الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٣٤ من سورة سبأ
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 63 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٤ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مسليا لنبيه ، وآمرا له بالتأسي بمن قبله من الرسل ، ومخبره بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه مترفوها ، واتبعه ضعفاؤهم ، كما قال قوم نوح : ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) [ الشعراء : 111 ] ، ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) [ هود : 27 ] ، وقال الكبراء من قوم صالح : ( للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ) [ الأعراف : 75 ، 76 ] وقال تعالى : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ) [ الأنعام : 53 ] ؟
وقال : ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ) [ الأنعام : 122 ] وقال : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ) [ الإسراء : 16 ] .
وقال هاهنا : ( وما أرسلنا في قرية من نذير ) أي : نبي أو رسول ( إلا قال مترفوها ) ، وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة .
قال قتادة : هم جبابرتهم وقادتهم ورءوسهم في الشر .
( إنا بما أرسلتم به كافرون ) أي : لا نؤمن به ولا نتبعه .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا هارون بن إسحاق ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب عن سفيان عن عاصم ، عن أبي رزين قال : كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله : ما فعل ؟
فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش ، إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم .
قال : فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال : دلني عليه - قال : وكان يقرأ الكتب ، أو بعض الكتب - قال : فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إلام تدعو ؟
قال : " إلى كذا وكذا " .
قال : أشهد أنك رسول الله .
قال : " وما علمك بذلك ؟
" قال : إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم .
قال : فنزلت هذه الآية : ( وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ) ] الآيات ] ، قال : فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله قد أنزل تصديق ما قلت " .
وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل ، قال فيها : وسألتك : أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم فزعمت : بل ضعفاؤهم ، وهم أتباع الرسل .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) يقول تعالى ذكره: وما بعثنا إلى أهل قرية نذيرًا ينذرهم بأسنا أن ينـزل بهم على معصيتهم إيانا، إلا قال كبراؤها ورؤساؤها في الضلالة كما قال قوم فرعون من المشركين له: إنَّا بما أرسلتم به من النذارة، وبعثتم به من توحيد الله، والبراءة من الآلهة والأنداد، كافرون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) قال: هم رءوسهم وقادتهم في الشر.
قال قتادة : أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر للرسل إنا بما أرسلتم به كافرون
يخبر تعالى عن حالة الأمم الماضية المكذبة للرسل, أنها كحال هؤلاء الحاضرين المكذبين لرسولهم محمد صلى اللّه عليه وسلم, وأن اللّه إذا أرسل رسولا في قرية من القرى, كفر به مترفوها, وأبطرتهم نعمتهم وفخروا بها.
( وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها ) رؤساؤها وأغنياؤها ( إنا بما أرسلتم به كافرون )
«وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها» رؤساؤها المتنعمون «إنا بما أرسلتم به كافرون».
وما أرسلنا في قرية من رسول يدعو الى توحيد الله وإفراده بالعبادة، إلا قال المنغمسون في اللذات والشهوات من أهلها: إنَّا بالذي جئتم به -أيها الرسل- جاحدون.
ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من الأقوال الزائفة ، التى كان المترفون يتذرعون بها للبقاء على كفرهم ، ومن الإِجابات التى لقنها - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم لكى يخرس بها ألسنتهم ، ويزيل بها شبهاتهم قال - تعالى - ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ .
.
.
وَهُوَ خَيْرُ الرازقين ) .قال صاحب الكشاف عند تفسيره لقوله - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ .
.
.
) : هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما منى به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به ، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد ، والتكبر بذلك على المؤمنين .
.
وأنه - سبحانه - لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير ، إلا قالوا له مثل ما قال أهل مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .والمعنى : ما أرسلنا فى قرية ، من القرى ( مِّن نَّذِيرٍ ) ينذر أهلها بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم وضلالهم .
( إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ ) أى : إلا قال أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها المتسعون فى النعم فيها ، لمن جاءوا لإِنذارهم وهدايتهم إلى الحق .( إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) من الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - ( كَافِرُونَ ) بما نحن عليه من شرك وتقليد للآباء مؤمنون .فالآية الكريمة تحكى موقف المترفين فى كل أمة ، من الرسل الذين جاءوا لهدايتهم ، وأن هؤلاء المترفين فى كل زمان ومكان ، كانوا أعداء وللمصلحين ، لأن التفرق من شأنه أن يفسد الفطرة ، ويبعث على الغرور والتطاول ، ويحول بين الإِنسان وبين التمسك بالفضائل والقيم العليا ، ويهدى إلى الانغماس فى الرذائل والشهوات الدنيا .
تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وبياناً لأن إيذاء الكفار الأنبياء الأخيار ليس بدعاً، بل ذلك عادة جرت من قبل وإنما نسب القول إلى المترفين مع أن غيرهم أيضاً قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون ﴾ لأن الأغنياء المترفين هم الأصل في ذلك القول، ألا ترى أن الله قال عن الذين استضعفوا إنهم قالوا للمستكبرين لولا أنتم لكانوا مؤمنين، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد فقالوا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَرُ أموالا وأولادا ﴾ أي بسبب لزومنا لديننا، وقوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ أي في الآخرة كأنهم قالوا حالنا عاجلاً خير من حالكم، وأما آجلاً فلا نعذب إما إنكاراً منهم للعذاب رأساً أو اعتقاداً لحسن حالهم في الآخرة أيضاً قياساً على حسن حالهم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما مني به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد، والمفاخرة وزخارفها، والتكبر بذلك على المؤمنين، والاستهانة بهم من أجله، وقولهم: ﴿ أَىُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ [مريم: 73] وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلاّ قالوا له مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة وكادوه بنحو ما كادوه به، وقاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا، واعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم، ولولا أنّ المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم؛ فعلى قياسهم ذلك قالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم، نظراً إلى أحوالهم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ مِمّا مُنِيَ بِهِ مِن قَوْمِهِ، وتَخْصِيصُ المُتَنَعِّمِينَ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّ الدّاعِيَ المُعَظِّمَ إلَيْهِ التَّكَبُّرُ والمُفاخَرَةُ بِزَخارِفِ الدُّنْيا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والِاسْتِهانَةِ بِمَن لَمْ يَحْظَ مِنها، ولِذَلِكَ ضَمُّوا التَّهَكُّمَ والمُفاخَرَةَ إلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿ إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ عَلى مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ.
﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا ﴾ فَنَحْنُ أوْلى بِما تَدَّعُونَهُ إنْ أمْكَنَ.
﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ إمّا لِأنَّ العَذابَ لا يَكُونُ، أوْ لِأنَّهُ أكْرَمَنا بِذَلِكَ فَلا يُهِينُنا بِالعَذابِ.
﴿ قُلْ ﴾ رَدًّا لِحُسْبانِهِمْ.
﴿ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ ولِذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِيهِ الأشْخاصُ المُتَماثِلَةُ في الخَصائِصِ والصِّفاتِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِكَرامَةٍ وهَوانٍ يُوجِبانِهِ لَمْ يَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيَظُنُّونَ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ لِلشَّرَفِ والكَرامَةِ وكَثِيرًا ما يَكُونُ لِلِاسْتِدْراجِ كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ} نبي {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا} متنعموها ورؤساؤها {إِنَّا بِمَا أرسلتم به كافرون} هذه تسليه للنبى صلى الله عليه وسلم مما مني به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة وافتخروا بكثرة الأموال والأولاد كما قال
﴿ وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ ﴾ مِنَ القُرى ﴿ مِن نَذِيرٍ ﴾ أيْ نَذِيرًا مِنَ النُّذُرِ ﴿ إلا قالَ مُتْرَفُوها ﴾ أيِ المُتَوَسِّعُونَ في النِّعَمِ فِيها، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿ إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ بِزَعْمِكم مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، والجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ والأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كافِرُونَ ﴾ وهو خَبَرُ إنَّ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُتْرَفِي كُلِّ قَرْيَةٍ قالُوا لِرَسُولِهِمْ ذَلِكَ وعَلَيْهِ فالجَمْعُ في أُرْسِلْتُمْ لِلتَّهَكُّمِ، وقِيلَ: لِتَغْلِيبِ المُخاطَبِ عَلى جِنْسِ الرُّسُلِ أوْ عَلى اِتِّباعِهِ المُؤْمِنِينَ بِهِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الكَلامُ مِن بابِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ فَقِيلَ الجَمْعُ الأوَّلُ الرُّسُلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُرْسِلْتُمْ ﴾ والثّانِي ﴿ كافِرُونَ ﴾ فَقَدْ كَفَرَ كُلٌّ بِرَسُولِهِ وخاطَبَهُ بِمِثْلِهِ فَلا تَغْلِيبَ في الخِطابِ في أُرْسِلْتُمْ، وقِيلَ: الجَمْعُ الأوَّلُ ﴿ نَذِيرٍ ﴾ لِأنَّهُ يُفِيدُ العُمُومَ في الحِكايَةِ لا المَحْكِيُّ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، ولَيْسَ كُلُّ قَوْمٍ مُنْكِرًا لِجَمِيعِ الرُّسُلِ فَحُمِلَ عَلى المُقابَلَةِ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ مِمّا اُبْتُلِيَ بِهِ مِن مُخالَفَةِ مُتْرَفِي قَوْمِهِ وعَداوَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهم في الأغْلَبِ أوَّلُ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمّا شُغِلُوا بِهِ مِن زَخْرَفَةِ الدُّنْيا وما غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ مِنها فَهم مُنْهَمِكُونَ في الشَّهَواتِ والِاسْتِهانَةِ بِمَن لَمْ يَحْظَ مِنها بِخِلافِ الفُقَراءِ فَإنَّ قُلُوبَهم لِخُلُوِّها مِن ذَلِكَ أقْبَلُ لِلْخَيْرِ ولِذَلِكَ تَراهم أكْثَرَ أتْباعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما جاءَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من التوراة والإنجيل.
يعني: لا نصدق بذلك كله فحكى الله قولهم ثم ذكر عقوبتهم في الآخرة فقال: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ يعني: لو رأيت يا محمد الظالمين يوم القيامة مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني: محبوسين في الآخرة يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يعني: يرد بعضهم بعضاً الجواب.
ثم أخبر عن قولهم فقال: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم السفلة والأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: القادة والرؤساء لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ يعني: لولا دعوتكم وتعريفكم إيانا لكنا مصدقين.
قوله عز وجل: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: القادة لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم الأتباع أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى يعني: أنحن منعناكم عن الإيمان بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ به الرسول بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ يعني: مشركين.
قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا يعني: ردت الضعفاء عليهم الجواب.
وقالوا: لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يعني: قولكم لنا بالليل والنهار، واحتيالكم بالدعوة إلى الشرك.
إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ يعني: نجحد بوحدانية الله وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً يعني: نقول له شركاء وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ يعني: أخفوا الحسرة.
ويقال: أظهروا الندامة والحسرة لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ يعني: نجعل الأغلال يوم القيامة فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا من الرؤساء والسفلة هَلْ يُجْزَوْنَ يعني: هل يثابون في الآخرة إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.
قوله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ يعني: من رسول إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها يعني: جبابرتها ورؤساؤها للرسل إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ يعني: جاحدون بالتوحيد.
والمترف المتنعم، وإنما أراد به المتكبرين وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً في الدنيا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ في الآخرة.
ومعناه: أن الكفار المتقدمين استخفوا بالفقراء، وآذوا الرسل.
كما يفعل بك قومك، وافتخروا بما أعطاهم الله عز وجل من الأموال كما افتخر قومك.
وأمره بأن يأمرهم بأن لا يفتخروا بالمال.
فإن الله تعالى يعطي المال لمن يشاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ ﴾ أيْ: نَبِيٌّ يُنْذِرُ ﴿ إلا قالَ مُتْرَفُوها ﴾ وهْمُ أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا ﴾ .
في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُتْرَفُونَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ.
والثّانِي: مُشْرِكُو مَكَّةَ، فَظَنُّوا مِن جَهْلِهِمْ أنَّ اللَّهَ خَوَّلَهُمُ المالَ والوَلَدَ لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَقالُوا: ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ أحْسَنَ إلَيْنا بِما أعْطانا فَلا يُعَذِّبُنا، فَأخْبَرَ أنَّهُ ﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ ؛ والمَعْنى أنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ وتَضْيِيقَهُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ، لا أنَّ البَسْطَ يَدُلُّ عَلى رِضى اللَّهِ، ولا التَّضْيِيقُ يَدُلُّ عَلى سُخْطِهِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَصْلُحُ أنْ تَقَعَ " الَّتِي " عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ جَمِيعًا، لِأنَّ الأمْوالَ جَمْعٌ والأوْلادَ جَمْعٌ؛ وإنْ شِئْتَ وجَّهْتَ " الَّتِي " إلى الأمْوالِ، واكْتَفَيْتَ بِها مِن ذِكْرِ الأوْلادِ؛ وأنْشَدَ لِمَرّارٍ الأُسْدِيِّ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَقَدْ شَرَحْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وما أمْوالُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ، ولا أوْلادُكم بِالَّذِينِ يُقَرِّبُونَكُمْ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ: " بِاللّاتِي تُقَرِّبُكم " .
قالَ الأخْفَشُ: و ﴿ زُلْفى ﴾ هاهُنا اسْمُ مَصْدَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: تُقَرِّبُكم عِنْدَنا ازْدِلافًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ زُلْفى ﴾ أيْ: قُرْبى ومَنزِلَةً عِنْدَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن آمَنَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ما تُقَرِّبُ الأمْوالُ إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ بِها في طاعَةِ اللَّهِ، ﴿ فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ ﴾ والمُرادُ بِهِ ها هُنا عَشْرُ حَسَناتٍ، تَأْوِيلُهُ: لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ الَّذِي قَدْ أعْلَمْتُكم مِقْدارَهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يَرِدْ فِيما يَرى أهْلُ النَّظَرِ- واللَّهُ أعْلَمُ- أنَّهم يُجازَوْنَ بِواحِدٍ مِثْلِهِ، ولا اثْنَيْنِ، ولَكِنَّهُ أرادَ جَزاءَ التَّضْعِيفِ، وهو مِثْلٌ يُضَمُّ إلى مِثْلِ ما بَلَغَ، وكَأنَّ الضِّعْفَ الزِّيادَةُ، فالمَعْنى: لَهم جَزاءُ الزِّيادَةِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ورُوَيْسٌ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " لَهم جَزاءً " بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وكَسْرِ التَّنْوِينِ وصْلًا " الضِّعْفُ " بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وقَتادَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " لَهم جَزاءٌ " بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ " الضِّعْفُ " بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم في الغُرُفاتِ ﴾ يَعْنِي [فِي] غُرَفِ الجَنَّةِ، وهي البُيُوتُ فَوْقَ الأبْنِيَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ: " في الغُرْفَةِ " عَلى التَّوْحِيدِ؛ أرادَ اسْمَ الجِنْسِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " في الغُرْفاتِ " بِضَمِّ الغَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ مَعَ الألِفِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمَرَ: بِضَمِّ الغَيْنِ وفَتْحِ الرّاءِ مَعَ الألِفِ ﴿ آمِنُونَ ﴾ مِنَ المَوْتِ والغَيْرِ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الحَجِّ: ٥١، الرَّعْدِ: ٢٦ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ ﴾ أيْ: يَأْتِي بِبَدَلِهِ، يُقالُ: أخْلَفَ اللَّهُ لَهُ وعَلَيْهِ: إذا أبْدَلَ ما ذَهَبَ عَنْهُ وفي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما أنْفَقْتُمْ مِن غَيْرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ فَهو يُخْلِفُهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: ما أنْفَقْتُمْ في طاعَتِهِ، فَهو يُخْلِفُهُ في الآخِرَةِ بِالأجْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: ما أنْفَقْتُمْ في الخَيْرِ والبِرِّ فَهو يُخْلِفُهُ، إمّا أنْ يُعَجِّلَهُ في الدُّنْيا، أوْ يَدَّخِرَهُ لَكم في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُنْفِقُ مالَهُ في الخَيْرِ ولا يَرى لَهُ خَلَفًا أبَدًا؛ وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: ما كانَ مِن خَلَفٍ فَهو مِنهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ لَمّا دارَ عَلى الألْسُنِ أنَّ السُّلْطانَ يَرْزُقُ الجُنْدَ، وفُلانٌ يَرْزُقُ عِيالَهُ، أيْ: يُعْطِيهِمْ، أخْبَرَ أنَّهُ خَيْرُ المُعْطِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما أمْوالُكم ولا أولادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عن فِعْلِ قُرَيْشٍ وقَوْلِها، أيْ: هَذِهِ يا مُحَمَّدُ سِيرَةُ الأُمَمِ، فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُ قَوْمِكَ، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ، و"المُتْرَفُ": المُنْعَمُ البَطّالُ الغَنِيُّ القَلِيلُ تَعَبِ النَفْسِ والجِسْمِ، فَعادَتُهُمُ المُبادَرَةُ بِالتَكْذِيبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "المُتْرَفِينَ"، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ، ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مِثْلَهم أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ: ﴿ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ﴾ الآيَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، ويَكُونَ كَلامُ "المُتْرَفِينَ" قَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ تَطَّرِدُ الآيَةُ بَعْدُ.
ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا ﴾ الِاحْتِجاجُ بِأنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنا هَذا وقَدَّرَهُ لَنا إلّا لِرِضاهُ عَنّا وعن طَرِيقَتِنا، ونَحْنُ مِمَّنْ لا يُعَذَّبُ البَتَّةَ؛ إذِ اللهُ الَّذِي تَزْعُمُ أنْتَ عِلْمَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وإحاطَتَهُ قَدْ قَدَّرَ عَلَيْنا النِعَمَ، فَهو إذَنْ راضٍ عَنّا.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ أيْ: بِالفَقْرِ، وهَذا لَيْسَ كالأوَّلِ في القُوَّةِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ظَنُّوا، بَلْ بَسْطَ الرِزْقِ وقَدْرَهُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى رِضى اللهِ تَعالى والقُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُعْطِي ذَلِكَ إمْلاءً واسْتِدْراجًا، وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ كَأنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَقْدِرُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَشْدِيدِ، وهي راجِعَةٌ إلى مَعْنى التَضْيِيقِ الَّذِي هو ضِدُّ البَسْطِ.
ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ أمْوالَهم وأولادَهم لَيْسَتْ بِمُقَرِّبَةٍ مِنَ اللهِ ﴿ "زُلْفى"، ﴾ وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُرْبِ، وكَأنَّهُ قالَ: تُقَرِّبُكم عِنْدَنا تَقْرِيبًا، وقَرَأ الضَحّاكُ: "زُلَفًى" بِفَتْحِ اللامِ وتَنْوِينٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن آمَنَ ﴾ اسْتِثْناءٌ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ.
وقالَ الزَجّاجُ: هي بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿ "تُقَرِّبُكُمْ"، ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما هو مُقَرَّبٌ إلّا مَن آمَنَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَزاءُ الضِعْفِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "جَزاءٌ" مُنَوَّنًا "الضِعْفُ" رَفَعًا، وحَكى عنهُ الدانِيُّ "جَزاءً" نَصْبًا مُنَوَّنًا "الضِعْفَ" نَصْبًا.
و"الضِعْفِ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ بِالتَضْعِيفِ؛ إذْ بَعْضُهم يُجازى إلى عَشْرَةٍ، وبَعْضُهم أكْثَرَ صاعِدًا إلى سَبْعِمِائَةٍ بِحَسَبِ الأعْمالِ ومَشِيئَةِ اللهِ فِيها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فِي الغُرُفاتِ" ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فِي الغُرْفَةِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ورُوِيَتْ عَنِ الأعْمَشِ، وهُما في القِراءَةِ حَسَنَتانِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يَجِيءُ هَذا الجَمْعُ بِالألِفِ والتاءِ "الغُرُفاتِ" ونَحْوِهِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَما فَلَمْ يُرِدْ إلّا كَثْرَةَ جِفانٍ، وتَأمَّلْ نَقْدَ الأعْشى في هَذا البَيْتِ.
وقَرَأ الأعْشى، والحَسَنُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ -: "فِي الغُرْفاتِ" بِسُكُونِ الراءِ.
<div class="verse-tafsir"
اعتراض للانتقال إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما مُنيَ به من المشركين من أهل مكة وبخاصة مَا قابله به سادتهم وكبراؤهم من التأليب عليْه بتذكيره أن تلك سنة الرسل من قبله فليس في ذلك غضاضة عليه، ولذلك قال في الآية في الزخرف {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة (23) الخ، أي وكذلك التكذيب الذي كذبك أهل هذه القرية.
والتعريض بقومه الذين عادَوه بتذكيرهم عاقبة أمثالهم من أهل القرى التي كذَّب أهلها برسلهم وأغراهم بذلك زعماؤهم.
والمترَفون: الذين أُعطُوا التَرَف، والترف: النعيم وسعة العيش، وهو مبني للمفعول بتقدير: إن الله أترفهم كما في قوله تعالى: ﴿ وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ﴾ في سورة المؤمنون (33).
وفي بنائه للمفعول تعريض بالتذكير بنعمة الله عليهم لعلّهم يشكرونها ويقلعون عن الإِشراك به، وبعض أهل اللغة يقول تقديره: أترفتهم النعمة، أي أبطرتهم.
وإنا بما أرسلتم} حكاية للقول بالمعنى: أي قال مترفو كل قرية لرسولهم: إنا بما أرسلتَ به كافرون.
وهذا من مقابلة الجمع بالجمع التي يراد منها التوزيع على آحاد الجمع.
وقولهم: ﴿ أرسلتم به ﴾ تهكم بقرينة قولهم: ﴿ كافرون ﴾ وهو كقوله تعالى: ﴿ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ [الحجر: 6]؛ أو المعنى: إنّا بما ادّعيتم أنكم أرسلتم به.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ ﴾ يَعْنِي مِن نَبِيٍّ يُنْذِرُهم بِعَذابِ اللَّهِ.
﴿ إلا قالَ مُتْرَفُوها ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي جَبابِرَتَها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أغْنِياؤُها، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: ذَوُو النِّعَمِ والبَطَرِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا ﴾ قالُوا ذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ والفُقَراءِ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهم ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم بِالغِنى والثَّرْوَةِ أحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ.
الثّانِي: أنَّهم أوْلى بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الغِنى أنْ يَكُونُوا عَلى طاعَةٍ.
﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ ما عَذَّبْنا بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الفَقْرِ.
الثّانِي: أيْ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنا بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وهو يُرِيدُ عَذابَنا، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ما احْتَجُّوا مِنَ الغِنى فَقالَ لِنَبِيِّهِ .
﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ﴾ أيْ يُوَسِّعُهُ.
﴿ وَيَقْدِرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَقْتُرُ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ يَبْسُطُ لِهَذا مَكْرًا بِهِ، ويَقْدِرُ لِهَذا نَظَرًا لَهُ.
الثّانِي: بِنَظَرِهِ لَهُ، رَواهُ حُصَيْنُ بْنُ أبِي الجَمِيلِ.
الثّالِثُ: بِخَيْرٍ لَهُ، رَواهُ حارِثُ بْنُ السّائِبِ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: أيْ قُرْبى والزُّلْفَةُ القُرْبَةُ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أمْوالَكم في الدُّنْيا لا تَدْفَعُ عَنْكم عَذابَ الآخِرَةِ.
الثّانِي: أنَّ إنْعامَنا بِها عَلَيْكم في الدُّنْيا لا يَقْتَضِي إنْعامَنا عَلَيْكم بِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ.
﴿ إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ رَوى لَيْثٌ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي الإيمانَ والعَمَلَ، وجَنِّبْنِي المالَ والوَلَدَ، فَإنِّي سَمِعْتُ فِيما أوْحَيْتَ ﴿ وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ ﴿ فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أضْعافُ الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها، وأضْعافُ الدِّرْهَمِ بِسَبْعِمِائَةٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّ المُؤْمِنَ إذا كانَ غَنِيًّا تَقِيًّا آتاهُ اللَّهُ أجْرَهُ مَرَّتَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: يَعْنِي فَلَهُ جَزاءٌ مِثْلُ عَمَلِهِ لِأنَّ الضِّعْفَ هو المِثْلُ ويَقْتَضِي ذَلِكَ المُضاعَفَةَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
﴿ وَهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ ﴾ يَعْنِي غُرُفاتِ الجَنَّةِ.
﴿ آمِنُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: آمِنُونَ مِنَ النّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: مِنِ انْقِطاعِ النِّعَمِ، قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: مِنَ المَوْتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الرّابِعُ: مِنَ الأحْزانِ والأسْقامِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَهو يُخْلِفُهُ إنْ شاءَ إذا رَأى ذَلِكَ صَلاحًا كَإجابَةِ الدُّعاءِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: يُخْلِفُهُ بِالأجْرِ في الآخِرَةِ إذا أنْفَقَهُ في طاعَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ فَهو أخْلَفَهُ لِأنَّ نَفَقَتَهُ مِن خَلَفِ اللَّهِ ورِزْقِهِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ الحُسَيْنِ وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: فَهو يَعْنِي عَنْهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: «كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله.
ما فعل؟
فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته وأتى صاحبه فقال له: دلني عليه وكان يقرأ الكتب، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إلاَمَ تدعو؟
قال: إلى كذا وكذا..
قال: أشهد أنك رسول الله قال: ما علمك بذلك؟
قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم.
فنزلت هذه الآيات ﴿ وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها..
﴾ الآيات.
فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد أنزل تصديق ما قلت» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إلا قال مترفوها ﴾ قال: هم جبابرتهم، ورؤوسهم، وأشرافهم، وقادتهم في الشر.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إلا قال مترفوها ﴾ قال: جبابرتها.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ ﴾ أي: نبي ينذر أهل تلك القرية ﴿ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا ﴾ قال ابن عباس: الملوك وأهل الغنى (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ وهو التوحيد ﴿ كَافِرُونَ ﴾ .
(١) لم أقف عليه عن ابن عباس، وذكره أكثر المفسرين.
انظر: "الطبري" 22/ 99، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 419، "الماوردي" 4/ 452.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.
(٣) هكذا في النسخ!
ولعل الصواب: أولوا، كما في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج.
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255 <div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ المعنى أن المستضعفين قالوا للمستكبرين: بل مكركم بنا في الليل والنهار سبب كفرنا، وإعراب ﴿ مَكْرُ ﴾ مبتدأ وخبره محذوف، أو خبر ابتداء مضمر، وأضاف مكر إلى الليل والنهار على وجه الاتساع، ويحتمل أن يكون إضافة إلى المفعول أو إلى الفاعل على وجه المجاز: كقولهم: نهاره صيام وليله قيام أي يصام فيه ويقام، ودلت الإضافة على كثيرة المكر ودوامه بالليل والنهار، فإن قيل: لم أثبت الواو في قول ﴿ الذين استضعفوا ﴾ دون قول ﴿ لِلَّذِينَ استكبروا ﴾ فالجواب أنه قد تقدم كلام الذين استضفوا قبل ذلك فعطف عليه كلامهم الثاني، ولم يتقدم للذين استكبروا كلام آخر فيعطف عليه ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة ﴾ أي أخفوها في نفوسهم، وقيل: أظهروها فهو من الأضداد، والضمير لجميع المستضعفين والمستكبرين ﴿ مُتْرَفُوهَآ ﴾ يعني أهل الغنى والتنعيم في الدنيا، وهم الذين يبادرون إلى تكذيب الأنبياء، والقصد بالآية تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب أكابر قريش له.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أذن له ﴾ على البناء للمفعول: أبو عمرو وعي وخلف والأعشى والبرجمي ﴿ فزع علي ﴾ البناء للفاعل: ابن عامر ويعقوب ﴿ جزاء ﴾ بالنصب ﴿ الضعف ﴾ مرفوعاً: يعقوب ﴿ في الغرفة ﴾ على التوحيد: حمزة ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ ثم يقول ﴾ على الغيبة فيهما: حفص ويعقوب.
الباقون: بالنون ﴿ ثم تفكروا ﴾ بتشديد التاء: رويس ﴿ أجري إلا ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: ﴿ التناؤش ﴾ مهموزاً: ابو عمرو وحمزة وخلف وعاصم سوى حفص والشموني والبرجمي.
﴿ حيل ﴾ بضم الحاء وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس.
الوقوف: ﴿ من دون الله ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده حالاً واستئنافاً ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ أذن له ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ لا لاتصال المقول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ولا تستقدمون ﴾ ه ﴿ بين يديه ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً وهذا أوجه ﴿ القول ﴾ ج لمثل ذلك ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ أنداداً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافرونه ﴾ ه ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ لا يعملون ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ز أن أولئك مبتدأ مع الفاء ﴿ آمنون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ه ﴿ يخلفه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لتنويع الكلام مع اتحاد المقول ﴿ الجن ﴾ ج لذلك ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ ضراً ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ آباؤكم ﴾ ج للعطف مع طول الكلام والتكرار ﴿ مفترى ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ بواحدة ﴾ ج لأن ما بعده بدل أو خبر أي هي أن تقوموا ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده بدل من الضمير في يقذف أو خبر أي هو علام ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ على نفسي ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ لا لأن ما بعده معطوف على ﴿ أخذوا ﴾ : ﴿ آمنا به ﴾ ط لاحتمال كون الجملة الاستفهامية مبتدأ بها أو حالاً ﴿ بعيد ﴾ ه لا للآية ولاحتمال الاستئناف والحال بعده والعامل معنى الفعل في التناوش ﴿ من قبل ﴾ ج للعطف على كفروا بناء على أنه حال ماضية أو للاستئناف اي وهم يقذفون ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه.
التفسير: لما فرغ من حكاية أهل الشكر وأهل الكفران تمثيلاً عاد إلى مخاطبة كفار قريش وتقريعهم.
ومفعولاً زعم محذوف أي زعمتموهم آلهة، وسبب حذف الأوّل استحقاق عوده إلى الموصول، وسبب حذف الثاني إقامة الصفة وهي ﴿ من دون الله ﴾ مقام الموصوف.
وتفسير الآية مبني على تفصيل وهو أن مذاهب أهل الشرك أربعة: أحدها قولهم إنا نعبد الملائكة والكواكب التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم فالله قال في إبطال قولهم أنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أن الأرض والارضيات في حكمهم.
وثانيها قول بعضهم إن السموات من الله على سبيل الاستقلال، وإن الأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب واتصالاتها وانصرافاتها فأبطل معتمد هؤلاء بقوله ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾ أي الأرض كالسماء لله لغيره فيها نصيب.
وثالثها قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله لكن فوض ذلك إلى الكواكب وإعانتها فأشار إلى إبطال معتقد هؤلاء بقوله ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ ورابعها مذهب من زعم أنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فبين بطلان مذهبهم بقوله ﴿ ولا تنفع الشفاعة ﴾ قال جار الله: تقول الشفاعة لزيد على أنه الشافع وعلى معنى أنه المشفوع له أي لا تنفع الشفاعة ﴿ إلا ﴾ كائنة ﴿ لمن أذن له ﴾ من الشافعين أو إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله.
و"حتى" غاية لمضمون الكلام الدال على انتظار الإذن كأنه قيل: يتربصون ويقفون ملياً فزعين ﴿ حتى إذا فزع ﴾ أي كشف الفزع في القيامة عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً ﴿ ماذا قال ربكم قالوا ﴾ قال ﴿ الحق ﴾ أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، يريد هذا التفسير قول ابن عباس عن النبي "فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة" والتشديد للسلب والإزالة على نحو "قردته وجلدته" أي أزلت قراده وسلخت جلده.
وقيل: إن "حتى" على هذا التفسير متعلق بقوله ﴿ زعمتم ﴾ أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق.
ومنهم من ذهب إلى أن التفزيع غاية الوحي المستفاد من قل فإنه عند الوحي يفزع من في السموات كما جاء في حديث "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيه جبرائيل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربكم؟
فيقول الحق" أي يقول الحق الحق.
وقيل: أراد بالفزع أنه لما أوحى إلى محمد فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد من أشراطها فلما زال عنهم ذلك قالوا: ماذا قال الله؟
قال جبرائيل وأتباعه: الحق.
وقيل: إنه الفزع عند الموت يزيله الله عن القلوب فيعرف كل أحد أن ما قال الله هو الحق فينتفع بتلك المعرفة أهل الإيمان ولا ينتفع بها أهل الكفر.
وحين بين بقوله ﴿ قل ادعوا ﴾ أنه لا يدفع الضر إلا هو أشار بقوله ﴿ قل من يرزقكم ﴾ إلى أن جلب النفع لا يكمل إلا به.
وههنا نكتة هي أنه قال في دفع الضر ﴿ قالوا الحق ﴾ وفي طلب النفع قال ﴿ قل الله ﴾ تنبيهاً على أنهم في الضراء مقبلون على الله معترفون به، وفي السراء معرضون عنه غافلون لا ينتبهون إلا بمسه.
وقوله ﴿ وإنا أو إياكم ﴾ من الكلام المنصف الذي يتضمن قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا.
وفي تخالف حرفي الجر في قوله ﴿ لعلى هدى أو في ضلال ﴾ إشارة إلى أن أهل الحق راكبون مطية الهدى مستعلون على متنها، وأن أهل الباطل منغمسون في ظلمة الضلال لا يدرون أين يتوجهون.
وإنما وصف الضلال بالمبين وأطلق الهدى لأن الحق كالخط المستقيم واحد، والباطل كالخطوط المنحنية لا حصر لها فبعضها أدخل في الضلالة من بعض وابين.
وقوله ﴿ عما أجرمنا ﴾ إلى قوله ﴿ عما تعملون ﴾ أبلغ في سلوك طريقة الإنصاف حيث أسند الإجرام وهو الصغائر والزلات أو هي مع الكبائر إلى أهل الإيمان، وعبر عن إجرام أهل الكفر بلفظ عام وهو العمل.
وفيه إرشاد إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وإذا قال أحد المناظرين للآخر: أنت مخطئ أغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض.
ومعنى الفتح الحكم والفصل بين الفريقين بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
وحين حث في الآية الأولى على وجوب النظر من حيث إن كل أحد يؤاخذ بجرمه ولو كان البريء أخذ بالمجرم لم يكن كذلك، أكد ذلك المعنى بالآية الثانية فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب فكيف إذا كان يوم عرض وحساب.
وفي قوله ﴿ العليم ﴾ إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا كحكم من يحكم بمجرد الغلبة والهوى.
ولما بين أن غير الله لا يعبد لدفع الضر ولا لجلب النفع أراد أن يبين أن غير الله لا ينبغي أن يعبد لأجل استحقاق العبادة فإنه لا مستحق للعبادة إلا هو.
ومعنى ﴿ أروني ﴾ وكان يعرفهم ويراهم الاستخفاف بهم والتنبيه على الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله أو أراد أعلموني بأي صفة الحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاء فـ ﴿ ـشركاء ﴾ نصب على الحال والعائد محذوف و ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن مذهبهم بعدما كسده بإبطال المقايسة وردّ الإلحاق.
ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ بل هو الله العزيز الحكيم ﴾ كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات فإن الإله لا يمكن أن يخلو عن القدرة الكاملة والحكمة الشاملة.
وهو يحتمل أن يكون ضمير الشأن.
وحين فرغ من التوحيد شرع في الرسالة.
ومعنى ﴿ كافة ﴾ عامة لأن الرسالة إذا شملتهم قد منعتهم أن يخرج أحد منهم والكف المنع وكافة صفة لرسالة.
