الآية ٢٩ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٢٩ من سورة الأحزاب

وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 150 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا أمر من الله لرسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن ، فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها ، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال ، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل ، فاخترن ، رضي الله عنهن وأرضاهن الله ورسوله والدار الآخرة ، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة .

قال البخاري : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن عائشة ، رضي الله عنها ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه ، فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إني ذاكر لك أمرا ، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك " ، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه .

قالت : ثم قال : " وإن الله قال : ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) إلى تمام الآيتين ، فقلت له : ففي أي هذا أستأمر أبوي ؟

فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة .

وكذا رواه معلقا عن الليث : حدثني يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، فذكره وزاد : قالت : ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت .

وقد حكى البخاري أن معمرا اضطرب ، فتارة رواه عن الزهري ، عن أبي سلمة ، وتارة رواه عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة .

وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن عبدة الضبي ، حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه قال : قالت عائشة : لما نزل الخيار قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني أريد أن أذكر لك أمرا ، فلا تقضي فيه شيئا حتى تستأمري أبويك " .

قالت : قلت : وما هو يا رسول الله ؟

قال : فرده عليها .

فقالت : فما هو يا رسول الله ؟

قالت : فقرأ عليها : ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ) إلى آخر الآية .

قالت : فقلت : بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة .

قالت : ففرح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا ابن وكيع ، حدثنا محمد بن بشر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : لما نزلت آية التخيير ، بدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا عائشة ، إني عارض عليك أمرا ، فلا تفتاتي فيه [ بشيء ] حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان " .

فقلت : يا رسول الله ، وما هو ؟

قال : " قال الله عز وجل : ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ) قالت : فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ، ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استقرأ الحجر فقال : " إن عائشة قالت كذا وكذا " فقلن : ونحن نقول مثل ما قالت عائشة ، رضي الله عنهن كلهن ورواه ابن أبي حاتم ، عن أبي سعيد الأشج ، عن أبي أسامة ، عن محمد بن عمرو ، به قال ابن جرير : وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة ، عن عائشة; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل إلى نسائه أمر أن يخيرهن ، فدخل علي فقال : " سأذكر لك أمرا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك " فقلت : وما هو يا نبي الله ؟

قال : " إني أمرت أن أخيركن " ، وتلا عليها آية التخيير ، إلى آخر الآيتين قالت : فقلت : وما الذي تقول لا تعجلي حتى تستشيري أباك ؟

فإني اختار الله ورسوله ، فسر بذلك ، وعرض على نسائه فتتابعن كلهن ، فاخترن الله ورسوله وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يزيد بن سنان البصري ، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، حدثني عقيل ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قالت عائشة ، رضي الله عنها : أنزلت آية التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه ، فقال : " إني ذاكر لك أمرا ، فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك " قالت : قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت : ثم قال : " إن الله قال : ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) الآيتين قالت عائشة : فقلت : أفي هذا أستأمر أبوي ؟

فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم خير نساءه كلهن ، فقلن مثل ما قالت عائشة ، رضي الله عنهن وأخرجه البخاري ومسلم جميعا ، عن قتيبة ، عن الليث ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة مثله وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن مسلم بن صبيح ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ، فلم يعدها علينا شيئا أخرجاه من حديث الأعمش وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ، حدثنا زكريا بن إسحاق ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : أقبل أبو بكر ، رضي الله عنه ، يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ببابه جلوس ، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس : فلم يؤذن له ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه ، وهو ساكت ، فقال عمر : لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك ، فقال عمر : يا رسول الله ، لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر - سألتني النفقة آنفا ، فوجأت عنقها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه وقال : " هن حولي يسألنني النفقة " فقام أبو بكر ، رضي الله عنه ، إلى عائشة ليضربها ، وقام عمر ، رضي الله عنه ، إلى حفصة ، كلاهما يقولان : تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن نساؤه : والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده قال : وأنزل الله ، عز وجل الخيار ، فبدأ بعائشة فقال : " إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك " قالت : وما هو ؟

قال : فتلا عليها : ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) الآية ، قالت عائشة ، رضي الله عنها : أفيك أستأمر أبوي ؟

بل أختار الله ورسوله ، وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت فقال : " إن الله تعالى لم يبعثني معنفا ، ولكن بعثني معلما ميسرا ، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها " انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري ، فرواه هو والنسائي ، من حديث زكريا بن إسحاق المكي ، به وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا سريج بن يونس ، حدثنا علي بن هاشم بن البريد ، عن محمد بن عبيد [ الله بن علي ] بن أبي رافع ، عن عثمان بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن علي ، رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه الدنيا والآخرة ، ولم يخيرهن الطلاق وهذا منقطع ، وقد روي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك وهو خلاف الظاهر من الآية ، فإنه قال : ( فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ) أي : أعطكن حقوقكن وأطلق سراحكن وقد اختلف العلماء في جواز تزويج غيره لهن لو طلقهن ، على قولين ، وأصحهما نعم لو وقع ، ليحصل المقصود من السراح ، والله أعلم قال عكرمة : وكان تحته يومئذ تسع نسوة ، خمس من قريش : عائشة ، وحفصة ، وأم حبيبة ، وسودة ، وأم سلمة ، وكانت تحته صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي النضرية ، وميمونة بنت الحارث الهلالية ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية ، رضي الله عنهن وأرضاهن [ ولم يتزوج واحدة منهن ، إلا بعد أن توفيت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته فآمنت به ونصرته ، وكانت له وزير صدق ، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين ، رضي الله عنها ، في الأصح ، ولها خصائص منها : أنه لم يتزوج عليها غيرها ، ومنها أن أولاده كلهم منها ، إلا إبراهيم ، فإنه من سريته مارية ، ومنها أنها خير نساء الأمة واختلف في تفضيلها على عائشة على ثلاثة أقوال ، ثالثها الوقف وسئل شيخنا أبو العباس بن تيمية عنهما فقال : اختصت كل واحدة منهما بخاصية ، فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام ، وكانت تسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبته ، وتسكنه ، وتبذل دونه مالها ، فأدركت غرة الإسلام ، واحتملت الأذى في الله وفي رسوله وكان نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة ، فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها وعائشة تأثيرها في آخر الإسلام ، فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة ، وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم ، ما ليس لغيرها هذا معنى كلامه ، رضي الله عنه ومن خصائصها : أن الله سبحانه بعث إليها السلام مع جبريل ، فبلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : أتى جبريل ، عليه السلام ، النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هذه خديجة ، قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فأقرئها السلام من ربها ومني ، وبشرها ببيت في الجنة ، من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب وهذه لعمر الله خاصة ، لم تكن لسواها وأما عائشة ، رضي الله عنها ، فإن جبريل سلم عليها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، فروى البخاري بإسناده أن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما : " يا عائشة ، هذا جبريل يقرئك السلام " فقلت : وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ، ترى ما لا أرى ، تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خواص خديجة ، رضي الله عنها : أنه لم تسؤه قط ، ولم تغاضبه ، ولم ينلها منه إيلاء ، ولا عتب قط ، ولا هجر ، وكفى بهذه منقبة وفضيلة ومن خواصها : أنها أول امرأة آمنت بالله ورسوله من هذه الأمة فلما توفاها الله تزوج بعدها سودة بنت زمعة ، رضي الله عنها ، وهي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن جبل بن عامر بن لؤي ، وكبرت عنده ، وأراد طلاقها فوهبت يومها لعائشة ، فأمسكها وهذا من خواصها : أنها آثرت بيومها حب النبي صلى الله عليه وسلم تقربا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحبا له ، وإيثارا لمقامها معه ، فكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة ، ويقسم لنسائه ، ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة ، لترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوج الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر ، رضي الله عنهما ، وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين ، وقيل : بثلاث ، وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى ، وهي بنت تسع ، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة ، وتوفيت بالمدينة ، ودفنت بالبقيع ، وأوصت أن يصلي عليها أبو هريرة سنة ثمان وخمسين ، ومن خصائصها : أنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، كما ثبت ذلك عنه في البخاري وغيره ، أنه سئل أي الناس أحب إليك ؟

قال : " عائشة " قيل : فمن الرجال ؟

قال : " أبوها " ومن خصائصها أيضا : أنه لم يتزوج بكرا غيرها ، ومن خصائصها : أنه كان ينزل عليه الوحي وهو في لحافها دون غيرها ومن خصائصها : أن الله ، عز وجل ، لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها ، فقال : " ولا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك " فقالت : أفي هذا أستأمر أبوي ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم ، وقلن كما قالت .

ومن خصائصها : أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك ، وأنزل في عذرها وبراءتها وحيا يتلى في محاريب المسلمين ، وصلواتهم إلى يوم القيامة ، وشهد لها أنها من الطيبات ، ووعدها المغفرة والرزق الكريم ، وأخبر سبحانه ، أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرا لها ، ولم يكن بذلك الذي قيل فيها شر لها ، ولا عيب لها ، ولا خافض من شأنها ، بل رفعها الله بذلك ، وأعلى قدرها وعظم شأنها ، وأصار لها ذكرا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء ، فيا لها من منقبة ما أجلها وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها ، حيث قالت : ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها ، فهذه صديقة الأمة ، وأم المؤمنين ، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي تعلم أنها بريئة مظلومة ، وأن قاذفيها ظالمون مفترون عليها ، قد بلغ أذاهم إلى أبويها ، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها ، فما ظنك بمن قد صام يوما أو يومين ، أو شهرا أو شهرين ، قد قام ليلة أو ليلتين ، فظهر عليه شيء من الأحوال ، ولاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات ، وأنهم ممن يتبرك بلقائهم ، ويغتنم بصالح دعائهم ، وأنهم يجب على الناس احترامهم وتعظيمهم وتعزيزهم وتوقيرهم ، فيتمسح بأثوابهم ، ويقبل ثرى أعتابهم ، وأنهم من الله بالمكانة التي تنتقم لهم لأجلها من تنقصهم في الحال ، وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال ، وإن إساءة الأدب عليهم ذنب لا يكفره شيء إلا رضاهم ولو كان هذا من وراء كفاية لهان ، ولكن من وراء تخلف ، وهذه الحماقات والرعونات نتاج الجهل الصميم ، والعقل غير المستقيم ، فإن ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه ، غافل عن جرمه وعيوبه وذنوبه ، مغتر بإمهال الله له عن أخذه بما هو فيه من الكبر والازدراء على من لعله عند الله خير منه ، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة ، وينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيما ، وهو عند الله حقير ، ومن خصائص عائشة ، رضي الله عنها : أن الأكابر من الصحابة ، رضي الله عنهم ، كان إذا أشكل الأمر عليهم من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها ومن خصائصها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتها ومن خصائصها : أن الملك أرى صورتها للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوجها في خرقة حرير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن يكن هذا من عند الله يمضه " ومن خصائصها : أن الناس كانوا يتحرون هداياهم يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم تقربا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه ، رضي الله عنهم أجمعين ، وتكنى أم عبد الله ، وروي أنها أسقطت من النبي صلى الله عليه وسلم سقطا ، ولا يثبت ذلك وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب ، وكانت قبله عند حبيش بن حذافة ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن شهد بدرا ، توفيت سنة سبع ، وقيل : ثمان وعشرين ، ومن خواصها : ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في السيرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها ، فأتاه جبريل فقال : إن الله يأمرك أن تراجع حفصة ، فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة وقال الطبراني في المعجم الكبير : حدثنا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى ، حدثنا جدي حرملة ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا عمرو بن صالح الحضرمي ، عن موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه ، عن عقبة بن عامر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ، فوضع التراب على رأسه ، وقال : ما يعبأ الله بابن الخطاب بعد هذا فنزل جبريل ، عليه السلام ، على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ، واسمها رملة بنت صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة ، فتنصر بالحبشة ، وأتم الله لها الإسلام ، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بأرض الحبشة ، وأصدقها عند النجاشي أربعمائة دينار ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري بها إلى أرض الحبشة ، وولى نكاحها عثمان بن عفان ، وقيل : خالد بن سعيد بن العاص ، وهي التي أكرمت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس عليه أبوها لما قدم أبو سفيان المدينة ، وقالت له : إنك مشرك ، ومنعته الجلوس عليه وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد ، توفيت سنة اثنتين وستين ، ودفنت بالبقيع ، وهي آخر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم موتا ، وقيل : بل ميمونة ، ومن خصائصها : أن جبريل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي عنده فرأته في صورة دحية الكلبي ففي صحيح مسلم عن أبي عثمان قال : أنبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعنده أم سلمة ، فقال : فجعل يتحدث ، ثم قام فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة : " من هذا ؟

" أو كما قال قالت : هذا دحية الكلبي قالت : وايم الله ، ما حسبته إلا إياه ، حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ، يخبر أنه جبريل ، أو كما قال ، قال سليمان التيمي : فقلت لأبي عثمان : ممن سمعت هذا الحديث ؟

قال : من أسامة بن زيد وزوجها ابنها - عمر - من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وردت طائفة ذلك بأن ابنها لم يكن له من السن حينئذ ما يعقد التزويج ، ورد الإمام أحمد ذلك ، وأنكر على من قاله ، ويدل على صحة قول أحمد ما رواه مسلم في صحيحه أن عمر بن أبي سلمة - ابنها - سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم ؟

فقال : " سل هذه " يعني : أم سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ، فقال : لسنا كرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يحل الله لرسوله ما شاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني أتقاكم لله وأعلمكم به " أو كما قال ومثل هذا لا يقال لصغير جدا ، وعمر ولد بأرض الحبشة قبل الهجرة وقال البيهقي : وقول من زعم أنه كان صغيرا ، دعوى ولم يثبت صغره بإسناد صحيح وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من بني خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب ، وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة ، فطلقها فزوجه الله إياها من فوق سبع سماوات ، وأنزل عليه : ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) فقام فدخل عليها بلا استئذان ، وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقول : زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماواته ، وهذا من خصائصها توفيت بالمدينة سنة عشرين ، ودفنت بالبقيع وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية ، وكانت تحت عبد الله بن جحش ، تزوجها سنة ثلاث من الهجرة ، وكانت تسمى أم المساكين ، ولم تلبث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا ، شهرين أو ثلاثة ، وتوفيت ، رضي الله عنها وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق ، وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق ، فوقعت في سهم ثابت بن قيس ، فكاتبها ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها ، وتزوجها سنة ست من الهجرة ، وتوفيت سنة ست وخمسين ، وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق ، وقالوا : أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك من بركتها على قومها وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي ، من ولد هارون بن عمران أخي موسى ، سنة سبع ، فإنها سبيت من خيبر ، وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق ، فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، توفيت سنة ست وثلاثين ، وقيل : سنة خمسين ومن خصائصها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها قال أنس : أمهرها نفسها ، وصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة ، ويجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها ، وتصير زوجته على منصوص الإمام أحمد ، رحمه الله قال الترمذي : حدثنا إسحاق بن منصور ، وعبد بن حميد ، قالا حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن ثابت ، عن أنس قال : بلغ صفية أن حفصة قالت : صفية بنت يهودي ، فبكت ، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال : " ما يبكيك ؟

" قالت : قالت لي حفصة : إني ابنة يهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي ، وإنك لتحت نبي ، فبما تفخر عليك ؟

" ثم قال : " اتق الله يا حفصة " قال الترمذي : هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه وهذا من خصائصها ، رضي الله عنها وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث الهلالية ، تزوجها بسرف وهو على تسعة أميال من مكة ، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين ، توفيت سنة ثلاث وستين ، وهي خالة خالد بن الوليد ، وخالة ابن عباس ، فإن أمه أم الفضل بنت الحارث وهي التي اختلف في نكاح النبي صلى الله عليه وسلم لها هل نكحها حلالا أو محرما ؟

والصحيح إنما تزوجها حلالا كما قال أبو رافع الشفير في نكاحها قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره : وعقد على سبع ولم يدخل بهن ، فالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهن وتحريمهن على الأمة ، وأنهن نساؤه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، فمن فارقها في حياتها ولم يدخل ، لا يثبت لها أحكام زوجاته اللاتي دخل بهن صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وذريته وسلم تسليما ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

(وَإنْ كُنْتُنَّ تُردْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) يقول: وإن كنتن تردن رضا الله ورضا رسوله وطاعتهما فأطعنهما.(فَإنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ) وهن العاملات منهنّ بأمر الله وأمر رسوله (أجْرًا عظِيما) .

وذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من عرض الدنيا، إما زيادة في النفقة، أو غير ذلك، فاعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا، فيما ذكر، ثم أمره الله أن يخيرهنّ بين الصبر عليه، والرضا بما قسم لهنّ، والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتِّعهنّ ويفارقهنّ إن لم يرضين بالذي يقسم لهن.

وقيل: كان سبب ذلك غيرة كانت عائشة غارتها.

ذكر الرواية بقول من قال: كان ذلك من أجل شيء من النفقة وغيرها.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج صلوات، فقالوا: ما شأنه؟

فقال عمر: إن شئتم لأعلمنّ لكم شأنه، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجعل يتكلم ويرفع صوته، حتى أذن &; 20-252 &; له، قال: فجعلت أقول في نفسي أيّ شيء أكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، أو كلمة نحوها، فقلت: يا رسول الله، لو رأيت فلانة وسألتني النفقة فصككتها صكة، فقال: ذلكَ حَبَسَنِي عَنكُمْ.

قال: فأتى حفصة، فقال: لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما كانت لك من حاجة فإليّ، ثم تتبع نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجعل يكلمهنّ، فقال لعائشة: أيغرّك أنك امرأة حسناء، وأن زوجك يحبك؟

لتنتهينَّ، أو لينـزلنّ فيك القرآن، قال: فقالت أمّ سلمة: يا ابن الخطَّاب، أوَ ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين نسائه، ولن تسأل المرأة إلا لزوجها؟

قال: ونـزل القرآن (يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إنْ كُنْتنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيا وَزِينَتَهَا ...) إلى قوله (أجْرًا عَظِيمًا) قال: فبدأ بعائشة فخيرها، وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدأت بأحد من نسائك قبلي؟

قال: " لا ".

قالت: فإني أختار الله ورسوله، والدار الآخرة، ولا تخبرهنّ بذلك.

قال: ثم تتبعهنّ.

فجعل يخيرهنّ ويقرأ عليهنّ القرآن، ويخبرهن بما صنعت عائشة، فتتابعن على ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا ...) إلى قوله (أجْرًا عَظيمًا) قال: قال الحسن وقَتادة: خيرهنّ بين الدنيا والآخرة والجنة والنار، في شيء كنّ أردنه من الدنيا، وقال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قُرَيش: عائشة، وحفصة، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي أميَّة، وكانت تحته صفية ابنة حُييّ الخَيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجُوَيرية بنت الحارث من بني المصطلق، وبدأ بعائشة، فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة، رُئي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتابعن كلهنّ على ذلك، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة، في قول الله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ...) إلى قوله (عَظِيمًا) قالا أمره الله أن يخيرهنّ بين الدنيا والآخرة، والجنة والنار.

قال قتادة: وهي غيرة من عائشة في شيء أرادته من الدنيا، وكان تحته تسع نسوة: عائشة، وحفصة، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي أميَّة، وزينب بنت جحش، &; 20-253 &; وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجُوَيرية بنت الحارث من بني المصطلق، وصفية بنت حُييّ بن أخطب، فبدأ بعائشة، وكانت أحبهنّ إليه، فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة، رئي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتابعن على ذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة قال: لما اخترن الله ورسوله شكرهنّ الله على ذلك فقال لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ فقصره الله عليهنّ، وهنّ التسع اللاتي اخترن الله ورسوله.

* ذكر من قال ذلك من أجل الغيرة: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ...

الآية، قال: كان أزواجه قد تغايرن على النبي صلى الله عليه وسلم، فهجرهنّ شهرا، نـزل التخيير من الله له فيهنّ(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) فقرأ حتى بلغ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى فخيرهنّ بين أن يخترن أن يخلي سبيلهن ويسرّحهنّ، وبين أن يقمن إن أردْن الله ورسوله على أنهنّ أمَّهات المؤمنين، لا ينكحن أبدا، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهنّ، لمن وهبت نفسها له؛ حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ويرجي من يشاء حتى يكون هو يرفع رأسه إليها ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل، فلا جناح عليه، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ إذا علمن أنه من قضائي عليهن، إيثار بعضهن على بعض، (أَدْنَى أَنْ يَرْضَيْنَ) قال: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ من ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه، فخيرهنّ، بين أن يرضين بهذا، أو يفارقهنّ، فاخترن الله ورسوله، إلا امرأة واحدة بدوية ذهبت، وكان على ذلك وقد شرط له هذا الشرط، ما زال يعدل بينهنّ حتى لقي الله.

حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: لما نـزل الخيار، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّي أُريدُ أنْ أذْكُرَ لَكِ أمْرًا فَلا تَقْضِي فِيهِ شَيْئا حتى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ".

قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟

قال: فردّه عليها.

فقالت: ما هو يا رسول الله؟

قال: فقرأ عليهنّ(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ...) إلى آخر الآية، قالت: قلت: بل نختار الله ورسوله، قالت: ففرح بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: لما نـزلت آية التخيير، بدأ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعائشة، فقال: " يا عائشة، إنّي عارضٌ عَلَيْكِ أمْرًا، فَلا تَفْتَاتي فِيهِ بشَيء حتى تَعْرِضِيهِ على أبَوَيْكِ أبي بَكْرٍ وأُمّ رُومانَ" فقالت: يا رسول الله وما هو؟

قال: " قال الله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) إلى (عَظِيمًا) فقلت: إني أريد الله ورسوله، والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبويّ أبا بكر وأمّ رومان، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقرأ الحُجَرَ فقال: " إن عائشة قالت كذا "، فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة .

حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، لما نـزل إلى نسائه أُمر أن يخيرهنّ، فدخل عليّ فقال: " سأذكر لَكِ أمْرًا وَلا تَعْجَلِي حَتى تَسْتَشِيرِي أباك ".

فقلت: وما هو يا نبيّ الله؟

قال: " إنّي أُمِرْتُ أنْ أُخَيِّرَكُنَّ".

وتلا عليها آية التخيير، إلى آخر الآيتين، قالت: قلت: وما الذي تقول؟

" لا تعجلي حتى تستشيري أباك؟"، فإني أختار الله ورسوله، فسُرَّ بذلك، وعرض على نسائه، فتتابعن كلهنّ، فاخترن الله ورسوله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني موسى بن عليّ، ويونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأني، فقال: " إنّي ذَاكِرٌ لَكِ أمْرًا، فَلا عَلَيْكِ ألا تَعْجلِي حتى تَسْتأْمِرِي أبَوَيْكِ" قالت: قد علم أن أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه.

قالت: ثمّ تلا هذه الآية (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَميلا) قالت: فقلت: ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ؟

فإني أريد الله ورسوله، والدار الآخرة.

قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت، فلم يكن ذلك حين قاله لهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترنه طلاقا؛ من أجل أنهنّ اخترنه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه على قولين : الأول : أنه [ ص: 156 ] خيرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق ، فاخترن البقاء ، قالته عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي وابن شهاب وربيعة .

ومنهم من قال : إنما خيرهن بين الدنيا فيفارقهن ، وبين الآخرة فيمسكهن ، لتكون لهن المنزلة العليا كما كانت لزوجهن ، ولم يخيرهن في الطلاق ، ذكره الحسن وقتادة .

ومن الصحابة علي فيما رواه عنه أحمد بن حنبل أنه قال : لم يخير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه إلا بين الدنيا والآخرة .قلت : القول الأول أصح ، لقول عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت : قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا في رواية : فاخترناه فلم يعده طلاقا ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق ، لذلك قال : يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك الحديث .

ومعلوم أنه لم يرد الاستئمار في اختيار الدنيا وزينتها على الآخرة .

فثبت أن الاستئمار إنما وقع في الفرقة ، أو النكاح .

والله أعلم .واختلف العلماء في المخيرة إذا اختارت زوجها ، فقال جمهور العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى : إنه لا يلزمه طلاق ، لا واحدة ولا أكثر ، هذا قول عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وعائشة .

ومن التابعين عطاء ومسروق وسليمان بن يسار وربيعة وابن شهاب .

وروي عن علي وزيد أيضا : إن اختارت زوجها فواحدة بائنة ، وهو قول الحسن البصري والليث ، وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك .

وتعلقوا بأن قوله : اختاري ، كناية عن إيقاع الطلاق ، فإذا أضافه إليها وقعت طلقة ، كقوله : أنت بائن .

والصحيح الأول ، لقول عائشة : خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم يعده علينا طلاقا .

أخرجه الصحيحان .

قال ابن المنذر : وحديث عائشة دل على أن المخيرة إذا اختارت زوجها لم يكن ذلك طلاقا ، ويدل على أن اختيارها نفسها يوجب الطلاق ، ويدل على معنى ثالث ، وهو أن المخيرة إذا اختارت نفسها أنها تطليقة يملك زوجها رجعتها ، إذ غير جائز أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما أمره الله .

وروي هذا عن عمر وابن مسعود وابن عباس .

وبه قال ابن أبي ليلى والثوري والشافعي .

وروي عن علي أنها إذا اختارت نفسها أنها واحدة بائنة .

وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .

ورواه ابن خويز منداد عن مالك .

وروي عن زيد بن ثابت أنها إذا اختارت [ ص: 157 ] نفسها أنها ثلاث .

وهو قول الحسن البصري ، وبه قال مالك والليث ؛ لأن الملك إنما يكون بذلك .

وروي عن علي رضي الله عنه أنها إذا اختارت نفسها فليس بشيء .

وروي عنه أنها إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية .ذهب جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء ، والقضاء ما قضت فيهما جميعا ، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة .

قال ابن شعبان : وقد اختاره كثير من أصحابنا ، وهو قول جماعة من أهل المدينة .

قال أبو عمر : وعلى هذا القول أكثر الفقهاء .

والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما ، وذلك أن التمليك عند مالك وهو قول الرجل لامرأته : قد ملكتك ، أي قد ملكتك ما جعل الله لي من الطلاق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ، فلما جاز أن يملكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك ، كان القول قوله مع يمينه إذا ناكرها .

وقالت طائفة من أهل المدينة : له المناكرة في التمليك وفي التخيير سواء في المدخول بها .

والأول قول مالك في المشهور .

وروى ابن خويز منداد .

عن مالك أن للزوج أن يناكر المخيرة في الثلاث ، وتكون طلقة بائنة كما قال أبو حنيفة .

وبه قال أبو الجهم .

قال سحنون : وعليه أكثر أصحابنا .وتحصيل مذهب مالك : أن المخيرة إذا اختارت نفسها وهي مدخول بها فهو الطلاق كله ، وإن أنكر زوجها فلا نكرة له .

وإن اختارت واحدة فليس بشيء ، وإنما الخيار البتات ، إما أخذته وإما تركته ؛ لأن معنى التخيير التسريح ، قال الله تعالى في آية التخيير : فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا فمعنى التسريح البتات ، قال الله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .

والتسريح بإحسان هو الطلقة الثالثة ، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم .

ومن جهة المعنى أن قوله : اختاريني أو اختاري نفسك يقتضي ألا يكون له عليها سبيل إذا اختارت نفسها ، ولا يملك منها شيئا ؛ إذ قد جعل إليها أن تخرج ما يملكه منها أو تقيم معه إذا اختارته ، فإذا اختارت البعض من الطلاق لم تعمل بمقتضى اللفظ ، وكانت بمنزلة من خير بين شيئين فاختار غيرهما .

وأما التي لم يدخل بها فله مناكرتها في التخيير والتمليك إذا زادت على واحدة ، لأنها تبين في الحال .واختلفت الرواية عن مالك متى يكون لها الخيار ، فقال مرة : لها الخيار ما دامت في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض .

فإن لم تختر ولم تقض شيئا حتى افترقا من مجلسهما بطل ما كان من ذلك إليها ، وعلى هذا أكثر الفقهاء .

وقال مرة : لها الخيار أبدا ما لم يعلم أنها تركت ، وذلك يعلم بأن تمكنه من نفسها بوطء أو مباشرة ، فعلى هذا إن [ ص: 158 ] منعت نفسها ولم تختر شيئا كان له رفعها على الحاكم لتوقع أو تسقط ، فإن أبت أسقط الحاكم تمليكها .

وعلى القول الأول إذا أخذت في غير ذلك من حديث أو عمل أو مشي أو ما ليس في التخيير بشيء كما ذكرنا سقط تخييرها .

واحتج بعض أصحابنا لهذا القول بقوله تعالى : فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره .

وأيضا فإن الزوج أطلق لها القول ليعرف الخيار منها ، فصار كالعقد بينهما ، فإن قبلته وإلا سقط ، كالذي يقول : قد وهبت لك أو بايعتك ، فإن قبل وإلا كان الملك باقيا بحاله .

هذا قول الثوري والكوفيين والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور ، وهو اختيار ابن القاسم ووجه الرواية الثانية أن ذلك قد صار في يدها ملكته على زوجها بتمليكه إياها فلما ملكت ذلك وجب أن يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها .قلت : وهذا هو الصحيح لقوله عليه السلام لعائشة : إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك رواه الصحيح ، وخرجه البخاري ، وصححه الترمذي .

وقد تقدم في أول الباب .

وهو حجة لمن قال : إنه إذا خير الرجل امرأته أو ملكها أن لها أن تقضي في ذلك وإن افترقا من مجلسهما ، روي هذا عن الحسن والزهري ، وقال مالك في إحدى روايتيه .

قال أبو عبيد : والذي عندنا في هذا الباب ، اتباع السنة في عائشة في هذا الحديث ، حين جعل لها التخيير إلى أن تستأمر أبويها ، ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجا من الأمر .

قال المروزي .

هذا أصح الأقاويل عندي ، وقاله ابن المنذر والطحاوي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ } أي: هذه الأشياء مرادكن، وغاية مقصودكن، وإذا حصل لَكُنَّ اللّه ورسوله والجنة، لم تبالين بسعة الدنيا وضيقها، ويسرها وعسرها، وقنعتن من رسول اللّه بما تيسر، ولم تطلبن منه ما يشق عليه، { فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } رتب الأجر على وصفهن بالإحسان، لأنه السبب الموجب لذلك، لا لكونهن زوجات للرسول فإن مجرد ذلك، لا يكفي، بل لا يفيد شيئًا، مع عدم الإحسان، فخيَّرهن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك، فاخترن اللّه ورسوله، والدار الآخرة، كلهن، ولم يتخلف منهن واحدة، رضي اللّه عنهن.وفي هذا التخيير فوائد عديدة:منها: الاعتناء برسوله، وغيرته عليه، أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية.ومنها: سلامته صلى اللّه عليه وسلم، بهذا التخيير من تبعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه، إن شاء أعطى، وإن شاء منع { مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ } ومنها: تنزيهه عما لو كان فيهن، من تؤثر الدنيا على اللّه ورسوله، والدار الآخرة، وعن مقارنتها.ومنها: سلامة زوجاته، رضي اللّه عنهن، عن الإثم، والتعرض لسخط اللّه ورسوله.فحسم اللّه بهذا التخيير عنهن، التسخط على الرسول، الموجب لسخطه، المسخط لربه، الموجب لعقابه.ومنها: إظهار رفعتهن، وعلو درجتهن، وبيان علو هممهن، أن كان اللّه ورسوله والدار الآخرة، مرادهن ومقصودهن، دون الدنيا وحطامها.ومنها: استعدادهن بهذا الاختيار، للأمر الخيار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يَكُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة.ومنها: ظهور المناسبة بينه وبينهن، فإنه أكمل الخلق، وأراد اللّه أن تكون نساؤه كاملات مكملات، طيبات مطيبات { وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ } ومنها: أن هذا التخيير داع، وموجب للقناعة، التي يطمئن لها القلب، وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص، وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه، وهمه وغمه.ومنها: أن يكون اختيارهن هذا، سببًا لزيادة أجرهن ومضاعفته، وأن يَكُنَّ بمرتبة، ليس فيها أحد من النساء، ولهذا قال:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ) سبب نزول هذه الآية أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - سألنه شيئا من عرض الدنيا ، وطلبن منه زيادة في النفقة ، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض ، فهجرهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآلى أن لا يقربهن شهرا ولم يخرج إلى أصحابه ، فقالوا : ما شأنه ؟

وكانوا يقولون : طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه ، فقال عمر لأعلمن لكم شأنه ، قال : فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله أطلقتهن ؟

قال : لا قلت : يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون : طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه ، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن ؟

قال : نعم إن شئت ، فقمت على باب المسجد وناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه ، فنزلت هذه الآية : " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " ( النساء - 83 ) ، فكنت أنا استنبطت ذاك الأمر ، وأنزل الله آية التخيير ، وكانت تحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ تسع نسوة خمس من قريش : وهم عائشة بنت أبي بكر الصديق ، وحفصة بنت عمر ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان ، وأم سلمة بنت أبي أمية ، وسودة بنت زمعة ، وغير القرشيات : زينب بنت جحش الأسدية ، وميمونة بنت الحارث الهلالية ، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية ، رضوان الله عليهن فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعائشة ، وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة ، فرئي الفرح في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعتها على ذلك .

قال قتادة : فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال : ( لا يحل لك النساء من بعد ) أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغفار بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أخبرنا مسلم بن الحجاج ، أخبرنا زهير بن حرب ، أخبرنا روح بن عبادة ، أخبرنا زكريا بن إسحاق ، أخبرنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال : دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فوجد الناس جلوسا ببابه ولم يؤذن لأحد منهم ، قال : فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن له فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا ، فقال : لأقولن شيئا أضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة ، فقمت إليها فوجأت عنقها ، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : هن حولي كما ترى يسألنني النفقة ، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها ، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها ، كلاهما يقول : لا تسألي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا أبدا ليس عنده ، ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين ، ثم نزلت الآية : ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) حتى بلغ : ( للمحسنات منكن أجرا عظيما ) قال : فبدأ بعائشة فقال : يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك ، قالت : وما هو يا رسول الله ؟

فتلا عليها الآية ، قالت : أفيك يا رسول الله استشير أبوي ؟

بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت ، قال : " لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها ، إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرا ، قال الزهري فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت : فلما مضت تسع وعشرون أعدهن دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : بدأ بي فقلت : يا رسول الله إنك أقسمت ألا تدخل علينا شهرا وإنك دخلت في تسع وعشرين أعدهن ؟

فقال : " إن الشهر تسع وعشرون " واختلف العلماء في هذا الخيار أنه هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار أم لا ؟

فذهب الحسن ، وقتادة ، وأكثر أهل العلم : إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق ، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن ، لقوله تعالى : ( فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ) بدليل أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه قال لعائشة : " لا تعجلي حتى تستشيري أبويك " ، وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور .

وذهب قوم إلى أنه كان تفويض الطلاق لو اخترن أنفسهن كان طلاقا .

واختلف أهل العلم في حكم التخيير : فقال عمر ، وابن مسعود ، وابن عباس : إذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء ، وإن اختارت نفسها يقع طلقة واحدة ، وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وابن أبي ليلى ، وسفيان ، والشافعي ، وأصحاب الرأي ، إلا عند أصحاب الرأي تقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها ، وعند الآخرين رجعية .

وقال زيد بن ثابت : إذا اختارت الزوج تقع طلقة واحدة ، وإذا اختارت نفسها فثلاث ، وهو قول الحسن وبه قال مالك .

وروي عن علي أيضا أنها إذا اختارت زوجها تقع طلقة واحدة وإن اختارت نفسها فطلقة بائنة .

وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عمر بن حفص ، أخبرنا أبي ، أخبرنا الأعمش ، أخبرنا مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن كنتنَّ تردن الله ورسوله والدار الآخرة» أي الجنة «فإن الله أعد للمحسنات منكن» بإرادة الآخرة «أجرا عظيما» أي الجنة: فاخترن الآخرة على الدنيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن كنتن تردْنَ رضا الله ورضا رسوله وما أعدَّ الله لكُنَّ في الدار الآخرة، فاصبرْنَ على ما أنتُنَّ عليه، وأطعن الله ورسوله، فإن الله أعد للمحسنات منكنَّ ثوابًا عظيمًا.

(وقد اخترن الله ورسوله، وما أعدَّ الله لهن في الدار الآخرة).

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَإِن كُنتُنَّ ) لا تردن ذلك ، وإنما ( تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ والدار الآخرة ) .أى : وإنما تردن ثواب الله - تعالى - والبقاء مع رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإيثار شظف الحياة على زينتها ، وإيثار ثواب الدار الآخرة على متع الحياة الدنيا .إن كنتن تردن ذلك فاعلمن أن ( الله ) - تعالى - ( أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ ) ، بسبب إيمانهن وإحسانهن ( أَجْراً عَظِيماً ) لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - .وبهذا التأديب الحكيم ، والإِرشاد القويم ، أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يؤدب نساءه ، وأن يرشدهن إلى ما فيه سعادتهن ، وأن يترك لهن حرية الاختيار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وجه التعلق هو أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله: الصلاة وما ملكت أيمانكم ثم إن الله تعالى لما أرشد نبيه إلى ما يتعلق بجانب التعظيم لله بقوله: ﴿ يا أيها النبى اتق الله  ﴾ ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة، ولهذا قدمهن في النفقة، وفي الآية مسائل فقهية منها أن التخيير هل كان واجباً على النبي عليه السلام أم لا؟

فنقول التخيير قولاً كان واجباً من غير شك لأنه إبلاغ الرسالة، لأن الله تعالى لما قال له قل لهم صار من الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا؟

والظاهر أنه للوجوب، ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يصير اختيارها فراقاً والظاهر أنه لا يصير فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿ فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ ومنها أن واحدة منهن إن اختارت نفسها وقلنا بأنها لا تبين إلا بإنابة من جهة النبي عليه السلام فهل كان يجب على النبي عليه السلام الطلاق أم لا؟

الظاهر نظراً إلى منصب النبي عليه السلام أنه كان يجب، لأن الخلف في الوعد من النبي غير جائز بخلاف واحد منا، فإنه لا يلزمه شرعاً الوفاء بما يعد ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا، والظاهر أنها لا تحرم، وإلا لا يكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا، ومنها أن من اختارت الله ورسوله كان يحرم على النبي عليه الصلاة والسلام طلاقها أم لا؟

الظاهر الحرمة نظراً إلى منصب الرسول عليه الصلاة والسلام على معنى أن النبي عليه السلام لا يباشره أصلاً، بمعنى أنه لو أتى به لعوقب أو عوتب، وفيها لطائف لفظية منها تقديم اختيار الدنيا، إشارة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام غير ملتفت إلى جانبهن غاية الالتفات وكيف وهو مشغول بعبادة ربه، ومنها قوله عليه السلام: ﴿ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ إشارة إلى ما ذكرنا، فإن السراح الجميل مع التأذي القوي لا يجتمع في العادة، فعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يتأثر من اختيارهن فراقه بدليل أن التسريح الجميل منه، ومنها قوله: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله ﴾ إعلاماً لهن بأن في اختيار النبي عليه السلام اختيار الله ورسوله والدار الآخرة وهذه الثلاثة هي الدين وقوله: ﴿ أَعَدَّ للمحسنات مِنكُنَّ ﴾ أي لمن عمل صالحاً منكن، وقوله: ﴿ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ والدار الأخرة ﴾ فيه معنى الإيمان، وقوله: ﴿ للمحسنات ﴾ لبيان الإحسان حتى تكون الآية في المعنى، كقوله تعالى: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ مَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صالحا  ﴾ وقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات  ﴾ والأجر العظيم الكبير في الذات الحسن في الصفات الباقي في الأوقات، وذلك لأن العظيم في الأجسام لا يطلق إلا على الزائد في الطول وفي العرض وفي العمق، حتى لو كان زائداً في الطول يقال له طويل، ولو كان زائداً في العرض يقال له عريض، وكذلك العميق، فإذا وجدت الأمور الثلاثة قيل عظيم، فيقال جبل عظيم إذا كان عالياً ممتداً في الجهات، وإن كان مرتفعاً فحسب يقال جبل عال، إذا عرفت هذا فأجر الدنيا في ذاته قليل وفي صفاته غير خال عن جهة قبح، لما في مأكوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيره من اللذات وغير دائم، وأجر الآخرة كثير خال عن جهات القبح دائم فهو عظيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أردن شيئاً من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة وتغايرن، فغم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت.

فبدأ بعائشة رضي الله عنها- وكانت أحبهنّ إليه- فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اختارت جميعهنّ اختيارها، فشكر لهنّ الله ذلك، فأنزل ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ﴾ [الأحزاب: 52] .

روي أنه قال لعائشة: «إنِّي ذاكرٌ لكَ أمراً، ولا عليك أنْ لا تعجلي فيه حتّى تستأمري أبويْكَ» ثم قرأَ عليها القرآنَ فقالَت: أفي هذا أستأمر أبويَّ، فإنِّي أريدُ الله ورسولَهُ والدارَ الآخرةَ.

وروي أنها قالت: لا تخبر أزواجك أنِّي اخترتك، فقال: «إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً» فإن قلت: ما حكم التخيير في الطلاق؟

قلت: إذا قال لها اختاري، فقالت: اخترت نفسي.

أو قال: اختاري نفسك، فقالت: اخترت، لابد من ذكر النفس في قول المخير أو المخيرة- وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه، واعتبروا أن يكون ذلك في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض، واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.

وعن الحسن وقتادة الزهري رضي الله عنهم: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره، وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بإجماع فقهاء الأمصار.

وعن عائشة رضي الله عنها: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ولم يعده طلاقاً.

وروي: أفكان طلاقاً.

وعن عليّ رضي الله عنه.

إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة وروي عنه أيضاً أنها إن اختارت زوجها فليس بشيء.

أصل تعال: أن يقوله من في المكان المرتفع، لمن في المكان المستوطيء، ثم كثر حتى استوت في استعماله الأمكنة.

ومعنى تعالين: أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد أمرين، ولم يرد نهوضهنّ إليه بأنفسهنّ.

كما تقول: أقبل يخاصمني، وذهب يكلمني.

وقام يهددني ﴿ أُمَتّعْكُنَّ ﴾ أعطكنّ متعة الطلاق.

فإن قلت: المتعة في الطلاق واجبة أم لا؟

قلت: المطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد، متعتها واجبة عند أبي حنيفة وأصحابه، وأما سائر المطلقات فمتعتهن مستحبة وعن الزهري رضي الله عنه: متعتان، إحداهما: يقضي بها السلطان: من طلق قبل أن يفرض ويدخل بها.

والثانية: حق على المتقين من طلق بعد ما يفرض ويدخل، وخاصمت امرأة إلى شريح في المتعة فقال: متعها إن كنت من المتقين ولم يجبره.

وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: المتعة حق مفروض.

وعن الحسن رضي الله عنه: لكل مطلقة متعة إلا المختلعة والملاعنة، والمتعة: درع وخمار وملحفة على حسب السعة والإقتار، إلا أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك، فيجب لها الأقل منهما.

ولا تنقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها.

فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ: ﴿ أمتعكنّ وأسرحكنّ ﴾ بالرفع؟

قلت: وجهه الاستئناف ﴿ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ من غير ضرار طلاقاً بالسنة ﴿ مِنكُنَّ ﴾ للبيان لا للتبعيض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ السِّعَةَ والتَّنَعُّمَ فِيها.

﴿ وَزِينَتَها ﴾ زَخارِفَها.

﴿ فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ ﴾ أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ.

﴿ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا ﴾ طَلاقًا مِن غَيْرِ ضِرارٍ وبِدْعَةٍ.

رُوِيَ أنَّهُنَّ سَألْنَهُ ثِيابَ الزِّينَةِ وزِيادَةَ النَّفَقَةِ فَنَزَلَتْ.

فَبَدَأ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَخَيَّرَها فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ اخْتارَتِ الباقِياتُ اخْتِيارَها فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُنَّ ذَلِكَ فَأنْزَلَ ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ﴾ وتَعْلِيقُ التَّسْرِيحِ بِإرادَتِهِنَّ الدُّنْيا وجَعْلِها قَسِيمًا لِإرادَتِهِنَّ الرَّسُولَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُخَيَّرَةَ إذا اخْتارَتْ زَوْجَها لَمْ تُطَلَّقْ خِلافًا لِزَيْدٍ والحَسَنِ ومالِكٍ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ  فاخْتَرْناهُ» .

ولَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا وتَقْدِيمُ التَّمَتُّعِ عَلى التَّسْرِيحِ المُسَبَّبِ عَنْهُ مِنَ الكَرَمِ وحُسْنِ الخُلُقِ.

قِيلَ لِأنَّ الفُرْقَةَ كانَتْ بِإرادَتِهِنَّ كاخْتِيارِ المُخَيَّرَةِ نَفْسَها فَإنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ عِنْدَنا وبائِنَةٌ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، واخْتُلِفَ في وُجُوبِهِ لِلْمَدْخُولِ بِها ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقُرِئَ «أُمَتِّعُكُنَّ وأُسَرِّحُكُنَّ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

﴿ وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ الدُّنْيا وزَيَّنْتُها ومِن لِلتَّبْيِينِ لِأنَّهُنَّ كُلَّهُنَّ كُنَّ مُحْسِناتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن} من البيان لا للتبعيض {أجرا عظيما}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ إلَخْ، لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما سَمِعْتَ.

وقالَ الإمامُ: إنَّ التَّقْدِيمَ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّبِيَّ  غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلى الدُّنْيا، ولَذّاتِها غايَةَ الِالتِفاتِ، وذَكَرَ أنَّ في وصْفِ السَّراحِ بِالجَمِيلِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ أيْضًا، ومَعْنى ( إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ) إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ رَسُولَ اللَّهِ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْإيذانِ بِجَلالَةِ مَحَلِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَهُ تَعالى، ﴿ والدّارَ الآخِرَةَ ﴾ أيْ نَعِيمَها الباقِيَ الَّذِي لا قَدْرَ عِنْدَهُ لِلدُّنْيا وما فِيها، ﴿ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ ﴾ أيْ هَيَّأ، ويَسَّرَ ﴿ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ ﴾ بِمُقابَلَةِ إحْسانِهِنَّ ﴿ أجْرًا ﴾ لا تُحْصى كَثْرَتُهُ ﴿ عَظِيمًا ﴾ لا تُسْتَقْصى عَظَمَتُهُ، و(مِن) لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ كُلَّهُنَّ كُنَّ مُحْسِناتٍ.

وقِيلَ: ويَجُوزُ فِيهِ التَّبْعِيضُ عَلى أنَّ المُحْسِناتِ المُخْتاراتُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واخْتِيارُ الجَمِيعِ لَمْ يُعْلَمْ وقْتُ النُّزُولِ، وهو عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعِيدٌ، وجَوابُ ( إنْ ) في الظّاهِرِ ما قُرِنَ بِالفاءِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: الماضِي فِيهِ بِمَعْنى المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِقْبالِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَهُ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ نَحْوَ: تُثَبْنَ، أوْ تَنُلْنَ خَيْرًا، وما ذَكَرَ دَلِيلُهُ، وتَجْرِيدُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى عَنِ الوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ مَعْنى التَّخْيِيرِ والِاحْتِرازِ عَنْ شائِبَةِ الإكْراهِ، قِيلَ: وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ التَّمْتِيعِ عَلى التَّسْرِيحِ، ووَصْفِ التَّسْرِيحِ بِالجَمِيلِ.

هَذا واخْتُلِفَ فِيما وقَعَ مِنَ التَّخْيِيرِ هَلْ كانَ تَفْوِيضُ الطَّلاقِ إلَيْهِنَّ حَتّى يَقَعَ الطَّلاقُ بِنَفْسِ الِاخْتِيارِ أوْ لا، فَذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وهو الظّاهِرُ إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَفْوِيضَ الطَّلاقِ، وإنَّما كانَ تَخْيِيرًا لَهُنَّ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، عَلى أنَّهُنَّ إنْ أرَدْنَ الدُّنْيا فارَقَهُنَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ ﴾ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ كانَ تَفْوِيضًا لِلطَّلاقِ إلَيْهِنَّ حَتّى لَوْ أنَّهُنَّ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ كانَ ذَلِكَ طَلاقًا، وكَذا اخْتُلِفَ في حُكْمِ التَّخْيِيرِ بِأنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: اخْتارِي، فَتَقُولُ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، أوِ اخْتارِي نَفْسَكِ، فَتَقُولُ: اخْتَرْتُ، فَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: أنَّهُ يَقَعُ الطَّلاقُ الثَّلاثُ، وبِهِ أخَذَ مالِكٌ في المَدْخُولِ بِها، وفي غَيْرِها يُقْبَلُ مِنَ الزَّوْجِ دَعْوى الواحِدَةِ، وعَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ يَقَعُ واحِدَةً رَجْعِيَّةً وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنِ أبِي لَيْلى، وسُفْيانَ، وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ.

وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أنَّهُ يَقَعُ واحِدَةً بائِنَةً.

ورَوى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأيْضًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وبِذَلِكَ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، فَإنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: أنَّهُ تَقَعُ طَلْقَةٌ واحِدَةٌ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ رِوايَتانِ إحْداهُما أنَّهُ تَقَعُ واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، والأُخْرى أنَّهُ لا يَقَعُ شَيْءٌ أصْلًا، وعَلَيْهِ فُقَهاءُ الأمْصارِ.

وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ المَرْوِيَّ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ اخْتِصاصُ التَّخْيِيرِ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا غَيْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ.

واخْتُلِفَ في مُدَّةِ مِلْكِ الزَّوْجَةِ الِاخْتِيارَ إذا قالَ لَها الزَّوْجُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: تَمْلِكُهُ ما دامَتْ في المَجْلِسِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

وبِهِ قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، وسُفْيانُ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وقِيلَ: تَمْلِكُهُ في المَجْلِسِ، وفي غَيْرِهِ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ نَصْرٍ، وحَكاهُ صاحِبُ المُغْنِي عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وفِي بَلاغاتِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قائِلٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى المَجْلِسِ كَقَوْلِ الجَماعَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وما لِكُلٍّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، وما عَلَيْهِ يُطْلَبُ مِن كُتُبِ الفُرُوعِ كَشُرُوحِ الهِدايَةِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها بَيْدَ أنِّي أقُولُ: كَوْنُ ما في الآيَةِ هو المَسْألَةُ المَذْكُورَةُ في الفُرُوعِ الَّتِي وقَعَ الِاخْتِلافُ فِيها مِمّا لا يَكادُ يَتَسَنّى، وتَأْوِيلُ الخَفاجِيِّ اسْتِدْلالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِها في هَذا المَقامِ بِما لا يَخْلُو عَنْ كَلامٍ عِنْدَ ذَوِي الأفْهامِ.

هَذا وذَكَرَ الإمامُ في الكَلامِ عَلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِدَّةَ مَسائِلَ: الأُولى أنَّ التَّخْيِيرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلًا كانَ واجِبًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا شَكٍّ، لِأنَّهُ إبْلاغُ الرِّسالَةِ، وأمّا مَعْنًى فَكَذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ.

الثّانِيَةُ أنَّهُ لَوْ أرَدْنَ كُلُّهُنَّ أوْ إحْداهُنَّ الدُّنْيا، فالظّاهِرُ نَظَرًا إلى مَنصِبِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّمْتِيعُ والتَّسْرِيحُ، لِأنَّ الخُلْفَ في الوَعْدِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرُ جائِزٍ.

الثّالِثَةُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا تَحْرُمُ المُخْتارَةُ بَعْدَ البَيْنُونَةِ عَلى غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإلّا لا يَكُونُ التَّخْيِيرُ مُمْكِنًا مِنَ التَّمَتُّعِ بِزِينَةِ الدُّنْيا.

الرّابِعَةُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَنِ اخْتارَتِ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَحْرُمُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَظَرًا إلى مَنصِبِهِ الشَّرِيفِ طَلاقُها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وذلك أنه رأى منهن الميل إلى الدنيا، وطلبن منه فضل النفقة إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها يعني: وزهرتها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ متعة الطلاق وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا يعني: أطلقكن طلاق السنة من غير إضرار.

قوله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: تطلبن رضي الله ورضى رسوله وَالدَّارَ الْآخِرَةَ يعني: الجنة فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً يعني: ثواباً جزيلاً في الجنة.

فاعتزل النبيّ  نساءه شهراً.

فلما نزلت هذه الآية، جمع نساءه.

فبدأ بعائشة فقال: «يا عَائِشَةُ إنِّي أُرِيدُ أنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أمْراً أُحِبُّ أَنْ لا تَعْجَلي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ» .

قالت: وما هو يا رسول الله؟

فتلا عليها الآية.

فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟

بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة.

ثم خيّر نساءه فاخترنه سائر النساء.

ثم قال عز وجل: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني الزنى يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ يعني: تعاقب مثلي ما يعاقب غيرها.

ويقال: الجلد والرجم، وهذا قول الكلبي.

ويقال: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني: بمعصية، يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضعفين.

لأن كرامتهن كانت أكثر.

فجعل العقوبة عليهن أشد.

وهذا كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: يغفر للجاهل سبعون ما لا يغفر للعالم واحد.

ثم قال: وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني: هيّناً.

قرأ ابن كثير وعاصم في إحدى الروايتين مُبَيِّنَةٍ بنصب الياء.

وقرأ الباقون: بالكسر.

وقرأ ابن كثير وابن عامر: نُضَعِّفْ بالنون وتشديد العين، - لها العذابَ- بنصب الباء، ومعناه: لها العذاب.

وقرأ أبو عمرو: يضعّف بالياء والتشديد وضم الباء في العذاب على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون: يُضاعَفْ وهما لغتان.

والعرب تقول: تضعف الشيء وضاعفه.

ثم قال: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أي: تطع منكن الله ورسوله وَتَعْمَلْ صالِحاً يعني: تعمل بالطاعات فيما بينها وبين ربّها نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ يعني: ثوابها ضعفين وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً يعني: ثواباً حسناً في الجنة.

قرأ حمزة والكسائي: وَيَعْمَلْ صالحا بالياء.

وقرأ الباقون بالتاء.

فمن قرأ بالياء فللفظ مَنْ لأن لفظها لفظ واحد مذكر.

كما اتفقوا في قوله: وَمَنْ يَقْنُتْ.

ومن قرأ بالياء ذهب إلى المعنى، وصار منكن فاصلاً بين الفعلين.

وقرأ حمزة والكسائي يؤتها بالياء يعني: يؤتها الله.

وقرأ الباقون بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه.

ثم قال عز وجل: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ يعني: لستنّ كسائر النساء.

فقال: لستن كأحد.

ولم يقل: كواحد.

لأن لفظ الأحد يصلح للواحد والجماعة، وأما لفظ الواحد لا يصلح إلا للواحد.

ثم قال عز وجل: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ يعني: إن اتقيتن المعصية وأطعتن الله ورسوله فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يعني: لا تلنَّ بالقول.

ويقال: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فأنتن أحق الناس بالتقوى وتم الكلام.

ثم قال: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يعني: لا ترفقن بالقول وهو اللين من الكلام.

ومعلوم أن الرجل إذا أتى باب إنسان والرجل غائب، فلا يجوز للمرأة أن تلين القول معه.

ثم قال: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ يعني: فجوز.

وقال عكرمة هو شهوة الزنى.

ويقال: الميل إلى المعصية وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً يعني: صحيحاً جميلاً.

ويقال: قولاً حسناً يعني: ليناً.

ويقال: لا يقلن باللين فيفتن، ولا بالخشن فتؤذين وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً بين ذلك.

قال عز وجل: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ قرأ نافع وعاصم وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ بالنصب.

والباقون: بالكسر.

فمن قرأ بالكسر فمعناه: اسكن في بيوتكنَّ بالوقار.

وهو من وقر يقر وقاراً.

ويقال: هو من التقرير.

ويقال: قر يقر وأصلهُ قررن.

ولكن المضاعف يراد به التخفيف.

فحذف إحدى الراءين للتخفيف.

فلما طرحوا إحدى الراءين، استثقلوا الألف ولم تكن أصلية، وإنما دخلت للوصل.

فحذفت الألف.

ومن قرأ وَقَرْنَ بنصب القاف لا يكون إلا للتقرير.

ثم قال: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى يعني: لا تتزين كتزين الجاهلية الأولى.

والتبرج إظهار الزينة.

ويقال: التبرج: الخروج من المنزل.

والْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قال الكلبي: يعني: الأزمنة التي ولد فيها إبراهيم-  -.

فكانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتخذ الدروع من اللؤلؤ، ثم تمشي وسط الطريق.

وكان ذلك في زمن النمرود الجبار.

وروي عن الحكم بن عيينة قال الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى كانت بين نوح وآدم- عليهما السلام-.

وكانت نساؤهم أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان.

وكانت المرأة تريد الرجل على نفسها.

وروى عكرمة عن ابن عباس أن الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى كانت بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة.

وقال مقاتل: الجاهلية الأولى كانت قبل خروج النبيّ  .

وإنما سمى جاهلية الأولى لأنه كان قبله.

ثم قال: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ يعني: أتممن الصلوات الخمس وَآتِينَ الزَّكاةَ يعني: إن كان لكن مال وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما ينهاكن وفيما يأمركن إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ يعني: الإثم.

وأصله في اللغة كل خبيث من المأكول وغيره.

أَهْلَ الْبَيْتِ يعني: يا أهل البيت وإنما كان نصباً للنداء.

ويقال: إنما صار نصباً للمدح.

ويقال: صار نصباً على جهة التفسير، فكأنه يقول: أعني أهل البيت.

وقال: عَنْكُمُ بلفظ التذكير، ولم يقل: عنكن لأن لفظ أهل البيت يصلح أن يذكر ويؤنث.

قوله وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً يعني: من الإثم والذنوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الملك من فوق سبعة أرقعة» فأمر صلى الله عليه وسلّم بِرِجَالِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقِهُمْ، وَفِيهِمْ «١» حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضِيرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَدْخَلَهُمْ فِي الْغَدْرِ، وظاهَرُوهُمْ: معناه: عاوَنُوهم، و «الصياصي» : الحُصُون، واحدُها صيصيةٍ وهي كل ما يَتَمَنَّعُ به، ومنه يقال لقرون البقر:

الصياصي، والفريقُ المقتولُ: الرجالُ، والفريقُ المأسور: العيالُ والذُّرِّيَّة.

وقوله سبحانه: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها يريد بها: البلاد التي فتحت على المسلمين بعدُ كالعراقِ والشامِ واليمنِ وغيرها، فوعَدَ الله تعالى بها عند فتح حصون بني قريظة، وأخبر أنه قد قضى بذلك.

قاله عكرمة «٢» .

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢)

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...

الآية، ذَكَرَ جُلُّ المفسرين أن أزواج النّبي صلى الله عليه وسلّم سَأَلْنَه شَيْئاً من عَرَضِ الدنيا، وآذَيْنَه بزيادة النَفَقَة والغَيْرَة، فَهَجَرَهُنَّ وآلى أَلاَّ يقربَهن شَهْراً، فنزلت هذه الآية، فبدأَ بعائشة، وقال:

«يا عَائشَةُ، إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً وَلاَ عَلَيْكِ أَلاَّ تَعْجَلِي حتى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ تَلاَ عَلَيْهَا الآيةَ، فَقَالَتْ لَهُ: وَفِي أَيِّ هَذَا أُسْتَأْمِرُ «٣» أَبَوَيَّ؟

فَإنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرة، قَالَتْ «٤» : وَقَدْ علِمَ أَن أَبَوَيَّ لاَ يَأْمُرَانِي بفراقه، ثمّ تتابع أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلّم على مثل قول

عَائِشَةَ، فاخترن اللهَ وَرَسُولَهُ- رَضِيَ «١» الله عنهن.

قالتْ فِرْقَةٌ قَوْله: بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعَاصِي ولزمهنَّ رضي الله عنهنَّ بحَسْبِ مَكَانَتُهُنَّ، أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمَ غيرَهن، فَضُوعِفَ لهنَّ الأجْرُ والعذابُ.

وقوله: ضِعْفَيْنِ معناه: يكونُ العذابُ عذابَين، أي: يضاف إلى عذابِ سائِر النَّاس عذابٌ آخر مثله، ويَقْنُتْ: معناه: يُطِيعُ ويَخْضَعُ بالعبُوديَّة قاله الشعبي «٢» وقتادة «٣» .

والرزقُ الكريمُ: الجنة.

ثم خاطَبَهُنَّ اللهُ سبحانه بأنّهنّ لَسْنَ كأحدٍ مِن نساءِ عَصْرِهنَّ فَمَا بَعْدُ، بَلْ هُنَّ أَفْضَلُ بشرطِ التَّقْوَى، وإنما خصصنا النساء لأَن فيمن تقدم آسية ومريم فتأملْهُ وقد أشار إلى هذا قتادة.

ثم نَهَاهُنَّ سبحانه عما كانت الحالُ عليه في نساء العرَب من مكالَمَةِ الرجال برَخيمِ القولِ وفَلا تَخْضَعْنَ معناه: لا تُلِنَّ.

قال ابن زيد: خضع القول ما يدخل في القلوب الغزل «٤» والمرضُ في هذه الآية قال قتادة: هو النفاق «٥» .

وقال عكرمة: الفِسْق «٦» والغزل، والقولُ المعروفُ هو الصوابُ الذي لا تنكره الشريعةُ ولا النفوسُ.

وقرأ الجمهور: «وقِرْن» - بكسر القَافِ-، وقرأ نافعُ وعاصِمُ:

«وقَرْن» - بالفتح «٧» -، فأما الأولى فيصح أن تكونَ من الوَقار، ويصحُّ أن تَكُونَ من القَرَارِ، وأما قراءة الفتح فعلى لغة العرب قَرِرْتُ- بِكَسْرِ الرَّاءِ- أَقِرَ- بفتح القاف في المكان/، وهي لغة ذكرها أبو عبيد في «الغريب» المصنف وذكرها الزجاج «٨» وغيره، ٧٤ أفأمر الله تعالى في هذه الآية نسَاءَ النَّبِي صلى الله عليه وسلّم بملازمة بيوتهن، ونهاهنّ عن التبرج

والتبرّج إظهار الزينة والتصنّع بها، ومنه البروج لظهُورها وانكشافِها للعيون، واخْتَلَفَ الناسُ في الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى فقالَ الشعبي: ما بين عيسى ومحمد- عليهما السلام- «١» ، وقيل: غيرُ هذا.

قال ع «٢» : والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فَأَمِرْنَ بالنَّقْلَةِ عن سِيرَتِهنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْل الشَّرْعِ مِن سِيرةِ الكَفَرَةِ، وجَعْلِها أولى بالإضافة إلى حالةِ الإسْلام، وليس المعنى.

أن ثمّ جاهلية آخرة، والرِّجْسَ اسم يقعُ على الإثم وعلى العذابِ وعلى النَجَاسَات والنقائِص، فأذْهَبَ الله جميعَ ذلك عن أهْل البَيْتِ، قالت أم سلمةَ: نزلت هذه الآية في بيتي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عليّا وفاطِمَةَ وحَسَنَا وحُسَيْنا فَدَخَلَ مَعَهم تَحْت كساءِ خيبري، وقال: «هؤلاءِ أهل بيتي، وقرأ الآية، وقَال اللَّهمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلّم وَأَنْتِ إلى خَيْرَ» «٣» .

والجمهورُ على هذا، وقال ابن عباس «٤» وغيره: أهل البيتِ:

أزواجه خاصة، والجمهور على ما تقدم.

قال ع «٥» : والذي يظهر لي: أن أهل البيت أزواجه وبنتُه وبنوها وزوجُها أعنى عليّاً، ولفظ الآية: يقتضي أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن.

قال صلى الله عليه وسلّم: وأَهْلَ الْبَيْتِ: منصوبٌ على النداءِ أو على المدْحِ أو على الاخْتِصَاصِ وَهُوَ قَلِيلٌ في المخاطب، وأكْثَرُ ما يكونُ في المتكلِّم، كقوله [الرجز] :

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ  سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا، وطَلَبْنَ مِنهُ زِيادَةَ النَّفَقَةِ، وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ  مِنهُنَّ شَهْرًا، وصَعَدَ إلى غُرْفَةٍ لَهُ فَمَكَثَ فِيها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكُنَّ أزْواجُهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ، وسَوْدَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وصَفِيَّةُ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ  فَعَرَضَ الآيَةَ عَلَيْهِنَّ، فَبَدَأ بِعائِشَةَ، فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي اخْتَرْتُكَ؛ فَقالَ: " إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي مُبَلِّغًا ولَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا "» .

