الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٩ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 155 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين ، في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق ، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور .
وقال موسى بن عقبة وغيره كانت في سنة أربع .
وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرا من أشراف يهود بني النضير ، الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر ، منهم : سلام بن أبي الحقيق ، وسلام بن مشكم ، وكنانة بن الربيع ، خرجوا إلى مكة واجتمعوا بأشراف قريش ، وألبوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة .
فأجابوهم إلى ذلك ، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضا .
وخرجت قريش في أحابيشها ، ومن تابعها ، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب ، وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر ، والجميع قريب من عشرة آلاف ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق ، وذلك بإشارة سلمان الفارسي ، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا ، ونقل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وحفر ، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات .
وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبا من أحد ، ونزلت طائفة منهم في أعالي أرض المدينة ،
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) يقول تعالى ذكره: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) التي أنعمها على جماعتكم وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق (إْذ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ) : جنود الأحزاب: قريش، وغَطفان، ويهود بني النضير (فأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحا) وهي فيما ذكر: ريح الصَّبا.
كما حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الشمال: إن الحرّة لا تسري بالليل، قال: فكانت الريح التي أُرسلت عليهم الصبا.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثني الزبير -يعني: ابن عبد الله- قال: ثني ربيح بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء تقوله؟
قال: " نَعَمْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا "، فَضَرَبَ اللهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بالرِّيحِ، فهَزَمَهُم اللهُ بالرّيحِ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الله بن عمرو، عن نافع، عن عبد الله، قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون ليلة الخندق في برد شديد وريح، إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف قال: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذن لي وقال: " مَنْ لَقِيتَ مِنْ أصحَابِي فَمُرْهُمْ يَرْجِعُوا ".
قال: فذهبت والريح تسفي كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: فما يلوي أحد منهم عنقه؛ قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه عليّ، وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي، فأنفذها إلى الأرض.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة: قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال فتى من أهل الكوفة لحُذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟
قال: نعم يا بن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟
قال: والله لقد كنا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، لحملناه على أعناقنا.
قال حُذَيفة: يا بن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله هويا من الليل (1) ثم التفت إلينا فقال: " من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟
يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يرجع أدخله الله الجنة "، فما قام أحد، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: " مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنا ما فَعَلَ القَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ، يَشْتَرطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الرَّجْعَةَ، أسألُ الله أنْ يكُونَ رَفِيقي فِي الجَنَّةِ" فما قام رجل من شدّة الخوف، وشدّة الجوع، وشدّة البرد؛ فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني، فقال: " يا حُذيْفَةُ اذْهَبْ فادْخُلْ فِي القَوْمِ فانْظُرْ، وَلا تُحْدِثَنَّ شَيْئا حتى تَأْتينَا ".
قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء؛ فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه، فقال حُذَيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟
فقال: أنا فلان بن فلان؛ ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخفّ، واختلفت بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما يطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم.
ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا تُحدث شيئا حتى تأتيني، لو شئت لقتلته بسهم؛ قال حُذَيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه؛ فلما رآني أدخلني بين رجليه، وطرح عليّ طَرف المِرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه؛ فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غَطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ) قال: الأحزاب: عيينة بن بدر، وأبو سفيان، وقريظة.
وقوله: (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحا) قال: ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق، حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونـزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم.
وقوله: (وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها) قال: الملائكة ولم تقاتل يومئذ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) قال: يعني الملائكة، قال: نـزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن تبعه من الناس، حتى نـزلوا بعقوة (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عُيينة بن حصن، أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نـزلوا بعقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه، فقال حيث يقول الله تعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ فبعث الله عليهم الرعب والريح، فذكر لنا أنهم كانوا كلما أوقدوا نارا أطفأها الله، حتى لقد ذكر لنا أن سيد كلّ حيّ يقول: يا بني فلان هلمّ إليّ، حتى إذا اجتمعوا عنده فقال: النجاء النجاء، أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ...) الآية، قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، في قول الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) والجنود: قريش وغطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة.
وقوله: (وكانَ اللَّهُ بِمَا تَعْملُونَ بَصِيرًا) يقول تعالى ذكره: وكان الله بأعمالكم يومئذ، وذلك صبرهم على ما كانوا فيه من الجهد والشدّة، وثباتهم لعدوّهم، وغير ذلك من أعمالهم، بصيرا لا يخفى عليه من ذلك شيء، يحصيه عليهم، ليجزيهم عليه.
------------------------ الهوامش : (1) هويا، بهاء مفتوحة أو مضمومة، وياء مشددة، وهو الساعة الممتدة من الليل (اللسان: هوى).
(2) العقوة: الساحة وما حول الدار.
(عن اللسان: عقا).
قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا .يعني غزوة الخندق والأحزاب وبني قريظة ، وكانت حالا شديدة معقبة بنعمة ورخاء وغبطة ، وتضمنت أحكاما كثيرة وآيات باهرات عزيزة ، ونحن نذكر من ذلك بعون الله تعالى ما يكفي في عشر مسائل .الأولى : اختلف في أي سنة كانت ; فقال ابن إسحاق : كانت في شوال من السنة الخامسة .
وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك رحمه الله : كانت وقعة الخندق سنة أربع ، وهي وبنو قريظة في يوم واحد ، وبين بني قريظة والنضير أربع سنين .
قال ابن وهب وسمعت مالكا يقول : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال من المدينة ، وذلك قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر .
قال : ذلك يوم الخندق ، جاءت قريش من هاهنا واليهود من هاهنا والنجدية من هاهنا .
يريد مالك : إن الذين جاءوا من فوقهم بنو قريظة ، ومن أسفل منهم قريش وغطفان .
وكان سببها : أن نفرا من اليهود منهم كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وسلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وحيي بن أخطب النضريون وهوذة بن قيس وأبو عمار من بني وائل ، وهم كلهم يهود ، هم الذين حزبوا الأحزاب وألبوا وجمعوا ، خرجوا في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب [ ص: 121 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك ; فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ، ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم ; فخرجت قريش يقودهم أبو سفيان بن حرب ، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على فزارة ، والحارث بن عوف المري على بني مرة ، ومسعود بن رخيلة على أشجع .
فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتماعهم وخروجهم شاور أصحابه ، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق فرضي رأيه .
وقال المهاجرون يومئذ : سلمان منا .
وقال الأنصار : سلمان منا !
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمان منا أهل البيت .
وكان الخندق أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر .
فقال : يا رسول الله ، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا ; فعمل المسلمون في الخندق مجتهدين ، ونكص المنافقون وجعلوا يتسللون لواذا فنزلت فيهم آيات من القرآن ذكرها ابن إسحاق وغيره .
وكان من فرغ من المسلمين من حصته عاد إلى غيره ، حتى كمل الخندق .
وكانت فيه آيات بينات وعلامات للنبوات .قلت : ففي هذا الذي ذكرناه من هذا الخبر من الفقه وهي :الثانية : مشاورة السلطان أصحابه وخاصته في أمر القتال ; وقد مضى ذلك في ( آل عمران ، والنمل ) .
وفيه التحصن من العدو بما أمكن من الأسباب واستعمالها ; وقد مضى ذلك في غير موضع .
وفيه أن حفر الخندق يكون مقسوما على الناس ; فمن فرغ منهم عاون من لم يفرغ ، فالمسلمون يد على من سواهم ; وفي البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال : لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه ، وكان كثير الشعر ، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ويقول :اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة عليناوثبت الأقدام إن لاقيناوأما ما كان فيه من الآيات وهي :الثالثة : فروى النسائي عن أبي سكينة رجل من المحررين عن رجل من أصحاب [ ص: 122 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال : وتمت كلمة ربك صدقا الآية ; فندر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر ، فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة ، ثم ضرب الثانية وقال : وتمت الآية ; فندر الثلث الآخر ; فبرقت برقة فرآها سلمان ، ثم ضرب الثالثة وقال : وتمت كلمة ربك صدقا الآية ; فندر الثلث الباقي ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس .
قال سلمان : يا رسول الله ، رأيتك حين ضربت !
ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة ؟
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت ذلك يا سلمان ؟
فقال : أي والذي بعثك بالحق يا رسول الله !
قال : فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني - قال له من حضره من أصحابه : يا رسول الله ، ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم ; فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني - قالوا : يا رسول الله ، ادع الله تعالى أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم ; فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم .
وخرجه أيضا عن البراء قال : لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق عرض لنا صخرة لا تأخذ فيها المعاول ، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال : باسم الله فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ثم قال : الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر إلى قصورها الحمراء الآن من مكاني هذا قال : ثم ضرب أخرى وقال : باسم الله فكسر ثلثا آخر ثم قال : الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض .
ثم ضرب الثالثة وقال : باسم الله فقطع الحجر وقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر باب صنعاء .
صححه أبو محمد عبد الحق .الرابعة : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفر الخندق أقبلت قريش في نحو عشرة آلاف بمن معهم من كنانة وأهل تهامة ، وأقبلت غطفان بمن معها من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب [ ص: 123 ] أحد ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى نزلوا بظهر سلع في ثلاثة آلاف وضربوا عسكرهم والخندق بينهم وبين المشركين ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم - في قول ابن شهاب - وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي ، وكان صاحب عقد بني قريظة ورئيسهم ، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهده ; فلما سمع كعب بن أسد حيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه وأبى أن يفتح له ; فقال له : افتح لي يا أخي ; فقال له : لا أفتح لك ، فإنك رجل مشئوم ، تدعوني إلى خلاف محمد وأنا قد عاقدته وعاهدته ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا ، فلست بناقض ما بيني وبينه .
فقال حيي : افتح لي حتى أكلمك وأنصرف عنك ; فقال : لا أفعل ; فقال : إنما تخاف أن آكل معك جشيشتك ; فغضب كعب وفتح له ; فقال : يا كعب !
إنما جئتك بعز الدهر ، جئتك بقريش وسادتها ، وغطفان وقادتها ; قد تعاقدوا على أن يستأصلوا محمدا ومن معه ; فقال له كعب : جئتني والله بذل الدهر وبجهام لا غيث فيه !
ويحك يا حيي ؟
دعني فلست بفاعل ما تدعوني إليه ; فلم يزل حيي بكعب يعده ويغره حتى رجع إليه وعاقده على خذلان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأن يسير معهم ، وقال له حيي بن أخطب : إن انصرفت قريش وغطفان دخلت عندك بمن معي من اليهود .فلما انتهى خبر كعب وحيي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ، وسيد الأوس سعد بن معاذ ، وبعث معهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير ، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : انطلقوا إلى بني قريظة فإن كان ما قيل لنا حقا فالحنوا لنا لحنا ولا تفتوا في أعضاد الناس .
وإن كان كذبا فاجهروا به للناس فانطلقوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما قيل لهم عنهم ، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : لا عهد له عندنا ; فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ; وكانت فيه حدة فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم ، فالذي بيننا وبينهم أكثر من ذلك ، ثم أقبل سعد وسعد حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة المسلمين فقالا : عضل والقارة - يعرضان بغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم .
أبشروا يا معشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف ، وأتى المسلمين عدوهم من فوقهم ; يعني من فوق الوادي من قبل المشرق ، ومن أسفل منهم من بطن الوادي من قبل المغرب ، حتى ظنوا بالله الظنون ; وأظهر المنافقون كثيرا مما كانوا يسرون ، فمنهم من قال : إن بيوتنا عورة ، فلننصرف إليها ، فإنا نخاف عليها ; وممن قال ذلك : أوس بن قيظي .
ومنهم من قال : يعدنا محمد أن يفتح كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه يذهب إلى الغائط !
وممن قال ذلك : معتب بن قشير أحد بني عمرو بن عوف .
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام المشركون بضعا [ ص: 124 ] وعشرين ليلة قريبا من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى .
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اشتد على المسلمين البلاء بعث إلى عيينة بن حصن الفزاري ، وإلى الحارث بن عوف المري ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة لينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا ويرجعا بقومهما عنهم .
وكانت هذه المقالة مراوضة ولم تكن عقدا ; فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا أتى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فقالا : يا رسول الله ، هذا أمر تحبه فنصنعه لك ، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع ، أو أمر تصنعه لنا ؟
قال : بل أمر أصنعه لكم ، والله ما أصنعه إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة .
فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، والله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قرى ، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا !
والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم !
فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال : أنتم وذاك .
وقال لعيينة والحارث : انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف .
وتناول سعد الصحيفة وليس فيها شهادة فمحاها .الخامسة : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون على حالهم ، والمشركون يحاصرونهم ولا قتال بينهم ; إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود العامري من بني عامر بن لؤي ، وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن أبي وهب ، وضرار بن الخطاب الفهري ، وكانوا فرسان قريش وشجعانهم ، أقبلوا حتى وقفوا على الخندق ، فلما رأوه قالوا : إن هذه لمكيدة ، ما كانت العرب تكيدها .
ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق ، فضربوا خيلهم فاقتحمت بهم ، وجاوزوا الخندق وصاروا بين الخندق وبين سلع ، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها ، وأقبلت الفرسان نحوهم ، وكان عمرو بن عبد ود أثبتته الجراح يوم بدر فلم يشهد أحدا ، وأراد يوم الخندق أن يرى مكانه ، فلما وقف هو وخيله ; نادى : من يبارز ؟
فبرز له علي بن أبي طالب وقال له : يا عمرو ، إنك عاهدت الله فيما بلغنا أنك لا تدعى إلى إحدى خلتين إلا أخذت إحداهما ؟
قال : نعم .
قال : فإني أدعوك إلى الله والإسلام .
قال : لا حاجة لي بذلك .
قال : فأدعوك إلى البراز .
قال : يا بن أخي ، والله ما أحب أن أقتلك لما كان بيني وبين أبيك .
فقال له علي : أنا والله أحب أن أقتلك .
فحمي عمرو بن عبد ود ونزل عن فرسه ، فعقره وصار نحو علي ، فتنازلا وتجاولا وثار النقع بينهما حتى [ ص: 125 ] حال دونهما ، فما انجلى النقع حتى رئي علي على صدر عمرو يقطع رأسه ، فلما رأى أصحابه أنه قد قتله علي اقتحموا بخيلهم الثغرة منهزمين هاربين .
وقال علي رضي الله عنه في ذلك :نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت دين محمد بضرابنازلته فتركته متجدلا كالجذع بين دكادك وروابيوعففت عن أثوابه ولو انني كنت المقطر بزني أثوابيلا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزابقال ابن هشام : أكثر أهل العلم بالسير يشك فيها لعلي .
قال ابن هشام : وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو ; فقال حسان بن ثابت في ذلك :فر وألقى لنا رمحه لعلك عكرم لم تفعلووليت تعدو كعدو الظل ( ) يم ما إن تجور عن المعدلولم تلقظهرك مستأنسا كأن قفاك قفا فرعلقال ابن هشام : فرعل : صغير الضباع .
وكانت عائشة رضي الله عنها في حصن بني حارثة ، وأم سعد بن معاذ معها ، وعلى سعد درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه ، وفي يده حربته وهو يقول :لبث قليلا يلحق الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا كان الأجلورمي يومئذ سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل .
واختلف فيمن رماه ; فقيل : رماه حبان بن قيس ابن العرقة ، أحد بني عامر بن لؤي ، فلما أصابه قال له : خذها وأنا ابن العرقة .
فقال له سعد : عرق الله وجهك في النار .
وقيل : إن الذي رماه خفاجة بن عاصم بن حبان .
وقيل : بل الذي رماه أبو أسامة الجشمي ، حليف بني مخزوم .
ولحسان مع صفية بنت عبد المطلب خبر طريف يومئذ ; ذكره ابن إسحاق وغيره .قالت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها : كنا يوم الأحزاب في حصن حسان بن ثابت ، وحسان معنا في النساء والصبيان ، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في نحر العدو لا يستطيعون [ ص: 126 ] الانصراف إلينا ، فإذا يهودي يدور ، فقلت لحسان : انزل إليه فاقتله ; فقال : ما أنا بصاحب هذا يا ابنة عبد المطلب !
فأخذت عمودا ونزلت من الحصن فقتلته ، فقلت : يا حسان ، انزل فاسلبه ، فلم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل .
فقال : ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب !
قالت : فنزلت فسلبته .
قال أبو عمر بن عبد البر : وقد أنكر هذا عن حسان جماعة من أهل السير وقالوا : لو كان في حسان من الجبن ما وصفتم لهجاه بذلك الذين كان يهاجيهم في الجاهلية والإسلام ، ولهجي بذلك ابنه عبد الرحمن ; فإنه كان كثيرا ما يهاجي الناس من شعراء العرب ; مثل النجاشي وغيره .السادسة : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي فقال : يا رسول الله ، إني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي ، فمرني بما شئت ; فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنت رجل واحد من غطفان فلو خرجت فخذلت عنا إن استطعت كان أحب إلينا من بقائك معنا ، فاخرج فإن الحرب خدعة .
فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة - وكان ينادمهم في الجاهلية - فقال : يا بني قريظة ، قد عرفتم ودي إياكم ، وخاصة ما بيني وبينكم ; قالوا : قل فلست عندنا بمتهم ; فقال لهم : إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه فإن رأوا نهزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ، ولا طاقة لكم به ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا .
ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لهم : قد عرفتم ودي لكم معشر قريش ، وفراقي محمدا ، وقد بلغني أمر أرى من الحق أن أبلغكموه نصحا لكم ، فاكتموا علي ; قالوا نفعل ; قال : تعلمون أن معشر يهود ، قد ندموا على ما كان من خذلانهم محمدا ، وقد أرسلوا إليه : إنا قد ندمنا على ما فعلنا ؛ فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على ما بقي منهم حتى نستأصلهم .
ثم أتى غطفان فقال مثل ذلك .فلما كان ليلة السبت وكان ذلك من صنع الله عز وجل لرسوله والمؤمنين ، أرسل أبو سفيان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يقول لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر ، فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نناجز محمدا ; فأرسلوا إليهم : إن اليوم يوم السبت ، وقد علمتم ما نال منا من تعدى في السبت ، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا ; فلما رجع الرسول بذلك قالوا : صدقنا والله نعيم بن مسعود ; فردوا إليهم الرسل وقالوا : والله لا نعطيكم رهنا أبدا فاخرجوا معنا إن شئتم وإلا فلا عهد بيننا وبينكم .
فقال بنو قريظة : صدق والله نعيم بن مسعود .
وخذل الله [ ص: 127 ] بينهم ، واختلفت كلمتهم ، وبعث الله عليهم ريحا عاصفا في ليال شديدة البرد ; فجعلت الريح تقلب آنيتهم وتكفأ قدورهم .السابعة : فلما اتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم اختلاف أمرهم ، بعث حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم واستتر في غمارهم ، وسمع أبا سفيان يقول : يا معشر قريش ، ليتعرف كل امرئ جليسه .
قال حذيفة : فأخذت بيد جليسي وقلت : ومن أنت ؟
فقال أنا فلان .
ثم قال أبو سفيان : ويلكم يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، ولقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة ، ولقينا من هذه الريح ما ترون ، ما يستمسك لنا بناء ، ولا تثبت لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار ، فارتحلوا فإني مرتحل ; ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم .
قال حذيفة : ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لي إذ بعثني ، قال لي : مر إلى القوم فاعلم ما هم عليه ولا تحدث شيئا - لقتلته بسهم ; ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رحيلهم ، فوجدته قائما يصلي في مرط لبعض نسائه مراجل - قال ابن هشام : المراجل ضرب من وشي اليمن - فأخبرته فحمد الله .قلت : وخبر حذيفة هذا مذكور في صحيح مسلم ، وفيه آيات عظيمة ، رواه جرير عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : كنا عند حذيفة فقال رجل لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت .
فقال حذيفة : أنت كنت تفعل ذلك !
لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ؟
فسكتنا فلم يجبه منا أحد ، ثم قال : ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ؟
فسكتنا فلم يجبه أحد .
فقال : قم ياحذيفة فأتنا بخبر القوم فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم .
قال : اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي قال : فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم ، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه ، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته : فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام ، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت ، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى [ ص: 128 ] أصبحت ، فلما أصبحت قال : قم يا نومان .
ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذهب الأحزاب ، رجع إلى المدينة ووضع المسلمون سلاحهم ، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم في صورة دحية بن خليفة الكلبي ، على بغلة عليها قطيفة ديباج فقال له : يا محمد ، إن كنتم قد وضعتم سلاحكم فما وضعت الملائكة سلاحها .
إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة ، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم حصونهم .
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي :الثامنة : مناديا فنادى : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ; فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة .
وقال آخرون : لا نصلي العصر إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت .
قال : فما عنف واحدا من الفريقين .
وفي هذا من الفقه تصويب المجتهدين .
وقد مضى بيانه في ( الأنبياء ) .
وكان سعد بن معاذ إذ أصابه السهم دعا ربه فقال : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش فأبقني لها ; فإنه لا قوم أحب أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه .
اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ، ولا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة .
وروى ابن وهب عن مالك قال : بلغني أن سعد بن معاذ مر بعائشة رضي الله عنها ونساء معها في الأطم ( فارع ) ، وعليه درع مقلصة ، مشمر الكمين ، وبه أثر صفرة وهو يرتجز :لبث قليلا يدرك الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجلفقالت عائشة رضي الله عنها : لست أخاف أن يصاب سعد اليوم إلا في أطرافه ; فأصيب في أكحله .
وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت رجلا أجمل من سعد بن معاذ حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فأصيب في أكحله ثم قال : اللهم إن كان حرب قريظة لم يبق منه شيء فاقبضني إليك ، وإن كان قد بقيت منه بقية فأبقني حتى أجاهد مع رسولك أعداءه ; فلما حكم في بني قريظة توفي ; ففرح الناس وقالوا : نرجو أن يكون قد استجيبت دعوتهالتاسعة : ولما خرج المسلمون إلى بني قريظة أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية علي بن أبي [ ص: 129 ] طالب ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، ونهض علي وطائفة معه حتى أتوا بني قريظة ونازلوهم ، فسمعوا سب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فانصرف علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا رسول الله ، لا تبلغ إليهم ، وعرض له .
فقال له : أظنك سمعت منهم شتمي .
لو رأوني لكفوا عن ذلك ، ونهض إليهم ، فلما رأوه أمسكوا .
فقال لهم : نقضتم العهد يا إخوة القرود ، أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته .
فقالوا : ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا ; ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة .
وعرض عليهم سيدهم كعب ثلاث خصال ليختاروا أيها شاءوا : إما أن يسلموا ويتبعوا محمدا على ما جاء به فيسلموا .
قال : وتحرزوا أموالكم ونساءكم وأبناءكم ، فوالله إنكم لتعلمون أنه الذي تجدونه مكتوبا في كتابكم .
وإما أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ثم يتقدموا ; فيقاتلون حتى يموتوا من آخرهم .
وإما أن يبيتوا المسلمين ليلة السبت في حين طمأنينتهم فيقتلوهم قتلا .
فقالوا له : أما الإسلام فلا نسلم ولا نخالف حكم التوراة ، وأما قتل أبنائنا ونسائنا فما جزاؤهم المساكين منا أن نقتلهم ، ونحن لا نتعدى في السبت .
ثم بعثوا إلى أبي لبابة ، وكانوا حلفاء بني عمرو بن عوف وسائر الأوس ، فأتاهم فجمعوا إليه أبناءهم ونساءهم ورجالهم وقالوا له : يا أبا لبابة ، أترى أن ننزل على حكم محمد ؟
فقال : نعم ، - وأشار بيده إلى حلقه - إنه الذبح إن فعلتم .ثم ندم أبو لبابة في الحين ، وعلم أنه خان الله ورسوله ، وأنه أمر لا يستره الله عليه عن نبيه صلى الله عليه وسلم .
فانطلق إلى المدينة ولم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فربط نفسه في سارية وأقسم ألا يبرح من مكانه حتى يتوب الله عليه ، فكانت امرأته تحله لوقت كل صلاة .
قال ابن عيينة وغيره : فيه نزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم الآية .
وأقسم ألا يدخل أرض بني قريظة أبدا مكانا أصاب فيه الذنب .
فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من فعل أبي لبابة قال : أما إنه لو أتاني لاستغفرت له ، وأما إذ فعل ما فعل فلا أطلقه حتى يطلقه الله تعالى فأنزل الله تعالى في أمر أبي لبابة : وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية .
فلما نزل فيه القرآن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقه ، فلما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتواثب الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا رسول الله ، وقد علمت أنهم حلفاؤنا ، وقد أسعفت عبد الله بن أبي ابن سلول في بني النضير حلفاء الخزرج ، فلا يكن حظنا أوكس وأنقص عندك من حظ غيرنا ، فهم موالينا .
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الأوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم - قالوا : بلى .
قال - : فذلك إلى سعد بن معاذ .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب له خيمة في المسجد ، ليعوده من قريب في مرضه من جرحه الذي أصابه في الخندق .
فحكم فيهم بأن تقتل المقاتلة ، وتسبى [ ص: 130 ] الذرية والنساء ، وتقسم أموالهم .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة .
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجوا إلى موضع بسوق المدينة اليوم - زمن ابن إسحاق - فخندق بها خنادق ، ثم أمر عليه السلام فضربت أعناقهم في تلك الخنادق ، وقتل يومئذ حيي بن أخطب وكعب بن أسد ، وكانا رأس القوم ، وكانوا من الستمائة إلى السبعمائة .
وكان على حيي حلة فقاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة ، أنملة أنملة لئلا يسلبها .
فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتي به ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل قال : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك .ولكنه من يخذل الله يخذلثم قال : يا أيها الناس ، لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل ، ثم جلس فضربت عنقه .
وقتل من نسائهم امرأة ، وهي بنانة امرأة الحكم القرظي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته .
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كل من أنبت منهم وترك من لم ينبت .
وكان عطية القرظي ممن لم ينبت ، فاستحياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مذكور في الصحابة .
ووهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس ولد الزبير بن باطا فاستحياهم ; منهم عبد الرحمن بن الزبير أسلم وله صحبة .
ووهب أيضا عليه السلام رفاعة بن سموأل القرظي لأم المنذر سلمى بنت قيس ، أخت سليط بن قيس من بني النجار ، وكانت قد صلت إلى القبلتين ; فأسلم رفاعة وله صحبة ورواية .
وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال : أتى ثابت بن قيس بن شماس إلى ابن باطا - وكانت له عنده يد - وقال : قد استوهبتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدك التي لك عندي ، قال : ذلك يفعل الكريم بالكريم ، ثم قال : وكيف يعيش رجل لا ولد له ولا أهل ؟
قال : فأتى ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فأعطاه أهله وولده ; فأتى فأعلمه فقال : كيف يعيش رجل لا مال له ؟
فأتى ثابت النبي صلى الله عليه وسلم فطلبه فأعطاه ماله ، فرجع إليه فأخبره ; قال : ما فعل ابن أبي الحقيق الذي كأن وجهه مرآة صينية ؟
قال : قتل .
قال : فما فعل المجلسان ، يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة ؟
قال : قتلوا .
قال : فما فعلت الفئتان ؟
قال : قتلتا .
قال : برئت ذمتك ، ولن أصب فيها دلوا أبدا ، يعني النخل ، فألحقني بهم ، فأبى أن يقتله فقتله غيره .
واليد التي كانت لابن باطا عند ثابت أنه أسره يوم بعاث فجز ناصيته وأطلقه .[ ص: 131 ] العاشرة : وقسم صلى الله عليه وسلم أموال بني قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما .
وقد قيل : للفارس سهمان وللراجل سهم .
وكانت الخيل للمسلمين يومئذ ستة وثلاثين فرسا .
ووقع للنبي صلى الله عليه وسلم من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة أحد بني عمرو بن قريظة ، فلم تزل عنده إلى أن مات صلى الله عليه وسلم .
وقيل : إن غنيمة قريظة هي أول غنيمة قسم فيها للفارس والراجل ، وأول غنيمة جعل فيها الخمس .
وقد تقدم أن أول ذلك كان في بعث عبد الله بن جحش ; فالله أعلم .
قال : أبو عمر : وتهذيب ذلك أن تكون غنيمة قريظة أول غنيمة جرى فيها الخمس بعد نزول قوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول الآية .
وكان عبد الله بن جحش قد خمس قبل ذلك في بعثه ، ثم نزل القرآن بمثل ما فعله ; وكان ذلك من فضائله رحمة الله عليه .وكان فتح قريظة في آخر ذي القعدة وأول ذي الحجة من السنة الخامسة من الهجرة .
فلما تم أمر بني قريظة أجيبت دعوة الرجل الفاضل الصالح سعد بن معاذ ، فانفجر جرحه ، وانفتح عرقه ، فجرى دمه ومات رضي الله عنه .
وهو الذي أتى الحديث فيه : اهتز لموته عرش الرحمن يعني سكان العرش من الملائكة فرحوا بقدوم روحه واهتزوا له .
وقال ابن القاسم عن مالك : حدثني يحيى بن سعيد قال : لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك ، ما نزلوا إلى الأرض قبلها .
قال مالك : ولم يستشهد يوم الخندق من المسلمين إلا أربعة أو خمسة .قلت : الذي استشهد يوم الخندق من المسلمين ستة نفر فيما ذكر أهل العلم بالسير : سعد بن معاذ أبو عمرو من بني عبد الأشهل ، وأنس بن أوس بن عتيك ، وعبد الله بن سهل ، وكلاهما أيضا من بني عبد الأشهل ، والطفيل بن النعمان ، وثعلبة بن غنمة ، وكلاهما من بني سلمة ، وكعب بن زيد من بني دينار بن النجار ، أصابه سهم غرب فقتله ، رضي الله عنهم .
وقتل من الكفار ثلاثة : منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار ، أصابه سهم [ ص: 132 ] مات منه بمكة .
وقد قيل : إنما هو عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق .
ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي ، اقتحم الخندق فتورط فيه فقتل ، وغلب المسلمون على جسده ; فروي عن الزهري أنهم أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جسده عشرة آلاف درهم فقال : لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه فخلى بينهم وبينه .
وعمرو بن عبد ود الذي قتله علي مبارزة ، وقد تقدم .
واستشهد يوم قريظة من المسلمين خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج ; طرحت عليه امرأة من بني قريظة رحى فقتلته .
ومات في الحصار أبو سنان بن محصن بن حرثان الأسدي ، أخو عكاشة بن محصن ، فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقبرة بني قريظة التي يتدافن فيها المسلمون السكان بها اليوم .
ولم يصب غير هذين ، ولم يغز كفار قريش المؤمنين بعد الخندق .
وأسند الدارمي أبو محمد في مسنده : أخبرنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال : حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا ; وذلك قول الله عز وجل : وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام فصلى الظهر فأحسن كما كان يصليها في وقتها ، ثم أمره فأقام العصر فصلاها ، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها ، ثم أمره فأقام العشاء فصلاها ، وذلك قبل أن ينزل : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا خرجه النسائي أيضا .
وقد مضت هذه المسألة في ( طه ) .
وقد ذكرنا في هذه الغزاة أحكاما كثيرة لمن تأملها في مسائل عشر .
ثم نرجع إلى أول الآي وهي تسع عشرة آية تضمنت ما ذكرناه .قوله تعالى : إذ جاءتكم جنود يعني الأحزاب .
فأرسلنا عليهم ريحا قال مجاهد : هي الصبا ، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم .
قال : والجنود الملائكة ولم تقاتل يومئذ .
وقال عكرمة : قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب : انطلقي لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت الشمال : إن محوة لا تسري بليل .
فكانت [ ص: 133 ] الريح التي أرسلت عليهم الصبا .
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور .
وكانت هذه الريح معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريبا منها ، لم يكن بينهم وبينها إلا عرض الخندق ، وكانوا في عافية منها ، ولا خبر عندهم بها .
وجنودا لم تروها وقرئ بالياء ; أي لم يرها المشركون .
قال المفسرون : بعث الله تعالى عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد ، وقطعت أطناب الفساطيط ، وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور ، وجالت الخيل بعضها في بعض ، وأرسل الله عليهم الرعب ، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر ; حتى كان سيد كل خباء يقول : يا بني فلان ، هلم إلي ، فإذا اجتمعوا قال لهم : النجاء النجاء ; لما بعث الله تعالى عليهم من الرعب .
وكان الله بما تعملون بصيرا وقرئ : ( يعملون ) بالياء على الخبر ، وهي قراءة أبي عمرو .
الباقون بالتاء ; يعني من حفر الخندق والتحرز من العدو .
يذكر تعالى عباده المؤمنين، نعمته عليهم، ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم جنود أهل مكة والحجاز، من فوقهم، وأهل نجد، من أسفل منهم، وتعاقدوا وتعاهدوا على استئصال الرسول والصحابة، وذلك في وقعة الخندق.ومالأتهم [طوائف] اليهود، الذين حوالي المدينة، فجاءوا بجنود عظيمة وأمم كثيرة.وخندق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، على المدينة، فحصروا المدينة، واشتد الأمر، وبلغت القلوب الحناجر، حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل مبلغ، لما رأوا من الأسباب المستحكمة، والشدائد الشديدة، فلم يزل الحصار على المدينة، مدة طويلة، والأمر كما وصف اللّه: { وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ } أي: الظنون السيئة، أن اللّه لا ينصر دينه، ولا يتم كلمته.
قوله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ) وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام الخندق ( إذ جاءتكم جنود ) يعني الأحزاب ، وهم قريش ، وغطفان ، ويهود قريظة ، والنضير ( فأرسلنا عليهم ريحا ) وهي الصبا ، قال عكرمة : قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت الشمال إن الحرة لا تسري بالليل ، وكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا آدم ، أخبرنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور " .
قوله تعالى : ( وجنودا لم تروها ) وهم الملائكة ، ولم تقاتل الملائكة يومئذ ، فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحا باردة فقلعت الأوتاد ، وقطعت أطناب الفساطيط ، وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور ، وجالت الخيل بعضها في بعض ، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول : يا بني فلان هلم إلي ، فإذا اجتمعوا عنده قال : النجاء النجاء ، لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال .
( وكان الله بما تعملون بصيرا ) قال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير ، عن عروة بن الزبير ومن لا أتهم ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، وعن الزهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الله بن أبي بكرة بن محمد بن عمرو بن حزم ، وعن محمد بن كعب القرظي ، وعن غيرهم من علمائنا ، دخل حديث بعضهم في بعض : أن نفرا من اليهود ، منهم سلام بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وهودة بن قيس وأبي عمار الوائلي ، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل ، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله ، فقالت لهم قريش : يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد ، فديننا خير أم دينه ؟
قالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق منهم ، قال : فهم الذين أنزل الله فيهم : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، إلى قوله : " وكفى بجهنم سعيرا " ( النساء 51 - 55 ) .
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ، فأجمعوا لذلك ، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس غيلان ، فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه ، وأن قريشا قد بايعوهم على ذلك ، فأجابوهم .
فخرجت قريش ، وقائدها أبو سفيان بن حرب ، وخرجت غطفان ، وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في فزارة ، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة ، ومسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه من أشجع فلما سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة .
وكان الذي أشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخندق سلمان الفارسي ، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يومئذ حر ، فقال : يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا عليها ، فعمل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون حتى أحكموه .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني ، أخبرنا محمد بن جعفر الطبري ، حدثنا حماد بن الحسن ، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة ، حدثنا كثير بن عبد الله ، عن عمرو بن عوف ، حدثني أبي عن أبيه قال : خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعا ، قال : فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلا قويا ، فقال المهاجرون : سلمان منا ، وقال الأنصار : سلمان منا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " سلمان منا أهل البيت " .
قال عمرو بن عوف : كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المازني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا كنا تحت ذي ناب أخرج الله في بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا ، فقلنا : يا سلمان ارق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبره خبر هذه الصخرة ، فإما أن يعدل عنها فإن المعدل قريب ، وإما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه ، قال : فرقي سلمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ضارب عليه قبة تركية ، فقال : يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحيك فيها قليل ولا كثير ، فمرنا فيها بأمرك ، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك ، فهبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع سلمان الخندق والتسعة على شق الخندق ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها - يعني المدينة - حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكبير فتح وكبر المسلمون ، ثم ضربها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثانية وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكبير فتح وكبر المسلمون ، ثم ضربها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكسرها ، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكبير فتح ، وكبر المسلمون ، فأخذ بيد سلمان ورقي ، فقال سلمان : بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط ، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى القوم فقال : " أرأيتم ما يقول سلمان " ؟
قالوا : نعم يا رسول الله قال : " ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم ، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب ، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم ، أضاءت لي منها قصور الحيرة من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب ، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم ، أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها ، فأبشروا " ، فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعد صدق ، وعدنا النصر بعد الحصر ، فقال المنافقون : ألا تعجبون من محمد يعدكم ويمنيكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى ، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا ؟
قال فنزل القرآن : ( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) وأنزل الله هذه القصة : " قل اللهم مالك الملك " الآية ( آل عمران - 26 ) .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، أخبرنا معاوية بن عمرو ، أخبرنا أبو إسحاق ، عن حميد قال : سمعت أنسا يقول : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك عنهم ، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع ، قال : " اللهم إن العيش عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة " ، فقالوا مجيبين له : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وأخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم ، أخبرنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه - أو اغبر - وهو يقول : والله لولا ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع بها صوته : أبينا أبينا .
رجعنا إلى حديث ابن إسحاق ، قال : فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة من الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ، ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة ، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد ، حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد ، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون ، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم .
وأمر بالنساء والذراري فرفعوا في الآطام .
وخرج عدو الله حيي بن أخطب من بني النضير حتى أتى كعب بن أسد القرظي ، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم ، وكان قد وادع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قومه وعاهده على ذلك ، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه حصنه ، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له ، فناداه حيي : يا كعب افتح لي ، فقال : ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدا ، فلست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا .
قال : ويحك افتح لي أكلمك ، قال : ما أنا بفاعل ، قال : والله إن أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها ، فأحفظ الرجل ، ففتح له ، فقال : ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد ، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه .
قال له كعب بن أسد : جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه برعد وبرق ، وليس فيه شيء ، فدعني ومحمدا وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء ، فلم يزل حيي بن أخطب بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له ، على أن أعطاه من الله عهدا وميثاقا .
لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك ، فنقض كعب بن أسد عهده وتبرأ مما كان عليه فيما كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر وإلى المسلمين ، بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ ، أحد بني عبد الأشهل ، وهو يومئذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة ، وهو يومئذ سيد الخزرج ، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج ، وخوات بن جبير ، أخو بني عمرو بن عوف ، فقال : انطلقوا حتى تنظروا ، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟
فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ، ولا تفتوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به جهرا للناس ، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم منهم ، ونالوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد ، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه ، وكان رجلا فيه حدة ، فقال له سعد بن معاذ : دع عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ، ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلموا عليه وقالوا : عضل والقارة ، لغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أصحاب الرجيع : خبيب بن عدي وأصحابه; فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين .
وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير ، أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط ، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ، وحتى قال أوس بن قيظي ، أحد بني حارثة بن قيظي : يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو وذلك على ملأ من رجال قومه ، فائذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنها خارجة من المدينة .
فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى .
فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عيينة بن حفص ، وإلى الحارث بن عمر ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، فجرى بينه وبينهم الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ، فذكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، واستشارهما فيه ، فقالا يا رسول الله أشيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم أمر تحبه فتصنعه ، أم شيء تصنعه لنا ؟
قال : لا بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا!
مالنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنت وذاك .
فتناول سعد الصحيفة ، فمحا ما فيها من الكتابة ، ثم قال : ليجهدوا علينا .
فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون ، وعدوهم محاصروهم ، ولم يكن بينهم قتال ، إلا أن فوارس من قريش ، منهم عمرو بن عبد ود ، أخو بني عامر بن لؤي ، وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ، ونوفل بن عبد الله ، وضرار بن الخطاب ، ومرداس أخو بني محارب بن فهر ، قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بني كنانة فقالوا : تهيئوا للحرب يا بني كنانة ، فستعلمون اليوم من الفرسان ، ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها .
ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه ، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع ، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم ، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم ، وكان عمرو بن عبد ود وقاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة ، فلم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه ، فلما وقف هو وخيله ، قال له علي : يا عمرو إنك كنت تعاهد الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذت منه إحداهما ، قال : أجل ، فقال له علي بن أبي طالب : فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام ، قال : لا حاجة لي بذلك ، قال : فإني أدعوك إلى البراز قال : ولم ياابن أخي ، فوالله ما أحب أن أقتلك ، قال علي : ولكني والله أحب أن أقتلك ، فحمي عمرو عند ذلك ، فاقتحم عن فرسه ، فعقره وضرب وجهه ، ثم أقبل على علي ، فتناولا وتجاولا فقتله علي ، فخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة ، وقتل مع عمرو رجلان : منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار ، أصابه سهم ، فمات منه بمكة ، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي ، وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة ، فقال : يا معشر العرب قتله أحسن من هذه ، فنزل إليه علي فقتله ، فغلب المسلمون على جسده ، فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعهم جسده ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا حاجة لنا في جسده وثمنه ، فشأنكم به ، فخلى بينهم وبينه .
قالت عائشة أم المؤمنين : كنا يوم الخندق في حصن بني حارثة ، وكان من أحرز حصون المدينة ، وكانت أم سعد بن معاذ معنا في الحصن ، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب ، فمر سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة ، قد خرجت منها ذراعه كلها ، وفي يده حربة وهو يقول : لبث قليلا يدرك الهيجا حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت له أمه : الحق يا بني فقد والله أجزت ، قالت عائشة فقلت لها : يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي ، قالت : وخفت عليه حيث أصاب السهم منه ، قالت : فرمي سعد يومئذ بسهم ، وقطع منه الأكحل ، رماه خباب بن قيس بن العرقة ، أحد بني عامر بن لؤي ، فلما أصابه قال : خذها وأنا ابن العرقة ، فقال سعد : عرق الله وجهك في النار ، ثم قال سعد : اللهم أن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلي من أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه ، وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية .
وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال : كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع ، حصن حسان بن ثابت ، قالت : وكان حسان معنا فيه ، مع النساء والصبيان ، قالت صفية : فمر بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن ، وقد حاربت بنو قريظة ، فقطعت ما بيننا وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في نحور عدوهم ، لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم ، إذ أتانا آت .
قالت : فقلت : يا حسان ، إن هذا اليهودي كما ترى ، يطوف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من يهود ، وقد شغل عنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فانزل إليه فاقتله ، فقال : يغفر الله لك يابنة عبد المطلب ، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا ، قالت : فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا اعتجرت ، ثم أخذت عمودا ، ثم نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود حتى قتلته ، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن ، فقلت : يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل ، قال : ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب .
قالوا : أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم .
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر من غطفان أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة ، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة ، وكان لهم نديما في الجاهلية ، فقال لهم : يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم ، قالوا : صدقت لست عندنا بمتهم ، فقال لهم : إن قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه ، وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم ، البلد بلدكم به أموالكم وأولادكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره ، وإن قريشا وغطفان ، أموالهم وأولادهم ونساؤهم بعيدة ، إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا ، حتى تناجزوه .
قالوا : لقد أشرت برأي ونصح .
ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : يا معشر قريش قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا ، وقد بلغني أمر رأيت أن حقا علي أن أبلغكم نصحا لكم ، فاكتموا علي ، قالوا : نفعل ، قال : تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه : أن قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين ، من قريش وغطفان ، رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم ؟
فأرسل إليهم : أن نعم .
فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا .
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال : يا معشر غطفان ، أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ، ولا أراكم تتهموني ، قالوا : صدقت ، قال : فاكتموا علي ، قالوا : نفعل ، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم ، فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس ، وكان مما صنع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أرسل أبو سفيان ورءوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان ، فقالوا لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر ، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه ، فقال بنو قريظة لهم : إن اليوم السبت ، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم ، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا ، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا ، والرجل في بلدنا ، ولا طاقة لنا بذلك من محمد ، فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان : تعلمن والله أن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق ، فأرسلوا إلى بني قريظة : إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا ، فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا : إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا ، فإن وجدوا فرصة انتهزوها ، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم ، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم ، فأرسلوا إلى قريش وغطفان : إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا ، فأبوا عليهم ، وخذل الله بينهم وبعث الله عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد ، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم .
فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما اختلف من أمرهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا .
روى محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، وروى غيره عن إبراهيم التميمي ، عن أبيه قالا قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان : يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبتموه ، قال نعم ياابن أخي ، قال : كيف كنتم تصنعون ؟
قال : والله لقد كنا نجهد ، فقال الفتى : والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا ولخدمناه ، وفعلنا وفعلنا ، فقال حذيفة : ياابن أخي والله لقد رأيتني ليلة الأحزاب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : من يقوم فيذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله الجنة ؟
فما قام منا رجل ، ثم صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هويا من الليل ، ثم التفت إلينا فقال مثله فسكت القوم ، وما قام منا رجل ثم صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هويا من الليل ، ثم التفت إلينا فقال : من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة ، فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد ، فلما لم يقم أحد دعاني ، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا حذيفة ، فلم يكن لي بد من القيام إليه حين دعاني ، فقلت : لبيك يا رسول الله وقمت حتى آتيه ، وإن جنبي ليضطربان ، فمسح رأسي ووجهي ، ثم قال : ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع إلي ، ثم قال اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، ومن فوقه ومن تحته فأخذت سهمي ، وشددت علي سلاحي ، ثم انطلقت أمشي نحوهم كأنما أمشي في حمام ، فذهبت فدخلت في القوم ، وقد أرسل الله عليهم ريحا وجنودا لله تفعل بهم ما تفعل ، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء ، وأبو سفيان قاعد يصطلي ، فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي فأردت أن أرميه ، ولو رميته لأصبته ، فذكرت قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي ، فرددت سهمي في كنانتي .
فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله بهم ، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء ، قام فقال : يا معشر قريش ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه فلينظر من هو ، فأخذت بيد جليسي فقلت من أنت ، فقال : سبحان الله أما تعرفني أنا فلان بن فلان ، فإذا هو رجل من هوازن .
فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا منهم الذي نكره ، ولقينا من هذه الريح ما ترون ، فارتحلوا فإني مرتحل ، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ، ثم ضربه فوثب به على ثلاث ، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم .
قال : فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأني أمشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي ، فلما سلم أخبرته الخبر ، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل ، قال : فلما أخبرته وفرغت قررت وذهب عني الدفاء .
فأدناني النبي - صلى الله عليه وسلم - منه ، وأنامني عند رجليه ، وألقى علي طرف ثوبه ، وألزق صدري ببطن قدميه فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال : قم يا نومان .
«يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود» من الكفار متحزبون أيام حفر الخندق «فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها» من الملائكة «وكان الله بما تعملون» بالتاء من حفر الخندق وبالياء من تحزيب المشركين «بصيرا».
يا معشر المؤمنين اذكروا نعمة الله تعالى التي أنعمها عليكم في "المدينة" أيام غزوة الأحزاب -وهي غزوة الخندق-، حين اجتمع عليكم المشركون من خارج "المدينة"، واليهود والمنافقون من "المدينة" وما حولها، فأحاطوا بكم، فأرسلنا على الأحزاب ريحًا شديدة اقتلعت خيامهم ورمت قدورهم، وأرسلنا ملائكة من السماء لم تروها، فوقع الرعب في قلوبهم.
وكان الله بما تعملون بصيرًا، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
وبعد هذا البيان الحكيم لبعض الأحكام الشرعية .
انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن غزوة الأحزاب ، وعن فضل الله - تعالى - على المؤمنين فيها ، فقال - سبحانه - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا .
.
.
عَهْدُ الله مَسْئُولاً ) .وغزوة الأحزاب ، من الغزوات الشهيرة فى تاريخ الدعوة الإِسلامية ، وكانت - على الراجح - فى شهر شوال من السنة الخامسة بعد الهجرة .وملخصها - كما ذكر الإِمام ابن كثير - أن نفرا من اليهود - على رأسهم حيى بن أخطب - خرجوا إلى مكة ، واجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب المسلمين ، فأجابوهم إلى ذلك .ثم خرجوا إلى قبيلة غطفان فدعوهم لحرب المسلمين ، فاستجابوا لهم - ايضا - .وخرجت قريش فى أحابيشها ومن تابعها ، والجميع فى جيش قريب من عشرة آلاف رجل .وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقدمهم ، أمر بحفر خندق حول المدينة .ووصلت جيوش الأحزاب إلى مشارف المدينة ، فوجدوا الخندق قد حفر ، وأنه يحول بينهم وبين اقتحامها .
كما أن المسلمين كانوا لهم بالمرصاد .وخلال الفترة العصبية ، نقض يهود بنى قريظة عهودهم مع المسلمين ، وانضموا إلى جيوش الأحزاب ، فزاد الخطب على المسلمين .ومكث الأعداء محاصرين للمدينة قريبا من شهر .
ثم جاء نصر الله - تعالى - ، بأن أرسل على جيوش الأحزاب ريحا شديدة ، وجنودا من عنده ، فتصدعت جبهات الأحزاب ، وانكفأت خيامهم ، وملأ الرعب قلوبهم ، ( وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى الله المؤمنين القتال ) وقد ابتدأ الله - تعالى - الحديث عن هذه الغزوة ، بنداء وجهه إلى المؤمنين ، ذكرهم فيه بفضله عليهم ، وبرحمته بهم فقال : ( ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ) .والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإِيمان ، ( اذكروا ) على سبيل الشكر والاعتبار ( نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ) ورحمته بكم .( إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ ) كثيرة ، هى جنود جيوش الأحزاب ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً ) شديدة زلزلتهم ، وجعلتهم يرحلون عنكم بخوف وفزع .كما أرسلنا عليهم ( وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ) وهم الملائكة ، الذين ألقوا الرعب فى قلوب أعدائكم .قالوا : روى أن الله - تعالى - بعث عليهم ريحا باردة فى ليلة باردة ، فألقت التراب فى وجوههم ، وأمر الملائكة فقلعت أوتاد خيامهم ، وأطفأت نيرانهم وقذفت فى قلوبهم الرعب .
.
فقال كل سيد قوم لقومه : يا بنى فلان : النجاء النجاء .وقوله - سبحانه - : ( وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) تذييل قصد به بيان مظهر آخر من مظاهر فضله - تعالى - عليهم .أى : جاءتكم تلك الجنود الكثيرة .
فأرسلنا عليهم ريحا شديدة ، وأرسنلا عليهم من عندنا جنودا لم تروها ، وكنا فوق كل ذلك مطلعين على أعمالكم من حفر الخندق وغيره وسامعين لدعائكم ، وقد أجبناه لكم ، حيث رددنا أعداءكم عنكم دون أن ينالوا خيرا .
تحقيقاً لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك لأن واقعة اجتماع الأحزاب واشتداد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم ونزلوا على المدينة وعمل النبي عليه السلام الخندق، كان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمنهم من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبد غير ربه فإنه كاف أمره ولا يأمن مكره فإنه قادر على كل ممكن فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم كانوا ضعفاء كما قهر الكافرين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم، وقوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ إشارة إلى ما فعل الله بهم من إرسال ريح باردة عليهم في ليلة شاتية وإرسال الملائكة وقذف الرعب في قلوبهم حتى كان البعض يلتزق بالبعض من خوف الخيل في جوف الليل والحكاية مشهورة، وقوله: ﴿ وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴾ إشارة إلى أن الله علم التجاءكم إليه ورجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداء، وهذا تقرير لوجوب الخوف وعدم جواز الخوف من غير الله فإن قوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ أي الله يقضي حاجتكم وأنتم لا ترون، فإن كان لا يظهر لكم وجه الأمن فلا تلتفتوا إلى عدم ظهوره لكم لأنكم لا ترون الأشياء فلا تخافون غير الله والله بصير بما تعملون فلا تقولوا بأنا نفعل شيئاً وهو لا يبصره فإنه بكل شيء بصير وقوله: ﴿ إِذْ جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ بيان لشدة الأمر وغاية الخوف، وقيل: ﴿ مّن فَوْقِكُمْ ﴾ أي من جانب الشرق ﴿ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ من جانب الغرب وهم أهل مكة وزاغت الأبصار أي مالت عن سننها فلم تلتفت إلى العدو لكثرته ﴿ وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر ﴾ كناية عن غاية الشدة، وذلك لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص فيلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مجرى النفس لا يقدر المرء يتنفس ويموت من الخوف ومثله قوله تعالى: ﴿ فلولا إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم ﴾ وقوله: ﴿ وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا ﴾ الألف واللام يمكن أن يكونا بمعنى الاستغراق مبالغة يعني تظنون كل ظن لأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً ويمكن أن يكون المراد ظنونهم المعهودة، لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قال عليه السلام: «ظنوا بالله خيراً» ومن الكافر الظن السوء كما قال تعالى: ﴿ ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ وقوله: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ فإن قال قائل المصدر لا يجمع، فما الفائدة في جمع الظنون؟
فنقول لا شك في أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال ضربته سياطاً وأدبته مراراً فكأنه قال ظننتم ظناً بعد ظن أي ما ثبتم على ظن فالفائدة هي أن الله تعالى لو قال: تظنون ظناً، جاز أن يكونوا مصيبين فإذا قال: ظنوناً، تبين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها وقد يكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد مثاله إذا رأى جمع من بعيد جسماً وظن بعضهم أنه زيد وآخرون أنه عمرو وقال ثالث إنه بكر، ثم ظهر لهم الحق قد يكون الكل مخطئين والمرئي شجر أو حجر.
وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مصيبين فقوله: ﴿ الظنونا ﴾ أفاد أن فيهم من أخطأ الظن، ولو قال تظنون بالله ظناً ما كان يفيد هذا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اذكروا ﴾ ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق ﴿ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ ﴾ وهم الأحزاب، فأرسل الله عليهم ريح الصبا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» ﴿ وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً: بعث الله عليهم صبا باردة في ليلة شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدي: أما محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال، وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار عليه بذلك سلمان الفارسي رضي الله عنه، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام واشتدّ الخوف، وظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصرولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.
وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن.
وعامر بن الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله النصر ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ قرئ بالتاء والياء ﴿ مّن فَوْقِكُمْ ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق: بنو غطفان ﴿ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب: قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً ﴿ زَاغَتِ الأبصار ﴾ مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة وشخوصاً.
وقيل: عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها لشدة الروع.
الحنجرة: رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم.
والحلقوم: مدخل الطعام والشراب، قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغمّ الشديد: ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثمة قيل للجبان: انتفخ سحره.
ويجوز أن يكون ذلك مثلاً في اضطراب القلوب ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة ﴿ وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا ﴾ خطاب للذين آمنوا.
ومنهم الثبت القلوب والأقدام، والضعاف القلوب: الذين هم على حرف، والمنافقون: الذين لم يوجد منهم الإيمان إلا بألسنتهم فظن الأولون بالله أنه يبتليهم ويفتنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأمّا الآخرون فظنوا بالله ما حكى عنهم.
وعن الحسن: ظنوا ظنوناً مختلفة: ظن المنافقون أنّ المسلمين يستأصلون، وظنّ المؤمنون أنهم يبتلون.
وقرئ ﴿ الظنون ﴾ بغير ألف في الوصل والوقف وهو القياس، وبزيادة ألف في الوقف زادوها في الفاصلة، كما زادها في القافية من قال: أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا وكذلك الرسولا والسبيلا.
وقرئ بزيادتها في الوصل أيضاً، إجراء له مجرى الوقف.
قال أبو عبيد: وهنّ كلهنّ في الإمام بألف.
وعن أبي عمرو إشمام زاي زلزلوا.
وقرئ: ﴿ زلزالاً ﴾ بالفتح.
والمعنى: أنّ الخوف أزعجهم أشد الإزعاج.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ ﴾ يَعْنِي الأحْزابَ وهم قُرَيْشٌ وغَطَفانُ ويَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وكانُوا زُهاءَ اثْنَيْ عَشَرَ ألَفًا.
﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا ﴾ رِيحَ الصَّبا.
﴿ وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها ﴾ المَلائِكَةَ.
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا سَمِعَ بِإقْبالِهِمْ ضَرَبَ الخَنْدَقَ عَلى المَدِينَةِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ في ثَلاثَةِ آلافٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ومَضى عَلى الفَرِيقَيْنِ قَرِيبٌ مِن شَهْرٍ لا حَرْبَ بَيْنَهم إلّا التَّرامِي بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا بارِدَةً في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَأخْصَرَتْهم وسَفَتِ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ وأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَلَعَتْ خِيامَهم وماجَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ وكَبَّرَتِ المَلائِكَةُ في جَوانِبِ العَسْكَرِ، فَقالَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ أمّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ بَدَأكم بِالسِّحْرِ فالنَّجاءَ النَّجاءَ فانْهَزَمُوا مِن غَيْرِ قِتالٍ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِن حَفْرِ الخَنْدَقِ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِالياءِ أيْ بِما يَعْمَلُ المُشْرِكُونَ مِنَ التَّحَزُّبِ والمُحارَبَةِ.
﴿ بَصِيرًا ﴾ رائِيًا.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ} أي ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق وكان بعد حرب أحد بسنة {إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ} أي الأحزاب وهم قريش وغطفان وقريظة والنصير {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} أي الصبا قال عليه السلام نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة وكانوا ألفاً بعث الله عليهم صبا باردة في ليلة شاتية فأخصرتهم وأسفت التراب في وجوههم وأمر الملائكة فقلعت الاوتاد وقطعت الاطنان وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم فانهزموا من غير قتال وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة بإشارة سلمان ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنسوان فرفعوا في الآطام واشتد الخوف وكان قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من
الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيبنة بن حصن وعامربن الطفيل في هوازن وضامّتهم اليهود من قريظة والنضير ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر {وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ} أي بعملكم أيها المؤمنون من التحصن بالخندق والثبات على معاونة النبى صلى الله عليه وسلم {بَصِيراً} وبالياء أبو عمرو أي بما يعمل الكفار من البغي والسعي في إطفاء نور الله
﴿ أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ شُرُوعٌ في ذِكْرِ قِصَّةِ الأحْزابِ، وهي وقْعَةُ الخَنْدَقِ، وكانَتْ عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقَ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ، وقالَ مالِكٌ: سَنَةَ أرْبَعٍ.
والنِّعْمَةُ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْعامِ فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِها وإلّا فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها أيْ كائِنَةٌ عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ ﴾ ظَرْفٌ لِنَفْسِ النِّعْمَةِ، أوْ لِثُبُوتِها لَهُمْ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ (بِاذْكُرْ) عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( نِعْمَةَ )، والمُرادُ بِالجُنُودِ الأحْزابُ، وهم قُرَيْشٌ يَقُودُهم أبُو سُفْيانَ، وبَنُو أسَدٍ يَقُودُهم طُلَيْحَةُ، وغَطَفانُ يَقُودُهم عُيَيْنَةُ، وبَنُو عامِرٍ يَقُودُهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وبَنُو سُلَيْمٍ يَقُودُهم أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وبَنُو النَّضِيرِ رُؤَساؤُهم حُيَيُّ ابْنُ أخْطَبَ وأبْناءُ أبِي الحَقِيقِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ سَيِّدُهم كَعْبُ بْنُ أسَدٍ، «وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ فَنَبَذَهُ بِسَعْيِ حَيَيٍّ، وكانَ مَجْمُوعُهم عَشَرَةَ آلافٍ في قَوْلٍ، وخَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا في آخَرَ، وقِيلَ: زُهاءُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإقْبالِهِمْ حَفَرَ خَنْدَقًا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ مُحِيطًا بِها بِإشارَةِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ أعْطى كُلَّ أرْبَعِينَ ذِراعًا لِعَشَرَةٍ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَضَرَبَ مُعَسْكَرَهُ، والخَنْدَقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْمِ، وأمَرَ بِالذَّرارِي والنِّساءِ فَدُفِعُوا في الآطامِ، واشْتَدَّ الخَوْفُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ كُلَّ ظَنٍّ، ونَجَمَ النِّفاقُ كَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، ومَضى قَرِيبٌ مِن شَهْرٍ عَلى الفَرِيقَيْنِ لا حَرْبَ بَيْنَهم سِوى الرَّمْيِ بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ مِن وراءِ الخَنْدَقِ، إلّا أنَّ فَوارِسَ مِن قُرَيْشٍ مِنهم عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ وكانَ يُعَدُّ بِألْفِ فارِسٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وضِرارُ بْنُ الخَطّابِ، وهُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ، ونَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ رَكِبُوا خُيُولَهم وتَيَمَّمُوا مِنَ الخَنْدَقِ مَكانًا ضَيِّقًا فَضَرَبُوا بِخُيُولِهِمْ، فاقْتَحَمُوا، فَجالَتْ بِهِمْ في السَّبْخَةِ بَيْنَ الخَنْدَقِ، وسَلْعٍ، فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَتّى أخَذَ عَلَيْهِمُ الثَّغْرَةَ الَّتِي اقْتَحَمُوا مِنها، فَأقْبَلَتِ الفُرْسانُ مَعَهُمْ، وقَتَلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَمْرًا في قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ، فانْهَزَمَتْ خَيْلُهُ حَتّى اقْتَحَمَتْ مِنَ الخَنْدَقِ هارِبَةً وقُتِلَ مَعَ عَمْرٍو مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، ونَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ العُزّى، وقِيلَ: وُجِدَ نَوْفَلٌ في جَوْفِ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ المُسْلِمُونَ يَرْمُونَهُ بِالحِجارَةِ، فَقالَ لَهُمْ: قِتْلَةً أجْمَلَ مِن هَذِهِ، يَنْزِلُ بَعْضُكم أُقاتِلُهُ، فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ.
وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ طَعَنَهُ في تَرْقُوَتِهِ حَتّى أخْرَجَها مِن مَراقِّهِ، فَماتَ في الخَنْدَقِ، وبَعَثَ المُشْرِكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَشْتَرُونَ جِيفَتَهُ بِعَشَرَةِ آلافٍ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (هُوَ لَكُمْ، لا نَأْكُلُ ثَمَنَ المَوْتى)، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا ﴾ » عَطْفٌ عَلى ( جاءَتْكم ) مَسُوقٌ لِبَيانِ النِّعْمَةِ إجْمالًا، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَقِيَّتُها في آخِرِ القِصَّةِ.
﴿ وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانُوا عَلى ما قِيلَ ألْفًا، رُوِيَ «أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلَيْهِمْ صَبًا بارِدَةً في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ فَأخْصَرَتْهم وسَفَّتِ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ، وأمَرَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ وقَطَعَتِ الأطْنابَ وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ وماجَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وكَبَّرَتِ المَلائِكَةُ في جَوانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فَقالَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ: أمّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ بَدَأكم بِالسِّحْرِ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ فانْهَزَمُوا، وقالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى وقَدْ ذَهَبَ لِيَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَبَرِ القَوْمِ: خَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ، ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ، ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكُمْ، وإذا الرَّجُلُ في عَسْكَرِهِمْ ما يُجاوِزُ عَسْكَرَهم شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمْ، والرِّيحُ تَضْرِبُهُمْ، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا صِرْتُ في نِصْفِ الطَّرِيقِ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، إذا أنا بِنَحْوِ عِشْرِينَ فارِسًا مُتَعَمِّمِينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَفاهُ القَوْمَ».
وقَرَأ الحَسَنُ «وجَنُودًا» بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ أيْضًا «لَمْ يَرَوْها» بِياءِ الغَيْبَةِ، ﴿ وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِن حَفْرِ الخَنْدَقِ، وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الحَرْبِ إعْلاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: مِنَ التِجائِكم إلَيْهِ تَعالى ورَجائِكم مِن فَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «يَعْمَلُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ أيْ بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ التَّحَرُّزِ، والمُحارَبَةِ وإغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلَيْها حِرْصًا عَلى إبْطالِ حَقِّكُمْ، وقِيلَ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿ بَصِيرًا ﴾ ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِن نَصْرِكم عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
<div class="verse-tafsir"
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا منة الله عليكم بالنصرة.
إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ يعني: الأحزاب.
وذلك أن النبي لما قدم المدينة، صالح بني قريظة وبني النضير على أن لا يكونوا عليه، ولا معه.
فنقضت بنو النضير عهودهم، وأجلاهم النبيّ منها، وذكر قصتهم في سورة الحشر.
ثم إنّ بني قريظة جددوا العهد مع النبيّ .
ثم أنَّ حييَّ بْنَ أخْطَبَ ركب، وخرج إلى مكة.
فقال لأبي سفيان بن حرب: إن قومي مع بني قريظة وهم سبعمائة وخمسون مقاتلاً.
فحثّه على الخروج إلى قتال رسول الله .
ثم خرج من مكة إلى غطفان وحثهم على ذلك.
ثم خرج إلى كنانة وحثهم على ذلك.
فخرج أبو سفيان مع جماعة من أهل مكة.
وخرج غطفان وبنو كنانة حتى نزلوا قريباً من المدينة مع مقدار خمسة عشر ألف رجل.
ويقال: ثمانية عشر ألف رجل.
ثم جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة.
فجاء إلى باب كعب بن الأشرف.
وهو رئيس بني قريظة.
فاستأذن عليه.
فقال لجاريته: انظري من هذا؟
فعرفته الجارية فقالت: هذا حيي بن أخطب.
فقال: لا تأذني له عليّ.
فإنه مسؤوم إنه قد سأم قومه.
يريد أن يسأمنا زيادة.
فقالت له الجارية: ليس هاهنا فقال حيي بن أخطب بلى هو ثم ولكن عنده قدر جيش لا يحب أن يشركه فيها أحد.
فقال كعب: أحفظني أخزاه الله.
يعني: أغضبني ائذني له في الدخول.
فدخل عليه.
فقال له: يجيئُك مليكك، قد جئتك بعارض برد جئتك بقريش بأجمعها، وكنانة بأجمعها، وغطفان بأجمعها.
لا يذهب هذا الفوز حتى يقتل محمد.
فانقض الحلف بينك وبين محمد.
فقال له كعب بن الأشرف: إن العارض ليسبب بنفحاته شيئاً.
ثم يرجع وأنا في بحر لجي، لا أقدر على أن أريم داري ومالي.
والله ما رأينا جاراً قط خيراً من محمد ما خفر لنا بذمة، ولا هتك لنا ستراً ولا آذانا، وإنما أخشى أن لا يقتل محمد، وترجع أنت وأقتل أنا.
فقال لكم ما في التوراة إن لم يقتل محمداً في هذا الغور، لأدخلنّ معكم حصنكم، فيصيبني ما أصابكم.
فنقض الحلف، وشقّ الصحيفة، فقدم بنعيم بن مسعود المدينة، وكان تاجراً يقدم من مكة.
فقال: يا محمد شعرت أن بني قريظة نقضوا الحلف الذي كان بينك وبينهم.
فقال النبيّ : «لَعَلَّنَا نَحْنُ أَمَرْنَاهُمْ بذلك» .
فقال عمر: إن كنت أمرتهم بذلك، وإن كنت تأمرهم بذلك، فقتالهم علينا هيّن.
فقال: «مَا أَنا بِكَذَّابٍ، ولكن الحَرْبَ خُدْعَةٌ» .
ونعيم لم يسلم ذلك اليوم.
فبعث النبيّ سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة إلى كعب بن الأشرف، يناشدوه الله الحلف الذي كان بينهم.
وأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه من قبل.
فأبى كعب بن الأشرف، وجرى بينهم كلام.
وسبّ سعد بن معاذ.
فقال أسيد بن حضير: أتسب سيدك معاذاً يا عدو الله؟
ما هو لك بكفؤ.
فقال سعد بن معاذ: اللهم لا تميتني حتى أشفي نفسي منهم.
فرجعوا إلى رسول الله فحدثوه الحديث.
فانطلق نعيم بن مسعود إلى أبي سفيان.
فقال: يا أبا سفيان والله ما كذب محمد قط كذبة.
أخبرني بأنه أمر بنقض الحلف بينه وبين بني قريظة.
فقال سلمان الفارسي: إنا كنا يا رسول الله بأرض فارس إذا تخوفنا الجنود، خندقنا على أنفسنا.
فهل لك أن تخندق خندقاً؟
فخرج رسول الله مع أهل المدينة، وخندق وأخذ المعول بيده، فضرب لكي يقتدي الناس.
فضرب ضربةً فأبرق برقة، حتى ظهر ضوء بضربته.
ثم ضرب ضربة أخرى فأبرق برقة، ثم ضرب الثالثة فقال سلمان: لقد رأيت أمراً عجيباً.
لقد رَأَيْتَ ذلك.
قال: نعم.
فقال النبيّ : «لَقَدْ رَأَيْتُ بِالأُولَى قُصُورَ الشَّامِ، وَبِالثَّانِيَةِ قُصُورَ كِسْرَى وَبِالثَّالِثَةِ قُصُورَ اليَمَنِ.
فهذه فُتُوحٌ يَفْتَحُ الله عَلَيْكُمْ» .
فقال ناس من المنافقين: يعدنا أن تفتح الشام، وأرض فارس، واليمن.
وما يستطيع أحد منا أن يذهب إلى الخلاء.
ما يعدنا إلا غروراً.
فمكث الجنود حول المدينة بضعة عشرة ليلة، فأرسل عيينة بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف إلى رسول الله إنك إن أعطيتنا تمر المدينة هذه السنة، نرجع عنك بغطفان وكنانة، ونخلي بينك وبين قومك فتقاتلهم.
فقال النبيّ : «لا» .
فقال: فنصف ذلك التمر.
قال: «نعم» .
وكان عند النبيّ سعد بن معاذ وهو سيد الأوس، وسعد بن عبادة وهو سيد الخزرج.
فقال لرسول الله عيينة، والحارث بن عوف لرسول الله : اكتب لنا كتاباً.
فدعى بصحيفة ليكتب بينهم.
فقال سعد بن معاذ وسعد بن عبادة: يا رسول الله أوحي إليك في هذا شيء.
فقال: «لا ولكنني رَأَيْتُ العَرَبَ رَمَتْكُمْ مِنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ فَقُلْتُ أَرُدُّ هؤلاء وَأُقَاتِلُ هؤلاء» فقالا: ما رجون بهذا منها في الجاهلية قط أن يأخذوا منا تمرة واحدة إلا بشراء وقرًى.
فحين زادنا الله بك، وأمدنا بك، وأكرمنا بك، نعطيهم الدنية.
لا نعطيهم شيئاً إلا بالسيف.
فشق النبيّ الصحيفة قال: «اذْهَبُوا فَلا نُعْطِيكُمْ شَيْئاً إلاَّ بِالسَّيْفِ» .
فلما كان يوم الجمعة أرسل أبو سفيان إلى حييّ بن أخطب أن استعدَّ غداً إلى القتال فقد طال المقام هاهنا وقل لقومك يعدوا.
فلما جاء بني قريظة الرسول، فقالوا: غداً يوم السبت لا نقاتل فيه.
فقال أبو سفيان: نحن نؤخر القتال إلى يوم الأحد.
هاتوا لنا رهوناً أبناءكم نثلج إليهم أي: نطمئن بذلك.
فجاء رسول أبي سفيان إلى بني قريظة، وقد أمسوا، فقالوا: هذه الليلة لا يدخل علينا أحد، ولا يخرج من عندنا أحد.
فوقع في نفس أبي سفيان من قول نعيم بن مسعود أنه خوان حق، وأن نقض العهد كان مكراً منهم.
فلما كانت الليلة ورسول الله وأصحابه عند الخندق فصلى رسول الله ثلث الليل ثم قال: «من رجل ينظر ما يَفْعَلُ القَوْمُ أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ» .
فما تحرك منهم أحد.
ثم صلى الثلث الثاني فقال: «من رجل ينظر ما يفعل القوم» فما تحرك منهم أحد ثم صلى ساعة، ثم هتف مرة أخرى، فما تحرك منهم إنسان.
فقال: «يَا حُذَيْفَةُ» فجاء حذيفة.
فقال: «أَمَا سَمِعْتَ كَلامِي مُنْذُ اللَّيْلَة» .
قال: بلى.
ولكن بي من الجوع والقر- يعني: البرد- لم أقدر على أن أجيبك.
قال: «اذْهَبْ فَانْظُرْ ما فَعَلَ القَوْمُ، وَلاَ تَرْمِي بِسَهْمٍ، وَلاَ بِحَجَرٍ، وَلاَ تَطْعَنْ بِرمْحٍ، وَلاَ تَضْرِبْ بِسَيْفٍ» .
فقال: يا رسول الله إني لا أخشى أن يقتلوني، إني لميت.
ولكن أخشى أن يمثلوا بي.
فقال: «لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ» .
فلما قال هذا، قال حذيفة: آمنت وعرفت أنه لا بأس علي.
فلما ولى حذيفة، قال النبيّ : «احْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ» .
فدخل حذيفة في عسكر قريش، فإذا هم يصطلون يعني: مجتمعين على نار لهم.
فجلس حذيفة في حلقة منهم.
فقال: أتدرون ما يريد الناس غداً؟
قالوا: ماذا يريدون؟
قال: يقولون: يعني: أهل العساكر- أين قريش؟
أين سادات الناس وقادتهم؟
فتجيئون فيطرحونكم في نحور العدو.
فتقتلوا أو تفروا.
فما زال ذلك الحديث يفشو في العسكر.
ثم دخل عسكر بني كنانة.
فقال: أتدرون ماذا يريد الناس غداً؟
قولوا: ماذا يريدون؟
قالوا: يقولون أين بنو كنانة؟
أين ذروة العرب؟
أين رماة الخندق؟
فتجيبون.
فيطرحونكم في نحور العدو؟
فتقتلوا أو تفروا.
ثم دخل عسكر غطفان، فقال: أتدرون ماذا يريد الناس غداً؟
قولوا ماذا يريدون؟
قال: يقولون أين غطفان؟
أين بنو فزارة بن حلاس الخيول؟
فتجيبون.
فيطرحونكم في نحور العدو.
فتقتلوا أو تفروا.
قال: فبعث الله تعالى عليهم ريحاً شديدة، فلم تترك لهم خباء إلا قلعته، ولا إناء إلا أكفأته.
وقلعت أوتاد خيولهم، وجالت الخيول بعضها في بعض.
فقالوا فيما بينهم: لقد بدا محمد بالسر.
فالنجاة النجاة.
فركب أبو سفيان جمله معقولاً، فما حلّ عقاله إلا بعد أن انبعث.
قال حذيفة: ولو شئت أن أضربه بسيفي أو أطعنه برمحي لفعلت.
ولكن نهاني رسول الله .
فترحلوا كلهم وذهبوا.
فرجع إلى النبيّ فحدثه عن العساكر وما فعل الله عز وجل بها.
فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ في الدفع عنكم إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ من المشركين فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً شديدة وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها من الملائكة.
وذلك كبرت حوالي العسكر حتى انهزموا حين هبت بهم الريح، وهي ريح الصبا.
وروي عن ابن عباس عن النبي أنه قال: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً في أمر الخندق.
<div class="verse-tafsir"
معناه: اخْتُبِرُوا وَزُلْزِلُوا: مَعْنَاه: حُرِّكُوا بعنف.
ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمَرْضَى القلوبِ على جِهَةِ الذَّمِّ لَهُمْ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً فَرُوِيَ عَنْ يزِيدَ بْنِ رُومَانَ أن مُعَتِّبَ بن قُشَيْرٍ قال: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أن نَفْتَتِحَ كنوز كِسْرَى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا إلا غروراً، وقال غيره من المنافقين نحو هذا.
وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)
وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي: من المنافقين لاَ مُقامَ لَكُمْ أي: لا موضعَ قيام ومُمَانَعة، فارْجِعوا إلى منازِلكم وبيوتِكم، وكان هذا على جِهَة التخذيل عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، والفريق المستأذن هو أوسُ بن قيظي استأذنَ في ذلك على اتِّفَاقِ من أصحابهِ المنافقين فقالَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أيْ: مُنْكَشِفَة للعدو فأكذَبَهم الله- تعالى- ولو دخلت المدينة مِنْ أَقْطارِها أي: من نواحيها، واشتد الخوف الحقيقي، ثم سُئِلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه لبادروا إليها وآتوها محبين فيها ولم يَتَلَبَّثُوا في بُيوتهم لحفظها إلاَّ يسيراً، قيل: قَدْرَ ما يأخذون سلاحَهم.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد كانوا عاهدوا الله إثْر أُحُدٍ لاَ يُولُّونَ الأدْبَارَ وفي قوله تعالى: وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا تَوَعُّدٌ وباقي الآية بَيِّن.
ثم وبَّخَهُمْ بقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وهم الذين يُعَوِّقُونَ الناسَ عن نُصْرة الرسولِ ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك ويَسْعَوْنَ على الدين، وأما القائلون لإخوانهم هَلُمَّ إلينا فقال ابن زيد وغيره: أراد
من كان من المنافقين يقول لإخوانه في النَّسَب وقَرَابته هلُم، أَي: إلى المنَازِل والأكل والشرب، واترك القتال «١» .
وروي: أنّ جماعة منهم فَعَلَتْ ذلك وأصلُ هَلُمَّ:
ها المم.
وهذا مِثْلُ تعليل «رَدَّ» من «ارْدُدْ» والبأسُ: القتالُ وإِلَّا قَلِيلًا معناه إلا إتيانا قليلا، وأَشِحَّةً جمع شَحِيحٍ والصَّوَابِ تَعْمِيمُ الشُّحِّ أنْ يكون بِكُلّ ما فيه للمؤمنين منفعة.
وقوله: فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ قيل: معناه: فإذا قوي الخوفُ رأيت هؤلاء المنافقين ٧٢ ب ينظرونَ إليك/ نَظَرَ الهَلِعِ المُخْتَلِطِ الذي يُغْشَى عَليه، فإذا ذهب ذلك الخوفُ العظيمُ وَتَنَفَّسَ المختَنِقُ: سَلَقُوكُمْ أي: خاطبوكم مخاطبة بليغة، يقال: خطيب سَلاَّقٌ ومِسْلاَقٌ ومِسْلَقٌ ولِسَان أيضاً كذلك إذا كان فصيحاً مقتدراً ووصف الألسِنة بالحدّة لقَطْعِها المعاني ونفوذِها في الأقوال، قالت فرقةٌ: وهذا السَّلْقُ هو في مخادعةِ المؤمنِين بما يُرْضيهِم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة.
وقوله: أَشِحَّةً حال من الضمير في سَلَقُوكُمْ.
وقوله: عَلَى الْخَيْرِ يدل على عموم الشح في قوله أولاً: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ وقيل: المراد بالخير: المال، أي: أشحة على مال الغنائِم، والله أعلم.
ثم أخبرَ تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا، وجمهورُ المفسرينَ على أن هذه الإشارةَ إلى منافقينَ لم يكن لهم قط إيمان، ويكونُ قولهُ: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي: أنها لم تُقْبَل قط، والإشارة بذلك في قوله وَكانَ ذلِكَ إلى حبط أعمال هؤلاء المنافقين، والضميرُ في قوله: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ للمنافقين، والمعنى: أنهم من الفزع والجزع بحيثُ رَحَلَ الأحزابُ وهزمهَم الله تعالى، وهؤلاء يظنون أنها من الخُدَعِ وأنَّهم لم يَذْهَبوا، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ، أي: يرجعوا إليهم كرةً ثانية يَوَدُّوا من الخوف والجبن لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ أي:
خارجون إلى البادية.
فِي الْأَعْرابِ وهم أهل العمود ليسلموا من القتال.
يَسْئَلُونَ أي من وَرَدَ عليهم.
ثم سَلَّى سبحانه عَنْهُم وحَقَّر شَأْنَهُم بِأَنْ أخْبَرَ أنهمْ لَو حَضَرُوا لَمَا أَغْنَوا وَلَمَا قَاتَلُوا إلا قِتَالاً قَلِيلاً لا نفعَ لَه.
ثُم قال تعالى- على جهة الموعظة-: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ حين صَبَرَ وجَادَ بنفسه، وأُسْوَةٌ معناه قُدْوَة، وَرَجَاءُ الله تَابع للمَعْرِفة به، ورجاء اليومِ الآخر ثمرة العمل الصالح، وذكرُ الله كثيراً من خَير الأعمال فَنَبَّه عليه.
ت: وعن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا مَعَ عَبْدِي إذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» «١» .
رواه ابن ماجه، واللفظ له وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي الدرداء.
وروى جابرُ بن عبد الله قال: خرج علينا النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيّها النَّاسُ، إن لِلَّهِ سَرَايا مِنَ المَلاَئِكَةِ تَحُلُّ وَتَقِفُ على مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الأَرْضِ، فارتعوا فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ، قَالُوا:
وأَيْن رِيَاضُ الجَنَّةِ يا رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟
قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ فاغدوا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللهِ وذَكِّرُوهُ أنْفُسَكُمْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ فَإنَّ اللهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنْهُ، حَيثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ» «٢» رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحُ الإِسناد.
وعن معاذِ بْنِ جبل قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلّم أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللهِ تعالى؟
قَالَ:
«أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» «٣» رواه ابن حبان في «صحيحه» ، انتهى من «السِّلاَحِ» .
ولَولاَ خشيةُ الإطالةِ، لأتَيْتُ في هذا الباب بأحاديثَ كَثِيرَةٍ، وروى ابنُ المُبَاركَ في «رقائقه» قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجِيحٍ عن مجاهدٍ قَالَ: لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكرَاتِ حَتَّى يَذْكُرَ اللهَ قَائِماً وَقَاعِداً وَمُضْطَجِعاً، انتَهى.
وفي «مصحف ابن مسعود «٤» » «يَحْسَبُونَ الأحزاب/ قَدْ ذَهَبُواْ فَإِذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا ودّوا ٧٣ أأنّهم بادون في الأعراب» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ أخَذْنا ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ﴾ أيْ: عَهْدَهُمْ؛ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أخْذُ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ: أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويَدْعُوا إلى عِبادَتِهِ، ويُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَهَذا المِيثاقُ أُخِذَ مِنهم حِينَ أُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ كالذَّرِّ.
قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَمّا أخَذَ مِيثاقَ الخَلْقِ خَصَّ النَّبِيِّينَ بِمِيثاقٍ آخَرَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ الأنْبِياءَ الخَمْسَةَ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى فَضْلِهِمْ، لِأنَّهَمَّ أصْحابُ الكُتُبِ والشَّرائِعِ؛ وقَدَّمَ نَبِيِّنا بَيانًا لِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كانَ نَبِيُّنا أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ أيْ: شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حُمِلُوا.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ العَهْدَ الشَّدِيدَ: اليَمِينُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
لِيَسْألَ الصّادِقِينَ يَقُولُ: أخَذْنا مِيثاقَهم لِكَيْ نَسْألَ الصّادِقِينَ، وهُمُ الأنْبِياءُ ﴿ عَنْ صِدْقِهِمْ ﴾ في تَبْلِيغِهِمْ.
ومَعْنى سُؤالِ الأنْبِياءِ- وهو يُعْلَمُ صِدْقَهُمْ- تَبْكِيتُ مُكَذِّبِيهِمْ.
وها هُنا تَمَّ الكَلامُ.
ثُمَّ أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَمّا أعَدَّ لِلْكافِرِينَ بِالرُّسُلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ ﴾ وهْمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ أيّامَ الخَنْدَقِ.
الإشارَةُ إلى القِصَّةِ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيرَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا أجْلى بَنِي النَّضِيرِ، سارُوا إلى خَيْبَرَ، فَخَرَجَ نَفَرٌ مِن أشْرافِهِمْ إلى مَكَّةَ فَألَّبُوا قُرَيْشًا ودَعَوْهم إلى الخُرُوجِ لِقِتالِهِ، ثُمَّ خَرَجُوا مِن عِنْدِهِمْ فَأتَوْا غَطَفانَ وسُلَيْمَ، فَفارَقُوهم عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
وتَجَهَّزَتْ قُرَيْشٌ ومَن تَبِعَهم مِنَ العَرَبِ، فَكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، وخَرَجُوا يَقُودُهم أبُو سُفْيانَ، ووافَتْهم بَنُو سُلَيْمَ بِـ " مَرِّ الظَّهْرانِ "، وخَرَجَتْ بَنُو أسَدٍ، وفِزارَةُ، وأشْجَعُ، وبَنُو مُرَّةَ، فَكانَ جَمِيعُ مَن وافى الخَنْدَقَ مِنَ القَبائِلِ عَشَرَةَ آلافٍ، وهُمُ الأحْزابُ؛ فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ خُرُوجُهم مِن مَكَّةَ، أخْبَرَ النّاسَ خَبَرَهُمْ، وشاوَرَهُمْ، فَأشارَ سَلْمانُ بِالخَنْدَقِ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ، وعَسْكَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ إلى سَفْحِ " سَلْعٍ "، وجَعَلَ سَلْعًا خَلْفَ ظَهْرِهِ؛ ودَسَّ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْألُهم أنْ يَنْقُضُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ويَكُونُوا مَعَهم عَلَيْهِ، فَأجابُوا، واشْتَدَّ الخَوْفُ، وعَظُمَ البَلاءُ، ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَهم مُناوَشَةٌ وقِتالٌ، وحُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ وأصْحابُهُ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتّى خَلَصَ إلَيْهِمُ الكَرْبُ، وكانَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ قَدْ أسْلَمَ، فَمَشى بَيْنَ قُرَيْشٍ وقُرَيْظَةَ وغَطَفانَ فَخَذَّلَ بَيْنَهُمْ، فاسْتَوْحَشَ كُلٌّ مِنهم مِن صاحِبِهِ، واعْتَلَّتْ قُرَيْظَةُ بِالسَّبْتِ فَقالُوا: لا نُقاتِلُ فِيهِ، وهَبَّتْ لَيْلَةَ السَّبْتِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكم واللَّهِ لَسْتُمْ بِدارِ مُقامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الخُفُّ والحافِرُ، وأجْدَبَ الجَنابُ، وأخْلَفَتْنا قُرَيْظَةُ، ولَقِينا مِنَ الرِّيحِ ما تَرَوْنَ، فارْتَحِلُوا فَإنِّي مُرْتَحِلٌ؛ فَأصْبَحَتِ العَساكِرُ قَدْ أقْشَعَتْ كُلُّها.» قالَ مُجاهِدٌ: والرِّيحُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ هي الصَّبا، حَتّى أكْفَأتْ قُدُورَهُمْ، ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم.
والجُنُودُ: المَلائِكَةُ، ولَمْ تُقاتِلْ يَوْمَئِذٍ.
وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ جَعَلَتْ تَقْلَعُ أوْتادَهم وتُطْفِئُ نِيرانَهم وتُكَبِّرُ في جَوانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ، فانْهَزَمُوا مِن غَيْرِ قِتالٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ تَرَوْها ﴾ وقَرَأ النَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، والجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " لَمْ يَرَوْها " بِالياءِ ﴿ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: [ " يَعْمَلُونَ " ] بِالياءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ ﴿ لِيَسْألَ الصادِقِينَ عن صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللهِ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ "إذْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِسَطْرِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ في الكِتابِ، كَأنَّهُ قالَ: كانَتْ هَذِهِ الأحْكامُ مُسَطَّرَةٌ مُلْقاةٌ إلى الأنْبِياءِ إذْ أخَذْنا عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في التَبْلِيغِ والشَرائِعِ، فَيَكُونُ "إذْ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا ﴾ .
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ، وهَذا التَأْوِيلُ أبْيَنُ مِنَ الأوَّلِ: وهَذا المِيثاقُ المُشارُ إلَيْهِ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَبِيِّينَ بِالتَبْلِيغِ وبِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَتَضَمَّنُهُ النُبُوَّةُ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشارَ إلى أخْذِ المِيثاقِ عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ بَعْثِهِ، وإلى إلْقاءِ الرِسالَةِ إلَيْهِ وأوامِرِها ومُعْتَقَداتِها.
وذَكَرَ اللهُ تَعالى النَبِيِّينَ جُمْلَةً، ثُمَّ خَصَّصَ بِالذِكْرِ أفْرادًا مِنهم تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا، إذْ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ هم أصْحابُ الكُتُبِ والشَرائِعِ والحُرُوبِ الفاصِلَةِ عَلى التَوْحِيدِ وأُولُو العَزْمِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقُدِّمَ ذِكْرُ مُحَمَّدٌ عَلى مَزِيَّتِهِ في الزَمَنِ تَشْرِيفًا خاصًّا لَهُ أيْضًا، ورُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "كُنْتُ أوَّلُ الأنْبِياءِ في الخَلْقِ وآخِرُهم في البَعْثِ".» وكَرَّرَ أخْذَ المِيثاقِ لِمَكانِ الصِفَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها، و"غَلِيظًا" إشْعارٌ بِحُرْمَةٍ هَذا المِيثاقِ وقُوَّتِها، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِيَسْألَ" ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أخَذْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ، أيْ: بُعِثَتِ الرُسُلُ وأُخِذَتْ عَلَيْها المَواثِيقُ في التَبْلِيغِ لِكَيْ يَجْعَلَ اللهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ صادِقَةٌ يَسْألُها عن صِدْقِها، عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ والتَقْرِيرِ، كَما قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي ﴾ ؟
فَتُجِيبُهُ كَأنَّها قَدْ صَدَّقَتِ اللهُ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ، وفُرْقَةٌ كَفَرَتْ فَيَنالُها ما أُعِدَّ لَها مِنَ العَذابِ الألِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَسْألَ" لامُ الصَيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المَواثِيقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا، والأوَّلُ أصْوَبُ.
والصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُضادُّ لِلْكَذِبِ في القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ مِن صِدْقِ الأفْعالِ واسْتِقامَتِها، ومِنهُ: عَوْدُ صِدْقٍ، وصَدَقَنِي السَيْفُ والمالُ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ "الصادِقِينَ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ أرادَ بِهِمُ الرُسُلَ، أيْ: يَسْألُهم عن تَبْلِيغِهِمْ، وقالَ أيْضًا: أرادَ المُؤَدِّينَ المُبَلِّغِينَ عَنِ الرُسُلِ.
وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ ﴾ ، إلى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ ﴾ نَزَلَتْ في شَأْنِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ وما اتَّصَلَ بِها مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ أجْلى بَنِي النَضِيرِ مِن مَوْضِعِهِمْ عِنْدَ المَدِينَةِ إلى خَيْبَرَ، فاجْتَمَعَتْ جَماعَةٌ مِنهم ومَن غَيْرِهِمْ مِنَ اليَهُودِ وخَرَجُوا إلى مَكَّةَ مُسْتَنْهِضِينَ قُرَيْشًا إلى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ، وجَسَّرُوهم عَلى ذَلِكَ، وأزْمَعَتْ قُرَيْشٌ السَيْرَ إلى المَدِينَةِ، ونَهَضَ اليَهُودُ إلى غَطْفانَ وبَنِي أسَدٍ ومَن أمَّلَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ وتِهامَةَ، فاسْتَنْفَرُوهم إلى ذَلِكَ، فَتَحَزَّبَ الناسُ وسارُوا إلى المَدِينَةِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ بِرَسُولِ اللهِ فَحَفَرَ الخَنْدَقَ حَوْلَ دِيارٍ بِالمَدِينَةِ وحِصْنِهِ، وكانَ أمْرًا لَمْ تَعْهَدْهُ العَرَبُ، وإنَّما كانَ مِن أعْمالِ فارِسٍ والرُومِ، وأشارَ بِهِ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَوَرَدَ الأحْزابُ، قُرَيْشٌ وكِنانَةُ والأحابِيشُ في نَحْوِ عَشَرَةِ آلافٍ عَلَيْهِمْ أبُو سُفْيانُ بْنُ حَرْبٍ، ووَرَدَتْ غَطْفانُ وأهْلُ نَجْدٍ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنُ بَدْرٍ الفَزارِيُّ، ووَرَدَتْ بَنُو عامِرٍ وغَيْرُهم عَلَيْهِمْ عامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ إلى غَيْرِ هَؤُلاءِ، فَحَصَرُوا المَدِينَةَ، وذَلِكَ في شَوّالِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقٍ، وقالَ مالِكٌ: كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ، وكانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ قَدْ عاهَدُوا رَسُولَ اللهِ عَلى الهُدْنَةِ، وعاقَدُوهُ عَلى أنْ لا يَلْحَقُهُ مِنهم ضَرَرٌ، فَلَمّا تَمَكَّنَ هَذا الحِصارُ واثَقَهم بَنُو النَضِيرِ، فَغَدَرُوا رَسُولَ اللهِ ، ونَقَضُوا العَهْدَ، وصارُوا لَهُ حِزْبًا مَعَ الأحْزابِ، فَضاقَ الحالُ عَلى رَسُولِ اللهِ والمُؤْمِنِينَ، وكَثُرَتِ الظُنُونُ ورَسُولُ اللهِ يُبَشِّرُ ويَعِدُ بِالنَصْرِ.
ثُمَّ ألْقى اللهُ تَعالى الرُعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ويَئِسُوا مِنَ الظَفَرِ بِمَنَعَةِ الخَنْدَقِ، وبِما رَأوا مِن جَلَدِ المُؤْمِنِينَ، وجاءَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ اسْمَهُ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ - وقِيلَ غَيْرُ هَذا - فاقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ فَقُتِلَ فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ حاجِزًا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ الصِبا لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ عَلى الكُفّارِ، فَطَرَدَتْهُمْ، وهَدَّدَتْ بُيُوتَهُمْ، وأطْفَأتْ نِيرانَهُمْ، وقَطَعَتْ حِبالَهُمْ، وأطِفَأتْ قُدُورَهُمْ، ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَها قَرارٌ، وبَعَثَ اللهُ مَعَ الصِبا مَلائِكَةً تُشَدِّدُ الرِيحَ، وتَفْعَلُ نَحْوَ فِعْلِها، وتُلْقِي الرُعْبَ في قُلُوبِ الكَفَرَةِ حَتّى أزْمَعُوا الرِحْلَةَ بَعْدَ بِضْعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً لِلْحَصْرِ، فانْصَرَفُوا خائِبِينَ، فَهَذِهِ الجُنُودُ الَّتِي لَمْ تُرَ.» وقَرَأ الحَسَنُ: "وَجُنُودًا" بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَعْمَلُونَ بِالتاءِ، فَكَأنَّ في الآيَةِ مُقابَلَةً لَهُمْ، أيْ: أنْتُمْ لَمْ تَرَوْا جُنُودَهُ وهو بَصِيرٌ بِأعْمالِكُمْ، فَيَتَبَيَّنُ في هَذا القُدْرَةِ والسُلْطانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو أيْضًا بِالتاءِ، وهُما حَسَنَتانِ، ورُوِيَ عن أبِي عُمْرَةَ: "لَمْ يَرَوْها" مِن تَحْتٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ العامَّةِ: "لَمْ تَرَوْها" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ونافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَعْلَمُونَ" بِالتاءِ.
<div class="verse-tafsir"
ابتداء لغرض عظيم من أغراض نزول هذه السورة والذي حفّ بآيات وعِبَر من ابتدائه ومن عواقبه تعليماً للمؤمنين وتذكيراً ليزيدهم يقيناً وتبصيراً.
فافتتح الكلام بتوجيه الخطاب إليهم لأنهم أهله وأحقّاءُ به، ولأن فيه تخليد كرامتهم ويقينهم وعناية الله بهم ولطفَه لهم وتحقيراً لعدوّهم ومن يكيد لهم، وأمروا أن يذكروا هذه النعمة ولا ينسوها لأن في ذكرها تجديداً للاعتزاز بدينهم والثقة بربهم والتصديق لنبيئهم صلى الله عليه وسلم واختيرت للتذكير بهذا اليوم مناسبةُ الأمر بعدم طاعة الكافرين والمنافقين لأن من النِعم التي حفّت بالمؤمنين في يوم الأحزاب أن الله ردّ كيد الكافرين والمنافقين فذُكِّر المؤمنون بسابق كيد المنافقين في تلك الأزمة ليحذروا مكائدهم وأراجيفهم في قضية التبنّي وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم مطلَّقة متبناه، ولذلك خصّ المنافقون بقوله: ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ [الأحزاب: 12] الآيات؛ على أن قضية إبطال التبنّي وإباحة تزوّج مطلق الأدعياء كان بقرب وقعة الأحزاب.
و ﴿ إذ ﴾ ظرف للزمن الماضي متعلق ب ﴿ نعمة ﴾ لما فيها من معنى الإنعام، أي: اذكروا ما أنعم الله به عليكم زمان جاءتكم جنود فهزمهم الله بجنود لم تروها.
وهذه الآية وما بعدها تشير إلى ما جرى من عظيم صنع الله بالمؤمنين في غزوة الأحزاب فلنأت على خلاصة ما ذكره أهل السير والتفسير ليكون منه بيان لمطاوي هذه الآيات.
وكان سبب هذه الغزوة أن قريشاً بعد وقعة أُحد تهادنوا مع المسلمين لمدة عام على أن يلتقوا ببدر من العام القابل فلم يقع قتال ببدر لتخلف أبي سفيان عن الميعاد، فلم يناوش أحد الفريقين الفريق الآخر إلا ما كان من حادثة غدر المشركين بالمسلمين وهي حادثة بئر معونة حين غدرت قبائل عُصَيَّةَ، ورِعْل، وذَكوان من بني سُليم بأربعين من المسلمين إذ سأل عامر بن مالك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوجههم إلى أهل نجدٍ يَدعونهم إلى الإسلام.
وكان ذلك كيداً كاده عامر بن مالك وذلك بعد أربعة أشهر من انقضاء غزوة أُحد.
فلما أجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني النَضير لِما ظهر من غدرهم به وخيسهم بالعهد الذي لهم مع المسلمين، هنالك اغتاظ كبراء يهود قريظة بعد الجلاء وبعد أن نزلوا بديار بني قريظة وبخيبر فخرج سلاّم بن أبي الحُقَيق بتشديد لام سلاّم وضم حاء الحُقيق وفتح قافه وكنانة بنُ أبي الحُقيق، وحُيي بن أخطب بضم حاء حُيَي وفتح همزة وطاء أخطب وغيرهم في نفر من بني النضير فقدموا على قريش لذلك وتآمروا مع غطفان على أن يغزوا المدينة فخرجت قريش وأحابيشها وبنو كنانة في عشرة آلاف وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان في ألف قائدهم عيينة بن حصن، وخرجت معهم هوازن وقائدهم عامر بن الطُفَيل.
وبلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عزمهم على منازلة المدينة أبلغتْه إياه خزاعة وخاف المسلمون كثرةَ عدوّهم، وأشار سلمان الفارسي أن يُحْفر خندق يحيط بالمدينة تحصيناً لها من دخول العدوّ فاحتفره المسلمون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم يحفر وينقل التراب، وكانت غزوة الخندق سنة أربع في رواية ابن وهب وابن القاسم عن مالك.
وقال ابن إسحاق: سنة خمس.
وهو الذي اشتهر عند الناس وجرى عليه ابنُ رشد في «جامع البيان والتحصيل» اتباعاً لما اشتهر، وقول مالك أصحّ.
وعندما تم حفر الخندق أقبلت جنود المشركين وتسمّوْا بالأحزاب لأنهم عدة قبائل تحزبوا، أي: صاروا حِزباً واحداً، وانضمّ إليهم بنو قريظة فكان ورود قريش من أسفل الوادي من جهة المغرب، وورود غطفان وهوازنَ من أعلى الوادي من جهة المشرق، فنزل جيش قريش بمجتمع الأسيال من رُومَة بين الجُرف وزُغَابة بزاي معجمة مضمومة وغين معجمة وبعضهم يرويه بالعين المهملة وبعضهم يقول: والغابة، والتحقيق هو الأول كما في «الروض الأنف»، ونزل جيش غطفان وهوازن بذَنَب نَقْمَى إلى جانب أُحُد، وكان جيش المسلمين ثلاثة آلاف؛ وخرج المسلمون إلى خارج المدينة فعسكروا تحت جبل سَلْع وجعلوا ظهورهم إلى الجبل والخندقُ بينهم وبين العدوّ، وجعل المسلمون نساءهم وذراريهم في آطام المدينة.
وأمَّر النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، ودام الحال كذلك بضعاً وعشرين ليلة لم تكن بينهم فيها حرب إلا مصارعة بين ثلاثة فرسان اقتحموا الخندق من جهة ضيقة على أفراسهم فتقاتلوا في السبخة بين الخندق وسلْع وقُتل أحدهم قتلَه علي بن أبي طالب وفرّ صاحباه، وأصاب سهمٌ غرْب سعد بن معاذ في أكْحله فكان منه موته في المدينة.
ولحقت المسلمين شدّة من الحصار وخوف من كثرة جيش عدوّهم حتى همّ النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصالح الأحزاب على أن يعطيهم نصف ثمر المدينة في عامهم ذلك يأخذونه عند طيبه وكاد أن يكتب معهم كتاباً في ذلك، فاستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقال سعد بن معَاذ: قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ولا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرىً أو بَيْعاً، أفحين أكرَمَنا الله بالإسلام وأعزَّنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عزم عليه.
وأرسل الله على جيش المشركين ريحاً شديدة فأزالت خيامهم وأكْفأت قدورَهم وأطفأت نيرانهم، واختلّ أمرهم، وهلك كراعهم وخُفهم، وحدث تخاذل بينهم وبين قريظة وظنت قريش أن قريظة صالحت المسلمين وأنهم ينضمون إلى المسلمين على قتال الأحزاب، فرأى أهل الأحزاب الرأي في أن يرتحلوا فارتحلوا عن المدينة وانصرف جيش المسلمين راجعاً إلى المدينة.
فقوله تعالى ﴿ إذ جاءتكم جنودٌ ﴾ ذُكر توطئة لقوله ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ الخ لأن ذلك هو محلّ المِنّة.
والريح المذكورة هنا هي ريح الصَّبا وكانت باردة وقلعت الأوتاد والأطناب وسفت التراب في عيونهم وماجت الخيل بعضها في بعض وهلك كثير من خيلهم وإبلهم وشائهم.
وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم «نُصرتُ بالصَّبا وأُهلكتْ عاد بالدبور».
والجنود التي لم يروها هي جنود الملائكة الذين أرسلوا الريح وألقوا التخاذل بين الأحزاب وكانوا وسيلة إلقاء الرعب في نفوسهم.
وجملة ﴿ وكان الله بما تعملون بصيراً ﴾ في موقع الحال من اسم الجلالة في قوله ﴿ نعمة الله ﴾ وهي إيماء إلى أن الله نصرهم على أعدائهم لأنه عليم بما لقيه المسلمون من المشقة والمصابرة في حفر الخندق والخروج من ديارهم إلى معسكرهم خارج المدينة وبذلهم النفوس في نصر دين الله فجازاهم الله بالنصر المبين كما قال ﴿ ولينصُرَنّ الله مَنْ ينصره ﴾ [الحج: 40].
وقرأ الجمهور ﴿ بما تعملون بصيراً ﴾ بتاء الخطاب.
وقرأه أبو عمرو وحده بياء الغيبة ومحملها على الالتفات.
والجنود الأوُّل جمع جند، وهو الجمع المتّحد المتناصر ولذلك غلب على الجمع المجتمع لأجل القتال فشاع الجند بمعنى الجيش.
وذكر جنود هنا بلفظ الجمع مع أن مفرده مؤذن بالجماعة مثل قوله تعالى ﴿ جندٌ مَّا هنالك مهزوم من الأحزاب ﴾ [ص: 11] فجمعه هنا لأنهم كانوا متجمعين من عدة قبائل لكل قبيلة جيش خرجوا متساندين لغزو المسلمين في المدينة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فلما فصل طالوت بالجُنود ﴾ في سورة البقرة (249).
والجنود الثاني جمع جند بمعنى الجماعة من صنف واحد.
والمراد بهم ملائكة أُرسِلوا لِنَصْر المؤمنين وإلقاء الرعب والخوف في قلوب المشركين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي يَوْمَ الأحْزابِ حِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ ثُمَّ بِالنَّصْرِ.
﴿ إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: جُنُودُ الأحْزابِ أبُو سُفْيانَ وعُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ وطَلْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ وأبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ وبَنُو قُرَيْظَةَ.
﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى كَفَأتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ)» وكانَ مِن دُعائِهِ يَوْمَ الأحْزابِ « (اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَنا وآمِن رَوْعَتَنا)» فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بِرِيحِ الصَّبا.
﴿ وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ.
وَفي ما كانَ مِنهم أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَفْرِيقُ كَلِمَةِ المُشْرِكِينَ وإقْعادُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ.
الثّانِي: إيقاعُ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: تَقْوِيَةُ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ أنْ يُقاتِلُوا مَعَهم وأنَّها كانَتْ نَصَرَتْهم بِالزَّجْرِ حَتّى جاوَزَتْ بِهِمْ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَقالَ طَلْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ بَدَأكم بِالسِّحْرِ فالنَّجاةَ النَّجاةَ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ يَعْنِي مِن حَفْرِ الخَنْدَقِ والتَّحَرُّزِ مِنَ العَدُوِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ ﴾ يَعْنِي مِن فَوْقِ الوادِي وهو أعْلاهُ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، جاءَ مِنهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ في بَنِي نَضْرٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ في أهْلِ نَجْدٍ، وطَلْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ في بَنِي أسَدٍ.
﴿ وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي مِن بَطْنِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ أسْفَلَ أيْ تَحْتًا مِنَ النَّبِيِّ ، جاءَ مِنهُ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، ويَزِيدُ بْنُ جَحْشٍ عَلى قُرَيْشٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مَعَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ.
﴿ وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شَخَصَتْ.
الثّانِي: مالَتْ: ﴿ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ ﴾ أيْ زالَتْ عَنْ أماكِنِها حَتّى بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وهي الحَلاقِيمُ واحِدُها حَنْجَرَةٌ.
وَقِيلَ إنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ بِبُلُوغِ القُلُوبِ الحَناجِرَ وإنْ لَمْ تَزُلْ عَنْ أماكِنِها مَعَ بَقاءِ الحَياةِ.
وَرُوِيَ «عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تَأْمُرُ بِشَيْءٍ تَقُولُهُ فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ فَقالَ: (نَعَمْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَنا وآمِن رَوْعَتَنا) قالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بِالرِّيحِ فَهُزِمُوا بِها.
» ﴿ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فِيما وُعِدُوا بِهِ مِن نَصْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ اخْتِلافُ ظُنُونِهِمْ فَظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يُسْتَأْصَلُونَ وأيْقَنَ المُؤْمِنُونَ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ حَقٌّ وأنَّهُ سَيُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة قال: «لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحاً منها، أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد منا اصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون ﴿ إن بيوتنا عورة وما هي بعورة ﴾ فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، يتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً حتى مر علي، وما علي جنة من العدو، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا؟
قلت: حذيفة فتقاصرت إلى الأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقال: قم.
فقمت فقال: إنه كان في القوم خبر، فأتني بخبر القوم قال: وأنا من أشد الناس فزعاً، وأشدهم قراً، فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، قال: فو الله ما خلق الله فزعاً ولا قراً في جوف إلا خرج من جوفي، فما أجد منه شيئاً، فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئاً حتى تأتيني، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم، نظرت في ضوء نار لهم توقد، واذا برجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل...
الرحيل...
ثم دخل العسكر فإذا في الناس رجال من بني عامر يقولون: الرحيل...
الرحيل يا آل عامر لا مقام لكم، وإذا الرحيل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبراً فوالله أني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم، ومن بينهم الريح يضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك، إذا أنا بنحو من عشرين فارساً متعممين، فقالوا: اخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حز به أمر صلى، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يرتحلون.
فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود...
﴾ » .
وأخرج الفريابي وابن عساكر عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحملته ولفعلت.
فقال حذيفة: لقد رأيتني ليلة الأحزاب ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في ليلة باردة ما قبله ولا بعده برد كان أشد منه، فحانت مني التفاتة، فقال: «ألا رجل يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم- جعله الله معي يوم القيامة- قال: فما قام منه انسان قال: فسكتوا، ثم عاد...
فسكتوا، ثم قال: يا أبا بكر، ثم قال: استغفر الله رسوله، ثم قال: إن شئت ذهبت فقال: يا عمر فقال: استغفر الله رسوله، ثم قال: يا حذيفة فقلت: لبيك.
فقمت حتى أتيت، وإن جنبي ليضربان من البرد، فمسح رأسي ووجهي، ثم قال: ائت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم، ولا تحدث حدثاً حتى ترجع، ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، حتى يرجع.
قال فلان: يكون أرسلها كان أحب إلي من الدنيا وما فيها.
قال: فانطلقت، فأخذت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمام قال: فوجدتهم قد أرسل الله عليهم ريحاً، فقطعت أطنابهم، وذهبت بخيولهم، ولم تدع شيئاً إلا أهلكته، قال: وأبو سفيان قاعد يصطلي عند نار له، قال فنظرت إليه، فأخذت سهماً، فوضعته في كبد قوسي قال:- وكان حذيفة رامياً- فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم» لا تحدثن حدثاً حتى ترجع «قال: فرددت سهمي في كنانتي قال: فقال رجل من القوم: الا فيكم عين للقوم؟
فأخذ كل بيد جليسه، فأخذت بيده جليسي فقلت: من أنت؟
قال: سبحان الله!
أما تعرفني؟
أنا فلان ابن فلان فإذا رجل من هوازن، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر، فلما أخبرته ضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، وذهب عني الدفء فأدناني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه، وألقى علي طرف ثوبه، فإن كنت لألزق بطني وصدري ببطن قدميه، فلما أصبحوا هزم الله الأحزاب، وهو قول ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ﴾ قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقول: فقد بلغت القلوب الحناجر؟
قال: «نعم.
قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله بالريح» .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن مجاهد ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ قال: الأحزاب.
عيينة بن بدر، وأبو سفيان، وقريظة.
﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ قال: يعني ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتى اظعنتهم ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ يعني الملائكة قال: ولم تقاتل الملائكة يومئذ.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كانت ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب قالت: انطلقي فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب: إن الحرة لا تسري بالليل، فغضب الله عليها وجعلها عقيماً، فأرسل الله عليهم الصبا، فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطنابهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور، فذلك قوله: ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ﴾ » .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ﴾ قالت: كان ذلك يوم الخندق.
وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: «خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب، فخرجت لنا من الخندق صخرة بيضاء مدوّرة، فكسرت حديدنا وشقت علينا، فشكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ المعول من سلمان، فضرب الصخر ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة، حتى لكأن مصباحاً في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، فكبر وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، وكبر وكبر المسلمون، فسألناه فقال: أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فابشروا بالنصر.
فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون: ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً ﴾ وقال المنافقون: الا تعجبون!
يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل، يخبر أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وإنها تفتح لكم، وإنكم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا، وأنزل القرآن ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ » .
وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل الله في شأن الخندق، وذكر نعمه عليهم، وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن، ومقالة من تكلم من أهل النفاق ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ﴾ وكانت الجنود التي أتت المسلمين.
أسد.
وغطفان.
وسليما.
وكانت الجنود التي بعث الله عليهم من الريح الملائكة فقال: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ﴾ فكان الذين جاؤوهم من أسفل منهم قريشاً، وأسداً، وغطفان فقال: ﴿ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ يقول: معتب بن قشير ومن كان معه على رأيه ﴿ وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي ﴾ يقول أوس بن قيظي ومن كان معه على مثل رأيه ﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ﴾ إلى ﴿ وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً ﴾ ثم ذكر يقين أهل الايمان حين أتاهم الأحزاب فحصروهم وظاهرهم بنو قريظة، فاشتد عليهم البلاء، فقال: ﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ إلى ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ قال: وذكر الله هزيمة المشركين، وكفايته المؤمنين، فقال: ﴿ ورد الله الذين كفروا بغيظهم...
﴾ .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا: قال معتب بن قشير: كان محمداً يرى أن يأكل من كنز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه من بني حارثة ﴿ إن بيوتنا عورة ﴾ وهي خارجة من المدينة: إئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا، فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم، وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم، ومقالة من قال من أهل النفاق، ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ﴾ فكانت الجنود: قريشاً، وغطفان، وبني قريظة.
وكانت الجنود التي أرسل عليهم مع الريح الملائكة ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ﴾ بنو قريظة ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ قريش، وغطفان.
إلى قوله: ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ يقول: معتب بن قشير وأصحابه ﴿ وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ﴾ يقول: أوس بن قيظي ومن كان معه على ذلك من قومه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: لما كان حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق، عرض لنا في بعض الجبل صخرة عظيمة شديدة لا تدخل فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها أخذ المعول، وألقى ثوبه وقال: «بسم الله، ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر.
أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثاً آخر فقال: الله أكبر.
أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصور المدائن البيض، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله.
فقطع بقية الحجر وقال: الله أكبر.
أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ﴾ قال عيينة بن حصن ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ قال: سفيان بن حرب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة في قوله: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ﴾ قال: كان ذلك يوم الخندق.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ﴾ قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب، وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن معه من الناس حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عيينة بن حصن أخو بني بدر بغطفان ومن تبعه حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاتبت اليهود أبا سفيان فظاهروه، فبعث الله عليهم الرعب والريح.
فذكر أنهم كانوا كلما بنوا بناء قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا ناراً أطفأها الله، حتى لقد ذكر لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم إلي.
حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النجاة...
النجاة...
أتيتم لما بعث الله عليهم الرعب.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ﴾ قال: عيينة بن حصن في أهل نجد ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ قال: أبو سفيان بن حرب في أهل تهامة، ومواجهتهم قريظة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ زاغت الأبصار ﴾ قال: شخصت الأبصار.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وبلغت القلوب الحناجر ﴾ قال: شخصت من مكانها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وبلغت القلوب الحناجر ﴾ قال: فزعها ولفظ ابن أبي شيبة قال: إن القلوب لو تحركت أو زالت خرجت نفسه، ولكن إنما هو الفزع.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ قال: ظنون مختلفة ظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله ورسوله حق أنه سيظهر على الدين كله.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ قال: هم المنافقون يظنون بالله ظنوناً مختلفة.
وفي قوله: ﴿ هنالك ابتلي المؤمنون ﴾ قال: محصوا.
وفي قوله: ﴿ وإذ يقول المنافقون ﴾ تكلموا بما في أنفسهم من النفاق، وتكلم المؤمنون بالحق والإِيمان ﴿ قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله قال: لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق، وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين جهد شديد، فمكثوا ثلاثاً لا يجدون طعاماً حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجراً من الجوع.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قال المنافقون يوم الأحزاب حين رأوا الأحزاب قد اكتنفوهم من كل جانب، فكانوا في شك وريبة من أمر الله قالوا: إن محمداً كان يعدنا فتح فارس والروم، وقد حصرنا هاهنا حتى ما يستطيع يبرز أحدنا لحاجته.
فأنزل الله: ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، واجتمعت قريش، وكنانة، وغطفان، فاستأجرهم أبو سفيان بلطيمة قريش، فاقبلوا حتى نزلوا بفنائه، فنزلت قريش أسفل الوادي، ونزلت غطفان عن يمين ذلك، وطليحة الأسدي في بني أسد يسار ذلك، وظاهرهم بنو قريظة من اليهود على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم تحصن بالمدينة، وحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق، فبينما هو يضرب فيه بمعوله إذ وقع المعول في صفا، فطارت منه كهيئة الشهاب من النار في السماء، وضرب الثاني فخرج مثل ذلك، فرأى ذلك سلمان رضي الله عنه فقال: يا رسول الله قد رأيت خرج من كل ضربة كهيئة الشهاب، فسطع إلى السماء فقال: لقد رأيت ذلك؟
فقال: نعم يا رسول الله قال: تفتح لكم أبواب المدائن، وقصور الروم، ومدائن اليمن، ففشا ذلك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فتحدثوا به، فقال رجل من الأنصار يدعى قشير بن معتب: أيعدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتح لنا مدائن اليمن، وبيض المدائن، وقصور الروم وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل، هذا والله الغرور.
فأنزل الله تعالى في هذا ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قال مقاتل وغيره من المفسرين: إن أبا سفيان بن حرب ومن معه من المشركين واليهود من قريظة والنضير تحزبوا على رسول الله - - أيام (١) ﴿ ذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ ﴾ (٢) (٣) قوله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا ﴾ .
قال مجاهد: هي الصبا، أرسلت علي الأحزاب يوم الخندق حتى أكفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم (٤) قوله تعالى: ﴿ وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ .
قال: الملائكة، ولم يقاتل يومئذ (٥) (٦) وقال ابن عباس: ﴿ وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ يريد الملائكة تهلل وتكبر وتدعو للنبي - - وللمؤمنين بالنصر (٧) (١) في (ب): (يوم).
(٢) "تفسير مقاتل" 88 أ، "تفسير الطبري" 21/ 127، "الدر المنثور" 6/ 571.
(٣) "تفسير الطبري" 21/ 128، "تفسير الماوردي" 4/ 378، "الدر المنثور" 6/ 573 كلهم عن مجاهد، وزاد السيوطي حيث عزاه للفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والبيهقي.
(٤) "معاني القرآن" للنحاس 5/ 328، وذكره الطبري 21/ 1291 غير منسوب لأحد، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 573، وعزاه للفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والبيهقي عن مجاهد.
(٥) "تفسير مجاهد" ص 515 هـ.
(٦) "تفسير مقاتل" 88 ب.
(٧) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ ﴾ هذه الآية وما بعدها نزلت في قصة غزوة الخندق، والجنود المذكورة هم قريش ومن كان معهم من الكفار، وسماهم الله في هذه السورة الأحزاب، وكانوا نحو عشرة آلاف، حاصروا المدينة وحفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق حولها، ليمنعهم من دخولها ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً ﴾ أرسل الله عليهم ريح الصبا، فأطفأت نيرانهم وأكفأت قدورهم، ولم يمكنهم معها قرار فانصرفوا خائبين ﴿ وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ يعني الملائكة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.
بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.
وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.
الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.
﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.
الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.
التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.
قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟
قلت: ثلاثاً وسبعين آية.
قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.
أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.
وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.
ومن تشريفات الرسول أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ﴿ يا عيسى ﴾ ﴿ يا داود ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.
يروى أنه لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.
وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.
أي اتق الله في نقض العهد.
﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.
﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.
وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.
فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.
والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.
ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.
كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.
وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.
وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.
وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.
والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".
واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.
وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.
وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.
وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.
وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.
ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.
ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.
ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.
ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.
وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.
ومن كمال عناية الله بأمة محمد أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.
ولذلك صار المؤمنون أخوة.
قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.
وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".
وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.
ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.
والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.
قال أهل النظم: كأنه قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.
ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.
ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.
وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا لأفضليته.
وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.
وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.
قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.
وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.
وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي : حلالها حساب وحرامها عقاب.
فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.
ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.
قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.
وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.
ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.
وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.
وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.
وحين سمع رسول الله بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.
ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.
ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.
ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.
والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.
ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.
فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.
﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.
ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.
والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.
ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.
قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.
وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.
وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.
ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.
عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.
قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.
اي ومعتقلاً رمحاً.
أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.
والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.
وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.
وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.
وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.
﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.
قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.
ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.
ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.
ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.
التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.
وبعد النبي سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.
والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.
أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
اشكروا ما أنعم الله عليكم وأحسنوا صحبة نعمه في النصر لكم والدفع عنكم، ثم الأمر في تذكير ما أنعم عليهم وجوه من الحكمة والدلالة: أحدها: تذكير لنا في مقاساة أولئك السلف من أصحابه في الدين، وعظيم ما امتحنوا في أمر الدين، حتى بلغوا الدين إلينا؛ لكيلا نضيعه نحن، بل يلزمنا أن نحفظه ونتمسك به، ونتحمل فيه، كما تحمل أولئك.
والثاني: فيه آية لهم وذلك أنهم كانوا جميعاً هم وأعداؤهم، فجاءتهم الريح والملائكة فأهلكتهم دون المؤمنين، وقال رسول الله : "نصرتُ بالصَّبَا، وأُهلِكَ عادٌ بالدَّبُور" ، وذلك آية عظيمة.
والثالث: يذكرهم ما أتاهم من الغوث عند إياسهم من أنفسهم وشرفهم على الهلاك وخروج أنفسهم من أيديهم؛ لأن العدو قد أحاطوا بهم؛ حيث قال: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ ، وبلغ أمرهم وحالهم ما ذكر، حيث قال: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ...
﴾ الآية.
أو أن يذكر لما كان منهم من العهد والميثاق ألا يولّوا الأدبار، ولا يهربوا كقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 15]: يذكرهم عظيم نعمه التي كانت عليهم في النصر لهم على عدوّهم والدفع عنهم، وحالهم ما ذكر في الآية، وذلك كان يوم الخندق تحزبوا المؤمنين في ثلاثة أمكنة يقاتلونهم من كل وجه شهراً، فبعث الله عليهم بالليل ريحاً باردة، وبعث الملائكة فغلبتهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴾ .
يذكر أنه لا عن غفلة وسهو ترككم هنالك حتى أحاط بكم العدو؛ ولكن أراد أن يمتحنكم محنة عظيمة.
أو يقول: إنه بصير عليم فيجزيكم جزاء عملكم وصبركم على ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: من فوق الوادي ومن أسفل منه.
وقيل: أحاطوا بهم من النواحي جميعاً.
وجائز أن يكون ذلك كناية عن الخوف، أي: أحاطوا بهم حتى خافوا على أنفسهم الهلاك؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ ﴾ .
وعن ابن عباس - ما - قال: هذا وصف المنافقين ﴿ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ ﴾ ، أي: شخصت، ﴿ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ ﴾ ؛ لشدة خوفهم، كقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، وأمثال هذا قد وصفهم في غير آي من القرآن ما وصف هاهنا، وهذا يشبه أن يكون.
وقال بعضهم: هذا وصف حال المؤمنين: شخصت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر؛ لمّا اشتد بهم الخوف؛ لما أحاطوا بهم من فوق ومن أسفل.
ثم جائز أن يكون ذلك على التمثيل، أي: كادت أن تكون هكذا.
وجائز أن يكون على التحقيق، وهي أن تزول عن أمكنتها، وبلغت ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ ﴾ .
قال بعضهم: ظن ناس من المنافقين ظنونا مختلفة، يقولون: هلك محمد وأصحابه، ونحوه من الظنون الفاسدة السوء، وكقوله: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ ، ونحوه.
وجائز أن يكون ذلك الظن من المؤمنين: ظنوا بالله ظنوناً لتقصير أو تفريط كان منهم نحو قوله: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 155].
ثم قال: ﴿ هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ بالقتال وأنواع الشدائد.
﴿ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ : قيل: جهدوا جهداً شديداً، وقيل: حركوا تحريكاً شديداً.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، اذكروا نعمة الله عليكم، حين جاءت المدينةَ جنودُ الكفار متحزبين على قتالكم، وساندهم المنافقون واليهود، فبعثنا عليهم ريحًا هي ريح الصَّبا التي نُصِر بها النبي ، وبعثنا جنودًا من الملائكة لم تروها فولى الكفار هاربين لا يقدرون على شيء، وكان الله بما تعملون بصيرًا لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على أعمالكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZneNp"