الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٣٦ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 106 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٦ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال العوفي ، عن ابن عباس : قوله : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ) الآية ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة ، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها ، فقالت : لست بناكحته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل فانكحيه " قالت : يا رسول الله ، أؤامر في نفسي فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله صلى الله عليه وسلم : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ) الآية ، قالت : قد رضيته لي منكحا يا رسول الله ؟
قال : " نعم " قالت : إذا لا أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد أنكحته نفسي وقال ابن لهيعة ، عن ابن أبي عمرة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ، فاستنكفت منه ، وقالت : أنا خير منه حسبا - وكانت امرأة فيها حدة - فأنزل الله ، عز وجل : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ) الآية كلها وهكذا قال مجاهد ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان : أنها نزلت في زينب بنت جحش [ الأسدية ] حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على مولاه زيد بن حارثة ، فامتنعت ثم أجابت وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وكانت أول من هاجر من النساء - يعني : بعد صلح الحديبية - فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : قد قبلت فزوجها زيد بن حارثة - يعني والله أعلم بعد فراقه زينب - فسخطت هي وأخوها وقالا إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده قال : فنزل القرآن : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ) إلى آخر الآية قال : وجاء أمر أجمع من هذا : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) قال : فذاك خاص وهذا جماع وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ثابت البناني ، عن أنس قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها ، فقال : حتى أستأمر أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فنعم إذا قال : فانطلق الرجل إلى امرأته ، [ فذكر ذلك لها ] ، فقالت : لاها الله ذا ، ما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جليبيبا ، وقد منعناها من فلان وفلان ؟
قال : والجارية في سترها تسمع قال : فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقالت الجارية : أتريدون أن تردوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ؟
إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه قال : فكأنها جلت عن أبويها ، وقالا صدقت فذهب أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن كنت رضيته فقد رضيناه قال : " فإني قد رضيته " قال : فزوجها ، ثم فزع أهل المدينة ، فركب جليبيب فوجدوه قد قتل ، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم ، قال أنس : فلقد رأيتها [ وإنها ] لمن أنفق بيت بالمدينة وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن ثابت ، عن كنانة بن نعيم العدوي ، عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبا كان امرأ يدخل على النساء يمر بهن ويلاعبهن ، فقلت لامرأتي : لا يدخلن اليوم عليكم جليبيب ، فإنه إن دخل عليكم لأفعلن ولأفعلن قال : وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم : هل لنبي الله صلى الله عليه وسلم فيها حاجة أم لا ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار : " زوجني ابنتك " قال : نعم ، وكرامة يا رسول الله ، ونعمة عين فقال : إني لست أريدها لنفسي قال : فلمن يا رسول الله ؟
قال : لجليبيب فقال : يا رسول الله ، أشاور أمها فأتى أمها فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ابنتك ؟
فقالت : نعم ونعمة عين فقال : إنه ليس يخطبها لنفسه ، إنما يخطبها لجليبيب فقالت : أجليبيب إنيه ؟
أجليبيب إنيه ؟
لا لعمر الله لا تزوجه فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره بما قالت أمها ، قالت الجارية : من خطبني إليكم ؟
فأخبرتها أمها قالت : أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ؟!
ادفعوني إليه ، فإنه لن يضيعني فانطلق أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : شأنك بها فزوجها جليبيبا قال : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له ، فلما أفاء الله عليه قال لأصحابه : " هل تفقدون من أحد " ؟
قالوا : نفقد فلانا ونفقد فلانا قال : " انظروا هل تفقدون من أحد ؟
" قالوا : لا قال : " لكني أفقد جليبيبا " قال : " فاطلبوه في القتلى " فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه [ قالوا : يا رسول الله ، ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه ] فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عليه ، فقال : قتل سبعة [ وقتلوه ] ، هذا مني وأنا منه مرتين أو ثلاثا ، ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه [ وحفر له ، ما له سرير إلا ساعد النبي صلى الله عليه وسلم ] ثم وضعه في قبره ، ولم يذكر أنه غسله ، رضي الله عنه قال ثابت : فما كان في الأنصار أيم أنفق منها وحدث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتا : هل تعلم ما دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقال : " اللهم ، صب عليها [ الخير ] صبا ، ولا تجعل عيشها كدا " كذا قال ، فما كان في الأنصار أيم أنفق منها هكذا أورده الإمام أحمد بطوله ، وأخرج منه مسلم والنسائي في الفضائل قصة قتله وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في " الاستيعاب " أن الجارية لما قالت في خدرها : أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ؟
تلت هذه الآية : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) وقال ابن جريج [ أخبرني عامر بن مصعب ، عن طاوس قال : إنه سأل ابن عباس عن ركعتين بعد العصر ، فنهاه ، وقرأ ابن عباس ، رضي الله عنه : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) ] فهذه الآية عامة في جميع الأمور ، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء ، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا ، ولا رأي ولا قول ، كما قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) [ النساء : 65 ] وفي الحديث : " والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " ولهذا شدد في خلاف ذلك ، فقال : ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) ، كقوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) [ النور : 63 ]
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا (36) يقول تعالى ذكره: لم يكن لمؤمن بالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا(فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا) يقول: فقد جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدى والرشاد.
وذكر أن هذه الآية نـزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على فتاه زيد بن حارثة، فامتنعت من إنكاحه نفسها.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْرًا ....) إلى آخر الآية، وذلك أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم انطلق يخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: فانكحيه، فقالت: يا رسول الله أؤمر في نفسي، فبينما هما يتحدثان أنـزل الله هذه الآية على رسوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ ....) إلى قوله (ضَلالا مُبِينًا) قالت: قد رضيته لي يا رسول الله مَنكحًا؟
قال: " نعم " قالت: إذن لا أعصي رسول الله، قد أنكحته نفسي.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (أنْ تَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ) قال: زينب بنت جحش وكراهتها نكاح زيد بن حارثة حين أمرها به رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ) قال: نـزلت هذه الآية في زينب بنت جحش، وكانت بنت عمة رسول الله &; 20-272 &; صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فخطبها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فرضيت ورأت أنه يخطبها على نفسه، فلما علمت أنه يخطبها على زيد بن حارثة أبت وأنكرت، فأنـزل الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ) قال: فتابعته بعد ذلك ورضيت.
حدثني أَبو عبيد الوصافي، قال: ثنا محمد بن حمير، قال: ثنا ابن لهيعة، عن ابن أَبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسبا وكانت امرأة فيها حدة؛ فأنـزل الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْرًا ....) الآية كلها.
وقيل: نـزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وذلك أنها وهبت نفسها لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فزوجها زيد بن حارثة.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْرًا ....) إلى آخر الآية، قال: نـزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت من أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها، وقالا إنما أردنا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فزوجنا عبده.
قال: فنـزل القرآن (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ ....) إلى آخر الآية.
قال: وجاء أمر أجمع من هذا النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال: فذاك خاص، وهذا إجماع.
قوله تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا .فيه أربع مسائل :الأولى : روى قتادة وابن عباس ومجاهد في سبب نزول هذه الآية : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش ، وكانت بنت عمته ، فظنت أن الخطبة لنفسه ، فلما تبين أنه يريدها لزيد ، كرهت وأبت وامتنعت ، فنزلت الآية .
فأذعنت زينب حينئذ وتزوجته .
في رواية : فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش ، وأن زيدا كان بالأمس عبدا ، إلى أن نزلت هذه الآية ، فقال له أخوها : مرني بما شئت ، فزوجها من زيد .
وقيل : إنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وكانت وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فزوجها من زيد بن حارثة ، فكرهت ذلك هي وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا غيره ، فنزلت الآية بسبب ذلك ، فأجابا إلى تزويج زيد ، قاله ابن زيد .
وقال الحسن : ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا أمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بأمر أن يعصياه .الثانية : لفظة ( ما كان ، وما ينبغي ) ونحوهما ، معناها الحظر والمنع .
فتجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون ، كما في هذه الآية .
وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا كقوله تعالى : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها وربما كان العلم بامتناعه شرعا كقوله تعالى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة وقوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب .
وربما كان في المندوبات ، كما تقول : ما كان لك يا فلان أن تترك النوافل ، ونحو هذا .الثالثة : في هذه الآية دليل بل نص في أن الكفاءة لا تعتبر في الأحساب وإنما تعتبر في الأديان ، خلافا لمالك والشافعي والمغيرة وسحنون .
وذلك أن الموالي تزوجت في قريش ، تزوج زيد زينب بنت جحش .
وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير .
وزوج أبو حذيفة [ ص: 170 ] سالما من فاطمة بنت الوليد بن عتبة .
وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن عوف .
وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع .الرابعة : قوله تعالى : أن يكون لهم الخيرة من أمرهم قرأ الكوفيون : أن يكون بالياء .
وهو اختيار أبي عبيد ، لأنه قد فرق بين المؤنث وبين فعله .
الباقون بالتاء ؛ لأن اللفظ مؤنث فتأنيث فعله حسن .
والتذكير على أن الخيرة بمعنى التخيير ، فالخيرة مصدر بمعنى الاختيار .
وقرأ ابن السميقع " الخيرة " بإسكان الياء .
وهذه الآية في ضمن قوله تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم .
ثم توعد تعالى وأخبر أن من يعص الله ورسوله فقد ضل .
وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا ، وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليين ، من أن صيغة ( أفعل ) للوجوب في أصل وضعها ؛ لأن الله تبارك وتعالى نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية ، ثم علق على المعصية بذلك الضلال ، فلزم حمل الأمر على الوجوب .
والله أعلم .
أي: لا ينبغي ولا يليق، ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة اللّه ورسوله، والهرب من سخط اللّه ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة { إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ْ} من الأمور، وحتَّما به وألزما به { أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ْ} أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا؟
بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر اللّه ورسوله.{ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ْ} أي: بَيِّنًا، لأنه ترك الصراط المستقيم الموصلة إلى كرامة اللّه، إلى غيرها، من الطرق الموصلة للعذاب الأليم، فذكر أولاً السبب الموجب لعدم معارضته أمر اللّه ورسوله، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ذلك، وهو التخويف بالضلال، الدال على العقوبة والنكال.