وقَدْ ذَكَرْتُ حَدِيثَ التَّخْيِيرِ في كِتابِ " الحَدائِقِ " وفي " المُغْنِي " بِطُولِهِ.

وَفِي ما خَيَّرَهُنَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الطَّلاقِ والمُقامِ مَعَهُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ عَلَيْها السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ اخْتِيارِ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، أوِ اخْتِيارِ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ، ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وَفِي سَبَبِ تَخْيِيرِهِ إيّاهُنَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُنَّ سَألْنَهُ زِيادَةَ النَّفَقَةِ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ آذَيْنَهُ بِالغَيْرَةِ.

والقَوْلانِ مَشْهُورانِ في التَّفْسِيرِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا خُيِّرَ بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، فاخْتارَ الآخِرَةَ أُمِرَ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ لِيَكُنَّ عَلى مِثْلِ حالِهِ، حَكاهُ أبُو القاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أُمَتِّعْكُنَّ ﴾ : مُتْعَةُ الطَّلاقِ.

والمُرادُ بِالسَّراحِ: الطَّلاقُ، وَقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في (البَقَرَةِ: ٢٣١) .

والمُرادُ بِالدّارِ الآخِرَةِ.

الجَنَّةُ.

والمُحْسِناتُ: المُؤْثِراتُ لِلْآخِرَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا اخْتَرْنَهُ أثابَهُنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ثَلاثَةَ أشْياءَ.

أحَدُها: التَّفْضِيلُ عَلى سائِرِ النِّساءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ ، والثّانِي: أنْ جَعَلَهُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، والثّالِثُ: أنْ حَظَرَ عَلَيْهِ طَلاقَهُنَّ والِاسْتِبْدالَ بِهِنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ  ﴾ .

وهَلْ أُبِيحَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّزْوِيجُ عَلَيْهِنَّ ؟

فِيهِ قَوْلانِ سَيَأْتِي ذِكْرُهُما إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ أيْ: بِمَعْصِيَةٍ ظاهِرَةٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي النُّشُوزَ وسُوءَ الخُلُقِ ﴿ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ أيْ: يُجْعَلْ عَذابُ جُرْمِها في الآخِرَةِ كَعَذابِ جُرْمَيْنِ، كَما أنَّها تُؤْتى أجْرَها عَلى الطّاعَةِ مَرَّتَيْنِ.

وإنَّما ضُوعِفَ عِقابُهُنَّ، لِأنَّهُنَّ يُشاهِدْنَ مِنَ الزَّواجِرِ الرّادِعَةِ ما لا يُشاهِدُ غَيْرُهُنَّ، فَإذا لَمْ يَمْتَنِعْنَ اسْتَحْقَقْنَ تَضْعِيفَ العَذابِ، ولأنَّ في مَعْصِيَتِهِنَّ أذًى لِرَسُولِ اللَّهِ  ؛ وجُرْمُ مَن آذى رَسُولَ اللَّهِ  أكْبَرُ مِن جُرْمِ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ أيْ: وكانَ عَذابُها عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.

﴿ وَمَن يَقْنُتْ ﴾ أيْ: تُطِعْ، و " أعَتِدنا " قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٣٧]، والرِّزْقُ الكَرِيمُ: الحَسَنُ، وهو الجَنَّةُ.

ثُمَّ أظْهَرَ فَضِيلَتَهُنَّ عَلى النِّساءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ: كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ " أحَدًا " نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لَيْسَ قَدْرُكُنَّ عِنْدِي مِثْلَ قَدْرِ غَيْرِكُنَّ مِنَ النِّساءِ الصّالِحاتِ، أنْتُنَّ أكْرَمُ عَلَيَّ، وثَوابُكُنَّ أعْظَمُ ﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ ، فَشَرَطَ عَلَيْهِنَّ التَّقْوى بَيانًا أنَّ فَضِيلَتَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِالتَّقْوى، لا بِنَفْسِ اتِّصالِهِنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ ﴾ أيْ لا تَلِنَّ بِالكَلامِ ﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ أيْ: فُجُورٌ؛ والمَعْنى: لا تَقُلْنَ قَوْلًا يَجِدُ بِهِ مُنافِقٌ أوْ فاجِرٌ سَبِيلًا إلى مُوافَقَتِكُنَّ لَهُ؛ والمَرْأةُ مَندُوبَةٌ إذا خاطَبَتِ الأجانِبَ إلى الغِلْظَةِ في المَقالَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ أبْعَدُ مِنَ الطَّمَعِ في الرِّيبَةِ.

﴿ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ أيْ: صَحِيحًا عَفِيفًا لا يُطْمِعُ فاجِرًا.

﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ إلّا أبانَ، وهُبَيْرَةُ، والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ﴿ وَقَرْنَ ﴾ بِفَتْحِ القافِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.

قالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ بِالفَتْحِ، فَهو مَن قَرَرْتُ في المَكانِ، فَخُفِّفَتْ، كَما قالَ: ﴿ ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا  ﴾ ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فَمِنَ الوَقارِ، يُقالُ: قِرْ في مَنزِلِكَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فَهو مِنَ الوَقارِ، يُقالُ: وقَرَ في مَنزِلِهِ يَقِرُ وقُورًا.

ومَن قَرَأ بِنَصْبِ القافِ جَعَلَهُ مِنَ القَرارِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " واقْرَرْنَ " بِإسْكانِ القافِ وبَراءَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما كَسَرا الرّاءَ الأُولى.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّبَرُّجُ: أنْ يُبْرِزْنَ مَحاسِنَهُنَّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: التَّبَرُّجُ: إظْهارُ الزِّينَةِ وما يُسْتَدْعى بِهِ شَهْوَةُ الرَّجُلِ.

وَفِي ﴿ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها كانَتْ بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

والثّالِثُ: بَيْنَ نُوحٍ وآدَمَ، قالَهُ الحَكَمُ.

والرّابِعُ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ: " الأُولى "، لِأنَّ كُلَّ مُتَقَدِّمٍ أوَّلُ، وكُلَّ مُتَقَدِّمَةٍ أُولى، فَتَأْوِيلُهُ: أنَّهم تَقَدَّمُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  .

وَفِي صِفَةِ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الأُولى سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَرْأةَ كانَتْ تَخْرُجُ فَتَمْشِي بَيْنَ الرِّجالِ، فَهو التَّبَرُّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها مِشْيَةٌ فِيها تَكَسُّرٌ وتَغَنُّجٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّبَخْتُرُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.

والرّابِعُ: أنَّ المَرْأةَ مِنهُنَّ كانَتْ تَتَّخِذُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَلْبَسُهُ ثُمَّ تَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ لَيْسَ عَلَيْها غَيْرُهُ، وذَلِكَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والخامِسُ: أنَّها كانَتْ تُلْقِي الخِمارَ عَنْ رَأْسِها ولا تَشُدُّهُ، فَيَرى قُرْطَها وقَلائِدَها، قالَهُ مُقاتِلٌ.

السّادِسُ: أنَّها كانَتْ تَلْبَسُ الثِّيابَ تَبْلُغُ المالَ، لا تُوارِي جَسَدَها، حَكاهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ﴾ وفِيهِ لِلْمُفَسِّرِينَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: الإثْمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: الشَّكُّ.

والخامِسُ: المَعاصِي، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْسُ: كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ مِن مَأْكُولٍ أوْ عَمَلٍ أوْ فاحِشَةٍ.

وَنَصْبُ ﴿ أهْلَ البَيْتِ ﴾ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: عَلى مَعْنى: أعْنِي أهْلَ البَيْتِ، والثّانِي: عَلى النِّداءِ، فالمَعْنى: يا أهْلَ البَيْتِ.

وَفِي المُرادِ بِأهْلِ البَيْتِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ  ، لِأنَّهُنَّ في بَيْتِهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

ويُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّ ما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِأزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ  .

وعَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ اعْتِراضٌ، وهو أنَّ جَمْعَ المُؤَنَّثِ بِالنُّونِ، فَكَيْفَ قِيلَ: " عَنْكم " " ويُطَهِّرَكم " ؟

فالجَوابُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  فِيهِنَّ، فَغَلَّبَ المُذَكَّرَ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في رَسُولِ اللَّهِ  وعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.

ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ وعائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ نَحْوُ ذَلِكَ.

والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ رَسُولِ اللَّهِ  وأزْواجُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَحَكى الزَّجّاجُ أنَّهم نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ  والرِّجالُ الَّذِينَ هم آلُهُ؛ قالَ: واللُّغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّها لِلنِّساءِ والرِّجالِ جَمِيعًا، لِقَوْلِهِ: ﴿ عَنْكُمُ ﴾ بِالمِيمِ، ولَوْ كانَتْ لِلنِّساءِ، لَمْ يَجُزْ إلّا " عَنْكُنَّ " " ويُطَهِّرَكُنَّ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِنَ السُّوءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: مِنَ الإثْمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ تَذْكِيرٌ لَهُنَّ بِالنِّعَمِ.

والثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ لَهُنَّ بِحِفْظِ ذَلِكَ.

فَمَعْنى ﴿ واذْكُرْنَ ﴾ : واحْفَظْنَ ﴿ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

وَفِي الحِكْمَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السُّنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: الأمْرُ والنَّهْيُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا ﴾ أيْ: ذا لُطْفٍ بِكُنَّ إذْ جَعَلَكُنَّ في البُيُوتِ الَّتِي تُتْلى فِيها آياتُهُ ﴿ خَبِيرًا ﴾ بِكُنَّ إذِ اخْتارَكُنَّ لِرَسُولِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا ﴾ ﴿ وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِها، فَقالَ قَتادَةُ: سَبَبُها غِيرَةٌ غارَتْها عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وقَعَ بَيْنَ أزْواجِهِ تَغايُرٌ ونَحْوَهُ مِمّا شَقِيَ هو بِهِ -  - فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وبَشَّرَهُ اللهُ أنْ يَصْرِفَ إرادَتَهُ في أنْ يُؤْوِيَ إلَيْهِ مَن يَشاءُ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ: نَزَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  سَألَهُ أزْواجُهُ النَفَقَةَ، وتَشَطَّطْنَ في تَكْلِيفِهِ مِنها فَوْقَ وُسْعِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُنَّ طَلَبْنَ مِنهُ مَلابِسَ وثِيابًا، وقالَتْ واحِدَةٌ: لَوْ كُنّا عِنْدَ غَيْرِ النَبِيِّ لَكانَ لَنا الحُلِيُّ والمَتاعُ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: «أمَرَ رَسُولُ اللهِ  بِتِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِنَّ، وتَخْيِيرِهِنَّ بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ» وأمْرِ الطَلاقِ مَرَجًا، فَلَوِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ نَظَرَ كَيْفَ يُسَرِّحُهُنَّ هُوَ، ولَيْسَ فِيها تَخْيِيرِهِنَّ في الطَلاقِ؛ لِأنَّ التَخْيِيرَ يَتَضَمَّنُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ وهو قَدْ قالَ: ﴿ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا ﴾ ، ولَيْسَ مَعَ بَتِّ الطَلاقِ سَراحٌ جَمِيلٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي آيَةُ تَخْيِيرٍ، واخْتَرْنَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ولَمْ يَعُدْ ذَلِكَ طَلاقًا، وهو قَوْلُ عائِشَةَ أيْضًا.

واخْتَلَفَ الناسُ في التَخْيِيرِ إذا اخْتارَتِ المَرْأةُ نَفْسَها، فَقالَ مالِكٌ: هي طالِقُ ثَلاثًا، ولا مُناكِرَةَ لِلزَّوْجِ، بِخِلافِ التَمْلِيكِ.

وقالَ غَيْرُهُ: هي طَلْقَةٌ بائِنَةٌ.

وقالَ بَعْضُ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ: إذا خَيَّرَ الرَجُلُ امْرَأتَهُ فاخْتارَتْهُ فَهي طَلْقَةٌ، وهَذا مُخالِفٌ جِدًّا.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُنْيا ﴾ ، أيْ: إنْ كانَتْ عَظِيمُ هِمَّتِكُنَّ ومَطْلَبِكُنَّ، أيِ التَعَمُّقَ فِيها والنَيْلَ مِن نِعْمَتِها.

و"زِينَةُ الدُنْيا": المالُ والبَنُونَ، و"تَعالَيْنَ" دُعاءٌ، و"أُمَتِّعْكُنَّ" مَعْناهُ أُعْطِيكُنَّ المَتاعَ الَّذِي نَدَبَ اللهُ تَعالى لَهُ في قَوْلِهِ: "وَمَتِّعُوهُنَّ"، وأكْثَرُ الناسِ عَلى أنَّها مِنَ المَندُوباتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي واجِبَةٌ، والسَراحُ الجَمِيلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما دُونُ بَتِّ الطَلاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في بَقاءِ جَمِيلِ المُعْتَقَدِ وحَسُنِ العِشْرَةِ وجَمِيلِ الثَناءِ وإنْ كانَ الطَلاقُ باتًّا.

و"أعَدَّ" مَعْناهُ: يَسَّرَ وسَنّى، و"المُحْسِناتُ": الطائِعاتُ لِلَّهِ والرَسُولِ.

وأزْواجُ النَبِيِّ اللَواتِي نَزَلَتْ فِيهِنَّ تِسْعٌ، خَمْسُ قُرَشِيّاتٍ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمِّيَّةَ.

وأرْبَعٌ غَيْرُ قُرَشِيّاتٍ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنُ أخْطَبُ الخَيْبَرِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلْقِيَةُ.

رَضِيَ اللهُ عن أزْواجِ رَسُولِ اللهِ أجْمَعِينَ.

وفِي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ  لَمّا خَرَجَ مِن إيلائِهِ الشَهْرَ، ونَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، بَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: "إنِّي ذاكِرٌ لَكَ أمْرًا، ولا عَلَيْكَ ألّا تُعَجِّلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ"، ثُمَّ تَلا عَلَيْها الآيَةَ، فَقالَتْ لَهُ: وفي هَذا أسْتَأْمَرَ أبَوَيَّ؟

فَإنِّي أُرِيدُ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ، قالَتْ: "وَقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ"، ثُمَّ تَتابَعَ أزْواجُ النَبِيِّ  عَلى مَثْلِ قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، فاخْتَرْنَ اللهَ ورَسُولَهُ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يستخلص مما ذكره ابن عطية رواية عن ابن الزبير ومما ذكره أبو حيان في «البحر المحيط» وغير ذلك: أن وجه اتصال هذه الآيات بما قبلها أنه لما فُتحت على المسلمين أرض قريظة وغنموا أموالهم وكانت أرض النضير قُبيل ذلك فَيْئاً للنبيء صلى الله عليه وسلم حسب أزواج رسول الله أن مثَلَه مَثَل أحد من الرجال إذا وُسّع عليهم الرزق توسَّعوا فيه هم وعيالهم فلم يكن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام يسألنَه توسعة قبل أن يفيء الله عليه من أهل النضير وقبل أن يكون له الخمس من الغنائم، فلما رأين النبي صلى الله عليه وسلم جعل لنفسه ولأزواجه أقواتهم من مال الله ورأين وفرة ما أفاءَ الله عليه من المال حسبْنَ أنه يوسِّع في الإنفاق فصار بعضهُنّ يستكثرنه من النفقة كما دل عليه قول عمر لحفصة ابنته أمّ المؤمنين: «لا تستكثري النبي ولا تُراجعيه في شيء وسَلِيني ما بَدا لكِ».

ولكن الله أقام رسوله صلى الله عليه وسلم مقاماً عظيماً فلا يتعلق قلبه بمتاع الدنيا إلا بما يقتضيه قوام الحياة وقد كان يقول: " ما لي وللدنيا " وقال: " حُبِّبَ إليّ من دنياكم النساء والطيب ".

وقد بينتُ وجه استثناء هذين في رسالة كتبتُها في الحكمة الإلهية من رياضة الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه بتقليل الطعام.

وقال عمر: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجِف المسلمون عليه من خَيْل ولا رِكاب فكانت لرسول الله خالصة ينفق منها على أهله نفقة سنتهم ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عُدة للمسلمين».

وقد علمتَ أن أرض قريظة قسمت على المهاجرين بحُكْم سعد بن معاذ، فلعل المهاجرين لما اتسعت أرزاقهم على أزواجهم أمّل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يكنَّ كالمهاجرين فأراد الله أن يعلمهُنّ سِيرة الصالحات في العيش وغيره.

وقد روي أن بعضهن سألْنَه أشياء من زينة الدنيا فأوحى إلى رسوله بهذه الآيات المتتابعات.

وهذا مما يؤذن به وقعُ هذه الآيات عقب ذكر وقعة قريظة وذكر الأرض التي لم يَطؤوها وهي أرض بني النضير.

وإذ قد كان شأن هذه السيرة أن يشق على غالب الناس وخاصة النساء أمَر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينبئ أزواجه بها ويخيّرهُنّ عن السّيْر عليها تبعاً لحاله وبين أن يفارقَهُنّ.

لذا فافتتاحُ هذه الأحكام بنداء النبي صلى الله عليه وسلم ب: ﴿ يا أيها النبي ﴾ تنبيه على أن ما سيذكر بعد النداء له مزيد اختصاص به وهو غرض تحديد سيرة أزواجه معه سيرة تناسب مرتبة النبوءة، وتحديد تزوجه وهو الغرض الثاني من الأغراض التي تقدم ذكرها في قوله ﴿ يا أيها النبي اتق الله ﴾ [الأحزاب: 1].

والأزواج المعنيات في هذه الآية هن أزواجه التسع اللاتي تُوفّي عليهن.

وهن: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سَلَمة بنت أمية المخزومية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، وميمونة بنت الحارث الهلالية من بني عامر بن صعصعة، وسَوْدة بنت زَمعة العامرية القرشية، وزينبُ بنت جَحْش الأسدية، وصفية بنت حُيَيّ النضيرية.

وأما زينب بنت خزيمة الهلالية الملقبة أمّ المساكين فكانت متوفاة وقت نزول هذه الآية.

ومعنى ﴿ إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ﴾ : إن كنتن تُؤثرن ما في الحياة من الترف على الاشتغال بالطاعات والزهد، فالكلام على حذف مضاف يقدر صالحاً للعموم إذ لا دليل على إرادة شأن خاص من شؤون الدنيا.

وهذه نكتة تعدية فعل ﴿ تُرِدْنَ ﴾ إلى اسم ذات ﴿ الحياة ﴾ دون حال من شؤونها.

وعطفُ ﴿ زينتَها ﴾ عطف خاص على عام، وفي عطفه زيادة تنبيه على أن المضاف المحذوف عام، وأيضاً ففعل ﴿ تردْنَ ﴾ يؤذن باختيار شيء على غيره فالمعنى: إن كنتن ترِدْنَ الانغماس في شؤون الدنيا، وقد دلت على هذا مقابلته بقوله: ﴿ وإن كنتُنّ ترِدْنَ الله ورسوله ﴾ كما سيأتي.

و ﴿ تعالين: ﴾ اسم فعل أمْر بمعنى: أقبِلْنَ، وهو هنا مستعمل تمثيلاً لحال تَهَيُّؤ الأزواج لأخذ التمتيع وسماع التسريح بحال من يُحضر إلى مكان المتكلم.

وقد مضى القول على (تعال) عند قوله تعالى: ﴿ فقل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءكم ﴾ في سورة آل عمران (61) والتمتيع: أن يُعطي الزوج امرأته حين يطلقها عطيةً جبْراً لخاطرها لما يعرض لها من الانكسار.

وتقدم الكلام عليها مفصلاً عند قوله تعالى: ﴿ ومَتِّعُوهُنّ على المُوسِع قَدْرهُ وعلى المُقْتِرِ قدْرُه متاعاً بالمَعْروف ﴾ في سورة البقرة (236).

وجزم أمتعْكُنَّ } في جواب ﴿ تعالَيْن ﴾ وهو اسم فعل أمر وليس أمْراً صريحاً فجَزْمُ جوابه غير واجب فجيء به مجزوماً ليكون فيه معنى الجزاء فيفيد حصول التمتيع بمجرد إرادة إحداهن الحياة الدنيا.

والسراح: الطلاق، وهو من أسمائه وصيغه، قال تعالى: ﴿ فأمسكوهن بمعروف أو سَرِّحُوهُنَّ بمعروف ﴾ [البقرة: 231].

والجميل: الحَسَن حُسناً بمعنى القبول عند النفس، وهو الطلاق دون غضب ولا كراهية لأنه طلاق مراعىً فيه اجتناب تكليف الزوجة ما يشقّ عليها.

وليس المذكور في الآية من قبيل التخيير والتمليك اللذين هما من تفويض الطلاق إلى الزوجة، وإنما هذا تخيير المرأة بين شيئين يكون اختيارها أحدهما داعياً زوجها لأن يطلقها إن أراد ذلك.

ومعنى ﴿ وإن كنتن تردن الله ورسوله ﴾ إن كنتن تُؤْثِرْنَ الله على الحياة الدنيا، أي: تؤثرن رضى الله لما يريده لرسوله، فالكلام على حذف مضاف.

وإرضاء الله: فعل ما يحبه الله ويقرب إليه، فتعدية فعل ﴿ تردن ﴾ إلى اسم ذات الله تعالى على تقدير تقتضيه صحة تعلق الإرادة باسم ذات لأن الذات لا تراد حقيقة فوجب تقدير مضاف ولزم أن يقدر عاماً كما تقدم.

وإرادة رضى الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك على تقدير، أي: كل ما يرضي الرسول عليه الصلاة والسلام، وأول ذلك أن يَبْقَيْنَ في عشرته طيّبات الأنفس.

وإرادة الدار الآخرة: إرادة فَوْزها، فالكلام على حذف مضاف يقتضيه المقام أيضاً، فأسلوب الكلام جرى على إناطة الحكم بالأعيان وهو أسلوب يقتضي تقديراً في الكلام من قبيل دلالة الاقتضاء.

وفي حذف المضافات وتعليق الإرادة بأسماء الأعيان الثلاثة مقصدُ أن تكون الإرادة متعلقة بشؤون المضاف إليه التي تتنزل منزلة ذاتِه مع قضاء حق الإيجاز بعد قضاء حق الإعجاز.

فالمعنى: إن كنتُنّ تؤثرْن ما يُرضي الله ويحبه رسوله وخير الدار الآخرة فتخْتَرْن ذلك على ما يشغل عن ذلك كما دلت عليه مقابلة إرادة الله ورسوله والدار الآخرة بإرادة الحياة الدنيا وزينتها، فإن المقابلة تقتضي إرادتين يجمع بين إحداهما وبين الأخرى، فإن التعلق بالدنيا يستدعي الاشتغال بأشياء كثيرة من شؤون الدنيا لا محيصَ من أن تُلهيَ صاحبها عن الاشتغال بأشياء عظيمة من شؤون ما يرضي الله وما يرضي رسوله عليه الصلاة والسلام وعن التملي من أعمال كثيرة مما يكسب الفوز في الآخرة فإن الله يحب أن ترتقي النفس الإنسانية إلى مراتب الملكية والرسول صلى الله عليه وسلم يبتغي أن يكون أقرب الناس إليه وأعلقهم به سائراً على طريقته لأن طريقته هي التي اختارها الله له.

وبمقدار الاستكثار من ذلك يكثر الفوز بنعيم الآخرة، فالناس متسابقون في هذا المضمار وأوْلاهم بقصب السبق فيه أشدهم تعلُّقاً بالرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك كانت همم أفاضل السلف، وأولى الناس بذلك أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام وقد ذكّرهن الله تذكيراً بديعاً بقوله: ﴿ واذكُرْنَ ما يُتْلَى في بيوتكنّ من ءايات الله والحكمة ﴾ [الأحزاب: 34] كما سيأتي.

ولما كانت إرادتهن الله ورسوله والدارَ الآخرة مقتضية عملَهُنّ الصالحات وكان ذلك العمل متفاوتاً، وجعل الجزاء على ذلك بالإحسان فقال: ﴿ فإن الله أعدّ للمحسنات منكُنّ أجراً عظيماً ﴾ ليعلمْنَ أن هذا الأجر حاصل لهن على قدر إحسانهن؛ فهذا وجه ذكر وصف المحسِنات وليس هو للاحتراز.

وفي ذكر الإعداد إفادة العناية بهذا الأجر والتنويه به زيادة على وصفه بالعظيم.

وتوكيد جملة الجزاء بحرف ﴿ إنّ ﴾ الذي ليس هو لإزالة التردد إظهار للاهتمام بهذا الأجر.

وقد جاء في كتب السنة: أنه لما نزلت هذه الآية ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة فقال لها: «إني ذاكر لككِ أمراً فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويْككِ، ثم تلا هذه الآية، فقالت عائشة: أفي هذا أستأمر أبوَيّ؟

فإنّي أريد الله ورسوله والدارَ الآخرة، وقال لسائر أزواجه مثل ذلك، فقلْنَ مثل ما قالت عائشة».

ولا طائل تحت الاشتغال بأن هذا التخيير هل كان واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم أو مندوباً، فإنه أمر قد انقضى ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يخالف أمر الله تعالى بالوجوب أو الندب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها ﴾ الآيَةَ.

وَهَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ أنْ يُخْبِرَ أزْواجَهُ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في تَخْيِيرِهِ لَهُنَّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ اخْتِيارِ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ واخْتِيارِ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ، ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الطَّلاقِ أوِ المُقامِ مَعَهُ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ ومُقاتِلٍ.

رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي ثَوْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ فَبَدَأنِي أوَّلَ امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ، فَقالَ: (إنِّي ذاكَرٌ أمْرًا ولا عَلَيْكِ ألّا تَعْمَلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ) وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ قالَتْ: ثُمَّ تَلا آيَةَ التَّخْيِيرِ فَقالَتْ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟

فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ.

ثُمَّ خَيَّرَ نِساءَهُ كُلَّهُنَّ فَقُلْنَ مِثْلَ قَوْلِي» .

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إلّا الحِمْيَرِيَّةَ فَإنَّها اخْتارَتْ نَفْسَها.

واخْتُلِفَ في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ  نِساءَهُ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ نَبِيَّهُ بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، فاخْتارَ الآخِرَةَ عَلى الدُّنْيا وقالَ: «اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا وأمِتْنِي مِسْكِينًا واحْشُرْنِي في زُمْرَةِ المَساكِينِ» فَلَمّا اخْتارَ ذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ لِيَكُنَّ عَلى مِثْلِ حالِهِ إنْ كانَ اخْتِيارُهُنَّ مِثْلَ ما اخْتارَهُ.

حَكاهُ أبُو القاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ.

الثّانِي: لِأنَّهُنَّ تَغايَرْنَ عَلَيْهِ، فَرَوَتْ عَمْرَةُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ  لَيَهْجُرَنَّنا شَهْرًا، فَدَخَلَ عَلَيَّ بَعْدَ صُبْحَةِ تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ألَمْ تَكُنْ حَلَفْتَ لَتَهْجُرَنَّنا شَهْرًا؟

فَقالَ: (إنَّ الشَّهْرَ هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا، ثُمَّ خَنَسَ الإبْهامَ، ثُمَّ قالَ يا عائِشَةُ: (إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ولا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي حَتّى تَسْتَشِيرِي أبَوَيْكِ وخَشِيَ حَداثَةَ سِنِّي قُلْتُ: وما ذاكَ؟

قالَ (أُمِرْتُ أنْ أخَيِّرَكُنَّ) .» الثّالِثُ: أنَّ أزْواجَهُ طالَبْنَهُ وكانَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ فَكانَ أوَّلُهُنَّ أُمَّ سَلَمَةَ فَسَألَتْهُ سَتْرًا مُعْلَمًا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وسَألَتْهُ مَيْمُونَةُ حُلَّةً يَمانِيَّةً، وسَألَتْهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ثَوْبًا مُخَطَّطًا وهو البُرْدُ اليَمانِيُّ، وسَألَتْهُ أُمُّ حَبِيبَةَ ثَوْبًا سَحُولِيًّا، وسَألَتْهُ حَفْصَةُ ثَوْبًا مِن ثِيابِ مِصْرَ، وسَألَتْهُ جُوَيْرِيَّةُ مُعْجِزًا، وسَألَتْهُ سَوْدَةُ قَطِيفَةً جُبَيْرِيَّةً، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ طَلَبَتْ نَصِيبًا إلّا عائِشَةَ لَمْ تَطْلُبْ شَيْئًا، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتَخْيِيرِهِنَّ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: لِأنَّ أزْواجَهُ اجْتَمَعْنَ يَوْمًا فَقُلْنَ: نُرِيدُ ما تُرِيدُ النِّساءُ مِنَ الحُلِيِّ والثِّيابِ حَتّى قالَ بَعْضُهُنَّ: لَوْ كُنّا عِنْدَ غَيْرِ النَّبِيِّ  إذَنْ لَكانَ لَنا شَأْنٌ وثِيابٌ وحُلِيٌّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى آيَةَ التَّخْيِيرِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الخامِسُ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صانَ خَلْوَةَ نَبِيهٍ فَخَيَّرَهُنَّ عَلى ألّا يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ، فَلَمّا أجَبْنَ إلى ذَلِكَ أمْسَكَهُنَّ.

قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ: وكانَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعٌ سِوى الحِمْيَرِيَّةِ، خَمْسٌ مِن قُرَيْشٍ: عائِشَةُ وحَفْصَةُ وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، هَؤُلاءِ خَمْسٌ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ تَحْتَهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حَيِّي بْنِ أخْطَبَ الحِمْيَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسَدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلِقِيَّةُ.

فَلَمّا اخْتَرْنَهُ والصَّبْرَ مَعَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن شِدَّةٍ ورَخاءٍ عَوَّضَهُنَّ اللَّهُ تَعالى عَلى صَبْرِهِنَّ بِأمْرِهِنَّ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: بِأنْ يَجْعَلَهُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ﴾ تَعْظِيمًا لِحُقُوقِهِنَّ وتَأْكِيدًا لِحُرْمَتِهِنَّ.

الثّانِي: أنْ حَظَرَ عَلَيْهِنَّ طَلاقَهُنَّ والِاسْتِبْدالُ بِهِنَّ فَقالَ ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ﴾ الآيَةَ.

فَكانَ تَحْرِيمُ طَلاقِهِنَّ مُسْتَدامًا.

وَأمّا تَحْرِيمُ التَّزْوِيجِ عَلَيْهِنَّ فَقَدْ كانَ ذَلِكَ لَمّا كانَ النَّبِيُّ  في شِدَّتِهِ وقِلَّةِ مُكْنَتِهِ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ النّاسُ بَعْدَ سِعَةِ الدُّنْيا عَلَيْهِ هَلْ أحَلَّ اللَّهُ لَهُ النِّساءَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِنَّ باقِيًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ جَزاءً لِصَبْرِهِنَّ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أحَلَّ لَهُ النِّساءَ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهِنَّ عِنْدَ اتِّساعِ الدُّنْيا عَلَيْهِ، لِأنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ الضِّيقُ والشِّدَّةُ، فَإذا زالَتْ زالَ مُوجِبُها.

قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى أُحِلَّ لَهُ النِّساءُ»، يَعْنِي اللّاتِي حُظِرْنَ عَلَيْهِ، وقِيلَ إنَّ النّاسِخَ لِتَحْرِيمِهِنَّ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ الآيَةَ.

فَأمّا غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ  فَلا يَلْزَمُهم تَخْيِيرُ نِسائِهِمْ، فَإنْ خَيَّرُوهُنَّ فَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في حُكْمِهِنَّ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: إنِ اخْتَرْنَ الزَّوْجَ فَلا فُرْقَةَ، وإنِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ كانَتْ تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وعائِشَةَ والشّافِعِيِّ.

الثّانِي: إنِ اخْتَرْنَ الزَّوْجَ فَهي تَطْلِيقَةٌ ولَهُ الرَّجْعَةُ، وإنِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ فَهي تَطْلِيقَةٌ بائِنٌ والزَّوْجُ كَأحَدِ الخُطّابِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّالِثُ: إنِ اخْتَرْنَ الزَّوْجَ فَهي تَطْلِيقَةٌ والزَّوْجُ كَأحَدِ الخُطّابِ، وإنِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ فَهي ثَلاثٌ ولا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر قال: «أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس ببابه جلوس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت فقال عمر رضي الله عنه: لأكلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه، وقال: هن حولي يسألنني النفقة.

فقام أبو بكر رضي الله عنه إلى عائشة رضي الله عنها ليضربها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده.

فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا، فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده.

وأنزل الله الخيار فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال إني ذاكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك.

قالت: ما هو؟

فتلا عليها ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك...

﴾ .

قالت عائشة رضي الله عنها: أفيك استأمر أبوي؟!

بل اختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر إلى امرأة من نسائك امرأة ما اخترت، فقال: إن الله لم يبعثني متعنتاً، وإنما بعثني معلماً مبشراً، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها» .

وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة الحضرمي قال: «جلست مع أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهما يتحدثان وقد ذهب بصر جابر رضي الله عنه، فجاء رجل فجلس، ثم قال: يا أبا عبد الله أرسلني إليك عروة بن الزبير، أسألك فيم هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه؟، فقال جابر رضي الله عنه: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة لم يخرج إلى الصلاة، فأخذنا ما تقدم وما تأخر، فاجتمعنا ببابه يسمع كلامنا ويعلم مكاننا، فأطلنا الوقوف، فلم يأذن لنا، ولم يخرج إلينا، فقلنا: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانكم، ولو أراد أن يأذن لكم لأذن فتفرقوا لا تؤذوه، فتفرقوا غير عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتنحنح ويتكلم ويستأذن حتى أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال عمر رضي الله عنه: فدخلت عليه وهو واضع يده على خده أعرف به الكآبة، فقلت له: أي نبي الله- بأبي أنت وأمي يا رسول الله- ما الذي رابك؟

وما الذي لقي الناس بعدكم من فقدهم لرؤيتك؟

فقال: يا عمر سألتني الاماء ما ليس عندي- يعني نساءه- فذاك الذي بلغ بي ما ترى.

فقلت: يا نبي الله قد صككت جميلة بنت ثابت صكة ألصقت خدها منها بالأرض لأنها سألتني ما ليس عندي، وأنت يا رسول الله على موعد من ربك، وهو جاعل بعد العسر يسراً قال: فلم أزل أكلمه حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحلل عنه بعض ذلك، فخرجت، فلقيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فحدثته الحديث، فدخل أبو بكر على عائشة رضي الله عنها، قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر عنكن شيئاً، فلا تسأليه ما لا يجد، انظري حاجتك فاطلبيها إلي، وانطلق عمر رضي الله عنه إلى حفصة، فذكر لها مثل ذلك، ثم اتبعا أمهات المؤمنين، فجعلا يذكران لهن مثل ذلك، فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً ﴾ يعني متعة الطلاق ويعني بتسريحهن: تطليقهن طلاقاً جميلاً ﴿ وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً ﴾ .

فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال: إن الله قد أمرني أن أخيركن بين أن تخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وبين أن تخترن الدنيا وزينتها، وقد بدأت بك وأنا أخيرك قالت: وهل بدأت بأحد قبلي منهن؟

قال: لا.

قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، فاكتم علي ولا تخبر بذاك نساءك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أخبرهن به، فأخبرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فكان خياره بين الدنيا والآخرة.

اتخترن الآخرة أو الدنيا؟

قال: ﴿ وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً ﴾ فاخترن أن لا يتزوجن بعده، ثم قال: ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ﴾ يعني الزنا ﴿ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ يعني في الآخرة ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً، ومن يقنت منكن لله ورسوله ﴾ يعني تطيع الله ورسوله ﴿ وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين ﴾ مضاعفاً لها في الآخرة ﴿ وأعتدنا لها رزقاً كريماً ﴾ ﴿ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ يقول فجور ﴿ وقلن قولاً معروفاً، وقرن في بيوتكن ﴾ يقول لا تخرجن من بيوتكن ﴿ ولا تبرجن ﴾ يعني إلقاء القناع فعل الجاهلية الأولى، ثم قال جابر رضي الله عنه: ألم يكن الحديث هكذا؟

قال: بلى» .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه قالت: فبدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك، قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال: إن الله قال: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ﴾ إلى تمام الآيتين.

فقلت له: ففي أي هذا استأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وفعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت» .

وأخرج ابن سعد عن عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده قال: «لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه بدأ بعائشة رضي الله عنها قال: إن الله خيرك فقالت: اخترت الله ورسوله، ثم خير حفصة رضي الله عنها فقلن جميعاً: اخترنا الله ورسوله، غير العامرية اختارت قومها، فكانت بعد تقول: أنا الشقية، وكانت تلقط البعر وتبيعه، وتستأذن على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: أنا الشقية» .

وأخرج ابن سعد عن أبي جعفر رضي الله عنه قال: قال نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نساء أغلى مهوراً منا، فغار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يعتزلهن، فاعتزلهن تسعة وعشرين يوماً، ثم أمره أن يخيرهن فخيرهن.

وأخرج ابن سعد عن أبي صالح قال: اخترنه صلى الله عليه وسلم جميعاً غير العامرية، كانت ذاهبة العقل حتى ماتت.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت «حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليهجرنا شهراً، فدخل عليَّ صبيحة تسعة وعشرين، فقلت: يا رسول الله ألم تكن حلفت لتهجرنا شهراً، قال: إن الشهر هكذا وهكذا وهكذا.

وضرب بيده جميعاً، وخنس يقبض أصبعاً في الثالثة ثم قال: يا عائشة إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن تعجلي حتى تستشيري أبويك، وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثة سني قلت: وما ذاك يا رسول الله؟

قال: إني أمرت أن أخيركن، ثم تلا هذه الآية ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ﴾ إلى قوله: ﴿ أجراً عظيماً ﴾ قالت: فيم استشير أبوي يا رسول الله؟

بل اختار الله ورسوله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وسمع نساؤه فتواترن عليه» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه بين الدنيا والآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن رضي الله عنهما قالا: أمره الله أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة، والجنة والنار، قال الحسن رضي الله عنه: في شيء كن أردنه من الدنيا.

وقال قتادة رضي الله عنه: في غيرة كانت غارتها عائشة رضي الله عنها، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش.

عائشة.

وحفصة.

وأم حبيبة بنت أبي سفيان.

وسودة بنت زمعة.

وأم سلمة بنت أبي أمية.

وكانت تحته صفية بنت حيي الخيبرية.

وميمونة بنت الحارث الهلالية.

وزينب بنت جحش الأسدية.

وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق.

وبدأ بعائشة رضي الله عنها، فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة رؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتابعن كلهن على ذلك، فلما خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، شكرهن الله تعالى على ذلك إذ قال: ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ﴾ فقصره الله تعالى عليهن، وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك...

﴾ .

قال أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر نساءه في هذه الآية فلم تختر واحدة منهن نفسها غير الحميرية.

وأخرج البيهقي في السنن عن مقاتل بن سليمان رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ﴾ يعني العصيان للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ في الآخرة ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ يقول: وكان عذابها عند الله هيناً ﴿ ومن يقنت ﴾ يعني من يطع منكن الله ورسوله ﴿ وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين ﴾ في الآخرة بكل صلاة أو صيام أو صدقة أو تكبيرة أو تسبيحة باللسان، مكان كل حسنة تكتب عشرين حسنة ﴿ واعتدنا لها رزقاً كريماً ﴾ يعني حسناً.

وهي الجنة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ قال: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ قال: يجعل عذابهن ضعفين، ويجعل على من قذفهن الحد ضعفين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا نساء النبي...

﴾ .

قال: إن الحجة على الأنبياء أشد منها على الأتباع في الخطيئة، وإن الحجة على العلماء أشد منها على غيرهم، فإن الحجة على نساء النبي صلى الله عليه وسلم أشد منها على غيرهن، فقال: إنه من عصى منكن فإنه يكون عليها العذاب الضعف منه على سائر نساء المؤمنين، ومن عمل صالحاً فإن الأجر لها الضعف على سائر نساء المسلمين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال الحسن وقتادة: أمر الله رسوله أن يخير الرسول (١) (٢) ﴿ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾ يعني الجنة ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ (٣) (٤) قال المفسرون: فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله -  - بعائشة وخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم فعلت سائر أزواجه مثل ما فعلت عائشة وقلن: ما لنا وللدنيا، إنما خلقت الدنيا دار فناء والآخرة هي الباقية، والباقية أحب إلينا من الفانية (٥) ﴿ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ  ﴾ الآية، فقصره الله عليهن ورفع منزلتهن على سائر النساء بالتميز عنهن في العقوبة على المعصية والأجر على الطاعة، وهو قوله (٦) (١) في جميع النسخ: (أن يخير الله)، وهو خطأ.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 157، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3128، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 596، وزاد نسبته لابن المنذر.

(٣) في جميع النسخ: (المحصنات)، وهو خطأ.

(٤) "تفسير مقاتل" 91 أ.

(٥) أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ 4/ 1796 رقم 4507، ومسلم في "صحيحه" كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بنية 2/ 1103 رقم (1475)، والطبري 21/ 157، وابن كثير 3/ 480.

(٦) في (ب) زيادة: (وهو قوله: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ ﴾ من للبيان لا للتبعيض، لأن جميعهنّ محسنات.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.

الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.

الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.

﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.

الباقون: بكسرها.

﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.

الباقون: بكسرها.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.

التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.

وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.

والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.

ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه  قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.

وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.

والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.

ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".

ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.

ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.

وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.

وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا  ﴾ إلى آخره.

كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله  حتى يستشهدوا، فمدحهم الله  بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.

ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.

﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.

وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.

وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.

﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.

"روي أن جبرائيل  أتى رسول الله  صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟

فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله  يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.

فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله  : تنزلون على حكمي.

فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله  وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .

وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.

وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.

﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.

وعن مقاتل: هي خيبر.

وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.

وعن الحسن: فارس والروم.

وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.

وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.

ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله  "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.

لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي  أم لا؟

فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.

ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟

والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي  لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي  الطلاق أم لا؟

الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.

ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.

ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟

الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.

وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.

وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.

والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان  ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول  وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول  سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.

والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.

ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله  ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد  ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.

فقالت: اخترت نفسي.

أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.

وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.

واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.

وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.

وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله  ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي  مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.

وحين خيرهن النبي  واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.

وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.

وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم  ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.

وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.

وقيل: هي عصيانهن رسول الله  ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.

وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟

وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.

والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.

ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.

قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.

والواحد وما وراءه.

والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.

وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.

وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.

ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون  ﴾ واصله "إقررن".

من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.

وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.

والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة  ﴾ وذلك في سورة النور.

والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم  ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.

والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد  .

وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.

وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.

ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.

وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي  لأنه أصل، وفاطمة  ما والحسن والحسين  ما بالاتفاق.

والصحيح أن علياً  منهم لمعاشرته بنت النبي  وملازمته إياه.

وورود الآية في شأن أزواج النبي  يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.

فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.

ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.

يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.

ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك  ﴾ أي بسببه.

ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.

ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.

ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.

وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله  وهي النية.

قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.

والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.

وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله  زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.

فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.

وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي  فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله  فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه  لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي  لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.

ثم إن رسول الله  أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه  لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.

وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله  فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.

فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟

قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.

فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.

فلما اعتدت قال رسول الله  : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.

قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله  ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.

ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.

فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله  ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.

قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.

وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.

نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.

الذي أخفى النبي  في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.

وعن عائشة لو كتم رسول الله  شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.

والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.

قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.

ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.

قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي  يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.

ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.

عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.

وقيل: التطليق.

فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.

ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي  عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.

ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.

وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.

ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.

والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.

ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾  إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد  ومجيء عيسى  في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.

التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله  فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.

فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله  ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.

وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.

﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.

﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.

﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.

﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي  مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي  ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي  بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.

والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.

فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.

﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.

وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.

الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.

إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.

﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.

وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.

﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾  فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول  كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إنهن جلسن، فجعلن يخترن الأزواج في حياة رسول الله، فنزلت الآية توبيخاً لهن وتعييراً على ذلك.

لكن هذا بعيد محال: لا يحتمل أن يكون أزواجه يخترن الأزواج، وهن تحته في حياته؛ فذلك سوء الظن بهن.

وقال بعضهم: إنهن طلبن النفقة منه؛ فنزل ما ذكر.

وقيل: إنهن تحدثن بشيء من الدنيا وركنَّ إليها؛ فنزل ما ذكر عتاباً لهن وتعييراً، ونحو ذلك قد قالوا.

وجائز أن يكون الله يمتحن رسوله وأزواجه بالتخيير واختيار الفراق منه - ابتداء امتحان من غير أن يكون منهن شيء مما ذكروا ولا سبب؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن عائشة -  ا - قالت: "لما أمر رسول الله  بتخيير أزواجه؛ بدأ بي فقال: يا عائشة، إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: وقد علم الله أن أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله يقول: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...

﴾ إلى قوله: ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ؛ فقلت أفي هذا أستأمر أبويّ؟!

فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.

وفعل سائر أزواجه مثل ما فعلت" وفي بعض الأخبار أنها قالت: "بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة" ؛ فدل قولها: "لما أمر رسول الله بتخيير أزواجه": أن ذلك من الله ابتداء امتحان، من غير أن كان منهن ما ذكروا من الركون إلى الدنيا والتحدث بما ذكر.

وفيه وجوه من الدلالة: أحدها: إباحة طلب الدنيا وزينتها من وجه يحل ويجمل، حيث قال: ﴿ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ ؛ لأنه لو لم يكن يحل ذلك لهن، وكن منهيات عن ذلك، لكان رسول الله لا يفارقهن؛ حتى لا يخترن المنهي من الأمر، وقد كان يملك حبسهن في ملكه؛ حتى لا يخترن ما ذكره من المنهي؛ دل ذلك - والله أعلم - أن ذلك كان على وجه يحل ويجمل.

وفيه أن رسول الله لم يكن عنده ما ذكر من الدنيا والزينة وما يستمتع بها؛ إذ لو كان عنده ذلك، لم يحتمل أن يخيرهن بالفراق منه لما ذكر وعنده ذلك، ولا هن يخترن الفراق منه وعنده ذلك؛ دل أنه لم يكن عنده ما ذكر، ويبطل قول من يقول: إنه كان عنده الدنيا ويفضل الغناء على الفقر بذلك.

وفيه دلالة: أن أزواجه كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقنه؛ لأنهن إذا لم يحللن لغيره لم يكن لقوله: ﴿ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ معنى؛ لأنهن إذا لم يحللن لغيره، وعندهن ما ذكر من الدنيا، يحملهن ذلك على الفجور؛ فدل أنهن كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقهن، وإنما لم يحللن لغيره إذا مات؛ فيكون له حكم الحياة كأنه حيّ في حق أزواجه.

ويخرج قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : في الآخرة لا تحل لغيره؛ فتكون زوجته في الجنة.

ثمّ اختلف الصحابة -  م - فيمن خير امرأته فاختارت: قال بعضهم: إذا خيرها فهو تطليقة رجعية، وإذا اختارت فهي بائنة، وهو قول عليّ.

وقال بعضهم: إذا اختارت نفسها فهي ثلاث، وإذا اختارت زوجها فلا شيء.

وقال بعضهم: إذا اختارت زوجها، فهي تطليقة رجعية، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة.

وعندنا: أن التخيير نفسه لا يكون طلاقاً، فإن اختارت زوجها، لا شيء، وإذا اختارت نفسها؛ فهي بائن.

أما قولنا: إذا اختارت زوجها لا شيء؛ لما روي عن عائشة قالت: "خيرنا رسول الله  فاخترناه" فلم يعد ذلك طلاقا.

وأما قوله: إذا اختارت نفسها فيكون بائنا؛ لأنه خيرها بين أن تختار نفسها لنفسها وبين أن تختار نفسها لزوجها؛ فإن اختارت نفسها [لنفسها] فهي بائن؛ لأنا لو جعلناه رجعيّاً لم يكن اختيارها نفسها لنفسها، ولكن لزوجها؛ إذ لزوجها أن يراجعها شاءت أو أبت، وكان التخيير بين النفسين، على ما ذكرنا.

وأما قول من يقول بأن نفس التخيير طلاق فهو باطل؛ لما ذكرنا من تخيير رسول الله أزواجه؛ فلم يكن ذلك طلاقاً.

وأما من قال بالثلاث إذا اختارت نفسها فهو كذلك عندنا إذا ذكر في التخيير الثلاث.

وأما قول من قال بالرجعي، فهو إذا صرح بالتطليق؛ فهو كذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ : الإرادة هاهنا: إرادة الاختيار والإيثار حياة الدنيا وزينتها، لا ميل القلب والرضاء به، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ .

هو إرادة الاختيار والإيثار، وهو ما يراد ويختار فعلا، لا ميل القلب والرضاء به؛ لأن كل ممكن فيه الشهوة مجعول فيه هذه الحاجة يميل قلبه، ويركن إلى ما يتمتع بحياة الدنيا ولذاتها، ويرضاه ويحبه؛ فدل أنه أراد إرادة الفعل والاختيار لا إرادة القلب ورضاه.

ثم فيه ما ذكرنا من حلهن لغير رسول الله إذا اخترن الفراق منه؛ لما ذكر أنه يمتعهن ومعلوم أنهن لا يكتسبن بأنفسهن حتى يتمتعن بذلك، ولم يكن عندهن ما يستمتعن؛ فدل أنه إنما يمتعهن بأموال أزواجهن؛ فدل على حلهن لغيره في حياته إذا فارقنه والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ .

معلوم أنهن إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها لا يحتمل ألا يردن الله، لكن إضافة ذلك إلى الله لاختيارهن المقام عند رسوله؛ فيدل ذلك أن كل ما أضيف إلى الله ورسوله كان المراد به رسوله؛ نحو ما قال: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ  ﴾ ، وأمثال ذلك.

ثم الزهد في الدنيا يكون بوجهين: أحدهما: ترك المكاسب التي توسع الدنيا، ويكون بها السعة في الدنيا، ويؤثرها لغيرها على نفسه، واختيار حال الضيق من غير تحريم ما أحل وطيب له.

والثاني: بذل ما عنده لغيره وإيثاره على نفسه وجعله أولى به منه، لا في تحريم المحللات والطيبات.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ، أي: إذا اخترن المقام عند رسول الله يصرن محسنات بذلك؛ فأعدّ لهن ما ذكر؛ فيكون ذلك الاختيار منهن: الإحسان؛ فاستوجبن ما ذكر: ويحتمل: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، ودمتن على ذلك واكتسبتن الأعمال الصالحات والإحسان حتى ختمتن على ذلك، فأعد لكن ذلك لا بنفس اختيار مقامكن معه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ .

قال بعضهم: الفاحشة المبينة هي النشوز البيّن.

وقال بعضهم: لا، بل الفاحشة المبينة هي الزنا الظاهر، ويقال: مبينة بشهادة أربعة عدول، ومبينة بالكسر، أي: مبينة ظاهرة.

﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ : الجلد والرجم في الدنيا، ولكن كيف يعرف ضعف الرجم في الدنيا من لا يعرف حدّ رجم واحد إذا كان ذلك في عذاب الدنيا، وإن كان ذلك في عذاب الآخرة؛ فكيف ذكر فاحشة مبينة، وذلك عند الله ظاهر بين؟

وقال بعضهم: ﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فَمِثْلَيْ حدود النساء، وأما في الآخرة فضعفي ما يعذب سائر النساء، فجائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ إذا اخترن الدنيا؛ فمتى أتين بفاحشة ضوعف لهن من العذاب ما ذكر وإذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة آتاهن الأجر مرتين.

أو أن يكون إذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة، ثم أتين بفاحشة ضوعف لهن ما ذكر من العذاب؛ لئلا يحسبن أنهن إذا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ثم ارتكبن ما ذكر لم يعاقبن، فذكر: أنهن إذا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ثم ارتكبن ما ذكر عوقبن ضعف ما عوقب به غيرهن، وإذا أطعن الله ورسوله، ضوعف لهن الأجر مرتين، والله أعلم.

والأشبه أن يكون ما ذكر من ضعف العذاب في الآخرة على ما يقول بعض أهل التأويل؛ ألا ترى أنه ذكر لهن الأجر كفلين، ومعلوم أن ذلك في الآخرة؛ فعلى ذلك العذاب.

وأما قوله: ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ : عند الخلق، وإن كانت عند الله مبينة ظاهرة، وذلك جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: عذابهن على الله يسيراً هيناً لا يثقل عليه ولا يشتد لمكان رسول الله؛ بل على الله يسير هين.

والثاني: أن إتيانكن الفاحشة ومعصيتكن على الله يسير، أي: لا يلحقه ضرر ولا تبعة، ليس كمعصية خواص الملك له في الدنيا: يلحقه الضرر والذل إذا عصوه وأعرضوا عنه، فأمّا الله -  - عزيز بذاته غني لا يضره عصيان عبده؛ بل ضرّوا أنفسهم.

وقوله: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: من يطع منكن لله ورسوله، ﴿ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ .

في الآية دلالة بيان فضيلة أزواج رسول الله؛ لمكان رسول الله وعظيم قدره، حيث خاطبهن من بين غيرهن من النساء كما خاطب مريم بقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ  ﴾ .

ثم يحتج الشافعي بقوله: ﴿ نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ لتأويله في قوله: الطلاق مرتان بقولة، يقول: قوله: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ  ﴾ أي: تطليقتان في دفعة واحدة من غير إحداث التطليق والفعل فيما بينهما؛ ويستدل على ذلك بقوله: ﴿ نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ ، أي: أجرين من غير إحداث فعل فيما بينهما ولكن بفعل واحد، وقوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ  ﴾ ، أي: أجرين.

لكن عندنا يجوز الإيتاء بمعنى الإيجاب، أي: يوجب لها الأجر مرتين؛ نحو قوله: ﴿ فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ  ﴾ ، أي: أوجب لهم ثواب الدنيا وثواب الآخرة؛ فعلى ذلك ما ذكر ونحوه كثير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ .

قال بعض أهل الأدب: (أحد) أجمع في الكلام من (واحد)؛ لأنه يرجع إلى واحد وإلى جماعة، وقوله: (واحد) إنما يرجع إلى الفرد خاصّة، وإنما يخاطب به الواحد.

وقوله: ﴿ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ اختيار الدنيا وزينتها، واتقيتن أيضاً نقض اختيار رسول الله والدار الآخرة.

وجائز أن يكون على الابتداء: إن اتقيتن مخالفة الله ومخالفة رسوله.

وقوله: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ ؛ فإنكن معشر أزواج رسول الله تنظرن إلى الوحي، وتصحبن رسول الله بالليل والنهار، وترين أفعاله وصنيعه؛ فإنكن أحق الناس بالتقوى وترك الميل إلى الدنيا والركون إليها ممن لا ينظر إليه ولا يصحبه إلا في الأوقات مرة.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ في الفضيلة على غيرهن من النساء؛ لأنهن يكن أزواج رسول الله في الآخرة، ويرتفعن إلى درجات رسول الله ويكن معه؛ فإنكن لستن كغيركن من النساء في الفضيلة والدرجة إن اتقيتن ما ذكرنا: من مخالفة رسول الله واختيار الحياة الدنيا وزينتها، والميل إليها والركون فيها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ ، قيل: فلا تلنّ في القول.

﴿ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ : قال بعضهم: أي: فجور وزناً.

﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ، أي: خشناً شديداً.

وقال بعضهم: ﴿ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ ، أي: نفاق، وهذا أولى؛ لأن أصحاب رسول الله لا يحتمل أن يكون أحد منهم يطمع في أزواج رسول الله نكاحاً بحال أو رغبة فيهن، بعد علمنا منهم أنهم إذا علموا من رسول الله رغبة في أزواجهم طلقوهن؛ ليتزوجهن رسول الله؛ فلا يحتمل بعدما عرف منهم هذا أن يطمع أحد منهم ويرغب في أزواجه نكاحاً، فضلا أن يرغب فجورا، ولكن إن كان ذلك فهو من أهل النفاق.

وجائز أن يرغبوا فيهن نكاحاً؛ لأنهن أعظم الناس نسباً وحسبا، وأكرمهم جمالا وحسنا؛ فجائز وقوع الرغبة فيهن من أهل النفاق؛ لما ذكرنا، وأما من أهل الإيمان فلا يحتمل ذلك؛ لما ذكرنا، ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ ؛ دل هذا أنهن بحيث يرغب فيهن ويطمع.

وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ ، يقول: فلا ترمين بقول يقارب الفاحشة، فيطمع الذي في قلبه مرض.

﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

يعني: قولا حسنا يعرف، لا يقارب الفاحشة.

لكن هذا بعيد، وأصله: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ أي: لا تقلن قولا يعرف به الرغبة في الرجال، والميل إلى الدنيا، والركون فيها ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ : ما يكون فيه تغيير المنكر والأمر بالمعروف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ .

قد قرئ بكسر القاف وفتحها، فمن قرأ بالكسر فهو من الوقار، ومن قرأ بالفتح: ﴿ وَقَرْنَ ﴾ جعله من القرار والسكون فيها.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: تبرج الجاهلية الأولى قبل أن يبعث رسول الله؛ كان يخرج نساؤهم متبرجات بزينة مظهرات، فأمر الله أزواج رسوله بالستر والحجاب عليهن، وإدناء الجلباب عليهن، وهو ما قال: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ ﴾ قال: الجاهلية التي ولد فيها إبراهيم، أعطوا أموالا كثيرة، وكن يتبرجن في ذلك الزمان تبرجاً شديداً؛ فأمر أزواجه بالعفة والترك لذلك، فلسنا ندري ما أراد بالجاهلية، ومن أراد بذلك: الذين كانوا بقرب خروج رسول الله وبعثه، أو الذين كانوا من قبل في الأمم السالفة؟

والتبرج كأنه هو الخروج بالزينة على إظهار لها؛ أعني: إظهار الزينة.

قال القتبي: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ أي: لا تلنّ به.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ أي: صحيحاً.

وقوله: ﴿ وقِرْنَ في بيوتكن ﴾ بالكسر من الوقار، ويقال: وقر في منزله يقر وقوراً، و ﴿ وَقَرْنَ ﴾ بفتح القاف من القرار، وكأنه من: قر يقر أراد أقررن في بيوتكن، فحذف الراء الأولى وحول فتحها إلى القاف، كما يقال: ظلن في موضع كذا، من اضللن؛ قال الله -  -: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ  ﴾ ولم نسمع قَرَّ يَقِرُّ إلا في موضع قرة العين، فأمّا في الاستقرار فإنما هو قَرَّ يَقَرُّ.

وقوله: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ يحتمل أن يكون الأمر لهن بإيتاء الزكاة من حليهن؛ لأنهن لا يملكن شيئاً سوى ذلك ما يجب في مثله الزكاة؛ ألا ترى أنه وعد لهنّ التمتيع والسراح الجميل إذا أردن الحياة الدنيا وزينتها، فلو كان عندهن شيء من فضول الأموال كن ينفقن ويتمتعن، وإن لم يكن عند رسول الله ما يمتعهن ولا يطلبن ذلك من غيره، فدل ذلك أنهن لا يملكن شيئاً من ذلك، فيجوز أن يستدل بظاهر هذه الآية في إيجاب الزكاة في الحلي، وكذلك روي عن ابن عباس،  .

وقوله: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة لله ورسوله؛ لئلا يغتررن بما اخترن المقام مع رسول الله وإيثارهن إياه على أن ذلك كاف لهن في الآخرة ولا شيء عليهن سوى ذلك من العبادات؛ بل أخبر أنكنّ وإن اخترتن المقام معه وآثرتن إياه على الدنيا وزينتها لا يغنيكن ذلك عما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً ﴾ قال بعضهم: إن هذه الآية مقطوعة عن الأولى؛ لأن الأولى في أزواج رسول الله  وهذه في أهل بيته، وهو قول الروافض، ويستدلون بقطعها عن الأولى بوجوه: أحدها: ما روي عن أم سلمة زوج النبي  أنها قالت: "عنى بذلك عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، وقالت: لما نزلت هذه الآية، أخذ النبي ثوباً، فجعله على هؤلاء، ثم تلا الآية: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ فقالت أم سلمة من جانب البيت: يا رسول الله، [ألست] من أهل البيت؟

قال: بلى إن شاء الله" وعن الحسن بن علي أنه خطب الناس بالكوفة وهو يقول: يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم، وإنا ضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله -  -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ .

ويقولون - أيضاً -: إن الآية الأولى ذكرها بالتأنيث حيث قال: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ وهذه ذكرها بالتذكير دل أنها مقطوعة عن الأولى.

ويقولون - أيضاً -: إنه وعد أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً وعداً مطلقاً غير مقيد، وذلك الرجس الذي ذكر مما يحتمل أزواجه ممكن ذلك فيهن غير ممكن في أهل بيته ومن ذكره.

ويقولون - أيضاً - ما روي عنه أنه قال: "تركت فيكم بعدي الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما ليردان بكم الحوض" أو كلام نحو هذا، ففسر العترة بأهل البيت، ونحو ذلك من الوجوه: وأما عندنا فهي غير مقطوعة من الأولى: إما أن يكون على الاشتراك بينهن وبين من ذكروا من أولاده؛ إذ اسم أهل البيت مما يجمع ذلك كله في العرف.

أو تكون الآية لهن على الانفراد، فأمّا أن يخرج أزواجه عن أهل بيته والبيت يجمعهم، فلا يحتمل ذلك.

وأما قولهم: إنه ذكر هذه الآية بالتذكير والأولى بالتأنيث فعند الاختلاط كذلك يذكر باسم التذكير.

وأمّا قولهم: إن وعده لهم منه خرج مطلقاً غير مقيد، فكذلك كن أزواج رسول الله لم يأت منهن ما يجوز أن ينسبن إلى الرجس والقذر إلا فيما غلبن على رأيهن وتدبيرهن بالحيل، فأخرجن فيما أخرجن.

وأما قولهم في الثقلين اللذين تركهما فينا بعده: الكتاب والعترة، فعترته: سنته؛ على ما قيل: وقوله: "أهل بيتي" كأنه قال: تركت الثقلين كتاب الله وسنتي بأهل بيتي، وذلك جائز في اللغة.

وأما ما روي عن أم سلمة فإنه في الخبر بيان على أن أزواجه دخلن حيث قالت له أم سلمة: "ألست من أهل البيت؟

قال: بلى إن شاء الله" وفي هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه: أحدها: ما يقولون: إن الله قد أراد أن يطهر الخلق كلهم: الكافر والمسلم، وأراد أن يذهب الرجس عنهم جميعاً، لكن الكافر حيث أراد ألا يطهر نفسه ولا يذهب عنه الرجس لم يطهر، فلو كان على ما يقولون لم يكن لتخصيص هؤلاء بالتطهر ودفع الرجس عنهم فائدة ولا منة - دل أنما يطهر من علم منه اختيار الطهارة وترك الرجس، وأما من علم منه اختيار الرجس فلا يحتمل أن يذهب عنه الرجس، أو يريد منه غير ما يعلم أنه يختار، وأن التطهير لمن يكون إنما يكون بالله، لا بما تقوله المعتزلة؛ حيث قال: ﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً ﴾ ؛ إذ على قولهم لا يملك هو تطهير من أراد تطهيره؛ إذ لم يبق عنده ما يطهرهم، فذلك كله ينقض عليهم أقوالهم ومذهبهم.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَٱذْكُـرْنَ ﴾ أي: اتلون ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة، وجعل بيوتكن موضعاً لنزول الوحي.

والثاني: اذكرن على حقيقة الذكر؛ أي: اذكرن ما منَّ الله عليكن، وجعلكن من أهل بيت يتلى فيه آيات الله والحكمة، وجعل بيوتكن موضعاً لنزول الوحي فيها، وخصكن بذلك، ما لم يجعل في بيت أحد ذلك، يذكرهن عظيم ما أنعم ومنّ عليهن؛ ليتأدّى به شكره؛ ليعرفن منن الله ونعمه عليهن.

وقوله: ﴿ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل آيات القرآن.

ويحتمل حججه وبراهينه.

والحكمة: قالت الفلاسفة: الحكيم: هو الذي يجمع العلم والعمل جميعاً.

وقال بعضهم: الحكيم: المصيب، والحكمة: هي الإصابة.

وقيل: هي وضع الشيء موضعه، وهي نقيض السفة.

وأصل الحكمة في الحقيقة كأنه هي الإصابة في كل شيء، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في الحكم ولا الغلط.

وقال بعضهم: الحكمة - هاهنا - هي السنة.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ﴾ اللطيف: هو البارّ؛ يقال: فلان لطيف: إذا كان بارّاً.

والثاني: اللطيف: هو الذي يستخرج الأشياء الخفية الكامنة مما لا يتوهمها العقول استخراجها من مثلها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن كنتنّ تردن رضا الله ورضا رسوله، وتردن الجنة في الدار الآخرة، فاصبرن على حالكنّ، فإن الله أعدّ لمن أحسنَ منكنّ بالصبر وحسن العشرة أجرًا عظيمًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.jVZEG"

مزيد من التفاسير لسورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل