الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٥٤ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٤ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما ) أي : مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم ، فإن الله يعلمه; فإنه لا تخفى عليه خافية ، ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) [ غافر : 19 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) يقول تعالى ذكره: إن تظهروا بألسنتكم شيئًا أيها الناس من مراقبة النساء، أو غير ذلك مما نهاكم عنه أو أذى لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بقول: لأتزوجن زوجته بعد وفاته، (أَوْ تُخْفُوهُ) يقول: أو تخفوا ذلك في أنفسكم، (فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) يقول: فإن الله بكل ذلك وبغيره من أموركم وأمور غيركم، عليم لا يخفى عليه شيء، وهو يجازيكم على جميع ذلك.
قوله تعالى : إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما .[ ص: 209 ] البارئ سبحانه وتعالى عالم بما بدا وما خفي وما كان وما لم يكن ، لا يخفى عليه ماض تقضى ، ولا مستقبل يأتي .
وهذا على العموم تمدح به ، وهو أهل المدح والحمد .
والمراد به هاهنا التوبيخ والوعيد لمن تقدم التعريض به في الآية قبلها ، ممن أشير إليه بقوله : ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ، ومن أشير إليه في قوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا فقيل لهم في هذه الآية : إن الله تعالى يعلم ما تخفونه من هذه المعتقدات والخواطر المكروهة ويجازيكم عليها .
فصارت هذه الآية منعطفة على ما قبلها مبينة لها .
والله أعلم .
ثم قال تعالى: { إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا } أي تظهروه { أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } يعلم ما في قلوبكم، وما أظهرتموه، فيجازيكم عليه.
( إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما ) نزلت فيمن أضمر نكاح عائشة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقيل : قال رجل من الصحابة : ما بالنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا ؟
فنزلت هذه الآية .
ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب : ونحن أيضا نكلمهن من وراء الحجاب ؟
فأنزل الله :
«إن تبدوا شيئا أو تخفوه» من نكاحهنَّ بعده «فإن الله كان بكل شيءٍ عليماً» فيجازيكم عليه.
إن تُظْهِروا شيئًا على ألسنتكم -أيها الناس- مما يؤذي رسول الله مما نهاكم الله عنه، أو تخفوه في نفوسكم، فإن الله تعالى يعلم ما في قلوبكم وما أظهرتموه، وسيجازيكم على ذلك.
ثم حذرهم - سبحانه - من مخالفة أمره ، بأن بين لهم بأنه - سبحانه - لا يخيفى عليه شئ ، من أمرهم ، فقال : ( إِن تُبْدُواْ شَيْئاً ) بأن تظهروه على ألسنتكم ( أَوْ تُخْفُوهُ ) بأن تضمروه فى قلوبكم ، فإنه فى الحالين لا يعزب عن علمنا ، وسنحاسبكم عليه ، ( فَإِنَّ الله ) - تعالى - ( كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) بحيث لا يخفى عليه شئ ، فى الارض ولا فى السماء .هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة التى تسمى بآية الحجاب ، جملة من الأحكام والآداب منها :1- وجوب الاستئذان عند دخول البيوت لتناول طعام ، ووجوب الخروج بعد تناوله إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو للبقاء ، كما أن من الواجب الحضور إلى الطعام فى الوقت المناسب له ، وليس قبله انتظارا لنضجه وتقديمه .2- حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء سواء أكان ذلك فى الطعام أم فى غيره ، فقد أمر - سبحانه - المؤمنين ، إذا سألوا أزواج النبى صلى الله عليه وسلم شيئا أن يسألوهن من وراء حجاب ، وعلل ذلك بأن سؤالهن بهذه الطريقة ، يؤدى إلى طهارة القلوب ، وعفة النفوس ، والبعد عن الريبة وخواطر السوء .
.وحكم نساء المؤمنين فى ذلك كحكم أمهات المؤمنين ، لأن قوله - سبحانه - ( ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) علة عامة تدل على تعميم الحكم ، إذ جميع الرجال والنساء فى كل زمان ومكان فى حاجة إلى ما هو أطهر للقلوب ، وأعف للنفوس .
.قال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله : ( ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم ، إذ لم يقل أحد من العقلاء ، إن غير ازواج النبى صلى الله عليه وسلم لا حاجة بهن إلى أطهرية قلوبهن ، وقلوب الرجال من الريبة منهن ..فالجملة الكريمة فيها الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام فى جميع النساء .
لا خاص بأمهات المؤمنين ، وإن كان أصل اللفظ خاصا بهن ، لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه .
.3- كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أنه لا يجوز للرجل الأجنبى أن يصافح امرأة أجنبية عنه .
ولا يجوز له أن يمس شئ من بدنه شيئا من بدنها .والدليل على ذلك أن النبى صلى الله عليه ولم ثتب عنه أن قال : " إنى لا أصافح النساء " .والله - تعالى - يقول : ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فيلزمنا أن لا نصافح النساء الأجنبيات اقتداء به صلى الله عليه وسلم .4- تكريم الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ودفاعه عنه ، وإلزام المؤمنين بالعمل على كل ما يرضيه ولا يؤذيه ، وبعدم نكاح أزواجه من بعده أبدا .
.
يعني إن كنتم لا تؤذونه في الحال وتعزمون على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده، فالله عليم بذات الصدور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِن تُبْدُواْ شَيْئاً ﴾ من نكاحهن على ألسنتكم ﴿ أَوْ تُخْفُوهْ ﴾ في صدوركم ﴿ فَإِنَّ الله ﴾ يعلم ذلك فيعاقبكم به، وإنما جاء به على أثر ذلك عاماً لكل باد وخاف، ليدخل تحته نكاحهن وغيره ولأنه على هذه الطريقة أهول وأجزل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ تُبْدُوا شَيْئًا ﴾ كَنِكاحِهِنَّ عَلى ألْسِنَتِكم.
﴿ أوْ تُخْفُوهُ ﴾ في صُدُورِكم.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ فَيَعْلَمُ ذَلِكَ فَيُجازِيكم بِهِ، وفي هَذا التَّعْمِيمِ مَعَ البُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ مَزِيدُ تَهْوِيلٍ ومُبالَغَةٍ في الوَعِيدِ.
﴿ لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ﴾ اسْتِثْناءٌ لِمَن لا يَجِبُ الِاحْتِجابُ عَنْهم.
رُوِيَ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ قالَ الآباءُ والأبْناءُ والأقارِبُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَنُكَلِّمُهُنَّ أيْضًا مِن وراءِ حِجابٍ فَنَزَلَتْ» .
وَإنَّما لَمْ يَذْكُرِ العَمَّ والخالَ لِأنَّهُما بِمَنزِلَةِ الوالِدَيْنِ ولِذَلِكَ سَمّى العَمَّ أبًا في قَوْلِهِ ﴿ وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ﴾ أوْ لِأنَّهُ كَرِهَ تَرْكَ الِاحْتِجابِ عَنْهُما مَخافَةَ أنْ يَصِفا لِأبْنائِهِما.
﴿ وَلا نِسائِهِنَّ ﴾ يَعْنِي نِساءَ المُؤْمِناتِ.
﴿ وَلا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، وقِيلَ مِنَ الإماءِ خاصَّةً وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ «النُّورِ» .
﴿ واتَّقِينَ اللَّهَ ﴾ فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
{إن تبدوا شيئا} من إيذاء النبى صلى الله عليه وسلم أو من نكاحهن {أَوْ تُخْفُوهْ} في أنفسكم من ذلكم {فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَىْء عليما} فيعاقبكم به
﴿ إنْ تُبْدُوا شَيْئًا ﴾ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ عَلى ألْسِنَتِكم كَأنْ تَتَحَدَّثُوا بِنِكاحِهِنَّ ﴿ أوْ تُخْفُوهُ ﴾ في صُدُورِكم ﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ كامِلَ العِلْمِ فَيُجازِيكم بِما صَدَرَ عَنْكم مِنَ المَعاصِي البادِيَةِ والخافِيَةِ لا مَحالَةَ، وهَذا دَلِيلُ الجَوابِ والأصْلُ إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ يُجازِكم بِهِ فَإنَّ اللَّهَ الخ.
وقِيلَ هو الجَوابُ عَلى مَعْنى فَأُخْبِرُكم أنَّ اللَّهَ الخ، وفي تَعْمِيمِ ﴿ شَيْءٍ ﴾ في المَوْضِعَيْنِ مَعَ البُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ مِن ثُبُوتِ عِلْمِهِ تَعالى بِما يَتَعَلَّقُ بِزَوْجاتِهِ مَزِيدُ تَهْوِيلِ وتَشْدِيدِ ومُبالَغَةِ الوَعِيدِ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ قالَ رَجُلٌ: أنُنْهى أنْ نُكَلِّمَ بَناتِ عَمِّنا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ لَئِنْ ماتَ مُحَمَّدٌ لَنَتَزَوَّجَنَّ نِساءَهُ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ أوْ أُمَّ سَلَمَةَ.
وأخْرَجَ جُوَيْبِرُ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا أتى بَعْضَ أزْواجِ النَّبِيِّ فَكَلَّمَها وهو اِبْنُ عَمِّها فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا تَقُومَنَّ هَذا المَقامَ بَعْدَ يَوْمِكَ هَذا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها اِبْنَةُ عَمِّي، واَللَّهِ ما قُلْتُ لَها مُنْكَرًا ولا قالَتْ لِي، قالَ النَّبِيُّ : قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أغْيَرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أغْيَرَ مِنِّي، فَمَضى ثُمَّ قالَ: عَنَّفَنِي مِن كَلامِ اِبْنَةِ عَمِّي لَأتَزَوَّجَنَّها مِن بَعْدِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَأعْتَقَ ذَلِكَ الرَّجُلُ رَقَبَةً وحُمِلَ عَلى عَشَرَةِ أبْعِرَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وحَجَّ ماشِيًا مِن كَلِمَتِهِ».
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: لَوْ قُبِضَ النَّبِيُّ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ فَنَزَلَتْ ﴿ وما كانَ لَكُمْ ﴾ الآيَةَ.
قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: كَوْنُ القائِلِ طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَصِحُّ وهو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي ولا أكادُ أُسَلِّمُ الصِّحَّةَ إلّا إذا سُلِّمَ ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُ اِبْنِ عَبّاسٍ مِمّا يَدُلُّ عَلى النَّدَمِ العَظِيمِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ حِينَ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّ سَلَمَةَ بَعْدَ أبِي سَلَمَةَ وحَفْصَةَ بَعْدَ خُنَيْسِ بْنِ حُذافَةَ ما بالُ مُحَمَّدٍ يَتَزَوَّجُ نِساءَنا واَللَّهِ لَوْ قَدْ ماتَ لَأجَلْنا السِّهامَ عَلى نِسائِهِ فَنَزَلَتْ، ولَعَمْرِي إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنِ المُنافِقِينَ وهو أبْعَدُ مِنَ العَيُوقِ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ لا سِيَّما مَن كانَ مِنَ المُبَشَّرِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، ورَأيْتُ لِبَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ طَلْحَةَ الَّذِي قالَ ما قالَ لَيْسَ هو طَلْحَةَ أحَدَ العَشَرَةِ وإنَّما هو طَلْحَةُ آخَرُ لا يَبْعُدُ مِنهُ القَوْلُ المَحْكِيُّ وهَذا مِن بابِ اِشْتِباهِ الِاسْمِ فَلا إشْكالَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ قرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ترجئ بالهمزة.
وقرأ الباقون: بغير الهمز.
كلاهما في اللغة واحد، وأصله من التأخير.
يقول: تؤخر من تشاء منهن ولا تتزوجها وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ يعني: تضم فتتزوجها لخيره في تزويج القرابة.
ويقال: تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء.
وقال قتادة: جعله في حل أن يدع من يشاء منهن، ويضم إليه من يشاء.
يعني: إن شاء جعل لهن قسماً، وإن شاء لم يجعل.
وكان رسول الله يقسم.
وقال الحسن: كان النبيّ إذا خطب امرأة فليس لأحد أن يخطبها حتى يتزوجها أو يدعها، وفي ذلك نزل: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ.
ثم قال: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ يعني: أشرت ممن تركت فَلا جُناحَ عَلَيْكَ يعني: لا إثم عليك ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ أي: ذلك أجدى وأجدر إذا علمن أنك تفعل بأمر الله أن تطمئن قلوبهن وَلا يَحْزَنَّ مخافة الطلاق وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ من النفقة، إذا علمن أنه من الله عز وجل.
وقرئ في الشاذ: كُلُّهُنَّ بالنصب صار نصباً لوقوع الفعل عليه وهو الإعطاء.
وتقرأه العامة: أتيتهن كلهن بالضم.
ومعناه: يرضين كلهن بما أعطيتهن.
ثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ من الحب والبغض وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما في قلوبكم حَلِيماً بالتجاوز.
قوله عز وجل: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال مجاهد: أي لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات مِنْ بَعْدُ، يعني: من بعد المسلمات، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ.
يقول: لا تبديل اليهوديات، ولا النصرانيات على المؤمنات.
يقول: لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية إلا ما ملكت يمينك من اليهوديات والنصرانيات يتسرى بهن.
قال الحسن وابن سيرين: خيّر رسول الله ، نساءه بين الدنيا والآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فشكر الله لهن على ذلك، فحبسه عليهن.
فقال: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ يعني: لا يحل لك أن تطلق واحدة منهن، وتتزوج غيرها.
قرأ أبو عمرو: لا تحل بالتاء بلفظ التأنيث.
وقرأ الباقون: بالياء، بمعنى لا يحل لك من النساء شيء.
ويقال: معناه لا تحل لجميع النساء.
فمن قرأ: بالتاء بالتأنيث يعني: جماعة النساء.
ثم قال: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ يعني: أسماء بنت عميس أراد أن يتزوجها، فنهاه الله تعالى عزّ وجلّ عن ذلك، فتركها وتزوجها أبو بكر- - بإذن رسول الله إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من السريات وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً من أمر التزويج رَقِيباً يعني: حفيظاً.
وروى عمرو بن دينار، عن عطاء عن عائشة- ا- قالت: ما مات رسول الله حتى حلّ له النساء بعد قوله: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ وذلك أن أناساً من المسلمين كانوا يتحينون غذاء النبيّ ، ويدخلون عليه بغير إذن، ويجلسون وينتظرون الغداء، وإذا أكلوا جلسوا طويلاً، ويتحدثون طويلا، فأمرهم الله عز وجل بحفظ الأدب فقال: لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ يعني: إلا أن يدعوكم ويأذن لكم في الدخول غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ يعني: من غير أن تنتظروا وقته.
ويقال: أصله إدراك الطعام يعني: غير ناظرين إدراكه.
ويقال: إِناهُ يعني: نضج الطعام.
ثم قال: وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا يعني: إذا دعاكم إلى الطعام فادخلوا بيته فَإِذا طَعِمْتُمْ الطعام فَانْتَشِرُوا يعني: تفرقوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ أي: لا تدخلوا مستأنسين للحديث إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أن يقول لكم تفرقوا وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ يعني: من بيان الحق أن يأمركم بالخروج بعد الطعام.
قال الفقيه أبو الليث: في الآية حفظ الأدب والتعليم أن الرجل إذا كان ضيفاً لا ينبغي أن يجعل نفسه ثقيلاً، ولكنه إذا أكل ينبغي أن يخرج.
ثم قال: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً يعني: إذا سألتم من نسائه متاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ولا تدخلوا عليهن، واسألوا من خلف الستر.
ويقال: خارج الباب ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ من الريبة.
ثم قال: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ قال: وذلك أن طلحة بن عبيد الله قال: لئن مات محمد لأتزوجن بعائشة فنزل: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً يعني: ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد وفاته أبداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً في العقوبة.
ويقال: إنما نهى عن ذلك لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة.
وروي عن حذيفة أنه قال لامرأته: إن أردت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها.
ولذلك حرم الله تعالى على أزواج النبيّ أن يتزوجن بعده.
وروي أن أم الدرداء قالت لأبي الدرداء عند موته إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحاك.
وإني أخطبك إلى نفسي في الآخرة فقال لها فلا تنكحي بعدي، فخطبها معاوية بن أبي سفيان فأخبرته بالذي كان، وأبت أن تتزوجه.
وروي في خبر آخر بخلاف هذا أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله إن المرأة منا كان لها زوجان لأيهما تكون في الآخرة؟
فقال: «إنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمَا خُلُقاً مَعَهَا» .
ثم قال: «يا أمَّ حَبِيبَةَ إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ ذَهَبَ بالدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» .
ثم قال عز وجل: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ يعني: إن تظهروا من أمر التزويج شيئاً أو تسروه وتضمروه فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً من السر والعلانية.
يعلم ما أعلنتم وما أخفيتم، يجازيكم به.
ثم خصّ الدخول على نساء ذوات محرم بغير حجاب فرخّص في ذلك وهو قوله عز وجل: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ يعني: من الدخول عليهن وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ يعني: نساء أهل دينهن وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من الخدم وَاتَّقِينَ اللَّهَ يعني: اخشين الله، وأطعن الله، فلا يراهن غير هؤلاء إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً يعني: عالما بأعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
عليه السلام- معَ مَا جَعَلَ الله له من ذلكَ كان يُسَوِّي بينهن في القَسْمِ تَطْيِيباً لنفُوسِهنَّ وأخْذاً بالفَضْلِ، وما خصه الله من الخَلق العظيم- صلى الله عليه وعلى آله- غير أن سودة وهبت يومها لعائشة تقمّنا لمسرّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥)
وقوله تعالى: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قيل كما قدمنا: إنها حظَرَتْ عليه النساءَ إلا التسْعَ وما عُطِفَ عَليهِنَّ على ما تقدم لابن عباس وغيره، قال ابن عباس وقتادة:
جَازَاهُنَّ الله بذلك لما اخترنَ الله وَرسوله «١» ، ومن قال: بأن الإباحَةَ كانتْ له مُطْلَقَةً قَال هنا: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ معناه: لا يحل لك اليهودياتُ ولا النصرانياتُ، ولا ينبغي أن يكنَّ أمهاتِ المؤمنين ورُوِيَ هذَا عَن مجاهدَ «٢» وكذلك قَدَّرَ: ولا أن تبدل اليهودياتِ والنصرانياتِ بالمسلماتِ وهو قول أبي رزين وابن جبير «٣» وفيه بُعْدٌ.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ هذهِ الآيةُ تُضمنتُ قِصَّتَيْنِ: إحداهما: الأدبُ في أمر الطعام والجلوس، والثانية: أمر الحجاب.
قال الجمهور: سببها أن النّبي صلى الله عليه وسلّم لما تزوَّج زَيْنبَ بِنْتَ جَحْشٍ، أَوْ لَمْ عَلَيْها ودَعَا النَّاسَ، فَلَمَّا طَعِمُوا، قَعَدَ نَفَرٌ فِي طَائِفَةٍ مِنَ البَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، فَثَقُلَ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلّم مَكَانُهُمْ، فَخَرَجَ لِيَخْرُجُوا بِخُرُوجِهِ، وَمَرَّ على حِجْرِ نِسَائِهِ، ثُمَّ عَادَ فَوَجَدَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ، وَزَيْنَبُ في البيت معهم، فلمّا دخل وراءهم انْصَرَفَ، فَخَرَجُوا عِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأُعْلِمَ أَوْ «١» أَعْلَمْتُهُ بانصرافهم، فَجَاءَ، فَلَمَّا وَصَلَ الحُجْرَةَ، أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَدَخَلَ، وَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ «٢» .
قال إسماعيل بن أبي حكيم: هذا أدب أَدَّبَ الله به الثُّقَلاء، وَقَالَتْ عَائِشَةُ وجماعةٌ:
سبب الحجاب: كلام عمر للنبي صلى الله عليه وسلّم مرارا في أن يحجب نساءه «٣» ، وناظِرِينَ معناه:
منتظرين، وإِناهُ: مصدر «أنى» الشيءَ يَأْنِي أنيْ، إذا فَرَغَ وحَانَ، ولفظُ البخاري: يُقَال:
إناه: إدراكُه أنى يأنى إناءة، انتهى.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ معناه: لا يقع منه تركُ الحق، ولما كان ذلك يقعُ من البشر لِعلةِ الاسْتِحياءِ نَفَى عنه تعالى العلةَ الموجِبةَ لذلكَ في البشر، وعن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ثَلاَثٌ لاَ يحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ لاَ يؤمّ رجل قوما ٧٦ ب فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإنْ فَعَلَ، فَقَدْ خَانهُمْ، وَلاَ يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ/ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ فَإنْ فَعَلَ، فَقَدْ خَانَ، وَلاَ يُصَلِّي وَهُوَ حَاقِنٌ حتى يَتَخَفَّفُ» «٤» .
رواه أبو داود
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ فِيما أبْداهُ القائِلُ: لَئِنْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ لَأتَزَوَّجَنَّ عائِشَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، قالَ الآباءُ والأبْناءُ والأقارِبُ لِرَسُولِ اللَّهِ : ونَحْنُ أيْضًا نُكَلِّمُهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ﴾ أيْ: في أنْ يَرَوْهُنَّ ولا يَحْتَجِبْنَ عَنْهُمْ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا نِسائِهِنَّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نِساءَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ نِساءَ اليَهُودِ والنَّصارى يَصِفْنَ لِأزْواجِهِنَّ نِساءَ رَسُولِ اللَّهِ إنْ رَأيْنَهُنَّ.
فَإنْ قِيلَ: ما بالُ العَمِّ والخالِ لَمْ يُذْكَرا؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: لِأنَّ المَرْأةَ تَحِلُّ لِأبْنائِهِما، فَكُرِهَ أنْ تَضَعَ خِمارَها عِنْدَ عَمِّها وخالِها، لِأنَّهُما يَنْعَتانِها لِأبْنائِهِما، هَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وعِكْرِمَةَ.
والثّانِي: لِأنَّهُما يَجْرِيانِ مَجْرى الوالِدَيْنِ فَلَمْ يُذْكَرا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَأمّا قَوْله: ﴿ وَلا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ الإماءَ دُونَ العَبِيدِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في العَبِيدِ والإماءِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُنَّ أزْواجُ رَسُولِ اللَّهِ لا يَحْتَجِبْنَ مِنَ المَمالِيكِ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ (النُّورِ: ٣١) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقِينَ اللَّهَ ﴾ أيْ: أنْ يَراكُنَّ غَيْرُ هَؤُلاءِ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ أيْ: لَمْ يَغِبْ عَنْهُ شَيْءٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أو تُخْفُوهُ فَإنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ ﴿ لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أو تُخْفُوهُ ﴾ الآيَةُ...
وعِيدٌ وتَوْبِيخٌ ووَعِيدٌ لِمَن تَقَدَّمُ بِهِ التَعْرِيضُ في الآيَةِ قَبْلَها، مِمَّنْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ ﴾ ، ومَن أُشِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ﴾ ، فَقِيلَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَهُ مِن هَذِهِ المُعْتَقَداتِ والخَواطِرِ المَكْرُوهَةِ، ويُجازِيكم عَلَيْها، ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى الإباحَةَ فِيمَن سَمّى مِنَ القَرابَةِ؛ إذْ لا تَقْضِي أحْوالُ البَشَرِ إلّا مُداخَلَةَ مَن ذَكَرَ، وكَثْرَةَ تِرْدادِهِ، وسَلامَةَ نَفْسِهِ مِن أمْرِ الغَزْلِ؛ لِما تَتَحاشاهُ النُفُوسُ مِن ذَواتِ المَحارِمِ، فَمِن ذَلِكَ الآباءُ والأولادُ والإخْوَةُ وأبْناؤُهم وأبْناءُ الأخَواتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا نِسائِهِنَّ ﴾ دَخَلَ فِيهِ الأخَواتُ والأُمَّهاتُ وسائِرُ القَراباتِ ومَن يَتَّصِلُ مِنَ المُنْصَرِفاتِ لَهُنَّ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، ويُؤَيِّدُ قَوْلُهم هَذِهِ الإضافَةَ المُخَصَّصَةَ في قَوْلِ: ﴿ "نِسائِهِنَّ"، ﴾ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّما أرادَ جَمِيعَ النِساءِ المُؤْمِناتِ، وتَخْصِيصُ الإضافَةِ إنَّما هي في الإيمانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ قالَتْ طائِفَةٌ: مِنَ الإماءِ دُونَ العَبِيدِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الطائِفَةُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ما مَلَكَتْهُ مِنَ العَبِيدِ دُونَ مِن مَلَكَ سِواهُنَّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مِن جَمِيعِ العَبِيدِ، كانَ في مِلْكِهِنَّ أو في مِلْكِ غَيْرِهِنَّ، والمُكاتَبُ إذا كانَ عِنْدَهُ ما يُؤَدِّي فَقَدْ أمَرَ رَسُولُ اللهِ بِضَرْبِ الحِجابِ دُونَهُ، وفَعَلَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ مَعَ مُكاتَبِها نَبْهانِ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: دَخَلَ الأعْمامُ في الآباءِ، وقالَ الشَعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ: لَمْ يَذْكُرْهم لِإمْكانِ أنْ يَصْفُوا لِأبْنائِهِمْ، وكَذَلِكَ الأخْوالُ، وكَرِهُوا أنْ تَضَعَ المَرْأةُ خِمارَها عِنْدَ عَمِّها أو خالِها.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَعْنى الَّذِي رُفِعَ فِيهِ الجُناحُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ: هو الحِجابُ، أيْ: أُبِيحُ لِهَذِهِ الأصْنافِ الدُخُولَ عَلى النِساءِ دُونَ الحِجابِ ورُؤْيَتِهِنَّ، وقالَ مُجاهِدٌ ؛ ذَلِكَ في رَفْعِ الجِلْبابِ وإبْداءِ الزِينَةِ.
وَلَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى الرُخْصَةَ في هَذِهِ الأصْنافِ، وانْجَزَمَتِ الإباحَةُ، عَطَفَ فَأمَرَهُنَّ بِالتَقْوى عَطْفَ جُمْلَةٍ، عَلى جُمْلَةٍ وهَذا في غايَةِ البَلاغَةِ والإيجازِ، كَأنَّهُ قالَ: اقْتَصَرْنَ عَلى هَذا واتَّقِينَ اللهَ فِيهِ أنْ تَتَعَدَّيْنَهُ إلى غَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
كلام جامع تحريضاً وتحذيراً ومنبئ عن وعد ووعيد، فإن ما قبله قد حوى أمراً ونهياً، وإذ كان الامتثال متفاوتاً في الظاهر والباطن وبخاصة في النوايا والمضمرات كان المقام مناسباً لتنبيههم وتذكيرهم بأن الله مطلع على كل حال من أحوالهم في ذلك وعلى كل شيء، فالمراد من ﴿ شيئاً ﴾ الأول شيء مما يبدونه أو يخفونه وهو يعم كل ما يبدو وما يخفى لأن النكرة في سياق الشرط تعم.
والجملة تذييل لما اشتملت عليه من العموم في قوله: ﴿ بكل شيء ﴾ .
وإظهار لفظ ﴿ شيء ﴾ هنا دون إضمار لأن الإِضمار لا يستقيم لأن الشيء المذكور ثانياً هو غير المذكور أولاً، إذ المراد بالثاني جميع الموجودات، والمراد بالأول خصوص أحوال الناس الظاهرة والباطنة، فالله عليم بكل كائن ومن جملة ذلك ما يبدونه ويخفونه من أحوالهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِنِساءٍ مِن نِسائِهِ وعِنْدَهُنَّ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وكانَ إذا كَرِهَ الشَّيْءَ عُرِفَ مِن وجْهِهِ، فَلَمّا كانَ العَشِيُّ خَرَجَ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ نُضْجَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: غَيْرَ مُتَوَقِّعِينَ لِحِينِهِ ووَقْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى حَظْرِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ.
﴿ فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ﴾ أيْ فاخْرُجُوا، فَدَلَّ عَلى أنَّ الدُّخُولَ لِلْأكْلِ يَمْنَعُ مِنَ المُقامِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الأكْلِ.
﴿ وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ رَوى أبُو قِلابَةَ عَنْ أنَسٍ.
قالَ: لَمّا أُهْدِيَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وضَعَ طَعامًا ودَعا قَوْمًا فَدَخَلُوا وزَيْنَبُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَجَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَخْرُجُ ثُمَّ يَرْجِعُ وهم قُعُودٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ أنْ يُخْبِرَكم.
﴿ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ ﴾ أنْ يَأْمُرَكم بِهِ.
﴿ وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حاجَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: صُحُفَ القُرْآنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: عارِيَةً، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَمَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.
﴿ فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ أُمِرْنَ وسائِرُ النِّساءِ بِالحِجابِ عَنْ أبْصارِ الرِّجالِ وأُمِرَ الرِّجالُ بِغَضِّ أبْصارِهِمْ عَنِ النِّساءِ.
وَفِي سَبَبِ الحِجابِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُّها ما رَواهُ مُجاهِدٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «كُنْتُ آكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَيْسًا في قَعْبٍ، فَمَرَّ عُمَرُ فَدَعاهُ فَأكَلَ فَأصابَتْ إصْبَعُهُ إصْبَعِي فَقالَ عُمَرُ: لَوْ أُطاعُ فِيكُنَّ ما رَأتْكُنَّ عَيْنٌ، فَنَزَلَتْ آياتُ الحِجابِ» .
الثّانِي: ما رَواهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إلى المَباضِعِ وهي صَعِيدٌ أفْيَحُ يَتَبَرَّزْنَ فِيهِ، وكانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ : احْجُبْ نِساءَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي، وكانَتِ امْرَأةً طَوِيلَةً فَناداها بِصَوْتِهِ الأعْلى: قَدْ عَرَفْناكِ يا سَوْدَةُ، حِرْصًا أنْ يَنْزِلَ الحِجابُ قالَتْ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الحِجابَ.
» الثّالِثُ: ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أمَرَ نِساءَ النَّبِيِّ بِالحِجابِ فَقالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: يا ابْنَ الخَطّابِ إنَّكَ لَتَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا، فَأُنْزِلَتِ الآيَةُ: ﴿ وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ ﴿ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أطْهَرُ لَها مِنَ الرِّيبَةِ.
الثّانِي: أطْهَرُ لَها مِنَ الشَّهْوَةِ.
﴿ وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا ﴾ حَكى السُّدِّيُّ أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ قالَ عِنْدَ نُزُولِ الحِجابِ أيَحْجُبُنا رَسُولُ اللَّهِ عَنْ بَناتِ عَمِّنا ويَتَزَوَّجُ نِساءَنا، لَئِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ لَنَتَزَوَّجَنَّ نِساءَهُ مِن بَعْدِهِ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وَلِتَحْرِيمِهِ تَعَدِّيَهُنَّ لَزِمَتْ نَفَقاتُهُنَّ مِن بَيْتِ المالِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في وُجُوبِ العِدَّةِ عَلَيْهِنَّ بِوَفاةِ رَسُولِ اللَّهِ عَنْهُنَّ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا تَجِبُ عَلَيْهِنَّ العِدَّةُ لِأنَّها مُدَّةُ تَرَبُّصٍ يُنْتَظَرُ بِها الإباحَةُ.
الثّانِي: تَجِبُ لِأنَّها عِبادَةٌ وإنْ لَمْ تَعْقُبْها إباحَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أنس رضي الله عنه قال: «لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها دعا القوم، فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت فجئت، فاخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي...
﴾ » .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتى باب امرأة عرس بها، فإذا عندها قوم، فانطلق فقضى حاجته، فرجع وقد خرجوا، فدخل وقد أرخى بيني وبينه ستراً، فذكرته لأبي طلحة فقال: لئن كان كما تقول لينزلن في هذا شيء.
فنزلت آية الحجاب» .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: «كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، فجئت يوماً لأدخل، فقال علي: مكانك يا بني إنه قد حدث بعدك أمر، لا تدخل علينا إلا بإذن» .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم، فأطال الجلوس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم مراراً كي يتبعه ويقوم، فلم يفعل، فدخل عمر رضي الله عنه فرأى الرجل وعرف الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى الرجل المقعد فقال: لعلك آذيت النبي صلى الله عليه وسلم، ففطن الرجل فقام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قمت مراراً كي يتبعني فلم يفعل، فقال عمر رضي الله عنه: لو اتخذت حجاباً، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وهو أطهر لقلوبهن.
فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي...
﴾ .
فأرسل إلى عمر رضي الله عنه فأخبره بذلك» .
وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً في قعب، فمر عمر فدعاه فأكل، فاصابت أصبعه أصبعي فقال عمر: أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين.
فنزلت آية الحجاب.
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: نزل حجاب رسول الله في عمر.
أكل مع النبي طعاماً، فاصاب يده بعض أيدي نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالحجاب.
أخرج ابن سعد وابن جرير وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: ما بقي أحد أعلم بالحجاب مني، ولقد سألني أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت: نزل في زينب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ﴾ إلى قوله: ﴿ غير ناظرين إناه ﴾ قال: غير متحينين طعامه ﴿ ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ﴾ قال: كان هذا في بيت أم سلمة رضي الله عنها أكلوا ثم أطالوا الحديث، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ويدخل.
ويستحي منهم والله لا يستحي من الحق ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ﴾ قال: بلغنا أنهم أمروا بالحجاب عند ذلك ﴿ لا جناح عليهن في آبائهن ﴾ قال: فرخص لهن أن لا يحتجبن من هؤلاء.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: كانوا يجيئون، فيدخلون بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فيجلسون، فيتحدثون ليدرك الطعام، فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ ليدرك الطعام ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ ولا تجلسوا فتحدثوا.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ غير ناظرين إناه ﴾ قال: الانا: النضيج.
يعني إذا أدرك الطعام قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر: ينعم ذاك الانا الغبيط كما ** ينعم غرب المحالة الجمل وأخرج ابن جرير عن مجاهد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فاصابت يد رجل منهم يد عائشة رضي الله عنها، فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت آية الحجاب» .
وأخرج ابن جرير عن عائشة رضي الله عنها، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا برزن إلى المناصع!
وهو صعيداً فيح.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أحجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة رضي الله عنها بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر رضي الله عنه بصوته ألا قد عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى الحجاب.
قال الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي...
﴾ .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ غير ناظرين إناه ﴾ قال: غير متحينين نضجه ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ بعد أن تأكلوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إناه ﴾ قال: نضجه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سليمان بن أرقم رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ قال: نزلت في الثقلاء.
وأخرج الخطيب عن أنس رضي الله عنه قال: كانوا إذا طعموا جلسوا عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يجيء شيء، فنزلت ﴿ فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً ﴾ قال: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عليهن الحجاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً ﴾ قال: حاجة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: فضل الناس عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأربع: بذكره الاسارى يوم بدر أمر بقتلهم، فأنزل الله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق...
﴾ [ الأنفال: 68] .
وبذكره الحجاب أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتجبن فقالت له زينب رضي الله عنها: وانك لتغار علينا يا ابن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا؟
فأنزل الله: ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً ﴾ .
وبدعوة النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم أيد الإِسلام بعمر» وبرأيه في أبي بكر كان أول الناس بايعه.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض إلى بيته بادروه، فأخذوا المجالس، فلا يعرف بذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ببسط يده إلى الطعام مستحياً منهم، فعوتبوا في ذلك، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي...
﴾ .
وأخرج ابن سعد عن أنس رضي الله عنه قال: نزل الحجاب مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها، وذلك سنة خمس من الهجرة، وحجب نساؤه من يومئذ وأنا ابن خمس عشرة.
وأخرج ابن سعد عن صالح بن كيسان قال: نزل حجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه في ذي القعدة، سنة خمس من الهجرة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله...
﴾ قال: نزلت في رجل هم أن يتزوّج بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده قال سفيان: ذكروا أنها عائشة رضي الله عنها.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل: لئن مات محمد صلى الله عليه وسلم لأتزوجن عائشة.
فأنزل الله: ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله...
﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً يقول: إن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت فلانة من بعده، فكان ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل القرآن ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله...
﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا، ويتزوج نساءنا من بعدنا، لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده.
فنزلت هذه الآية.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: قال طلحة بن عبيد الله: لو قبض النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة رضي الله عنها.
فنزلت ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله..
﴾ .
وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في قوله: ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله...
﴾ قال: نزلت في طلحة بن عبيد الله لأنه قال: إذا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة رضي الله عنها.
وأخرج البيهقي في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لو قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة.
أو أم سلمة.
فأنزل الله: ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله..
﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلاً أتى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فكلمها وهو ابن عمها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا فقال: يا رسول الله إنها ابنة عمي، والله ما قلت لها منكراً، ولا قالت لي قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد عرفت ذلك أنه ليس أحد أغير من الله، وأنه ليس أحد أغير مني، فمضى ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمي لأَتَزَوَّجَنَّها من بعده.
فأنزل الله هذه الآية، فاعتق ذلك الرجل رقبة، وحمل على عشرة ابعرة في سبيل الله، وحج ماشياً في كلمته» .
وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: «خطبني علي رضي الله عنه، فبلغ ذلك فاطمة رضي الله عنها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أسماء متزوجة علياً فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله» .
وأخرج البيهقي في السنن عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال لامرأته: إن سرك أن تكوني زوجتي في الجنة، فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا، فلذلك حرم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكحن بعده، لأنهن أزواجه في الجنة.
وأخرج ابن سعد عن أبي امامة بن سهل بن حنيف في قوله: ﴿ إن تبدوا شيئاً أو تخفوه ﴾ قال: أن تتكلموا به فتقولون: نتزوج فلانة لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أو تخفوا ذلك في أنفسكم، فلا تنطقوا به يعلمه الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: بلغنا أن العالية بنت ظبيان طلقها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم نساؤه على الناس، فنكحت ابن عم لها وولدت فيهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ قال: مما يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ أو تخفوه في أنفسكم فإن الله كان بكل شيء عليماً ﴾ يقول: فإن الله يعلمه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ قال مقاتل: أعلم الله أنه يعلم سرهم (١) (٢) ﴿ إِنْ تُبْدُوا ﴾ أي: تظهروا ﴿ شَيْئًا ﴾ من أمرهن يعني: طلحة (٣) ﴿ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ يعني: أو تسروه في قلوبكم يعني: قوله: ليتزوجها من بعد موت النبي - - فهذا الذي أخفاه، فذلك قوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ من السر والعلانية (٤) (٥) قال المفسرون (٦) -: ونحن أيضًا نكلمهن من وراء حجاب، فأنزل الله تعالى قوله: (١) في (أ): (سرهن وعلانيتهن).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.
(٣) لا يصح مثل هذا عن صحابي كطلحة - - وقد سبق ذكر بعض أقوال العلم ممن أنكر هذه المقولة.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 95 أ.
(٥) انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 228.
(٦) وانظر: "مجمع البيان" 8/ 577، "تفسير القرطبي" 14/ 231، "تفسير زاد المسير" 6/ 417.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ ﴾ سبب هذه الآية ما رواه أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما تزوج زينب بنت جحش، أوْلم عليها فدعا الناس، فلما طعموا قعد نفر في طائفة من البيت، فثقل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج ليخرجوا بخروجه، ومر على حُجَر نسائه ثم عاد فوجدهم في مكانهم، فانصرف فخرجوا عن ذلك» ، وقال ابن عباس: نزلت في قوم كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخلون عليه قبل الطعام فيقعدون إلى أن يطبخ، ثم يأكلون ولا يخرجون، فأمروا أن لا يدخلوا حتى يؤذن لهم، وأن ينصرفوا إذا أكلوا، قلت: والقول الأول أشهر، وقول ابن عباس أليق بما في الآية من النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم، فعلى قول ابن عباس في النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم، والقول الأول في النهي عن القعود بعد الأكل، فإن الآية تضمنت الحكمين ﴿ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ أي غير منتظرين لوقت الطعام، والإنا الوقت، وقيل: إنا الطعام نضجه وإدراكه، يقال أنى يأنى إناء ﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا ﴾ أمر بالدخول بعد الدعوة، وفي ذلك تأكيد للنهي عن الدخول قبلها ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا ﴾ أي انصرفوا، قال بعضهم: هذا أدب أدّب الله به الثقلاء ﴿ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ معطوف على غير ناظرين، أو تقديره: ولا تدخلوا مستأنسين، ومعناه النهي عن أن يطلبوا الجلوس للأنس للأنس بحديث بعضهم مع بعض، أو يستأنسوا لحديث أهل البيت، واستئناسهم: تسمعهم وتجسسهم ﴿ إِنَّ ذلكم كَانَ يُؤْذِي النبي ﴾ يعني جلوسهم للحديث أو دخولهم بغير إذن ﴿ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ﴾ تقديره يستحي من إخراجكم، بدليل قوله: ﴿ والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق ﴾ : أي أن إخراجكم حق لا يتركه الله.
﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ المتاع الحاجة من الأثاث وغيره، وهذه الآية نزلت في احتاجب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وسببها ما رواه أنس من قعود القوم يوم الوليمة في بيت زينب، وقيل: «سببها أنّ عمر بن الخطاب أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحجب نساءه، فنزلت الآية موافقة لقول عمر» ، قال بعضهم لما نزلت في أمهات المؤمنين ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ كن لا يجوز للناس كلامهن إلا من وراء حجاب، ولا يجوز أن يراهن متنقبات ولا غير متنقبات، فخصصن بذلك دون سائر النساء ﴿ ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ يريد أنقى من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء والنساء في أمر الرجال ﴿ وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ ﴾ سببها أن بعض الناس قالوا: لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوّجت عائشة، فحرم الله على الناس تزوج نسائه بعده كرامة له صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.
الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالثاء المثلثة.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي ، وقد مر أنه بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.
والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.
ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.
ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.
جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.
وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.
ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.
وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.
ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".
وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.
والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي مدع لها.
بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.
وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.
أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.
ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.
ووصف النبي بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.
وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.
ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".
ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.
قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.
ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.
في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.
وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.
وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.
وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.
وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.
وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله أيضاً.
ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.
ثم عاد إلى تعليم النبي .
وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.
وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.
والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.
ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾ يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.
والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.
قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.
وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.
وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي .
وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.
والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.
وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.
وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.
وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.
ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.
ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.
والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.
﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.
يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.
وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.
وعن الحسن: وكان النبي إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.
ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.
ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.
ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.
وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.
وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.
وإنه زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.
وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.
يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله : يا عيينة أين الاستئذان؟
فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.
ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟
فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.
قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.
فقال : إن الله قد حرم ذلك.
فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟
قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.
وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.
قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.
واستثنى ممن حرم عليه الإماء.
وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.
واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.
وعن عائشة: ما مات رسول الله حتى أحل له النساء.
تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.
ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.
وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.
وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.
وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.
ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.
وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.
يروى أن رسول الله أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.
فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟
وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.
ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.
والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.
قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.
والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.
وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.
﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.
وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.
ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.
إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.
ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.
قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.
وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.
وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.
ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.
قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.
ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.
ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.
وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي .
واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.
وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟
فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وعنه "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.
ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.
والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.
وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.
وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.
وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.
وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.
ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.
قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً .
وقيل: في إفك عائشة.
وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.
ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.
يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.
ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.
وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.
ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.
روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.
ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.
المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.
وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.
وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.
ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.
ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.
ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.
ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.
والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.
ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.
قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.
من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.
قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.
وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".
وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.
وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.
ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.
أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.
وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.
والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.
واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.
وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.
فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.
وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".
والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.
فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.
ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.
فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.
وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.
وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.
وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.
وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.
واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.
والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.
ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.
فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.
وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).
الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.
وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.
ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.
التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.
وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.
﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.
﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.
وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.
فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.
ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.
فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.
ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ .
يحتمل النهي عن دخول بيوت النبي وجهين: أحدهما: لا تدخلوا بيوت النبي بغير إذن كما يدخل الرجل على - أمه - وإن كن هن كالأمهات لكم - بغير إذن؛ فيكون النهي عن الدخول في بيته نهياً عن الدخول بغير إذن؛ كقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ ﴾ ضيفاً ﴿ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ ﴾ : إلا أن تدعوا إلى طعام؛ لأن رسول الله كان إذا هيئوا له شيئاً من الطعام دعا أصحابه؛ فيأكلونه، وكان لا يمسك ولا يدخر فضل الطعام لوقت آخر، فإذا نزل به ضيف، ولم يكن عنده ما يقدم إليه استحيا وشق عليه ذلك؛ فنهوا عن الدخول عليه والنزول به ضيفا؛ لما ذكرنا، وأمروا بالانتظار إلى أن يُدْعوا إلى الطعام؛ فعند ذلك يدخلون عليه ويضيفونه.
فإن كان الأوّل: ففيه الأمر بالحجاب والنهي عن الدخول بلا استئذان.
وإن كان الثاني: ففيه النهي عن النزول به ضيفا قبل أن يُدْعَوا؛ لما ذكرنا؛ ويكون الأمر بالحجاب في قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ .
وقال بعضهم: ذكر هذا؛ لأن أناساً من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله وغداه، فإذا حضر ذلك دخلوا عليه بغير إذن؛ فجلسوا في بيته ينتظرون نضج الطعام وإدراكه؛ فنهوا عن ذلك، وكانوا إذا أكلوا وفرغوا منه، جلسوا في بيته، ويتحدثون، ويستأنسون؛ فنهوا عن ذلك، وأمروا بالانتشار والخروج من عنده وعند نسائه، ولم يكن يحتجبن قبل ذلك منهم؛ فشق ذلك على النبي، والله أعلم.
وجائز أن يكون الأمر بالانتشار والخروج من عنده؛ لما كان لرسول الله أمور وعبادات يحتاج إلى القيام بها: إما بينه وبين الله، أو بينه وبين غيرهم من الناس، فكانوا يشغلونه عن ذلك؛ فنهوا عن ذلك لذلك.
أو لما ذكر بعض أهل التأويل من الحاجة له في أزواجه والخلوة بهن وقت القيلولة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ ﴾ .
الدخول عليه بغير إذن؛ أو الانتظار لنضج الطعام وإدراكه، أو الجلوس بعد فراغهم من الطعام والحديث، أو ما كان.
وقوله: ﴿ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
ورسول الله - أيضاً - كان لا يستحي من الحق، لكنه يستحيي أن يقول لهم: "اخرجوا من منزلي ولا تدخلوا عليّ"، ونحوه؛ لما يقبح ذلك من الخلق أن يقول الرجل لآخر: "لا تدخل منزلي" أو "اخرج من منزلي"؛ لما يرجع ذلك إلى دناءة الأخلاق والبخل، فلما أنزل الله - - الآية، وأمر أن يقول لهم ما ذكر قال لهم، وأخبرهم بذلك؛ فلم يستح عند ذلك؛ لما صار ذلك من حق الذين فرضا عليه لازما أن يعلمهم الآداب، ويخبر عما يلزمهم من حق الدين، وكان قبل ذلك في حق الملك وحق النفس، فلما أنزل الله الآية، وأمر بذلك صار من حق الدين؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: لا يدع ولا يترك أن يعلمهم الحق والأدب، وقد ذكرنا معناه في قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً...
﴾ الآية [البقرة: 26].
وقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ .
جائز أن يكون المعنى الذي يكون أطهر لقلوب الرجال غير المعنى الذي يكون أطهر لقلوبهن: ذلك المعنى الذي يكون أطهر لقلوبهم: من الفجور والهم لقضاء الشهوة، وما تدعوه النفس إليه، ﴿ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ : من العداوة والضغينة، لا الفجور وقضاء الشهوة؛ وذلك أنهن قد عرفن أنهن لا يحللن لغيره نكاحاً؛ لما اخترنه والدار الآخرة على الدنيا وزينتها، وقد أوعدن بارتكاب الفاحشة العذاب ضعفين، على ما ذكر، وذلك يمنعهن ويزجرهن عن ارتكاب ذلك فإذا كان كذلك، فإذا عرفن من الداخلين عليهن والناظرين إليهن نظر الشهوة وقع في قلوبهن لهم العداوة والضغينة؛ فيقول: السؤال من وراء الحجاب أطهر لقلوبكم من الفجور والريبة وأطهر لقلوبهن من العداوة والضغينة، والله أعلم.
وجائز أن يكون ذلك واحداً، وهو الريبة والفجور؛ لما مكن فيهن من الشهوات، وركب فيهن من فضل الدواعي إلى ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إن [نساء] الرسول لما احتجبن بعد نزول آية الحجاب، ونهوا عن الدخول عليهن والنظر إليهن - قال رجل: أننهى أن ندخل على بنات عمنا وبنات عماتنا وبنات خالنا وخالاتنا؟
أما - والله - لئن مات لأتزوجن فلانة - ذكر امرأة من نسائه - فنزل ﴿ وَمَا كَانَ ﴾ أي: لا يحل ﴿ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ ، لكن هذا قبيح؛ لا يحتمل أن أحدا من الصحابة يقول ذلك، أو واحداً ممّن صفا إيمانه به وحسن إسلامه، أن يخطر بباله ذلك إلا أن يكون منافقاً.
ويحتمل: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ فيما تقدم ذكره، ﴿ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ ابتداء نهي.
وجائز أن يكون: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ في نكاح أزواجه؛ فيكون أذاهم رسول الله في نكاح أزواجه من بعده، ولو كان لا يحل أزواجه للناس؛ لما يذكر بعض أهل التأويل: لأنهن أمهات - لم يحتج إلى النهي عن نكاحهن بعده؛ إذ لا أحد يقصد قصد نكاح الأم، ولكن كان يحل لهم ذلك، وكان المعنى في ذلك ما ذكرنا من التعظيم له والاحترام؛ حتى نهاهم عن نكاح أزواجه من بعده، وجعله في حرمة أزواجه على غيره بعد وفاته؛ كأنه حي، وكذلك جعل في حق ماله وملكه في منع الميراث لوارثه؛ كأنه حيّ لم يرث ماله وارثه، بل جعل باقياً أبداً على ملكه، وكذلك أزواجه، وكذلك جعل في حق الرسالة والنبوة؛ كأنه حيّ، لم تنسخ شريعته بعد وفاته بشريعة أخرى، كما نسخت شريعة الأنبياء الذين كانوا قبله إذا ماتوا بشريعة أخرى؛ بل جعله كأنه حيّ في إبقاء شريعته إلى يوم القيامة؛ فعلى ذلك جعل في أزواجه كأنه حيّ في حرمة أزواجه في الآخرة؛ وعلى ذلك يخرج تأويل قوله - عندنا -: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: هي لك خالصة لا تحل لأحد بعدك؛ فتكون زوجته في الجنة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً ﴾ .
يحتمل [كان] أذى رسول الله ونكاح أزواجه عند الله عظيما، أو عظيماً في العقوبة عند الله.
وقوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ ، أي: تبدوا شيئاً للعباد، أو تخفوه عنهم.
﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ .
أي: ما أبديتم وما أخفيتم؛ ﴿ عَلِيماً ﴾ لا يخفى عليه شيء؛ يذكر هذا؛ ليكونوا أبداً على حذر وخوف، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ ﴾ .
أي: لا حرج ولا مأثم على النساء في دخول من ذكر عليهن بلا إذن ولا حجاب من ﴿ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ ﴾ .
ذكر هؤلاء، ولم يذكر الأعمام ولا الأخوال؛ فقال بعضهم: إنما لم يذكر هؤلاء، ولم يبح لهم في ذلك؛ لأنهن يحللن بالنكاح لأولاد الأعمام والأخوال، فإذا دخلوا عليهن، فرأوهن متجردات متزينات؛ فيصفوهن لأولادهم، وقد يصف الرجل لولده حسن المرأة وقبحها؛ فينزل وصفهم إياهن لأولادهم منزلة رؤيتهم بأنفسهم؛ فيزيد لهم رغبة فيهن أو رهبة عنهن، والله أعلم.
وقال بعضهم: إنما لم يذكر الأعمام والأخوال؛ لما في ذكر المذكور من بني الإخوة وبني الأخوات غنى عن ذكر الأعمام والأخوال؛ لأنهم جميعاً من جنس واحد ومن نوع واحد في معنى واحد، وقد يكتفى بذكر طرف من الجنس؛ إذا كان في معنى المذكور، نحو ما ذكر من أجناس المحرمات على الإبلاغ، وترك من كل جنس شيئاً لم يذكره؛ إذ الذي لم يذكره هو في معنى المذكور؛ ففي ذكر من ذكر غنى عن الذي لم يذكر؛ فعلى ذلك في ذكر بني الإخوة وبنى الأخوات غنى عن ذكر الأعمام والأخوال؛ إذ هم في معناهم، والله أعلم.
وجائز أن يكون لم يبح الدخول للأعمام والأخوال؛ لأنهم إذا دخلوا عليهن فرأوهن متجردات؛ فلعل بصرهم يقع على فروجهن؛ فينظر إليها بشهوة؛ فيحرمن على أولادهم، وهم إذا تزوجوهن لم يعلموا أنهن محرمات عليهم؛ فمنع دخول الأعمام والأخوال عليهن لذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ ﴾ ، قال بعضهم: أي: نساء المسلمات، يقول: خص نساء المسلمات، وأباح لهن الدخول عليهن بلا إذن، وأن يرينهن متزينات، ولم يبح ذلك لليهوديات والنصرانيات وأمثالهن؛ مخافة أن يصفن ذلك لأهل دينهن؛ فيكون ذلك سبب افتتانهم بهن والرغبة فيهن، والله أعلم.
وقال بعضهم: نساؤهن: قراباتهن، خص هؤلاء من بين غيرهن من الأجنبيات، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من خوف وصف الأجنبيات لأزواجهن والمتصلين بهن؛ من حسنهن وزينتهن إذا رأينهن متجردات متزينات، ولا يخاف ذلك من قراباتهن.
والثاني: خص القرابات؛ لما بهن ابتلاء، وليس بالأجنبيات ذلك، وقد يخفف الحكم ربما فيما فيه الابتلاء، ويغلظ فيما هو أخف منه ودونه؛ إذا لم يكن فيه ابتلاء؛ وعلى ذلك جائز أن يقال: إن الأعمام والأخوال لم يذكروا في الآية والرخصة؛ لأنه ليس بهم ابتلاء، وبمن ذكر ابتلاء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ .
يحتمل الإماء خاصّة؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ \[المؤمنون: 5-6\]: لم يفهموا منه سوى الإماء؛ فعلى ذلك جائز أن يكون المفهوم في قوله: ﴿ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ الإماء، ويحتمل الإماء والعبيد جميعاً؛ فإن كان على الإماء والعبيد جميعاً، فذلك - والله أعلم - إنما أباح الدخول للعبيد على مولياتهم بلا إذن؛ لأنهم إنما يدخلون عليهن عند حاجاتهن إليهم في أوقات معلومة، وهن في تلك الأوقات يكنّ متأهبات لدخولهم عليهن محجبات عنهم؛ وعلى ذلك يخرج ما روى أن مكاتباً لعائشة أم المؤمنين - ا - كان يدخل عليها، فلما أدى فعتق منعته من الدخول عليها، وهو لما ذكرنا: أنه كان يدخل عليها لوقت حاجتها إليه، وهي كانت متأهبة لدخوله عليها، وإلا لا يحتمل أن يكون يدخل عليها ويراها متجردة أو متزينة؛ بعدما أمرن بالاحتجاب؛ فعلى ذلك العبيد لا يحل لهم النظر إلى مولياتهم ولا يكونون محرماً لهن.
أو إن احتمل الآية العبيد؛ فهم بالإذن يدخلون لا بغير إذن؛ فيكون الإذن مضمرا فيه.
ثم قال: ﴿ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ ﴾ .
فيما ذكر من إباحة دخول من لم يبح دخوله عليهن والنظر إليهن.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾ ، هذا تحذير وتوعيد لهن، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن تظهروا شيئًا من أعمالكم أو تستروه في أنفسكم، فلن يخفى على الله منه شيء، إن الله كان بكل شيء عليمًا، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ولا من غيرها، وسيجازيكم على أعمالكم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
من فوائد الآيات عظم مقام النبي عند ربه حتى عاتب الصحابة في المكث في بيته الذي كان يؤذيه.
ثبوت صفتي العلم والحلم لله تعالى.
الحياء من أخلاق النبي .
صيانة مقام أمهات المؤمنين من زوجات النبي .
<div class="verse-tafsir" id="91.B2zDY"
نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ .
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).
فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.
لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟
أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟
ومن وجهة أخرى نرى أن النبي -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ إلخ.
فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.
مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي ومن يختصه الله بالتأسي به.
لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.
نادى في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.
على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي في أمر زينب.
كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ إلخ، فعمد النبي -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.
لهذا أرغم النبي زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.
ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ .
وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.
واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.
قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟
حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!
"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.
سبحان الله!
كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟
فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود .
وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.
تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.
أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.
وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.
أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!
إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ والله أعلم.