الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ١٨ من سورة سبأ
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 109 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يذكر تعالى ما كانوا فيه من الغبطة والنعمة ، والعيش الهني الرغيد ، والبلاد الرخية ، والأماكن الآمنة ، والقرى المتواصلة المتقاربة ، بعضها من بعض ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها ، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء ، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا ، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى ، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم; ولهذا قال تعالى : ( وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ) ، قال وهب بن منبه : هي قرى بصنعاء .
وكذا قال أبو مالك .
وقال مجاهد ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، ومالك عن زيد بن أسلم ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي ، وابن زيد وغيرهم : يعني : قرى الشام .
يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : القرى التي باركنا فيها : بيت المقدس .
وقال العوفي ، عنه أيضا : هي قرى عربية بين المدينة والشام .
( قرى ظاهرة ) أي : بينة واضحة ، يعرفها المسافرون ، يقيلون في واحدة ، ويبيتون في أخرى; ولهذا قال : ( وقدرنا فيها السير ) أي : جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه ، ( سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ) أي : الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا .
القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) يقول تعالى ذكره مخبرًا عن نعمته التي كان أنعمها على هؤلاء القوم الذين ظلموا أنفسهم: وجعلنا بين بلدهم وبين القرى التى باركنا فيها وهي الشأم، قرى ظاهرة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبى نجيح، عن مجاهد قوله ( الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) قال: الشأم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) يعني الشأم.
حدثني علي بن سهل قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) قال: الشأم.
وقيل: عُنِي بالقرى التى بورك فيها بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ) قال: الأرض التي باركنا فيها: هي الأرض المقدسة.
وقوله (قُرًى ظَاهِرَةً) يعني: قرى متصلة، وهي قرًى عرَبِيَّةٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب قال ثنا ابن علية، عن أَبي رجاء، قال: سمعت الحسن في قوله ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ) قال: قرًى متواصلة، قال: كان أحدهم يغدو فيقيل في قرية ويروح فيأوي إلى قرية أخرى.
قال: وكانت المرأة تضع زنبيلها على رأسها، ثم تمتهن بمغزلها، فلا تأتى بيتها حتى يمتلىء من كل الثمار.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (قُرًى ظَاهِرَةً) أي: متواصلة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله (قُرًى ظَاهِرَةً) يعني: قرًى عربية بين المدينة والشام.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنى أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثناء ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (قُرًى ظَاهِرَةً) قال: السَّرَوَات.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (قُرًى ظَاهِرَةً) يعني: قرًى عربية وهي بين المدينة والشأم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ) قال: كان بين قريتهم وقرى الشأم قرى ظاهرة، قال: إن كانت المرأة لتخرج معها مغزلها ومكتلها على رأسها، تروح من قرية وتغدوها، وتبيت في قرية لا تحمل زادًا ولا ماءً لما بينها وبين الشأم.
وقوله (وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ) يقول تعالى ذكره: وجعلنا بين قراهم والقرى التي باركنا فيها سيرًا مقدرًا من منـزل إلى منـزل وقرية إلى قرية، لا ينـزلون إلا فى قرية ولا يغدون إلا من قرية.
وقوله (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) يقول: وقلنا لهم سيروا في هذه القرى ما بين قراكم والقرى التي باركنا فيها لياليَ وأيَّامًا آمنين لا تخافون جوعًا ولا عطشًا، ولا من أحد ظلمًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ) لا يخافون ظلمًا ولا جوعًا، وإنما يغدون فيقيلون، ويروحون فيبيتون في قرية أهل جنة ونهر، حتى لقد ذُكر لنا أن المرأة كانت تضع مكتلها على رأسها، وتمتهن بيدها، فيمتلىء مكتلها من الثمر قبل أن ترجع إلى أهلها من غير أن تخترف شيئًا، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زادًا ولا سقاء مما بُسِط للقوم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَأَيَّامًا آمِنِينَ) قال: ليس فيها خوف.
قوله تعالى : وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين .قوله تعالى : وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قال الحسن : يعني بين اليمن والشام .
والقرى التي بورك فيها : الشام والأردن وفلسطين .
والبركة : قيل إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية بورك فيها بالشجر والثمر والماء .
ويحتمل أن يكون باركنا فيها بكثرة العدد .
قرى ظاهرة قال ابن عباس : يريد بين المدينة والشام .
وقال قتادة : [ ص: 261 ] معنى ( ظاهرة ) : متصلة على طريق يغدون فيقيلون في قرية ويروحون فيبيتون في قرية .
وقيل : كان على كل ميل قرية بسوق ، وهو سبب أمن الطريق .
قال الحسن : كانت المرأة تخرج معها مغزلها وعلى رأسها مكتلها ثم تلتهي بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من كل الثمار ، فكان ما بين الشام واليمن كذلك .
وقيل ( ظاهرة ) أي مرتفعة ، قاله المبرد .
وقيل : إنما قيل لها ( ظاهرة ) لظهورها ، أي إذا خرجت عن هذه ظهرت لك الأخرى ، فكانت قرى ظاهرة أي معروفة ، يقال : هذا أمر ظاهر أي معروف .
وقدرنا فيها السير أي جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها سيرا مقدرا من منزل إلى منزل ، ومن قرية إلى قرية ، أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى .
وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء ولخوف الطريق ، فإذا وجد الزاد والأمن لم يحمل على نفسه المشقة ونزل أينما أراد .
سيروا فيها أي وقلنا لهم سيروا فيها ، أي في هذه المسافة فهو أمر تمكين ، أي كانوا يسيرون فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين ، فهو أمر بمعنى الخبر ، وفيه إضمار القول .
ليالي وأياما آمنين ظرفان ( آمنين ) نصب على الحال .
وقال : ليالي وأياما بلفظ النكرة تنبيها على قصر أسفارهم ; أي كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه .
قال قتادة : كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظماء ، وكانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضا ، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لا يحركه .
الله لما علم احتياجهم في تجاراتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة، - الظاهر أنها: قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها الشام - هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد، وقدرنا فيها السير أي: سيرا مقدرا يعرفونه، ويحكمون عليه، بحيث لا يتيهون عنه ليالي وأياما.
آمنين أي: مطمئنين في السير في تلك الليالي والأيام غير خائفين، وهذا من تمام نعمة الله عليهم، أن أمنهم من الخوف.
( وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ) بالماء والشجر ، هي قرى الشام ( قرى ظاهرة ) متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها ، وكان متجرهم من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام .
وقيل : كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام .
( وقدرنا فيها السير ) أي : قدرنا سيرهم بين هذه القرى ، وكان مسيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم ، [ فإذا ساروا نصف يوم ] وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار .
وقال قتادة : كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها ، وعلى رأسها مكتلها فتمتهن بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مكتلها من الثمار ، وكان ما بين اليمن والشام كذلك .
( سيروا فيها ) أي : وقلنا لهم سيروا فيها ، وقيل : هو أمر بمعنى الخبر أي : مكناهم من السير فكانوا يسيرون فيها ( ليالي وأياما ) أي : بالليالي والأيام في أي وقت شئتم ) ( آمنين ) لا تخافون عدوا ولا جوعا ولا عطشا ، فبطروا وطغوا ولم يصيروا على العافية ، وقالوا : لو كانت جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه .
«وجعلنا بينهم» بين سبأ، وهم باليمن «وبين القرى التي باركنا فيها» بالماء والشجر وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة «قرى ظاهرة» متواصلة من اليمن إلى الشام «وقدرنا فيها السير» بحيث يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى إلى انتهاء سفرهم ولا يحتاجون فيه إلى حمل زاد وماء أي وقلنا «سيروا فيها ليالي وأياما آمنين» لا تخافون في ليل ولا في نهار.
وجعلنا بين أهل "سبأ" -وهم "باليمن"- والقرى التي باركنا فيها -وهي "الشام"- مُدنًا متصلة يُرى بعضها من بعض، وجعلنا السير فيها سيرًا مقدَّرًا من منزل إلى منزل لا مشقة فيه، وقلنا لهم: سيروا في تلك القرى في أيِّ وقت شئتم من ليل أو نهار، آمنين لا تخافون عدوًّا، ولا جوعًا ولا عطشًا.
ثم بين - سبحانه - نقمة أخرى أصابتهم بسبب جهلهم وحمقهم ، وكيف أن هذه النقمة قد حلت محل نعمة كانوا فيها ، فقال - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ) .أى : وجعلنا - بقدرتنا ورحمتنا بين أهل سبأ ( وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا ) كمكة فى الجزيرة العربية ، وكبيت المقدس فى بلاد الشام ، جعلنا بينهم وبين تلك القرى المباركة ، ( قُرًى ظَاهِرَةً ) أى : قرى متقاربة متواصلة ، بحيث يرى من فى إحداها غيرها .( وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير ) أى : وجعلنا زمن السير من قربة إلى أخرى مقدرا محددا ، بحيث لا يتجاوز مدة معينة قد تكون نصف يوم أو أقل .وقالوا : كان المسافر يخرج من قرية ، فيدخل الأخرى قبل حلول الظلام بها .وقوله : ( سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ) مقول لقول محذوف .
أى : وقلنا لهم : سيروا فى تلك القرى المتقاربة العارمة بالخيرات ، والتى توصلكم إلى القرى المباركة .
.
سيروا فيها ليالى وأياما آمنين من كل شر سواء سرتم بالليل أم بالنهار ، فإن الأمن فيها مستتب فى كل الأوقات : وفى كل الأحوال .فالآية الكريمة تحكى نعمة عظمى أخرى أنعم الله - تعالى - بها على أهل سبأ ، وهى نعمة تيسير سبل السفر لهم إلى القرى المباركة ، وتهيئة الأمان والاطمئان لهم خلال سفرهم ، وهى نعمة عظمى لا يدرك ضخامتها إلا من مارس الأسفار من مكان إلى آخر .
أي بينهم وبين الشام فإنها هي البقعة المباركة.
وقرى (ظاهرة) أي يظهر بعضها لبعضها يرى سواد القرية من القرية الأخرى، فإن قال قائل: هذا من النعم والله تعالى قد شرع في بيان تبديل نعمهم قوله: ﴿ وبدلناهم بِجَنَّتيهِمْ جَنَّتَيْنِ ﴾ فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان النعمة بعد النقمة؟
فنقول ذكر حال نفس بلدهم وبين تبديل ذلك بالخمط والأثل، ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمارتها بكثرة القرى، ثم ذكر تبديله ذلك بالمفاوز والبيادي والبراري بقوله: ﴿ رَبَّنَا باعد بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ وقد فعل ذلك، ويدل عليه قراءة من قرأ (ربنا بعد) على المبتدأ والخبر، وقوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير ﴾ الأماكن المعمورة تكون منازلها معلومة مقدرة لا تتجاوز، فلما كان بين كل قرية مسيرة نصف نهار، وكانوا يغدون إلى قرية ويروحون إلى أخرى ما أمكن في العرف تجاوزها، فهو المراد بالتقدير والمفاوز لا يتقدر السير فيها بل يسير السائر فيها بقدر الطاقة جاداً حتى يقطعها، وقوله: ﴿ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً ﴾ أي كان بينهم ليال وأيام معلومة، وقوله: ﴿ ءَامِنِينَ ﴾ إشارة إلى كثرة العمارة، فإن خوف قطاع الطريق والانقطاع عن الرقيق لا يكون في مثل هذه الأماكن، وقيل بأن معنى قوله: ﴿ لَيَالِيَ وَأَيَّاماً ﴾ تسيرون فيه إن شئتم ليالي وإن شئتم أياماً لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلاً، لئلا يعلم العدو بسيرهم، وبعضها يسلك نهاراً لئلا يقصدهم العدو، إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة، وقوله تعالى: ﴿ قَالُواْ ربَّنَا باعد بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ قيل بأنهم طلبوا ذلك وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يسألوا بطراً كما طلبت اليهود الثوم والبصل، ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يقدر كما يقول القائل لغيره اضربني إشارة إلى أنه لا يقدر عليه.
ويمكن أن يقال: ﴿ قَالُواْ ربَّنَا بَعْدَ ﴾ بلسان الحال، أي لما كفروا فقد طلبوا أن يبعد بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم، وقوله: ﴿ وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ يكون بياناً لذلك، وقوله: ﴿ فجعلناهم أَحَادِيثَ ﴾ أي فعلنا بهم ما جعلناهم به مثلاً، يقال: تفرقوا أيدي سبا، وقوله: ﴿ ومزقناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ بيان لجعلهم أحاديث، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ أي فيما ذكرناه من حال الشاكرين ووبال الكافرين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قُرًى ظاهرة ﴾ متواصلة؛ يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين.
أو راكبة متن الطريق: ظاهرة للسابلة؛ لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير ﴾ قيل: كان الغادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام لا يخاف جوعاً ولا عطشاً ولا عدواً، ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء ﴿ سِيرُواْ فِيهَا ﴾ وقلنا لهم: سيروا؛ ولا قول ثم، ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه؛ كأنهم أمروا بذلك وأذن لهم فيه.
فإن قلت: ما معنى قوله ﴿ لَيَالِىَ وَأَيَّاماً ﴾ قلت: معناه سيروا فيها، إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات.
أو سيروا فيها آمنين لا تخافون.
وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت أياماً وليالي.
أو سيروا فيها لياليكم وأيامكم مدة أعماركم، فإنكم في كل حين وزمان، لا تلقون فيها إلا الأمن.
وقرئ: ﴿ ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ وبعد.
ويا ربنا، على الدعاء، بطروا النعمة، وبشموا من طيب العيش، وملوا العافية، فطلبوا الكد والتعب كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم مكان المنّ والسلوى، وقالوا: لو كان جنى جناننا أبعد كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشأم مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة.
وقرئ: ﴿ ربنا بعِّد بين أسفارنا ﴾ وبعد بين أسفارنا على النداء، وإسناد الفعل إلى بين ورفعه به، كما تقول: سير فرسخان، وبوعد بين أسفارنا.
وقرئ: ﴿ ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ و ﴿ بين سفرنا ﴾ وبعد، برفع ربنا على الابتداء، والمعنى خلاف الأوّل، وهو استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم، كأنهم كانوا يتشاجون على ربهم ويتحازنون عليه ﴿ أَحَادِيثَ ﴾ يتحدّث الناس بهم، ويتعجبون من أحوالهم، وفرقناهم تفريقاً اتخذه الناس مثلاً مضروباً، يقولون: ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ.
قال كثير: أَيَادِي سَبَا يَا عَزَّ مَا كُنْتُ بَعْدَكُمْ ** فَلَمْ يَحْلُ بَالْعَيْنَيْنِ بَعْدَكِ مَنْظَرُ لحق غسان بالشأم، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان، ﴿ صَبَّارٍ ﴾ عن المعاصي ﴿ شَكُورٍ ﴾ للنعم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ بِالتَّوْسِعَةِ عَلى أهْلِها وهي قُرى الشَّأْمِ.
﴿ قُرًى ظاهِرَةً ﴾ مُتَواصِلَةً يَظْهَرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، أوْ راكِبَةً مَتْنَ الطَّرِيقِ ظاهِرَةً لِأبْناءِ السَّبِيلِ.
﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ ﴾ بِحَيْثُ يُقِيلُ الغادِي في قَرْيَةٍ ويَبِيتُ الرّائِحُ في قَرْيَةٍ إلى أنْ يَبْلُغَ الشّامَ.
﴿ سِيرُوا فِيها ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ.
﴿ لَيالِيَ وأيّامًا ﴾ مَتّى شِئْتُمْ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ.
﴿ آمِنِينَ ﴾ لا يَخْتَلِفُ الأمْنُ فِيها بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، أوْ سِيرُوا آمِنِينَ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم فِيها، أوْ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ أعْمارِكم وأيّامَها لا تَلْقَوْنَ فِيها إلّا الأمْنَ.
﴿ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا ﴾ أشِرُوا النِّعْمَةَ ومَلُّوا العافِيَةَ كَبَنِي إسْرائِيلَ فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَفاوِزَ لِيَتَطاوَلُوا فِيها عَلى الفُقَراءِ بِرُكُوبِ الرَّواحِلِ وتَزَوُّدِ الأزْوادِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ بِتَخْرِيبِ القُرى المُتَوَسِّطَةِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ «بَعِّدْ»، ويَعْقُوبُ ﴿ رَبَّنا باعِدْ ﴾ بِلَفْظِ الخَبَرِ عَلى أنَّهُ شَكْوى مِنهم لِبُعْدِ سَفَرِهِمْ إفْراطًا في التَّرَفُّهِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ومِثْلُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ «رَبَّنا بَعِّدْ» أوْ «بَعُدَ» عَلى النِّداءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى بَيْنَ.
﴿ وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ حَيْثُ بَطَرُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها.
﴿ فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِهِمْ تَعَجُبًّا وضُرِبَ مَثَلٌ فَيَقُولُونَ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبَأٍ.
﴿ وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ فَفَرَّقْناهم غايَةَ التَّفْرِيقِ حَتّى لَحِقَ غَسّانُ مِنهم بِالشَّأْمِ، وأنْمارٌ بِيَثْرِبَ، وجُذامُ بِتِهامَةَ، والأزْدُ بِعُمانَ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ فِيما ذُكِرَ.
﴿ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ عَنِ المَعاصِي.
﴿ شَكُورٍ ﴾ عَلى النِّعَمِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم} بين سبإٍ {وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا} بالتوسعة على أهلها في النعم والمياه وهي قرى الشام {قُرًى ظاهرة} متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهي ظاهرة لأعين الناظرين أو ظاهرة للسابلة لم تبعد عن مسالكهم
سبأ (٢٢ - ١٨)
حتى تخفى عليهم وهي أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبإٍ إلى الشام {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير} أي جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم يقيل المسافر في قرية ويروح في أخرى إلى أن يبلغ الشام {سِيرُواْ فِيهَا} وقلنا لهم سيروا ولا قول ثمة ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه فكأنهم أمروا بذلك {ليالي وأياماً آمنين} أي سيروا فيها إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات أي سيروا فيها آمنين لا تخافون عدواً ولا جوعاً ولا عطشاً وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت أياماً وليالي
﴿ وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً ﴾ إلى آخِرِهِ عُطِفَ بِمَجْمُوعِهِ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وهو حِكايَةٌ لِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ، وما فَعَلُوا بِها مِنَ الكُفْرانِ وما حاقَ بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ وما قَبْلُ كانَ حِكايَةً لِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ في مَساكِنِهِمْ ومَحَلِّ إقامَتِهِمْ وما فَعَلُوا بِها وما فُعِلَ بِهِمْ، والمُرادُ بِالقُرى الَّتِي بُورِكَ فِيها قُرى الشّامِ وذَلِكَ بِكَثْرَةِ أشْجارِها وأثْمارِها والتَّوْسِعَةِ عَلى أهْلِها، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ هي قُرى بَيْتِ المَقْدِسِ وعَنْ مُجاهِدٍ هي السَّراوِيَّةُ، وعَنْ وهْبٍ قُرى صَنْعاءَ، وقالَ اِبْنُ جُبَيْرٍ: قُرى مَأْرِبَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ حَتّى قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ إجْماعَ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ.
ومَعْنى ﴿ ظاهِرَةً ﴾ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مُتَواصِلَةٌ يَقْرُبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لِمَن في بَعْضِها ما في مُقابَلَتِهِ مِنَ الأُخْرى، وهَذا يَقْتَضِي القُرْبَ الشَّدِيدَ لَكِنْ سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ في مِقْدارِ ما بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ، وقالَ المُبَرِّدُ ظاهِرَةٌ مُرْتَفِعَةٌ أيْ عَلى الآكامِ والظِّرابِ وهي أشْرَفُ القُرى، وقِيلَ ظاهِرَةٌ مَعْرُوفَةٌ يُقالُ هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ أيْ مَعْرُوفٌ وتَعُرْفُ القَرْيَةُ لِحُسْنِها ورِعايَةِ أهْلِها المارِّينَ عَلَيْها، وقِيلَ: ظاهِرَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلى الطُّرُقِ لِيَسْهُلَ سَيْرُ السّابِلَةِ فِيها.
وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى ﴿ ظاهِرَةً ﴾ خارِجَةٌ عَنِ المُدُنِ فَهي عِبارَةٌ عَنِ القُرى الصِّغارِ الَّتِي في ظَواهِرِ المُدُنِ كَأنَّهُ فَصَلَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَيْنَ القُرى الصِّغارِ وبَيْنَ القُرى المُطْلَقَةِ الَّتِي هي المُدُنُ، وظَواهِرُ المُدُنِ ما خَرَجَ عَنْها في الفَيافِي، ومِنهُ قَوْلُهم نَزَلْنا بِظاهِرِ البَلَدِ الفُلانِيِّ أيْ خارِجًا عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةُ قُرَيْشِ البِطاحِ لا قُرَيْشِ الظَّواهِرِ يَعْنِي أنَّ الخارِجِينَ مِن بَطْحاءِ مَكَّةَ ويُقالُ لِلسّاكِنِينَ خارِجَ البَلَدِ أهْلُ الضَّواحِي وأهْلُ البَوادِي أيْضًا.
﴿ وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ ﴾ أيْ جَعَلْنا نِسْبَةَ بَعْضِها إلى بَعْضٍ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ السَّيْرِ، قِيلَ مَن سارَ مِن قَرْيَةٍ صَباحًا وصَلَ إلى أُخْرى وقْتَ الظَّهِيرَةِ والقَيْلُولَةِ ومَن سارَ بَعْدَ الظُّهْرِ وصَلَ إلى أُخْرى عِنْدَ الغُرُوبِ، فَلا يُحْتاجُ لِحَمْلِ زادٍ ولا مَبِيتٍ في أرْضٍ خالِيَةٍ ولا يَخافُ مِن عَدُوٍّ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ مِيلٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: مَقادِيرُ المَراحِلِ كانَتِ القُرى عَلى مَقادِيرِها، وهَذا هو الأوْفَقُ بِمَعْنى ﴿ ظاهِرَةً ﴾ عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ قَتادَةَ، وكَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ سِيرُوا فِيها ﴾ فَإنَّهُ مُؤْذِنٌ بِشِدَّةِ القُرْبِ، حَتّى كَأنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا مِن نَفْسِ القُرى، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ سِيرُوا ﴾ أمْرٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ أوْ نَحْوِهِ، وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قُلْنا لَهم سِيرُوا في تِلْكَ القُرى ﴿ لَيالِيَ وأيّامًا ﴾ أيْ مَتى شِئْتُمْ مِن لَيْلٍ ونَهارٍ ﴿ آمِنِينَ ﴾ مَن كُلِّ ما تَكْرَهُونَهُ لا يَخْتَلِفُ إلّا مَن فِيها بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، وقَدَّمَ اللَّيالِي لِأنَّها مَظِنَّةُ الخَوْفِ مِن مُغْتالٍ وإنْ قِيلَ اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ أوْ لِأنَّها سابِقَةٌ عَلى الأيّامِ أوْ قُلْنا سِيرُوا فِيها آمِنِينَ، وإنْ تَطاوَلَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم وامْتَدَّتْ لَيالِيَ وأيّامًا كَثِيرَةً، قالَ قَتادَةُ: كانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في أمانٍ ولَوْ وجَدَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يَهْجُهُ، أوْ سِيرُوا فِيها لَيالِيَكم وأيّامَكُمْ، أيْ مُدَّةَ أعْمارِكم لا تَلْقَوْنَ فِيها إلّا الأمْنَ، وقُدِّمَتِ اللَّيالِي لِسَبْقِها.
وأيًّا ما كانَ فَقَدْ عُلِمَ فائِدَةُ ذِكْرِ اللَّيالِي والأيّامِ وإنْ كانَ السَّيْرُ لا يَخْلُو عَنْهُما، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً، وإنَّما نَزَلَ تَمْكِينُهم مِنَ السَّيْرِ المَذْكُورِ وتَسْوِيَةُ مَبادِئِهِ وأسْبابِهِ مَنزِلَةَ القَوْلِ لَهم وأمْرِهِمْ بِذَلِكَ والأمْرُ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلْإباحَةِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قال في رواية الكلبي: إنهم قالوا للرسل: إنا قد عرفنا نعمة الله علينا، فو الله لئن يرد الله فيئتنا وجماعتنا، والذي كنا عليه، لنعبدنه عبادة لم يعبدها إياه، قوم قط.
فدعت لهم الرسل ربهم فرد الله لهم ما كانوا عليه.
وأتاهم نعمة وجعل لهم من أرضهم إلى أرض الشام قرى متصلة بعضها إلى بعض، فذلك قوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً ثم عادوا إلى الكفر فأتاهم الرسل فذكروهم نعمة الله فكذبوهم فمزقهم الله كل ممزق.
وقال غيره: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها هذا حكاية عما كانوا فيه من قبل أن يرسل عليهم سيل العرم قرى ظاهرة يعني: متصلة على الطريق من حيث يرى بعضها من بعض وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ للمبيت والمعيل من قرية إلى قرية سِيرُوا فِيها يعني: ليسيروا فيها.
اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الشرط والجزاء.
فلم يشكروا ربهم، فسألوا ربهم أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض.
لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وقد كانوا في قراهم آمنين منعّمين فذلك قوله: لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ يعني: أنهم كانوا يسيرون من قرية إلى قرية بالليل والنهار، آمنين من الجوع، والعطش، واللصوص، والسباع.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بَعْدَ بغير ألف وتشديد العين.
وقرأ الباقون باعِدْ بالألف وهما لغتان بَعّدَ باعد.
وقرأ يعقوب الخضرمي وكان من أهل البصرة رَبَّنا بضم الباء باعِدْ بنصب العين وهو على معنى الخبر.
وروى الكلبي عن أبي صالح أنه قرأ هكذا معناه رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا فلذلك لا ينصب.
ثم قال: وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالشرك وتكذيب الأنبياء فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يعني: أهلكهم الله تعالى فصاروا أحاديث للناس يتحدثون في أمرهم وشأنهم لم يبق أحد منهم في تلك القرى وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي: فرقناهم في كل وجه، فألقى الله الأزد بعمان، والأوس والخزرج بالمدينة، وهما أخوان وأهل المدينة كانوا من أولادهما إحدى القبيلتين الخزرج والأخرى الأوس، فسموا باسم أبيهم.
وخزاعة بمكة كانوا بنو خزاعة، منهم لخم وجذام بالشام.
ويقال كلب وغسان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: في هلاكهم وتفريقهم لعبرات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يعني: للمؤمنين الذين صبروا على طاعة الله تعالى، وشكروا نعمته.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ يعني: على أهل سبأ.
ويقال: هذا ابتداء.
يعني: جميع الكفار وذلك أن إبليس قد قال: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) [ص: 82- 83] فكان ذلك ظناً منه فصدق ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً يعني: طائفة مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وهم الذين قال الله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: 42] وقال سعيد بن جبير: كان ظنه أنه قال: أنا ناري وآدم طيني والنار تأكل الطين.
وكذا روي عن ابن عباس- - قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: وَلَقَدْ صَدَّقَ بالتخفيف يعني: صدق في ظنه.
وقرأ الباقون: صَدَّقَ بالتشديد.
يعني: صار ظنه صدقاً.
قوله عز وجل: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ يعني: لم يكن له عليهم ملك فيقهرهم.
ويقال: يعني ما سلطناه عليهم إلا لنختبرهم من الذي يطيعنا.
وقال الحسن البصري- رحمة الله-: والله ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني دعاهم إليها فأجابوه.
وقال قتادة: والله ما كان ظنه إلا ظناً، فنزل الناس عند ظنه.
وقال معمر: قال لي مقاتل: إن إبليس لما أنزل آدم- - ظن أن في ذريته من سيكون أضعف منه.
فصدق عليهم ظنه.
فإن قيل في آية أخرى: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ [النحل: 100] وهاهنا يقول: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ قيل له: أراد بالسلطان هناك الحجة يعني: إنما حجته على الذين يتولونه.
وهاهنا أراد به الملك والقهر يعني: لم يكن له عليهم ملك يقهرهم به.
ويقال: معنى الآيتين واحد.
لأن هناك قال: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سلطان على الذين آمنوا.
وهاهنا قال: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان يعني: حجة على فريق من المؤمنين إلا بالتزيين والوسوسة منه.
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ يعني: نميز من يصدق بالبعث ممن هو في شك.
يعني: من قيام الساعة.
وقال القتبي: علم الله نوعان: أحدهما علم ما يكون من إيمان المؤمنين.
وكفر الكافرين من قبل أن يكون.
وهذا علم لا يجب به حجة، ولا عقوبة، والآخر علم الأمور الظاهرة.
فيحق به القول، ويقع بوقوعها الجزاء.
يعني: ما سلطانه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهراً موجوداً، وكفر الكافرين ظاهراً موجوداً.
وكذلك قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [آل عمران: 142] الآية.
ثم قال عز وجل: وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ يعني: عالماً بالشك واليقين.
ويقال: عالم بقولهم.
ويقال: عالم بما يكون منهم قبل كونه.
ويقال: حفيظ يحفظ أعمالهم ليجازيهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ( لِقَدٍّ كانَ لِسَبَإ في مَساكِنِهِمْ آيَة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " في مَساكِنِهِمْ " .
وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مَسْكَنِهِمْ " بِفَتْحِ الكافِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " مَسْكِنِهِمْ " بِكَسْرِ الكافِ، وهي لُغَةٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِسَبَإٍ هاهُنا: القَبِيلَةُ الَّتِي هم مِن أوْلادِ سَبَإ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (النَّمْلِ: ٢٢) الخِلافَ في هَذا، وأنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: هو اسْمُ بَلَدٍ، ولَيْسَ بِاسْمِ رَجُلٍ.
وذَكَرَ الزَّجّاجُ في هَذا المَكانِ أنَّ مَن قَرَأ: " لِسَبَأ " بِالفَتْحِ وتَرْكِ الصَّرْفِ، جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، ومَن صَرَفَ وكَسَرَ ونَوَّنَ، جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ واسْمًا لِرَجُلٍ؛ وكُلٌّ جائِزٌ حَسَنٌ.
و ﴿ آيَةٌ ﴾ رَفْعٌ، اسْمُ " كانَ "، و ﴿ جَنَّتانِ ﴾ رَفْعٌ عَلى نَوْعَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن " آيَةٌ "، والثّانِي: عَلى إضْمارٍ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: " آيَةٌ "، قِيلَ: الآيَةُ جَنَّتانِ.
الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ العُلَماءُ بِالتَّفْسِيرِ والسِّيَرِ أنَّ بِلْقِيسَ لَمّا مَلَكَتْ [قَوْمَها] جَعَلَ قَوْمُها يَقْتَتِلُونَ عَلى ماءِ وادِيهِمْ، فَجَعَلَتْ تَنْهاهم فَلا يُطِيعُونَها، فَتَرَكَتْ مُلْكَها وانْطَلَقَتْ إلى قَصْرِها فَنَزَلْتُهُ، فَلَمّا كَثُرَ الشَّرُّ بَيْنَهم ونَدِمُوا، أتَوْها فَأرادُوها عَلى أنْ تَرْجِعَ إلى مُلْكِها، فَأبَتْ، فَقالُوا: لِتَرْجِعِنَّ أوْ لَنَقْتُلَنَّكِ، فَقالَتْ: إنَّكم لا تُطِيعُونَنِي ولَيْسَتْ لَكم عُقُولٌ، فَقالُوا: فَإنّا نُطِيعُكِ، فَجاءَتْ إلى وادِيهِمْ- وكانُوا إذا مُطِرُوا أتاهُ السَّيْلُ مِن مَسِيرَةِ أيّامٍ- فَأمَرَتْ بِهِ، فَسُدَّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِمُسَنّاةٍ، وحَبَسَتِ الماءَ مِن وراءِ السَّدِّ، وجَعَلَتْ لَهُ أبْوابًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وبَنَتْ مِن دُونِهِ بِرْكَةً وجَعَلَتْ فِيها اثْنَيْ عَشَرَ مَخْرَجًا عَلى عِدَّةِ أنْهارِهِمْ، فَكانَ الماءُ يَخْرُجُ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ، إلى أنْ كانَ مِن شَأْنِها مَعَ سُلَيْمانَ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ [النَّمْلِ: ٢٩- ٤٤]، وبَقُوا بَعْدَها عَلى حالِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّما بَنَوْا ذَلِكَ البُنْيانَ لِئَلّا يَغْشى السَّيْلُ أمْوالَهم فَيُهْلِكَها، فَكانُوا يَفْتَحُونَ مِن أبْوابِ السَّدِّ ما يُرِيدُونَ، فَيَأْخُذُونَ مِنَ الماءِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وكانَتْ لَهم جَنَّتانِ عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وعَنْ شِمالِهِ، فَأخْصَبَتْ أرْضُهُمْ، وكَثُرَتْ فَواكِهُهُمْ، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ لَتَمُرُّ بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ والمِكْتَلُ عَلى رَأْسِها، فَتَرْجِعُ وقَدِ امْتَلَأ مِنَ الثَّمَرِ ولا تَمَسُّ بِيَدِها شَيْئًا مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ [يُرى] في بَلَدِهِمْ حَيَّةٌ ولا عَقْرَبٌ ولا بَعُوضَةٌ ولا ذُبابٌ ولا بُرْغُوثٌ، ويَمُرُّ الغَرِيبُ بِبَلْدَتِهِمْ وفي ثِيابِهِ القَمْلُ، فَيَمُوتُ القَمْلُ لِطِيبِ هَوائِها.
وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ أيْ: هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، أوْ بَلْدَتُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، ولَمْ تَكُنْ سَبِخَةً ولا فِيها ما يُؤْذِي ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ أيْ: واللَّهُ رَبٌّ غَفُورٌ، وكانَتْ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَرْيَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ، ولَمْ يُقِرُّوا بِنِعَمِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَأعْرَضُوا ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، وكَذَّبُوا أنْبِياءَهم ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ العَرِمَ: الشَّدِيدُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرِمُ: السَّيْلُ الَّذِي لا يُطاقُ.
والثّانِي: [أنَّهُ] اسْمُ الوادِي، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُسَنّاةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو مَيْسَرَةَ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرِمُ: جَمْعُ عِرَمَةٍ، وهِيَ: السِّكْرُ والمُسَنّاةُ.
والرّابِعُ: أنَّ العَرِمَ: الجُرَذُ الَّذِي نَقَبَ عَلَيْهِمُ السِّكْرَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي صِفَةِ إرْسالِ هَذا السَّيْلِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلى سِكْرِهِمْ دابَّةً مِنَ الأرْضِ فَنَقَبَتْ فِيهِ نَقْبًا، فَسالَ ذَلِكَ الماءُ إلى مَوْضِعٍ غَيْرِ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ في آخَرِينَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُرَذًا يُسَمّى الخُلْدَ- والخُلْدُ: الفَأْرُ الأعْمى- فَنَقَبَهُ مِن أسْفَلِهِ، فَأغْرَقَ اللَّهُ [بِهِ] جَنّاتِهِمْ، وخَرَّبَ بِهِ أرْضَهم.
والثّانِي: أنَّهُ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ ماءً أحْمَرَ، أرْسَلَهُ في السَّدِّ فَنَسَفَهُ وهَدَمَهُ وحَفَرَ الوادِيَ، ولَمْ يَكُنِ الماءُ أحْمَرَ مِنَ السَّدِّ، وإنَّما كانَ سَيْلًا أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي اللَّتَيْنِ تُطْعِمانِ الفَواكِهَ ﴿ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أُكُلٍ " بِالتَّنْوِينِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: " أُكُلِ " بِالإضافَةِ.
وخَفَّفَ الكافَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وثَقَّلَها الباقُونَ.
أمّا الأُكُلُ، فَهو الثَّمَرُ.
وَفِي المُرادِ بِـ الخَمْطِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأراكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ؛ فَعَلى هَذا، أُكُلُهُ: ثَمَرُهُ؛ ويُسَمّى ثَمَرُ الأراكِ: البَرِيرَ.
والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ شَجَرَةٍ ذاتِ شَوْكٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ نَبْتٍ قَدْ أخَذَ طَعْمًا مِنَ المَرارَةِ حَتّى لا يُمْكِنَ أكْلُهُ، قالَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ، الخَمْطُ: اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ، فَيَحْسُنُ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن نَوَّنَ الأُكُلَ؛ وعَلى ما قَبْلَهُ، هو اسْمُ شَجَرَةٍ، والأُكُلُ ثَمَرُها، فَيَحْسُنُ قِراءَةُ مَن أضافَ.
فَأمّا الأثْلُ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الطَّرْفاءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّمُرَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ شَجَرٌ يُشْبِهُ الطُّرَفاءَ إلّا أنَّهُ أعْظَمُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ، وتَقْدِيرُهُ: وشَيْءٌ قَلِيلٌ مِن سِدْرٍ، وهو شَجَرُ النَّبْقِ.
والمَعْنى أنَّهُ كانَ الخَمْطُ والأثْلُ في جَنَّتَيْهِمْ أكْثَرَ مِنَ السِّدْرِ.
قالَ قَتادَةُ: بَيْنا شَجَرُهم مِن خَيْرِ الشَّجَرِ، إذْ صَيَّرَهُ اللَّهُ مِن شَرِّ الشَّجَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلَ جَزَيْناهم ﴿ بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: قَدْ يُجازى المُؤْمِنُ والكافِرُ، فَما مَعْنى هَذا التَّخْصِيصِ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُؤْمِنَ يُجْزى ولا يُجازى، فَيُقالُ في أفْصَحِ اللُّغَةِ: جَزى اللَّهُ المُؤْمِنَ، ولا يُقالُ: جازاهُ، لِأنَّ " جازاهُ " بِمَعْنى كافَأهُ، فالكافِرُ يُجازى بِسَيِّئَتِهِ مِثْلَها، مُكافَأةً لَهُ، والمُؤْمِنُ يُزادُ في الثَّوابِ ويُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّ الكافِرَ لَيْسَتْ لَهُ حَسَنَةٌ تُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ، فَهو يُجازى بِجَمِيعِ الذُّنُوبِ، والمُؤْمِنُ قَدْ أحْبَطَتْ حَسَناتُهُ سَيِّئاتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وقالَ طاوُوسٌ: الكافِرُ يُجازى ولا يُغْفَرُ لَهُ، والمُؤْمِنُ لا يُناقَشُ الحِسابَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ﴾ ؛ والمَعْنى: كانَ مِن قِصَصِهِمْ أنّا جَعَلْنا بَيْنَهم ﴿ وَبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ وهِيَ: قُرى الشّامِ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى البَرَكَةِ فِيها [الأنْبِياءِ: ٧١] هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وحَكى ابْنُ السّائِبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أهْلَكَ جَنَّتَيْهِمْ قالُوا لِلرُّسُلِ: قَدْ عَرَفْنا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْنا، فَلَئِنْ رَدَّ إلَيْنا ما كُنّا عَلَيْهِ لَنَعْبُدَنَّهُ عِبادَةً شَدِيدَةً، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ، وجَعَلَ لَهم قُرًى ظاهِرَةً فَعادُوا إلى الفَسادِ وقالُوا: باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا، فَمُزِّقُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُرًى ظاهِرَةً ﴾ أيْ: مُتَواصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ ﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَغْدُونَ فَيَقِيلُونَ في قَرْيَةٍ، ويَرُوحُونَ فَيَبِيتُونَ في قَرْيَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ ما بَيْنَ القَرْيَةِ والقَرْيَةِ مِقْدارًا واحِدًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيرُوا فِيها ﴾ والمَعْنى: وقُلْنا لَهُمْ: سِيرُوا فِيها ﴿ لَيالِيَ وأيّامًا ﴾ أيْ: لَيْلًا ونَهارًا ﴿ آمِنِينَ ﴾ مِن مَخاوِفِ السَّفَرِ مِن جُوعٍ أوْ عَطَشٍ أوْ سَبُعٍ أوْ تَعَبٍ.
وكانُوا يَسِيرُونَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ في أمانٍ، فَبَطَرُوا النِّعْمَةَ ومَلُّوها كَما مَلَّ بَنُو إسْرائِيلَ المَنَّ والسَّلْوى فَقالُوا رَبَّنا بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " بَعِّدْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وكَسْرِها.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: " باعِدْ " بِألِفٍ وكَسْرِ العَيْنِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقِراءَتَيْنِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهم قالُوا: لَوْ كانَتْ جَنّاتُنا أبْعَدَ مِمّا هِيَ، كانَ أجْدَرَ أنْ يُشْتَهى جَناها.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا ذَكَّرَتْهُمُ الرُّسُلُ نِعَمَ اللَّهِ، أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ ما هم فِيهِ نِعْمَةً، وَسَألُوا اللَّهَ أنْ يُباعِدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: [ " رَبُّنا " بِرَفْعِ الباءِ] " باعَدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ والدّالِ، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا عَلى طَرِيقِ الإخْبارِ لِلنّاسِ بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِمْ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ [السُّلَمِيُّ]، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " بَعُدَ " بِرَفْعِ العَيْنِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ الدّالِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، عَلى طَرِيقِ الشِّكايَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " بُوعِدَ " بِرَفْعِ الباءِ وبِواوٍ ساكِنَةٍ مَعَ كَسْرِ العَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بِالكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ.
والثّانِي: بِقَوْلِهِمْ " بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا " .
﴿ فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ لِمَن بَعْدَهم يَتَحَدَّثُونَ بِما فُعِلَ بِهِمْ ﴿ وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم في كُلِّ وجْهٍ مِنَ البِلادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا غَرَّقَ مَكانَهم وأذْهَبَ جَنَّتَيْهِمْ تَبَدَّدُوا في البِلادِ، فَصارَتِ العَرَبُ تَتَمَثَّلُ في الفِرْقَةِ بِسَبَأٍ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ: فِيما فُعِلَ بِهِمْ ﴿ لآياتٍ ﴾ أيْ: لَعِبَرًا ﴿ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ﴿ شَكُورٍ ﴾ لِنِعَمِهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ " عَلَيْهِمْ " بِمَعْنى " فِيهِمْ "، وَصِدْقُهُ في ظَنِّهِ أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهم يَتَّبِعُونَهُ إذْ أغْواهُمْ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ.
وإنَّما قالَ: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ بِالظَّنِّ، لا بِالعِلْمِ، فَمَن قَرَأ: " صَدَّقَ " بِتَشْدِيدِ الدّالِ، فالمَعْنى: حَقَّقَ ما ظَنَّهُ فِيهِمْ بِما فُعِلَ بِهِمْ؛ ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فالمَعْنى: صَدَقَ عَلَيْهِمْ في ظَنِّهِ بِهِمْ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ سَبَإٍ.
والثّانِي: سائِرُ المُطِيعِينَ لِإبْلِيسَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢ قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما ضَرَبَهم بِعَصًا ولا قَهْرَهم عَلى شَيْءٍ إلّا أنَّهُ دَعاهم إلى الأمانِيِّ والغُرُورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ أيْ: ما كانَ تَسْلِيطُنا إيّاهُ إلّا لِنَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشّاكِّينَ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: " إلّا لِيُعْلَمَ " بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ: " لِيَعْلَمَ " بِفَتْحِ الياءِ.
وَفِي المُرادِ بِعِلْمِهِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ ٍ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ (العَنْكَبُوتِ: ٣) .
﴿ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الشَّكِّ والإيمانِ ﴿ حَفِيظٌ ﴾ ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والحَفِيظُ بِمَعْنى الحافِظِ.
قالَ الخَطّابِيُّ: وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كالقَدِيرِ، والعَلِيمِ، فَهو يَحْفَظُ السَّماواتِ والأرْضَ بِما فِيها لِتَبْقى مُدَّةَ بَقائِها، ويَحْفَظَ عِبادَهُ مِنَ المَهالِكِ، ويَحْفَظَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ، ويَعْلَمَ نِيّاتِهِمْ، ويَحْفَظَ أوْلِياءَهُ عَنْ مُواقَعَةِ الذُّنُوبِ، ويَحْرُسُهم مِن مَكايِدِ الشَّيْطانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ ﴾ ﴿ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها وصْفٌ لِحالِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ السَيْلِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى - مَعَ ما كانَ مِنهم - مَنَحَهم مِنَ الجَنَّتَيْنِ والنِعْمَةِ الخاصَّةِ بِهِمْ، كانَ قَدْ أصْلَحَ لَهُمُ البِلادَ المُتَّصِلَةَ بِهِمْ وعَمَّرَها، وجَعَلَهم أرْبابَها، وقَدَّرَ فِيها السَيْرَ بِأنْ قَرَّبَ القُرى بَعْضَها مِن بَعْضٍ، حَتّى كانَ المُسافِرُ مِن مَأْرَبَ إلى الشامِ لَيَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في قَرْيَةٍ، أُخْرى، فَلا يَحْتاجُ إلى حَمْلِ زادٍ، و"القُرى": المُدُنُ، ويُقالُ لِلْجَمْعِ الصَغِيرِ قَرْيَةٌ أيْضًا، وكُلُّها مِن: قَرَيْتُ، أيْ جَمَعْتُ، والقُرى الَّتِي بُورِكَ فِيها هي قُرى الشامِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والقُرى الظاهِرَةُ هي الَّتِي بَيْنَ الشامِ ومَأْرَبَ، وهي الصِغارُ الَّتِي هي البَوادِي.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي قُرًى عَرَبِيَّةٌ بَيْنَ المَدِينَةِ والشامِ، وقالَهُ الضَحّاكُ، واخْتُلِفَ في مَعْنى "ظاهِرَةً"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَعْلِيَةً مُرْتَفِعَةً في الإكامِ والظِرابِ، وهي أشْرَفُ القُرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَظْهَرُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَهي أبَدًا في قَبْضَةِ عَيْنِ المُسافِرِ، لا يَخْلُو مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ مِنها بِهَذا الوَجْهِ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى "ظاهِرَةً": خارِجَةً عَنِ المُدُنِ، فَهي عِبارَةٌ عَنِ القُرى الصِغارِ الَّتِي هي في ظَواهِرِ المُدُنِ، فَإنَّما فَصَلَ بِهَذِهِ الصِفَةِ بَيْنَ القُرى الصِغارِ وبَيْنَ القُرى المُطْلَقَةِ الَّتِي هي المُدُنُ؛ لِأنَّ ظَواهِرَ المُدُنِ ما خَرَجَ عنها في الفَيافِي والفُحُوصِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: نَزَلْنا بِظاهِرِ فُلانَةٍ، أيْ: خارِجًا عنها.
وقَوْلُهُ: "ظاهِرَةً" نَظِيرُ تَسْمِيَةِ الناسِ إيّاها البادِيَةَ والضاحِيَةَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةٌ ∗∗∗ قُرَيْشُ البِطاحِ لا قُرَيْشُ الظَواهِرِ يَعْنِي الخارِجِينَ عن بَطْحاءِ مَكَّةَ، وفي حَدِيثِ الِاسْتِسْقاءِ: « "وَجاءَ أهْلُ الضَواحِي يَشْتَكُونَ: الغَرَقُ الغَرَقُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ ﴾ ، هو ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُسافِرَ فِيها كانَ يَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في أُخْرى عَلى أيِّ طَرِيقٍ سَلَكَ، لا يُعْوِزُهُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيرُوا فِيها ﴾ مَعْناهُ: قُلْنا لَهم.
و[آمِنِينَ] مَعْناهُ: مِنَ الخَوْفِ مِنَ الناسِ المُفْسِدِينَ، وآمِنِينَ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وآفاتِ المُسافِرِ.
ثُمَّ حَكى عنهم مَقالَةً قالُوها عَلى جِهَةِ البَطَرِ والأشَرِ، وهي طَلَبُ البُعْدِ بَيْنَ الأسْفارِ، والإخْبارُ بِأنَّها بَعِيدَةٌ عَلى القِراءاتِ الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ نافِعًا، وعاصِمًا، وحَمْزَةَ، والكِسائِيَّ قَرَؤُوا: "باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا" بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى مَعْنى الطَلَبِ أيْضًا، فَهاتانِ مَعْناهُما الأشَرُ بِأنَّهم مَلُّوا النِعْمَةَ بِالقُرْبِ، وطَلَبُوا اسْتِبْدالَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ.
وفي كِتابِ الرُمّانِيِّ أنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ جَنْيُ ثِمارِنا أبْعَدَ لَكانَ أشْهَرَ وأكْثَرَ قِيمَةً، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ، وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - أخُو الحَسَنِ - وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: "رَبَّنا" بِالنَصْبِ "بَعُدَ بَيْنَ أسْفارِنا" بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ العَيْنِ، ونَصْبِ "بَيْنَ" أيْضًا.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ -: "بَيْنُ" بِالرَفْعِ وإضافَتِهِ إلى الأسْفارِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أيْضًا "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "باعَدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "بَعَّدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّها وفَتْحِ الدالِ.
فَهَذِهِ القِراءَةُ مَعْناها الإخْبارُ بِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا القَرِيبَ، ورَأوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرَ مُقْنِعٍ لَهُمْ، حَتّى كَأنَّهم أرادُوها مُتَّصِلَةً بِالدُورِ، وفي هَذا تَعَسُّفٌ وتَسَخُّطٌ عَلى أقْدارِ اللهِ تَعالى وإرادَتِهِ، وقِلَّةُ شُكْرٍ عَلى نِعْمَتِهِ، بَلْ هي مُقابَلَةُ النِعْمَةِ بِالتَشَكِّي.
وفي هَذا المَعْنى ونَحْوِهِ مِمّا اقْتَرَنَ بِكُفْرِهِمْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَفَرَّقَهُمُ اللهُ تَعالى، وخَرَّبَ بِلادَهُمْ، وجَعَلَهم أحادِيثَ، ومِنهُ المَثَلُ السائِرُ: "تَفَرَّقُوا أيادِي سَبَأٍ"، و"أيْدِي سَبَأٍ" ويُقالُ المَثَلُ بِالوَجْهَيْنِ، وهَذا هو تَمَزُّقُهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: "إنَّ سَبَأً أبُو عَشْرِ قَبائِلَ"،» فَلَمّا جاءَ السَيْلُ عَلى مَأْرَبَ وهو اسْمُ بَلَدِهِمْ تَيامَنَ مِنهم سِتَّةُ قَبائِلَ، أيْ: إذْ تَبَدَّدَتْ في بِلادِ اليَمَنِ، وتَشاءَمَتْ مِنها أرْبَعَةٌ، فالمُتَيامِنَةُ كِنْدَةُ والأزْدُ وأشْعَرُ ومَذْحِجٌ وأنْمارٌ الَّتِي مِنها بَجِيلَةُ وخَثْعَمٌ، وطائِفَةٌ قِيلَ لَها: حِمْيَرٌ، بَقِيَ عَلَيْها اسْمُ الأبِ الأوَّلِ، والَّتِي تَشاءَمَتْ لَخْمٌ وجُذامٌ وغَسّانُ وخُزاعَةُ، نَزَلَتْ تِهامَةَ، ومِن هَذِهِ المُتَشائِمَةِ أولادُ قَيْلَةَ، وهُمُ الأوسُ والخَزْرَجُ، ومِنها عامِلَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتَهُ - عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ - أنَّ هَذِهِ القَصَصَ فِيها آياتٌ وعِبَرٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ عَلى الكَمالِ، ومَنِ اتَّصَفَ بِالصَبْرِ والشُكْرِ فَهو المُؤْمِنُ الَّذِي لا تَنْقُصُهُ خَلَّةٌ جَمِيلَةٌ بِوَجْهٍ.
<div class="verse-tafsir"
تكملة القصة بذكر نعمة بعد نعمة فإن ما تقدم لِنعمة الرخاء والبهجة وطيب الإِقامة، وما هنا لِنعمة الأمن وتيسير الأسفار وعمران بلادهم.
والمراد بالقرى التي بوركت قرى بلاد الشام فكانوا إذا خرجوا من مأرب إلى البلاد الشامية قوافل للتجارة وبيع الطعام سلكوا طريق تهامة ثم الحجاز ثم مشارف الشام ثم بلاد الشام، فكانوا كلما ساروا مرحلة وجدوا قرية أو بلداً أو داراً للاستراحة واستراحوا وتزودوا.
فكانوا من أجل ذلك لا يحملون معهم أزواداً إذا خرجوا من مأْرب.
وهذه القرى الظاهرة يحتمل أنها تكونت من عمل الناس القاطنين حَفافي الطريق السابلة بين مأرب وجِلّق قصدَ استجلاب الانتفاع بنزول القوافل بينهم وابتياع الأزواد منهم وإيصال ما تحتاجه تلك القرى من السلع والثمار وهذه طبيعة العمران.
ويحتمل أن سبأ أقاموا مباني يأوون إليها عند كل مرحلة من مراحل أسفارهم واستنبطوا فيها الآبار والمصانع وأوكلوا بها من يحفظها ويكون لائذاً بهم عند نزولهم.
فيكون ذلك من جملة ما وطَّد لهم ملوكهم من أسباب الحضارة والأمن على القوافل، وقد تكون إقامة هاته المنازل مجلبة لمن يقطنون حولها ممن يرغب في المعاملة مع القافلة عند مرورها.
وعلى الاحتمالين فإسناد جعل تلك القرى إلى الله تعالى لأنه الملهم الناس والملوك أو لأنه الذي خلق لهم تربة طيبة تتوفر محاصيلها على حاجة السكان فتسمح لهم بتطلب ترْويجها في بلاد أخرى.
ووصف ﴿ ظاهرة ﴾ أنها متقاربة بحيث يظهر بعضها لبعض ويتراءى بعضها من بعض.
وقيل: الظاهرة التي تظهر للسائر من بعد بأن كانت القرى مبنية على الآكام والظِراب يشاهدها المسافر فلا يضل طريقها.
وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أن معنى ﴿ ظاهرةً ﴾ أنها خارجة عن المدن فهي في ظواهر المدن ومنه قولهم: نزلنا بظاهر المدينة الفلانية، أي خارجاً عنها.
فقوله: ﴿ ظاهرةً ﴾ كتسمية الناس إياها بالبادية وبالضاحية، ومنه قول الشاعر وأنشده أهل اللغة: فلو شهدتني من قريش عصابة *** قريششِ البطاح لا قريششِ الظواهر وفي حديث الاستسقاء: «وجاء أهل الظواهر يشتكون الغرق» ا ه.
وهو تفسير جميل.
ويكون في قوله: ﴿ ظاهرةً ﴾ على ذلك كناية عن وفرة المدن حتى إن القرى كلها ظاهرة منها.
ومعنى تقدير السير في القرى: أن أبعادها على تقدير وتَعادل بحيث لا يتجاوز مقدار مرحلة.
فكانَ الغادي يقبل في قرية والرائح يبيت في قرية.
فالمعنى: قدرنا مسافات السير في القرى، أي في أبعادها.
ويتعلق قوله: ﴿ فيها ﴾ بفعل ﴿ قدرنا ﴾ لا بالسير لأن التقدير في القرى وأبعادها لا في السير إذ تقدير السير تبع لتقدير الأبعاد.
وجملة ﴿ سيروا في ليالي ﴾ مقول قول محذوف.
وجملة القول بيان لجملة ﴿ قدرنا ﴾ أو بدل اشتمال منها.
وهذا القول هو قول التكوين وهو جعلها يسيرون فيها.
وصيغة الأمر للتكوين.
وضمير ﴿ فيها ﴾ عائد إلى القرى، والظرفية المستفادة من حرف الظرف تخييل لمكنيةٍ، شبهت القُرى لشدة تقاربها بالظرف وحذف المشبه به ورُمز إليه بحرف الظرفية.
والمعنى: سيروا بينها.
وكانوا يسيرون غدوًّا وعشيًّا فيسِيرون الصباح ثم تعترضهم قرية فيريحون فيها ويقيلون، ويسيرون المساء فتعترضهم قرية يبيتون بها.
فمعنى قوله: ﴿ سيروا فيها ليالي وأياماً ﴾ : سيروا كيف شئتم.
وتقديم الليالي على الأيام للاهتمام بها في مقام الامتنان لأن المسافرين أحوج إلى الأمن في الليل منهم إليه في النهار لأن الليل تعترضهم فيه القُطاع والسباع.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الشّامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
﴿ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ يَعْنِي بِالشَّجَرِ والثَّمَرِ والماءِ.
وَقِيلَ إنَّها كانَتْ أرْبَعَةَ آلافٍ وسَبْعَمِائَةِ قَرْيَةٍ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّتِي بارَكْنا فِيها بِكَثْرَةِ العَدَدِ.
﴿ قُرًى ظاهِرَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَّصِلَةً يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو مالِكٍ.
الثّانِي: أنَّها العامِرَةُ.
الثّالِثُ: الكَثِيرَةُ الماءِ.
الرّابِعُ: أنَّ القُرى الظّاهِرَةَ هي القُرى القَرِيبَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.
وَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها السَّرَواتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها قُرى لِصَنْعاءَ، قالَهُ ابْنُ مُنَبِّهٍ.
الثّالِثُ: أنَّها قُرى ما بَيْنَ مَأْرِبَ والشّامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَدَّرْنا فِيها المَقِيلَ والمَبِيتَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهم كانُوا يُصْبِحُونَ في قَرْيَةٍ ويُمْسُونَ في أُخْرى، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَدَّرَ فِيها السَّيْرَ بِأنْ جَعَلَ ما بَيْنَ القَرْيَةِ والقَرْيَةِ مِقْدارًا واحِدًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ الجُوعِ والظَّمَأِ، قالَهُ قَتادَةُ.
حَتّى أنَّ المَرْأةَ تَمْشِي وعَلى رَأْسِها مِكْتَلٌ فَيَمْتَلِئُ مِنَ الثَّمَرِ.
الثّانِي: آمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، كانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في أمانٍ لا يُحَرِّكُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يُحَرِّكْهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ ( بَعِّدْ ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿ باعِدْ ﴾ بِألِفٍ وبِتَخْفِيفِ العَيْنِ وفِيهِما ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم مَلُّوا النِّعَمَ كَما مَلَّ بَنُو إسْرائِيلَ المَنَّ والسَّلْوى، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهم قالُوا لَوْ كانَتْ ثِمارُنا أبْعَدَ مِمّا هي كانَتْ أشْهى في النُّفُوسِ وأحْلى، قالَهُ ابْنُ عِيسى، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ بَطِرَ.
فَصارَ نَوْعًا مِنَ المَلَلِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ زِدْ في عِمارَتِنا حَتّى تَبْعُدَ فِيهِ أسْفارُنا، حَكاهُ النَّقّاشُ.
وَهَذا القَوْلُ مِنهم طَلَبًا لِلزِّيادَةِ والكَثْرَةِ.
وَقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ بَعُدَ بِضَمِّ العَيْنِ وتَخْفِيفِها، وهَذا القَوْلُ مِنهم شَكْوى لِبُعْدِ سَفَرِهِمْ وتَمَنِّي قِصَرِهِ.
﴿ وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ظَلَمُوها بِقَوْلِهِمْ باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا.
قالَ الكَلْبِيُّ: أنَّهم قالُوا لِرُسُلِهِمْ حِينَ ابْتُلُوا وهم مُكَذِّبُونَ: وقَدْ كُنّا نَأْبى عَلَيْكم وأرْضُنا عامِرَةٌ خَيْرُ أرْضٍ فَكَيْفَ اليَوْمَ وأرْضُنا خَرابٌ شَرُّ أرْضٍ.
الثّالِثُ: أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالتَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُسْلِمِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ أيْ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِما كانُوا فِيهِ مِن نَعِيمٍ وما صارُوا إلَيْهِ مِن هَلاكٍ، حَتّى ضُرِبَ المَثَلُ فَقِيلَ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبَأٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: بادَ قَوْمٌ عَصَفَ الدَّهْرُ بِهِمْ فُرِّقُوا عَنْ صَرْفِهِ أيْدِي سَبَأْ ﴿ وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فُرِّقُوا بِالهَلاكِ حَتّى صارُوا تُرابًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّهم مُزِّقُوا بِالتَّفْرِيقِ والتَّباعُدِ، قالَهُ قَتادَةُ.
حَكى الشَّعْبِيُّ قالَ: أمّا غَسّانُ فَلَحِقُوا بِالشّامِ، وأمّا خُزاعَةُ فَلَحِقُوا بِمَكَّةَ، وأمّا الأوْسُ والخَزْرَجُ فَلَحِقُوا بِيَثْرِبَ يَعْنِي المَدِينَةَ، وأمّا الأزْدُ فَلَحِقُوا بِعَمّانَ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: صَبّارٌ عَلى البَلْوى شَكُورٌ عَلى النَّعْماءِ.
الثّانِي: صَبُورٌ عَلى أمْرِ اللَّهِ شَكُورٌ في طاعَةِ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن فروة بن مسيك المرادي رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟
فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجت من عنده، أرسل في أثري، فردني فقالادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ، أرض أم امرأة؟
قال: ليس بأرض، ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فَتَيَامَنَ منهم ستة، وتشاءَمَ منهم أربعة، فاما الذين تشاءموا فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة.
وأما الذين تيامنوا فالازد، والاشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار.
فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟
قال: الذين منهم خثعم، وبجيلة» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبراني وابن أبي حاتم وابن عدي والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ أرجل هو، أو امرأة، أم أرض؟
فقال: بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحِمْيَر.
وأما الشاميون فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان» .
وأخرج الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ لقد كان لسبإ ﴾ بالخفض منوّنة مهموزة ﴿ في مساكنهم ﴾ على الجماع بالألف.
وأخرج الفريابي عن يحيى بن وثاب أنه يقرأها ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كان لسبأ جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تمر ومكتلها على رأسها، فتمشي بين جبلين، فتمتلئ فاكهة وما مسته بيدها، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة يقال لها: الجرذ، فنقب عليهم، فغرقهم، فما بقي منهم الا أثل، وشيء من سدر قليل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان لسبإٍ في مساكنهم...
﴾ .
قال لم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية، وإن ركب ليأتون في ثيابهم القمل والدواب، فما هو إلا أن ينظروا إلى بيوتها، فتموت تلك الدواب، وإن كان الإِنسان ليدخل الجنتين، فيمسك القفة على رأسة، ويخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة، ولم يتناول منها شيئاً بيده.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بلدة طيبة ورب غفور ﴾ قال: هذه البلد طيبة، وربكم غفور لذنوبكم.
وفي قوله: ﴿ فاعرضوا ﴾ قال: بطر القوم أمر الله، وكفروا نعمته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كان أهل سبأ أعطوا ما لم يعطه أحد من أهل زمانهم، فكانت المرأة تخرج على رأسها المكتل فتريد حاجتها، فلا تبلغ مكانها الذي تريد حتى يمتلئ مِكْتَلُهَا من أنواع الفاكهة، فأجمعوا ذلك فكذبوا رسلهم، وقد كان السيل يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يستقر في واديهم، فيجمع الماء من تلك السيول والجبال في ذلك الوادي، وكانوا قد حفروه بمسناة- وهم يسمون المسناة العرم- وكانوا يفتحون إذا شاءوا من ذلك الماء، فيسقون جنانهم إذا شاءوا، فلما غضب الله عليهم، وأذن في هلاكهم، دخل رجل إلى جنته- وهو عمرو بن عامر فيما بلغنا، وكان كاهناً- فنظر إلى جرذة تنقل أولادها من بطن الوادي إلى أعلى الجبل فقال: ما نقلت هذه أولادها من هاهنا إلا وقد حضر أهل هذه البلاد عذاب، ويقدر أنها خرقت ذلك العرم، فنقبت نقباً، فسال ذلك النقب ماء إلى جنته، فأمر عمرو بن عامر بذلك النقب فسد، فأصبح وقد انفجر بأعظم ما كان، فأمر به أيضاً فسد، ثم انفجر بأعظم ما كان، فلما رأى ذلك دعا ابن أخيه فقال: إذا أنا جلست العشية في نادي قومي فائتني فقل: علام تحبس علي مالي؟
فإني سأقول ليس لك عندي مال، ولا ترك أبوك شيئاً، وإنك لكاذب.
فإذا أنا كذبتك فكذبني وأردد عليّ مثل ما قلت لك، فإذا فعلت ذلك فإني سأشتمك، فاشتمني.
فإذا أنت شتمتني لطمتك، فإذا أنا لطمتك فقم فالطمني.
قال: ما كنت لاستقبلك بذلك يا عم!
قال: بلى.
فافعل فإني أريد بها صلاحك، وصلاح أهل بيتك فقال الفتى: نعم.
حيث عرف هوىعمه فجاء فقال ما أمر به حتى لطمه فتناوله الفتى فلطمه فقال الشيخ: يا معشر بني فلان الطم فيكم؟
لا سكنت في بلد لطمني فيه فلان أبداً، من يبتاع مني.
فلما عرف القوم منه الجد أعطوه، فنظر إلى أفضلهم عطية، فأوجب له البيع، فدعا بالمال، فنقده وتحمل هو وبنوه من ليلته، فتفرقوا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان في سبأ كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، وكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، أنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم، فلم يدر كيف يصنع لأنه كان له مال كثير من عقر، فقال لرجل من بنيه وهو أعزهم أخوالاً: إذا كان غداً وأمرتك بأمر فلا تفعله، فإذا نهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني، قال: يا أبت لا تفعل إن هذا أمر عظيم وأمر شديد قال: يا بني قد حدث أمر لا بد منه، فلم يزل حتى هيأه على ذلك، فلما أصبحوا، واجتمع الناس قال: يا بني افعل كذا وكذا.
..
فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني عليَّ بالشفرة قالوا: وما تصنع بالشفرة؟
قال: اذبحه قالوا: تذبح ابنك الطمه واصنع ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه، فأرسلوا إلى أخواله فاعلموهم بذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه قالوا: فلتموتن قبل أن تدعوه قال: فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أريد أن أقيم ببلد يحال بيني وبين إبني فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره، وأرضه، وعقاره.
فلما صار الثمن في يده وأحرزه قال: أي قوم أن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم داراً جديداً، وجملاً شديداً، وسفراً فليلحق بعمان ومن أراد منكم الخمر، والخمير، والعصير، فليلحق ببصرى.
ومن أراد منكم الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قوم، فخرج أهل عمان إلى عمان، وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس، والخزرج، وبنو كعب بن عمرو، إلى يثرب، فلما كانوا ببطن نخل قال بنو كعب: هذا مكان صالح لا نبتغي به بدلاً فأقاموا، فذلك سموا خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم، وأقبلت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان لسبإ...
﴾ .
قال: كان لهم مجلس مشيد بالمرمر، فأتاهم ناس من النصارى فقالوا: أشكروا الله الذي أعطاكم هذا قالوا: ومن أعطاناه؟
إنما كان لآبائنا فورثناه، فسمع ذلك ذو يزن فعرف أنه سيكون لكلمتهم تلك خبر فقال لابنه: كلامك علي حرام إن لم تأت غداً وأنا في مجلس قومي فتصك وجهي، ففعل ذلك فقال: لا أقيم بأرض فعل هذا ابني بي فيها، إلا من يبتاع مني مالي، فابتدره الناس، فابتاعوه فبعث الله جرذاً أعمى يقال له الخلد من جرذان عمى، فلم يزل يحفر السد حتى خرقه فانهدم وذهب الماء بالجنتين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لقد بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم، وكان لهم سد كانوا قد بنوه بنياناً أبداً وهو الذي كان يرد عنهم السيل إذا جاء أن يغشى أموالهم، وكان فيما يزعمون في علمهم من كهانتهم أنه إنما يخرب سدهم ذلك فارة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمانه وما أراد الله بهم من التفريق، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرر، فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، فتغلغلت بالسد، فحفرت فيه حتى رققته للسيل وهم لا يدرون، فلما أن جاء السيل وجد عللاً، فدخل فيه حتى قلع السد وفاض على الأموال فاحتملها، فلم يبق منها إلا ما ذكر عن الله تبارك وتعالى.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: كانت أودية اليمن تسيل إلى وادي سبأ، وهو واد بين جبلين، فعمد أهل سبأ فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وتركوا ما شاءوا لجناتهم، فعاشوا بذلك زماناً من الدهر، ثم إنهم عتوا وعملوا بالمعاصي، فبعث الله على ذلك السد جرذاً فنقبه عليهم، فعرض الله مساكنهم وجناتهم، وبدلهم بمكان جنتيهم جنتين خمط والخمط الأراك ﴿ وأثل ﴾ الاثل القصير من الشجر الذي يصنعون منه الأقداح.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ قال: الشديد.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه ﴿ سيل العرم ﴾ قال: المنساة بلحن اليمن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ قال: ﴿ العرم ﴾ بالحبشة وهي المنساة التي يجتمع فيها الماء ثم ينشف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: ﴿ العرم ﴾ اسم الوادي.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ سيل العرم ﴾ قال: وادٍ كان باليمن كان يسيل إلى مكة.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: وادي سبأ يدعى ﴿ العرم ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ السد ماء أحمر أرسله الله في السد، فشقه وهدمه، وحفر الوادي عن الجنتين، فارتفعا وغار عنهما الماء، فيبستا ولم يكن الماء الأحمر من السد، كان شيئاً أرسله الله عليهم.
وفي قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الخمط الأراك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أرسله الله عليهم.
وفي قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: (الخمط) الأراك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الأراك ﴿ وأثل ﴾ قال: الطرفاء.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الأراك قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت الشاعر يقول: ما معول فود تراعى بعينها ** أغن غضيض الطرف من خلل الخمط وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأثل ﴾ قال (الاثل) شجر لا يأكلها شيء وإنما هي حطب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: ﴿ الخمط ﴾ الاراك و(الاثل) النضار و ﴿ السدر ﴾ النبق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم...
﴾ .
قال: قوم أعطاهم الله نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، قال الله: ﴿ فأعرضوا ﴾ قال: ترك القوم أمر الله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ ذكر لنا ﴿ العرم ﴾ وادي سبأ كانت تجتمع إليه مسايل من أودية شتى، فعمدوا فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وجعلوا عليه أبواباً وكانوا يأخذون من مائة ما احتاجوا إليه، ويسدون عنهم ما لم يعبأوا به من مائه، فلما تركوا أمر الله بعث الله عليهم جرذاً، فنقبه من أسفله، فاتسع حتى غَرَّقَ الله به حروثَهم، وخَرَّبَ به أراضيهم عقوبة بأعمالهم قال الله: ﴿ فبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ﴾ والخمط الأراك و ﴿ أكل ﴾ بربرة و ﴿ أثل وشيء من سدر قليل ﴾ بينما شجر القوم من خير الشجر إذ صيره الله من شر الشجر عقوبة بأعمالهم قال الله: ﴿ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ﴾ إن الله إذا أراد بعبد كرامة أو خيراً تقبل حسناته، وإذا أراد بعبد هواناً أمسك عليه بذنبه.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: الخمط هو الأراك.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبي مالك، مثله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهل نجازي إلا الكفور ﴾ قال: تلك المناقشة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس ﴿ وهل نجازي إلا الكفور ﴾ قال: هو المناقشة في الحساب، ومن نوقش الحساب عذب، وهو الكافر لا يغفر له.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي حيوة وكان من أصحاب علي قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والمنغص في اللذة قيل: وما المنغص؟
قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ القرى التي باركنا فيها ﴾ قال: الشام.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ قال: هي قرى الشام.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير، مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ﴾ قال: كان فيما بين اليمن إلى الشام قرى متواصلة و ﴿ القرى التي باركنا فيها ﴾ الشام.
كان الرجل يغدو فيقبل في القرية، ثم يروح فيبيت في القرية الأخرى، وكانت المرأة تخرج وزنبيلها على رأسها، فما تبلغ حتى يمتلئ من كل الثمار.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي ملكية في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ﴾ قال: كانت قراهم متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وثمرهم متدل فبطروا.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ وقدرنا فيها السير ﴾ قال: دانينا فيها السير.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم ﴾ يعني بين مساكنهم ﴿ وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ يعني الأرض المقدسة (قرى) فيما بين منازلهم والأرض المقدسة ﴿ ظاهرة ﴾ يعني عامرة مخصبة ﴿ وقدرنا فيها السير ﴾ يعني فيما بين مساكنهم وبين أرض الشام ﴿ سيروا فيها ﴾ يعني إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام من الأرض المقدسة.
وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ ظاهرة ﴾ قال: قرى بالشام.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين ﴾ قال: لا يخافون جوعاً ولا ظمأ، إنما يغدون فيقيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في قرية، أهل جنة ونهر حتى ذكر لنا: أن المرأة كانت تضع مكتلها على رأسها، فيمتلئ قبل أن ترجع إلى أهلها، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً، فبطروا النعمة ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ فمزقوا ﴿ كل ممزق ﴾ وجعلوا أحاديث.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ قال: قالوا يا ليت هذه القرى يبعد بعضها عن بعض، فنسير على نجائبنا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ قالوا ربنا بعِّد بين أسفارنا ﴾ مثقلة قال: لم يدعوا على أنفسهم، ولكن شكوا ما أصابهم.
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ قالوا ربنا بَعِّدْ بين أسفارنا ﴾ مثقلة على معنى فعِّل.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن أبي الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ بنصب الباء، ورفع العين.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ربنا ﴾ بالنصب ﴿ باعد ﴾ بنصب الباء وكسر العين على الدعاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومزقناهم كل ممزق ﴾ قال: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان.
فمزقهم الله كل ممزق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبارٍ شكور...
﴾ قال: مطرف في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.
وأخرج عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكل صبار شكور ﴾ قال: ﴿ صبار ﴾ في الكريهة ﴿ شكور ﴾ عند الحسنة.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن عامر رضي الله عنه قال: الشكر نصف الإِيمان، والصبر نصف الايمان، واليقين الايمان كله.
وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قال: يا عيسى ابن مريم إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم.
قال: يا رب كيف يكون هذا لهم، ولا حلم ولا علم؟
قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» .
وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في شعب الإِيمان والدارمي وابن حبان عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر كان خيراً، وإن أصابته ضراء صبر كان خيراً» .
وأخرج أحمد والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبت للمؤمن أن أعطي قال الحمد لله فشكر، وإن ابتلي قال الحمد لله فصبر، فالمؤمن يؤجر على كل حال، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه» .
وأخرج البيهقي في الشعب وأبو نعيم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نظر في الدين إلى من هو فوقه، وفي الدنيا إلى من هو تحته، كتبه الله صابراً وشاكراً، ومن نظر في الدين إلى من هو تحته، ونظر في الدنيا إلى من هو فوقه، لم يكتبه الله صابراً ولا شاكراً» والله سبحانه وتعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ قال أبو إسحاق: هذا عطف على قوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ ﴾ (١) ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ أي: بين سبأ ﴿ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ .
قال المفسرون: قرى الشام والأرض المقدسة: الأردن وفلسطين (٢) (٣) ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ قال أبو إسحاق: (كان بين سبأ والشام قرى متصلة بعضها ببعض، يبيتون بقرية ويقيلون بقرية، لا يحلون عقدة حتى يرجعوا إلى أهليهم (٤) (٥) (٦) (٧) [أي] (٨) وقال صاحب النظم: ليس من قرية إلا وهي ظاهرة، والمعنى أنها قرى متقاربة تتوالى، فإذا كان الرجل في قرية منها كانت التي تليها ظاهرة لعينه ينظر إليها.
قوله تعالى: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ﴾ قال مقاتل: للمبيت والمقيل من قرية إلى قرية (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقال ابن قتيبة: (جعلنا السير بين القرية إلى القرية مقدارًا واحدًا) (١٣) وقوله: ﴿ سِيرُوا ﴾ أي: وقلنا لهم سيروا.
﴿ فِيهَا ﴾ في تلك القرى.
﴿ لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ﴾ متى شئتم السير ليلاً أو نهارًا.
﴿ آمِنِينَ ﴾ من الجوع والعطش والسباع والتعب، ومن كل خوف.
قال ابن عباس ومقاتل (١٤) (١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 250.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 83، "تفسير هود بن محكم" 3/ 395، "تفسير الماوردي" 4/ 444، "تفسير القرطبي" 14/ 289.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 98 / ب.
(٤) في (ب): "أهلهم".
(٥) ما بين المعقوفين يظهر -والله أعلم- أنه كلام زائد من النساخ؛ إذ لا معنى له.
(٦) هكذا في النسخ!
وهو خطأ، والصواب كما هو في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 444: لا يحتاجون من وادي سبأ إلى الشام إلى زاد.
(٧) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 444، "القرطبي" 14/ 289، "زاد المسير" 6/ 448.
(٨) هكذا في النسخ!
ويظهر أنها زائدة من النساخ.
(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.
(١٠) في (ب): (لضعف)، وهو خطأ.
(١١) "معاني القرآن" 2/ 359.
(١٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 250.
(١٣) "تفسير غريب القرآن" ص 356.
(١٤) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 360، "تفسير مقاتل" 98 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ هذه الآية وما بعدها وصف حال سبأ قبل مجيء اليل وهلاك جناتهم، ويعني بالقرئ التي باركنا فيها الشام، والقرى الظاهرة قرى متصلة من بلادهم إلى لشام، ومعنى ظاهرة يظهر بعضها من بعض لاتصالها، وقيل: مرتفعة في الآكام، وقال ابن عطية: خارجة عن المدن كما تقول بظاهر المدينة أي خارجها ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير ﴾ أي: قسمنا مراحل السفر، وكانت القرى متصلة، فكان المسافر يبيت في قرية ويصبح في أخرى، ولا يخاف جوعاً ولا عطشاً، ولا يحتاج إلى حمل زاد، ولا يخاف من أحد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.
﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.
الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.
﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.
الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.
الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.
وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.
الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.
الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.
الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.
الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".
الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.
التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة ﴾ وقال في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.
واعلم أنه وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.
ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.
ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.
وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.
ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.
وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.
وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".
وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.
ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.
وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.
وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.
وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.
ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.
وأولو العلم هم أصحاب الرسول والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.
ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.
وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.
والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.
ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.
ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.
والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.
وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.
وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.
وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.
وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.
وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.
﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.
ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.
ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.
قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.
والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.
وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.
وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.
و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.
﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.
والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.
يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟
فيثنون عليه فقيض الله ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.
فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.
وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.
وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.
ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.
ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.
يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.
ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.
روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.
زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو يففقه تسبيحهم فيسبح.
والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.
وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.
والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.
والمراد بالشياطين ناس أقوياء.
ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.
وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.
أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.
وههنا نكتة وهي أن الله ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.
لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.
وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.
وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.
وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.
وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.
قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.
وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.
ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".
والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.
عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.
ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.
وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.
والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.
وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.
ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.
ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.
وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.
وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.
قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.
يروى أن داود جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.
والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.
وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.
وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.
يروى أن داود أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.
فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟
فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟
فقالت: لخراب هذا المسجد.
فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.
فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.
وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.
فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.
فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟
فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.
والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.
والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.
وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.
وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.
أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.
وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.
وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.
ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.
وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.
من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.
ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.
عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.
قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ﴾ .
وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.
وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.
وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.
وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.
وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.
وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.
ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.
يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.
وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.
وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.
والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.
ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.
والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.
والخمط شجر الأراك.
أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.
الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.
والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.
عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.
من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.
وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.
قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.
وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.
وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.
﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.
ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.
قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.
والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.
ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.
ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.
ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.
ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.
واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.
وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.
والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.
ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.
وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.
ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.
ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.
والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.
التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.
﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.
يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.
كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.
قال جبرائيل : لو دنوت أنملة لاحترقت.
﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.
فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.
فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.
﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.
وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.
﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ﴾ .
يحتمل الآية التي ذكر لهم في مساكنهم: الجنتين اللتين ذكرهما: إحداهما عن اليمين، والأخرى عن الشمال، ويكون لهم فيها عبرة، فتحملهم على الشكر لربهم عليهما؛ والحمد له، والثناء عليه في تلك النعم.
أو يذكرهم قدرة خالقهم وسلطانه وهيبته؛ فيحملهم ذلك على الخوف في العواقب، والعقاب على خلافه، ورجاء الثواب على طاعته، فلم يتذكروا.
أو أن يكون الآية التي ذكر لهم في تبديل الجنتين اللتين كان لهم فيهما كل سعة وخصب، وكل ألوان الفواكه والجواهر، على غير مؤنة تلحقهم؛ لأنه قال في غير آي من القرآن: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ فأخبر هاهنا لهم أن لهم في تبديل جنتيهم جنتين آية لو اعتبروا واتعظوا؛ فلا يقع لهم الحاجة إلى النظر في آثار من تقدم منهم، بل العبرة في ذلك لهم أكثر؛ لأنهم عاينوا هذا على ما عاينوا من أنواع النعم، ثم غير ذلك وبدّل عليهم، وما تقدم منهم إنما يعرفون ذلك عن خبر يبلغهم؛ لأن أصلهم قد هلكوا، وهذا على المشاهدة والمعاينة.
وقوله: ﴿ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ﴾ .
قيل: عن يمين الوادي وشماله، ويحتمل: عن يمين الطريق وشماله؛ فتكون عن يمينهم وشمالهم.
وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ .
كأنه قالت لهم الرسل: ﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ ؛ إذ ذكر أنه بعث فيهم كذا كذا رسولا.
ثم وصف بلدة سبأ أنها طيبة؛ حيث قال: ﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ : يحتمل ما ذكر من طيبها: هو سعتها وكثرة ريعها ومياهها وألوان ثمارها وفواكهها.
وقوله: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ، أي: إن ربكم إن شكرتم فيما رزقكم وأنعم عليكم رب غفور لذنوبكم.
أو يقال: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ، أي: ستور، يستر عليكم ذنوبكم، ولا يفضحكم إذا صدقتموه، وأطعتموه، وشكرتم نعمه.
ذكر أن المرأة منهم كانت تحمل المكتل على رأسها، والمغزل بيدها، فتدخل البستان؛ فتمتلئ مكتلها من ألوان الفواكه والثمار من غير أن تمس شيئاً بيدها؛ لكثرة ريعها ونزلها، والله أعلم.
ثم ذكر سبب تبديل الجنتين اللتين كانت لهم، وبم كان التبديل؟
وهو ما قال: ﴿ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ ﴾ .
قال بعضهم: كان أهل سبأ إذا مطروا يأتيهم السيل من مسيرة شهر أياماً كثيرة، فعمدوا فسدّوا العرم، وهو الوادي ما بين الجنتين، بالصخرة والقبو، وجعلوا عليه الأبواب، فلما عصوا ربهم، فأعرضوا عنه، وكفروا نعمه؛ فسلط الله عليهم - على ذلك السدّ الذي بنوا الفأرة؛ فنقبت الردم، فغشي الماء أرضهم؛ فعقر أشجارهم، وأباد أنعامهم، ودفن محاريثهم، وذهب بجناتهم.
ومنهم من يقول: ﴿ ٱلْعَرِمِ ﴾ : وهو المسنَّاة، واحدها: عرمة، فذهب السيل الذي أرسل عليهم بالمسناة؛ فيبست جناتهم، وأبدل لهم مكان الثمار والأعناب ما ذكر من الخمط والأثل والسدر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ .
الأكل القليل هو الثمر، والخمط: الأراك.
وقال بعضهم: شجر العضاة، وهي شجر ذات شوك، والأثل، قيل: هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه، والسدر هو معروف عندهم.
وقال أبو عوسجة قريباً من ذلك، قال: الأكل: الحمل، والخمط عندي: السدر وحمله، [و] قال: الخمط: الريح الطيبة، وتقول: هذا شجر له خمطة، أي: ريح طيبة، والخمط: أن تأخذ شيئاً من هنا وثمة، وتخلطه، والأثل: شجر أيضاً لا حمل فيه.
والزجاج يقول: الأثل هو الثمرة التي فيها المرارة تذهب تلك المرارة بطعمها، أو كلام نحوه.
وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ ﴾ .
أخبر أنه جزاهم بما كفروا نعمه، ولم يشكروا ربهم عليها.
وقوله: ﴿ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ ﴾ ، لله في نعمه.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ .
قيل: متواصلة بعضها ببعض من أرضهم إلى الشام، على كل ميل قرية وسوق وكل شيء فيها.
﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ من الجوع والعطش والسباع وكل ما يخاف منه.
ثم جائز أن يكون ما ذكر من القرى الظاهرة كان لهم مع الجنان التي ذكرنا بدءاً؛ فيكون هذا موصولا بالأول؛ فلما لم يشكروا ربهم في ذلك كله - أبدل لهم الكل بما ذكر.
وجائز أن يكون لا على الصلة بالأول؛ ولكن على ما ذكر بعض أهل التأويل: أنه لما غيّر عليهم ذلك وأبدل - ضاق بهم الأمر؛ فمشوا إلى رسلهم، فقالوا: ادعوا ربكم فليردّ علينا ما ذهب عنا، ونعطيكم ميثاقا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، فدعوه، فردّ الله عليهم، وجعل لهم ما ذكر من قرى ظاهرة؛ فذكّرهم الرسل [ما] وعدوا ربهم؛ فأبوا؛ فغيّر ذلك.
وسبأ: "ذكر أن رجلا سأل رسول الله فقال: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ أجبل هو أم أرض؟
قال: فقال: له: لم يكن جبلا ولا أرضاً، ولكن كان رجلا من العرب ولد عشر قبائل: فأمّا ست فتيامنوا وأما أربع فتشاءموا" وقال بعضهم: كان سبأ رجلا اسمه: سبأ، وسبأ هم الذين ذكرهم الله في سورة النمل.
وقال بعضهم: هو اسم قرية.
وفي قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ - دلالة خلق الأفعال؛ لأنه أخبر أنه جعل بينهم وبين القرى المباركة قرى ظاهرة، والقرى: ما اتخذها أهلها، ثم أخبر أنه جعل ذلك، والجعل منه خلق؛ دل أنه خلق أفعال العباد، وأخبر - أيضاً - أنه قدر السير فيها، والسير هو فعل العباد، والتقدير هو الخلق أيضاً؛ دل أنه خلق سيرهم، وخلق اتخاذهم القرى، وذلك على المعتزلة؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد.
وقوله: ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: قرى متواصلة بعضها ببعض، يسيرون من قرية إلى قرية، وينزلون فيها من غير أن تقع لهم الحاجة أو يلحقهم مؤنة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ نعمها بينة.
وقوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ ، أي: قدرنا فيها السير؛ لتسيروا فيها.
أو على الأمر، أي: قدرنا فيها السير، وقلنا لهم: سيروا فيما أنعم الله عليكم، وتقلبوا فيها ليالي وأياماً آمنين من الجوع والعدو وكل آفة.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ أي: جعلنا ما بين القرية والقرية مقداراً واحداً.
وقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ .
فيه لغات من خمسة أوجه: أحدها: ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ ﴾ .
و[الثاني]: ﴿ بَعِّدْ ﴾ ، كلاهما على الدعاء والسؤال.
والثالث و[الرابع]: ﴿ بَعُدَ ﴾ و ﴿ بَعَّدَ ﴾ .
قال أبو معاذ: ولولا تغيير الكتابة لكان يجوز "بُوعِدَ".
ومن قرأه ﴿ ربنا بَاعَدَ ﴾ على الخبر، وكذلك ﴿ بَعَّدَ ﴾ ، ومن قرأه ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ يخرج على الشكاية عما بعد من أسفارهم.
فأمّا على السؤال والدعاء فهو - والله أعلم - لأنهم سئموا وملوا؛ لكثرة ما أنعم الله عليهم؛ ورفع عنهم المؤن، وطال مقامهم فيها، سألوا ربهم أن يحول ذلك عنهم؛ سفها منهم وجهلا، وكان كقوم موسى: حين أنزل عليهم المن والسلوى، ورفع عنهم المؤنة سئموا وملوا في ذلك، وقالوا ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا ﴾ ، وما ذكروا، فعلى ذلك هؤلاء.
ومن قرأ ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ ؛ على الشكاية - شكا إلى ربّه لما ذهب عنهم السعة والخصب، وأصابهم الجهد والمؤنة.
وأمّا قوله: ﴿ بَاعَد ﴾ على الخبر؛ فكأنه كانت فيهم، وذلك كله منهم: [فيهم] من سأل تحويله، وفيهم من شكا إذا زال ذلك وتحول، وفيهم من أخبر بزواله.
وعلى ذلك يخرج قول موسى لفرعون، حيث قال: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ ﴾ لا أنه كان أحدهما؛ فعلى ذلك الأول وما يشبه ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ .
أي: أهلكناهم كل إهلاك؛ حتى صاروا عظة وعبرة لمن بعدهم.
وقال: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ للناس؛ على حقيقة الحديث، يتحدثون بأمرهم وشأنهم.
﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ .
أي: فرقناهم كل تفريق، أي: في كل وجه التفريق؛ حتى وقع بعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، وبعضهم بالشام، وبعضهم بالبحرين وعمان، ونحوه والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ .
يحتمل أن يكون الصبار والشكور هو المؤمن؛ كأنه قال: إن في ذلك لعبراً وعظات لكل مؤمن.
أو آيات لكل صبار على طاعة الله وأمره، شكور لنعمه.
أو آيات لكل صبار على البلايا والمحارم، شكور لنعم الله.
ثم يخرج على وجهين: أحدهما: في الاعتقاد له.
والثاني: في المعاملة.
يعتقد الصبر لربه على جميع أوامره ونواهيه، والشكر له على جميع نعمائه، والمعاملة: أن يصبر على ذلك، ويشكر له في نعمه.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ .
اختلف في ظنه: قال بعضهم: ظن بهم ظنا، فوافق ظنه فيهم حين قال: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ من عصمت مني، وما قال: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، فقد صدق ما ظن فيهم.
وقال بعضهم: ﴿ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ ، وذلك أن إبليس خلق من نار السموم، وخلق آدم من طين، ثم قال إبليس: إن النار ستغلب الطين؛ فمن ثمة صدق ظنه؛ فقال: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ .
يقول الله: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ ﴾ .
ثم استثنى عباده المخلصين فقال: ﴿ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يعني: عباده المخلصين؛ فإنهم لم يتبعوه، الذين قال: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ .
وقال قائلون: ﴿ مِّنَ ﴾ هاهنا صلة؛ كأنه قال: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، الذين هم [مؤمنون] في الحقيقة، فأمّا من كان عندكم من المؤمنين في الظاهر فقد اتبعوه؛ لأنه لا كل مؤمن عندنا هو في الحقيقة مؤمن.
أو أن يكون قوله: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ ﴾ فيما دعاهم إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ .
قال الحسن: والله ما ضربهم بالسيف، ولا طعنهم بالرمح، ولا أكرههم، على شيء، وما كان منه إلا غرور أو أمانيُّ ووسوسة دعاهم إليها، فأجابوه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ ، أي: حجة، ليس له حجة عليهم، أي: لم يمكن من الحجة؛ ولكن إنما مكن لهم الوساوس والتمويهات، ثم جعل الله للمؤمنين مقابل ذلك حججا يدفعون بها شبهه وتمويهاته.
وقوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ﴾ .
هذا يخرج على وجوه: أحدها: ليعلم كائنا ما قد علمه غائبا عنهم.
والثالث: يكني بالعلم [عن] معلومه، أي: ليكون المعلوم، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ أي: الموقن به، وذلك كثير في القرآن.
وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ ﴾ .
من الإيمان والشرك وغيره من الأعمال، حفيظ عالم به.
<div class="verse-tafsir"
وجعلنا بين أهل سبأ في اليمن وبين قرى الشام التي باركنا فيها قرى متقاربة، وقدرنا فيها السير بحيث يسيرون من قرية إلى قرية دون مشقة حتى يصلوا الشام، وقلنا لهم: سيروا فيها ما شئتم من ليل أو نهار في أمن من العدو والجوع والعطش.
<div class="verse-tafsir" id="91.dM0kv"