاهد الله عليه، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ﴾ : يوما آخر يكون فيه قتال؛ فيقاتل على ما عاهد الله عليه، ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ﴾ .

وفي حرف أبي: ﴿ ومنهم من بدل ﴾ ؛ فيرجع ذلك إلى المنافقين الذين ذكرنا بدءاً.

وقال القتبي قوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ ، أي: خالية، وأصل العورة: ما ذهب عنه الستر والحفظ؛ فكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت؛ فإذا ذهبوا، أعْوَرَتِ البيوت؛ تقول العرب: أعور المنزل، أي: ذهب ستره، أو سقط جداره، وأعور الفارس: إذا بدا فيه موضع خلل للضرب بالسيف.

يقول الله -  - ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ؛ لأن الله حافظها، ولكن يريدون الفرار.

وقوله: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ﴾ ، أي: من جوانبها، ﴿ ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ ، أي: الكفر، ﴿ لآتَوْهَا ﴾ ، أي: أعطوها من أرادها، ﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ ، أي: بالمدينة.

ومن قرأها: ﴿ لآتَوْهَا ﴾ - بغير مدّ - أراد: لصاروا إليها.

وقال أبو عوسجة: قولهم: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ : من ناحية العدو، والعورة: الموضع الذي يخاف منه.

وقوله: ﴿ أَقْطَارِهَا ﴾ ، أي: من نواحيها، الواحد: قطر، ﴿ ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ ، أي: عرضت عليهم، وهو الكفر.

وقال القتبي: ﴿ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ ، يقول: آذوكم بالكلام، يقال: خطيب مِسْلَق وسلاق.

وفيه لغة أخرى: ﴿ صلقوكم ﴾ بالصاد: وهو الضرب.

أبو عوسجة يقول قريباً منه: ﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ ، أي: كلموكم وضربوكم ﴿ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ ، أي: طوال، والسلق: الضرب، والخاطب: السلاق والمسلاق من هذا، وهو طول اللسان والجرأة على الكلام.

وقوله: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ بنصب الميم لا يكون إلا من القيام، و ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ برفع الميم يكون من الإقامة، وهو قول أبي عوسجة.

وأبو عبيدة يقول: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ ، أي: ليس لكم مقام تقومون فيه، و ﴿ لاَ مُقَامَ ﴾ ، أي: لا إقامة لكم.

وقال أبو عوسجة: المقامة: المجلس، ومقامات - جمع المقام -: موضع القدمين، والمقام: الموضع الذي يقيم فيه الرجل.

وقال: ﴿ ٱلْمُعَوِّقِينَ ﴾ ، قال: المتعوق: المحتبس، والمعوق: الذي يعوق غيره، أي: يحبس.

وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: حراصاً على ما نالكم من الشر، الواحد: شحيح، يقال: شح يشح شحّاً؛ فهو شحيح، أي: حرص يحرص حرصا؛ فهو حريص.

وقال غيره: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: بخلاء، لا ينفقون عليكم أو في سبيل الله.

وقال بعضهم: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ ﴾ ؛ من شدة الفرق؛ فهم هؤلاء المعوقون: اليهود أو المنافقون، ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ ﴾ : والأحزاب: هم الفرق أعداء رسول الله وأصحابه، ﴿ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، يقول: خارجون في الأعراب من الرهبة، ﴿ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ﴾ : يسألون عن خبر المؤمنين ساعة بعد ساعة؛ جزعاً ورهبة، يقول الله للمؤمنين: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ ﴾ أي: معكم عند القتال هؤلاء الذين تقدم ذكرهم ﴿ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ رميا بالحجارة؛ من ضعفهم وفرقهم، أو ما ذكرنا؛ دفعاً عن أنفسهم، وأمّا غيره فلا.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ .

ذكر في القصة: "أن اليهود: يهود بني قريظة ظاهروا أبا سفيان وأصحابه على رسول الله وعلى المؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فلما انهزم المشركون تحصن بنو قريظة في حصونهم، ورجع النبي إلى المدينة، فجاءه جبريل، فقال له: يا محمد، والله ما وضع أهل السماء أسلحتهم، وقد وضعتم أنتم أسلحتكم، اخرج إلى بني قريظة؛ فقال له النبي: فكيف أصنع بهم وهم في حصنهم؟

قال: اخرج إليهم؛ فوالله لأدقنهم بالخيل والرجال كما تدق البيضة على الصفا، ولأخرجنهم من حصنهم؛ فنادى رسول [الله] في الناس، وأمر بالخروج إلى بني قريظة؛ فخرجوا فحاصروهم كذا كذا ليلة؛ حتى صالحهم على حكم سعد بن معاذ؛ فنزلوا على حكمه؛ فحكم سعد؛ أن يقتل مقاتلتهم، ويسبى ذراريهم ونساؤهم، فقيل: إن رسول الله قال يومئذ: يا سعد، لقد حكمت بحكم الله؛ فأخرجت المقاتلة فقتلوا، وسبوا ذراريهم، وقسم أرضهم بين المهاجرين؛ فقال قومه والأنصار: آثرت المهاجرين بالعقار دوننا، فقال: إنكم ذوو عقار وإن القوم لا عقار لهم" ، أو كلام نحو هذا، فذلك قوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، يعني الذين ظاهروا أبا سفيان والمشركين جميعاً على رسول الله وأصحابه، ﴿ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ ، أي: من حصونهم.

﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ ، وهم المقاتلة، ﴿ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ﴾ ، وهم النساء والذراري.

﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ ، أي: لم تملكوها، اختلف في قوله: ﴿ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ : قال بعضهم: هي أرض مكة.

وقال بعضهم: هي أرض الشام وقراها.

وقال بعضهم: هي أرض خيبر، أي: سيورثكم الله إياها: فأما أرض مكة فقد فتحها وتركها في أيدي أهلها، وكذلك بلاد الشام وقراها.

وعن الحسن: هي أرض الروم وفارس وما فتح الله عليكم.

وأما خيبر فقد فتحها وقسمها بين من ذكرنا وجعلها فيئاً؛ فهو أشبه من غيره؛ ففيه أن من يخلف في ملك غيره وصفا ملكه للآخر وانتقل إليه يسمى: وارثاً بموت أو بغيره؛ حيث قال: ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ...

﴾ الآية، وكذلك ما قال: ﴿ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ...

 ﴾ إلى كذا، وقوله: ﴿ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ ﴾ \[المؤمنون: 11\]، أي: يبعثون فيها، ونحوه، وكقوله: ﴿ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: يبقى [له] ملك السماوات والأرض، أي: لا ينازع فيه.

وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ  ﴾ أي: نبقى فيها، والخلائق يفنون.

ثم الفائدة في ذكر هذا وأمثاله لنا، إذ هم قد شاهدوها وعاينوها، يخرج على وجوه: أحدها: تعريف لآخر هذه الأمة أن أوائلهم ما قاسوا وما تحملوا من الشدائد والبلايا في أمر هذا الدين، حتى بلغ هذا المبلغ؛ فنجتهد نحن كما اجتهد أولئك في حفظ هذا الدين وفي أمره.

والثاني: أمرهم بالتأهب مع العدوّ حتى أمروا بالخندق والتحصن بأشياء، ثم جاءهم الغوث من الله بغير الذي أمروا؛ ليكونوا أبداً متأهبين مستعدين لذلك، ولا يرجون النصر والظفر من ذلك الوجه، وذلك بفضل الله ونصره، على ما أخبر عنهم: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً...

﴾ الآية [التوبة: 25].

والثالث: ألا يؤيسهم خروج أنفسهم من أيديهم، وإحاطة العدو بهم، وكونهم في أيديهم من روح الله ورحمته وغوثه إياهم؛ لأن الخوف قد بلغ بهم المبلغ الذي ذكر؛ حيث قال: ﴿ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ .

وفيه دلالة إثبات الرسالة لرسول الله؛ لأنه وعد لهم النصر، فكان على ما وعد؛ ليعرفوا [صدقه] في كل ما يخبر ويعد.

﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، أراد: من فتح، أو نصر، أو غيره، ﴿ قَدِيراً ﴾ .

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: قتل، وقضى أجله، وأصل النحب: النذر؛ كأن قوماً نذروا: إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله، فقتلوا.

وقوله: ﴿ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ : حصونهم، وأصل الصياصي: قرون البقر؛ لأنها تمتنع بها، وتدفع عن أنفسها، فقيل للحصون: صياصي؛ لأنها تمنع، والواحدة: صِيصِيَة، وصيصية الديك: عرفه، والصيصية: خف صغير يحوك به الحائك، ويجمع هذا كله: صياصي.

والأحزاب: الفرق، واحدها: حزب، ويقال: حزبت القوم، أي: جمعتهم، وحزبتهم، أي: فرقتهم، وتحزب القوم: إذا اجتمعوا وصاروا حزباً حزباً، وتقول: هؤلاء حزبي، أي: أصحابي وشيعتي، وتقول: حازبني محازبة، أي: صاحبني مصاحبة.

وقوله: ﴿ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، أي: أن يكونوا في البادية مع الأعراب، رجل باد: قد نزل البادية، ﴿ يَوَدُّواْ  ﴾ أن يكونوا في البادية مع الأعراب.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ : هو ما يظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وردّ الله قريشًا وغطفان والذين معهم بكربهم وغمّهم لفوتهم ما أملوا، لم يظفروا بما أرادوا من استئصال المؤمنين، وكفى الله المؤمنين القتال معهم؛ بما أرسله من الريح وأنزله من الملائكة، وكان الله قويًّا عزيزًا لا يغالبه أحد إلا غلبه وخذله.

<div class="verse-tafsir" id="91.XaQZ7"

مزيد من التفاسير لسورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله