الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٥٦ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 235 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٦ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال البخاري : قال أبو العالية : صلاة الله : ثناؤه عليه عند الملائكة ، وصلاة الملائكة : الدعاء .
وقال ابن عباس : يصلون : يبركون .
هكذا علقه البخاري عنهما .
وقد رواه أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية كذلك .
وروي مثله عن الربيع أيضا .
وروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس كما قاله سواء ، رواهما ابن أبي حاتم .
وقال أبو عيسى الترمذي : وروي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا : صلاة الرب : الرحمة ، وصلاة الملائكة : الاستغفار .
ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو الأودي ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، قال الأعمش عن عطاء بن أبي رباح ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) قال : صلاته تبارك وتعالى : سبوح قدوس ، سبقت رحمتي غضبي .
والمقصود من هذه الآية : أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى ، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين ، وأن الملائكة تصلي عليه .
ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر - يعني : ابن المغيرة - عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام : هل يصلي ربك ؟
فناداه ربه : يا موسى ، سألوك : " هل يصلي ربك ؟
" فقل : نعم ، إنما أصلي أنا وملائكتي على أنبيائي ورسلي .
فأنزل الله عز وجل ، على نبيه صلى الله عليه وسلم : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) .
وقد أخبر أنه سبحانه وتعالى ، يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما ) [ الأحزاب : 41 - 43 ] .
وقال تعالى : ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) [ البقرة : 155 - 157 ] .
وفي الحديث : " إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف " .
وفي الحديث الآخر : " اللهم ، صل على آل أبي أوفى " .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة جابر - وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها - " صلى الله عليك ، وعلى زوجك .
وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بالصلاة عليه ، وكيفية الصلاة عليه ، ونحن نذكر منها إن شاء الله تعالى ما تيسر ، والله المستعان .
قال البخاري - عند تفسير هذه الآية - : حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد ، حدثنا أبي ، عن مسعر ، عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة قال : قيل : يا رسول الله ، أما السلام عليك فقد عرفناه ، فكيف الصلاة ؟
فقال : " قولوا : اللهم ، صل على محمد ، وعلى آل محمد ، [ كما صليت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد .
اللهم ، بارك على محمد وعلى آل محمد ] كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن الحكم قال : سمعت ابن أبي ليلى قال : لقيني كعب بن عجرة فقال : ألا أهدي لك هدية ؟
خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : يا رسول الله ، قد علمنا - أو : عرفنا - كيف السلام عليك ، فكيف الصلاة ؟
قال : " قولوا : اللهم ، صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على [ آل ] إبراهيم إنك حميد مجيد .
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد " .
وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة في كتبهم ، من طرق متعددة ، عن الحكم - وهو ابن عتبة زاد البخاري : وعبد الله بن عيسى ، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، فذكره .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا هشيم بن بشير ، عن يزيد بن أبي زياد ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة قال : لما نزلت : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) .
قال : قلنا : يا رسول الله ، قد علمنا السلام فكيف الصلاة عليك ؟
قال : " قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد .
وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم .
إنك حميد مجيد " .
وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول : وعلينا معهم .
ورواه الترمذي بهذه الزيادة .
ومعنى قولهم : " أما السلام عليك فقد عرفناه " : هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه ، كما كان يعلمهم السورة من القرآن ، وفيه : " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " .
حديث آخر : قال البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، عن ابن الهاد ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال : قلنا : يا رسول الله ، هذا السلام فكيف نصلي عليك : قال : " قولوا : اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ، كما صليت على آل إبراهيم .
وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم " .
[ وفي رواية ] : قال أبو صالح ، عن الليث : " على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم " .
حدثنا إبراهيم بن حمزة ، حدثنا ابن أبي حازم والدراوردي ، عن يزيد - يعني ابن الهاد - قال : " كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وآل محمد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم " .
وأخرجه النسائي وابن ماجه ، من حديث ابن الهاد ، به .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : قرأت على عبد الرحمن : مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن عمرو بن سليم أنه قال : أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله ، كيف نصلي عليك ؟
قال : " قولوا : اللهم " صل على محمد وأزواجه وذريته ، كما صليت على [ آل ] إبراهيم ، وبارك على محمد وأزواجه وذريته ، كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد " .
وقد أخرجه بقية الجماعة ، سوى الترمذي ، من حديث مالك ، به .
حديث آخر : قال مسلم : حدثنا يحيى التميمي قال : قرأت على مالك ، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، أخبرني محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري - قال : وعبد الله بن زيد هو الذي كان أري النداء بالصلاة - أخبره عن أبي مسعود الأنصاري - قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة ، فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك [ يا رسول الله ] ، فكيف نصلي عليك ؟
قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قولوا : اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين ، إنك حميد مجيد ، والسلام كما قد علمتم " .
وقد رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي من حديث مالك ، به .
وقال الترمذي : حسن صحيح .
وروى الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم في مستدركه ، من حديث محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ، عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا : يا رسول الله ، أما السلام فقد عرفناه ، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا ؟
فقال : " قولوا : اللهم ، صل على محمد وعلى آل محمد .
.
.
" وذكره .
ورواه الشافعي رحمه الله في مسنده ، عن أبي هريرة ، بمثله .
ومن هاهنا ذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ، فإن تركه لم تصح صلاته .
وقد شرع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يشنع على الإمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة ، ويزعم أنه قد تفرد بذلك ، وحكى الإجماع على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم ، فيما نقله القاضي عياض .
وقد تعسف القائل في رده على الشافعي ، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك ، [ وقال ما لم يحط به علما ] ، فإنه قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة كما هو ظاهر الآية ، ومفسر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة ، منهم : ابن مسعود ، وأبو مسعود البدري ، وجابر بن عبد الله ، ومن التابعين : الشعبي ، وأبو جعفر الباقر ، ومقاتل بن حيان .
وإليه ذهب الشافعي ، لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضا ، وإليه ذهب [ الإمام ] أحمد أخيرا فيما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقي ، به .
وبه قال إسحاق ابن راهويه ، والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن المواز المالكي ، رحمهم الله ، حتى إن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كما علمهم أن يقولوا لما سألوه ، وحتى إن بعض أصحابنا أوجب الصلاة على الآل ممن حكاه البندنيجي ، وسليم الرازي ، وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي ، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولا عن الشافعي .
والصحيح أنه وجه ، على أن الجمهور على خلافه ، وحكوا الإجماع على خلافه ، وللقول بوجوبه ظواهر الحديث ، والله أعلم .
والغرض أن الشافعي رحمه الله لقوله بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة - سلف وخلف كما تقدم ، لله الحمد والمنة ، فلا إجماع على خلافه في هذه المسألة لا قديما ولا حديثا ، والله أعلم .
ومما يؤيد ذلك : الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - وصححه - والنسائي وابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما ، من رواية حيوة بن شريح المصري ، عن أبي هانئ حميد بن هانئ ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي ، عن فضالة بن عبيد ، رضي الله عنه ، قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته ، لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عجل هذا " .
ثم دعاه فقال له ولغيره : " إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله ، عز وجل ، والثناء عليه ، ثم ليصل على النبي ثم ليدع [ بعد ] بما شاء " .
وكذا الحديث الذي رواه ابن ماجه ، من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي ، عن أبيه ، عن جده ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا صلاة لمن لا وضوء له ، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي ، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار .
ولكن عبد المهيمن هذا متروك .
وقد رواه الطبراني من رواية أخيه " أبي بن عباس " ، ولكن في ذلك نظر .
وإنما يعرف من رواية " عبد المهيمن " ، والله أعلم .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا إسماعيل ، عن أبي داود الأعمى ، عن بريدة قال : قلنا : يا رسول الله ، قد علمنا كيف نسلم عليك ، فكيف نصلي عليك ؟
قال : " قولوا : اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد ، كما جعلتها على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد " .
أبو داود الأعمى اسمه : نفيع بن الحارث ، متروك .
حديث آخر موقوف : رويناه من طريق سعيد بن منصور وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون ، ثلاثتهم عن نوح بن قيس : حدثنا سلامة الكندي : أن عليا ، رضي الله عنه ، كان يعلم الناس هذا الدعاء : اللهم داحي المدحوات ، وبارئ المسموكات ، وجبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها .
اجعل شرائف صلواتك ، ونوامي بركاتك ، ورأفة تحننك ، على محمد عبدك ورسولك ، الخاتم لما سبق ، والفاتح لما أغلق ، والمعلن الحق بالحق ، والدامغ جيشات الأباطيل ، كما حمل فاضطلع بأمرك لطاعتك ، مستوفزا في مرضاتك ، غير نكل في قدم ، ولا وهن في عزم ، واعيا لوحيك ، حافظا لعهدك ، ماضيا على نفاذ أمرك ، حتى أورى قبسا لقابس ، آلاء الله تصل بأهله أسبابه ، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم ، [ وأقام ] موضحات الأعلام ، ومنيرات الإسلام ونائرات الأحكام ، فهو أمينك المأمون ، وخازن علمك المخزون ، وشهيدك يوم الدين ، وبعيثك نعمة ، ورسولك بالحق رحمة .
اللهم افسح له مفسحات في عدلك ، واجزه مضاعفات الخير من فضلك .
مهنآت له غير مكدرات ، من فوز ثوابك المعلول ، وجزيل عطائك المجمول .
اللهم أعل على بناء البانين بنيانه وأكرم مثواه لديك ونزله .
وأتمم له نوره ، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة ، مرضي المقالة ، ذا منطق عدل ، وخطة فصل ، وحجة وبرهان عظيم .
هذا مشهور من كلام علي ، رضي الله عنه ، وقد تكلم عليه ابن قتيبة في مشكل الحديث ، وكذا أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي في جزء جمعه في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن في إسناده نظرا .
قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي : سلامة الكندي هذا ليس بمعروف ، ولم يدرك عليا .
كذا قال .
وقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني هذا الأثر عن محمد بن علي الصائغ ، عن سعيد بن منصور ، حدثنا نوح بن قيس ، عن سلامة الكندي قال : كان علي ، رضي الله عنه ، يعلمنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : " اللهم ، داحي المدحوات " وذكره .
حديث آخر موقوف : قال ابن ماجه : [ حدثنا الحسين بن بيان ] ، حدثنا زياد بن عبد الله ، حدثنا المسعودي ، عن عون بن عبد الله ، عن أبي فاختة ، عن الأسود بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه ; فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه .
قال : فقالوا له : فعلمنا .
قال : قولوا : اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وخاتم النبيين ، محمد عبدك ورسولك ، إمام الخير وقائد الخير ، ورسول الرحمة .
اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون ، اللهم صل على محمد [ وعلى آل محمد ] ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
وهذا موقوف ، وقد روى إسماعيل القاضي عن عبد الله بن عمرو - أو : عمر - على الشك من الراوي قريبا من هذا .
حديث آخر : قال قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا أبو إسرائيل ، عن يونس بن خباب قال : خطبنا بفارس فقال : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) ، فقال : أنبأني من سمع ابن عباس يقول : هكذا أنزل .
فقلنا - أو : قالوا - يا رسول الله ، علمنا السلام عليك ، فكيف الصلاة عليك ؟
فقال : " اللهم ، صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، وارحم محمدا وآل محمد ، كما رحمت آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، [ وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد ] .
فيستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز الترحم على النبي صلى الله عليه وسلم ، كما هو قول الجمهور : ويعضده حديث الأعرابي الذي قال : اللهم ، ارحمني ومحمدا ، ولا ترحم معنا أحدا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد حجرت واسعا " .
وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه ، قال : وأجازه أبو محمد بن أبي زيد .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، أخبرنا شعبة ، عن عاصم بن عبيد الله قال : سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي ، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر " .
ورواه ابن ماجه ، من حديث شعبة ، به .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي ، ويونس - هو ابن محمد - قالا حدثنا ليث ، عن يزيد بن الهاد ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن أبي الحويرث ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن عبد الرحمن بن عوف قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته حتى دخل نخلا فسجد فأطال السجود ، حتى خفت - أو : خشيت - أن يكون الله قد توفاه أو قبضه .
قال : فجئت أنظر ، فرفع رأسه فقال : " ما لك يا عبد الرحمن ؟
" قال : فذكرت ذلك له فقال : " إن جبريل ، عليه السلام ، قال لي : ألا أبشرك ؟
إن الله ، عز وجل ، يقول : من صلى عليك صليت عليه ، ومن سلم عليك سلمت عليه " .
طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا سليمان بن بلال ، حدثنا عمرو بن أبي عمرو ، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن عبد الرحمن بن عوف قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوجه نحو صدقته ، فدخل فاستقبل القبلة ، فخر ساجدا ، فأطال السجود ، حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها ، فدنوت منه ثم جلست ، فرفع رأسه فقال : " من هذا ؟
" فقلت : عبد الرحمن .
قال : " ما شأنك ؟
" قلت : يا رسول الله ، سجدت سجدة خشيت أن [ يكون ] الله ، عز وجل ، قبض نفسك فيها .
فقال : " إن جبريل أتاني فبشرني أن الله ، عز وجل ، يقول لك : من صلى عليك صليت عليه ، ومن سلم عليك سلمت عليه - فسجدت لله عز وجل ، شكرا " .
حديث آخر : قال [ الحافظ ] أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن بحير بن عبد الله بن معاوية بن بحير بن ريسان ، [ حدثنا عمرو بن الربيع بن طارقة ] ، حدثنا يحيى بن أيوب ، حدثنا عبد الله بن عمر ، عن الحكم بن عتيبة ، عن إبراهيم النخعي ، عن الأسود بن يزيد ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة فلم يجد أحدا يتبعه ، ففزع عمر ، فأتاه بمطهرة من خلفه ، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا في مشربة ، فتنحى عنه من خلفه حتى رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه ، فقال : " أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدا فتنحيت عني ، إن جبريل أتاني فقال : من صلى عليك من أمتك واحدة ، صلى الله عليه عشر صلوات ، ورفعه عشر درجات " .
وقد اختار هذا الحديث الحافظ الضياء المقدسي في كتابه " المستخرج على الصحيحين " .
وقد رواه إسماعيل القاضي ، عن القعنبي ، عن سلمة بن وردان ، عن أنس ، عن عمر بنحوه .
ورواه أيضا عن يعقوب بن حميد ، عن أنس بن عياض ، عن سلمة بن وردان ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، عن عمر بن الخطاب ، بنحوه .
حديث آخر : قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا بندار ، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة ، حدثني موسى بن يعقوب الزمعي ، حدثني عبد الله بن كيسان ; أن عبد الله بن شداد أخبره ، عن عبد الله بن مسعود ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة " .
تفرد بروايته الترمذي رحمه الله ثم قال : هذا حديث حسن غريب .
حديث آخر : قال إسماعيل القاضي : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتاني آت من ربي فقال لي : ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرا " .
فقام رجل فقال : يا رسول الله ، ألا أجعل نصف دعائي لك ؟
قال : " إن شئت " .
قال : ألا أجعل ثلثي دعائي لك ؟
قال : " إن شئت " .
قال : ألا أجعل دعائي لك كله ؟
قال : " إذن يكفيك الله هم الدينا وهم الآخرة " .
فقال شيخ - كان بمكة ، يقال له : منيع - لسفيان : عمن أسنده ؟
قال : لا أدري .
حديث آخر : قال إسماعيل القاضي : حدثنا سعيد بن سلام العطار ، حدثنا سفيان - يعني الثوري - عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي بن كعب ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في جوف الليل فيقول : " جاءت الراجفة ، تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه " .
قال أبي : يا رسول الله ، إني أصلي من الليل ، أفأجعل لك ثلث صلاتي ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشطر " .
قال : أفأجعل لك شطر صلاتي ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الثلثان " .
قال أفأجعل لك صلاتي كلها ؟
قال : " إذن يغفر الله ذنبك كله " .
وقد رواه الترمذي بنحوه فقال : حدثنا هناد ، حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي بن كعب ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال : " يا أيها الناس ، اذكروا الله ، اذكروا الله ، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه ، جاء الموت بما فيه " .
قال أبي : قلت : يا رسول الله ، إني أكثر الصلاة عليك ، فكم أجعل لك من صلاتي ؟
قال : " ما شئت " .
قلت : الربع ؟
قال : " ما شئت ، فإن زدت فهو خير لك " .
قلت : فالنصف ؟
قال : " ما شئت ، فإن زدت فهو خير لك " .
قلت : فالثلثين ؟
قال : " ما شئت ، فإن زدت فهو خير لك " .
قلت : أجعل لك صلاتي كلها ؟
قال : " إذن تكفى همك ، ويغفر لك ذنبك " .
ثم قال : هذا حديث حسن .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي ، عن أبيه قال : قال رجل : يا رسول الله ، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك ؟
قال : " إذن يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك " .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو كامل ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن سليمان مولى الحسن بن علي ، عن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أبيه; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم ، والسرور يرى في وجهه ، فقالوا : يا رسول الله ، إنا لنرى السرور في وجهك .
فقال : " إنه أتاني الملك فقال : يا محمد ، أما يرضيك أن ربك ، عز وجل ، يقول : إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا ، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا ؟
قال : بلى " .
ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة ، به .
وقد رواه إسماعيل القاضي ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن أخيه ، عن سليمان بن بلال ، عن عبيد الله بن عمر ، عن ثابت ، عن أبي طلحة ، بنحوه .
طريق أخرى : قال [ الإمام ] أحمد : حدثنا سريج ، حدثنا أبو معشر ، عن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن أبي طلحة الأنصاري قال : أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما طيب النفس ، يرى في وجهه البشر ، قالوا : يا رسول الله ، أصبحت اليوم طيب النفس ، يرى في وجهك البشر ؟
قال : " أجل ، أتاني آت من ربي ، عز وجل ، فقال : من صلى عليك من أمتك صلاة ، كتب الله له بها عشر حسنات ، ومحا عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، ورد عليه مثلها " .
وهذا أيضا إسناد جيد ، ولم يخرجوه .
حديث آخر : روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ، من حديث إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه; عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى علي واحدة ، صلى الله عليه بها عشرا " .
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف ، وعامر بن ربيعة ، وعمار ، وأبي طلحة ، وأنس ، وأبي بن كعب .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا شريك ، عن ليث ، عن كعب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " صلوا علي; فإنها زكاة لكم .
وسلوا الله لي الوسيلة; فإنها درجة في أعلى الجنة ، لا ينالها إلا رجل ، وأرجو أن أكون أنا هو " .
تفرد به أحمد ، وقد رواه البزار من طريق مجاهد ، عن أبي هريرة ، بنحوه فقال : حدثنا محمد بن إسحاق البكالي ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا داود بن علية ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلوا علي; فإنها زكاة لكم ، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة " فسألناه - أو : أخبرنا - فقال : " هي درجة في أعلى الجنة ، وهي لرجل ، وأنا أرجو أن أكون ذلك الرجل " .
في إسناده بعض من تكلم فيه .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، [ عن عبد الله بن هبيرة ] ، عن عبد الرحمن بن مريج الخولاني ، سمعت أبا قيس - مولى عمرو بن العاص - سمعت عبد الله بن عمرو يقول : من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ، صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة ، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر .
وسمعت عبد الله بن عمرو يقول : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع فقال : " أنا محمد النبي الأمي - قاله ثلاث مرات - ولا نبي بعدي ، أوتيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه ، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش ، وتجوز بي ، عوفيت وعوفيت أمتي ، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم ، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله ، أحلوا حلاله ، وحرموا حرامه " .
حديث آخر : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا أبو سلمة الخراساني ، حدثنا أبو إسحاق ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ذكرت عنده فليصل علي ، ومن صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرا " .
ورواه النسائي في " اليوم والليلة " ، من حديث أبي داود الطيالسي ، عن أبي سلمة - وهو المغيرة بن مسلم الخراساني - عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، عن أنس ، به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا يونس بن عمرو - يعني يونس بن أبي إسحاق - عن بريد بن أبي مريم ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى علي صلاة واحدة ، صلى الله عليه عشر صلوات ، وحط عنه عشر خطيئات " .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الملك بن عمرو وأبو سعيد [ قالا ] : حدثنا سليمان بن بلال ، عن عمارة بن غزية ، عن عبد الله بن الحسين ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " البخيل من ذكرت عنده ، ثم لم يصل علي " .
وقال أبو سعيد : " فلم يصل علي " .
ورواه الترمذي من حديث سليمان بن بلال ، ثم قال : هذا حديث حسن غريب صحيح .
ومن الرواة من جعله من مسند " الحسين بن علي " ، ومنهم من جعله من مسند " علي " نفسه .
حديث آخر : قال إسماعيل القاضي : حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن معبد بن هلال العنزي ، حدثنا رجل من أهل دمشق ، عن عوف بن مالك ، عن أبي ذر ، رضي الله عنه; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي " .
حديث آخر مرسل : قال إسماعيل : وحدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا جرير بن حازم ، سمعت الحسن يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي " ، صلوات الله عليه .
حديث آخر : قال الترمذي : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا ربعي بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي .
[ ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ، ثم انسلخ قبل أن يغفر له ] ، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة " .
ثم قال : حسن غريب .
قلت : وقد رواه البخاري في الأدب ، عن محمد بن عبيد الله ، حدثنا ابن أبي حازم ، عن كثير بن زيد ، عن الوليد بن رباح ، عن أبي هريرة مرفوعا ، بنحوه .
ورويناه من حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، به .
قال الترمذي : وفي الباب عن جابر وأنس .
قلت : وابن عباس ، وكعب بن عجرة ، وقد ذكرت طرق هذا الحديث في أول كتاب الصيام وعند قوله تعالى : ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) [ الإسراء : 23 ] .
وهذا الحديث والذي قبله دليل على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كلما ذكر ، وهو مذهب طائفة من العلماء [ منهم الطحاوي والحليمي ] ، ويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه : حدثنا جبارة بن المغلس ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة " .
جبارة ضعيف .
ولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه ، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة " .
وهذا مرسل يتقوى بالذي قبله [ والله أعلم ] .
وذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة في المجلس مرة واحدة ، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس ، بل تستحب .
نقله الترمذي عن بعضهم ، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن صالح - مولى التوأمة - عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة ، فإن شاء عذبهم ، وإن شاء غفر لهم " .
تفرد به الترمذي من هذا الوجه .
ورواه الإمام أحمد عن حجاج ويزيد بن هارون ، كلاهما عن ابن أبي ذئب ، عن صالح - مولى التوأمة - عن أبي هريرة ، مرفوعا مثله .
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن .
وقد روي عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من غير وجه ، وقد رواه إسماعيل القاضي من حديث شعبة ، عن سليمان ، عن ذكوان ، عن أبي سعيد قال : " ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا كان عليهم حسرة ، وإن دخلوا الجنة لما يرون [ من ] الثواب " .
وحكي عن بعضهم أنه إنما تجب الصلاة عليه ، عليه السلام ، في العمر مرة واحدة ، امتثالا لأمر الآية ، ثم هي مستحبة في كل حال ، وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعدما حكى الإجماع على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الجملة .
قال : وقد حكى الطبراني أن محمل الآية على الندب ، وادعى فيه الإجماع .
قال : ولعله فيما زاد على المرة ، والواجب منه مرة كالشهادة له بالنبوة ، وما زاد على ذلك فمندوب مرغب فيه من سنن الإسلام ، وشعار أهله .
قلت : وهذا قول غريب ، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة ، فمنها واجب ، ومنها مستحب على ما نبينه .
فمنه : بعد النداء للصلاة ; للحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا حيوة ، حدثنا كعب بن علقمة ، أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يقول : إنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سمعتم مؤذنا فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي; فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة " .
وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ، من حديث كعب بن علقمة طريق أخرى : قال إسماعيل القاضي : حدثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا عمرو بن علي ، عن أبي بكر الجشمي ، عن صفوان بن سليم ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل الله لي الوسيلة ، حقت عليه شفاعتي يوم القيامة " .
حديث آخر : قال إسماعيل القاضي : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا سعيد بن زيد ، عن ليث ، عن كعب - هو كعب الأحبار - عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلوا علي ، فإن صلاتكم علي زكاة لكم ، وسلوا الله لي الوسيلة " .
قال : فإما حدثنا وإما سألناه ، فقال : " الوسيلة أعلى درجة في الجنة ، لا ينالها إلا رجل ، وأرجو أن أكون ذلك الرجل " .
ثم رواه عن محمد بن أبي بكر ، عن معتمر ، عن ليث - وهو ابن أبي سليم - به .
وكذا الحديث الآخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا بكر بن سوادة ، عن زياد بن نعيم ، عن وفاء الحضرمي ، عن رويفع بن ثابت الأنصاري ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من صلى على محمد وقال : اللهم ، أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة ، وجبت له شفاعتي " .
وهذا إسناد لا بأس به ، ولم يخرجوه .
أثر آخر قال إسماعيل القاضي : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، حدثني معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، سمعت ابن عباس يقول : اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى ، وارفع درجته العليا ، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى ، كما آتيت إبراهيم وموسى ، عليهما السلام .
إسناد جيد قوي صحيح .
ومن ذلك : عند دخول المسجد والخروج منه : للحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا ليث بن أبي سليم ، عن عبد الله بن الحسن ، عن أمه فاطمة بنت الحسين ، عن جدته [ فاطمة ] بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال : " اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك " .
وإذا خرج صلى على محمد وسلم ، ثم قال : " اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب فضلك " .
وقال إسماعيل القاضي : حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا سفيان بن عمر التميمي ، عن سليمان الضبي ، عن علي بن الحسين قال : قال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : إذا مررتم بالمساجد فصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، فقد قدمنا الكلام عليها في التشهد الأخير ، ومن ذهب إلى ذلك من العلماء مع الشافعي ، رحمه الله .
وأما التشهد الأول فلا تجب فيه قولا واحدا ، وهل تستحب ؟
على قولين للشافعي .
ومن ذلك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة : فإن السنة أن يقرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب ، وفي الثانية أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الثالثة يدعو للميت ، وفي الرابعة يقول : اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تفتنا بعده .
قال الشافعي ، رحمه الله : حدثنا مطرف بن مازن ، عن معمر ، عن الزهري : أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويخلص الدعاء للجنازة ، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها ، ثم يسلم سرا في نفسه ورواه النسائي ، عن أبي أمامة نفسه أنه قال : من السنة ، فذكره .
وهذا من الصحابي في حكم المرفوع على الصحيح .
ورواه إسماعيل القاضي ، عن محمد بن المثنى ، عن عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل ، عن سعيد بن المسيب أنه قال : السنة في الصلاة على الجنازة .
.
.
فذكره .
وهكذا روي عن أبي هريرة ، وابن عمر ، والشعبي .
ومن ذلك : في صلاة العيد : قال إسماعيل القاضي : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام الدستوائي ، حدثنا حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم ، عن علقمة : أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة يوما قبل العيد ، فقال لهم : إن هذا العيد قد دنا ، فكيف التكبير فيه ؟
قال عبد الله : تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة ، وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو ، وتكبر وتفعل مثل ذلك ، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ، ثم تقرأ ، ثم تكبر وتركع ، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر ، وتفعل مثل ذلك ، ثم تركع .
فقال حذيفة وأبو موسى : صدق أبو عبد الرحمن .
إسناد صحيح ومن ذلك : أنه يستحب ختم الدعاء بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم قال الترمذي : حدثنا أبو داود ، أخبرنا النضر بن شميل ، عن أبي قرة الأسدي ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب قال : الدعاء موقوف بين السماء والأرض ، لا يصعد حتى تصلي على نبيك .
وهكذا رواه أيوب بن موسى ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب ، قوله .
ورواه معاذ بن الحارث ، عن أبي قرة ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر مرفوعا .
وكذا رواه رزين بن معاوية في كتابه مرفوعا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الدعاء موقوف بين السماء والأرض ، لا يصعد حتى يصلى علي ، فلا تجعلوني كغمر الراكب ، صلوا علي أول الدعاء وأوسطه وآخره " .
وهذه الزيادة إنما تروى من رواية جابر بن عبد الله في مسند الإمام عبد بن حميد الكشي [ حيث ] قال : حدثنا جعفر بن عون ، أخبرنا موسى بن عبيدة ، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه قال : قال جابر : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تجعلوني كقدح الراكب ، إذا علق تعاليقه أخذ قدحه فملأه من الماء ، فإن كان له حاجة في الوضوء توضأ ، وإن كان له حاجة في الشرب شرب وإلا أهراق ما فيه ، اجعلوني في أول الدعاء ، وفي ، وسط الدعاء ، وفي آخر الدعاء " .
فهذا حديث غريب ، وموسى بن عبيدة ضعيف الحديث .
ومن [ آكد ] ذلك : دعاء القنوت : لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم ، من حديث أبي الحوراء ، عن الحسن بن علي ، رضي الله عنهما ، قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر : " اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت تباركت [ ربنا ] وتعاليت " .
وزاد النسائي في سننه بعد هذا : وصلى الله على النبي محمد .
ومن ذلك : أنه يستحب الإكثار من الصلاة عليه [ في ] يوم الجمعة وليلة الجمعة : قال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن علي الجعفي ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أوس بن أوس الثقفي ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة ، فأكثروا علي من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة علي " .
قالوا : يا رسول الله ، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت ؟
- يعني : وقد بليت - قال : " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " .
ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، من حديث حسين بن علي الجعفي .
وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني ، والنووي في الأذكار .
حديث آخر : قال أبو عبد الله بن ماجه : حدثنا عمرو بن سواد المصري ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن زيد بن أيمن ، عن عبادة بن نسي ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة; فإنه مشهود تشهده الملائكة .
وإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها " .
قال : قلت : وبعد الموت ؟
قال : " [ وبعد الموت ] ، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " [ فنبي الله حي يرزق ] .
هذا حديث غريب من هذا الوجه ، وفيه انقطاع بين عبادة بن نسي وأبي الدرداء ، فإنه لم يدركه ، والله أعلم .
وقد روى البيهقي من حديث أبي أمامة وأبي مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة ، ولكن في إسنادهما ضعف ، والله أعلم .
وروي مرسلا عن الحسن البصري ، فقال إسماعيل القاضي : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا جرير بن حازم ، سمعت الحسن - هو البصري - يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تأكل الأرض جسد من كلمه روح القدس " .
مرسل حسن .
وقال الشافعي : أخبرنا إبراهيم بن محمد ، أخبرنا صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة ، فأكثروا الصلاة علي " .
هذا مرسل .
وهكذا يجب على الخطيب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر في الخطبتين ، ولا تصح الخطبتان إلا بذلك; لأنها عبادة ، وذكر الله فيها شرط ، فوجب ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فيها كالأذان والصلاة .
هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله .
ومن ذلك : أنه يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره ، صلوات الله وسلامه عليه : قال أبو داود : حدثنا ابن عوف - هو محمد - حدثنا المقري ، حدثنا حيوة ، عن أبي صخر حميد بن زياد ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي هريرة; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي ، حتى أرد عليه السلام " .
تفرد به أبو داود ، وصححه النووي في الأذكار .
ثم قال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح قال : قرأت على عبد الله بن نافع ، أخبرني ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجعلوا بيوتكم قبورا ، ولا تجعلوا قبري عيدا ، وصلوا علي ، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم " .
تفرد به أبو داود أيضا .
وقد رواه الإمام أحمد عن سريج ، عن عبد الله بن نافع - وهو الصائغ - به .
وصححه النووي أيضا .
وقد روي من وجه آخر عن علي ، رضي الله عنه .
قال القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه " فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم " : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب [ عمن أخبره ] من أهل بيته ، عن علي بن الحسين بن علي : أن رجلا كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي عليه ، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن الحسين ، فقال له علي بن الحسين : ما يحملك على هذا ؟
قال : أحب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم .
فقال له علي بن الحسين : هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي ؟
قال : نعم .
فقال له علي بن الحسين : أخبرني أبي ، عن جدي أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجعلوا قبري عيدا ، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا ، وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فتبلغني صلاتكم وسلامكم " .
في إسناده رجل مبهم لم يسم وقد روي من وجه آخر مرسلا قال عبد الرزاق في مصنفه ، عن الثوري ، عن ابن عجلان ، عن رجل - يقال له : سهيل - عن الحسن بن الحسن بن علي ; أنه رأى قوما عند القبر فنهاهم ، وقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تتخذوا قبري عيدا ، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا ، وصلوا علي حيثما كنتم; فإن صلاتكم تبلغني " .
فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم [ فوق الحاجة ] ، فنهاهم .
وقد روي أنه رأى رجلا ينتاب القبر فقال : يا هذا ، ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء ، أي : الجميع يبلغه ، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين .
وقال الطبراني في معجمه الكبير : حدثنا أحمد بن رشدين المصري ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا محمد بن جعفر ، أخبرني حميد بن أبي زينب ، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، عن أبيه; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلوا علي حيثما كنتم ، فإن صلاتكم تبلغني " .
ثم قال الطبراني : حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني ، حدثنا شعيب بن عبد الحميد الطحان ، أخبرنا يزيد بن هارون عن شيبان ، عن الحكم بن عبد الله بن خطاف ، عن أم أنيس بنت الحسن بن علي ، عن أبيها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرأيت قول الله ، عز وجل : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) ؟
" فقال : " إن هذا هو المكتوم ، ولولا أنكم سألتموني عنه لما أخبرتكم ، إن الله وكل بي ملكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك الملكان : " غفر الله لك " .
وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين : " آمين " .
ولا يصلي أحد إلا قال ذانك الملكان : " غفر الله لك " .
ويقول الله وملائكته جوابا لذينك الملكين : " آمين " .
غريب جدا ، وإسناده فيه ضعف شديد وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الله بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله ملائكة سياحين في الأرض ، يبلغوني من أمتي السلام " .
وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مهران الأعمش ، كلاهما عن عبد الله بن السائب ، به فأما الحديث الآخر : " من صلى علي عند قبري سمعته ، ومن صلى علي من بعيد بلغته " - ففي إسناده نظر ، تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير ، وهو متروك ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا .
قال أصحابنا : ويستحب للمحرم إذا لبى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم : لما روي عن الشافعي والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال : كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم على كل حال .
وقال إسماعيل القاضي : حدثنا عارم بن الفضل ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا زكريا ، عن الشعبي ، عن وهب بن الأجدع قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعا ، وصلوا عند المقام ركعتين ، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت ، فكبروا سبع تكبيرات ، تكبيرا بين حمد لله وثناء عليه ، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومسألة لنفسك ، وعلى المروة مثل ذلك .
إسناد جيد حسن قوي .
وقالوا : ويستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع ذكر الله عند الذبح : واستأنسوا بقوله تعالى : ( ورفعنا لك ذكرك ) [ الشرح : 4 ] ، قال بعض المفسرين : يقول الله تعالى : " لا أذكر إلا ذكرت معي " .
وخالفهم في ذلك الجمهور ، وقالوا : هذا موطن يفرد فيه ذكر الرب تعالى ، كما عند الأكل ، والدخول ، والوقاع وغير ذلك ، مما لم ترد فيه السنة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
حديث آخر : قال إسماعيل القاضي : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا عمر بن هارون ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن ثابت ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلوا على أنبياء الله ورسله; فإن الله بعثهم كما بعثني " .
في إسناده ضعيفان ، وهما عمر بن هارون وشيخه ، والله أعلم .
وقد رواه عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن موسى بن عبيدة الربذي به .
ومن ذلك : أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن ، إن صح الخبر في ذلك ، على أن الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه فقال : حدثنا زياد بن يحيى ، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله ، عن أبيه محمد ، عن أبيه أبي رافع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني وليصل علي ، وليقل : ذكر الله من ذكرني بخير " .
إسناده غريب ، وفي ثبوته نظر والله أعلم .
[ وهاهنا مسألة ] : وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما كتبه ، وقد ورد في الحديث من طريق كادح بن رحمة ، عن نهشل ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى علي في كتاب ، لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) يقول تعالى ذكره: إن الله وملائكته يبرّكون على النبي محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
كما حدثني علي، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ) يقول: يباركون على النبي.
وقد يحتمل أن يقال: إن معنى ذلك: أن الله يرحم النبي، وتدعو له ملائكته ويستغفرون، وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو دعاء .
وقد بينا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ) يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا ادعوا لنبي الله محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) يقول: وحيوه تحية الإسلام .
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: أتى رجل النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فقال: سمعت الله يقول (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ...) الآية، فكيف الصلاة عليك؟
فقال: " قلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَعَلى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى إبْرَاهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وَبَارك عَلَى مُحَمَّد وَعَلى آلِ مُحَمد، كَمَا بَارَكتَ عَلَى إبْرَاهيمَ إنكَ حَمِيد مَجِيدٌ".
حدثني جعفر بن محمد الكوفي، قال: ثنا يعلى بن الأجلح، عن &; 20-321 &; الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: لما نـزلت ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) قمت إليه، فقلت: السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟
قال: " قل اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد ".
حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أَبو إسرائيل، عن يونس بن خباب، قال: خطبنا بفارس فقال: (إِنَّ الَّلهَ وَمَلائِكَتَه ...) الآية، فقال: أنبأني من سمع ابن عباس يقول: هكذا أنـزل، فقلنا: أو قالوا: يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟
فقال: " اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد ".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد، عن إبراهيم في قوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ ...) الآية، قالوا: يا رسول الله هذا السلام قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟
فقال: قولوا " اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد ".
حدثني يعقوب الدورقي، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود الأنصاري، قال: لما نـزلت ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) قالوا: يا رسول الله هذا السلام قد عرفناه، فكيف الصلاة وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: " قولوا: اللهم صلِّ على محمد كما صليت على آل إبراهيم، اللهم بارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم ".
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( إِنَّ &; 20-322 &; اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) قال: لما نـزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟
قال: " قولوا: اللهم صلِّ على محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم ".
وقال الحسن: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم، إنك حميد مجيد ".
قوله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما .هذه الآية شرف الله بها رسوله عليه السلام حياته وموته ، وذكر منزلته منه ، وطهر بها سوء فعل من استصحب في جهته فكرة سوء ، أو في أمر زوجاته ونحو ذلك .
والصلاة من الله رحمته ورضوانه ، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار ، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره .مسألة : واختلف العلماء في الضمير في قوله : يصلون فقالت فرقة : الضمير فيه لله والملائكة ، وهذا قول من الله تعالى شرف به ملائكته ، فلا يصحبه الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب : من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بئس الخطيب أنت ، قل ومن يعص الله ورسوله أخرجه الصحيح .
قالوا : لأنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله تعالى مع غيره في ضمير ، ولله أن يفعل في ذلك ما يشاء .
وقالت فرقة : في الكلام حذف ، تقديره إن الله يصلي وملائكته يصلون ، وليس في الآية اجتماع في ضمير ، وذلك جائز للبشر فعله .
ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس الخطيب أنت لهذا المعنى ، وإنما قاله لأن الخطيب وقف على ومن يعصهما ، وسكت سكتة .
واستدلوا بما رواه أبو داود عن عدي بن حاتم أن خطيبا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يطع الله ورسوله ومن يعصهما .
فقال : قم - أو اذهب - بئس الخطيب أنت .
إلا أنه يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه وقال له : بئس الخطيب ، أصلح له بعد ذلك جميع كلامه ، فقال : قل ومن يعص الله ورسوله كما في كتاب مسلم .
وهو يؤيد القول الأول بأنه لم يقف على ( ومن يعصهما ) .
وقرأ ابن عباس : ( وملائكته ) بالرفع على موضع اسم الله قبل دخول ( إن ) .
والجمهور بالنصب عطفا على المكتوبة .قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما فيه خمسة مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما أمر الله تعالى عباده بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم دون أنبيائه تشريفا له ، ولا خلاف في أن الصلاة عليه فرض [ ص: 211 ] في العمر مرة ، وفي كل حين من الواجبات وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها ولا يغفلها إلا من لا خير فيه .
الزمخشري : فإن قلت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة أم مندوب إليها ؟
قلت : بل واجبة .
وقد اختلفوا في حال وجوبها ، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره .
وفي الحديث : ( من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله ) .
ويروى أنه قيل له : يا رسول الله ، أرأيت قول الله عز وجل : إن الله وملائكته يصلون على النبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا من العلم المكنون ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به ، إن الله تعالى وكل بي ملكين فلا أذكر عند مسلم فيصلي علي إلا قال ذلك الملكان غفر الله لك وقال الله تعالى وملائكته جوابا لذينك الملكين آمين .
ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلي علي إلا قال ذلك الملكان لا غفر الله لك وقال الله تعالى وملائكته لذينك الملكين آمين ) .ومنهم من قال : تجب في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره ، كما قال في آية السجدة وتشميت العاطس .
وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره ، ومنهم من أوجبها في العمر .
وكذلك قال في إظهار الشهادتين .
والذي يقتضيه الاحتياط : الصلاة عند كل ذكر ، لما ورد من الأخبار في ذلك .الثانية : واختلفت الآثار في صفة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فروى مالك عن أبي مسعود الأنصاري قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة ، فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله ، فكيف نصلي عليك ؟
قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ، والسلام كما قد علمتم .
ورواه النسائي عن طلحة مثله ، بإسقاط قوله : ( في العالمين ) وقوله : ( والسلام كما قد علمتم ) .
وفي الباب عن كعب بن عجرة وأبي حميد الساعدي وأبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وبريدة الخزاعي وزيد بن خارجة ، ويقال ابن حارثة أخرجها أئمة أهل الحديث في كتبهم .
وصحح [ ص: 212 ] الترمذي حديث كعب بن عجرة .
خرجه مسلم في صحيحه مع حديث أبي حميد الساعدي .
قال أبو عمر : روى شعبة والثوري عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال : لما نزل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة ؟
فقال : قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وهذا لفظ حديث الثوري لا حديث شعبة وهو يدخل في التفسير المسند إليه لقول الله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما فبين كيف الصلاة عليه وعلمهم في التحيات كيف السلام عليه ، وهو قوله : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته .وروى المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة عن الأسود عن عبد الله أنه قال : إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه ، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه .
قالوا فعلمنا ، قال : قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ونبيك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة .
اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
وروينا بالإسناد المتصل في كتاب ( الشفا ) للقاضي عياض عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : عدهن في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : عدهن في يدي جبريل وقال هكذا أنزلت من عند رب العزة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى [ ص: 213 ] آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
قال ابن العربي : من هذه الروايات صحيح ومنها سقيم ، وأصحها ما رواه مالك فاعتمدوه .
ورواية غير مالك من زيادة الرحمة مع الصلاة وغيرها لا يقوى ، وإنما على الناس أن ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم ، وهم لا يأخذون في البيع دينارا معيبا ، وإنما يختارون السالم الطيب ، كذلك لا يؤخذ من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم سنده ، لئلا يدخل في حيز الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص ، بل ربما أصاب الخسران المبين .الثالثة : في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا .
وقال سهل بن عبد الله : الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم أفضل العبادات ؛ لأن الله تعالى تولاها هو وملائكته ، ثم أمر بها المؤمنين ، وسائر العبادات ليس كذلك .
قال أبو سليمان الداراني : من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يسأل الله حاجته ، ثم يختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يرد ما بينهما .
وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : الدعاء يحجب دون السماء حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا جاءت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم رفع الدعاء .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى علي وسلم علي في كتاب لم تزل الملائكة يصلون عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب .الرابعة : واختلف العلماء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، فالذي عليه الجم الغفير والجمهور الكثير : أن ذلك من سنن الصلاة ومستحباتها .
قال ابن المنذر : يستحب ألا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزية في مذهب مالك وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم .
وهو قول جل أهل العلم .
وحكي عن مالك وسفيان أنها في التشهد الأخير مستحبة ، وأن تاركها في التشهد مسيء .
وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة .
وأوجب إسحاق الإعادة [ ص: 214 ] مع تعمد تركها دون النسيان .
وقال أبو عمر : قال الشافعي إذا لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير بعد التشهد وقبل التسليم أعاد الصلاة .
قال : وإن صلى عليه قبل ذلك لم تجزه .
وهذا قول حكاه عنه حرملة بن يحيى ، لا يكاد يوجد هكذا عن الشافعي إلا من رواية حرملة عنه ، وهو من كبار أصحابه الذين كتبوا كتبه .
وقد تقلده أصحاب الشافعي ومالوا إليه وناظروا عليه ، وهو عندهم تحصيل مذهبه .
وزعم الطحاوي أنه لم يقل به أحد من أهل العلم غيره .
وقال الخطابي وهو من أصحاب الشافعي : وليست بواجبة في الصلاة ، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي ، ولا أعلم له فيها قدوة .
والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه ، وقد شنع عليه في هذه المسألة جدا .
وهذا تشهد ابن مسعود الذي اختاره الشافعي وهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كل من روى التشهد عنه صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن عمر : كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر كما تعلمون الصبيان في الكتاب .
وعلمه أيضا على المنبر عمر ، وليس فيه ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .قلت : قد قال بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة محمد بن المواز من أصحابنا فيما ذكر ابن القصار وعبد الوهاب ، واختاره ابن العربي للحديث الصحيح : إن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك ؟
فعلم الصلاة ووقتها فتعينت كيفية ووقتا .
وذكر الدارقطني عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أنه قال : لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم .
وروي مرفوعا عنه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم .
والصواب أنه قول أبي جعفر ، قاله الدارقطني .الخامسة : قوله تعالى : عليه وسلموا ، قال القاضي أبو بكر بن بكير : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه .
وكذلك من بعدهم أمروا أن يسلموا عليه عند حضورهم قبره وعند ذكره .
وروى النسائي عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشر يرى في وجهه ، فقلت : إنا لنرى البشرى في وجهك !
فقال : إنه أتاني الملك فقال يا محمد إن ربك يقول أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا [ ص: 215 ] صليت عليه عشرا ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشرا .
وعن محمد بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما منكم من أحد يسلم علي إذا مت إلا جاءني سلامه مع جبريل يقول يا محمد هذا فلان بن فلان يقرأ عليك السلام فأقول وعليه السلام ورحمة الله وبركاته وروى النسائي عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام .
قال القشيري والتسليم قولك : سلام عليك .
وهذا فيه تنبيه على كمال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ورفعة درجته، وعلو منزلته عند اللّه وعند خلقه، ورفع ذكره.
و { إِنَّ اللَّهَ } تعالى { وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ } عليه، أي: يثني اللّه عليه بين الملائكة، وفي الملأ الأعلى، لمحبته تعالى له، وتثني عليه الملائكة المقربون، ويدعون له ويتضرعون.{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } اقتداء باللّه وملائكته، وجزاء له على بعض حقوقه عليكم، وتكميلاً لإيمانكم، وتعظيمًا له صلى اللّه عليه وسلم، ومحبة وإكرامًا، وزيادة في حسناتكم، وتكفيرًا من سيئاتكم وأفضل هيئات الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام، ما علم به أصحابه: "اللّهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" وهذا الأمر بالصلاة والسلام عليه مشروع في جميع الأوقات، وأوجبه كثير من العلماء في الصلاة.
قوله - عز وجل - : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) قال ابن عباس : أراد إن الله يرحم النبي ، والملائكة يدعون له .
وعن ابن عباس أيضا : " يصلون " يتبركون .
وقيل : الصلاة من الله : الرحمة ، ومن الملائكة : الاستغفار .
( ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه ) أي : ادعوا له بالرحمة ( وسلموا تسليما ) أي : حيوه بتحية الإسلام .
وقال أبو العالية : صلاة الله : ثناؤه عليه عند الملائكة ، وصلاة الملائكة : الدعاء .
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه ببغداد ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن زهير بن حرب ، أخبرنا موسى بن إسماعيل ، أخبرنا أبو سلمة ، أخبرنا عبد الواحد بن زياد ، أخبرنا أبو فروة ، حدثني عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول : لقيني كعب بن عجرة فقال : ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟
فقلت : بلى فاهدها لي ، فقال سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلنا : يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟
قال : " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد " .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا مصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمرو بن سليمان الزرقي أنه قال : أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " .
أخبرنا أبو عمرو ومحمد بن عبد الرحمن النسوي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أخبرنا محمد بن يعقوب ، أخبرنا العباس بن محمد الدوري ، أخبرنا خالد بن مخلد القطواني ، أخبرنا موسى بن يعقوب ، أخبرنا العباس بن كيسان ، أخبرني عبد الله بن شداد ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة " .
أخبرنا أبو عبد الله بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله ابن عمر الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني ، أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا " .
أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أخبرنا عبد الله بن المبارك ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن سليمان مولى الحسن بن علي ، عن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أبيه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جاء ذات يوم والبشرى في وجهه ، فقال : " إنه جاءني جبريل فقال : إن ربك يقول أما يرضيك يا محمد أن لا يصل عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، أخبرنا علي بن الجعد ، أخبرنا شعبة ، عن عاصم هو ابن عبيد الله قال : سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي فليقل العبد من ذلك أو ليكثر " .
حدثنا أبو القاسم يحيى بن علي الكشميهني ، أخبرنا جناح بن يزيد المحاربي بالكوفة ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ، أخبرنا ابن حازم ، أخبرنا عبد الله بن موسى وأبو نعيم ، عن سفيان ، عن عبيد الله بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام " .
«إن الله وملائكته يصلُّون على النبي» محمد صلى الله عليه وسلم «يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً» أي قولوا: اللهم صل على سيدنا محمد وسلم.
إن الله تعالى يثني على النبي صلى الله عليه وسلم عند الملائكة المقربين، وملائكته يثنون على النبي ويدعون له، يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، صلُّوا على رسول لله، وسلِّموا تسليمًا، تحية وتعظيمًا له.
وصفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثبتت في السنة على أنواع، منها: "اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
ثم أثنى الله - تعالى - على نبيه ثناء كبيرا وأمر المؤمنين بأن يعظموه ويوقروه فقال : ( إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي ياأيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) .قال القرطبى ما ملخصه : هذه الآية شرف الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فى حياته وموته ، وذكر منزلته منه ..
والصلاة من الله رحمته ورضوانه ، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار ، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره .
.والضمير فى ( يُصَلُّونَ ) لله - تعالى - ولملائكته .
وهذا قول من الله شرف به ملائكته .
.أو فى الكلام حذف .
والتقدير : إن الله يصلى وملائكته يصلون .وقال ابن كثير : والمقصود من هذه الآية الكريمة ، أن الله - تعالى - أخبر عباده بمنزلة بعده ونبيه عنده فى الملأ الأعلى : بأنه يثنى عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلى عليه ، ثم أمر الله أهل العالم السفلى بالصلاة والتسليم عليه .
ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوى والسفلى جميعا .والمعنى : إن الله - تعالى - يثنى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويرضى عنه ، وإن الملائكة تثنى عليه صلى الله عليه وسلم وتدعو له بالظفر بأعلى الدرجات وأسماها .( ياأيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ ) أى : عظموه ووقروه وادعوا له بأرفع الدرجات ( وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) أى : وقولوا : السلام عليك أيها النبى .
والسلام : مصدر بمعنى السلام .أى : السلام من النقائص والآفات ملازمة لك .والتعبير بالجملة الاسمية فى صدر الآية ، للإِشعار بوجوب المداومة والاستمرار على ذلك .
وخص المؤمنين بالتسليم ، لأن الآية وردت بعد النهى عن إيذاء النبى صلى الله عليه وسلم ، والإِيذاء له صلى الله عليه وسلم إنما يكون من البشر .وقد ساق المفسرون - وعلى رأسهم ابن كثير والقرطبى والآلوسى - أحاديث متعددة فى فضل الإِكثار من الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم ، وفى كيفية الصلاة عليه .
.ومنها ما رواه الإِمام أحمد وابن ماجة عن عامر بن ربيعة قال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " من صلى على صلاة لم تزل الملائكة تصلى عليه ما صلى على ، فليُقِلَّ عبد من ذلك أو ليكثر " .ومنها ما رواه الشيخان وغيرهما عن كعب بن عُجْزَة قال : لما نزلت هذه الاية قلنا : يا رسول الله ، قد علمنا السلام ، فكيف الصلاة عليك ، قال : قالوا : اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد .
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .والآية الكريمة تدل على وجوب الصلاة والسلام على النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الصادقون هم الذين يكثرون من ذلك .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة أم مندوب إليها؟
قلت : بل واجبة ، وقد اختلفوا فى حال وجوبها ، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال تجب فى كل مجلس مرة ، وإن تكرر ذكره .ومنهم من أوجبها فى العمرة مرة .
.
والذى يقتضيه الاحتياط : الصلاة عليه عند كل ذكر .
.
.
لما ورد من الأخبار فى ذلك .ومنها : " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل على " .
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ﴾ لما أمر الله المؤمنين بالاستئذان وعدم النظر إلى وجوه نسائه احتراماً كمل بيان حرمته، وذلك لأن حالته منحصرة في اثنتين حالة خلواته، وذكر ما يدل على احترامه في تلك الحالة بقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى ﴾ وحالة يكون في ملأ.
والملأ إما الملأ الأعلى، وإما الملأ الأدنى، أما في الملأ الأعلى فهو محترم، فإن الله وملائكته يصلون عليه.
وأما في الملأ الأدنى فذلك واجب الاحترام بقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الصلاة الدعاء يقال في اللغة صلى عليه، أي دعا له، وهذا المعنى غير معقول في حق الله تعالى فإنه لا يدعو له، لأن الدعاء للغير طلب نفعه من ثالث.
فقال الشافعي رضي الله عنه استعمل اللفظ بمعان، وقد تقدم في تفسير قوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَئِكَتُهُ ﴾ والذي نزيده هاهنا هو أن الله تعالى قال هناك: ﴿ هُوَ الذي يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَئِكَتُهُ ﴾ جعل الصلاة لله وعطف الملائكة على الله، وهاهنا جمع نفسه وملائكته وأسند الصلاة إليهم فقال: ﴿ يَصِلُونَ ﴾ وفيه تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، كما أن الملك إذا قال يدخل فلان وفلان أيضاً يفهم منه تقديم لا يفهم لو قال فلان وفلان يدخلان، إذا علمت هذا، فقال في حق النبي عليه السلام إنهم يصلون إشارة إلى أنه في الصلاة على النبي عليه السلام كالأصل وفي الصلاة على المؤمنين الله يرحمهم، ثم إن الملائكة يوافقونه فهم في الصلاة على النبي عليه السلام يصلون بالإضافة كأنها واجبة عليهم أو مندوبة سواء صلى الله عليه أو لم يصل وفي المؤمنين ليس كذلك.
المسألة الثانية: هذا دليل على مذهب الشافعي لأن الأمر للوجوب فتجب الصلاة على النبي عليه السلام ولا تجب في غير التشهد فتجب في التشهد.
المسألة الثالثة: سئل النبي عليه السلام كيف نصلي عليك يا رسول الله؟
فقال: قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
المسألة الرابعة: إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة إلى صلاتنا؟
نقول الصلاة عليه ليس لحاجته إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله عليه، وإنما هو لإظهار تعظيمه، كما أن الله تعالى أوجب علينا ذكر نفسه ولا حاجة له إليه، وإنما هو لإظهار تعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا عليه، ولهذا قال عليه السلام: من صلى علي مرة صلي الله عليه عشراً.
المسألة الخامسة: لم يترك الله النبي عليه السلام تحت منة أمته بالصلاة حتى عوضهم منه بأمره بالصلاة على الأمة حيث قال: ﴿ وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ أمر فيجب ولم يجب في غير الصلاة فيجب فيها وهو قولنا السلام عليك أيها النبي في التشهد وهو حجة على من قال بعدم وجوبه وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه ولم يؤكد الصلاة بهذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ وملائكته ﴾ بالرفع، عطفاً على محل إن واسمها، وهو ظاهر على مذهب الكوفيين، ووجهه عند البصريين، أن يحذف الخبر لدلالة يصلون عليه ﴿ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ ﴾ أي قولوا الصلاة على الرسول والسلام.
ومعناه: الدعاء بأن يترحم عليه الله ويسلم.
فإن قلت: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة أم مندوب إليها؟
قلت: بل واجبة، وقد اختلفوا في حال وجوبها.
فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره.
وفي الحديث: «مَنْ ذكرتُ عنده فلمّ يصلِّ عليَّ فدخلَ النار فأبعَده الله» ، ويروى: أنه قيل: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ﴾ فقال صلى الله عليه وسلم: «هذا من العلم المكنون ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكُم به، إنّ اللَّهَ وكّل بي ملكين فلا أذكرُ عبد مسلمٍ فيصلي عليّ إلاّ قال ذانكَ الملكان: غفرَ الله لكَ، وقال الله تعالى وملائكته جواباً لذينك الملكين: آمينَ، ولا أذكرُ عند عبدٍ مسلمٍ فلاَ يصلي عليّ إلاّ قال ذانك الملكان: لا غفرَ اللَّهُ لكَ، وقالَ اللَّهُ وملائكتهُ لذينك الملكين: آمين» ، ومنهم من قال: تجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.
ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.
والذي يقتضيه الاحتياط.
الصلاة عليه عند كل ذكر، لما ورد من الأخبار.
فإن قلت: فالصلاة عليه في الصلاة، أهي شرط في جوازها أم لا؟
قلت: أبو حنيفة وأصحابه لا يرونها شرطاً، وعن إبراهيم النخعي: كانوا يكتفون عن ذلك- يعني الصحابة- بالتشهد، وهو السلام عليك أيها النبي، وأما الشافعي رحمه الله فقد جعلها شرطاً.
فإن قلت: فما تقول في الصلاة على غيره؟
قلت: القياس جواز الصلاة على كل مؤمن، لقوله تعالى: ﴿ هُوَ الذى يُصَلّى عَلَيْكُمْ ﴾ [الأحزاب: 43] وقوله تعالى: ﴿ وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ [التوبة: 103] وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهم صلّ على آل أبي أوفى» ولكن للعلماء تفصيلاً في ذلك: وهو أنها إن كانت على سبيل التبع كقولك: صلى الله على النبيّ وآله، فلا كلام فيها.
وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو، فمكروه، لأن ذلك صار شعاراً لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم» .
<div class="verse-tafsir"
.
﴿ إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﴾ يَعْتَنُونَ بِإظْهارِ شَرَفِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ﴾ اعْتَنُوا أنْتُمْ أيْضًا فَإنَّكم أوْلى بِذَلِكَ وقُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ.
﴿ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ وقُولُوا السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ وقِيلَ وانْقادُوا لِأوامِرِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ، وقِيلَ تَجِبُ الصَّلاةُ كُلَّما جَرى ذِكْرُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رَغِمَ أنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» وقَوْلِهِ «مَن ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَدَخَلَ النّارَ فَأبْعَدَهُ اللَّهُ»، وتَجُوزُ الصَّلاةُ عَلى غَيْرِهِ تَبَعًا.
وتُكْرَهُ اسْتِقْلالًا لِأنَّهُ في العُرْفِ صارَ شَعارًا لِذِكْرِ الرَّسُولِ ولِذَلِكَ كَرِهَ أنْ يُقالَ مُحَمَّدٌ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ عَزِيزًا وجَلِيلًا.
<div class="verse-tafsir"
{إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صَلُّواْ عَلَيْهِ} أي
قولوا اللهم صل على محمد أو صلى الله على محمد {وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} أي قولوا اللهم سلم على محمد أو انقادوا لأمره وحكمه انقياداً وسئل عليه السلام عن هذه الآية فقال إن الله وكل بي ملكين فلا أذكر عند عبد مسلم فيصلي عليّ إلا قال ذانك الملكان غفر الله لك وقال الله وملائكته جواباً لذينك الملكين آمين ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلي عليّ إلا قال ذانك الملكان لا غفر الله لك وقال الله وملائكته جواباً اذينك الملكين آمين ثم هي واجبة مرة عند الطحاوي وكلما ذكر اسمه عند الكرخي وهو الاحتياط وعليه الجمهور وإن صلى على غيره على سبيل التبع كقوله صلى الله على النبي وآله فلا كلام فيه وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة فمكروه وهو من شعائر الروافض
﴿ إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِما أفادَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ التَّشْرِيفِ العَظِيمِ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ لَهُ نَظِيرٌ، والتَّعْبِيرُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وذُكِرَ أنَّ الجُمْلَةَ تُفِيدُ الدَّوامَ نَظَرًا إلى صَدْرِها مِن حَيْثُ إنَّها جُمْلَةٌ اِسْمِيَّةٌ وتُفِيدُ التَّجَدُّدَ نَظَرًا إلى عَجْزِها مِن حَيْثُ إنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَيَكُونُ مُفادُها اِسْتِمْرارَ الصَّلاةِ وتَجَدُّدَها وقْتًا فَوَقْتًا، وتَأْكِيدُها بِأنَّ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ، وقِيلَ لِوُقُوعِها في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ هو ما سَبَبُ هَذا التَّشْرِيفِ العَظِيمِ؟
وعُبِّرَ بِالنَّبِيِّ دُونَ اِسْمِهِ عَلى خِلافِ الغالِبِ في حِكايَتِهِ تَعالى عَنْ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إشْعارًا بِما اُخْتُصَّ بِهِ مِن مَزِيدِ الفَخامَةِ والكَرامَةِ وعُلُوِّ القَدْرِ، وأكَّدَ ذَلِكَ الإشْعارُ بِألِ الَّتِي لِلْغَلَبَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ المَعْرُوفُ الحَقِيقُ بِهَذا الوَصْفِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ ذاكَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ولَمْ يُعَبَّرْ بِالرَّسُولِ بَدَلَهُ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ الرِّسالَةَ أفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ عَلى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ خِلافًا لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ فَتَعْلِيقُ الحَكَمِ بِها لا يُفِيدُ قُوَّةَ اِسْتِحْقاقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلصَّلاةِ بِخِلافِ تَعْلِيقِهِ بِما هو دُونَها مَعَ وُجُودِها فِيهِ وهو مَعْنًى دَقِيقٌ لا يُتَسارَعُ إلى الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ، وإضافَةُ المَلائِكَةِ لِلِاسْتِغْراقِ.
وقِيلَ: ( مَلائِكَتَهُ ) ولَمْ يَقُلِ (اَلْمَلائِكَةَ) إشارَةً إلى عَظِيمِ قَدْرِهِمْ ومَزِيدِ شَرَفِهِمْ بِإضافَتِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعْظِيمِهِ بِما يَصِلُ إلَيْهِ مِنهم مِن حَيْثُ إنَّ العَظِيمَ لا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا عَظِيمٌ، ثُمَّ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى كَثْرَتِهِمْ وأنَّ الصَّلاةَ مِن هَذا الجَمْعِ الكَثِيرِ الَّذِي لا يُحِيطُ بِمُنْتَهاهُ غَيْرُ خالِقِهِ واصِلَةٌ إلَيْهِ عَلى مَمَرِّ الأيّامَ والدُّهُورِ مَعَ تَجَدُّدِها كُلَّ وقْتٍ وحِينٍ، وهَذا أبْلُغُ تَعْظِيمٍ وأنْهاهُ وأشْمَلُهُ وأكْمَلُهُ وأزْكاهُ.
واخْتَلَفُوا في مَعْنى الصَّلاةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى نَبِيِّهِ عَلى أقْوالٍ فَقِيلَ: هي مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ثَناؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَلائِكَتِهِ وتَعْظِيمُهُ، ورَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي العالِيَةِ وغَيْرُهُ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وجَرى عَلَيْهِ الحَلِيمِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، وتَعْظِيمُهُ تَعالى إيّاهُ في الدُّنْيا بِإعْلاءِ ذِكْرِهِ وإظْهارِ دِينِهِ وإبْقاءِ العَمَلِ بِشَرِيعَتِهِ، وفي الآخِرَةِ بِتَشْفِيعِهِ في أُمَّتِهِ وإجْزالِ أجْرِهِ ومَثُوبَتِهِ وإبْداءِ فَضْلِهِ لِلْأوَّلِينَ والآخَرِينَ بِالمَقامِ المَحْمُودِ وتَقْدِيمِهِ عَلى كافَّةِ المُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ، وتَفْسِيرُها بِذَلِكَ لا يُنافِي عَطْفَ غَيْرِهِ كالآلِ والأصْحابِ عَلَيْهِ لِأنَّ تَعْظِيمَ كُلِّ أحَدٍ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ، وهي مِنَ المَلائِكَةِ الدُّعاءُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ، وقِيلَ: هي مِنهُ تَعالى رَحْمَتُهُ عَزَّ وجَلَّ، ونَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الثَّوْرِيِّ وغَيْرِ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ ونُقِلَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أيْضًا وعَنِ الضَّحّاكِ وجَرى عَلَيْهِ المُبَرِّدُ وابْنُ الأعْرابِيِّ والإمامُ الماوَرْدِيُّ وقالَ: إنَّ ذَلِكَ أظْهَرُ الوُجُوهِ.
واعْتُرِضَ بِما مَرَّ عِنْدَ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ ﴾ والجَوابُ هو الجَوابُ، وبِأنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم سَألُوا كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَمّا نَزَلَتْ عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا فَهِمُوا المُغايِرَةَ بَيْنَها وبَيْنَ الرَّحْمَةِ ما سَألُوا عَنْ كَيْفِيَّتِها مَعَ كَوْنِهِمْ عَلِمُوا الدُّعاءَ بِالرَّحْمَةِ في التَّشَهُّدِ.
وأُجِيبَ بِأنَّها رَحْمَةٌ خاصَّةٌ فَسَألُوا عَنِ الكَيْفِيَّةِ لِيُحِيطُوا عِلْمًا بِذَلِكَ الخُصُوصِ، وهي مِنَ المَلائِكَةِ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا وذَلِكَ اِسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ ولا يُجَوِّزُهُ كَثِيرٌ كالحَنَفِيَّةِ، والقائِلُونَ بِأحَدِ القَوْلَيْنِ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ الِاسْتِعْمالَ المَذْكُورَ اِخْتَلَفُوا في التَّقَصِّي عَنْ ذَلِكَ في الآيَةِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: في الآيَةِ حَذْفٌ والأصْلُ إنَّ اللَّهَ يُصَلِّي ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ فَيَكُونُ قَدْ أُدِّيَ كُلُّ مَعْنًى بِلَفْظٍ، وقالَ آخَرُ: تَعَدُّدُ الفاعِلِ صَيَّرَ الفِعْلَ كالمُتَعَدِّدِ، وقالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى واحِدًا حَقِيقِيًّا وهو الدُّعاءُ والمَعْنى واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّهُ تَعالى يَدْعُو ذاتَهُ والمَلائِكَةَ بِإيصالِ الخَيْرِ وذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ وفي حَقِّ المَلائِكَةِ بِالِاسْتِغْفارِ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى، وقالَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ: يُتَقَصّى عَنْ ذَلِكَ بِعُمُومِ المَجازِ فَيُرادُ مَعْنًى مَجازِيٌّ عامٌّ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ المَعانِي فَرْدًا حَقِيقِيًّا لَهُ وهو الِاعْتِناءُ بِما فِيهِ خَيْرُهُ وصَلاحُ أمْرِهِ وإظْهارُ شَرَفِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ أوِ التَّرَحُّمُ والِانْعِطافُ المَعْنَوِيُّ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ مَعْنى الصَّلاةِ يَخْتَلِفُ بِاعْتِبارِ حالِ المُصَلِّي والمُصَلّى لَهُ والمُصَلّى عَلَيْهِ، والأوْلى أنَّها مَوْضُوعَةٌ هُنا لِلْقَدْرِ المُشْتَرِكِ وهو الِاعْتِناءُ بِالمُصَلّى عَلَيْهِ أوْ إرادَةُ وُصُولِ الخَيْرِ، وقالَ آخَرُ: الصَّوابُ أنَّ الصَّلاةَ لُغَةً بِمَعْنًى واحِدٍ وهو العَطْفُ ثُمَّ هو بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى الرَّحْمَةُ وإلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الِاسْتِغْفارُ وإلى الآدَمِيِّينَ الدُّعاءُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ العَطْفَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ تَعالى فَيَلْزَمُ مِنَ اِعْتِبارِهِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى وإلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما يَلْزَمُ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الِاسْتِحالَةَ إلّا إذا كانَ العَطْفُ في الغائِبِ كالعَطْفِ في الشّاهِدِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِقَلْبٍ ونَحْوِهِ مِن صِفاتٍ الأجْسامِ المُسْتَحِيلَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ونَحْنُ مِن وراءِ المَنعِ فَكَثِيرٌ مِمّا في الشّاهِدِ شَيْءٌ وهو في اللَّهِ تَعالى وراءَ ذَلِكَ ويُسْنَدُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى الحَقِيقَةِ كالسَّمْعِ والبَصَرِ وكَذا الإرادَةُ.
وقَدْ ذَهَبَ السَّلَفُ إلى عَدَمِ تَأْوِيلِ الرَّحْمَةِ فِيهِ تَعالى بِأحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ المَشْهُورَيْنِ مَعَ أنَّها في الشّاهِدِ لا تَتَحَقَّقُ إلّا بِما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى ولَوْ أُوجِبَ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ لَمْ يَبْقَ بِأيْدِينا غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ إلّا قَلِيلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَطْلَبِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا الكِتابِ، وقَدْ يُخْتارُ أنَّ الصَّلاةَ هُنا تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ يُقارِنُهُ عَطْفٌ لائِقٌ بِهِ تَعالى وبِمَلائِكَتِهِ، وإذا اِنْسَحَبَتْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلى أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَعَلَّقَتْ بِكُلٍّ حَسْبَما يَلِيقُ بِهِ، وجَمْعُ اللَّهِ سُبْحانَهُ والمَلائِكَةِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ لا يُنافِي «قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَن قالَ: مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى «بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ قُلْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ»» لِأنَّ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى مَحْضُ تَشْرِيفٍ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُتَوَهَّمُ مِنهُ نَقْصٌ ولِذا قِيلَ إذا صَدَرَ مِثْلُهُ عَنْ مَعْصُومٍ قِيلَ كَما في قَوْلِهِ : ««لا يُؤْمَنُ أحَدُكم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما»».
وقالَ بَعْضُهُمْ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، وذَمَّ الخَطِيبَ لِأنَّهُ وقَفَ عَلى (يَعْصِهِما) وسَكَتَ سَكْتَةً واسْتُدِلَّ بِخَبَرٍ لِأبِي داوُدَ، وقِيلَ يَقْبُحُ إذا كانَ في جُمْلَتَيْنِ كَما في كَلامِ الخَطِيبِ ولا يَقْبُحُ إذا كانَ في واحِدَةٍ كَما في الآيَةِ وكَلامِ الحَبِيبِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفِيهِ بَحْثٌ.
وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ومَلائِكَتُهُ» بِالرَّفْعِ فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ غَيْرِ الفَرّاءِ هو عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والفَرّاءُ يَشْتَرِطُ في العَطْفِ عَلى ذَلِكَ خَفاءَ إعْرابِ اِسْمِ إنَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ ﴾ وكَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ومَن يَكُ أمْسى في المَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ وهَلْ خَفاءُ الإعْرابِ شامِلٌ لِلِاسْمِ المَقْصُورِ والمُضافِ لِلْياءِ أوْ خاصٌّ بِالمَبْنِيِّ فِيهِ خِلافٌ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ والفَرّاءِ هو مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿ يُصَلُّونَ ﴾ خَبَرُهُ وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما بَعْدُ عَلَيْهِ أيْ إنَّ اللَّهَ يُصَلِّي ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَظِّمُوا شَأْنَهُ عاطِفِينَ عَلَيْهِ فَإنَّكم أوْلى بِذَلِكَ، وظاهِرُ سَوْقِ الآيَةِ أنَّهُ لِإيجابِ اِقْتِدائِنا بِهِ تَعالى فَيُناسِبُ اِتِّحادَ المَعْنى مَعَ اِتِّحادِ اللَّفْظِ، وقِراءَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ (صَلُّوا عَلَيْهِ كَما صَلّى عَلَيْهِ) وكَذا قِراءَةُ الحَسَنِ فَصَلُّوا عَلَيْهِ أظْهَرُ فِيما ذُكِرَ فَيَبْعُدُ تَفْسِيرُ صَلُّوا عَلَيْهِ بِ قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى النَّبِيِّ أوْ نَحْوِهِ.
ومَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ أرادَ أنَّ المُرادَ بِالتَّعْظِيمِ المَأْمُورِ بِهِ ما يَكُونُ بِهَذا اللَّفْظِ ونَحْوِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى طَلَبِ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِقُصُورِ وسِعَ المُؤْمِنِينَ عَنْ أداءِ حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما جاءَ في الأخْبارِ إرْشادٌ إلى كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ وصِفَتِهِ لا أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلَفْظِ صَلُّوا، وجاءَ ذَلِكَ عَلى عِدَّةِ أوْجُهٍ والجَمْعُ ظاهِرٌ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أمّا السَّلامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَلِمْناهُ فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ قالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وأخْرَجَ الإمامُ مالِكٌ والإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ أنَّهم قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كَما صَلَّيْتَ عَلى آلِ إبْراهِيمَ وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كَما بارَكْتَ عَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»».
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا السَّلامُ عَلَيْكَ قَدْ عَلِمْنا فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ؟
قالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلى إبْراهِيمَ»» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّهم سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، قالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ وبارَكْتَ عَلى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ في العالَمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ والسَّلامُ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ»».
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ اِبْنِ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟
قالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ اِجْعَلْ صَلَواتِكَ ورَحْمَتَكَ وبَرَكاتِكَ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما جَعَلْتَها عَلى إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا مُلِئَتْ مِنهُ كُتُبُ الحَدِيثِ إلّا أنَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ المَذْكُورَةِ فِيها مَقالًا، والظّاهِرُ مِنَ السُّؤالِ أنَّهُ سُؤالٌ عَنِ الصِّفَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ وهو الَّذِي رَجَّحَهُ الباجِيُّ وغَيْرُهُ وجَزَمَ بِهِ القُرْطُبِيُّ وقِيلَ: إنَّهُ سُؤالٌ عَنْ مَعْنى الصَّلاةِ وبِأيِّ لَفْظٍ تُؤَدّى والحامِلُ لَهم عَلى السُّؤالِ عَلى هَذا أنَّ السَّلامَ لَمّا ورَدَ في التَّشَهُّدِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ فَهِمُوا أنَّ الصَّلاةَ أيْضًا تَقَعُ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ ولَمْ يَفِرُّوا إلى القِياسِ لِتَيَسُّرِ الوُقُوفِ عَلى النَّصِّ سِيَّما والأذْكارُ يُراعى فِيها اللَّفْظُ ما أمْكَنَ فَوَقَعَ الأمْرُ كَما فَهِمُوهُ فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالسَّلامِ بَلْ عَلَّمَهم صِفَةً أُخْرى كَذا قِيلَ، ويُقالُ عَلى الأوَّلِ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا الأمْرَ بِالصَّلاةِ بَعْدَ سَماعِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ومَلائِكَتَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وفَهِمُوا أنَّ الصَّلاةَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ومِن مَلائِكَتِهِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَوْعٌ مِن تَعْظِيمٍ لائِقٍ بِشَأْنِ ذَلِكَ النَّبِيِّ الكَرِيمِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ لَمْ يَدْرُوا ما اللّائِقُ مِنهم مَن كَيْفِيّاتِ تَعْظِيمِ ذَلِكَ الجَنابِ وسَيِّدِ ذَوِي الألْبابِ صَلاةً وسَلامًا يَسْتَغْرِقانِ الحِسابَ فَسَألُوا عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ التَّعْظِيمِ فَأرْشَدَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما عُلِمَ أنَّهُ أوْلى أنْواعِهِ وهو بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فَقالَ : ««قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ»».
إلى آخِرِ ما في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّكم عاجِزُونَ عَنِ التَّعْظِيمِ اللّائِقِ بِي فاطْلُبُوهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِي.
ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ الآتِيَ بِما أمَرَ بِهِ مِن طَلَبِ الصَّلاةِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ آتٍ بِأعْظَمِ أنْواعِ التَّعْظِيمِ لِتَضَمُّنِهِ الإقْرارَ بِالعَجْزِ عَنِ التَّعْظِيمِ اللّائِقِ، وقَدْ قِيلَ ونُسِبَ إلى الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ.
ويَقْرُبُ في الجُمْلَةِ مِمّا ذَكَرْنا قَوْلُ بَعْضِ الأجِلَّةِ ونَقَلَهُ أبُو اليَمَنِ بْنُ عَساكِرَ وحَسَّنَهُ: لَمّا أمَرَنا اللَّهُ تَعالى بِالصَّلاةِ عَلى نَبِيِّهِ لَمْ نَبْلُغْ مَعْرِفَةَ فَضْلِها ولَمْ نُدْرِكْ حَقِيقَةَ مُرادِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ فَأحَلْنا ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقُلْنا اللَّهُمَّ صَلِّ أنْتَ عَلى رَسُولِكَ لِأنَّكَ أعْلَمُ بِما يَلِيقُ بِهِ وبِما أرَدْتَهُ لَهُ اِنْتَهى، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ ألْطَفُ مِنهُ، ومُقْتَضى ظاهِرُ إرْشادِهِ إيّاهم إلى طَلَبِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ أنَّهُ لا يَحْصُلُ اِمْتِثالُ الأمْرِ إلّا بِما فِيهِ طَلَبُ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ويَكْفِي اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ لِأنَّهُ الَّذِي اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرِّواياتُ في بَيانِ الكَيْفِيَّةِ، وكَأنَّ خُصُوصِيَّةَ الإنْشاءِ لَفْظًا ومَعْنًى غَيْرُ لازِمَةٍ، ولِذا قالَ بَعْضُ مَن أوْجَبَها في الصَّلاةِ وسَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: إنَّهُ كَما يَكْفِي اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ، ولا يَتَعَيَّنُ اللَّفْظُ الوارِدُ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ يَكْفِي صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَلى الأصَحِّ بِخِلافِ الصَّلاةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَإنَّهُ لا يَجْزِي اِتِّفاقًا لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إسْنادُ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَيْسَ في مَعْنى الوارِدِ.
وفِي تُحْفَةِ اِبْنِ حَجَرٍ يَكْفِي الصَّلاةُ عَلى مُحَمَّدٍ إنْ نَوى بِها الدُّعاءَ فِيما يَظْهَرُ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: لا يَكْفِي صَلَّيْتُ عَلى مُحَمَّدٍ لِأنَّ مَرْتَبَةَ العَبْدِ تُقَصِّرُ عَنْ ذَلِكَ بَلْ يَسْألُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وحِينَئِذٍ فالمُصَلِّي عَلَيْهِ حَقِيقَةً هو اللَّهُ تَعالى، وتَسْمِيَةُ العَبْدِ مُصَلِّيًا عَلَيْهِ مَجازٌ عَنْ سُؤالِهِ الصَّلاةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ، فَتَأمَّلْهُ.
وذَكَرُوا أنَّ الإتْيانَ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ أفْضَلُ مِنَ الإتْيانِ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، وأُجِيبَ عَنْ إطْباقِ المُحَدِّثِينَ عَلى الإتْيانِ بِها بِأنَّهُ مِمّا أُمِرْنا بِهِ مِن تَحْدِيثِ النّاسِ بِما يَعْرِفُونَ إذْ كُتُبُ الحَدِيثِ يَجْتَمِعُ عِنْدَ قِراءَتِها أكْثَرُ العَوامِّ فَخِيفَ أنْ يَفْهَمُوا مِن صِيغَةِ الطَّلَبِ أنَّ الصَّلاةَ عَلَيْهِ لَمْ تُوجَدْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدُ، وإلّا لَما طَلَبْنا حُصُولَها لَهُ عَلَيْهِ صَلاةُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ فَأتى بِصِيغَةٍ يَتَبادَرُ إلى أفْهامِهِمْ مِنها الحُصُولُ وهي مَعَ إبْعادِها إيّاهم مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلطَّلَبِ الَّذِي أُمِرْنا بِهِ اِنْتَهى.
ولا يَخْفى ضَعْفُهُ فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّ تَصْلِيَتِهِمْ في الأغْلَبِ في أثْناءِ الكَلامِ الخَبَرِيِّ نَحْوَ قالَ النَّبِيُّ كَذا وفَعَلَ كَذا فَأحَبُّوا أنْ لا يَكْثُرَ الفَصْلُ وأنْ لا يَكُونَ الكَلامُ عَلى أُسْلُوبَيْنِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الجادَّةِ المَعْرُوفَةِ إذْ قَلَّما تَجِدُ في الفَصِيحِ تَوَسُّطَ جُمْلَةٍ دِعائِيَّةٍ إلّا وهي خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا مَعَ اِحْتِمالِ تَشَوُّشِ ذِهْنِ السّامِعِ وبُطْءِ فَهْمِهِ وحُسْنُ الإفْهامِ مِمّا تَحْصُلُ مُراعاتُهُ، فَتَدَبَّرْ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الِامْتِثالُ بِـ اللَّهُمَّ عَظِّمْ مُحَمَّدًا التَّعْظِيمَ اللّائِقَ ونَحْوِهِ مِمّا لَيْسَ فِيهِ مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّلاةِ كَ صَلِّ وصَلّى فَإنّا لَمْ نَسْمَعْ أحَدًا عَدَّ قائِلَ ذَلِكَ مُصَلِّيًا عَلَيْهِ وذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ إذا كانَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ أيْ وقُولُوا والسَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ونَحْوُهُ وهَذا ما عَلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ الأجِلَّةِ.
وفِي مَعْنى السَّلامُ عَلَيْكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: السَّلامَةُ مِنَ النَّقائِصِ والآفاتِ لَكَ ومَعَكَ، أيْ مُصاحَبَةً ومُلازِمَةً فَيَكُونُ السَّلامُ مَصْدَرًا بِمَعْنى السَّلامَةِ كاللَّذاذِ واللَّذاذَةِ والمَلامِ والمَلامَةِ ولِما في السَّلامِ مِنَ الثَّناءِ عُدِيَّ بِعَلى لا لِاعْتِبارِ مَعْنى القَضاءِ، أيْ قَضى اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ السَّلامَ كَما قِيلَ لِأنَّ القَضاءَ كالدُّعاءِ لا يَتَعَدّى بِعَلى لِلنَّفْعِ ولا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الوِلايَةِ والِاسْتِيلاءِ لِبُعْدِهِ في هَذا الوَجْهِ.
ثانِيُها: السَّلامُ مُداوِمٌ عَلى حِفْظِكَ ورِعايَتِكَ ومُتَوَلٍّ لَهُ وكَفِيلٌ بِهِ ويَكُونُ السَّلامُ هُنا اِسْمَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْناهُ عَلى ما اِخْتارَهُ اِبْنُ فُورَكَ وغَيْرُهُ مِن عِدَّةِ أقْوالٍ ذُو السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ ونَقِيصَةٍ ذاتًا وصِفَةً وفِعْلًا، وقِيلَ: إذا أُرِيدَ بِالسَّلامِ ما هو مِن أسْمائِهِ تَعالى فالمُرادُ لا خَلَوْتَ مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ وسَلِمْتَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ لِأنَّ اِسْمَ اللَّهِ تَعالى إذا ذُكِرَ عَلى شَيْءٍ أفادَهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ حَفِظَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ والمُرادُ الدُّعاءُ بِالحِفْظِ.
وثالِثُها: الِانْقِيادُ عَلَيْكَ عَلى أنَّ السَّلامَ مِنَ المُسالَمَةِ وعَدَمِ المُخالَفَةِ، والمُرادُ الدُّعاءُ بِأنْ يُصَيِّرَ اللَّهُ تَعالى العِبادَ مُنْقادِينَ مُذْعِنِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِشَرِيعَتِهِ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى قِيلَ: لِما فِيهِ مِنَ الإقْبالِ فَإنَّ مَنِ اِنْقادَ لِشَخْصٍ وأذْعَنَ لَهُ فَقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِ، والأرْجَحُ عِنْدِي هو الوَجْهُ الأوَّلُ.
وقِيلَ: مَعْنى ( سَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) اِنْقادُوا لِأوامِرِهِ اِنْقِيادًا وهو غَيْرُ بَعِيدٍ إلّا أنَّ ظَواهِرَ الأخْبارِ والآثارِ تَقْتَضِي المَعْنى السّابِقَ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ، والجُمْلَةُ صِيغَةُ خَبَرٍ مَعْناها الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ وطَلَبُها مِنهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ فِيما إذا قالَ اللَّهُ تَعالى السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ أوْ نَحْوَهُ بِأنَّ الدُّعاءَ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ طَلَبٌ وهو يَتَضَمَّنُ طالِبًا ومَطْلُوبًا ومَطْلُوبًا مِنهُ وهي أُمُورٌ مُتَغايِرَةٌ فَإنْ كانَ طَلَبُهُ سُبْحانَهُ السَّلامَةَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن غَيْرِهِ تَعالى فَمُحالِيَّتُهُ مَن أجْلى البَدِيهِيّاتِ، وإنْ كانَ مِن ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ لَزِمَ أنْ يُغايِرَ ذاتَهُ والشَّيْءُ لا يُغايِرُ ذاتَهُ ضَرُورَةً، وهَذا مَنشَأُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ في السَّلامِ مِنهُ تَعالى إشْكالًا لَهُ شَأْنٌ فَيَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ وعَدَمُ إهْمالِ أمْرِهِ فَقُلْ مَن يُدْرِكُ سِرَّهُ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الطَّلَبَ مِن بابِ الإراداتِ والمُرِيدُ كَما يُرِيدُ مِن غَيْرِهِ أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فَكَذَلِكَ يُرِيدُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَفْعَلَهُ هو والطَّلَبَ النَّفْسِيَّ وإنْ لَمْ يَكُنِ الإرادَةَ فَهو أخَصُّ مِنها وهي كالجِنْسِ لَهُ فَكَما يُعْقَلُ أنَّ المُرِيدَ يُرِيدُ مِن نَفْسِهِ فَكَذَلِكَ يَطْلُبُ مِنها إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَبِ والإرادَةِ، والحاصِلُ أنَّ طَلَبَ الحَقِّ جَلَّ وعَلا مِن ذاتِهِ أمْرٌ مَعْقُولٌ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِن نَفْسِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَأْمُرُها ويَنْهاها قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ ﴿ وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى ﴾ والأمْرُ والنَّهْيُ قِسْمانِ مِنَ الطَّلَبِ وقَدْ تُصُوِّرا مِنَ الإنْسانِ لِنَفْسِهِ بِالنَّصِّ فَكَذا بَقِيَّةُ أقْسامِ الطَّلَبِ وأنْواعِهِ، وأوْضَحُ مِن هَذا أنَّ الطَّلَبَ مِنهُ تَعالى بِمَعْنى الإرادَةِ وتُعْقَلُ إرادَةُ الشَّخْصِ مِن ذاتِهِ شَيْئًا بِناءً عَلى التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ ومِثْلُهُ يَكْفِي في هَذا المَقامِ، ومَعْنى اللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلى النَّبِيِّ اللَّهُمَّ قُلِ السَّلامَ عَلى النَّبِيِّ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: مَعْناهُ اللَّهُمَّ أوْجِدْ أوْ حَقِّقِ السَّلامَةَ لَهُ، وقِيلَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْهُ مِنَ النَّقائِصِ والآفاتِ.
وقالَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ: إنَّ السَّلامَ عَلَيْكَ ونَحْوَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِإنْشاءِ السَّلامَةِ وإيجادِها بِهَذا اللَّفْظِ نَظِيرَ ما قالُوهُ في صِيَغِ العُقُودِ، واخْتارَ أنَّ مَعْنى اللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلى النَّبِيِّ اللَّهُمَّ أوْجِدِ السَّلامَةَ أوْ حَقِّقْها لَهُ دُونَ قُلِ السَّلامَ عَلى النَّبِيِّ تَقْلِيلًا لِلْمَسافَةِ فَتَدَبَّرْ.
وقَدْ يَكُونُ السَّلامُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ جَعَلَهم بِحَيْثُ يُدْعى لَهم ويُثَنّى عَلَيْهِمْ.
ونَصْبُ ﴿ تَسْلِيمًا ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وأكَّدَ سُبْحانَهُ التَّسْلِيمَ ولَمْ يُؤَكِّدِ الصَّلاةَ قِيلَ لِأنَّها مُؤَكَّدَةٌ بِإعْلامِهِ تَعالى أنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ ولا كَذَلِكَ التَّسْلِيمُ فَحَسُنَ تَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ ما يَقُومُ مَقامَهُ.
وإلى هَذا يَؤُولُ قَوْلُ اِبْنِ القِيَمِ التَّأْكِيدُ فِيهِما وإنِ اِخْتَلَفَ جِهَتُهُ فَإنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في الأوَّلِ بِصَلاتِهِ وصَلاةِ مَلائِكَتِهِ عَلَيْهِ مُؤَكِّدًا لَهُ بِأنَّ وبِالجَمْعِ المُفِيدِ لِلْعُمُومِ في المَلائِكَةِ وفي هَذا مِن تَعْظِيمِهِ ما يُوجِبُ المُبادَرَةَ إلى الصَّلاةِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الأمْرِ مُوافَقَةً لِلَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ في ذَلِكَ، وبِهَذا اِسْتَغْنى عَنْ تَأْكِيدِ «يُصَلِّي» بِمَصْدَرٍ، ولَمّا خَلا السَّلامُ عَنْ هَذا المَعْنى وجاءَ في حَيِّزِ الأمْرِ المُجَرَّدِ حَسُنَ تَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ تَحْقِيقًا لِلْمَعْنى وإقامَةً لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ مَقامَ تَقْرِيرِهِ وحِينَئِذٍ حَصَلَ لَكَ التَّكْرِيرُ في الصَّلاةِ خَبَرًا وطَلَبًا كَذَلِكَ حَصَلَ لَكَ التَّكْرِيرُ في السَّلامِ فِعْلًا ومَصْدَرًا، وأيْضًا هي مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ لَفْظًا والتَّقْدِيمُ يُفِيدُ الِاهْتِمامَ فَحَسُنَ تَأْكِيدُ السَّلامِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ قِلَّةُ الِاهْتِمامِ بِهِ لِتَأخُّرِهِ، وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ الِاحْتِباكَ والأصْلُ صَلُّوا عَلَيْهِ تَصْلِيَةً وسَلِّمُوا عَلَيْهِ تَسْلِيمًا فَحُذِفَ عَلَيْهِ مِن إحْدى الجُمْلَتَيْنِ والمَصْدَرُ مِنَ الأُخْرى وأُضِيفَتِ الصَّلاةُ إلى اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ دُونَ السَّلامِ وأُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِهِما قِيلَ لِأنَّ لِلسَّلامِ مَعْنِيِّينَ التَّحِيَّةَ والِانْقِيادَ فَأُمِرْنا بِهِما لِصِحَّتِهِما هُنا، ولَمْ يُضَفْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ والمَلائِكَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ في اللَّهِ تَعالى والمَلائِكَةِ بِمَعْنى الِانْقِيادِ المُسْتَحِيلِ في حَقِّهِ تَعالى وكَذا في حَقِّ المَلائِكَةِ.
وقِيلَ الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ والمَلائِكَةِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلسَّلامِ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ غَيْرُهُ فَكانَ في إضافَةِ الصَّلاةِ إلَيْهِ تَعالى وإلى المَلائِكَةِ اِسْتِلْزامٌ لِوُجُودِ السَّلامِ بِهَذا المَعْنى، وأمّا الصَّلاةُ مِنّا فَهي وأنِ اِسْتَلْزَمَتِ التَّحِيَّةَ أيْضًا إلّا أنّا مُخاطَبُونَ بِالِانْقِيادِ وهي لا تَسْتَلْزِمُهُ فاحْتِيجَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ فِينا لِأنَّ الصَّلاةَ لا تُغْنِي عَنْ مَعْنَيَيْهِ المُتَصَوَّرَيْنِ في حَقِّنا المَطْلُوبَيْنِ مِنّا، ثُمَّ قِيلَ: وهَذا أوْلى مِمّا قَبْلَهُ لِأنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ ﴾ ، ﴿ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ولا يَرُدُّ هَذانِ عَلى هَذا اه، وفِيهِ بَحْثٌ.
وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: قَدْ لاحَ لِي في تَرْكِ تَأْكِيدِ السَّلامِ وتَخْصِيصِهِ بِالمُؤْمِنِينَ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ وهي أنَّ السَّلامَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَسْلِيمُهُ عَمّا يُؤْذِيهِ فَلَمّا جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِيبَ ذِكْرِ ما يُؤْذِي النَّبِيَّ ، والأذِيَّةُ إنَّما هي مِنَ البَشَرِ وقَدْ صَدَرَتْ مِنهم فَناسَبَ التَّخْصِيصَ بِهِمْ والتَّأْكِيدَ، ورُبَّما يُقالُ عَلى بُعْدٍ في ذَلِكَ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَلامُ اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتُهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْلُومًا لِلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فَلَمْ يُذْكَرْ ويُسَلِّمُونَ فِيها لِذَلِكَ وأنَّ كَوْنَهم مَأْمُورِينَ بِأنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ كانَ أيْضًا مَعْلُومًا لَهم كَكَيْفِيَّةِ السَّلامِ، ويُؤْذِنُ بِهَذِهِ المَعْلُومِيَّةِ ما ورَدَ في عِدَّةِ أخْبارٍ أنَّهم قالُوا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ وعَنَوْا بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ ما في التَّشَهُّدِ مِنَ السَّلامِ فَلَمّا أُخْبِرُوا بِصَلاةِ اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ عَلَيْهِ في الآيَةِ مُجَرَّدَةً عَنْ ذِكْرِ السَّلامِ وأُرْدِفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ كانَ مَظِنَّةَ عَدَمِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ السَّلامِ أوْ أنَّهُ نُسَخِ طَلَبُهُ مِنهم فَأُمِرُوا بِهِ مُؤَكَّدًا دَفْعًا لِتَوَّهم ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والأمْرُ في الآيَةِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ لِلْوُجُوبِ بَلْ ذَكَرَ بَعْضُهم إجْماعَ الأئِمَّةِ والعُلَماءِ عَلَيْهِ.
ودَعْوى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أنَّهُ لِلنَّدْبِ بِالإجْماعِ مَرْدُودَةٌ أوْ مُؤَوَّلَةٌ بِالحَمْلِ عَلى ما زادَ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ في العُمْرِ فَقَدْ قالَ القُرْطُبِيُّ المُفَسِّرُ: لا خِلافَ في وُجُوبِ الصَّلاةِ في العُمْرِ مَرَّةً، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في أمْرِها بَعْدَ إلْغاءِ القَوْلِ بِنَدْبِها أنَّ العُلَماءَ اِخْتَلَفُوا فِيها فَقِيلَ: واجِبَةٌ مَرَّةً في العُمْرِ كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ الأمْرَ مُطْلَقٌ لا يَقْتَضِي تَكْرارًا والماهِيَّةُ تَحْصُلُ بِمَرَّةٍ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: واجِبَةٌ في التَّشَهُّدِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: واجِبَةٌ في مُطْلَقِ الصَّلاةِ، وتَفَرَّدَ بَعْضُ الحَنابِلَةِ بِتَعَيُّنِ دُعاءِ الِافْتِتاحِ بِها، وقِيلَ: يَجِبُ الإكْثارُ مِنها مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ بِعَدَدٍ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ القاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ بِكِيرٍ، وقِيلَ: تَجِبُ في كُلِّ مَجْلِسٍ مَرَّةً وإنْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ مِرارًا، وقِيلَ: تَجِبُ في كُلِّ دُعاءٍ.
وقِيلَ: تَجِبُ كُلَّما ذُكِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِهِ قالَ جَمْعٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ مِنهُمُ الطَّحاوِيُّ، وعِبارَتُهُ تَجِبُ كُلَّما سُمِعَ ذِكْرُهُ مِن غَيْرِهِ أوْ ذِكْرُهُ بِنَفْسِهِ، وجَمْعٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ مِنهُمُ الإمامُ الحَلِيمِيُّ والأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايْنِيُّ والشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الإسْفَرايْنِيُّ، وجَمْعٌ مِنَ المالِكِيَّةِ مِنهُمُ الطَّرْطُوشِيُّ وابْنُ العَرَبِيِّ والفاكِهانِيُّ وبَعْضُ الحَنابِلَةِ قِيلَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ الضَّعِيفِ في الأُصُولِ أنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يُفِيدُ التَّكْرارَ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَهُ أدِلَّةٌ أُخْرى كالأحادِيثِ الَّتِي فِيها الدُّعاءُ بِالرَّغْمِ والأبْعادِ والشَّقاءِ والوَصْفِ بِالبُخْلِ والجَفاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي الوَعِيدَ وهو عِنْدَ الأكْثَرِ مِن عَلاماتِ الوُجُوبِ.
واعْتَرَضَ هَذا القَوْلَ كَثِيرُونَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ المُنْعَقِدِ قَبْلَ قائِلِهِ إذْ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ صَحابِيٍّ ولا تابِعِيٍّ وبِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى عُمُومِهِ أنْ لا يَتَفَرَّغَ السّامِعُ لِعِبادَةٍ أُخْرى، وأنَّها تَجِبُ عَلى المُؤَذِّنِ وسامِعِهِ والقارِئِ المارِّ بِذِكْرِهِ والمُتَلَفِّظِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، وفِيهِ مِنَ الحَرَجِ ما جاءَتِ الشَّرِيعَةُ السَّمْحَةُ بِخِلافِهِ، وبِأنَّ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ تَعالى كُلَّما ذُكِرَ أحَقُّ بِالوُجُوبِ ولَمْ يَقُولُوا بِهِ، وبِأنَّهُ لا يُحْفَظُ عَنْ صَحابِيٍّ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ، وبِأنَّ تِلْكَ الأحادِيثَ المُحْتَجَّ بِها لِلْوُجُوبِ خَرَجَتْ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ في تَأكُّدِ ذَلِكَ وطَلَبِهِ وفي حَقِّ مَنِ اِعْتادَ تَرْكَ الصَّلاةِ دَيْدَنًا.
ويُمْكِنُ التَّقَصِّي عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ القائِلِينَ بِالوُجُوبِ مِن أئِمَّةِ النَّقْلِ فَكَيْفَ يَسَعُهم خَرْقُ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ كَوْنَهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْ صَحابِيٍّ أوْ تابِعِيٍّ وإنَّما يَتِمُّ الرَّدُّ إنْ حُفِظَ إجْماعٌ مُصَرِّحٌ بِعَدَمِ الوُجُوبِ كَذَلِكَ وأنِّي بِهِ، وأمّا الثّانِي فَمَمْنُوعٌ بَلْ يُمْكِنُ التَّفَرُّغُ لِعِباداتٍ أُخَرَ، وأمّا الثّالِثُ فَلِلْقائِلِينَ بِالوُجُوبِ اِلْتِزامُهُ ولَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ، وأمّا الرّابِعُ فَلِأنَّ جَمْعًا صَرَّحُوا بِالوُجُوبِ في حَقِّهِ تَعالى أيْضًا، وأمّا الخامِسُ فَلِأنَّهُ ورَدَ في عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم لَمّا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قالُوا: صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ، وأمّا السّادِسُ فَلِأنَّ حَمْلَ الأحادِيثِ عَلى ما ذُكِرَ لا يَكْفِي إلّا مَعَ بَيانِ سَنَدِهِ ولَمْ يُبَيِّنُوهُ، ثُمَّ القائِلُونَ بِالوُجُوبِ كَما ذَكَرَ أكْثَرُهم عَلى أنَّ ذَلِكَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ وبَعْضُهم عَلى أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا هَلْ يَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ ذِكْرِهِ في المَجْلِسِ الواحِدِ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ الهِدايَةِ يَكْفِي مَرَّةً عَلى الصَّحِيحِ، وقالَ صاحِبُ المُجْتَبى: يَتَكَرَّرُ وفي تَكَرُّرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لا يَتَكَرَّرُ، وفَرَّقَ هو وغَيْرُهُ بَيْنَهُما بِما فِيهِ نَظَرٌ ويُمْكِنُ الفَرْقُ بِأنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعالى مَبْنِيَّةٌ عَلى المُسامَحَةِ والتَّوْسِعَةِ وحُقُوقَ العِبادِ مَبْنِيَّةٌ عَلى المُشاحَّةِ والتَّضْيِيقِ ما أمْكَنَ، والقَوْلُ بِأنَّها أيْضًا حَقُّ اللَّهِ تَعالى لِأمْرِهِ بِها سُبْحانَهُ ناشِئٌ مِن عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ بِحَقِّهِ تَعالى.
وقِيلَ: إنَّها تَجِبُ في القُعُودِ آخِرَ الصَّلاةِ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وسَلامِ التَّحَلُّلِ وهَذا هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ الَّذِي صَحَّ عَنْهُ.
ونَقَلَ الأسْنَوِيُّ أنَّ لَهُ قَوْلًا آخَرَ إنَّها سُنَّةٌ في الصَّلاةِ لَمْ يَعْتَبِرْهُ أجِلَّةُ أصْحابِهِ ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفُقَهاءُ الأمْصارِ، فَمِنَ الصَّحابَةِ اِبْنُ مَسْعُودٍ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يَتَشَهَّدُ الرَّجُلُ في الصَّلاةِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ، وأبُو مَسْعُودٍ البَدْرِيُّ وابْنُ عُمَرَ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُما أنَّهُ لا تَكُونُ صَلاةٌ إلّا بِقِراءَةٍ وتَشَهُّدٍ وصَلاةٍ عَلى النَّبِيِّ فَإنْ نَسِيتَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فاسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلامِ، ومِنَ التّابِعِينَ الشَّعْبِيُّ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ كُنّا نَعْلَمُ التَّشَهُّدَ فَإذا قالَ: وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ يَحْمَدُ رَبَّهُ ويُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ ثُمَّ يَسْألُ حاجَتَهُ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ مَن لَمْ يُصَلِّ عَلى النَّبِيِّ في التَّشَهُّدِ فَلْيُعِدْ صِلاتَهُ أوْ قالَ: لا تُجْزِئُ صِلاتُهُ، والإمامُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدٌ الباقِرُ فَقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَ ما ذُكِرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وصَوَّبَهُ الدّارَقُطْنِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ومُقاتِلٌ بَلْ قالَ الحافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ: لَمْ أرَ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ التَّصْرِيحَ بِعَدَمِ الوُجُوبِ إلّا ما نُقِلَ عَنِ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّ غَيْرَهُ كانَ قائِلًا بِالوُجُوبِ، ومِن فُقَهاءِ الأمْصارِ أحْمَدُ فَإنَّهُ جاءَ عَنْهُ رِوايَتانِ والظّاهِرُ أنَّ رِوايَةَ الوُجُوبِ هي الأخِيرَةُ فَإنَّهُ قالَ: كُنْتُ أتَهَيَّبُ ذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنْتُ فَإذا الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ واجِبَةٌ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ فَقَدْ قالَ في آخِرِ الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ: إذا تَرَكَها عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاتُهُ أوْ سَهْوًا رَجَوْتُ أنْ تُجْزِئَهُ وهو قَوْلٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ اِخْتارَهُ اِبْنُ العَرَبِيِّ مِنهم ولَعَلَّهُ لازِمٌ لِلْقائِلِينَ بِوُجُوبِها كُلَّما ذُكِرَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في التَّشَهُّدِ إلّا أنَّ وُجُوبَها بَعْدَ التَّشَهُّدِ لِذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَها شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ إلّا أنَّهُ يُرَدُّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ الشّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَذَّ في قَوْلِهِ بِالوُجُوبِ، وأمّا دَلِيلُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ذَلِكَ فَمَذْكُورٌ في الأُمِّ، وقَدِ اِسْتَدَلَّ لَهُ أصْحابُهُ بِعِدَّةِ أحادِيثَ مِنها الصَّحِيحُ ومِنها الضَّعِيفُ وألَّفُوا الرَّسائِلَ في الِانْتِصارِ لَهُ والرَّدِّ عَلى مَن شَنَّعَ عَلَيْهِ كابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ والخَطابِيِّ والطَّحاوِيِّ وغَيْرِهِمْ، وأنا أرى التَّشْنِيعَ عَلى مِثْلِ هَذا الإمامِ شَنِيعًا والتَّعَصُّبَ مَعَ قِلَّةِ التَّتَبُّعِ أمْرًا فَظِيعًا، والكَلامُ في السَّلامِ كالكَلامِ في الصَّلاةِ.
وقَدْ صَرَّحَ اِبْنُ فارِسٍ اللُّغَوِيُّ بِأنَّهُما سِيّانِ في الفَرْضِيَّةِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مَأْمُورٌ بِهِ في الآيَةِ والأمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً إلّا إذا ورَدَ ما يَصْرِفُهُ عَنْهُ.
وأفْضَلُ الكَيْفِيّاتِ في الصَّلاةِ عَلَيْهِ ما عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصْحابِهِ بَعْدَ سُؤالِهِمْ إيّاهُ لِأنَّهُ لا يَخْتارُ لِنَفْسِهِ إلّا الأشْرَفَ والأفْضَلَ، ومِن هُنا قالَ النَّوَوِيُّ في (اَلرَّوْضَةِ): لَوْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ عَلى النَّبِيِّ أفْضَلَ الصَّلاةِ لَمْ يَبِرَّ إلّا بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ، ووَجَّهَهُ السُّبْكِيُّ بِأنَّ مَن أتى بِها فَقَدْ صَلّى الصَّلاةَ المَطْلُوبَةَ بِيَقِينٍ وكانَ لَهُ الخَيْرُ الوارِدُ في أحادِيثِ الصَّلاةِ كَذَلِكَ، ونَقَلَ الرّافِعِيُّ عَنِ المَرْوَزِيِّ أنَّهُ يَبِرُّ بِـ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ كُلَّما ذَكَرَكَ الذّاكِرُونَ وكُلَّما سَها عَنْهُ الغافِلُونَ، وقالَ القاضِي حُسَيْنٌ: طَرِيقُ البِرِّ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما هو أهْلُهُ ومُسْتَحَقُّهُ، واخْتارَ البارِزِيُّ أنَّ الأفْضَلَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ أفْضَلَ صَلَواتِكَ وعَدَدَ مَعْلُوماتِكَ، وقالَ الكَمالَ بْنُ الهُمامِ: كُلَّما ذُكِرَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ مَوْجُودٌ في اللَّهُمَّ صَلِّ أبَدًا أفْضَلَ صَلَواتِكَ عَلى سَيِّدِنا عَبْدِكَ ونَبِيِّكَ ورَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلِّمْ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا وزِدْهُ شَرَفًا وتَكْرِيمًا وأنْزِلْهُ المَنزِلَ المُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ القِيامَةِ، واخْتارَ اِبْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ غَيْرَ ذَلِكَ، ونَقَلَ اِبْنُ عَرَفَةَ عَنِ اِبْنِ عَبْدِ السَّلامِ أنَّهُ لا بُدَّ في السَّلامِ عَلَيْهِ أنْ يَزِيدَ تَسْلِيمًا كَأنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا أوْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا، وكَأنَّهُ أخَذَ بِظاهِرِ ما في الآيَةِ ولَيْسَ أخْذًا صَحِيحًا كَما يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، ونُقِلَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم أنَّ كَيْفِيَّةَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ لا يُوقَفُ فِيها مَعَ المَنصُوصِ وأنَّ مَن رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى بَيانًا فَأبانَ عَنِ المَعانِي بِالألْفاظِ الفَصِيحَةِ المَبانِي الصَّرِيحَةِ المَعانِي مِمّا يُعْرِبُ عَنْ كَمالِ شَرَفِهِ وعَظِيمِ حُرْمَتِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، واحْتُجَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إذا صَلَّيْتُمْ عَلى النَّبِيِّ فَأحْسِنُوا الصَّلاةَ عَلَيْهِ فَإنَّكم لا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ قالُوا: فَعَلِّمْنا، قالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ اِجْعَلْ صَلَواتِكَ ورَحْمَتَكَ وبَرَكاتِكَ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وإمامِ المُتَّقِينَ وخاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ إمامِ الخَيْرِ وقائِدِ الخَيْرِ ورَسُولِ الرَّحْمَةِ، اللَّهُمَّ اِبْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ بِهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وفِي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ رَمْزٌ خَفِيٌ فِيما أرى إلى مَطْلُوبِيَّةِ تَحْسِينِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ أتى بِهِ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ شَطْرًا مِنَ البَحْرِ الكامِلِ، فَتَدَبَّرْهُ فَإنِّي أظُنُّ أنَّهُ نَفِيسٌ.
واسْتَدَلَّ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالآيَةِ عَلى كَراهَةِ إفْرادِ الصَّلاةِ عَنِ السَّلامِ وعَكْسِهِ لِوُرُودِ الأمْرِ بِهِما مَعًا فِيها ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ أحادِيثَ التَّعْلِيمِ تُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ تَعْلِيمِ التَّسْلِيمِ عَلى تَعْلِيمِ الصَّلاةِ فَيَكُونُ قَدْ أفْرَدَ التَّسْلِيمَ مَرَّةً قَبْلَ الصَّلاةِ في التَّشَهُّدِ، ورُدَّ بِأنَّ الإفْرادَ في ذَلِكَ الزَّمَنِ لا حُجَّةَ فِيهِ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَصْدًا كَيْفَ والآيَةُ ناصَّةٌ عَلَيْهِما وإنَّما يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَّمَهُمُ السَّلامَ وظَنَّ أنَّهم يَعْلَمُونَ الصَّلاةَ فَسَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِمْ إيّاها فَلَمّا سَألُوهُ أجابَهم لِذَلِكَ وهو كَما تَرى، وذَكَرَ العَلّامَةُ اِبْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ أنَّ الحَقَّ أنَّ المُرادَ بِالكَراهَةِ خِلافُ الأوْلى إذْ لَمْ يُوجَدُ مُقْتَضِيها مِنَ النَّهْيِ المَخْصُوصِ، ونَقَلَ الحَمَوِيُّ مِن أصْحابِنا عَنْ مُنْيَةِ المُفْتِي أنَّهُ لا يُكْرَهُ عِنْدَنا إفْرادُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ثُمَّ قالَ نَقْلًا عَنِ العَلّامَةِ مَيْرِكٍ، وهَذا الخِلافُ في حَقِّ نَبِيِّنا وأمّا غَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا خِلافَ في عَدَمِ كَراهَةِ الإفْرادِ لِأحَدٍ مِنَ العُلَماءِ ومَنِ اِدَّعى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أنْ يُورِدَ نَقْلًا صَرِيحًا ولا يَجِدَ إلَيْهِ سَبِيلًا اِنْتَهى.
وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ الكَراهَةَ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِها إنَّما هي في الإفْرادِ لَفْظًا وأمّا الإفْرادُ خَطًّا كَما وقَعَ في الأُمِّ فَلا كَراهَةَ فِيهِ، وعِنْدِي أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى كَراهَةِ الإفْرادِ حَسْبَما سَمِعْتَ في غايَةِ الضَّعْفِ إذْ قُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ كُلًّا مِنَ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا ولا تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالإتْيانِ بِهِما في زَمانٍ واحِدٍ كَأنْ يُؤْتى بِهِما مَجْمُوعَيْنِ مَعْطُوفًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ فَمَن صَلّى بُكْرَةً وسَلَّمَ عَشِيًّا مَثَلًا فَقَدِ اِمْتَثَلَ الأمْرَ فَإنَّها نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ( أقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ) و ﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ ﴿ وسَبِّحُوهُ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوامِرِ المُتَعاطِفَةِ، نَعَمْ دَرَجَ أكْثَرُ السَّلَفِ عَلى الجَمْعِ بَيْنَهُما فَلا أسْتَحْسِنُ العُدُولَ عَنْهُ مَعَ ما في ذِكْرِ السَّلامِ بَعْدَ الصَّلاةِ مِنَ السَّلامَةِ مِن تَوَهُّمٍ لا يَكادُ يَعْرِضُ إلّا لِلْأذْهانِ السَّقِيمَةِ كَما لا يَخْفى.
وفِي دُخُولِهِ في الخِطابِ بِ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) هُنا خِلافٌ فَقالَ بَعْضُهم بِالدُّخُولِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ بِوُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ وذَكَرَ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي عَلى نَفْسِهِ خارِجَها كَما هو ظاهِرُ أحادِيثَ «كَقَوْلِهِ حِينَ ضَلَّتْ ناقَتُهُ وتَكَلَّمَ مُنافِقٌ فِيها «إنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ شَمَتَ أنْ ضَلَّتْ ناقَةُ رَسُولِ اللَّهِ »» وقَوْلِهِ حِينَ عَرَضَ عَلى المُسْلِمِينَ رَدَّ ما أخَذَهُ مِن أبِي العاصِ زَوْجِ اِبْنَتِهِ زَيْنَبَ قَبْلَ إسْلامِهِ ««وإنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَألَتْنِي»» الحَدِيثَ، فَذَكَرَ التَّصْلِيَةَ والتَّسْلِيمَ عَلى نَفْسِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ، واحْتِمالُ أنَّ ذَلِكَ في الحَدِيثَيْنِ مِنَ الرّاوِي بَعِيدٌ جِدًّا اه.
وتَوَقَّفَ بَعْضُهم في دُخُولِهِ مِن حَيْثُ إنَّ قَرِينَةَ سِياقِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ﴾ إلى هُنا ظاهِرَةٌ في اِخْتِصاصِ هَذا الحَكَمِ بِالمُؤْمِنِينَ دُونَهُ ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ في اِخْتِصاصِهِ بِالمُؤْمِنِينَ وأمّا هي فَلا قَرِينَةَ فِيها عَلى الِاخْتِصاصِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ لِلْأُصُولِيِّينَ في دُخُولِهِ في نَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ أقْوالًا، عَدَمُهُ مُطْلَقًا وهو شاذٌّ، ودُخُولُهُ مُطْلَقًا وهو الأصَحُّ عَلى ما قالَ جَمْعٌ، والدُّخُولُ إلّا فِيما صَدَرَ بِأمْرِهِ بِالتَّبْلِيغِ نَحْوَ (قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا)، وأنا أُعَوِّلُ عَلى الدُّخُولِ إلّا إذا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ عَلى عَدَمِ الدُّخُولِ سَواءٌ كانَتِ الأمْرَ بِالتَّبْلِيغِ أوَّلًا، وهاهُنا السِّباقُ والسِّياقُ قَرِينَتانِ عَلى عَدَمِ الدُّخُولِ فِيما يَظْهَرُ.
وعَبَّرَ بِاَلَّذِينِ آمَنُوا دُونَ النّاسِ الشّامِلِ لِلْكَفّارِ، قِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّلاةَ عَلَيْهِ مِن أجَلِّ الوَسائِلِ وأنْفَعِها والكافِرُ لا وسِيلَةَ لَهُ فَلَمْ يُؤْتَ بِلَفْظٍ يَشْمَلُهُ، ومُخاطَبَةُ الكَفّارِ بِالفُرُوعِ عَلى القَوْلِ بِها بِالنِّسْبَةِ لِعِقابِهِمْ عَلَيْها في الآخِرَةِ فَحَسْبُ عَلى أنَّ مَحَلَّ تَكْلِيفِهِمْ بِها حَيْثُ أجْمَعَ عَلَيْها، ومِن ثَمَّ اِسْتَثْنى مِن مُخاطَبَتِهِمْ بِها مُعامَلَتَهُمِ الفاسِدَةَ ونَحْوَها.
ولَعَلَّ الأوْلى أنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ لِما ذُكِرَ مَعَ اِقْتِضاءِ السِّياقِ لَهُ، وفي نِداءِ المُؤْمِنِينَ بِهَذا الأُسْلُوبِ مِن حَثِّهِمْ عَلى اِمْتِثالِ الأمْرِ ما لا يَخْفى، والأمْرُ بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ فَلَمْ تُؤْمَرْ أُمَّةٌ غَيْرُها بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ عَلى نَبِيِّها.
وكانَ ذَلِكَ عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي ذَرٍّ الهَرَوِيِّ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وقِيلَ: كانَ في لَيْلَةِ الإسْراءِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ أبُو بَكْرٍ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ خَيْرًا إلّا أشْرَكَنا فِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ ﴾ وحِكْمَةُ تَغايُرِ أُسْلُوبَيِ الآيَتَيْنِ ظاهِرَةٌ عَلى المُتَأمِّلِ، والصَّلاةُ مِنّا عَلى الأنْبِياءِ ما عَدا نَبِيِّنا عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ جائِزَةٌ بِلا كَراهَةٍ، فَقَدْ جاءَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلى ما قالَهُ المَجْدُ اللُّغَوِيُّ ««إذا صَلَّيْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَصَلُّوا عَلَيَّ مَعَهم فَإنِّي رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ»،» وفي لَفْظٍ ««إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ»».
ولِلْأوَّلِ طَرِيقٌ أُخْرى إسْنادُها حَسَنٌ جَيِّدٌ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والقاضِي إسْماعِيلُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: ««صَلُّوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ ورُسُلِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَهم كَما بَعَثَنِي»».
وهُوَ وإنَّ جاءَ مِن طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ يُعْمَلُ بِهِ في مِثْلِ هَذا المَطْلَبِ كَما لا يَخْفى، وأمّا ما حُكِيَ عَنْ مالِكٍ مِن أنَّهُ لا يُصَلّى عَلى غَيْرِ نَبِيِّنا مِنَ الأنْبِياءِ فَأوَّلَهُ أصْحابُهُ بِأنَّ مَعْناهُ إنّا لَمْ نَتَعَبَّدْ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ كَما تَعَبَّدْنا بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ .
والصَّلاةُ عَلى المَلائِكَةِ قِيلَ لا يُعْرَفُ فِيها نَصٌّ وإنَّما تُؤْخَذُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المَذْكُورِ آنِفًا إذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهم رُسُلًا.
وأمّا الصَّلاةُ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدِ اِضْطَرَبَتْ فِيها أقْوالُ العُلَماءِ فَقِيلَ تَجُوزُ مُطْلَقًا قالَ القاضِي عِياضٌ وعَلَيْهِ عامَّةُ أهْلِ العِلْمِ واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ ﴾ وبِما صَحَّ مِن قَوْلِهِ : ««اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى»» وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ رَفَعَ يَدَيْهِ: ««اَللَّهُمَّ اِجْعَلْ صَلَواتِكَ ورَحْمَتَكَ عَلى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ»» وصَحَّحَ اِبْنُ حِبّانَ خَبَرَ ««إنَّ اِمْرَأةً قالَتْ لِلنَّبِيِّ : صَلِّ عَلَيَّ وعَلى زَوْجِي فَفَعَلَ»» وفي خَبَرِ مُسْلِمٍ ««أنَّ المَلائِكَةَ تَقُولُ لِرُوحِ المُؤْمِنِ: صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ وعَلى جَسَدِكَ»» وبِهِ يُرَدُّ عَلى الخَفاجِيِّ قَوْلُهُ في (شَرْحِ الشِّفاءِ) صَلاةُ المَلائِكَةِ عَلى الأُمَّةِ لا تَكُونُ إلّا بِتَبَعِيَّتِهِ ، وقِيلَ لا تَجُوزُ مُطْلَقًا، وقِيلَ لا تَجُوزُ اِسْتِقْلالًا وتَجُوزُ تَبَعًا فِيما ورَدَ فِيهِ النَّصُّ كالآلِ أوْ ما أُلْحِقَ بِهِ كالأصْحابِ، واخْتارَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ وقِيلَ تَجُوزُ تَبَعًا مُطْلَقًا ولا تَجُوزُ اِسْتِقْلالًا ونُسِبَ إلى أبِي حَنِيفَةَ وجَمْعٍ.
وفِي (تَنْوِيرِ الأبْصارِ) ولا يُصَلّى عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ إلّا بِطَرِيقِ التَّبَعِ وهو مُحْتَمِلٌ لِكَراهَةِ الصَّلاةِ بِدُونِ تَبَعٍ تَحْرِيمًا ولِكَراهَتِها تَنْزِيهًا ولِكَوْنِها خِلافَ الأوْلى لَكِنْ ذَكَرَ البِيرِيُّ مِنَ الحَنَفِيَّةِ مَن صَلّى عَلى غَيْرِهِمْ أثِمَ وكُرِهَ وهو الصَّحِيحُ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أحْمَدَ كَراهَةُ ذَلِكَ اِسْتِقْلالًا، ومَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ خِلافُ الأوْلى وقالَ اللَّقانِيُّ: قالَ القاضِي عِياضٌ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ وأمِيلُ إلَيْهِ ما قالَهُ مالِكٌ وسُفْيانُ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ يَجِبُ تَخْصِيصُ النَّبِيِّ وسائِرِ الأنْبِياءِ بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ كَما يُخْتَصُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ بِالتَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهِ ويُذْكَرُ مِن سِواهم بِالغُفْرانِ والرِّضا كَما قالَ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ﴾ ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ وأيْضًا فَهو أمْرٌ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا في الصَّدْرِ الأوَّلِ وإنَّما أحْدَثَهُ الرّافِضَةُ في بَعْضِ الأئِمَّةِ، والتَّشَبُّهُ بِأهْلِ البِدَعِ مَنهِيٌّ عَنْهُ فَتَجِبُ مُخالَفَتُهُمِ اِنْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ كَراهَةَ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ البِدَعِ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَنا أيْضًا لَكِنْ لا مُطْلَقًا بَلْ في المَذْمُومِ وفِيما قُصِدَ بِهِ التَّشَبُّهَ بِهِمْ فَلا تَغْفُلْ.
وجاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أوْ صَحِيحٍ أنَّهُ كَتَبَ لِعامِلِهِ: أنَّ ناسًا مِنَ القُصّاصِ قَدْ أحْدَثُوا في الصَّلاةِ عَلى حُلَفائِهِمْ ومَوالِيهِمْ عِدْلَ صَلاتِهِمْ عَلى النَّبِيِّ فَإذا جاءَكَ كِتابِي هَذا فَمُرْهم أنْ تَكُونَ صَلاتُهم عَلى النَّبِيِّينَ خاصَّةً ودُعاؤُهم لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً ويَدْعُوا ما سِوى ذَلِكَ.
وصَحَّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لا تَنْبَغِي الصَّلاةُ مِن أحَدٍ عَلى أحَدٍ إلّا عَلى النَّبِيِّ .
وفي رِوايَةٍ عَنْهُ ما أعْلَمُ الصَّلاةَ تَنْبَغِي عَلى أحَدٍ مِن أحَدٍ إلّا عَلى النَّبِيِّ ولَكِنْ يُدْعى لِلْمُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ بِالِاسْتِغْفارِ، وكِلاهُما يَحْتَمِلُ الكَراهَةَ والحُرْمَةَ.
واسْتَدَلَّ المانِعُونَ بِأنَّ لَفْظَ الصَّلاةِ صارَ شِعارًا لِعِظَمِ الأنْبِياءِ وتَوْقِيرِهِمْ فَلا تُقالُ لِغَيْرِهِمُ اِسْتِقْلالًا وإنْ صَحَّ كَما لا يُقالُ مُحَمَّدٌ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَزِيزًا جَلِيلًا لِأنَّ هَذا الثَّناءَ صارَ شِعارًا لِلَّهِ تَعالى فَلا يُشارِكُ فِيهِ غَيْرَهُ.
وأجابُوا عَمّا مَرَّ بِأنَّهُ صَدَرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَهُما أنْ يَخُصّا مَن شاءا بِما شاءا ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِما إلّا بِإذْنِهِما ولَمْ يَثْبُتْ عَنْهُما إذْنٌ في ذَلِكَ، ومِن ثَمَّ قالَ أبُو اليَمَنِ اِبْنُ عَساكِرَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلى غَيْرِهِ مُطْلَقًا لِأنَّهُ حَقُّهُ ومَنصِبُهُ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شاءَ بِخِلافِ أُمَّتِهِ إذْ لَيْسَ لَهم أنْ يُؤْثِرُوا غَيْرَهُ بِما هو لَهُ، لَكِنْ نازَعَ فِيهِ صاحِبُ المُعْتَمَدِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى الخُصُوصِيَّةِ، وحَمَلَ البَيْهَقِيُّ القَوْلَ بِالمَنعِ عَلى ما إذا جَعَلَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا وتَحِيَّةً وبِالجَوازِ عَلَيْها إذا كانَ دُعاءً وتَبَرُّكًا، واخْتارَ بَعْضُ الحَنابِلَةِ أنَّ الصَّلاةَ عَلى الآلِ مَشْرُوعَةٌ تَبَعًا وجائِزَةٌ اِسْتِقْلالًا وعَلى المَلائِكَةِ وأهْلِ الطّاعَةِ عُمُومًا جائِزَةٌ أيْضًا وعَلى مُعَيَّنِ شَخْصٍ أوْ جَماعَةٍ مَكْرُوهَةٌ ولَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِها لَمْ يَبْعُدْ سِيَّما إذا جُعِلَ ذَلِكَ شِعارًا لَهُ وحْدَهُ دُونَ مُساوِيهِ ومَن هو خَيْرٌ مِنهُ كَما تَفْعَلُ الرّافِضَةُ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ولا بَأْسَ بِها أحْيانًا كَما صَلّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى المَرْأةِ وزَوْجِها وكَما صَلّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى عَلِيٍّ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ وهو مُسَجًّى، ثُمَّ قالَ: وبِهَذا التَّفْصِيلِ تَتَّفِقُ الأدِلَّةُ، وأنْتَ تَعْلَمُ اِتِّفاقَها بِغَيْرِ ما ذُكِرَ.
والسَّلامُ عِنْدَ كَثِيرٍ فِيما ذُكِرَ وفي (شَرْحِ الجَوْهَرَةِ) لِلِّقْيانِيِّ نَقْلًا عَنِ الإمامِ الجُوَيْنِيِّ أنَّهُ في مَعْنى الصَّلاةِ فَلا يُسْتَعْلَمُ في الغائِبِ ولا يُفْرَدُ بِهِ غَيْرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يُقالُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ يُقالُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وسَواءٌ في هَذا الأحْياءُ والأمْواتُ إلّا في الحاضِرِ فَيُقالُ السَّلامُ أوْ سَلامٌ عَلَيْكَ أوْ عَلَيْكم وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ اِنْتَهى.
وفي حِكايَةِ الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ نَظَرٌ.
وفِي (اَلدُّرِّ المَنضُودِ) السَّلامُ كالصَّلاةِ فِيما ذُكِرَ إلّا إذا كانَ لِحاضِرٍ أوْ تَحِيَّةً لِحَيٍّ غائِبٍ، وفَرَّقَ آخَرُونَ بِأنَّهُ يُشْرَعُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِخِلافِ الصَّلاةِ، وهو فَرْقٌ بِالمُدَّعى فَلا يُقْبَلُ، ولا شاهِدَ في السَّلامِ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ لِأنَّهُ وارِدٌ في مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ ولَيْسَ غَيْرُهُ في مَعْناهُ عَلى أنَّ ما فِيهِ وقَعَ تَبَعًا لا اِسْتِقْلالًا.
وحَقَّقَ بَعْضُهم فَقالَ ما حاصِلُهُ مَعَ زِيادَةٍ عَلَيْهِ: السَّلامُ الَّذِي يَعُمُّ الحَيَّ والمَيِّتَ هو الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ التَّحِيَّةُ كالسَّلامِ عِنْدَ تَلاقٍ أوْ زِيارَةِ قَبْرٍ وهو مُسْتَدْعٍ لِلرَّدِّ وُجُوبُ كِفايَةٍ أوْ عَيْنٌ بِنَفْسِهِ في الحاضِرِ ورَسُولِهِ أوْ كِتابِهِ في الغائِبِ، وأمّا السَّلامُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الدُّعاءُ مِنّا بِالتَّسْلِيمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى المَدْعُوِّ لَهُ سَواءٌ كانَ بِلَفْظِ غَيْبَةٍ أوْ حُضُورٍ فَهَذا هو الَّذِي اُخْتُصَّ بِهِ عَنِ الأُمَّةِ فَلا يُسَلَّمُ عَلى غَيْرِهِ مِنهم إلّا تَبَعًا كَما أشارَ إلَيْهِ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ في (شِفاءِ الغَرامِ)، وحِينَئِذٍ فَقَدْ أشْبَهَ قَوْلُنا عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ مِن حَيْثُ أنَّ المُرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَفِيهِ إشْعارٌ بِالتَّعْظِيمِ الَّذِي في الصَّلاةِ مِن حَيْثُ الطَّلَبُ لِأنْ يَكُونَ المُسَلَّمُ عَلَيْهِ اللَّهَ تَعالى كَما في الصَّلاةِ وهَذا النَّوْعُ مِنَ السَّلامِ هو الَّذِي اِدَّعى الحَلِيمِيُّ كَوْنَ الصَّلاةِ بِمَعْناهُ، اِنْتَهى.
واخْتُلِفَ في جَوازِ الدُّعاءِ لَهُ بِالرَّحْمَةِ فَذَهَبَ اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ إلى مَنعِ ذَلِكَ، ورُدَّ بِوُرُودِهِ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِنها وهو أصَحُّها حَدِيثُ التَّشَهُّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ومِنها قَوْلُ الأعْرابِيِّ: اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي ومُحَمَّدًا، وتَقْرِيرُهُ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ : ««اَللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ رَحْمَةً مِن عِنْدَكَ اللَّهُمَّ أرْجُو رَحْمَتَكَ يا حَيُّ يا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ»،» وفي خُطْبَةِ رِسالَةِ الشّافِعِيِّ ما لَفْظُهُ : ورَحِمَ وكَرَّمَ.
نَعَمْ، قَضِيَّةُ كَلامِهِ كَحَدِيثِ التَّشَهُّدِ أنَّ مَحَلَّ الجَوازِ إنْ ضُمَّ إلَيْهِ لَفْظُ الصَّلاةِ أوِ السَّلامِ وإلّا لَمْ يَجُزْ، وقَدْ أخَذَ بِهِ جَمْعٌ مِنهُمُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بَلْ نَقَلَهُ القاضِي عِياضٌ في الإكْمالِ عَنِ الجُمْهُورِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو الصَّحِيحُ، وجَزَمَ بِعَدَمِ جَوازِهِ مُنْفَرِدًا الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقالَ: لا يَجُوزُ تَرَحُّمٌ عَلى النَّبِيِّ ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴾ والصَّلاةُ وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ إلّا أنَّ الأنْبِياءَ خُصُّوا بِها تَعْظِيمًا لَهم وتَمْيِيزًا لِمَرْتَبَتِهِمُ الرَّفِيعَةِ عَلى غَيْرِهِمْ عَلى أنَّها في حَقِّهِمْ لَيْسَتْ بِمَعْنى مُطْلَقِ الرَّحْمَةِ بَلِ المُرادُ بِها ما هو أخَصُّ مِن ذَلِكَ كَما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ.
نَعَمْ، ظاهِرُ قَوْلِ الأعْرابِيِّ السّابِقِ وتَقْرِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ الجَوازُ ولَوْ بِدُونِ اِنْضِمامِ صَلاةٍ أوْ سَلامٍ.
قالَ اِبْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: وهو الَّذِي يَتَّجِهُ وتَقْرِيرُهُ المَذْكُورُ خاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلى العُمُومِ الَّذِي اِقْتَضَتْهُ الآيَةُ ثُمَّ قالَ: ويَنْبَغِي حَمْلُ قَوْلِ مَن قالَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُرادَهم نَفْيُ الجَوازِ المُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فَيُصَدَّقُ بِأنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ أوْ خِلافُ الأوْلى، وذَكَرَ زَيْنُ الدِّينِ في بَحْرِهِ أنَّهُمُ اِتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يُقالُ اِبْتِداءً رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وأنا أقُولُ: الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُقالَ ذَلِكَ اِبْتِداءً.
وقالَ الطَّحْطاوِيُّ في حَواشِيهِ عَلى الدُّرِّ المُخْتارِ: ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزُ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أوْ سامَحَهُ لِما فِيهِ مِن إيهامِ النَّقْصِ، وهو الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ وإنْ كانَ الدُّعاءُ بِالمَغْفِرَةِ لا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ ذَنْبٍ بَلْ قَدْ يَكُونُ بِزِيادَةِ دَرَجاتٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ اِسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وكَذا الدُّعاءُ بِها لِلْمَيِّتِ الصَّغِيرِ في صَلاةِ الجِنازَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ فِيما يَظْهَرُ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإنْ وقَعَ في القُرْآنِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ أنْ يُخاطِبَ عَبْدَهُ بِما شاءَ.
وأرى حُكْمَ التَّرَحُّمِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَحُكْمِ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ ، ومَنِ اُخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ كَلُقْمانَ يُقَلْ فِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى الأنْبِياءِ وعَلَيْهِ وسَلَّمَ، هَذا وقَدْ بَقِيَتْ في هَذا المَقامِ أبْحاثٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ الكَلامُ بِذِكْرِها جِدًّا فَلْتُطْلَبْ مِن مَظانِّها واَللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ وبِيَدِهِ سُبْحانَهُ أزِمَّةُ التَّحْقِيقِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ والصلاة من الله الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة- عليهم السلام- الاستغفار.
يعني: أن الله عزَّ وجلَّ يغفر للنبي، ويأمر ملائكته بالاستغفار والصلاة عليه.
ثم أمر المسلمين بالصلاة عليه فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة أنه قال: قلنا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟
فقال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» إلى آخِرِهِ.
وروى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: «صَلَّوا عَلَيَّ، فإنَّ الصَّلاة عَلَيَّ زَكَاةٌ لَكُمْ وَاسْأَلُوا الله لِيَ الوَسِيلَةَ» .
قالوا: وما الوسيلة؟
يا رسول الله؟
قال: «أعْلَى دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ لا يَنَالُهَا إلاَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ» .
وروى أنس بن مالك عن رسول الله أنه قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ» .
ويقال: ليس شيء من العبادات أفضل من الصلاة على النبيّ ، لأن سائر العبادات أمر الله تعالى بها عباده.
وأما الصلاة على النبي فقد صلى عليه أولاً هو بنفسه، وأمر الملائكة بذلك، ثم أمر العباد بذلك.
ثم قال: وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً يعني: اخضعوا له خضوعاً.
ويقال: ائتمروا بما يأمركم الله تعالى.
ويقال: لما نزلت هذه الآية، قال المسلمون: هذا لك فما لنا فنزل: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الأحزاب: 43] .
ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: اليهود والنصارى حيث قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: 64] ونحو ذلك من الكلمات، ويقال: أذاهم الله وهو قولهم: لله ولد ونحو ذلك.
وإيذاءهم رسوله أنهم زعموا أنه ساحر ومجنون لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا يعني: عذبهم الله في الدنيا بالقتل والسبي وَالْآخِرَةِ بالنار.
ويقال: هم الذين يجعلون التصاوير.
ويقولون: تخلق كما يخلق الله تعالى وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً يهانون فيه.
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا يعني: بغير جرم فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً يعني: قالوا كذباً وَإِثْماً مُبِيناً يعني: ذنباً بيّناً.
قال مقاتل: قال السدي: نزلت هذه الآية في أمر عائشة وصفوان.
ويقال: في جميع من يؤذي مسلماً بغير حق.
وقال عثمان لأبي بن كعب: إني قرأت هذه الآية: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فوقعت مني كل موقع، والله إني لأضربهم وأعاقبهم.
فقال له أبي: إنك لست منهم، إنك مؤدب معلم.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وذلك أن المهاجرين نزلوا في ديار الأنصار، فضاقت الدور عليهم.
وكن النساء يخرجن بالليل إلى التخلي يقضين حوائجهن.
كان الزناة يرصدون في الطريق، وكانوا يطلبون الولائد، ولم يعرفوا المرأة الحرة من الأمة بالليل.
فأمر الحرائر بأخذ الجلباب.
وقال الحسن: كن النساء والإماء بالمدينة.
يقال لهن: كذا وكذا يخرجن، فيتعرض لهن السفهاء فيؤذونهن، فكانت الحرة تخرج فيحسبون أنها أمة ويؤذونها، فأمر الله تعالى المؤمنات أن يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ.
وقال القتبي: يلبسن الأردية.
ويقال: يعني: يرخين الجلابيب على وجوههن.
وقال مجاهد: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ يعني: متجلببين ليعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة.
قوله: وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ يعني: أحرى فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً إذا تابوا ورجعوا، ثم وعد المنافقين وخوّفهم لينزجروا عن الحرائر أو الإماء.
<div class="verse-tafsir"
واللفظ له، وابن ماجه، والترمذي، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، ورواه أبو داود أيضاً من حديث أبي هريرة «١» ، انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً ...
الآية، هي آية الحجَابِ، والمتَاعُ عام في جميع ما يمكن أن يُطْلَب من المَواعِينِ وَسائر المرَافِق، وباقي الآية بيِّن.
وقد تقدَّم في سورة النور طرف من بيانه فأغنى عن إعادته.
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ...
الآية، تضمّنت شرف النّبي صلى الله عليه وسلّم وعظيمَ منزلتِه عندَ اللهِ تَعالى.
قالتْ فِرقَة: تقدير الآيةِ: أن الله يُصَلِّي وملائكتُه يصلُّون، فالضَّميرُ في قوله يُصَلُّونَ: للملائِكةِ فَقط.
وقالت فرقة: بل الضميرُ في يُصَلُّونَ لِلَّهِ والملائكة وهذا قول من الله تعالى، شَرَّفَ به ملائكتَه فَلاَ يُرِدُ عليه الاعتراضُ الذي جَاءَ في قَوْلِ الخَطِيبِ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فقد رشد، ومن يعصهما، فقد ضلّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم:
«بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ» «٢» .
وهذا القَدْرُ كَافٍ هُنَا، وصلاة الله تعالى: رحمةٌ منه وبركةٌ، وصلاة الملاَئكةِ: دعاء، وصلاةُ المؤمنين: دعاء، وتعظيم، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم في كل حينٍ من الواجباتِ وجوبَ السُّنَنِ المؤكَّدَةِ التي لا يسعُ تَرْكُها وَلاَ يُغْفِلُها إلاَّ مَن لاَ خيرَ فيه، وفي حديث ابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية قال قوم من الصحابة: «هَذَا السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عرفْنَاهُ، فكَيْفَ نُصَلِّي عليك؟» الحديث «٣» .
ت: ولفظ البخاري: عن كعب بن عُجْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمَّا السَّلاَمُ عَلَيْكَ، فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلاَةُ؟
قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» «١» .
انتهى وفيه طرقٌ يَزِيدُ فيها بعضُ الرواةِ على بعض، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فيه فَإنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» «٢» الحديثُ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، واللفظ لأبي داود، ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي مسعود الأنصاري، وقال: صحيحُ الإِسناد، وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلاَّ رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حتى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ» «٣» وعنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا عَلَيَّ، فَإنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُم» «٤» .
رواهما أبو داود، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﴾ في صَلاةِ اللَّهِ وصَلاةِ المَلائِكَةِ أقْوالٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ [الأحْزابِ: ٤٣] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صَلُّوا عَلَيْهِ ﴾ «قالَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا التَّسْلِيمَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ؟
فَقالَ: قُولُوا: " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى [آلِ] إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلى [آلِ] إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: " قَدّ عَلِمْنا التَّسْلِيمَ عَلَيْك ": ما يُقالُ في التَّشَهُّدِ: " السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ " .
وذَهَبَ ابْنُ السّائِبِ إلى أنَّ مَعْنى التَّسْلِيمِ: سَلِّمُوا لِما يَأْمُرُكم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: في الَّذِينَ طَعَنُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ حِينَ اتَّخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: نَزَلَتْ في المُصَوِّرِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: في المُشْرِكِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، وصَفُوا اللَّهَ بِالوَلَدِ وكَذَّبُوا رَسُولَهُ وشَجُّوا وجْهَهُ وكَسَرُوا رَباعِيَّتَهُ وقالُوا: مَجْنُونٌ شاعِرٌ ساحِرٌ كَذّابٌ.
ومَعْنى أذى اللَّهِ: وصْفُهُ بِما هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وعِصْيانُهُ؛ ولَعْنُهم في الدُّنْيا: بِالقَتْلِ والجَلاءِ، وفي الآخِرَةِ: بِالنّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَأى جارِيَةً مُتَبَرِّجَةً فَضَرَبَها وكَفَّ ما رَأى مِن زِينَتِها، فَذَهَبَتْ إلى أهْلِها تَشْكُو، فَخَرَجُوا إلَيْهِ فَآذَوْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الزُّناةِ الَّذِينَ كانُوا يَمْشُونَ في طُرُقِ المَدِينَةِ يَتْبَعُونَ النِّساءَ إذا بَرَزْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ، فَيَرَوْنَ المَرْأةَ فَيَدْنُونَ مِنها فَيَغْمِزُونَها؛ وإنَّما كانُوا يُؤْذُونَ الإماءَ، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ تَكُنِ الأمَةُ تُعْرَفُ مِنَ الحُرَّةِ، فَشَكَوْنَ ذَلِكَ إلى أزْواجِهِنَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن تَكَلَّمُ في عائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطِّلِ بِالإفْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ آذَوْا عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: يَرْمُونَهم بِما لَيْسَ فِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهَ في الدُنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ شَرَّفَ اللهُ بِها رَسُولَهُ ، وذَكَرَ مَنزِلَتَهُ مِنهُ، وطَهَّرَ بِها سُوءَ فِعْلِ مَنِ اسْتَصْحَبَ في جِهَتِهِ فِكْرَةَ سُوءٍ في أمْرِ زَوْجاتِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "يُصَلُّونَ"، ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ ولِلْمَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلٌ مِنَ اللهِ تَعالى شَرَّفَ بِهِ مَلائِكَتَهُ، فَلا يَصْحَبُهُ الِاعْتِراضُ الَّذِي جاءَ في «قَوْلِ الخَطِيبِ عِنْدَ النَبِيِّ : "مَن أطاعَ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ ضَلَّ"، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"،» قالُوا: لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يَجْمَعَ ذِكْرَ اللهِ تَعالى مَعَ غَيْرِهِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ مِن ذَلِكَ ما شاءَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذَفٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ اللهَ يُصَلِّي عَلى النَبِيِّ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ، ودَلَّ الظاهِرُ مِنَ القَوْلِ عَلى ما تُرِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ اجْتِماعٌ في ضَمِيرٍ، وذَلِكَ جائِزٌ لِلْبَشَرِ فِعْلُهُ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ : « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» لِهَذا المَعْنى، وإنَّما قالَهُ لِأنَّ الخَطِيبَ وقَفَ عَلى "وَمَن يَعْصِهِما" وسَكَتَ سَكْتَةً، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ في كَلامِ النَبِيِّ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ: "فَجَمَعَ ذِكْرَ اللهِ تَعالى مَعَ رَسُولِهِ في ضَمِيرٍ"، ومِمّا يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ أنْ في كِتابِ مُسْلِمٍ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، قُلْ: ومَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ"،» وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَمّا خَطَّأهُ في وقْفِهِ وقالَ لَهُ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» أصْلَحَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعَ كَلامِهِ؛ لِأنَّ فَصْلَ ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى مِن ضَمِيرِ غَيْرِهِ أولى لا مَحالَةَ، فَقالَ لَهُ.
« "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» لِمَوْضِعٍ خَطَّأهُ في الوَقْفِ، وحَمَلَهُ عَلى الأُولى في فَصْلِ الضَمِيرَيْنِ.
وإنْ كانَ جَمْعُهُما جائِزًا.
وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "وَمَلائِكَتَهُ" بِنَصْبِ التاءِ عَطْفًا عَلى المَكْنُونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ "إنَّ"، وفي هَذا نَظَرٌ.
وصَلاةُ اللهِ تَعالى رَحْمَةٌ مِنهُ وبَرَكَةٌ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ دُعاءٌ وتَعْظِيمٌ، والصَلاةُ عَلى رَسُولِ اللهِ في كُلٍّ حِينِ مَنَّ الواجِباتِ وُجُوبَ السُنَنِ المُؤَكِّدَةِ الَّتِي لا يَصِحُّ تَرْكُها، ولا يَغْفَلُها إلّا مَن لا خَيْرَ فِيهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أكْثِرُوا مِنَ الصَلاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ".» وصِفَتُها ما ورَدَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في كِتابِ الطَبَرِيُّ، ومِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ لَهُ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ هَذا السَلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَرِفْناهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟
قالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ صِلِّي عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ، وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ كَما رَحِمَتْ إبْراهِيمَ وآلَ إبْراهِيمَ في العالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"،» وفي بَعْضِ الرِواياتِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، هَذا مَعْناهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ"، وهَذِهِ الفاءُ تُقَوِّي مَعْنى الشَرْطِ، أيْ: صَلّى اللهُ فَصَلُّوا أنْتُمْ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُكَ فَخُذْ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "صَلُّوا عَلَيْهِ كَما صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ الآيَةُ، قالَ الجُمْهُورُ مَعْناهُ: بِالكُفْرِ ونِسْبَةِ الصاحِبِ والوَلَدِ والشَرِيكِ إلَيْهِ، ووَصْفِهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ « (قالَ اللهُ: شَتَمَنِي عَبْدِي فَقالَ: إنْ لِي ولَدًا، وكَذَّبَنِي فَقالَ: إنَّهُ لَنْ يُبْعَثَ)،» وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ بِالتَصْوِيرِ والتَعْرِيضِ لِفِعْلٍ ما لا يَفْعَلُهُ إلّا اللهُ بِنَحْتِ الصُوَرِ وخَلْقِها، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "لَعَنَ اللهُ المُصَوِّرِينَ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: يُؤْذُونَ أولِياءَ اللهِ.
وإذايَةُ الرَسُولِ هي بِما يُؤْذِيهِ مِنَ الأقْوالِ في غَيْرِ مَعْنًى واحِدٍ، مِنَ الأفْعالِ أيْضًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في الَّذِينَ طَعَنُوا عَلَيْهِ حِينَ اتَّخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والطَعْنُ في تَأْمِيرِ أُسامَةَ إذايَةٌ لَهُ أيْضًا.
وقَوْلُهُ: [لَعَنُوا] مَعْناهُ: أُبْعِدُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ.
وَإذايَةُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ هي أيْضًا بِالأفْعالِ والأقْوالِ القَبِيحَةِ والبُهْتانِ والكَذِبِ الفاحِشِ المُخْتَلَقِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ يَوْمًا لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنِّي قَرَأْتُ البارِحَةَ هَذِهِ الآيَةَ فَفَزِعَتْ مِنها ﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةُ، واللهِ إنِّي لَأضْرِبَهم وأنْهَرَهُمْ، فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: لَسْتُ مِنهم يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّما أنْتَ مُعَلِّمٌ ومُقَوِّمٌ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَرَأ: "إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ"، ثُمَّ قالَ لِأُبَيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟
فَقَرَأها كَما قَرَأها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
<div class="verse-tafsir"
أعقبت أحكام معاملة أزواج النبي عليه الصلاة والسلام بالثناء عليه وتشريف مقامه إيماء إلى أن تلك الأحكام جارية على مناسبة عظمة مقام النبي عليه الصلاة والسلام عند الله تعالى، وإلى أن لأزواجه من ذلك التشريف حظًّا عظيماً.
ولذلك كانت صيغة الصلاة عليه التي علَّمها للمسلمين مشتملة على ذكر أزواجه كما سيأتي قريباً، وليُجعل ذلك تمهيداً لأمر المؤمنين بتكرير ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالثناء والدعاء والتعظيم، وذُكرَ صلاة الملائكة مع صلاة الله ليكون مثالاً من صلاة أشرف المخلوقات على الرسول لتقريب درجة صلاة المؤمنين التي يؤمرون بها عقب ذلك، والتأكيد للاهتمام.
ومجيء الجملة الإسمية لتقوية الخبر، وافتتاحها باسم الجلالة لإِدخال المهابة والتعظيم في هذا الحكم، والصلاة من الله والملائكة تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ في هذه السورة (43).
وهذه صلاة خاصة هي أرفع صلاة مما شمله قوله هو الذي يصلي عليكم وملائكته } لأن عظمة مقام النبي يقتضي عظمة الصلاة عليه.
وجملة ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ﴾ هي المقصودة وما قبلها توطئة لها وتمهيد لأن الله لما حَذّر المؤمنين من كل ما يؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام أعقبه بأن ذلك ليس هو أقصى حظهم من معاملة رسولهم أن يتركوا أذاه بل حظُّهم أكبر من ذلك وهو أن يُصَلُّوا عليه ويُسَلِّمُوا، وذلك هو إكرامهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما بينهم وبين ربهم فهو يدل على وجوب إكرامه في أقوالهم وأفعالهم بحضرته بدلالة الفحوى، فجملة ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بمنزلة النتيجة الواقعة بعد التمهيد.
وجيء في صلاة الله وملائكته بالمضارع الدال على التجديد والتكرير ليكون أمر المؤمنين بالصلاة عليه والتسليم عقب ذلك مشيراً إلى تكرير ذلك منهم إسوة بصلاة الله وملائكته.
والأمر بالصلاة عليه معناه: إيجاد الصلاة، وهي الدعاء، فالأمر يؤول إلى إيجاد أقوال فيها دعاء وهو مجمل في الكيفية.
والصلاة: ذِكر بخير، وأقوال تجلب الخير، فلا جرم كان الدعاء هو أشهر مسميات الصلاة، فصلاة الله: كلامه الذي يُقدِّر به خيراً لرسوله صلى الله عليه وسلم لأن حقيقة الدعاء في جانب الله معطّل، لأن الله هو الذي يدعوه الناس، وصلاة الملائكة والناسِ: استغفار ودعاء بالرحمات.
وظاهر الأمر أن الواجب كلُّ كلام فيه دعاء للنبيء صلى الله عليه وسلم ولكن الصحابة لما نزلت هذه الآية سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفية هذه الصلاة قالوا: «يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمناه فكيف نصلي عليك؟» يعنون أنهم علِموا السلام عليه من صيغة بثّ السلام بين المسلمين وفي التشهد فالسلام بين المسلمين صيغته: السلام عليكم.
والسلام في التشهد هو «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» أو «السلام على النبي ورحمة الله وبركاته».
فقال رسول الله: قولوا: " اللهم صلّ على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد ".
هذه رواية مالك في «الموطأ» عن أبي حُميد الساعدي.
وروي أيضاً عن أبي مسعود الأنصاري بلفظ «وعلى آل محمد» (عن أزواجه وذريته في الموضعين) وبزيادة «في العالمين»، قبل: «إنك حميد مجيد.
والسلامُ كما قد علمتم».
وهما أصح ما روي كما قال أبو بكر بن العربي.
وهناك روايات خمس أخرى متقاربة المعنى وفي بعضها زيادة وقد استقصاها ابن العربي في «أحكام القرآن».
ومرجع صيغها إلى توجه إلى الله بأن يفيض خيرات على رسوله صلى الله عليه وسلم لأن معنى الصلاة الدعاء، والدعاء من حسن الأقوال، ودعاء المؤمنين لا يتوجه إلاّ إلى الله.
وظاهر صيغة الأمر مع قرينة السياق يقتضي وجوب أن يصلي المؤمن على النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه كان مجملاً في العدد فَمَحْمَله مَحْمل الأمر المُجمل أن يفيد المرة لأنها ضرورية لإِيقاع الفعل ولمقتضَى الأمر.
ولذلك اتفق فقهاء الأمة على أن واجباً على كل مؤمن أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مرة في العمر، فجعلوا وقتها العمرَ كالحج.
وقد اختلفوا فيما زاد على ذلك في حكمه ومقداره، ولا خلاف في استحباب الإِكثار من الصلاة عليه وخاصة عند وجود أسبابها.
قال الشافعي وإسحاق ومحمد بن الموازِ من المالكية واختاره أبو بكر بن العربي من المالكية: إن الصلاة عليه فرض في الصلاة فمن تركها بطلت صلاته.
قال إسحاق: ولو كان ناسياً.
وظاهر حكايتهم عن الشافعي أن تركها إنما يبطل الصلاة إذا كان عمداً وكأنهم جعلوا ذلك بياناً للإِجمال الذي في الأمر من جهة الوقت والعدد، فجعلوا الوقت هو إيقاع الصلاة للمقارنة بين الصلاة والتسليم، والتسليمُ وارد في التشهد، فتكون الصلاة معه على نحو ما استدل أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قوله: لأقاتلنّ من فَرق بين الصلاة والزكاة، فإذا كان هذا مأخذهم فهو ضعيف لأن الآية لم ترد في مقام أحكام الصلاة، وإلا فليس له أن يبين مجملاً بلا دليل.
وقال جمهور العلماء: هي في الصلاة مستحبة وهي في التشهد الأخير وهو الذي جرى عليه الشافعية أيضاً.
قال الخطابي: ولا أعلم للشافعي فيها قُدوة وهو مخالف لعمل السلف قبله، وقد شنع عليه في هذه المسألة جداً.
وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم والذي اختاره الشافعي ليس فيه الصلاة على النبي، كذلك كل من روَى التشهد عن رسول الله.
قال ابن عمر: كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر كما تعلمون الصبيان في الكتَّاب، وعلمه أيضاً على المنبر عمر، وليس في شيء من ذلك ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قلت: فمن قال إنها سنة في الصلاة فإنما أراد المستحب.
وأما حديث " لا صلاة لمن لم يصل عليَّ " فقد ضعفه أهل الحديث كلهم.
ومن أسباب الصلاة عليه أن يصلي عليه من جرى ذكره عنده، وكذلك في افتتاح الكتب والرسائِل، وعند الدعاء، وعند سماع الأذان، وعند انتهاء المؤذن، وعند دخول المسجد، وفي التشهد الأخير.
وفي التوطئة للأمر بالصلاة على النبي بذكر الفعل المضارع في ﴿ يصلون ﴾ إشارة إلى الترغيب في الإِكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تأسيَّاً بصلاة الله وملائكته.
واعلم أنا لم نقف على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون على النبي كلما جرى ذكر اسمه ولا أن يكتبوا الصلاة عليه إذا كتبوا اسمه ولم نقف على تعيين مبدأ كتابة ذلك بين المسلمين.
والذي يبدو أنهم كانوا يصلون على النبي إذا تذكروا بعض شؤونه كما كانوا يترحمون على الميِّت إذا ذكروا بعض محاسنه.
وفي «السيرة الحلبية»: «لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترى عمر من الدهش ما هو معلوم وتكلم أبو بكر بما هو معلوم قال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون صلواتُ الله على رسوله وعند الله نحتسب رسوله» وروى البخاري في باب: متى يحلّ المعتمر: عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تقول كلما مرت بالحَجون «صلى الله على رسوله محمد وسلم لقد نزلنا معه ههنا ونحن يومئذٍ خِفاف» إلى آخره.
وفي باب ما يقول عند دخول المسجد من «جامع الترمذي» حديث فاطمة بنت الحسين عن جدتها فاطمة الكبرى قالت: كان رسول الله إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك، قال الترمذي: حديث حسن وليس إسناده بمتصل.
ومن هذا القبيل ما ذكره ابن الأثير في «التاريخ الكامل» في حوادث سنة خمس وأربعين ومائة: أن عبد الله بن مصعب بن ثابت رثى محمداً النفس الزكية بأبيات منها: والله لوْ شهد النبي محمد *** صلى الإله على النبي وسَلَّماً ثم أحدثت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل الكتب في زمن هارون الرشيد، ذكر ذلك ابن الأثير في «الكامل» في سنة إحدى وثمانين ومائة، وذكره عياض في «الشفاء»، ولم يذكرا صيغة التصلية.
وفي «المخصص» لابن سيده في ذكر الخُف والنعل: إن أبا مُحَلِّم بعث إلى حذَّاء بنعل ليحذوها وقال له: «ثم سُنَّ شَفْرَتك وسُنّ رأس الإِزميل ثم سَمِّ باسم الله وصلّ على محمد ثم انحها» إلى آخره.
ولا شك أن إتباع اسم النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه في كتب الحديث والتفسير وغيرها كان موجوداً في القرن الرابع، وقد وقفت على قطعة عتيقة من تفسير يحيى بن سلام البصري مؤرخ نسخها سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة فإذا فيها الصلاة على النبي عقب ذكره اسمه.
وأحسب أن الذين سنُّوا ذلك هم أهل الحديث.
قال النووي في مقدمة شرحه على «صحيح مسلم» «يستحب لكاتب الحديث إذا مر بذكر الله أن يكتب عز وجل، أو تعالى، أو سبحانه وتعالى، أو تبارك وتعالى، أو جل ذكره، أو تبارك اسمه، أو جلت عظمته، أو ما أشبه ذلك، وكذلك يكتب عند ذكر النبي «صلى الله عليه وسلم بكمالها لا رامزاً إليها ولا مقتصراً على بعضها، ويكتب ذلك وإن لم يكن مكتوباً في الأصل الذي ينقل منه فإن هذا ليس رواية وإنما هو دعاء.
وينبغي للقارئ أن يقرأ كل ما ذكرناه وإن لم يكن مذكوراً في الأصل الذي يقرأ منه ولا يَسأم من تكرر ذلك، ومن أغفل ذلك حُرم خيراً عظيماً» ا ه.
وقوله: ﴿ وسلموا تسليماً ﴾ القول فيه كالقول في ﴿ صلوا عليه ﴾ حكماً ومكاناً وصفة فإن صفته حددت بقول النبي صلى الله عليه وسلم «والسلام كما قد علمتم» فإن المعلوم هو صيغته التي في التشهد «السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته».
وكان ابن عمر يقول فيه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم «السلام على النبي ورحمة الله وبركاته».
والجمهور أبقوا لفظه على اللفظ الذي كان في حياة النبي عليه الصلاة والسلام رعياً لما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حي يَبلُغه تسليم أمته عليه.
ومن أجل هذا المعنى أبقيت له صيغة التسليم على الأَحياء وهي الصيغة التي يتقدم فيها لفظ التسليم على المتعلِّق به لأن التسليم على الأموات يكون بتقديم المجرور على لفظ السلام.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي سلم عليه فقال: عليك السلام يا رسول الله فقال له: " إن عليكَ السلام تحيةُ الموتى، فقل: السلام عليك ".
والتسليم مشهور في أنه التحية بالسلام، والسلام فيه بمعنى الأمان والسلامة، وجعل تحية في الأولين عند اللقاء مبادأة بالتأمين من الاعتداء والثأر ونحو ذلك إذ كانوا إذ اتقوا أحداً توجّسُوا خِيفة أن يكون مضمراً شراً لملاقيه، فكلاهما يدفع ذلك الخوف بالإِخبار بأنه مُلق على مُلاقيه سلامة وأمناً.
ثم شاع ذلك حتى صار هذا اللفظ دالاً على الكرامة والتلطف، قال النابغة: أتاركة تدللها قطام *** وضِنًّا بالتحية والسلام ولذلك كان قوله تعالى: ﴿ وسلموا ﴾ غير مجمل ولا محتاج إلى بيان فلم يسأل عنه الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: هذا السلام قد عرفناه، وقال لهم: والسلام كما قد علمتم، أي كما قد علمتم من صيغة السلام بين المسلمين ومن ألفاظ التشهد في الصلاة.
وإذ قد كانت صيغة السلام معروفة كان المأمور به هو ما يماثل تلك الصيغة أعني أن نقول: السلام على النبي أو عليه السلام، وأن ليس ذلك بتوجه إلى الله تعالى بأن يسلم على النبي بخلاف التصلية لما علمت مِمَّا اقتضى ذلك فيها.
والآية تضمنت الأمر بشيئين: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتسليممِ عليه، ولم تقتض جمعهما في كلام واحد وهما مفرقان في كلمات التشهد فالمسلم مخيّر بين أن يقرن بين الصلاة والتسليم بأن يقول: صلى الله على محمد والسلام عليه، أو أن يقول: اللهم صل على محمد والسلام على محمد، فيأتي في جانب التصلية بصيغة طلب ذلك من الله، وفي جانب التسليم بصيغة إنشاء السلام بمنزلة التحية له، وبين أن يفرد الصلاة ويفرد التسليم وهو ظاهر الحديث الذي رواه عياض في «الشفاء» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقيت جبريل فقال لي: أبشرك أن الله يقول: من سَلَّم عليك سلمتُ عليه ومن صلى عليك صلّيتُ عليه.
وعن النووي أنه قال بكراهة إفراد الصلاة والتسليم، وقال ابن حجر: لعله أراد خلاف الأوْلى.
وفي الاعتذار والمعتذر عنه نظر إذ لا دليل على ذلك.
وأما أن يُقال: اللهم سلم على محمد، فليس بوارد فيه مسند صحيح ولا حَسن عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عنه إلا بصيغة إنشاء السلام مثل ما في التحية، ولكنهم تسامحوا في حالة الاقتران بين التصلية والتسليم فقالوا: صلى الله عليه وسلم لقصد الاختصار فيما نرى.
وقد استمر عليه عمل الناس من أهل العلم والفضل.
وفي حديث أسماء بنت أبي بكر المتقدم أنها قالت: «صلى الله على محمد وسلم».
ومعنى تسليم الله عليه إكرامه وتعظيمه فإن السلام كناية عن ذلك.
وقد استحسن أيمة السلف أن يجعل الدعاء بالصلاة مخصوصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وعن مالك: لا يصلّى على غير نبيئنا من الأنبياء.
يريد أن تلك هي السنة، وروي مثله عن ابن عباس، وروي عن عمر بن عبد العزيز: أن الصلاة خاصة بالنبيئين كلهم.
وأما التسليم في الغيبة فمقصور عليه وعلى الأنبياء والملائكة لا يشركهم فيه غيرهم من عباد الله الصالحين لقوله تعالى: ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ [الصافات: 79]، وقوله: ﴿ سلام على آل ياسين ﴾ [الصافات: 130]، ﴿ سلام على موسى وهارون ﴾ [الصافات: 120]، ﴿ سلام على إبراهيم ﴾ [الصافات: 109].
وأنه يجوز إِتباع آلهم وأصحابهم وصالحي المؤمنين إياهم في ذلك دون استقلال.
هذا الذي استقر عليه اصطلاح أهل السنة ولم يقصدوا بذلك تحريماً ولكنه اصطلاح وتمييز لمراتب رجال الدين، كما قصروا الرضى على الأصحاب وأيمة الدين، وقصروا كلمات الإِجلال نحو: تبارك وتعالى، وجل جلاله، على الخالق دون الأنبياء والرسل.
وأما الشيعة فإنهم يذكرون التسليم على عليّ وفاطمة وآلهما، وهو مخالف لعمل السلف فلا ينبغي اتباعهم فيه لأنهم قصدوا به الغضّ من الخلفاء والصحابة.
وانتصب ﴿ تسليماً ﴾ على أنه مصدر مؤكد ل ﴿ سلّمُوا ﴾ وإنما لم يؤكد الأمر بالصلاة عليه بمصدر فيقال: صلّوا عليه صلاةً، لأن الصلاة غلب إطلاقها على معنى الاسم دون المصدر، وقياس المصدر التصلية ولم يستعمل في الكلام لأنه اشتهر في الإِحراق، قال تعالى: ﴿ وتصلية جحيم ﴾ [الواقعة: 94]، على أن الأمر بالصلاة عليه قد حصل تأكيده بالمعنى لا بالتأكيد الاصطلاحي فإن التمهيد له بقوله: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ مشير إلى التحريض على الاقتداء بشأن الله وملائكته.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ صَلاةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ثَناؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلائِكَةِ، وصَلاةَ المَلائِكَةِ الدُّعاءُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: أنَّ صَلاةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ المَغْفِرَةُ لَهُ، وصَلاةَ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ لَهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّ صَلاةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ رَحْمَتُهُ، وصَلاةَ المَلائِكَةِ الدُّعاءُ لَهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو مَعْنى قَوْلِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ.
الرّابِعُ: أنَّ صَلاتَهم عَلَيْهِ أنْ يُبارِكُوا عَلَيْهِ؟
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ رَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى قالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقالَ: «ألا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ ؟
قُلْتُ: بَلى.
قالَ: سَألْنا رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا السَّلامَ عَلَيْكَ فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ؟
فَقالَ: (قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ.
اللَّهُمَّ بارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ)» .
قالَ أبُو العَبّاسِ ثَعْلَبٌ: مَعْنى قَوْلِنا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ أيْ زِدْ مُحَمَّدًا بَرَكَةً ورَحْمَةً، ويَجْرِي فِيهِ التَّأْوِيلاتُ المَذْكُورَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَلَّمُوا لِأمْرِهِ بِالطّاعَةِ لَهُ تَسْلِيمًا.
الثّانِي: وسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالدُّعاءِ لَهُ تَسْلِيمًا أيْ سَلامًا.
حَكى مُقاتِلٌ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُسْلِمُونَ فَما لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَنَزَلَتْ ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ ﴾ الآيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يصلون ﴾ يتبركون.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه قال: صلاة الله عليه: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة عليه: الدعاء له.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: هل يصلي ربك؟
فناداه ربه «يا موسى إن سألوك هل يصلي ربك؟
فقل: نعم.
أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي» فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي...
﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إن الله وملائكته...
﴾ الآية.
قال: لما نزلت جعل الناس يهنئونه بهذه الآية، وقال أبي بن كعب: ما أنزل فيك خيراً إلا خلطنا به معك إلا هذه الآية.
فنزلت ﴿ وبشر المؤمنين...
﴾ [ التوبة: 112] .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: صلاة الله على النبي هي مغفرته.
إن الله لا يصلي ولكن يغفر، وأما صلاة الناس على النبي صلى الله عليه وسلم فهي الاستغفار.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ «صلوا عليه كما صلّى عليه وسلموا تسليماً» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ قلنا: يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك، قال قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن جرير عن يونس بن خباب قال: «خطبنا بفارس فقال: ﴿ إن الله وملائكته..
﴾ الآية.
قال: انبأني من سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: هكذا انزل فقالوا: يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟
فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارحم محمداً وآل محمد كما رحمت آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله وملائكته..
﴾ قالوا: «يا رسول الله هذا السلام قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟
فقال: قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل بيته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن أبي كثير بن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: «لما نزلت ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي...
﴾ قالوا: يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟
وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: قولوا اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم، اللهم بارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم» .
وأخرج عبد الرزاق من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم صل على محمد وعلى أهل بيته وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى أهل بيته وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: «قال رجل يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمناه فكيف الصلاة عليك؟
قال: قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه وذريته، وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن عدي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على محمد، وأزواجه، وذريته، وأمهات المؤمنين، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج الدارقطني في الأفراد وابن النجار في تاريخه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فسلم، فرد النبي صلى الله عليه وسلم واطلق وجهه وأجلسه إلى جنبه، فلما قضى الرجل حاجته نهض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر هذا رجل يرفع له كل يوم كعمل أهل الأرض قلت: ولم ذاك؟
قال: إنه كلما أصبح صلى علي عشر مرات كصلاة الخلق أجمع قلت: وما ذاك؟
قال: يقول: اللهم صل على محمد النبي عدد من صلى عليه من خلقك، وصل على محمد النبي كما ينبغي لنا أن نصلي عليه، وصل على محمد النبي كما أمرتنا أن نصلي عليه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي عاصم والهيثم بن كليب الشاشي وابن مردويه عن طلحة بن عبيدالله قال: «قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟
قال: قل اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن جرير عن طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه قال: «أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت الله يقول ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ فكيف الصلاة عليك؟
قال: قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن جرير عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي...
﴾ .
قمت إليه فقلت: السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟
قال: قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمناه فكيف الصلاة عليك؟
قال:قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم» .
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه، «أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نصلي عليك؟
قال:قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
والسلام كما قد علمتم» .
وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، «أن بشير بن سعد قال: يا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟
فسكت حتى تمنينا أنا لم نسأله، ثم قال:قولوا الله صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
والسلام كما قد علمتم» .
وأخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، «أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن مردويه عن علي قال: «قلت يا رسول الله كيف نصلي عليك؟
قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف السلام عليك فكيف نصلي عليك؟
قال:قولوا اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد، كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: إذا قال الرجل في الصلاة ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي..
﴾ فليصل عليه.
وأخرج ابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، «أن رجلاً قال: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟
فصمت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو لنفسه.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أيما رجل مسلم لم يكن عنده صدقة فليقل في دعائه، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وصل على المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، فإنها له زكاة» .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من قال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم؛ شهدت له يوم القيامة بالشهادة وشفعت له» .
وأخرج البخاري في الأدب عن أنس ومالك بن أوس بن الحدثان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل عليه السلام جاءني فقال: من صلى عليك واحدة صلى الله عليه عشراً، ورفع له عشر درجات» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيآت» .
وأخرج البخاري في الأدب ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشراً» .
وأخرج البخاري في الأدب عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وسلم رقي المنبر، فلما رقي الدرجة الأولى قال آمين ثم رقي الثانية فقال: آمين ثم رقي الثالثة فقال: آمين.
فقالوا: يا رسول الله سمعناك تقول آمين ثلاث مرات قال: لما رقيت الدرجة الأولى جاءني جبريل فقال شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ منه ولم يغفر له، فقلت آمين.
ثم قال: شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، فقلت آمين.
ثم قال: شقي عبد ذكرت عنده ولم يصل عليك، فقلت آمين» .
وأخرج البخاري في الأدب عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رقي المنبر فقال: «آمين.
آمين.
آمين.
قيل له: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟!
فقال: قال جبريل: رغم أنف عبد أدرك أبويه أو أحدهما لم يدخله الجنة، قلت: آمين.
ثم قال: رغم أنف رجل دخل عليه رمضان فلم يغفر له، فقلت: آمين.
ثم قال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت آمين» .
وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي وابن مردويه عن زيد بن أبي خارجة رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله قد علمنا كيف السلام عليك فكيف نصلي عليك؟
فقال:صلوا عليَّ واجتهدوا، ثم قولوا: اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، «أن رهطاً من الأنصار قالوا: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟
قال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.
فقال فتى من الأنصار: يا رسول الله من آل محمد؟
قال: كل مؤمن» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: «قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟
قال:قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تعرضون عليَّ بأسمائكم ومسماكم، فاحسنوا الصلاة عليَّ» .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته مسروراً، فقلت: يا رسول الله ما أدري متى رأيتك أحسن بشراً، وأطيب نفساً من اليوم قال: وما يمنعني وجبريل خرج من عندي الساعة، فبشرني أن لكل عبد صلّى عليَّ صلاة يكتب له بها عشر حسنات ويمحى عنه عشر سيئات، ويرفع له بها عشر درجات، ويعرض علي كما قالها، ويرد عليه بمثل ما دعا» .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عيينة قال: أخبرني يعقوب بن زيد التيمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من ربي فقال: لا يصلي عليك عبد صلاة إلا صلّى عليه عشراً.
فقال رجل: يا رسول الله ألا أجعل نصف دعائي لك؟
قال: إن شئت قال: ألا أجعل كل دعائي لك؟
قال: إذن يكفيك الله هم الدنيا والآخرة» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن النجار عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله أرأيت قول الله: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ ؟
قال: «إن هذا لمن المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم!
إن الله وكل بي ملكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي عليَّ إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله وملائكته جواباً لذينك الملكين: آمين.
ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلي عليّ إلا قال: ذلك الملكان لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين: آمين» .
وأخرج مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلّى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشراً» .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة» .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة» .
وأخرج أحمد والترمذي عن الحسين بن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليَّ» .
وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي الصلاة عليَّ اخطأ طريق الجنة» .
وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا قاموا عن أنتن جيفة» .
وأخرج النسائي وابن أبي عاصم وأبو بكر في الغيلانيات والبغوي في الجعديات والبيهقي في الشعب والضياء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجلس قوم مجلساً لا يصلون فيه على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنة، لما يرون من الثواب» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فقال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك» .
وأخرج القاضي إسماعيل عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى به شحاً أن يذكرني قوم فلا يصلون عليَّ» .
وأخرج الأصفهاني في الترغيب والديلمي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم عليَّ في دار الدنيا صلاة، إنه قد كان في الله وملائكته كفاية، ولكن خص المؤمنين بذلك ليثيبهم عليه» .
وأخرج الخطيب في تاريخه والأصفهاني عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: «الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمحق للخطايا من الماء البارد، والسلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل من عتق الرقاب، وحب النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من مهج الأنفس، أو قال من ضرب السيف في سبيل الله» .
وأخرج ابن عدي عن ابن عمر رضي الله عنهما وأبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا عليَّ، صلى الله عليكم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: «قال رجل يا رسول الله أرأيت ان جعلت صلاتي كلها عليك؟
قال:إذاً يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً طيب النفس، يرى في وجهه البشر، قالوا: يا رسول الله أصبحت اليوم طيباً يرى في وجهك البشر قال: «أتاني آت من ربي فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئآت، ورفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها» وفي لفظ فقال: «أتاني الملك فقال: يا محمد أما يرضيك أن ربك يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً، قال: بلى» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر وابن المنذر في تاريخه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثركم عليَّ صلاة في الدنيا، من صلّى عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة مائة مرة قضى الله له مائة حاجة، سبعين من حوائج الآخرة، وثلاثين من حوائج الدنيا، ثم يوكل الله بذلك ملكاً يدخله في قبري كما يدخل عليكم الهدايا، يخبرني بمن صلّى عليَّ باسمه ونسبه إلى عشرة، فأثبته عندي في صحيفة بيضاء» .
وأخرج البيهقي في الشعب والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلّى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلّى عليَّ نائياً كفى أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإنها معروضة عليّ» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والطبراني والحاكم في الكنى عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلّى عليَّ صلاة صلّى الله عليه عشراً، فأكثروا أو أقلوا» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ماجة وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه.
قالوا: فعلمنا.
قال: قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأوّلون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «قلنا يا رسول الله قد عرفنا كيف السلام عليك فكيف نصلي عليك؟
قال:قولوا اللهم صل على محمد وأبلغه درجة الوسيلة من الجنة، اللهم اجعل في المصطفين محبته، وفي المقربين مودته، وفي عليين ذكره وداره، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد» .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة رضي الله عنها قالت: زينوا مجالسكم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الشيرازي في الألقاب عن زيد بن وهب قال: «قال ابن مسعود رضي الله عنه: يا زيد بن وهب لا تدع إذا كان يوم الجمعة أن تصلي على النبي ألف مرة، تقول: اللهم صل على النبي الأمي» .
وأخرج عبد الرزاق والقاضي إسماعيل وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني» .
وأخرج ابن أبي شيبة والقاضي إسماعيل وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا تصلح الصلاة على أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن حميدة قالت: أوصت لنا عائشة رضي الله عنها بمتاعها، فكان في مصحفها ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ والذين يصفون الصفوف الأول.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد إن الله يرحم النبي والملائكة يدعون له بالرحمة (١) (٢) - وأما صلاة الملائكة (٣) (٤) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ﴾ قال ابن عباس: ادعوا له بالرحمة (٥) وقال مقاتل: استغفروا ﴿ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ يعني: التسليم (٦) (٧) (٨) (٩) وروي عن كعب بن عجرة أنه قال لما نزلت هذه الآية: قلنا يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟
قال: "فقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركلت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (١٠) ومعنى قوله: علمنا السلام عليك: ما نقول في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
وهذه الآية بيان عما في نبوة النبي - - من الحق الذي يقتضي الصلاة عليه كما صلى الله عليه وملائكته ولهذا قال الشافعي - -: لا تصح صلاة في الشريعة إلا بالصلاة على رسول الله والسلام عليه (١١) (١) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس وقد ذكره الطبري غير منسوب لأحد 22/ 3، وذكره الماوردي 4/ 421 عن الحسن وعطاء بن أبي رباح.
(٢) في (ب): (فللمغفرة)، وهو خطأ.
(٣) في (أ): (الاستغفار).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 95 أ.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) في (ب): (للتسليم).
(٧) في (ب): أن (تقول).
(٨) في (ب): (عليك).
(٩) لم أقف عليه وليس في "تفسير مقاتل".
(١٠) رواه البخاري كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﴾ 4/ 1802 رقم الحديث (4519)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي - - بعد التشهد 1/ 305 رقم الحديث (406).
(١١) "الأم" 1/ 103.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي ﴾ هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا معنى صلاة الله وصلاة الملائكة في قوله: ﴿ يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ ﴾ [الأحزاب: 43] ﴿ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض إسلاميّ، فالأمر به محمول على الوجوب، وأقله مرة في العمر، وأما حكمها في الصلاة: فمذهب الشافعي أنها فرض تبطل الصلاة بتركه، ومذهب مالك أنها سنة وصفتها ما ورد في الحديث الصحيح: «اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» ، وقد اختلفت الروايات في ذلك اختلافاً كثيراً أما السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أن يريد السلام عليه في التشهد في الصلاة، أو السلام عليه حين لقائه، وأما السلام عليه بعد موته فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من سلم عليّ قريباً سمعته، ومن سلم عليّ بعيداً أبلغته، فإن الله حرم على الأرض أن تأكك أجساد الأنبياء» .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.
الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالثاء المثلثة.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي ، وقد مر أنه بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.
والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.
ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.
ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.
جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.
وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.
ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.
وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.
ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".
وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.
والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي مدع لها.
بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.
وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.
أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.
ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.
ووصف النبي بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.
وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.
ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".
ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.
قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.
ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.
في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.
وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.
وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.
وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.
وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.
وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله أيضاً.
ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.
ثم عاد إلى تعليم النبي .
وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.
وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.
والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.
ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾ يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.
والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.
قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.
وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.
وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي .
وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.
والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.
وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.
وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.
وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.
ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.
ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.
والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.
﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.
يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.
وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.
وعن الحسن: وكان النبي إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.
ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.
ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.
ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.
وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.
وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.
وإنه زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.
وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.
يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله : يا عيينة أين الاستئذان؟
فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.
ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟
فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.
قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.
فقال : إن الله قد حرم ذلك.
فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟
قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.
وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.
قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.
واستثنى ممن حرم عليه الإماء.
وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.
واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.
وعن عائشة: ما مات رسول الله حتى أحل له النساء.
تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.
ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.
وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.
وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.
وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.
ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.
وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.
يروى أن رسول الله أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.
فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟
وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.
ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.
والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.
قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.
والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.
وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.
﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.
وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.
ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.
إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.
ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.
قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.
وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.
وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.
ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.
قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.
ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.
ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.
وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي .
واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.
وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟
فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وعنه "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.
ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.
والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.
وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.
وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.
وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.
وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.
ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.
قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً .
وقيل: في إفك عائشة.
وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.
ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.
يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.
ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.
وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.
ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.
روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.
ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.
المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.
وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.
وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.
ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.
ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.
ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.
ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.
والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.
ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.
قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.
من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.
قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.
وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".
وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.
وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.
ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.
أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.
وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.
والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.
واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.
وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.
فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.
وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".
والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.
فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.
ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.
فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.
وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.
وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.
وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.
وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.
واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.
والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.
ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.
فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.
وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).
الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.
وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.
ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.
التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.
وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.
﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.
﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.
وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.
فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.
ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.
فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.
ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.
قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ .
ذكر في بعض الحديث: أنه لما نزلت هذه الآية، قيل له: يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟
فنزل قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ...
﴾ الآية [الأحزاب: 43]: قد بين ما صلاته وصلاة الملائكة؟
وهو ما ذكر من إخراجهم من الظلمات إلى النور، وهو دعاؤهم إلى الهدى والرشد، وذكر عن كعب بن عجرة قال: "لما نزل ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ قمت إليه، فقلت: يا رسول الله، السلام قد عرفناه؛ فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟
قال: قل: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" ففي الآية الأمر للمؤمنين أن يصلوا على النبي، ثم لما سئل هو عن كيفية الصلاة عليه وماهيتها؟
قال لهم: أن تقولوا: "اللهم صل على محمد"، وهو سؤال أن يتولى الرب الصلاة عليه.
وفي ظاهر الآية: هم المأمورون بتولي الصلاة بأنفسهم عليه، لكنه - صلوات الله [عليه] - لما أمروا بالصلاة عليه، وهي الغاية من الثناء، لم ير في وسعهم وطاقتهم القيام بغاية ما أمروا به من الثناء عليه - أمرهم أن يكلوا ذلك إلى الله ويفوضوا إليه، وأن يسألوه ليتولى ذلك هو دونهم؛ لما [لم] ير في وسعهم القيام بغاية الثناء عليه، وإلا ليس في ظاهر الآية سؤال الرب أن يصلي هو عليه؛ ولكن فيها الأمر: أن صلوا أنتم عليه، والله أعلم.
وقوله: "كما صليت وباركت على إبراهيم وآله": تخصيص إبراهيم من بين غيره من الرسل يحتمل ما ذكره أهل التأويل: إنه ليس من أهل دين ومذهب إلا وهو يدعي ويزعم أنه على دينه ومذهبه، وأنه يتأسّى به؛ لذلك خصّه بالصلاة عليه من بين غيره من الأنبياء وجائز أن يكون لا لهذا؛ ولكنه لمعنى كان فيه وفي ذريته، لا نعرفه نحن؛ فخصّه بذلك من بين غيره، والله أعلم.
وقوله: "وبارك على محمد" البركة كأنها اسم كل خير يكون أبداً على النماء والزيادة في كل وقت، وقد ذكرنا فيما تقدم ما قيل في صلاة الله عليهم وصلاة الملائكة وصلاة المؤمنين.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: نزلت الآية في اليهود؛ حين قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ، وهو ﴿ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ﴾ ، وفي النصارى؛ حين قالوا: ﴿ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ ، وإنه ﴿ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ﴾ ؛ وفي مشركي العرب، حين قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام آلهة، ونحو ذلك، وأذاهم رسول الله حين شجُّوه وكسروا رباعيته، وقالوا: إنه مجنون، أو ساحر، وأمثال ذلك؛ فأنزل الله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، يقول: عذبهم الله ﴿ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ : فأما تعذيبه إياهم في الدنيا: قتلهم بالسيف يوم بدر - يعني: مشركي العرب - وأهل الكتاب: بالجزية إلى يوم القيامة.
وفي الآخرة: النار.
وقال بعضهم قريباً من ذلك: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ هم أصحاب التصاوير والتماثيل؛ فلهم ما ذكر.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ .
أي: يقعون فيهم.
وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ هم الذين قذفوا عائشة بصفوان؛ آذوا رسول الله في زوجته عائشة حين قذفوها، وهي بريئة مما قذفوا.
وقوله: ﴿ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ : صفوان وعائشة.
وقال بعضهم: نزلت في علي بن أبي طالب - - فعلى هذا: عذابهم في الدنيا الجلد، وفي الآخرة: النار.
وجائز أن يكون هذا الوعيد في قاذف كل مؤمن ومؤمنة بغير ما اكتسب به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ إضافة الأذى إلى الله؛ على إرادة رسوله خاصة؛ لأن الله لا يجوز أن يقال: إنه يتأذى بشيء، أو يؤذيه شيء؛ لأن الأذى ضرر يلحق، والله يتعالى عن أن يلحقه ضرر أو نفع؛ بل هو القاهر الغالب القادر الغني بذاته، ويكون المراد بإضافة الأذى إليه: رسوله خاصة، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ ؛ أي: يخادعون رسوله، أو يخادعون أولياءه؛ لأن الله - - لا يخادع، وكقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، أي: إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا رسوله وأولياءه ينصركم، وأمثال ذلك كثير في القرآن؛ نسب ذلك إلى نفسه على إرادة أوليائه، فعلى ذلك هذا، والله أعلم، وبالله العصمة والتوفيق.
إلا أن يريد بالأذى - أعني: ما ذكر من أذى الله -: المعصية؛ فهو جائز، وكذلك ما روي عن النبي قال: "من آذاني فقد آذى الله" ، أي: من عصاني فقد عصى الله.
وفي الآية بيان وقوع المراد على الاختلاف والتفاوت من لفظ واحد؛ لأنه ذكر - هاهنا - أذى رسول الله، وعقب الوعيد الشديد من اللعن والعذاب في الدنيا والآخرة، وذكر في الآية التي قبلها، حيث قال: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ ﴾ ، و ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ ﴾ ، وما ذكر من الأذى، ثم لا شك أن المفهوم من هذا الأذى المذكور في هذه الآية - غير المفهوم من الأذى المذكور في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وأن أحدهما من المؤمنين، والآخر من الكفار، وإن كان ظاهر اللفظ في المخرج واحدا، وكذلك المفهوم من الظلم الذي ذكر في قوله: ﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ غير المفهوم من الظلم الذي قال آدم: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ ، والمفهوم من الضلال الذي قال موسى: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ غير المفهوم من ضلال فرعون وسائر الكفرة، وكذلك الفسق، ومثل هذا كثير، لا يجب أن نفهم من أمثال هذا شيئاً واحداً أو معنى واحدا، وإن كان اللفظ لفظا واحداً؛ ولكن على اختلاف الموقع.
وفي الآية دلالة عصمة رسول الله، وألا يكون منه ما يستحق الأذى بحال، وقد يكون من المؤمنين والمؤمنات ما يستوجبون الأذى ويستحقونه؛ حيث ذكر الأذى لرسول الله مطلقاً مرسلا غير مقيد بشيء؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، وذكر أذى المؤمنين مقيداً بشرط الكسب؛ حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ ؛ فدل شرط الكسب على أنهم قد يكتسبون ما يستحقون الأذى، ويكون منهم ما يستوجبون ذلك، وأما الرسول فلا يكون منه ما يستحق ذلك أو يوجب له، ولا قوة إلا بالله.
واللعن: هو الطرد في اللعنة، طردهم عن رحمته، وبعدهم عنها، والبهتان: قيل: هو أن يقال [فيه] ما ليس فيه؛ فبهت: قيل: تحير وانقطع حجاجه.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ أنزل في قوم همتهم الزنا بالإماء، وكانت الحرائر يومئذ يخرجن بالليل على زي الإماء فيتابعونهن، ويطلبون [ما يطلبون] من الإماء؛ فكان ذلك يؤذيهم ويتأذين بذلك جدّاً؛ فشكوا ذلك إلى رسول الله في ذلك؛ فنزل ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ ، ثم أمرن عند ذلك بإدناء الجلباب وإرخائه عليهن؛ ليعرفن أنهن حرائر، ونهين أن يتشبهن بالإماء؛ لئلا يؤذين، وهو قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ ﴾ .
وقال بعضهم: نزل هذا بالمدينة في نساء المهاجرين؛ وذلك أن المهاجرين قدموا إلى المدينة، وهي مضيقة، ومعهم نساؤهم؛ فنزلوا مع الأنصار في ديارهم؛ فضاق الدور عليهم، فكانت النساء يخرجن بالليل إلى البراز، فيقضين حوائجهن هنالك، فكان المريب يرصد النساء بالليل، فيأتيها فيعرض عليها، وإنما كانوا يطلبون الولائد والإماء، فلم تعرف الأمة من الحرة بالليل؛ لأن زيهن كان واحداً يومئذ؛ فذكر نساء المؤمنين ذلك إلى أزواجهن ما يلقين بالليل من أهل الريبة والفجور؛ فذكروا ذلك لرسول الله فنزل فيهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ...
﴾ إلى آخر ما ذكر: أمر الحرائر بإرخاء الجلباب وإسداله عليهن؛ ليكون علما بين الحرائر والإماء.
وروى عن عمر - - أن جارية مرت به متقنعة؛ فضربها بالدرة، وقال: "اكشفي قناعك، ولا تتشبهي بالحرائر"، وأمر الإماء بكشف ما ذكر، والحرائر بستر ذلك.
وقد أمر الحرائر في سورة النور بضرب الخمر على الجيوب بقوله: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ﴾ ؛ لئلا يظهر الزينة التي على الجيوب، ونهين أن يظهرن ويبدين زينتهن للأجنبيين إلا ما ظهر منها، وأمرن في هذه الآية على إرخاء الجلباب وإسداله عليهن؛ ليعرفن أنهن حرائر؛ فلا يؤذين بما ذكرنا.
ثم اختلف في الجلباب: قال بعضهم: هو الرداء، والجلابيب: الأردية، وهو قول القتبي: أمرن أن يلبسن الأردية والملاء.
وقال أبو عوسجة: الجلابيب: المقانع، الواحد: جلباب، يقال: تجلببي، أي تقنعي، وهو الذي يكون فوق الخمار.
وفي الآية دلالة رخصة خروج الحرائر للحوائج؛ لأنه لو لم يجز لهن الخروج لم يؤمرن بإرخاء الجلباب على أنفسهن؛ ولكن ينهاهن عن الخروج؛ فدل أنه يجوز لهن الخروج للحاجة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ .
جائز أن يكون قوله: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ عما سبق ذكره من التعرض للنساء بالزنا والفجور بهنّ؛ وإنهم هم الفاعلون لذلك بهنّ.
وأما المسلمون فلا يحتمل أن يتعرضوا لشيء من ذلك [في ذلك] الوقت؛ فقال: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ ومن ذكر، عن ذلك يفعل بهم ما ذكر.
وقال بعضهم: إن أهل النفاق كانوا يرجفون أخبار العدو ويذيعونها، ويقولون: قد أتاكم عدد وعدة من العدو؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ : كانوا يجبنونهم ويضعفونهم؛ لئلا يغتروا أولئك الكفرة؛ يسرون النفاق والخلاف لهم، ويظهرون الوفاق ويسرون فيما بينهم، ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول؛ فنهوا عن ذلك؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ ﴾ ؛ فنهوا عن ذلك؛ فقال هاهنا: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ عن صنيعهم ذلك، ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ﴾ ، أي: لنسلطنك عليهم.
وقال بعضهم: لنحملنك عليهم.
وقال بعضهم: لنولعنك بهم.
وكأن الإغراء هو التخلية بينه وبينهم؛ حتى يقابلهم بالسيف ويقتلهم، وكان قبل ذلك يقابلهم باللسان، لم يأمره بالمقابلة بالسيف إلى هذا الوقت، وأخبر أنهم ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ ﴾ .
أي: مطرودون أينما وجدوا؛ لأن اللعن هو الطرد، وأنهم يقتلون تقتيلا، وأنهم لا يجاورونك إلا قليلا فيما لا تعلم بهم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ قال بعضهم: هم الزناة، و ﴿ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ ، هم المنافقون، ﴿ وَٱلْمُرْجِفُونَ ﴾ : ليسوا بمنافقين؛ ولكنهم قوم كانوا يحبون أن يفشوا الأخبار، ويقال: الإرجاف: هو تشييع الخبر.
وجائز أن يكون المنافق هو الذي كان مع الكفرة في السر حقيقة، والذي في قبله مرض: هو الذي في قلبه ريب واضطراب، لم يكن مع الكفرة لا سرّاً ولا ظاهراً، والذي بين الكافر والمنافق.
وقوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ .
قال بعضهم: سنة الله في الأمم السالفة والإهلاك من الكفار.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ ﴾ في أهل النفاق من الأمم السالفة - ما ذكر في هؤلاء.
وقال مقاتل: ﴿ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ : أهل بدر حين أسروا وقتلوا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن الله يثني عند ملائكته على الرسول محمد ، وملائكته يدعون له، يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لعباده، صلوا على الرسول وسلموا عليه تسليمًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.DzoYV"
نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ .
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).
فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.
لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟
أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟
ومن وجهة أخرى نرى أن النبي -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ إلخ.
فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.
مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي ومن يختصه الله بالتأسي به.
لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.
نادى في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.
على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي في أمر زينب.
كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ إلخ، فعمد النبي -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.
لهذا أرغم النبي زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.
ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ .
وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.
واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.
قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟
حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!
"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.
سبحان الله!
كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟
فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود .
وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.
تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.
أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.
وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.
أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!
إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ والله أعلم.