الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٣٨ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 114 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٨ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ) أي : فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب التي طلقها دعيه زيد بن حارثة وقوله : ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ) أي : هذا حكم الله في الأنبياء قبله ، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج ، وهذا رد على من توهم من المنافقين نقصا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه ، الذي كان قد تبناه ( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) أي : وكان أمره الذي يقدره كائنا لا محالة ، وواقعا لا محيد عنه ولا معدل ، فما شاء [ الله ] كان ، وما لم يشأ لم يكن
القول في تأويل قوله تعالى : مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) يقول تعالى ذكره: ( ما كان على النبي من حرج ) من إثم فيما أحل الله له من نكاح امرأة من تبناه بعد فراقه إياها.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ) : أي أحل الله له.
وقوله: ( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ) يقول: لم يكن الله تعالى ليؤثم نبيه فيما أحل له مثال فعله بمن قبله من الرسل الذين مضوا قبله في أنه لم يؤثمهم بما أحل لهم، لم يكن لنبيه أن يخشى الناس فيما أمره به أو أحله له، ونصب قوله (سُنَّةَ اللَّهِ) على معنى: حقًّا من الله، كأنه قال: فعلنا ذلك سنة منا.
وقوله: (وَكَانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) يقول: وكان أمر الله قضاء مقضيًّا.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَكَانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا): إن الله كان علمه معه قبل أن يخلق الأشياء كلها، فأتمه في علمه أن يخلق خلقا، ويأمرهم وينهاهم، ويجعل ثوابا لأهل طاعته، وعقابا لأهل معصيته، فلما ائتمر ذلك الأمر قدره، فلما قدره كتب وغاب عليه؛ فسماه الغيب وأم الكتاب، وخلق الخلق على ذلك الكتاب أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وما يصيبهم من الأشياء من الرخاء والشدة من الكتاب الذي كتبه أنه يصيبهم، وقرأ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ ذَلِكَ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ وأمر الله الذي ائتمر قدره حين قدره مقدرا، فلا يكون إلا ما في ذلك، وما في ذلك الكتاب، وفي ذلك التقدير، ائتمر أمرا ثم قدره، ثم خلق عليه فقال: كان أمر الله الذي مضى وفرغ منه، وخلق عليه الخلق (قَدَرًا مَقْدُورًا) شاء أمرا ليمضي به أمره وقدره، وشاء أمرا يرضاه من عباده في طاعته، فلما أن كان الذي شاء من طاعته لعباده رضيه لهم، ولما أن كان الذي شاء أراد أن ينفذ فيه أمره وتدبيره وقدره، وقرأ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فشاء أن يكون هؤلاء من أهل النار، وشاء أن تكون أعمالهم أعمال أهل النار، فقال كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ وقال وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ هذه أعمال أهل النار وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ قال وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ ...
إلى قوله وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ وقرأ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ...
إلى كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أن يؤمنوا بذلك، قال: فأخرجوه من اسمه الذي تسمى به، قال: هو الفعال لما يريد، فزعموا أنه ما أراد .
قوله تعالى : ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدوراقوله تعالى : سنة الله في الذين خلوا من قبل هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة .
أعلمهم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء أن ينالوا ما أحله لهم ، أي سن لمحمد صلى الله عليه وسلم التوسعة عليه في النكاح سنة الأنبياء الماضية ، كداود وسليمان .
فكان لداود مائة امرأة وثلاثمائة سرية ، ولسليمان ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية .
وذكر الثعلبي عن مقاتل وابن الكلبي أن الإشارة إلى داود عليه السلام ، حيث جمع الله بينه وبين من فتن بها .
و ( سنة ) نصب على المصدر ، أي سن الله له سنة واسعة و ( الذين خلوا ) هم الأنبياء ، بدليل وصفهم بعد بقوله : الذين يبلغون رسالات الله .
هذا دفع لطعن من طعن في الرسول صلى اللّه عليه وسلم، في كثرة أزواجه، وأنه طعن، بما لا مطعن فيه، فقال: { مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ ْ} أي: إثم وذنب.
{ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ْ} أي: قدر له من الزوجات، فإن هذا، قد أباحه اللّه للأنبياء قبله، ولهذا قال: { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ْ} أي: لا بد من وقوعه.
قوله - عز وجل - : ) ( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ) أي : فيما أحل الله له ) ( سنة الله ) أي : كسنة الله نصب بنزع الخافض ، وقيل : نصب على الإغراء ، أي : الزموا سنة الله ( في الذين خلوا من قبل ) أي : في الأنبياء الماضين أن لا يؤاخذهم بما أحل لهم .
قال الكلبي ، ومقاتل : أراد داود حين جمع بينه وبين المرأة التي هويها فكذلك جمع بين محمد - صلى الله عليه وسلم - وبين زينب .
وقيل : أشار بالسنة إلى النكاح فإنه من سنة الأنبياء عليهم السلام .
وقيل : إلى كثرة الأزواج مثل داود وسليمان عليهما السلام .
( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) قضاء مقضيا كائنا ماضيا .
«ما كان على النبي من حرج فيما فرض» أحل «الله له سنة الله» أي كسنة الله فنصب بنزع الخافض «في الذين خلوْا من قبل» من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح «وكان أمر الله» فعله «قدرا مقدورا» مقضيا.
ما كان على النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم من ذنب فيما أحلَّ الله له من زواج امرأة مَن تبنَّاه بعد طلاقها، كما أباحه للأنبياء قبله، سنة الله في الذين خَلَوا من قبل، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا لا بد من وقوعه.
وبعد أن بين - سبحانه - الحكمة من زواج النبى صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش ، التى كانت قبل ذلك زوجة لزيد بن حارثة - الذى كان الرسول قد تبناه وأعتقه - بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى تقرير هذه الحكمة وتأكيدها ، وإزالة كل ما علق بالأذهان بشأنها ، فقال - تعالى - : ( مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ ..
.
) .أى : ما كان على النبى صلى الله عليه وسلم من حرج أو لوم أو مؤاخذة ، فى فعل ما أحله الله له ، وقدره عليه ، وأمره به من زواجه بزينب بعد أن طلقها ابنه بالتبنى زيد بن حارثة فقوله : ( فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ ) أى : فيما قسمه له ، وقدره عليه ، مأخوذ من قولهم : فرض فلان لفلان كذا ، أى : قدر له هذا الشئ وجعله حلالا له .وقوله - تعالى - : ( سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً ) زيادة فى تأكيد هذه الحكمة ، وفى تقرير صحة ما فرضه الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم .أى : ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من زواجه بزينب بعد طلاقها من زيد ، قد جعله الله - تعالى - سنة من سننه فى الأمم الماضية ، وكان أمر الله - تعالى - قدرا مقدورا .
أى : واقعا لا محالة .والقدر : إيجاد الله - تعالى - على قَدْرِ مخصوص حسبما تقتضى حكمته .ويقابله القضاء : وهو الإِرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هى عليه .
وقد يستعمل كل منهما بمعنى الآخر .
والأظهر أن قدر الله - تعالى - هنا بمعنى قضائه .ولفظ ( مَّقْدُوراً ) وصف جئ به للتأكيد ، كما فى قولهم : ظل ظليل ، وليل أليل .
يعني كان شرع من تقدمه كذلك، كان يتزوج الأنبياء بنسوة كثيرة أبكار ومطلقات الغير ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً ﴾ أي كل شيء بقضاء وقدر والقدر التقدير وبين المفعول والمقدور فرق مقول بين القضاء والقدر، فالقضاء ما كان مقصوداً في الأصل والقدر ما يكون تابعاً له، مثاله من كان يقصد مدينة فنزل بطريق تلك المدينة بخان أو قرية يصح منه في العرف أن يقول في جواب من يقول لم جئت إلى هذه القرية؟
إني ما جئت إلى هذه وإنما قصدت المدينة الفلانية وهذه وقعت في طريقي وإن كان قد جاءها ودخلها وإذا عرفت هذا فإن الخير كله بقضاء وما في العالم من الضرر بقدر، فالله تعالى خلق المكلف بحيث يشتهي ويغضب، ليكون اجتهاده في تغليب العقل والدين عليهما مثاباً عليه بأبلغ وجه فأفضى ذلك في البعض إلى أن زنى وقتل فالله لم يخلقهما فيه مقصوداً منه القتل والزنا وإن كان ذلك بقدر الله إذا علمت هذا ففي قوله تعالى أولا ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ وقوله ثانياً ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً ﴾ لطيفة وهي أنه تعالى لما قال: ﴿ زوجناكها ﴾ قال: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ أي تزويجنا زينب إياك كان مقصوداً متبوعاً مقضياً مراعى، ولما قال: ﴿ سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ ﴾ إشارة إلى قصة داود عليه السلام حيث افتتن بامرأة أوريا قال: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً ﴾ أي كان ذلك حكماً تبعياً، فلو قال قائل هذا قول المعتزلة بالتوليد والفلاسفة بوجوب كون الأشياء على وجوه مثل كون النار تحرق حيث قالوا الله تعالى أراد أن يخلق ما ينضج الأشياء وهو لا يكون إلا محرقاً بالطبع فخلق النار للنفع فوقع اتفاق أسباب أوجبت احتراق دار زيد أو دار عمرو، فنقول معاذ الله أن نقول بأن الله غير مختار في أفعاله أو يقع شيء لا باختياره، ولكن أهل السنة يقولون أجرى الله عادته بكذا أي وله أن يخلق النار بحيث عند حاجة إنضاج اللحم تنضج وعند مساس ثوب العجوز لا تحرق، ألا ترى أنها لم تحرق إبراهيم عليه السلام مع قوتها وكثرتها لكن خلقها على غير ذلك الوجه بمحض إرادته أو لحكمة خفية ولا يسأل عما يفعل، فنقول ما كان في مجرى عادته تعالى على وجه تدركه العقول البشرية نقول بقضاء، وما يكون على وجه يقع لعقل قاصر أن يقول لم كان ولماذا لم يكن على خلافه نقول بقدر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَرَضَ الله لَهُ ﴾ قسم له وأوجب، من قولهم: فرض لفلان في الديوان كذا.
ومنه فروض العسكر لرزقاتهم ﴿ سُنَّةَ الله ﴾ اسم موضوع موضع المصدر- كقولهم: تربا، وجندلا-: مؤكد لقوله تعالى: ﴿ مَّا كَانَ عَلَى النبى مِنْ حَرَجٍ ﴾ كأنه قيل: سنّ الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين، وهو أن لا يحرج عليهم في الاقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره، وقد كانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة وثلثمائة سرية، ولسليمان عليه السلام ثلثمائة وسبعمائة ﴿ فِى الذين خَلَوْاْ ﴾ في الأنبياء الذين مضوا ﴿ الذين يُبَلّغُونَ ﴾ يحتمل وجوه الاعراب: الجرّ، على الوصف للأنبياء، والرفع والنصب، على المدح على هم الذين يبلغون.
أو على: أعني الذين يبلغون.
وقرئ: ﴿ رسالة الله ﴾ .
قدراً مقدوراً: قضاء مقضياً، وحكماً مبتوتاً، ووصف الأنبياء بأنهم لا يخشون إلاّ الله: تعريض بعد التصريح في قوله تعالى ﴿ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه ﴾ [الأحزاب: 37] .
﴿ حَسِيباً ﴾ كافياً للمخاوف، أو محاسباً على الصغيرة والكبيرة، فيجب أن يكون حق الخشية من مثله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ﴾ قَسَمٌ لَهُ وقَدْرٌ مِن قَوْلِهِمْ فَرَضَ لَهُ في الدِّيوانِ، ومِنهُ فُرُوضُ العَسْكَرِ لِأرْزاقِهِمْ.
﴿ سُنَّةَ اللَّهِ ﴾ سَنَّ ذَلِكَ سُنَّةً.
﴿ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ﴾ مِنَ الأنْبِياءِ، وهو نَفْيُ الحَرَجِ عَنْهم فِيما أباحَ لَهم.
﴿ وَكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ قَضاءً مَقْضِيًّا وحُكْمًا مَبْتُوتًا.
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينِ خَلَوْا أوْ مَدْحٌ لَهم مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ، وقُرِئَ «رِسالَةَ اللَّهِ» .
﴿ وَيَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ ﴾ تَعْرِيضٌ بَعْدَ تَصْرِيحٍ.
﴿ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ كافِيًا لِلْمَخاوِفِ أوْ مُحاسِبًا فَيَنْبَغِي أنْ لا يُخْشى إلّا مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
{مَّا كَانَ عَلَى النبى مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ} أحل له وأمر له وهو نكاح زينب امرأة زيد أو قدر له من عدد النساء {سُنَّةَ الله} اسم موضوع موضع المصدر كقولهم ترابا وجند لا مؤكد لقوله مَّا كَانَ عَلَى النبى مِنْ حَرَجٍ كأنه قيل سن الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين وهو أن لا يحرج عليهم في الإقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره وقد
كانت تحتهم المهائر والسراري وكانت لداود مائة امرأة وثلثمائة سرية ولسليمان ثلثمائة حرة وسبعمائة سرية {فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} في الانبياء الذين مصوا من قبل {وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً} قضاء مقضياً وحكماً مبتوتاً ولا وقف عليه ان جعلت
﴿ ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اِسْتَقامَ في الحِكْمَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَرَجٌ ﴿ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ﴾ أيْ قَسَمَ لَهُ وقَدَّرَ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ في الدِّيوانِ كَذا، ومِنهُ فُرُوضُ العَساكِرِ لِما يَقْطَعُهُ السُّلْطانُ لَهم ويَرْسُمُ بِهِ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ فِيما أحَلَّ لَهُ، وقالَ الحَسَنُ: فِيما خَصَّهُ بِهِ مِن صِحَّةِ النِّكاحِ بِلا صَداقٍ، وقالَ الضَّحّاكُ: مِنَ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ.
﴿ سُنَّةَ اللَّهِ ﴾ أيْ سَنَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ سُنَّةً، فَهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الحَرَجِ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّهُ اِسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: تُرْبًا وجَنْدَلًا أيْ رَغْمًا وهَوانًا وخَيْبَةً، وكَأنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ مَصْدَرِيَّتُهُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ (اِلْزَمْ) ونَحْوِهِ.
قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الإغْراءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وأيْضًا تَقْدِيرُ فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ بِضَمِيرِ الغائِبِ لا يَجُوزُ إذْ لا يُغْرى غائِبٌ، وقَوْلُهُمْ: عَلَيْهِ رَجُلًا لَيْسَنِي مُؤَوَّلٌ وهو مَعَ ذَلِكَ نادِرٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ: لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، مَمْنُوعٌ، وهو خِلافُ ما يُفْهَمُ مِن كُتُبِ النَّحْوِ وبِأنَّ ما ذَكَرَهُ في أمْرِ إغْراءِ الغائِبِ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ هاهُنا كَما لا يَخْفى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ ظاهِرَ كَلامِ اِبْنِ عَطِيَّةَ يُشْعِرُ بِأنَّ النَّصْبَ بِتَقْدِيرِ اِلْزَمْ قَسِيمٌ لِلنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو قِسْمٌ مِنهُ، اه فَتَدَبَّرْ.
﴿ فِي الَّذِينَ خَلَوْا ﴾ أيْ مَضَوْا ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ لَمْ يُحَرِّجُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِمْ في الإقْدامِ عَلى ما أحَلَّ لَهم ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ في بابِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ وقَدْ كانَتْ تَحْتَهُمُ المَهائِرُ والسَّرارِي وكانَتْ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِائَةُ اِمْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ ولِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُمِائَةِ اِمْرَأةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ.
وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ كانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْفُ اِمْرَأةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَنى بِالمَرْأةِ ما يُقابِلُ السُّرِّيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ بِها الأعَمَّ فَيُوافَقْ ما قَبْلَهُ.
يُرْوى أنَّ اليَهُودَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عابُوهُ وحاشاهُ مِنَ العَيْبِ بِكَثْرَةِ النِّكاحِ وكَثْرَةِ الأزْواجِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ.
وقِيلَ: إنَّهُ جَلَّ وعَلا أشارَ بِذَلِكَ إلى ما وقَعَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَزَوُّجِهِ اِمْرَأةَ أُورِيا.
وأخْرَجَ ذَلِكَ اِبْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ، واسْمُ تِلْكَ المَرْأةِ عِنْدَهُ ألِيسِيَةُ وهَذا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، والقِصَّةُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لا أصْلَ لَها.
﴿ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ أيْ عَنْ قَدَرٍ أوْ ذا قَدَرٍ ووَصْفُهُ بِمَقْدُورٍ نَحْوَ وصْفِ الظِّلِّ بِالظَّلِيلِ واللَّيْلِ بِالألْيَلِ في قَوْلِهِمْ ظِلٌّ ظَلِيلٌ ولَيْلٌ ألْيَلُ في قَصْدِ التَّأْكِيدِ، والمُرادُ بِالقَدَرِ عِنْدَ جَمْعِ المَعْنى المَشْهُورِ لِلْقَضاءِ وهو الإرادَةُ الأزَلِيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بِالمَعْنى المَشْهُورِ لَهُ وهو إيجادُ الأشْياءِ عَلى قَدْرٍ مَخْصُوصٍ وكَمِّيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن وُجُوهِ المُصْلِحَةِ وغَيْرِها، والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ، والقَضاءُ والقَدَرُ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما بِمَعْنى الآخَرِ وفُسِّرَ الأمْرُ بِنَحْوِ ما فُسِّرَ بِهِ فِيما سَبَقَ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الأمْرُ الَّذِي هو واحِدُ الأوامِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ ويُرادُ أنَّ اِتِّباعَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلِ عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والعَمَلَ بِمُوجِبِهِ لازِمٌ مَقْضِيٌّ في نَفْسِهِ أوْ هو كالمَقْضِيِّ في لُزُومِ اِتِّباعِهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ، وظاهِرُ كَلامِ الإمامِ اِخْتِيارُ أنَّ الأمْرَ واحِدُ الأُمُورِ، وفَرَّقَ بَيْنَ القَضاءِ والقَدَرِ بِما لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ فَقالَ ما حاصِلُهُ: القَضاءُ ما يَكُونُ مَقْصُودًا لَهُ تَعالى في الأصْلِ، والقَدَرُ ما يَكُونُ تابِعًا، والخَيْرُ كُلُّهُ بِقَضاءٍ وما في العالَمِ مِنَ الضَّرَرِ بِقَدَرٍ كالزِّنا والقَتْلِ، ثُمَّ بَنى عَلى ذَلِكَ لَطِيفَةً وهو أنَّهُ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ زَوَّجْناكَها ﴾ ذَيَّلَهُ بِ (أمْرًا مَفْعُولًا) لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا أصْلِيًّا وخَيْرًا مَقْضِيًّا، ولَمّا قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا ﴾ إشارَةً إلى قِصَّةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ اُفْتُتِنَ بِاِمْرَأةِ أُورِيا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ لِكَوْنِ الِافْتِتانِ شَرًّا غَيْرَ مَقْصُودٍ أصْلِيٍّ مِن خَلْقِ المُكَلَّفِ، وفِيهِ ما فِيهِ، والجُمْلَةُ اِعْتِراضُ وسَطٍ بَيْنِ المَوْصُولَيْنِ الجارِيَيْنِ مَجْرى الواحِدِ لِلْمُسارَعَةِ إلى تَقْرِيرِ نَفْيِ الحَرَجِ وتَحْقِيقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ يعني: زيد بن حارثة قد أنعم الله عز وجل عليه بالإسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالعتق أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ قال قتادة: جاء زيد بن حارثة إلى النبي فقال: إن زينب اشتد عليّ لسانها، وإني أريد أن أطلقها.
فقال النبي : «اتَّقِ الله أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» .
وكان يحب النبي أن يطلقها.
وخشي مقالة الناس أن أمره بطلاقها فنزلت هذه الآية.
وروى عن ابن عباس ما أنه قال: أتى رسول الله ذات يوم إلى زيد بن حارثة يطلبه في حاجة له.
فإذا زينب بنت جحش قائمة في درع وخمار.
فلما رآها أعجبته ووقعت في نفسه.
فقال: «سُبْحَانَ الله مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي» .
فلما سمعت زينب جلست.
فرجع رسول الله .
فلما جاء زيد ذكرت ذلك له.
فعرف أنها أعجبته ووقعت في نفسه، وأعجب بها رسول الله.
فأتى رسول الله وقال: يا رسول الله: إنَّ زينب امرأة فيها كبر، تعصي أمري، ولا تبرُّ قسمي، فلا حاجة لي فيها.
فقال له: «اتَّقِ الله يَا زَيْدُ فِي أَهْلِكَ وَأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» .
وكان يحب أن يطلقها.
فطلّقها زيد ونزلت هذه الآية أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ.
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ يعني: تسر في نفسك ليت أنه طلقها مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ يعني: مظهره عليك حتى ينزل به قرآناً وَتَخْشَى النَّاسَ يعني: تستحي من الناس.
ويقال: وَتَخْشَى مقالة الناس وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ في أمرها.
قال الحسن: ما أنزل الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النبيّ آية أشد منها، ولو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها.
ثم قال: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً يعني: حاجة زَوَّجْناكَها فلما انقضت عدتها تزوجها النبيّ .
قال الحسن: فكانت زينب تفتخر على أزواج النبي فتقول: أما أنتن فزوّجكن آباؤكن.
وأما أنا فزوجني رب العرش تعني: قوله: زَوَّجْناكَها لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ يعني: لكيلا يكون على الرجل حرج بأن يتزوج امرأة ابنه الذي يتبنّاه فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً يعني: حاجة وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا تزوّج النبيّ إياها كائن لا بد واللام للزيادة، وكي مثله فلو كان أحدهما، لكان يكفي ولكن يجوز أن يجمع بين حرفين زائدين إذا كانا جنسين.
وإنما لا يجوز إذا كانا من جنس واحد كما قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ولا يصلح أن يقال: مثل مثل أو كي كي فإذا كانا جنسين جاز.
فقالت اليهود والمنافقون: يا محمد تنهى عن تزوج امرأة الابن ثم تتزوجها.
فنزل قوله عز وجل: مَّا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ يقول: ليس على النبي إثم فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ يعني: في الذي رخص الله عز وجل من تزوج زينب سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ يعني: هكذا سنة الله فى الذين مضوا يعني: في كثرة تزوج النساء كما فعل الأنبياء- عليهم السلام- وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً يعني: قضاء كائناً.
قوله عز وجل: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ قال مقاتل: يعني: النبي وحده.
ويقال: ينصرف إلى قوله: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ.
وَيَخْشَوْنَهُ في كتمان ما أظهر الله عليهم وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً في البلاغ إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً يعني: شهيداً بأن النبيّ بلّغ الرسالة عن الله عز وجل ويقال: شهيداً يعني: حفيظاً.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: مَّا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ...
الآية: هذه مخاطبةٌ من اللهِ تعالى لجميعِ الأمة أَعلمهم أَنه لا حرجَ على نبيه في نَيْل ما فَرَضَ اللهُ له وأباحَهُ من تزويجهِ لزينبَ بَعْد زيد، ثم أعلم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء، من أن ينالوا ما أحله الله لهم، وعبارة الواحدي: مَّا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ أي: أحل الله له من النساء.
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، يقول: هذه سنة قَد مضت لغيركِ يعني كثرةُ أزواج داودَ وسليمان- عليهما السلام- وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً قضاءٍ مقضياً.
وقوله تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ من نَعْتِ قوله: فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، انتهى.
مَّا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤)
وقوله تعالى: مَّا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ إلى قوله كَرِيماً أذهَب الله بهذه الآية مَا وَقَعَ في نفوسِ المنافقين وغيرِهم لأنهم استعظموا أن يَتَزَوَّجَ زَوْجَة ابْنِه، فنفى القرآن تلك النبوّة، وقوله: أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ يعني المعاصرين له وباقي الآية بيِّن.
ثم أمر سبحانه عباده بأن يذكروه ذكراً كثيراً، وجعل تعالى ذلك دون حَدٍّ ولا تقدير لسهولته على العبد، ولعظم الأجر فيه.
قال ابن عباس: لم يُعْذَرْ أَحدٌ فِي تركِ ذكر اللهِ عز وجل إلاَّ مَنْ غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ «١» ، وقال: الذكرُ الكثيرُ أن لا تنساه أبداً.
ورَوَى أبو سعيد عن النّبي صلى الله عليه وسلّم «أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حتى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ» «٢» .
ت:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ﴾ قالَ قَتادَةُ فِيما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ النِّساءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ ﴾ هي مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى " ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ ": سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً واسِعَةً لا حَرَجَ فِيها.
والَّذِينَ خَلَوْا: هُمُ النَّبِيُّونَ؛ فالمَعْنى: أنَّ سُنَّةَ اللَّهِ في التَّوْسِعَةِ عَلى مُحَمَّدٍ فِيما فَرَضَ لَهُ، كَسُنَّتِهِ في الأنْبِياءِ الماضِينَ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: هَكَذا سُنَّةُ اللَّهِ في الأنْبِياءِ، كَداوُدَ، فَإنَّهُ كانَ لَهُ مِائَةُ امْرَأةٍ، وسُلَيْمانَ كانَ لَهُ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ﴿ وَكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا " مَعْناهُ: لا حَرَجَ عَلى أحَدٍ فِيما لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ أثْنى اللَّهُ عَلى الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهِ ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ لائِمَةَ النّاسِ وقَوْلَهم فِيما أحِلَّ لَهم.
وباقِي الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٦] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ زَيْنَبَ، قالَ النّاسُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: لَيْسَ بِأبٍ لِزَيْدٍ فَتَحْرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ ﴿ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَهُ، فالمَعْنى ولَكِنْ كانَ رَسُولَ اللَّهِ، وكانَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ؛ ومَن رَفَعَهُ، فالمَعْنى: ولَكِنْ هو رَسُولُ اللَّهِ؛ ومَن قَرَأ: " خاتِمَ " بِكَسْرِ التّاءِ، فَمَعْناهُ: وخَتَمَ النَّبِيِّينَ؛ ومَن فَتَحَها، فالمَعْنى: آخِرُ النَّبِيِّينَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لَوْ لَمْ أخْتِمْ بِهِ النَّبِيِّينَ، لَجَعْلْتُ لَهُ ولَدًا يَكُونُ بَعْدَهُ نَبِيًّا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللهُ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهِ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا ﴾ ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتَمَ النَبِيِّينَ وكانَ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ ﴿ تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أعْلَمَهم أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى رَسُولِ اللهِ في نَيْلِ ما فَرَضَ اللهُ لَهُ وأباحَهُ، مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ هو السُنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ، مِن أنْ يَنالُوا ما أحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُقاتِلٍ وابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الإشارَةَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَيْثُ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن فُتِنَ بِها، و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمَ أو نَحْوَهُ، أو عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ.
و"الَّذِينَ خَلَوْا" هُمُ الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ﴾ .
و"أمْرُ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: مَأْمُوراتُ اللهِ والكائِناتِ عن أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ، وقَوْلُهُ: "قَدَرًا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: ذا قَدْرٍ وعن قَدْرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسالاتِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ ﴾ تَعْرِيضٌ بِالعِتابِ الأوَّلُ في خَشْيَةِ النَبِيِّ الناسَ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ كُلَّهُ إلى اللهِ، وأنَّهُ المُحاسِبُ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والمُعْتَقَداتُ، وكَفى بِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ "حَسِيبًا" ﴾ بِمَعْنى "مُحْسِبًا"، أيْ كافِيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ .
اذْهَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ في نُفُوسِ مُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن بَعْدِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ زَيْنَبَ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهم كانُوا اسْتَعْظَمُوا أنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَنَفى القُرْآنُ تِلْكَ الصُورَةَ في البُنُوَّةِ، وأعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ في حَقِيقَةِ أمْرِهِ أبا أحَدٍ مِن رِجالِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ بِأمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ، ومَنِ احْتَجَّ بِذَلِكَ فَإنَّهُ تَأوَّلَ نَفْيَ البُنُوَّةِ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما قُصِدَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ الناسِ: "وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هو رَسُولُ اللهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "رَسُولَ" بِالنَصْبِ عَلى العَطْفِ عَلى "أبا"، وهَؤُلاءِ قَرَؤُوا "وَلَكِنْ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ" بِشَدِّ النُونِ، فَيَنْتَصِبُ "رَسُولَ" عَلى أنَّهُ اسْمُ "لَكِنَّ" والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ: ﴿ "وَخاتَمَ النَبِيِّينَ" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ عَلى مَعْنى أنَّهم بِهِ خَتَمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطابَعِ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ التاءِ بِمَعْنى أنَّهُ خَتْمُهُمْ، أيْ جاءَ آخِرُهُمْ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ"،» بِفَتْحِ التاءِ، وهَذِهِ الألْفاظُ عِنْدَ جَماعَةِ عُلَماءِ الأُمَّةِ خَلَفًا وسُلَفًا مُتَلَقّاةٌ عَلى العُمُومِ التامِّ، مُقْتَضِيَةٌ نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وما ذَكَرَهُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِي في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ إلْحادٌ عِنْدِي، وتَطَرُّقٌ خَبِيثٌ إلى تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ النُبُوءَةَ، فالحَذِرُ الحَذِرُ مِنهُ، واللهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن رِجالِكم ولَكِنَّ نَبِيَّنا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، قالَ الرُمّانِيُّ خَتَمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الِاسْتِصْلاحَ فَمَن لَمْ يَصْلُحْ بِهِ فَمَيْئُوسٌ مِن صَلاحِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ عُمُومٌ، والمَقْصُودُ بِهِ هُنا عِلْمُهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِمُحَمَّدٍ ، وما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَعَلَ ذَلِكَ دُونَ حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لِسُهُولَتِهِ عَلى العَبِيدِ، ولِعِظَمِ الأجْرِ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقالَ: الكَثِيرُ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ : « "أكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".» وقَوْلُهُ: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ أرادَ: في كُلِّ الأوقاتِ، مُجَدِّدُ الزَمانِ بِطَرَفَيْ نَهارِهِ ولَيْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: الإشارَةُ إلى صَلاتِي الغَداةُ والعَصْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها مَن زَعَمَ أنَّ الصَلاةَ إنَّما فُرِضَتْ أوَّلًا صَلاتَيْنِ في طَرَفَيِ النَهارِ، والرِوايَةُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، و"الأصِيلُ" مِنَ العَصْرِ إلى اللَيْلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى عِبادِهِ نِعْمَتَهُ في الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، وصَلاةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العَبِيدِ هي رَحْمَتُهُ لَهُمْ، وبَرَكَتُهُ لَدَيْهِمْ، ونَشْرُهُ إلَيْنا الجَمِيلُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ «أنَّ النَبِيَّ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللهِ عَلى عِبادِهِ؟
قالَ: "سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» واخْتُلِفَ في تَأْوِيلٍ هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مِن كَلامِ اللهِ، وهي صِلاتُهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: « "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ"» هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ نُقْطَةٍ بِاللَفْظِ الَّذِي هو صَلاةُ اللهِ، وهُوَ: « "رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» وقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَذا مِن حَيْثُ فَهَمَ مِنَ السائِلِ أنَّهُ تَوَهَّمَ في صَلاةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وجْهًا لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَدَّمَ التَنْزِيهَ لِلَّهِ والتَعْظِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أخْبارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيُخْرِجَكُمْ" ﴾ أيْ: صَلاتَهُ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ لِكَيْ يَهْدِيَكم ويُنْقِذَكم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ" ﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ تُحْيِّيهِ المَلائِكَةُ بِالسَلامِ، ومَعْناهُ: السَلامَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ.
وقالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ هَمٍّ وتَخَوُّفٍ.
وقِيلَ: تُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، وأمّا "الأجْرُ الكَرِيمُ" فَإنَّهُ جَنَّةُ الخُلْدِ في جِوارِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
استئناف لزيادة بيان مساواة النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في إباحة تزوج مطلقة دعيّه وبيان أن ذلك لا يخل بصفة النبوءة لأن تناول المباحات من سنة الأنبياء، قال تعالى: ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ﴾ [المؤمنون: 51]، وأن النبي إذا رام الانتفاع بمباح لميل نفسه إليه ينبغي له أن يتناوله لئلا يجاهد نفسه فيما لم يؤمر بمجاهدة النفس فيه، لأن الأليق به أن يستبقي عزيمته ومجاهدته لدفع ما أمر بتجنبه.
وفي هذا الاستئناف ابتداء لنقض أقوال المنافقين أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة ابنه.
ومعنى: ﴿ فرض الله له ﴾ قدّره، إذْ أَذِنَه بفعله.
وتعدية فعل ﴿ فرض ﴾ باللام تدل على هذا المعنى بخلاف تعديته بحرف (على) كقوله: ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ﴾ [الأحزاب: 50].
والسُّنَّة: السيرة من عمل أو خُلق يلازمه صاحبه.
ومضى القول في هل السنة اسم جامد أو اسم مصدر عند قوله تعالى: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ في سورة آل عمران (137)، وعلى الأول فانتصاب سنة الله } هنا على أنه اسم وضع في موضع المصدر لدلالته على معنى فعل ومصدر.
قال في «الكشاف» كقولهم: تُرباً وجندَلاً، أي في الدعاء، أي تَرب تُرباً.
وأصله: تُرْب له وجندَلٌ له.
وجاء على مراعاة الأصل قول المعري: تمنتْ قُوَيْقاً والسراة حِيالها *** تُرَابٌ لها من أَينق وجِمال ساقه مساق التعجب المشوب بغضب.
وعلى الثاني فانتصاب ﴿ سنة ﴾ على المفعول المطلق، وعلى كلا الوجهين فالفعل مقدّر دل عليه المصدر أو نائبه.
فالتقدير: سَنّ الله سنته في الذين خلوا من قبل.
والمعنى: أن محمداً صلى الله عليه وسلم متَّبع سُنَّة الأنبياء الذين سبقوه اتباعاً لما فرض الله له كما فرض لهم، أي أباح.
والمراد ب ﴿ الذين خلوا ﴾ : الأنبياء بقرينة سياق لفظ النبي، أي الذين خلوا من قبل النبوءة، وقد زاده بياناً قوله: ﴿ الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ﴾ ، فالأنبياء كانوا متزوجين وكان لكثير منهم عدة أزواج، وكان بعض أزواجهم أحب إليهم من بعضهن.
فإن وقفنا عند ما جاء في هذه الآية وما بيّنته الآثار الصحيحة فالعبرة بأحوال جميع الأنبياء.
وإن تلقَّيْنا بشيء من الإغضاء بعضَ الآثار الضعيفة التي أُلصِقت بقصة تزوج زينب كان داود عليه السلام عبرة بالخصوص فقد كانت له زوجات كثيرات وكان قد أحب أن يتزوج زَوجة (أوريا) وهي التي ضرب الله لها مثلاً بالخصم الذين تسَوّرُوا المحراب وتشاكوا بين يديه.
وستأتي في سورة ص، وقد ذكرت القصة في «سفر الملوك».
ومحلّ التمثيل بداود في أصل انصراف رغبته إلى امرأة لم تكن حلالاً له فصارت حلالاً له، وليس محلّ التمثيل فيما حَفّ بقصة داود من لوم الله إياه على ذلك كما قال: ﴿ وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه ﴾ [ص: 24] الآية لأن ذلك منتففٍ في قصة تزوّج زينب.
وجملة ﴿ وكان أمر الله قدراً مقدوراً ﴾ معترضة بين الموصول والصفة إن كانت جملة ﴿ الذين يبلغون ﴾ صفة ل ﴿ الذين خلوا من قبل ﴾ ، أو تذييل مثل جملة ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ [الأحزاب: 37] إن كانت جملة ﴿ الذين يبلغون ﴾ مستأنفة كما سيأتي، والقول فيه مثل نظيره المتقدم آنفاً.
والقَدَر بفتح الدال: إيجاد الأشياء على صفة مقصودة وهو مشتق من القَدْر بسكون الدال وهو الكمية المحددة المضبوطة، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ في سورة الرعد (17) وقوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ في سورة الحجر (21).
ولما كان من لوازم هذا المعنى أن يكون مضبوطاً محكماً كثرت الكناية بالقدَر عن الإِتقان والصدور عن العلم.
ومنه حديث: كل شيء بقضاء وقَدر، أي من الله.
واصطلح علماء الكلام: أن القدَر اسم للإِرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، ويطلقونه على الشيء الذي تعلق به القدَر وهو المقدور كما في هذه الآية، فالمعنى: وكان أمر الله مُقَدَّراً على حكمة أرادها الله تعالى من ذلك الأمر، فالله لما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بتزوج زينب التي فارقها زيد كان عالماً بأن ذلك لائق برسوله عليه الصلاة والسلام كما قدر لأسلافه من الأنبياء.
وفي قوله: الذين يبلغون } جيء بالموصول دون اسم الإشارة أو الضمير لما في هذه الصلة من إيماء إلى انتفاء الحرج عن الأنبياء في تناول المباح بأن الله أراد منهم تبليغ الرسالة وخشية الله بتجنب ما نهى عنه ولم يكلفهم إشقاق نفوسهم بترك الطيبات التي يريدونها، ولا حجب وجدانهم عن إدراك الأشياء على ما هي عليه من حُسْن الحَسَن وقُبْح القَبيح، ولا عن انصراف الرغبة إلى تناول ما حَسُن لديهم إذا كان ذلك في حدود الإِباحة، ولا كلّفهم مراعاة ميول الناس ومصطلحاتهم وعوائدهم الراجعة إلى الحيدة بالأمور عن مناهجها فإن في تناولهم رغباتهم المباحة عوناً لهم على النشاط في تبليغ رسالات الله، ولذلك عقب بقوله: ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ ، أي لا يخشون أحداً خشية تقتضي فعل شيء أو تركه.
ثم إن جملة ﴿ الذين يبلغون ﴾ إلى آخرها يجوز أن تكون في موضع الصفة للذين خلوا من قبل، أي الأنبياء.
وإذ قد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم متبع ما أذِن الله له اتباعه من سُنّة الأنبياء قبله عُلم أنه متصف بمضمون جملة ﴿ الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ بحكم قياس المساواة، فعلم أن الخشية التي في قوله: ﴿ وتخشى الناس ﴾ [الأحزاب: 37] ليست خشية خَوف توجب ترك ما يكرهه الناس أو فعلَ ما يرغبونه بحيث يكون الناس محتسبين على النبي عليه الصلاة والسلام ولكنها توَقُّع أن يصدر من الناس وهم المنافقون ما يكرهه النبي عليه الصلاة والسلام ويدل لذلك قوله: ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ ، أي الله حسيب الأنبياء لا غيره.
هذا هو الوجه في سياق تفسير هذه الآيات، فلا تسلك في معنى الآية مسلكاً يفضي بك إلى توهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حصلت منه خشية الناس وأن الله عرّض به في قوله: ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تصريحاً بعد أن عرّض به تلميحاً في قوله: ﴿ وتخشى الناس ﴾ [الأحزاب: 37] بل النبي عليه الصلاة والسلام لم يكترث بهم وأقدم على تزوج زينب، فكل ذلك قبل نزول هذه الآيات التي ما نزلت إلا بعد تزوج زينب كما هو صريح قوله: ﴿ زوّجناكها ﴾ [الأحزاب: 37] ولم يتأخر إلى نزول هذه الآية.
وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار في قوله: ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ حيث تقدم ذكره لقصد أن تكون هذه الجملة جارية مجرى المثل والحِكمة.
وإذ قد كان هذا وصف الأنبياء فليس في الآية مجال للاستدراك عليها بمسألة التقية في قوله تعالى: ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ [آل عمران: 28].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فِيما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إذْ زَوَّجَها اللَّهُ إيّاهُ بِغَيْرِ صَداقٍ ولَكِنَّ النَّبِيَّ قَدْ تَطَوَّعَ عَلَيْها وأعْطاها الصَّداقَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: في أنْ يَنْكِحَ مَن شاءَ مِنَ النِّساءِ وإنْ حُرُمَ عَلى أُمَّتِهِ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ لِأنَّ اليَهُودَ عابُوهُ بِذَلِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: نَكَحَ رَسُولُ اللَّهِ خَمْسَ عَشْرَةَ، ودَخَلَ بِثَلاثَةَ عَشْرَةَ، وماتَ عَلى تِسْعٍ، وكانَ يِقْسِمُ لِثَمانٍ.
﴿ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ﴾ السُّنَّةُ الطَّرِيقَةُ المُعْتادَةُ أيْ لَيْسَ عَلى الأنْبِياءِ حَرَجٌ فِيما أحَلَّ اللَّهُ لَهم كَما أحَلَّ لِداوُدَ مِثْلَ هَذا في نِكاحِ مَن شاءَ وفي المَرْأةِ الَّتِي نَظَرَ إلَيْها وتَزَوَّجَها ونَكَحَ مِائَةَ امْرَأةٍ وأحَلَّ لِسُلَيْمانَ ثَلاثَمِائَةِ امْرَأةٍ وسَبْعَمِائَةِ سُرِّيَّةٍ.
﴿ وَكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فِعْلًا مَفْعُولًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: قَضاءً مَقْضِيًّا وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَكانَتْ زَيْنَبُ إذا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ سَفَرًا تُصْلِحُ طَعامَهُ وهي أوَّلُ مَن ماتَ مِن أزْواجِهِ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهي أوَّلُ امْرَأةٍ حُمِلَتْ عَلى نَعْشٍ لِأنَّ عُمَرَ قالَ حِينَ ماتَتْ: واسَوْأتاهُ تُحْمَلُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ مَكْشُوفَةً كَما يُحْمَلُ الرِّجالُ فَقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنِّي قَدْ كُنْتُ شاهَدْتُ في بِلادِ الحَبَشَةِ شَيْئًا فِيهِ لِلْمَرْأةِ صِيانَةً ووَصَفَتْهُ لَهُ فَأمَرَ بِعَمَلِهِ فَلَمّا رَآهُ قالَ: نِعْمَ خِباءُ الظَّعِينَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البزار وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: جاء العباس، وعلي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا «يا رسول الله جئناك لتخبرنا أي أهلك أحب إليك؟
قال: أحب أهلي إليَّ فاطمة.
قالا: ما نسألك عن فاطمة قال: فاسامة بن زيد الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه.
قال علي رضي الله عنه: ثم من يا رسول الله؟
قال: ثم أنت، ثم العباس.
فقال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله جعلت عمك آخراً قال: إن علياً سبقك بالهجرة» .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ابي حاتم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه.
أن هذه الآية ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: «جاء زيد بن حارثة رضي الله عنه يشكو زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اتق الله وامسك عليك زوجك فنزلت ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ قال: أنس رضي الله عنه فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً لكتم هذه الآية.
فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها.
ذبح شاة ﴿ فلما قضى زيد منها وطرا زوّجناكها ﴾ فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سموات» .
وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد «اذهب فاذكرها عليَّ فانطلق قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، فقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل يتبع حُجَرَ نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟
فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت ادخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، فنزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم...
﴾ » .
وأخرج ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حيان رضي الله عنه قال: «جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجيء لبيت زيد بن حارثة يطلبه فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته، فاعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقالت: ليس هو هاهنا يا رسول الله فادخل، فأبى أن يدخل، فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه إلا ربما أعلن، سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد رضي الله عنه إلى منزله، فأخبرته امرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله فقال زيد رضي الله عنه: إلا قلت له أن يدخل قالت: قد عرضت ذلك عليه فأبى قال: فسمعت شيئاً قالت: سمعته حين ولى تكلم بكلام ولا أفهمه، وسمعته يقول: سبحان الله، سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد رضي الله عنه حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ فما استطاع زيد إليها سبيلاً بعد ذلك اليوم، فيأتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره، فيقول: ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ ففارقها زيد واعتزلها، وانقضت عدتها، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة رضي الله عنها إذ أخذته غشية، فسرى عنه وهو يتبسم ويقول: من يذهب إلى زينب، فيبشرها أن الله زوجنيها من السماء، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ﴾ القصة كلها قالت عائشة رضي الله عنها: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها.
وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها زوجها الله من السماء وقلت: هي تفخر علينا بهذه» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ﴾ يعني بالإِسلام ﴿ وأنعمت عليه ﴾ بالعتق ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوّجها قالوا: تزوج حليلة ابنه.
فأنزل الله تعالى ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلاً يقال له: زيد بن محمد.
فأنزل الله: ﴿ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ﴾ يعني أعدل عند الله.
وأخرج الحاكم عن الشعبي رضي الله عنه قال: كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا أعظم نسائك عليك حقاً، أنا خيرهن منكحاً، وأكرمهن ستراً، وأقربهن رحماً، وزوّجنيك الرحمن من فوق عرشه، وكان جبريل عليه السلام هو السفير بذلك، وأنا بنت عمتك، ليس لك من نسائك قريبة غيري.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه قال: كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن.
إن جدي وجدك واحد.
وإني أنكحنيك الله من السماء.
وان السفير لجبريل عليه السلام.
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أم سلمة رضي الله عنها عن زينب رضي الله عنها قالت: إني والله ما أنا كأحد من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهن زوّجن بالمهور، وزوّجهن الأولياء، وزوّجني الله ورسوله، وأنزل في الكتاب يقرأه المسلمون، لا يغير ولا يبدل ﴿ وإذ تقول للذين أنعم الله عليه....
﴾ ..
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شريف.
ان الله زوجها نبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ونطق به القرآن.
وأخرج ابن سعد عن عاصم الأحول أن رجلاً من بني أسد فاخر رجلاً فقال الأسدي: هل منكم امرأة زوجها الله من فوق سبع سموات؟
يعني زينب بنت جحش.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ تقول للذي أنعم الله عليه ﴾ قال: «زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإِسلام ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أمسك عليك زوجك واتق الله ﴾ يا زيد بن حارثة قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إن زينب قد اشتد عليّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اتق الله وامسك عليك زوجك قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يطلقها، ويخشى قالة الناس إن أمره بطلاقها.
فأنزل الله: ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ قال: كان يخفي في نفسه وذاته طلاقها قال: قال الحسن رضي الله عنه: ما أنزلت عليه آية كانت أشد عليه منها، ولو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها ﴿ وتخشى الناس ﴾ قال: خشي النبي صلى الله عليه وسلم قالة الناس ﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قال: طلقها زيد ﴿ زوّجناكها ﴾ فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: أما أنتن زوّجكن آباؤكن، وأما أنا فزوّجني ذو العرش ﴿ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهن إذا قضوا منهن وطراً ﴾ قال: إذا طلقوهن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى زيد بن حارثة رضي الله عنه ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل ﴾ يقول: كما هوى داود النبي عليه السلام المرأة التي نظر إليها فهواها فتزوّجها، فكذلك قضى الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فتزوّج زينب، كما كان سنة الله في داود أن يزوّجه تلك المرأة ﴿ وكان أمر الله قدراً مقدوراً ﴾ في أمر زينب» .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن علي بن زيد بن جدعان قال: قال لي علي بن الحسين: ما يقول الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ ؟
فقلت له....
فقال: لا.
ولكن الله أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن زينب رضي الله عنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوّجها، فلما أتاه زيد يشكو إليه قال: اتق الله وامسك عليك زوجك فقال: قد أخبرتك أني مزوّجكها ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلو من قبل ﴾ قال: يتزوّج من النساء ما شاء هذا فريضة وكان من الأنبياء عليهم السلام هذا سنتهم، قد كان لسليمان عليه السلام ألف امرأة، وكان لداود عليه السلام مائة امرأة.
وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنة الله في الذين خلوا من قبل ﴾ قال: داود والمرأة التي نكحها، واسمها اليسعية فذلك سنة الله في محمد وزينب ﴿ وكان أمر الله قدراً مقدوراً ﴾ كذلك في سنته في داود والمرأة، والنبي صلى الله عليه وسلم وزينب.
وأخرج البيهقي في سننه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: لا نكاح إلا بوليّ، وشهود، ومهر، إلا ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الطبراني في سننه وابن عساكر من طريق الكميت بن يزيد الأسدي قال: حدثني مذكور مولى زينب بنت جحش قالت «خطبني عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه أخي يشاوره في ذلك قال: فأين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها!
قالت: من؟
قال زيد بن حارثة.
فغضبت وقالت: تزوّج بنت عمتك مولاك؛ ثم أتتني فأخبرتني بذلك فقلت: أشد من قولها، وغضبت أشد من غضبها، فأنزل الله تعالى ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ فأرسلت إليه زوجني من شئت، فزوّجني منه، فأخذته بلساني، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: اذن طلقها، فطلقني فبت طلاقي، فلما انقضت عدتي لم أشعر إلا والنبي صلى الله عليه وسلم وأنا مكشوفة الشعر فقلت: هذا أمر من السماء دخلت يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة قال: الله المزوّج، وجبريل الشاهد» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت....
﴾ قال: بلغنا أن هذه الآية أنزلت في زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكانت امها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يزوّجها زيد بن حارثة رضي الله عنه، فكرهت ذلك ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوّجها إياه، ثم أعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر زيد بن حارثة بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب بعض ما يكون بين الناس، فيأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، أن يقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى زيد بن حارثة في الجاهلية من عكاظ بحلى امرأته خديجة ولداً، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم أراد أن يزوّجه زينب بنت جحش، فكرهت ذلك فأنزل الله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم...
﴾ فقيل لها: إن شئت الله ورسوله، وإن شئت ضلالاً مبيناً فقالت: بل الله ورسوله.
فزوّجه رسول الله إياها، فمكثت ما شاء الله أن تمكث، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوماً بيت زيد فرآها وهي بنت عمته، فكأنها وقعت في نفسه قال عكرمة: رضي الله عنه فأنزل الله: ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ﴾ يعني زيداً بالإِسلام ﴿ وأنعمت عليه ﴾ يا محمد بالعتق ﴿ أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ قال: عكرمة رضي الله عنه فكان النساء يقولون: من شدة ما يرون من حب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد رضي الله عنه أنه ابنه، فأراد الله أمراً قال الله: ﴿ فلما قضى زيد منها وطراً زوَّجناكها ﴾ يا محمد ﴿ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ﴾ وأنزل الله: ﴿ ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴾ فلما طلقها زيد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم فعذرها قالوا: لو كان زيد بن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تزوّج امرأة ابنه.
وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة رضي الله عنهما فقالت زينب رضي الله عنها: أنا الذي نزل تزويجي من السماء.
وقالت عائشة رضي الله عنها: أنا نزل عذري من السماء في كتابه حين حملني ابن المعطل على الراحلة.
فقالت لها زينب رضي الله عنها: ما قلت حين ركبتيها؟
قالت: قلت حسبي الله ونعم الوكيل قال: قلت كلمة المؤمنين.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ قال: نزلت في زيد بن حارثة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن علي بن الحسين رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ﴾ قال: نزلت في زيد بن حارثة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ قال: نزلت في زيد رضي الله عنه، أي أنه لم يكن بابنه ولعمري لقد ولد له ذكور، وإنه لأبو القاسم وإبراهيم والطيب والمطهر.
وأخرج الترمذي عن الشعبي في قوله: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ قال: ما كان ليعيش له فيكم ولد ذكر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴾ قال: آخر نبي.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وخاتم النبيين ﴾ قال: ختم الله النبيين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان آخر من بعث.
وأخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى داراً فأتمها إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها!
إلا موضع اللبنة، فأنا موضع اللبنة فختم بي الأنبياء» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى داراً بناء فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟
فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» .
وأخرج أحمد والترمذي وصححه عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وأجملها وترك فيها موضع هذه اللبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة» .
وأخرج ابن مردويه عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» .
وأخرج أحمد عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قولوا خاتم النبيين، ولا تقولوا لا نبي بعده» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه قال: قال رجل عند المغيرة بن أبي شعبة صلى الله على محمد خاتم الأنبياء لا نبي بعده فقال المغيرة: حسبك إذا قلت خاتم الأنبياء، فإنا كنا نحدث أن عيسى عليه السلام خارج، فإن هو خرج فقد كان قبله وبعده.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كنت اقرئ الحسن والحسين، فمر بي علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنا اقرئهما فقال لي: اقرئهما وخاتم النبيين بفتح التاء.
والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
قال مقاتل: ثم بين أنه لم يكن عليه حرج في هذا النكاح (١) ﴿ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ﴾ .
قال ابن عباس والمفسرون: أحل الله له، أي: لا حرج عليه فيما أحل الله له (٢) قوله تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: سن الله لمحمد - - في التوسعة عليه في إباحة النكاح كسننه في الأنبياء الماضين، وهذا قول ابن عباس (٣) واختار الفراء والزجاج قالوا: عني كثرة أزواج داود وسليمان (٤) وقال مقاتل: يعني داود النبي حين هوى المرأة التي فتن بها، فجمع الله بينه وبينها، يقول: كذلك أجمع بين محمد وزينب إذ هويها كما فعلت بداود.
ونحو هذا مقاتل بن حيان سواء (٥) وقال عبد الله بن مسلم: أي لا حرج على أحد فيما لم يحرم عليه (٦) ﴿ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ﴾ (٧) (٨) (٩) قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ .
قال الكلبي: قضاء مقضيا، وكان من قدره أن يولد سليمان من تلك المرأة التي هويها داود ويملك من بعده (١٠) وقال مقاتل: قدر الله لداود ولمحمد تزويجها (١١) (١٢) وقال ابن حيان: أخبر الله أن امرأة (١٣) (١٤) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 أ، "الطبري" 22/ 14، "الماوردي" 4/ 407.
(٣) ذكره القرطبي 14/ 195 بمعناه غير منسوب لأحد، وكذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 392، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 474 عن ابن عباس والكلبي والمقاتلين.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 344، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 230.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ، انظر: "الثعلبي" 3/ 201 أ، "البغوي" 3/ 533.
ولعل هذه الأقوال التي أوردها المؤلف لا تصح، بل هي فاسدة؛ لأنه مناف لمقام النبوة.
(٦) انظر: "غريب القرآن" ص 351.
(٧) كذا في المخطوط!
ولعل الصواب: كل.
(٨) كذا في المخطوط!
والذي في "معاني القرآن" للزجاج: سن الله له.
(٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 230.
(١٠) ذكر هذا القول الثعلبي 3/ 201 ب ونسبه لابن عباس.
ولم أقف على من نسبه للكلبي.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.
(١٢) هكذا في النسخ!
والذي في تفسير مقاتل: تزويجهما.
(١٣) هكذا في النسخ!
ولعل الصواب: أن نكاح زينب.
(١٤) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ ﴾ المعنى أنَّ تزوَّجَ النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بعد زيد حلال، لا حرج فيه ولا إثم ولا عتاب، وفي ذلك ردّ على من تكلم في ذلك من المنافقين.
وفرض هنا بمعنى قسم له ﴿ سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ أي عادة الله في الأنبياء المتقدمين أن ينالوا ما أحل الله لهم، وقيل: الإشارة بذلك إلى دواد في تزوجه للمرأة التي جرى له فيها ما جرى، والعموم أحسن، ونصب سنة على المصدر، أو على إضمار فعل أو على الإغراء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.
الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.
الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.
﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.
الباقون: بكسرها.
﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.
﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.
الباقون: بكسرها.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.
وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.
والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.
ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.
وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.
والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.
ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".
ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.
ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.
وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.
وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ﴾ إلى آخره.
كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله حتى يستشهدوا، فمدحهم الله بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.
ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.
﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.
وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.
وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.
﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.
"روي أن جبرائيل أتى رسول الله صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟
فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.
فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله : تنزلون على حكمي.
فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .
وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.
وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.
﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.
وعن مقاتل: هي خيبر.
وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.
وعن الحسن: فارس والروم.
وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.
ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.
لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي أم لا؟
فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.
ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟
والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي الطلاق أم لا؟
الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.
ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.
ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟
الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.
وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.
وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.
والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.
والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.
ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.
فقالت: اخترت نفسي.
أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.
وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.
واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.
وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.
وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.
وحين خيرهن النبي واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.
وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.
وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.
وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.
وقيل: هي عصيانهن رسول الله ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.
وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟
وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.
والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.
ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.
قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.
والواحد وما وراءه.
والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.
وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.
وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.
ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ واصله "إقررن".
من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.
وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.
والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ وذلك في سورة النور.
والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.
والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد .
وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.
وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.
ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.
وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي لأنه أصل، وفاطمة ما والحسن والحسين ما بالاتفاق.
والصحيح أن علياً منهم لمعاشرته بنت النبي وملازمته إياه.
وورود الآية في شأن أزواج النبي يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.
فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.
ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.
يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.
ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ أي بسببه.
ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.
ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.
ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.
وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله وهي النية.
قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.
والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.
وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.
فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.
وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.
ثم إن رسول الله أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.
وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.
فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟
قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.
فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.
فلما اعتدت قال رسول الله : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.
قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.
ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.
فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.
قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.
وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.
نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.
الذي أخفى النبي في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.
وعن عائشة لو كتم رسول الله شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.
والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.
قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.
ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.
قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.
ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.
عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.
وقيل: التطليق.
فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.
ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.
ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.
وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.
ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.
والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.
ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾ إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد ومجيء عيسى في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.
التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.
فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.
وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.
﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.
﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.
﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.
﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.
والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.
فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.
﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.
وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.
الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.
إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.
﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.
وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.
﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾ فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ قال جعفر بن حرب المعتزلي: دلت هذه الآية على أن الكفر مما لم يقضه الله؛ لأنه لو كان مما قضاه الله لكان لا يكون لهم الخيرة والتخيير، فإذا قال: إنه إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة، دل أنه مما لم يقضه الله، لكن يقول: إن القضاء - هاهنا - ليس هو قضاء الخلق؛ على ما فهم هو، ولكن القضاء - هاهنا - الأمر أو الحكم؛ كقوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ أي: أمر ربّك وأوجب ألا تعبدوا إلا إياه.
أو أن يكون الحكم؛ كقوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ﴾ أي: مما حكمت؛ فإذا كان القضاء يحتمل الأمر والحكم؛ على ما ذكرنا، فيكون كأنه قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ﴾ ، أي: إذا أمر الله ورسوله أمراً، وإذا حكم الله ورسوله أمراً أن يكون له الخيرة من أمرهم، وهكذا يكون فيما أمر الله ورسوله بأمر أو حكم يحكم ألا يكون لأحد التخيير في ذلك.
ومما يدل - أيضاً - على أن القضاء أيضاً - هاهنا - ليس هو القضاء الذي فهم المعتزلة؛ حيث أضاف ذلك إلى رسوله - أيضاً - حيث قال: ﴿ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ﴾ ، ولا شك أن رسول الله كان لا يملك القضاء الذي هو قضاء خلق؛ دل أن المعتزلة أخطأت وغلطت في فهم ذلك، وقصرت عقولهم عن درك ذلك، وأن التأويل ما ذكرنا نحن.
ثم أجمع أهل التأويل على أن قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ إنما نزل في زينب بنت جحش؛ "يذكرون أن النبي كان أعتق زيد بن حارثة وتبناه، وكان مولى له، فخطب له زينب بنت جحش، فقالت زينب: إني لا أرضاه لنفسي وأنا من أتم نساء قريش - وكانت ابنة عمة رسول الله أميمة بنت عبد المطلب - فقال لها النبي : قد رضيته لك، فزوجي نفسك منه فأبت ذلك؛ فنزل قوله فيها: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ " ، لكن إذا كان على ما يذكرون من الخطبة لها؛ فلا يحتمل أن يجبرها على النكاح، وقد قال النبي : "ليس للولي مع الثيب أمر" ، وقال النبي : "البكر تستأمر في نفسها، والثيب تشاور" ، ثم تجيء الآية في جبرها على النكاح ممن لا ترضاه إلا أن يكون على الأمر من الله - - ومن رسوله، فعند ذلك لا يكون لها التخير في ذلك؛ لأن الله [له] أن يأمر من شاء على النكاح ممن شاء، وله الحكم بالنكاح لمن شاء على من شاء، وليس لهم الخيرة في ذلك، فأمّا بالخطبة نفسها دون الأمر والحكم من الله لا جبر في ذلك؛ "ألا ترى أنه ذكر أن رسول الله لما خطب أمّ سلمة، فقالت: إن أوليائي غيب، فقال: ليس أحد من أوليائك لا يرضى بي" أو كلام نحوه خطبها، ولم يجبرها على ذلك؛ فعلى ذلك زينب؛ إلا أن يكون على الأمر أو الحكم؛ على ما ذكرنا.
أو أن يكون سبب نزول الآية - فيما ذكر أهل التأويل - في خطبة رسول الله زينب بنت جحش، ويكون الوعيد الذي ذكر فيه في غيره: فيما فيه أمر من الله أو حكم؛ نحو "ما روي عن رسول الله أنه صلى الفجر، فرأى رجلين جالسين، فقال لهما: ما بالكما لم تصليا معنا؟
فقالا: إنا قد صلينا في رحالنا، فقال: إذا صليتما، ثم أتيتما المسجد، فصليا معهم؛ فتكون لكما سبحة" ، وإنما قال: "فصليا معهم" لا في صلاة الفجر، ولكن في الصلوات التي يتطوع بعدها.
وقوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً ﴾ : إن كان هذا في المؤمنين فيكون الضلال هو الخطأ؛ كأنه قال: فقد أخطأ خطأً بيناً، ويجوز هذا في اللغة، نحو قول إخوة يوسف لأبيهم في تفضيله يوسف عليهم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: في خطأ بين؛ حيث يفضل من لا منفعة له منه على من له منه منفعة؛ فعلى ذلك هذا.
وإن كان في المنافقين فهم في ضلال بين، فالضلال من المؤمن لا يفهم [منه] ما يفهم من الكافر والمنافق؛ ألا ترى أن الظلم من المؤمن لا يفهم منه ما يفهم من المنافق أو الكافر؛ ألا ترى أن آدم وحواء لما ارتكبا وقربا تلك الشجرة قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ لم يريدا ظلم كفر، وعلى ذلك قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ فعلى ذلك المفهوم من ضلال المؤمن غير المفهوم من ضلال المنافق والكافر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ قال أهل التأويل: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالإعتاق؛ حيث أعتقه؛ لأنه ذكر أن زيداً كان عربيّاً من أهل الكتاب، أصابه النبي من سبي أهل الجاهلية، فأعتقه وتبناه، فأنعم الله عليه حيث أعطاه الإسلام، ووفقه الهدى، وأنعم عليه الرسول حيث أعتقه.
ويحتمل إنعام الله عليه - أيضاً - في الإعتاق؛ حيث وفق رسوله للعتاق، أو في خلق فعل الإعتاق من رسوله وإجرائه إليه، وعلى قول المعتزلة: ليس لله على زيد ولا على جميع المسلمين في الإسلام إنعام ولا إفضال؛ لوجوه: أحدها: أنهم يقولون: قد أعطى كلاًّ سبب ما يلزمهم الإسلام وهو القوة؛ فهم إنما يسلمون لا بصنع من الله في ذلك؛ فعلى قولهم: كان من الله سبب لزوم الإسلام، فأمّا في الإسلام نفسه فلا صنع له فيه، فإذا كان كذلك فلا منة تكون منه عليهم ولا إنعام.
والثاني: يقولون: أن ليس لله أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدّين، ولا شك أن الإسلام لهم أصلح؛ فعليه أن يفعل ذلك بهم، فهو فعل ما عليه أن يفعل، ولا يجوز أن يفعل غيره، ومن أدى حقا عليه لا يكون في فعله منعماً ولا مفضلا؛ إنما هو مؤدي حق عليه.
والثالث: يقولون: أن ليس من الله إلى الأنبياء والمؤمنين جميعاً شيء إلا وقد كان ذلك منه إلى إبليس وأتباعه وإلى جميع الفراعنة، فإذا كان قولهم ومذهبهم ما ذكرنا - لم يكن لله على أحد من أهل الإسلام في إسلامهم إنعام ولا إفضال، والله أخبر أن له عليهم في ذلك نعمة ومنة، وكذلك فهم منه ذلك في قوله: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...
﴾ إلى ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ .
ذكر بعض أهل التأويل: أن رسول الله قد أبصر امرأة زيد فأعجبته وودّها، ففهم زيد ذلك منه؛ فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أطلق فلانة، وإن فيها كبرا تتعاظم عليّ وتؤذيني بكذا؛ فعند ذلك قال له النبي : ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ في طلاقها، ولا تطلقها، لكن لا نقول نحن شيئاً من ذلك إلا بخبر ثبت من رسول الله يخبر أنه كان ذلك.
وجائز أن يكون زيد استأذن رسول الله في طلاقها، على ما يطلق الرجل امرأته؛ لما يمل منها بلا سبب يكون؛ فقال له عند ذلك: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ ، ولا تطلق زوجك بلا سبب يستوجب به الطلاق؛ لأنه لا يسع للرجل أن يطلق زوجته بلا سبب يحمله على الطلاق من تضييع حدود الله، وترك إقامتها، أو معنى نحوه، فأما بلا سبب يكون في ذلك فلا يسع.
أو أن يكون قوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ ، أي: تزوجها واتق الله في ترك تزوجها؛ فيكون هو مأموراً بنكاحها، كما كانت هي مأمورة بتزويجها نفسها منه، فيقول: اتق الله في ترك الأمر للنبي ذلك في ترك ما ندبت إليه وأمرت به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ حبّها وإعجابها، ﴿ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ، أي: ما الله مظهره في القرآن، أي: حبها وتزوجها.
وقال قائلون: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ يا محمد: ليت أنه طلقها، ﴿ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ، أي: مظهره عليك، حتى ينزل به قرآناً.
لكن هذا بعيد محال؛ لا يحتمل أن يكون النبي يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ ، ثم يخفي هو في نفسه: ليت أنه يطلقها؛ حتى يتزوجها هو.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ هذا القول نفسه، هو الإبداء؛ حيث جعله آية تتلى بعد ما أخفى رسول الله شيئاً في نفسه: ما لولا ذكر الله إياه ذلك لم يعلم الخلق أنه أخفى شيئاً، ولا ندري ما الذي أخفاه كذا وكذا إلا بخبر يجيء عنه، فيقول: إني أخفيت في نفسي كذا؛ فعند ذلك يسع، فأمّا على الوهم فلا نقول به.
وقوله: ﴿ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ ﴾ ، أي: تستحي قالة الناس: "إنه تزوج امرأة ابنه"؛ وتترك نكاحها، والله أحق أن تستحي منه في ترك أمره إياك بالنكاح.
وقال بعضهم: ﴿ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ ﴾ ، أي: تتقي قالة الناس؛ تستحي منهم في أمر زينب وما أعجبت هي إليك حسنها وحبها، ﴿ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ على الابتداء على غير إلحاق بالأول في كل أمر وكل شيء؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً ﴾ أي: حاجة، أي: جماعاً؛ فإن كان الجماع - ففائدة ذكر الجماع فيه؛ ليعلم أن حليلة ابن التبني تحل للرجل، وأن الوطر هو عقد النكاح والجماع جميعاً، وإن كان كل واحد منهما سبب الحظر والمنع في نكاح حليلة ابن الصلب.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً ﴾ ، أي: قضى همة نفسه، وبلغ غاية ما همت نفسه منها؛ فعند ذلك زوجناكها.
ذكر أن زينب بنت جحش كانت تفتخر على سائر أزواج النبي، فتقول: "زوجكن آباؤكن رسول الله، والله زوجني بنبيه فوق سبع سماوات؛ ففيه دلالة رسالته؛ لأنه أخفى في نفسه ما كان يخشى قالة الناس في ذلك واستحى منهم، وفي العرف أن من أخفى شيئاً يستحي من الناس إن ظهر عندهم أن يكتم ذلك من الناس ولا يظهره، فإذا كان رسول الله أظهر ما كان يخشى قالة الناس فيه، ولم يكتمه منهم؛ دل أنه رسول؛ إذ لو كان غير رسول، لكتمه وأخفاه ولم يظهره؛ لما ذكرنا من العرف في الناس من كتمان ما يستحيون منهم إذا ظهر.
وكذلك روي عن عمر وعائشة أنهما قالا: "لو كان رسول الله كاتماً شيئاً من القرآن، لكتم هذه الآية".
وقوله: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ﴾ .
في الآية دلالة لزوم الاتباع لرسول الله في كل ما يخبر ويأمر به، وفي كل فعل يفعله في نفسه، إلا فيما ظهرت الخصوصية، فأما فيما لم تظهر فعلى الناس اتباعه فيما يخبر ويفعل؛ لأنه قال: تزوج امرأة دعيّه، ثم قال: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ﴾ ، ولو كان يخبرهم بذلك خبرا لحل لهم ذلك؛ فعلى ذلك: هو ذلك أخبر أن ذلك؛ لكيلا يكون على المؤمنين حرج في مثل فعله، والله أعلم.
وفيه وجه آخر.
وقوله: ﴿ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ﴾ ، ذكر قضاء الوطر منهن؛ لأن من النساء من لا يحرمن على بعض هؤلاء بالعقد، ولكن إنما يحرمن بقضاء الوطر، ومنهن من يحرمن بالعقد نفسه دون قضاء الوطر؛ فأخبر أن أزواج الأدعياء - وإن قضوا منهن الوطر - فإنهن لا يحرمن عليهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ .
أي: ما كان بأمر الله مفعولا، وكذلك ما قيل: الصلاة أمر الله؛ أي: بأمر الله تكون؛ وإلا الصلاة هي فعل العباد؛ فلا تكون أمر الله، ولكن بأمر الله، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ ، أي: ما يكون بأمر الله مفعولا، وكذا قوله: ﴿ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: جاء ما يكون بأمر الله، وهو العذاب الذي أوعدوا؛ لأن أمر الله لا يجيء.
ثم يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: التكوين: يكونه؛ فيكون مكوناً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
والثاني: على الإيجاب واللزوم، أي: ما يكون بأمر الله يكون واجباً لازماً؛ إذا أراد به الإيجاب والإلزام، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ فَرَضَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: بين الله؛ كقوله: ﴿ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ﴾ ، أي: بيناها.
ويحتمل ﴿ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ ﴾ ، أي: أوجب الله عليه، ويقال: فرض عليه، أي: حرم، وفرض له، أي: أحل له، وكذلك قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: أي: بين لكم تحلة أيمانكم.
والثاني: أوجب عليكم تحلة أيمانك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ .
قال بعضهم: هكذا كان سنة الله فيمن كان قبله من الرسل - مثل داود وسليمان وهؤلاء - كثرة النساء، ليس ذلك ببديع في رسول الله محمد.
وفي كثرة نساء الرسل لهم آية عظيمة؛ لأنهم آثروا الفقر والضيق على السعة والغناء، وكفوا أنفسهم عن جميع لذاتها، وحملوا على أنفسهم الشدائد في العبادات والأمور العظام الثقيلة، وهذه الأشياء كلها أسباب قطع قضاء الشهوات في النساء والحاجة فيهن؛ فإذا لم تقطع تلك الأسباب عنهم؛ دل أنهم بالله قووا عليها.
وقال بعضهم: سنة الله في الذين قبل محمد، يعني: داود النبي حين هوى المرأة التي فتن بها، فجمع الله - تبارك وتعالى - بين داود وتلك المرأة؛ فكذلك يجمع بين محمد وبين امرأة زيد؛ إذ هويها كما فعل بداود، لكن هذا بعيد.
وقيل: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ : أنه لا يحرج على أحد فيما لم يحرم.
وجائز أن يكون ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ - في حل نكاح أزواج الأدعياء، كان يحل لهم ذلك؛ فعلى ذلك لرسول الله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً ﴾ .
هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ أي: ما كان بأمر الله وتقديره مقدورا.
قال أبو عوسجة: الدعي: الذي يدعى بعدما يكبر، والادعاء أن يكون الرجل نفى ولده ولم يقبله، ثم ادعاه من بعد ذلك، هذا هو المعروف عندي.
قال: وفي موضع آخر: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ ، أي: ما يتمنون ويشتهون، ويقال: "ظللنا اليوم فيما ادعينا" أي: وجدنا كل ما اشتهينا، يقال من هذا: ادعيت أدعي ادعاء.
وقال: الوطر: الحاجة، والأوطار: جميع، والخيرة، أي: صيرت إليهم الخيرة، وهو من قولك أي: شيء تختار؟
﴿ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ ، أي: لم يجعل إليكم الاختيار: إن شئتم فعلتم، وإن شئتم لم تفعلوا، والقنوت في الأصل: القيام؛ على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .
يقول أهل التأويل: هو محمد خاصة؛ فمعناه - والله أعلم - إن كان هو المراد به: أنه فيما تزوج حليلة دعيه زيد مبلغ رسالات ربه، حيث قال: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ﴾ ، وتبليغ الرسالة يكون مرة بالخبر والقول، ومرة بالفعل، يلزم الناس في اتباعه في فعله كما يلزم في خبره وأمره، إلا فيما ظهرت له الخصوصية في فعل ما.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ ﴾ هم الأنبياء الذين قال: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ نعتهم، وقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ ﴾ : فسنة الله في محمد كسنة أولئك الذين كانوا من قبل فيما ذكر، ﴿ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: يخشون الله في ترك تبليغ الرسالة، ولا يخشون أحداً سواه في التبليغ، ويكون قوله: ﴿ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، بمعنى: سواه؛ على المبالغة في الأمر، وإلا لو قال: ﴿ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً ﴾ كافياً، أي: لا يخشون أحداً فيما يبلغون، لكن يحتمل ما ذكرنا: ألا يخشوا أحداً فيما يبلغون سواه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ بما يصيبهم من الأذى والبلاء بالتبليغ، يقول: لا يرون ذلك من أولئك، ولكن بتقدير من الله إياه؛ وإلا كانوا يخافون من أولئك؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ ، وحيث قال موسى: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ ، و ﴿ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴾ ونحوه.
أو أن يكون في الابتداء خافوهم، ثم أمنهم الله؛ فلم يخافوا؛ حيث قال: ﴿ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً ﴾ .
قيل: شهيداً على تبليغ الرسالة.
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ .
معناه - والله أعلم -: ما كان محمد أبا أحد أبوة تحرم بها حلائل الأبناء، وإلا كان هو أبا لجميع المؤمنين؛ حيث قال: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ إذا كانت أزواجه أمهاتنا؛ فهو أب لنا على ما ذكرنا.
لكن التأويل فيه: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ أبوة تحرم بها حلائل الأبناء؛ ولكن أبوة التعظيم له والتبجيل، وأبوة الشفقة والرحمة، وهو ما قال: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ...
﴾ الآية [الحجرات: 2].
وكذلك قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ يحتمل وجهين: أولى أن يعظم ويكرم ويشرف من [غيره]، كقوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ .
والثاني: ﴿ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: أشفق عليهم وأرحم بهم من أنفسهم، وهو ما وصفه - جل وعلا - من رحمته ورأفته؛ حيث قال: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: في حق الانتساب إليه، أي: ليس هو أبا أحدكم ينسب إليه ويدعى به؛ لأنه ذكر أنهم يدعونه ويسمونه: زيد بن محمد، أنه يجوز التبني ولا يجوز إليه النسبة ولا التسمية به؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
والثاني: في حق الحرمة؛ كأنه قال: ليس هو أبا أحدكم في حرمة حلائل الأبناء عليه لا بالتبني، ولا في حق النسبة، وإن كان هو أبا لكم في الشفقة والرحمة والرأفة، على ما ذكرنا بدءاً ولكن رسول الله ما ذكرنا في التعظيم له والتبجيل في المعاملة والمصاحبة، أو في الدعوة به والتسمية.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ ﴾ .
أخبر ليس بأبي أحد من رجالكم، على ما ذكرنا، ولكن رسول الله؛ لئلا يعاملوا رسوله معاملة آبائهم، ولا يصاحبوه صحبة غيره؛ ولكن يعاملوه معاملة الرسل في التعظيم له والتبجيل والإكرام؛ لأن أبوته وشفقته دينية، وشفقة الآباء شفقة دنياوية، ولأن الرجل قد يتبسط مع والده في أشياء لا يسع مثله مع رسول الله ؛ ولذا قال: ﴿ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ ، أي: ختم به الرسالة لا نبي بعده.
وقوله: ﴿ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ .
جائز أن يكون ذكره وإخباره: أنه خاتم النبيين؛ لما علم - جل وعلا - أنه يسمى غيره بعده نبيّاً؛ على ما قالته الباطنية: إن قائم الزمان هو نبي؛ فأخبر بهذا أن من ادّعى ذلك لا يطالب بالحجة والدلالة؛ ولكنه يكذب؛ وكذلك روي عن رسول الله أنه قال: "لا نبي بعدي" أخبر أنه ختم به النبوة.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ ، أي: لم يزل الله بما كان ويكون وبما به صلاحهم عليما.
<div class="verse-tafsir"
ما كان على النبي محمد من إثم أو تضييق فيما أحلّ الله من نكاح زوجة ابنه بالتبنِّي، وهو في ذلك يتبع سُنَّة الأنبياء من قبله، فليس هو بدْعًا من الرسل في ذلك، وكان ما يقضي الله به -من إتمام هذا الزواج وإبطال التبنِّي وليس للنبي فيه رأي أو خيارٌ- قضاءً نافذًا لا مردّ له.
<div class="verse-tafsir" id="91.AwRe1"
نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ .
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).
فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.
لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟
أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟
ومن وجهة أخرى نرى أن النبي -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ إلخ.
فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.
مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي ومن يختصه الله بالتأسي به.
لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.
نادى في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.
على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي في أمر زينب.
كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ إلخ، فعمد النبي -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.
لهذا أرغم النبي زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.
ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ .
وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.
واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.
قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟
حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!
"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.
سبحان الله!
كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟
فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود .
وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.
تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.
أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.
وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.
أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!
إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ والله أعلم.