قوله - عز وجل - : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) نزلت الآية في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن جحش وأمهما أمية بنت عبد المطلب عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمولاه زيد بن حارثة وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى زيدا في الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه ، فلما خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت وقالت : أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي ، وكانت بيضاء جميلة فيها حدة ، وكذلك كره أخوها ذلك ، فأنزل الله - عز وجل - : ( وما كان لمؤمن ) يعني : عبد الله بن جحش ( ولا مؤمنة ) يعني : أخته زينب ( إذا قضى الله ورسوله أمرا ) أي إذا أراد الله ورسوله أمرا وهو نكاح زينب لزيد ( أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) قرأ أهل الكوفة : " أن يكون " بالياء ، للحائل بين التأنيث والفعل ، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث " الخيرة " من أمرهم ، والخيرة : الاختيار .
والمعنى أن يريد غير ما أراد الله أو يمتنع مما أمر الله ورسوله به .
( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) أخطأ خطأ ظاهرا ، فلما سمعا ذلك رضيا بذلك وسلما ، وجعلت أمرها بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك أخوها ، فأنكحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيدا ، فدخل بها وساق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها عشرة دنانير ، وستين درهما ، وخمارا ، ودرعا ، وإزارا وملحفة ، وخمسين مدا من طعام ، وثلاثين صاعا من تمر .
(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن تكون) بالتاء والياء (لهم الخيرة) أي الاختيار (من أمرهم) خلاف أمر الله ورسوله، نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب خطبها النبي لزيد بن حارثة فكرها ذلك حين علما لظنهما قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبها لنفسه ثم رضيا للآية (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) بينا فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد ثم وقع بصره عليها بعد حين فوقع في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم أريد فراقها فقال: "أمسك عليك زوجك" كما قال تعالى:
ولا ينبغي لمؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله فيهم حُكمًا أن يخالفوه، بأن يختاروا غير الذي قضى فيهم.
ومن يعص الله ورسوله فقد بَعُدَ عن طريق الصواب بُعْدًا ظاهرًا.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الحقوق الواجبة على المسلم نحو خالقه - عز وجل - ونحو رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعن تأكيد إبطال عادة التبنى التى كانت منتشرة قبل نزول هذه السورة ، وعن بيان الحكمة لهذا الإِبطال ، وعن علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بغيره من أتباعه .
.
فقال - تعالى - : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ .
.
.
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) .ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ) روايات منها : " أنها نزلت فى زينب بنت جحش - رضى الله عنها - خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد ابن حارثة فاستنكفت ، وقالت : أنا خير منه حسبا ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .وفى رواية أنها قالت : يا رسول الله ، لست بنكاحته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل فانكحيه " فقالت : يا رسول الله ، أؤامر فى نفسى؟
فبينما هما يتحادثان ، أنزل الله - تعالى هذه الآية .
فقالت : يا رسول الله ، قد رضيته لى زوجا؟
قال : نعم قالت : إذا لا أعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجته نفسى " .وذكر بعضهم أنها نزلت فى أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ، وكانت أول من هاجر من النساء .
.
يعنى بعد صلح الحديبية ، فهوهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم ، فزوجها من مولاه زيد بن حارثة ، بعد فراقه لزينب فسخطت هى وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده ، فنزلت الآية بسبب ذلك ، فأجابا إلى تزويج زيد .قال ابن كثير : هذه الاية عامة فى جميع الأمور .
وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشئ ، فليس لأحد مخالفته ، ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأى ولا قول ، كما قال - تعالى - : ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) وفى الحديث الشريف : " والذى نفسى بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " .والمعنى : لا يصح ولا يحل لأى مؤمن ولا لأية مؤمنة ( إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ ) أى : إذا أراد الله ورسوله أمرا .
من الأمور .وقال - سبحانه - : ( إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً ) للإِشعار ، بأن ما يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يفعله بأمرا لله - تعالى - لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى .وقوله : ( أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ ) أى : لا يصح لمؤمن أو مؤمنة إذا أراد الله ورسوله أمرا ، أن يختاروا ما يخالف ذلك ، بل يجب عليهم أن يذعنوا لأمره صلى الله عليه وسلم وأن يجعلوا رأيهم تابعا لرأيه فى كل شئ .وكلمة الخِيرة : مصدر من تخيَّر ، كالطِّيرَة مصدر من تَطَيَّر .
وقوله : ( مِنْ أَمْرِهِمْ ) متعلق بها ، أو بمحذوف وقع حالا منها .وجاء الضمير فى قوله ( لَهُمُ ) وفى قوله ( مِنْ أَمْرِهِمْ ) بصيغة الجمع : رعاية للمعنى إذ أن لفظى مؤمن ومؤمنة وقعا فى سياق النفى ، فيعمان كل مؤمن وكل مؤمنة .وقوله - سبحانه - : ( وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً ) بيان لسوء عاقبة واضحا بينا .
قيل بأن الآية نزلت في زينب حيث أراد النبي صلى الله عليه وسلم تزويجها من زيد بن حارثة فكرهت إلا النبي عليه السلام وكذلك أخوها امتنع فنزلت الآية فرضيا به، والوجه أن يقال إن الله تعالى لما أمر نبيه بأن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد ضرر الغير فمن كان ميله إلى شيء يمكنه النبي عليه السلام من ذلك، ويترك النبي عليه السلام حق نفسه لحظ غيره، فقال في هذه الآية لا ينبغي أن يظن ظان أن هوى نفسه متبعه وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في الزوجات، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله فما أمر الله هو المتبع وما أراد النبي هو الحق ومن خالفهما في شيء فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن الله هو المقصد والنبي هو الهادي الموصل، فمن ترك المقصد ولم يسمع قول الهادي فهو ضال قطعاً.
<div class="verse-tafsir"
خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة، فأبت وأبى أخوها عبد الله، فنزلت، فقال: رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه وساق عنه إليها مهرها ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مدّاً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.
وقيل: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أوّل من هاجر من النساء، وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «قد قبلت» ، وزوّجها زيداً.
فسخطت هي وأخوتها وقالا: إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوّجنا عبده، والمعنى وما صحّ لرجل ولا امرأة من المؤمنين ﴿ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ ﴾ أي رسول الله أو لأن قضاء رسول الله هو قضاء الله ﴿ أمْراً ﴾ من الأمور: أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا، بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعاً لرأيه، واختيارهم تلواً لاختياره.
فإن قلت: كان من حق الضمير أن يوحد كما تقول: ما جاءني من رجل ولا امرأة إلاّ كان من شأنه كذا، قلت: نعم ولكنهما وقعا تحت النفي، فعما كل مؤمن ومؤمنة، فرجع الضمير على المعنى لا على اللفظ.
وقرئ: ﴿ يكون ﴾ بالتاء والياء.
﴿ الخيرة ﴾ ما يتخير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ ﴾ ما صَحَّ لَهُ.
﴿ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا ﴾ أيْ قَضى رَسُولُ اللَّهِ، وذُكِرَ اللَّهُ لِتَعْظِيمِ أمْرِهِ والإشْعارِ بِأنَّ قَضاءَهُ قَضاءُ اللَّهِ، لِأنَّهُ نَزَلَ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِنْتِ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ خَطَبَها رَسُولُ اللَّهِ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ فَأبَتْ هي وأخُوها عَبْدُ اللَّهِ.
وقِيلَ في أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ فَزَوَّجَها مِن زَيْدٍ.
( أنْ تَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ) أنْ يَخْتارُوا مِن أمْرِهِمْ شَيْئًا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا اخْتِيارَهم تَبَعًا لِاخْتِيارِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والخِيَرَةُ ما يُتَخَيَّرُ وجَمْعُ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِعُمُومِ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ مِن حَيْثُ إنَّهُما في سِياقِ النَّفْيِ، وجَمْعُ الثّانِي لِلتَّعْظِيمِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وهِشامٌ «يَكُونَ» بِالياءِ.
﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا ﴾ بَيِّنَ الِانْحِرافِ عَنِ الصَّوابِ.
<div class="verse-tafsir"
خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بنت عمته أميمة على مولاه زيد بن حارثة بأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} أي وما صح لرجل مؤمن ولا امرأة مؤمنة {إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ} أي رسول الله {أمْراً} من الأمور {أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ} أن يختاروا من أمرهم
ما شاءوا بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعاً لرأيه واختيارهم تلوا لاختياره فقال رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه إليها مهرها وإنما جمع الضمير في لَهُمْ وإن كان من حقه أن يوحد لأن المذكورين وقعا تحت النفي فعما كل مؤمن ومؤمنة فرجع الضمير إلى المعنى لا إلى اللفظ ويكون بالياء كوفي والخيرة ما يتخير ودل ذلك على أن الأمر للوجوب {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالا مُّبِيناً} فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق
﴿ وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اِسْتَقامَ لِرَجُلٍ ولا اِمْرَأةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا ﴾ أيْ قَضى رَسُولُ اللَّهِ ، وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِتَعْظِيمِ أمْرِهِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَنزِلَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ تُعَدُّ أوامِرِهِ أوامِرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ما يَفْعَلُهُ إنَّما يَفْعَلُهُ بِأمْرِهِ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى فالنَّظْمُ إمّا مِن قَبِيلِ ﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ﴾ أوْ مِن قَبِيلِ ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ .
﴿ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ﴾ أيْ أنْ يَخْتارُوا مِن أمْرِهِمْ ما شاءُوا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا رَأْيَهم تَبَعًا لِرَأْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واخْتِيارَهم تِلْوًا لِاخْتِيارِهِ، والخِيَرَةُ مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ كالطِّيَرَةِ مَصْدَرٌ مِن تَطَيَّرَ، ولَمْ يَجِئْ عَلى ما قِيلَ مَصْدَرٌ بِهَذِهِ الزِّنَةِ غَيْرَهُما، وقِيلَ: هي صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وفُسِّرَتْ بِالمُتَخَيَّرِ، و ﴿ مِن أمْرِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِها أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في لَهم رِعايَةً لِلْمَعْنى لِوُقُوعِ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ في سِياقِ النَّفْيِ والنَّكِرَةُ الواقِعَةُ في سِياقِهِ تَعُمُّ، وكانَ مِن حَقِّهِ عَلى ما في الكَشّافِ تَوْحِيدُهُ كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِنَ اِمْرَأةٍ ولا رَجُلٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا عَطْفٌ بِالواوِ والتَّوْحِيدُ في العَطْفِ بِأوْ نَحْوَ مَن جاءَكَ مِن شَرِيفٍ أوْ وضِيعٍ أُكْرِمْهُ فَلا يَجُوزُ إفْرادُ الضَّمِيرِ في ذاكَ إلّا بِتَأْوِيلِ الحَذْفِ، وجَمْعُهُ في ( أمْرِهِمْ ) مَعَ أنَّهُ لِلرَّسُولِ أوَّلَهُ ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلتَّعْظِيمِ عَلى ما قِيلَ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَمْ يَظْهَرْ عِنْدِي اِمْتِناعُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الأوَّلُ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى ناشِئَةً مِن أمْرِهِمْ أيْ دَواعِيهِمْ السّائِقَةِ إلى اِخْتِيارِ خِلافِ ما أمَرَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أوْ يَكُونُ المَعْنى الِاخْتِيارَ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ أيْ أُمُورِهِمُ الَّتِي يَعْنُونَها، ويُرَجَّحُ عُودُهُ عَلى ما ذُكِرَ بِعَدَمِ التَّفْكِيكِ ورُدَّ بِأنَّ ذاكَ قَلِيلُ الجَدْوى ضَرُورَةَ أنَّ الخِيَرَةَ ناشِئَةٌ مِن دَواعِيهِمْ أوْ واقِعَةٌ في أُمُورِهِمْ وهو بَيِّنٌ مُسْتَغْنٍ عَنِ البَيانِ بِخِلافِ ما إذا كانَ المَعْنى بَدَلَ أمْرِهِ الَّذِي قَضاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ مُتَجاوِزِينَ عَنْ أمْرِهِ لِتَأْكِيدِهِ وتَقْرِيرِهِ لِلنَّفْيِ، وهَذا هو المانِعُ مِن عُودِهِ إلى ما عادَ عَلَيْهِ الأوَّلُ، والحَقُّ أنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى ما كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اِخْتِيارٌ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ لَهم أمْرًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّ ما عُدَّ مانِعًا مانِعٌ، فَتَدَبَّرْ.
ولَعَلَّ الفائِدَةَ في العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ في الضَّمِيرِ الأوَّلِ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ الإيذانُ بِأنَّهُ كَما لا يَصِحُّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ كَذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَجْتَمِعُوا ويَتَّفِقُوا عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّ تَأْثِيرَ الجَماعَةِ واتِّفاقَهم أقْوى مِن تَأْثِيرِ الواحِدِ، ويُسْتَفادُ مِنهُ فائِدَةُ الجَمْعِ في الضَّمِيرِ الثّانِي عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِهِ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الأوَّلُ وكَذا وجْهُ إفْرادِ الأمْرِ إذا أُمْعِنَ النَّظَرُ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ وعِيسى (تَكُونُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ والوَجْهُ ظاهِرٌ ووَجْهُ القِراءَةِ بِالياءِ وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ والحَسَنِ والأعْمَشِ والسَّلَمِيِّ أنَّ المَرْفُوعَ بِالفِعْلِ مَفْصُولٌ مَعَ كَوْنِ تَأْنِيثِهِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وقُرِئَ كَما ذَكَرَ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ «اَلْخِيْرَةُ» بِسُكُونِ الياءِ.
﴿ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ويَعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِهِ ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ﴾ طَرِيقَ الحَقِّ ﴿ ضَلالا مُبِينًا ﴾ أيْ بَيِّنَ الِانْحِرافِ عَنْ سُنَنِ الصَّوابِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الأُمُورِ المَقْضِيَّةِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ السَّوْقُ، والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِمْ «نَزَلَتْ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِن عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأخِيها عَبْدِ اللَّهِ خَطَبَها رَسُولُ اللَّهِ لِمَوْلاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وقالَ: إنِّي أُرِيدُ أُزَوِّجُكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَإنِّي قَدْ رَضِيتُهُ لَكِ فَأبَتْ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَكِنِّي لا أرْضاهُ لِنَفْسِي وأنا أيِّمُ قَوْمِي وبِنْتُ عَمَّتِكَ فَلَمْ أكُنْ لِأفْعَلَ، وفي رِوايَةٍ أنَّها قالَتْ: أنا خَيْرٌ مِنهُ حَسَبًا ووافَقَها أخُوها عَبْدُ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا وسَلَّما، فَأنْكَحُها رَسُولُ اللَّهِ زَيْدًا بَعْدَ أنْ جَعَلَتْ أمْرَها بِيَدِهِ وساقَ إلَيْها عَشَرَةَ دَنانِيرَ وسِتِّينَ دِرْهَمًا مَهْرًا وخِمارًا ومِلْحَفَةً ودِرْعًا وإزارًا وخَمْسِينَ مُدًّا مِن طَعامٍ وثَلاثِينَ صاعًا مِن تَمْرٍ».
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ نَزَلَتْ في أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وكانَتْ أوَّلَ اِمْرَأةٍ هاجَرَتْ مِنَ النِّساءِ فَوَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ فَزَوَّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَحَطَّتْ هي وأخُوها وقالَتْ إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللَّهِ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ».
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ يعني: احفظن ما يقرأ عليكن مِنْ آياتِ اللَّهِ يعني: القرآن وَالْحِكْمَةِ يعني: أمره ونهيه في القرآن.
فوعظهن ليتفكرون.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً لطيف علمه، فيعلم حالهن إن خضعن بالقول.
ويقال: لطيفاً أمر نبيه بأن يلطف بهن خَبِيراً يعني: عالماً بأعمالهن.
قوله عز وجل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وذلك أن أم سلمة- ا- سألت رسول الله : ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه، فأخشى أن لا يكون فيهن خير، ولا لله عز وجل فيهن حاجة؟
فنزل إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ويقال: إن النساء اجتمعن وبعثن أنيسة رسولا إلى النبيّ .
فقالت: إن الله تبارك وتعالى خالق الرجال والنساء، وقد أرسلك إلى الرجال والنساء، فما بال النساء ليس لهن ذكر في الكتاب فنزلت هذه الآية.
وقال قتادة: لما ذكر الله عز وجل أزواج النبي يعني: دخل نِسَاءٌ مسلماتٌ عليهن، فقلن: ذكرتن ولم نذكر.
ولو كان فينا خيرا ذكرنا.
فنزلت هذه الآية إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ يعني: المسلمين من الرجال، والمسلمات من النساء.
وَالْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين الموحدين من الرجال وَالْمُؤْمِناتِ يعني: المصدقات الموحدات من النساء وَالْقانِتِينَ يعني: المطيعين، وأصل القنوت القيام.
ثم يكون للمعاني، ويكون للطاقة.
كقوله وَالْقانِتِينَ ويكون للإقرار بالعبودية كقوله: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [البقرة: 116 والروم: 26] وَالْقانِتاتِ أي: المطيعات من النساء وَالصَّادِقِينَ يعني: الصادقين في إيمانهم من الرجال وَالصَّادِقاتِ من النساء وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ على أمر الله تعالى من الرجال والنساء وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ يعني: المتواضعين من الرجال والنساء وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ يعني: المنفقين أموالهم في طاعة الله مِنْ الرجال والنساء وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ قال مقاتل: من صام رمضان، وثلاثة أيام من كل شهر فهو من الصائمين والصائمات.
ثم قال: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ يعني: من الفواحش من الرجال والنساء وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ يعني: باللسان من الرجال والنساء.
فذكر أعمالهم.
ثم ذكر ثوابهم فقال: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً في الدنيا لذنوبهم وَأَجْراً عَظِيماً في الآخرة وهو الجنة.
قوله عز وجل: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ الآية.
وذلك أن رسول الله قال لزينب بنت جحش الأسدية وهي بنت عمة النبيّ أميمة بنت عبد المطلب: «إنِّي أُرِيدُ أنْ أُزَوِّجَكِ من زيد بن حارثة» .
فقالت: يا رسول الله لا أرضاه لنفسي.
وأنا أرفع قريش لأنني من قريش وابنة عمتك.
فنزل وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ يعني: ما جاز لمؤمن يعني: زيد بن حارثة، وَلا مُؤْمِنَةٍ يعني: زينب بنت جحش إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً يعني: حكم حكماً في تزويجهما أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ يعني: اختيار من أمرهم بخلاف ما أمر الله ورسوله.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم: أن يكون بالياء بالتذكير.
وقرأ الباقون: بالتاء بلفظ التأنيث.
فمن قرأ بالتاء: فلأن لفظ الخيرة مؤنث.
ومن قرأ بالياء: فإنه ينصرف إلى المعنى، ومعناهما الاختيار لتقديم الفعل وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً فلما سمعت زينب بنت جحش نزول هذه الآية قالت: أطعتك يا رسول الله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ ...
الآية.
وفي الحديث:
٧٤ ب الصحيح عنه صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «سَبَقَ المُفْرِّدُون!
قَالُوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ، / يَا رَسُولَ اللَّه؟
قَالَ:
الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتُ» «١» رواه مسلم واللفظ له، والترمذيُّ، وعنده: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا المُفَرِّدُونَ؟
قَالَ: «المُسْتَهْتِرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ، فَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِفَافاً» «٢» .
قال عياض: «والمُفَرِّدون» ضَبَطْنَاهُ على مُتْقِني شيوخِنا- بفتح الفَاء وكَسرِ الراء-.
وقال ابن الأعرابي: فَرَّدَ الرجلُ إذا تَفَقَّهَ وَاعْتَزَلَ النَّاسَ، وخلا لمُرَاعاة الأمر والنهي، وقال الأزهريُّ: هم المُتَخَلُّونَ مِنَ النَّاسِ بذكْرِ الله تعالى، وقوله: المستَهْتِرُونَ «٣» في ذكْر اللَّهِ هو- بفتح التاءَيْنِ المثناتين- يعني: الذين أُولِعُوا بذكْرِ الله، يقال: استهتر فُلانٌ بكَذَا، أي: أَولِعَ به، انتهى من «سلاح المؤمن» .
وقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ...
الآية: قوله: وَما كانَ لفظه النفي، ومعناه الحظرُ والمنعُ والخيرةُ مصدرُ بمعنى التَّخَيُّر.
قال ابن زيد: نزلت هذه الآية بسبب أن أم كُلثُوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهبت نفسها للنبي، فزوجها من زيد بن حارثة، فكرهت ذلك هي وأخوها، فنزلت الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد «٤» ، وقيل غير هذا، والعصيانُ هنا يعم الكفر فما دون، وفي
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ ﴾ الآيَةُ، في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقَ يَخْطُبُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَقالَتْ: لا أرْضاهُ، ولَسْتُ بِناكِحَتِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : " بَلى فانْكِحِيهِ، فَإنِّي قَدْ رَضِيتُهُ لَكِ " فَأبَتْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ أخا زَيْنَبَ كَرِهَ ذَلِكَ كَما كَرِهَتْهُ زَيْنَبُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا وسَلَّما.
قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالمُؤْمِنِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، والمُؤْمِنَةِ: زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في «أُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وكانَتْ أوَّلَ امْرَأةٍ هاجَرَتْ، فَوَهَبَتْ نَفْسَها لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَ: " قَدْ قَبِلْتُكِ "، وزَوَّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةٍ، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، وقالا: إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَوَّجَها عَبْدَهُ؟!
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والأوَّلُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا ﴾ أيْ: حَكَما بِذَلِكَ " أنْ تَكُونَ " وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: " أنْ يَكُونَ " بِالياءِ ﴿ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: " الخِيْرَةُ " بِإسْكانِ الياءِ؛ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: " لِهَمّ "، لِأنَّ المُرادَ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، والخِيَرَةُ: الِاخْتِيارُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا اخْتِيارَ عَلى ما قَضاهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ.
«فَلَمّا زَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ زَيْدًا مَكَثَتْ عِنْدَهُ حِينًا، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ أتى مَنزِلَ زَيْدٍ فَنَظَرَ إلَيْها وكانَتْ بَيْضاءَ جَمِيلَةً مِن أتَمِّ نِساءِ قُرَيْشٍ، فَوَقَعَتْ في قَلْبِهِ، فَقالَ: " سُبْحانَ مُقَلِّبِ القُلُوبِ "، وفَطِنَ زِيدٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي في طَلاقِها.» وقالَ بَعْضُهُمْ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ مَنزِلَ زَيْدٍ، فَرَأى زَيْنَبَ، فَقالَ: " سُبْحانَ مُقَلِّبِ القُلُوبِ "، فَسَمِعَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ، فَلَمّا جاءَ زَيْدٌ ذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَعَلِمَ أنَّها قَدْ وقَعَتْ في نَفْسِهِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي في طَلاقِها.» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ إلى بابِ زَيْدٍ- وعَلى البابِ سِتْرٌ مِن شَعْرٍ- فَرَفَعَتِ الرِّيحُ السِّتْرَ، فَرَأى زَيْنَبِ، فَلَمّا وقَعَتْ في قَلْبِهِ كُرِّهَتْ إلى الآخَرِ، فَجاءَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُرِيدُ فِراقَها، فَقالَ لَهُ: " اتَّقِ اللَّهَ "» .
وقالَ مُقاتِلٌ: «لَمّا فَطِنَ زَيْدٌ لِتَسْبِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي في طَلاقِها، فَإنَّ فِيها كِبْرًا، فَهي تَعَظَّمُ عَلَيَّ وتُؤْذِينِي بِلِسانِها، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ : " أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ " .
ثُمَّ إنَّ زَيْدًا طَلَّقَها بَعْدَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ بِالإسْلامِ ﴿ وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ بِالعِتْقِ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقِ اللَّهَ ﴾ أيْ: في أمْرِها فَلا تُطَلِقْها ﴿ وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ﴾ أيْ: تُسِرُّ وتُضْمِرُ في قَلْبِكَ ﴿ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ أيْ: مُظْهِرُهُ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: حُبُّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عَهْدٌ عَهِدَهُ اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ لَهُ زَوْجَةٌ، فَلَمّا أتى زَيْدٌ يَشْكُوها، قالَ لَهُ " أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ "، وأخْفى في نَفْسِهِ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.
والثّالِثُ: إيثارُهُ لِطَلاقِها، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الَّذِي أخْفاهُ: إنْ طَلَّقَها زَيْدٌ تَزَوَّجْتُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَخْشى النّاسَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خَشِيَ اليَهُودَ أنْ يَقُولُوا: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ خَشِيَ لَوْمَ النّاسِ أنْ يَقُولُوا: أمَرَ رَجُلًا بِطَلاقِ امْرَأتِهِ ثُمَّ نَكَحَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ ﴾ أيْ: أوْلى أنْ تَخْشى في كُلِّ الأحْوالِ.
ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَمْ يَخْشَ اللهَ في هَذِهِ الحالِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ لِخَشْيَتِهِ بِالخَلْقِ نَوْعُ تَعَلُّقٍ قِيلَ لَهُ: اللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشى مِنهم.
قالَتْ عائِشَةُ: ما نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ آيَةٌ هي أشَدُّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ولَوْ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَها.
* فَصْلٌ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى تَنْزِيهِ رَسُولِ اللَّهِ مِن حُبِّها وإيثارِهِ طَلاقَها.
وإنْ كانَ ذَلِكَ شائِعًا في التَّفْسِيرِ.
قالُوا: وإنَّما عُوتِبَ في هَذِهِ القِصَّةِ عَلى شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ أُخْبِرَ بِأنَّها سَتَكُونُ زَوْجَةً لَهُ، فَقالَ لِزَيْدٍ: " أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ " فَكَتَمَ ما أخْبَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِن أمْرِها حَياءً مِن زَيْدٍ أنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ زَوْجَتَكَ سَتَكُونُ امْرَأتِي؛ وهَذا يَخْرُجُ عَلى ما ذَكَرْنا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وقَدْ نَصَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ، والواحِدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى اتِّصالَ الخُصُومَةِ بَيْنَ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، ظَنَّ أنَّهُما لا يَتَّفِقانِ وأنَّهُ سَيُفارِقُها، وأضْمَرَ أنَّهُ إنْ طَلَّقَها تَزَوَّجْتُها صِلَةً لِرَحِمِها، وإشْفاقًا عَلَيْها، لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى إضْمارِ ذَلِكَ وإخْفائِهِ حِينَ قالَ لِزَيْدٍ: " أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ "، وأرادَ مِنهُ أنْ يَكُونُ ظاهِرُهُ وباطِنُهُ عِنْدَ النّاسِ سَواءً كَما قِيلَ لَهُ في قِصَّةِ رَجُلٍ أرادَ قَتْلَهُ: هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِقَتْلِهِ؟
فَقالَ: " «ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» "، ذَكَرَ هَذا القَوْلَ القاضِي أبُو يَعْلى رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الوَطَرُ: كُلُّ حاجَةٍ لَكَ فِيها هِمَّةٌ، فَإذا بَلَغَها البالِغُ قِيلَ: قَدْ قَضى وطَرَهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: قَضاءُ الوَطَرِ في اللُّغَةِ: بُلُوغُ مُنْتَهى ما في النَّفْسِ مِنَ الشَّيْءِ، ثُمَّ صارَ عِبارَةً عَنِ الطَّلاقِ، لِأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ.
والمَعْنى: لَمّا قَضى زَيْدٌ حاجَتَهُ مِن نِكاحِها ﴿ زَوَّجْناكَها ﴾ ، وإنَّما ذَكَرَ قَضاءَ الوَطَرِ هاهُنا لِيُبَيِّنَ أنَّ امْرَأةَ المُتَبَنّى تَحِلُّ وإنْ وطِئَها، وهو قَوْلُهُ: ﴿ لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا ﴾ ؛ والمَعْنى: زَوَّجْناكَ زَيْنَبَ- وهي امْرَأةُ زَيْدٍ الَّذِي تَبَنَّيْتَهُ- لِكَيْلا يُظَنَّ أنَّ امْرَأةَ المُتَبَنّى لا يَحِلُّ نِكاحُها.
ورَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِزَيْدٍ: " اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ "، قالَ زَيْدٌ: فانْطَلَقْتُ، فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي حَتّى ما أسْتَطِيعَ أنْ أنْظُرَ إلَيْها، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرَها، فَوَلَّيْتُها ظَهْرِي، ونَكَصْتُ عَلى عَقِبِي، وقُلْتُ: يا زَيْنَبُ، أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ يَذْكُرُكِ، قالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُوامِرَ رَبِّي، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها، ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ فَدَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ.» وَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ مِن خَصائِصِ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ أُجِيزَ لَهُ التَّزْوِيجُ بِغَيْرِ مَهْرٍ لِيَخْلُصَ قَصْدُ زَوْجاتِهِ لِلَّهِ دُونَ العِوَضِ، ولِيُخَفِّفَ عَنْهُ، وأُجِيزَ لَهُ التَّزْوِيجُ بِغَيْرِ ولِيٍّ، لِأنَّهُ مَقْطُوعٌ بِكَفاءَتِهِ، وكَذَلِكَ هو مُسْتَغْنٍ في نِكاحِهِ عَنِ الشُّهُودِ.
وكانَتْ زَيْنَبُ تُفاخِرُ نِساءَ النَّبِيِّ وتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهْلُوكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللهُ ورَسُولُهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا ﴾ ﴿ وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللهُ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى الناسَ واللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللهُ مَفْعُولا ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ "وَما كانَ" ﴾ لَفْظُهُ النَفْيُ ومَعْناهُ الحَظْرُ والمَنعُ مِن فِعْلِ هَذا، وهَذِهِ العِبارَةُ: "ما كانَ" و"ما يَنْبَغِي" ونَحْوَها تَجِيءُ لِحَظْرِ الشَيْءِ والحُكْمِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، ورُبَّما كانَ امْتِناعُ ذَلِكَ الشَيْءِ عَقْلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ ، ورُبَّما كانَ العِلْمُ بِامْتِناعِهِ شَرْعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ ﴾ ، ورُبَّما كانَ حَظْرُهُ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ كَهَذِهِ الآيَةِ، ورُبَّما كانَ في المَندُوباتِ، كَما تَقُولُ: "ما كانَ لَكَ يا فُلانُ أنْ تَتْرُكَ النَوافِلَ" ونَحْوَ هَذا.
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما قالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ «أنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَظَنَّتْ أنَّ الخِطْبَةَ لِنَفْسِهِ، فَلِما بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما يُرِيدُها لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ كَرِهَتْ وأبَتْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَأذْعَنَتْ زَيْنَبُ حِينَئِذٍ وتَزَوَّجَتْهُ،» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما أُنْزِلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ أُمَّ كُلْثُومِ بِنْتَ عَقَبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ فَزَوَّجَها مِن زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ هي وأخُوها، وقالا: إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللهِ فَزَوَّجَها غَيْرَهُ.
فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» فَأجابا إلى تَزْوِيجِ زَيْدٍ.
و"الخِيَرَةُ": مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَخَيُّرِ، وهَذِهِ الآيَةُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ .
وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ أنَّ "ما" نافِيَةٌ لا مَفْعُولَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "أنْ تَكُونَ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ "الخِيَرَةِ".
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أنْ يَكُونَ" عَلى مَعْنى "الخِيَرَةِ"، وأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَوْلَهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ دُونَ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ يُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ الَّتِي بِالياءِ.
ثُمَّ تُوَعَّدَ عَزَّ وجَلَّ وأخْبَرَ أنَّ مَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ، وهَذا العِصْيانُ يَعُمُّ الكَفْرَ فَما دُونَهُ، وكُلُّ عاصٍ يَأْخُذُ مِنَ الضَلالِ بِقَدْرِ مَعْصِيَتِهِ.
ثُمَّ عاتَبَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "وَإذْ تَقُولُ" الآيَةُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِها، فَذَهَبَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ - إلى أنَّ النَبِيَّ وقَعَ مِنهُ اسْتِحْسانٌ لِزَيْنَبَ وهي في عِصْمَةِ زَيْدٍ، وكانَ حَرِيصًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها زَيْدٌ فَيَتَزَوَّجُها هُوَ، ثُمَّ إنَّ زِيدًا لَمّا أخْبَرَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ فِراقَها، ويَشْكُو مِنها غِلْظَةَ قَوْلٍ وعِصْيانِ أمْرٍ وأذى بِاللِسانِ وتَعَظُّمًا بِالشَرَفِ قالَ لَهُ: "اتَّقِ اللهَ"، أيْ: فِيما تَقُولُ عنها، و ﴿ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ ، وهو يُخْفِي الحِرْصَ عَلى طَلاقِ زِيدٍ إيّاها، وهَذا هو الَّذِي كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ لَزِمَ ما يَجِبُ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ.
وقالُوا: خَشِيَ رَسُولُ اللهِ قالَةَ الناسِ في ذَلِكَ، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ هَذا.
وَقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما اللهُ مُظْهِرُهُ"، وقالَ الحَسَنُ: ما نَزَلْ عَلى رَسُولِ اللهِ أشَدَّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ هو وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوْ كانَ رَسُولُ اللهِ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ لِشِدَّتِها عَلَيْهِ، ورَوى ابْنُ زَيْدٍ في نَحْوِ هَذا القَوْلِ «أنَّ النَبِيَّ طَلَبَ زَيْدًا في دارِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ، ورَأى زَيْنَبَ حاسِرَةً فَأعْجَبَتْهُ فَقالَ: "سُبْحانَ اللهِ مُقَلِّبُ القُلُوبَ"» ورُوِيَ في هَذِهِ القِصَّةِ أشْياءٌ يَطُولُ ذِكْرُها، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مُسْتَوْفٍ لِمَعانِيها.
وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ الآيَةَ لا كَبِيرَ عَتَبَ فِيها، ورَوَوْا عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ «أنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إلى النَبِيِّ أنَّ زَيْدًا يُطَلِّقُ زَيْنَبَ، وأنَّهُ يَتَزَوَّجُها بِتَزْوِيجِ اللهِ إيّاها، فَلَمّا تَشَكّى زِيدٌ لِلنَّبِيِّ خُلُقَ زَيْنَبَ وأنَّها لا تُطِيعُهُ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ طَلاقَها، قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ عَلى جِهَةِ الأدَبِ والوَصِيَّةِ: "اتَّقِ اللهَ" - أيْ في أقْوالِكَ "وَأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ"، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُفارِقُها.» وهَذا هو الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يَأْمُرَهُ بِالطَلاقِ لِما عَلِمَ مِن أنَّهُ سَيَتَزَوَّجُها، وخَشِيَ رَسُولُ اللهِ أنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ الناسِ في أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ وهو مَوْلاهُ وقَدْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى عَلى هَذا القَدْرِ مِن أنْ خَشِيَ الناسَ في شَيْءٍ قَدْ أباحَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ قالَ: "أمْسِكْ" مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ يُطَلِّقْ، وأعْلَمَهُ أنَّ اللهَ أحَقُّ بِالخَشْيَةِ، أيْ في كُلِّ حالٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ ﴾ أيْ بِالإسْلامِ وغَيْرِهِ، ﴿ وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ أيْ بِالعِتْقِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، وزَيْنَبُ هي بِنْتُ جَحْشٍ هي بِنْتُ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلَبِ عَمَّةُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
ثُمَّ أعْلَمُ تَعالى أنَّهُ زَوَّجَها مِنهُ لَمّا قَضى زَيْدٌ وطَرَهُ مِنها لِتَكُونَ سُنَّةً لِلْمُسْلِمِينَ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ، ولِيُبَيِّنَ أنَّها لَيْسَتْ كَحُرْمَةِ النُبُوَّةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِزَيْدٍ: "ما أجِدُ في نَفْسِي أوثَقَ مِنكَ، فاخْطُبُ زَيْنَبَ عَلِيَّ"، قالَ: فَذَهَبْتُ ووَلَّيْتُها ظَهْرِي تَوْقِيرًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وخَطَبْتُها فَفَرِحَتْ وقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُوامِرَ رُبِّيَ، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها، ونَزَلَ القُرْآنُ فَتَزَوَّجَها النَبِيُّ ودَخَلَ بِها.» و"الوَطَرُ": الحاجَةُ والبُغْيَةُ، والإشارَةُ هُنا إلى الجِماعِ، ورَوى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن آبائِهِ «عَنِ النَبِيِّ : "وَطَرًا زَوَّجْتُكَها".» وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ومِن قَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ﴾ إلى أنَّ تَرْتِيبَ هَذا المَعْنى في المُهُورِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ: "أنْكِحُهُ إيّاها" فَيُقَدِّمُ ضَمِيرَ الزَوْجِ لِما في الآيَتَيْنِ، وهَذا عِنْدِي غَيْرُ لازِمٍ، لِأنَّ الزَوْجَ في الآيَةِ مُخاطِبٌ فَحَسُنَ تَقْدِيمُهُ، وفي المُهُورِ الزَوْجانِ غائِبانِ فَقَدِّمْ مَن شِئْتَ، ولَمْ يُبْقَ تَرْجِيحٌ إلّا بِدَرَجَةِ الرِجالِ وأنَّهُمُ القائِمُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعُولا ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "وَكانَ حُكْمُ أمْرِ اللهِ" أو "مُضَمَّنٌ أمْرَ اللهِ"، وإلّا فالأمْرُ قَدِيمٌ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ، ويُحْتَمَلُ - عَلى بُعْدٍ - أنْ يَكُونَ "الأمْرُ" واحِدَ الأُمُورِ أيِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تَفْعَلَ.
ورُوِيَ أنَّ عائِشَةَ وزَيْنَبَ تَفاخَرَتا، فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: أنا الَّتِي سَبَقَتْ صِفَتِي لِرَسُولِ اللهِ مِنَ الجَنَّةِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ، وقالَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عنها: أنا الَّتِي زَوَّجَنِي اللهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ.
وقالَ الشَعْبِيُّ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ : إنِّي لِأدِلَّ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ ما مِن نِسائِكَ امْرَأةٌ تَدِلُّ بِهِنَّ، أنَّ جَدْيِّ وجَدَّكَ واحِدٌ، وإنَّ اللهَ أنْكَحَكَ إيّايَ مِنَ السَماءِ، وأنَّ السَفِيرَ في ذَلِكَ.
جِبْرِيلُ.» <div class="verse-tafsir"
معظم الروايات على أن هذه الآية نزلت في شأن خِطبة زينب بنت جحش على زيد بن حارثة.
قال ابن عباس: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على فتاهُ زيدٍ بن حارثة زينبَ بنتَ جحش فاستنكفت وأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فأنزل الله تعالى: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية، فتابعتْه ورضِيتَ لأن تزويج زينب بزيد بن حارثة كان قبل الهجرة فتكون هذه الآية نزلت بمكة ويَكون موقعها في هذه السورة التي هي مدنية إلحاقاً لها بها لمناسبة أن تكون مقدمة لذكر تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينبَ الذي يظهر أنه وقع بعد وقعة الأحزاب وقد علم الله ذلك من قبلُ فقدر له الأحوال التي حصلت من بعد.
ووجود واو العطف في أول الجملة يقتضي أنها معطوفة على كلام نزل قبلها من سورة أخرى لم نقف على تعيينه ولا تعيين السورة التي كانت الآية فيها، وهو عطف جملة على جملة لمناسبة بينهما.
وروي عن جابر بن زيد أن سبب نزول هذه الآية: أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيْط وكانت أول من هاجَرن من النساء وأنها وهبت نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم فزوجها من زيد بن حارثة، بعد أن طلق زيْدٌ زينَب بنتَ جحش كما سيأتي قريباً، فكرهت هي وأخوها ذلك وقالت: إنما أردت رسولَ الله فزوجني عبده ثم رضيت هي وأخوها بعد نزول الآية.
والمناسبة تعقيب الثناء على أهل خصال هي من طاعة الله، بإيجاب طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم فلما أُعقب ذلك بما في الاتصاف بما هو من أمر الله مما يكسب موعوده من المغفرة والأجر، وسوّى في ذلك بين الرجال والنساء، أعقبه ببيان أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به ويعتزم الأمرَ هي طاعة واجبة وأنها ملحقة بطاعة الله وأن صنفي الناس الذكور والنساء في ذلك سواء كما كانا سواء في الأحكام الماضية.
وإقحام ﴿ كان ﴾ في النفي أقوى دلالة على انتفاء الحكم لأن فعل ﴿ كان ﴾ لدلالته على الكون، أي الوجود يقتضي نفيُه انتفاء الكون الخاص برمته كما تقدم غير مرة.
والمصدر المستفاد من ﴿ أن تكون لهم الخيرة ﴾ في محل رفع اسم ﴿ كان ﴾ المنفية وهي ﴿ كان ﴾ التامة.
وقضاء الأمر تبيينه والإِعلام به، قال تعالى: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾ [الحجر: 66].
ومعنى ﴿ إذا قضى الله ورسوله ﴾ إذا عزم أمره ولم يجعل للمأمور خياراً في الامتثال، فهذا الأمر هو الذي يجب على المؤمنين امتثاله احترازاً من نحو قوله للذين وجدهم يأبِرون نخلهم: «لو تركتموها لصلحت ثم قالوا تركناها فلم تصلح فقال: أنتم أعلم بأمور دنياكم».
ومن نحو ما تقدم في أول هذه السورة من همه بمصالحة الأحزاب على نصف ثمر المدينة ثم رجوعه عن ذلك لما استشار السعدْين، ومن نحو أمرِه يوم بدر، بالنزول بأدنى ماء من بدر فقال له الحباب بن المنذر: أهذا منزل أنزلكَه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرْب والمكيدة؟
قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة».
قال: فإنَّ هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزِلَه ثم نُغَوِّرَ ما وراءه من القُلُب ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء فنشرب ولا يشربوا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد أشرت بالرأي " فنهض بالناس.
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر وكان صائماً، فلما غَربت الشمس قال لبلال: " انْزلْ فاجدَحْ لنا " فقال: يا رسول الله لو أمسيتَ.
ثم قال: " انزِل فاجدَح لنا " فقال: يا رسول الله لو أمسيتَ إن عليك نهاراً ثم قال: «انزل فاجدَح»، فنزل فجدح له في الثالثة فشرب.
فمراجعة بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه علم أن الأمر غير عزم.
وذكر اسم الجلالة هنا للإِيماء إلى أن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام طاعة للَّه، قال تعالى: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع اللَّه ﴾ [النساء: 80].
فالمقصود إذا قضى رسول الله أمراً كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فإن لله خمسه وللرسول ﴾ في سورة الأنفال (41) إذ المقصود: فإن للرسول خُمُسَه.
و ﴿ الخيرة ﴾ : اسم مصدر تخير، كالطِيرة اسم مصدر تَطَيَّر.
قيل ولم يسمع في هذا الوزن غيرهما، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ما كان لهم الخِيرة ﴾ في سورة القصص (68).
ومَن } تبعيضية و ﴿ أمرهم ﴾ بمعنى شأنهم وهو جنس، أي أمورهم.
والمعنى: ما كان اختيار بعض شؤونهم مِلْكاً يملكونه بل يتعين عليهم اتباع ما قضى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا خيرة لهم.
و (مؤمن ومؤمنة) لمّا وقعا في حيز النفي يعُمّان جميع المؤمنين والمؤمنات فلذلك جاء ضميرها ضمير جمع لأن المعنى: ما كان لجمعهم ولا لكل واحد منهم الخِيرَة كما هو شأن العموم.
وقرأ الجمهور ﴿ أن تكون ﴾ بمثناة فوقية لأن فاعله مؤنث لفظاً.
وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف وهشام وابن عامر بتحتية لأن الفاعل المؤنث غيرَ الحقيقي يجوز في فعله التذكير ولا سيما إذا وقع الفصل بين الفعل وفاعله.
وقوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ﴾ تذييل تعميم للتحذير من مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام سواء فيما هو فيه الخيرة أم كان عن عمد للهوى في المخالفة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّها نَزَلَتْ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ خَطَبَها رَسُولُ اللَّهِ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ فامْتَنَعَتْ وامْتَنَعَ أخُوها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وأنَّهُما ولَدا عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ أُمُّهُما أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأنَّ زَيْدًا كانَ بِالأمْسِ عَبْدًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقالَتْ: أمْرِي بِيَدِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَزَوَّجَها بِهِ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: ساقَ إلَيْها عَشَرَةَ دَنانِيرَ وسِتِّينَ دِرْهَمًا ومِلْحَفَةً ودِرْعًا وخَمْسِينَ مُدًّا مِن طَعامٍ وعَشْرَةَ أمْدادٍ مِن تَمْرٍ.
الثّانِي: «أنَّها نَزَلَتْ في أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وكانَتْ أوَّلَ امْرَأةٍ هاجَرَتْ مِنَ النِّساءِ فَوَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ قالَ: (قَدْ قَبِلْتُ) فَزَوَّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَسَخِطَتْ هِيَ وأخُوها وقالا: إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللَّهِ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَقَدَ جارَ جَوْرًا مُبِينًا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً طَوِيلًا، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاة زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية، فخطبها قالت: لست بناكحته قال: بلى.
فانكحيه قالت: يا رسول الله أوامر في نفسي.
فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً....
﴾ قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً قال: نعم.
قالت: إذن لا أعصي رسول الله، قد أنكحته نفسي» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسباً، وكانت امرأة فيها حدة.
فأنزل الله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة....
﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن قتادة رضي الله عنه قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب وهو يريدها لزيد رضي الله عنه، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، فأنزل الله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً....
﴾ .
فرضيت وسلمت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً....
﴾ قال: زينب بنت جحش، وكراهتها زيد بن حارثة حين أمرها به محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب رضي الله عنها «إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة، فإني قد رضيته لك.
قالت: يا رسول الله لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قومي وبنت عمتك، فلم أكن لأفعل.
فنزلت هذه الآية ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ يعني زيداً ﴿ ولا مؤمنة ﴾ يعني زينب ﴿ إذا قضى الله ورسوله أمراً ﴾ يعني النكاح في هذا الموضع ﴿ أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ يقول: ليس لهم الخيرة من أمرهم خلاف ما أمر الله به ﴿ ومن يَعْصِ الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ﴾ قالت: قد أطعتك فاصنع ما شئت، فزوجها زيداً ودخل عليها» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول امرأة هاجرت من النساء، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها وقالت: إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها عبده، فنزلت.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن طاوس، أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن ركعتين بعد العصر فنهاه.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ .
قال المفسرون (١) -، فخطب النبي - - زينب لزيد بن حارثة مولاه، وهي تظن أنه يخطبها لنفسه، فلما علمت أنه يخطبها لزيد كرهت ذلك وكذلك أخوها، فلما نزلت الآية رضيا وسلما، فزوجها رسول الله - - من زيد.
وقوله ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ يعني: عبد الله بن جحش.
﴿ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ﴾ يعني: أخته زينب، ﴿ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ﴾ حكماً بذلك، ﴿ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ ﴾ جمعت الكناية لأن المراد بقوله: ﴿ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ﴾ كل مؤمن ومؤمنة في الدنيا.
والخيرة: الاختيار، وذكرنا تفسيرهما [فيما تقدم] (٢) (٣) قال أبو إسحاق: أعلم الله أنه لا اختيار على ما قضى الله ورسوله (٤) ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ الآية.
ولأنه أيضًا دليل على أن كل حكم ثبت عن رسول الله - - فهو كما ثبت عن الله، فليس لأحد اختيار ولا استحسان مع قضاء الله ورسوله، وليس إلا الاقتداء والتسليم.
قال أبو علي: وهذه الآية تدل على أن (ما) في قوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾ (ما) فيها نفي، وليست بموصولة، ألا ترى أنه نفى الاختيار على العباد في هذه الآية، كذلك في تلك (٥) قال مقاتل: فلما زوجها رسول الله - - زيدًا مكثت عنده حينًا، ثم إن النبي - - أتى زيدًا فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة من أتم نساء قريش، فهواها النبي - - فقال: "سبحان الله مقلب القلوب".
ففطن زيد فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرًا يعظم علي، وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي - -: "أمسك عليك زوجك واتق الله" (٦) وقال ابن عباس: إن زيدًا حين تزوج زينب أقامت عنده ما شاء الله أن تقيم، فأتى رسول الله - - إلى منزل زيد يطلبه، فبعث الله ريحًا حتى رفعت الستر وزينب منفصلة على منزلها، فرأى رسول الله - - زينب فوقعت في نفس النبي - -، فأتى زيد فأخبرته، فوقع في نفس زيد أن يطلقها، وأقام زيد لا ينشر عليها من يومئذ، وكان زيد يرى رسول الله - - فيقول: إني أريد أن أطلق زينب.
والنبي - - يقول: "أمسك عليك زوجك واتق الله".
(٧) وقال مقاتل بن حيان: قالت زينب لما نزل قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ الآية: أمري بيدك يا رسول الله، فأنكحها رسول الله زيدًا ودخل بها، فلم تمكث إلا يسيرًا حتى شكى إلى النبي - - ما يلقى منها، وكانت امرأة لسنة، فدخل عليها النبي - - وأمرها بتقوى الله والسمع والطاعة لزيد فلما كلمها أعجبه حسنها وجمالها وظرفها لأمر أراده الله -عز وجل- وخرج من عندها وفي نفسه ما شاء الله منها، وجاء زيد إلى النبي - - يشكوها فقال له: "اتق الله وأمسك عليك زوجك".
ويقول زيد: إني أريد أن أطلقها وأستريح منها، وأكره أن تكون معي في بيت مما ألقى منها من البلاء والشدة.
ويقول النبي: "اتق الله لا تطلقها" وفي قلبه غير ذلك (٨) (١) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 200 أ، "تفسير الطبري" 22/ 11، "تفسير الماوردي" 4/ 404، "السمرقندي" 3/ 51.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٣) عند الآية 68، قال هناك: والخيرة اسم من الاختيار يقام مقام المصدر، والخيرة اسم للمختار، يقال: محمد خيرة الله من خلقه.
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 228.
(٥) "الحجة" 5/ 476.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 92 ب.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 200 ب، "تفسير السمرقندي" 3/ 51، "تفسير البغوي" 3/ 530.
(٨) لم أقف على قول مقاتل بن حيان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ الآية: معناها أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة اختيار مع الله ورسوله، بل يجب عليهم التسليم والانقياد لأمر الله ورسوله، والضمير في قوله من أمرهم: راجع إلى الجمع الذي يقتضيه قوله: ﴿ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ﴾ لأن معناه العموم في جميع المؤمنين والمؤمنات، وهذه الآية توطئة للقصة المذكورة بعدها، وقيل: سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب امرأة ليزوجها لمولاه زيد بن حارثة، فكرهت هي وأهلها ذلك، فلما نزلت الآية قالوا: رضينا يا رسول الله، واختلف هل هذه المخطوبة زينب بنت جحش أو غيرها، وقد قيل: إنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.
الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.
الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.
﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.
الباقون: بكسرها.
﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.
﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.
الباقون: بكسرها.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.
وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.
والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.
ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.
وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.
والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.
ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".
ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.
ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.
وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.
وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ﴾ إلى آخره.
كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله حتى يستشهدوا، فمدحهم الله بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.
ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.
﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.
وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.
وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.
﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.
"روي أن جبرائيل أتى رسول الله صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟
فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.
فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله : تنزلون على حكمي.
فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .
وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.
وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.
﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.
وعن مقاتل: هي خيبر.
وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.
وعن الحسن: فارس والروم.
وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.
ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.
لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي أم لا؟
فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.
ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟
والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي الطلاق أم لا؟
الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.
ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.
ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟
الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.
وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.
وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.
والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.
والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.
ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.
فقالت: اخترت نفسي.
أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.
وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.
واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.
وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.
وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.
وحين خيرهن النبي واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.
وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.
وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.
وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.
وقيل: هي عصيانهن رسول الله ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.
وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟
وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.
والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.
ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.
قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.
والواحد وما وراءه.
والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.
وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.
وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.
ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ واصله "إقررن".
من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.
وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.
والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ وذلك في سورة النور.
والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.
والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد .
وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.
وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.
ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.
وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي لأنه أصل، وفاطمة ما والحسن والحسين ما بالاتفاق.
والصحيح أن علياً منهم لمعاشرته بنت النبي وملازمته إياه.
وورود الآية في شأن أزواج النبي يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.
فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.
ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.
يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.
ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ أي بسببه.
ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.
ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.
ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.
وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله وهي النية.
قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.
والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.
وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.
فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.
وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.
ثم إن رسول الله أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.
وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.
فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟
قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.
فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.
فلما اعتدت قال رسول الله : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.
قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.
ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.
فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.
قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.
وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.
نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.
الذي أخفى النبي في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.
وعن عائشة لو كتم رسول الله شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.
والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.
قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.
ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.
قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.
ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.
عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.
وقيل: التطليق.
فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.
ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.
ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.
وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.
ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.
والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.
ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾ إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد ومجيء عيسى في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.
التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.
فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.
وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.
﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.
﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.
﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.
﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.
والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.
فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.
﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.
وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.
الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.
إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.
﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.
وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.
﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾ فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ قال جعفر بن حرب المعتزلي: دلت هذه الآية على أن الكفر مما لم يقضه الله؛ لأنه لو كان مما قضاه الله لكان لا يكون لهم الخيرة والتخيير، فإذا قال: إنه إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة، دل أنه مما لم يقضه الله، لكن يقول: إن القضاء - هاهنا - ليس هو قضاء الخلق؛ على ما فهم هو، ولكن القضاء - هاهنا - الأمر أو الحكم؛ كقوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ أي: أمر ربّك وأوجب ألا تعبدوا إلا إياه.
أو أن يكون الحكم؛ كقوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ﴾ أي: مما حكمت؛ فإذا كان القضاء يحتمل الأمر والحكم؛ على ما ذكرنا، فيكون كأنه قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ﴾ ، أي: إذا أمر الله ورسوله أمراً، وإذا حكم الله ورسوله أمراً أن يكون له الخيرة من أمرهم، وهكذا يكون فيما أمر الله ورسوله بأمر أو حكم يحكم ألا يكون لأحد التخيير في ذلك.
ومما يدل - أيضاً - على أن القضاء أيضاً - هاهنا - ليس هو القضاء الذي فهم المعتزلة؛ حيث أضاف ذلك إلى رسوله - أيضاً - حيث قال: ﴿ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ﴾ ، ولا شك أن رسول الله كان لا يملك القضاء الذي هو قضاء خلق؛ دل أن المعتزلة أخطأت وغلطت في فهم ذلك، وقصرت عقولهم عن درك ذلك، وأن التأويل ما ذكرنا نحن.
ثم أجمع أهل التأويل على أن قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ إنما نزل في زينب بنت جحش؛ "يذكرون أن النبي كان أعتق زيد بن حارثة وتبناه، وكان مولى له، فخطب له زينب بنت جحش، فقالت زينب: إني لا أرضاه لنفسي وأنا من أتم نساء قريش - وكانت ابنة عمة رسول الله أميمة بنت عبد المطلب - فقال لها النبي : قد رضيته لك، فزوجي نفسك منه فأبت ذلك؛ فنزل قوله فيها: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ " ، لكن إذا كان على ما يذكرون من الخطبة لها؛ فلا يحتمل أن يجبرها على النكاح، وقد قال النبي : "ليس للولي مع الثيب أمر" ، وقال النبي : "البكر تستأمر في نفسها، والثيب تشاور" ، ثم تجيء الآية في جبرها على النكاح ممن لا ترضاه إلا أن يكون على الأمر من الله - - ومن رسوله، فعند ذلك لا يكون لها التخير في ذلك؛ لأن الله [له] أن يأمر من شاء على النكاح ممن شاء، وله الحكم بالنكاح لمن شاء على من شاء، وليس لهم الخيرة في ذلك، فأمّا بالخطبة نفسها دون الأمر والحكم من الله لا جبر في ذلك؛ "ألا ترى أنه ذكر أن رسول الله لما خطب أمّ سلمة، فقالت: إن أوليائي غيب، فقال: ليس أحد من أوليائك لا يرضى بي" أو كلام نحوه خطبها، ولم يجبرها على ذلك؛ فعلى ذلك زينب؛ إلا أن يكون على الأمر أو الحكم؛ على ما ذكرنا.
أو أن يكون سبب نزول الآية - فيما ذكر أهل التأويل - في خطبة رسول الله زينب بنت جحش، ويكون الوعيد الذي ذكر فيه في غيره: فيما فيه أمر من الله أو حكم؛ نحو "ما روي عن رسول الله أنه صلى الفجر، فرأى رجلين جالسين، فقال لهما: ما بالكما لم تصليا معنا؟
فقالا: إنا قد صلينا في رحالنا، فقال: إذا صليتما، ثم أتيتما المسجد، فصليا معهم؛ فتكون لكما سبحة" ، وإنما قال: "فصليا معهم" لا في صلاة الفجر، ولكن في الصلوات التي يتطوع بعدها.
وقوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً ﴾ : إن كان هذا في المؤمنين فيكون الضلال هو الخطأ؛ كأنه قال: فقد أخطأ خطأً بيناً، ويجوز هذا في اللغة، نحو قول إخوة يوسف لأبيهم في تفضيله يوسف عليهم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: في خطأ بين؛ حيث يفضل من لا منفعة له منه على من له منه منفعة؛ فعلى ذلك هذا.
وإن كان في المنافقين فهم في ضلال بين، فالضلال من المؤمن لا يفهم [منه] ما يفهم من الكافر والمنافق؛ ألا ترى أن الظلم من المؤمن لا يفهم منه ما يفهم من المنافق أو الكافر؛ ألا ترى أن آدم وحواء لما ارتكبا وقربا تلك الشجرة قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ لم يريدا ظلم كفر، وعلى ذلك قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ فعلى ذلك المفهوم من ضلال المؤمن غير المفهوم من ضلال المنافق والكافر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ قال أهل التأويل: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالإعتاق؛ حيث أعتقه؛ لأنه ذكر أن زيداً كان عربيّاً من أهل الكتاب، أصابه النبي من سبي أهل الجاهلية، فأعتقه وتبناه، فأنعم الله عليه حيث أعطاه الإسلام، ووفقه الهدى، وأنعم عليه الرسول حيث أعتقه.
ويحتمل إنعام الله عليه - أيضاً - في الإعتاق؛ حيث وفق رسوله للعتاق، أو في خلق فعل الإعتاق من رسوله وإجرائه إليه، وعلى قول المعتزلة: ليس لله على زيد ولا على جميع المسلمين في الإسلام إنعام ولا إفضال؛ لوجوه: أحدها: أنهم يقولون: قد أعطى كلاًّ سبب ما يلزمهم الإسلام وهو القوة؛ فهم إنما يسلمون لا بصنع من الله في ذلك؛ فعلى قولهم: كان من الله سبب لزوم الإسلام، فأمّا في الإسلام نفسه فلا صنع له فيه، فإذا كان كذلك فلا منة تكون منه عليهم ولا إنعام.
والثاني: يقولون: أن ليس لله أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدّين، ولا شك أن الإسلام لهم أصلح؛ فعليه أن يفعل ذلك بهم، فهو فعل ما عليه أن يفعل، ولا يجوز أن يفعل غيره، ومن أدى حقا عليه لا يكون في فعله منعماً ولا مفضلا؛ إنما هو مؤدي حق عليه.
والثالث: يقولون: أن ليس من الله إلى الأنبياء والمؤمنين جميعاً شيء إلا وقد كان ذلك منه إلى إبليس وأتباعه وإلى جميع الفراعنة، فإذا كان قولهم ومذهبهم ما ذكرنا - لم يكن لله على أحد من أهل الإسلام في إسلامهم إنعام ولا إفضال، والله أخبر أن له عليهم في ذلك نعمة ومنة، وكذلك فهم منه ذلك في قوله: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...
﴾ إلى ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ .
ذكر بعض أهل التأويل: أن رسول الله قد أبصر امرأة زيد فأعجبته وودّها، ففهم زيد ذلك منه؛ فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أطلق فلانة، وإن فيها كبرا تتعاظم عليّ وتؤذيني بكذا؛ فعند ذلك قال له النبي : ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ في طلاقها، ولا تطلقها، لكن لا نقول نحن شيئاً من ذلك إلا بخبر ثبت من رسول الله يخبر أنه كان ذلك.
وجائز أن يكون زيد استأذن رسول الله في طلاقها، على ما يطلق الرجل امرأته؛ لما يمل منها بلا سبب يكون؛ فقال له عند ذلك: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ ، ولا تطلق زوجك بلا سبب يستوجب به الطلاق؛ لأنه لا يسع للرجل أن يطلق زوجته بلا سبب يحمله على الطلاق من تضييع حدود الله، وترك إقامتها، أو معنى نحوه، فأما بلا سبب يكون في ذلك فلا يسع.
أو أن يكون قوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ ، أي: تزوجها واتق الله في ترك تزوجها؛ فيكون هو مأموراً بنكاحها، كما كانت هي مأمورة بتزويجها نفسها منه، فيقول: اتق الله في ترك الأمر للنبي ذلك في ترك ما ندبت إليه وأمرت به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ حبّها وإعجابها، ﴿ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ، أي: ما الله مظهره في القرآن، أي: حبها وتزوجها.
وقال قائلون: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ يا محمد: ليت أنه طلقها، ﴿ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ، أي: مظهره عليك، حتى ينزل به قرآناً.
لكن هذا بعيد محال؛ لا يحتمل أن يكون النبي يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ ، ثم يخفي هو في نفسه: ليت أنه يطلقها؛ حتى يتزوجها هو.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ هذا القول نفسه، هو الإبداء؛ حيث جعله آية تتلى بعد ما أخفى رسول الله شيئاً في نفسه: ما لولا ذكر الله إياه ذلك لم يعلم الخلق أنه أخفى شيئاً، ولا ندري ما الذي أخفاه كذا وكذا إلا بخبر يجيء عنه، فيقول: إني أخفيت في نفسي كذا؛ فعند ذلك يسع، فأمّا على الوهم فلا نقول به.
وقوله: ﴿ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ ﴾ ، أي: تستحي قالة الناس: "إنه تزوج امرأة ابنه"؛ وتترك نكاحها، والله أحق أن تستحي منه في ترك أمره إياك بالنكاح.
وقال بعضهم: ﴿ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ ﴾ ، أي: تتقي قالة الناس؛ تستحي منهم في أمر زينب وما أعجبت هي إليك حسنها وحبها، ﴿ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ على الابتداء على غير إلحاق بالأول في كل أمر وكل شيء؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً ﴾ أي: حاجة، أي: جماعاً؛ فإن كان الجماع - ففائدة ذكر الجماع فيه؛ ليعلم أن حليلة ابن التبني تحل للرجل، وأن الوطر هو عقد النكاح والجماع جميعاً، وإن كان كل واحد منهما سبب الحظر والمنع في نكاح حليلة ابن الصلب.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً ﴾ ، أي: قضى همة نفسه، وبلغ غاية ما همت نفسه منها؛ فعند ذلك زوجناكها.
ذكر أن زينب بنت جحش كانت تفتخر على سائر أزواج النبي، فتقول: "زوجكن آباؤكن رسول الله، والله زوجني بنبيه فوق سبع سماوات؛ ففيه دلالة رسالته؛ لأنه أخفى في نفسه ما كان يخشى قالة الناس في ذلك واستحى منهم، وفي العرف أن من أخفى شيئاً يستحي من الناس إن ظهر عندهم أن يكتم ذلك من الناس ولا يظهره، فإذا كان رسول الله أظهر ما كان يخشى قالة الناس فيه، ولم يكتمه منهم؛ دل أنه رسول؛ إذ لو كان غير رسول، لكتمه وأخفاه ولم يظهره؛ لما ذكرنا من العرف في الناس من كتمان ما يستحيون منهم إذا ظهر.
وكذلك روي عن عمر وعائشة أنهما قالا: "لو كان رسول الله كاتماً شيئاً من القرآن، لكتم هذه الآية".
وقوله: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ﴾ .
في الآية دلالة لزوم الاتباع لرسول الله في كل ما يخبر ويأمر به، وفي كل فعل يفعله في نفسه، إلا فيما ظهرت الخصوصية، فأما فيما لم تظهر فعلى الناس اتباعه فيما يخبر ويفعل؛ لأنه قال: تزوج امرأة دعيّه، ثم قال: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ﴾ ، ولو كان يخبرهم بذلك خبرا لحل لهم ذلك؛ فعلى ذلك: هو ذلك أخبر أن ذلك؛ لكيلا يكون على المؤمنين حرج في مثل فعله، والله أعلم.
وفيه وجه آخر.
وقوله: ﴿ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ﴾ ، ذكر قضاء الوطر منهن؛ لأن من النساء من لا يحرمن على بعض هؤلاء بالعقد، ولكن إنما يحرمن بقضاء الوطر، ومنهن من يحرمن بالعقد نفسه دون قضاء الوطر؛ فأخبر أن أزواج الأدعياء - وإن قضوا منهن الوطر - فإنهن لا يحرمن عليهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ .
أي: ما كان بأمر الله مفعولا، وكذلك ما قيل: الصلاة أمر الله؛ أي: بأمر الله تكون؛ وإلا الصلاة هي فعل العباد؛ فلا تكون أمر الله، ولكن بأمر الله، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ ، أي: ما يكون بأمر الله مفعولا، وكذا قوله: ﴿ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: جاء ما يكون بأمر الله، وهو العذاب الذي أوعدوا؛ لأن أمر الله لا يجيء.
ثم يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: التكوين: يكونه؛ فيكون مكوناً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
والثاني: على الإيجاب واللزوم، أي: ما يكون بأمر الله يكون واجباً لازماً؛ إذا أراد به الإيجاب والإلزام، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ فَرَضَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: بين الله؛ كقوله: ﴿ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ﴾ ، أي: بيناها.
ويحتمل ﴿ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ ﴾ ، أي: أوجب الله عليه، ويقال: فرض عليه، أي: حرم، وفرض له، أي: أحل له، وكذلك قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: أي: بين لكم تحلة أيمانكم.
والثاني: أوجب عليكم تحلة أيمانك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ .
قال بعضهم: هكذا كان سنة الله فيمن كان قبله من الرسل - مثل داود وسليمان وهؤلاء - كثرة النساء، ليس ذلك ببديع في رسول الله محمد.
وفي كثرة نساء الرسل لهم آية عظيمة؛ لأنهم آثروا الفقر والضيق على السعة والغناء، وكفوا أنفسهم عن جميع لذاتها، وحملوا على أنفسهم الشدائد في العبادات والأمور العظام الثقيلة، وهذه الأشياء كلها أسباب قطع قضاء الشهوات في النساء والحاجة فيهن؛ فإذا لم تقطع تلك الأسباب عنهم؛ دل أنهم بالله قووا عليها.
وقال بعضهم: سنة الله في الذين قبل محمد، يعني: داود النبي حين هوى المرأة التي فتن بها، فجمع الله - تبارك وتعالى - بين داود وتلك المرأة؛ فكذلك يجمع بين محمد وبين امرأة زيد؛ إذ هويها كما فعل بداود، لكن هذا بعيد.
وقيل: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ : أنه لا يحرج على أحد فيما لم يحرم.
وجائز أن يكون ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ - في حل نكاح أزواج الأدعياء، كان يحل لهم ذلك؛ فعلى ذلك لرسول الله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً ﴾ .
هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ أي: ما كان بأمر الله وتقديره مقدورا.
قال أبو عوسجة: الدعي: الذي يدعى بعدما يكبر، والادعاء أن يكون الرجل نفى ولده ولم يقبله، ثم ادعاه من بعد ذلك، هذا هو المعروف عندي.
قال: وفي موضع آخر: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ ، أي: ما يتمنون ويشتهون، ويقال: "ظللنا اليوم فيما ادعينا" أي: وجدنا كل ما اشتهينا، يقال من هذا: ادعيت أدعي ادعاء.
وقال: الوطر: الحاجة، والأوطار: جميع، والخيرة، أي: صيرت إليهم الخيرة، وهو من قولك أي: شيء تختار؟
﴿ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ ، أي: لم يجعل إليكم الاختيار: إن شئتم فعلتم، وإن شئتم لم تفعلوا، والقنوت في الأصل: القيام؛ على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .
يقول أهل التأويل: هو محمد خاصة؛ فمعناه - والله أعلم - إن كان هو المراد به: أنه فيما تزوج حليلة دعيه زيد مبلغ رسالات ربه، حيث قال: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ﴾ ، وتبليغ الرسالة يكون مرة بالخبر والقول، ومرة بالفعل، يلزم الناس في اتباعه في فعله كما يلزم في خبره وأمره، إلا فيما ظهرت له الخصوصية في فعل ما.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ ﴾ هم الأنبياء الذين قال: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ نعتهم، وقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ ﴾ : فسنة الله في محمد كسنة أولئك الذين كانوا من قبل فيما ذكر، ﴿ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: يخشون الله في ترك تبليغ الرسالة، ولا يخشون أحداً سواه في التبليغ، ويكون قوله: ﴿ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، بمعنى: سواه؛ على المبالغة في الأمر، وإلا لو قال: ﴿ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً ﴾ كافياً، أي: لا يخشون أحداً فيما يبلغون، لكن يحتمل ما ذكرنا: ألا يخشوا أحداً فيما يبلغون سواه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ بما يصيبهم من الأذى والبلاء بالتبليغ، يقول: لا يرون ذلك من أولئك، ولكن بتقدير من الله إياه؛ وإلا كانوا يخافون من أولئك؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ ، وحيث قال موسى: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ ، و ﴿ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴾ ونحوه.
أو أن يكون في الابتداء خافوهم، ثم أمنهم الله؛ فلم يخافوا؛ حيث قال: ﴿ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً ﴾ .
قيل: شهيداً على تبليغ الرسالة.
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ .
معناه - والله أعلم -: ما كان محمد أبا أحد أبوة تحرم بها حلائل الأبناء، وإلا كان هو أبا لجميع المؤمنين؛ حيث قال: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ إذا كانت أزواجه أمهاتنا؛ فهو أب لنا على ما ذكرنا.
لكن التأويل فيه: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ أبوة تحرم بها حلائل الأبناء؛ ولكن أبوة التعظيم له والتبجيل، وأبوة الشفقة والرحمة، وهو ما قال: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ...
﴾ الآية [الحجرات: 2].
وكذلك قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ يحتمل وجهين: أولى أن يعظم ويكرم ويشرف من [غيره]، كقوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ .
والثاني: ﴿ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: أشفق عليهم وأرحم بهم من أنفسهم، وهو ما وصفه - جل وعلا - من رحمته ورأفته؛ حيث قال: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: في حق الانتساب إليه، أي: ليس هو أبا أحدكم ينسب إليه ويدعى به؛ لأنه ذكر أنهم يدعونه ويسمونه: زيد بن محمد، أنه يجوز التبني ولا يجوز إليه النسبة ولا التسمية به؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
والثاني: في حق الحرمة؛ كأنه قال: ليس هو أبا أحدكم في حرمة حلائل الأبناء عليه لا بالتبني، ولا في حق النسبة، وإن كان هو أبا لكم في الشفقة والرحمة والرأفة، على ما ذكرنا بدءاً ولكن رسول الله ما ذكرنا في التعظيم له والتبجيل في المعاملة والمصاحبة، أو في الدعوة به والتسمية.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ ﴾ .
أخبر ليس بأبي أحد من رجالكم، على ما ذكرنا، ولكن رسول الله؛ لئلا يعاملوا رسوله معاملة آبائهم، ولا يصاحبوه صحبة غيره؛ ولكن يعاملوه معاملة الرسل في التعظيم له والتبجيل والإكرام؛ لأن أبوته وشفقته دينية، وشفقة الآباء شفقة دنياوية، ولأن الرجل قد يتبسط مع والده في أشياء لا يسع مثله مع رسول الله ؛ ولذا قال: ﴿ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ ، أي: ختم به الرسالة لا نبي بعده.
وقوله: ﴿ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ .
جائز أن يكون ذكره وإخباره: أنه خاتم النبيين؛ لما علم - جل وعلا - أنه يسمى غيره بعده نبيّاً؛ على ما قالته الباطنية: إن قائم الزمان هو نبي؛ فأخبر بهذا أن من ادّعى ذلك لا يطالب بالحجة والدلالة؛ ولكنه يكذب؛ وكذلك روي عن رسول الله أنه قال: "لا نبي بعدي" أخبر أنه ختم به النبوة.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ ، أي: لم يزل الله بما كان ويكون وبما به صلاحهم عليما.
<div class="verse-tafsir"
ولا يصحّ لمؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله فيهم بأمر، أن يكون لهم الاختيار في قَبوله أو رفضه، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل عن الصراط المستقيم ضلالًا واضحًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.EQ9x4"