وقال الزجاج: التاء للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإنه حال من الكاف أي أرسلناك جامعاً للناس في الإبلاغ والتبشير والإنذار، أو مانعاً للناس من الكفر والمعاصي.
وبعض النحويين جعله حالاً من الناس وزيف بأن حال المجرور لا يتقدم عليه.
ومن هؤلاء من جعل اللام بمعنى "إلى" لأن أرسل يتعدى بإلى فضوعفت تخطئته بأن استعمال اللام بمعنى.
"إلى" ضعيف، ولا يخفى أن ثاني مفعولي ﴿ أرسلنا ﴾ على غير هذا التفسير محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلى الناس إلا كافة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.
وحين ذكر الرسالة بين الحشر وذكر أنهم استعجلوه تعنتاً منهم فبين على طريق التهديد أنه لا استعجال فيه كما لا إمهال وهذا شأن كل أمر ذي بال.
قال جار الله ﴿ ميعاد يوم ﴾ كقولك "سحق عمامة" في أن الإضافة للتبيين يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ميعاد يوم ﴾ بالرفع فيهما فأبدل منه اليوم.
وفي إسناد الفعل إليهم بقوله ﴿ لا تستأخرون عنه ﴾ دون أن يقول لا يؤخر عنكم زيادة تأكيد لوقوع اليوم.
ولما بين الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر، ذكر أنهم كافرون بالكل قائلين ﴿ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.
يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة محمد في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع الكتب.
وقيل: الذين كفروا عام والذي بين يديه يوم القيامة وما جاء ذكره في القرآن من تفاصيل الحشر وغيرها، وأن أهل الكتاب لو صدّقوا بشيء من ذلك فليس لأجل مجيئه في القرآن ولكن لمجيئه في كتبهم.
وحين وقع اليأس من إيمانهم بقولهم ﴿ لن نؤمن ﴾ وعد نبيه بأنه سيراهم على أذل حال موقوفين للسؤال متجاذبين أهداب المراجعة كما يكون حال جماعة أخطأوا في تدبير أمره وجواب "لو" محذوف أي لقضيت العجب.
وبدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ.
وفي قوله ﴿ لولا أنتم ﴾ إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى فإن الرسول قد جاء ولم يقصر في الإبلاغ.
ثم ذكر جواب المستكبرين وهم الرؤوس والمتبوعين على طريقة الاستئناف.
وفي إيلاء الاسم وهو نحن حرف الإنكار إثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عن الهدى بكسب منهم واختيار وأن المانع لم يكن راجحاً على المقتضى ولا مساوياً له وأكدوا ذلك بقولهم ﴿ بل كنتم مجرمين ﴾ أي إنكم أنتم الذين أطعتم أمر الشهوة فكنتم كافرين ولم يكن منا إلا التسويل والتزيين.
ثم عطف قولاً آخر للمستضعفين على قولهم الأول.
والإضافة في ﴿ مكر الليل والنهار ﴾ من باب الاتساع بإجراء الظرف مجرى المفعول به وأصل الكلام: بل مكرهم في الليل والنهار.
أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، فالأول اتساع لفظي، والثاني معنوي.
أبطلوا إضرابهم بإضرابهم قائلين: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا مستمراً دائماً دائباً ليلاً ونهاراً.
وقدم الليل لأنه أخفى للمكر والويل.
وقرئ ﴿ مكرّ الليل ﴾ بالتشديد أي سبب ذلك أنكم تكرّون الإغواء مكراً دائباً.
والمعنى: ما أنتم بالصارف القطعي والمانع القويّ ولكن انضم إلى ذلك طول المدة فصار قولكم جزء السبب.
وفي قوله ﴿ أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً ﴾ إشارة إلى أن الشرك وإن كان مثبتاً لله في الظاهر ولكنه نافٍ له على الحقيقة لأنه جعل مساوياً للصنم.
ويجوز أن يكون كل منهما قول طائفة فبعضهم كانوا مأمورين بجحد الصانع وبعضهم بالإشراك به.
وتفسير قوله ﴿ واسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ مذكور في سورة يونس.
والضمير يعود إلى جنس الظالمين الشامل للمستضعفين وللمستكبرين.
وقوله ﴿ في أعناق الذين كفروا ﴾ أي في أعناقهم من وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهي محمولة على الظاهر وإن جاز أن يراد بها العلائق.
وفي قوله ﴿ هل تجزون ﴾ إشارة إلى أنهم استحقوها عدلاً.
ثم سلى نبيه بأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعاً وإنما ذلك هجيراهم قدماً.
وإنما خص المترفين بالذكر لأنهم أصل في الجحود والإنكار وغيرهم تبع، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد اعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله ما رزقهم، ثم قاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا فقالوا ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فبين الله خطأهم بأن القابض الباسط ه والله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعملون ﴾ أن ذلك بمجرد المشيئة لا بالكسب والاستحقاق فكم من شقيّ موسر وتقي معسر.
ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وما أموالكم ﴾ اي وما جماعة أموالكم ﴿ ولا ﴾ جماعة ﴿ أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ﴾ أي قربى اسم بمعنى القربة وقع موقع المصدر كقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ ثم استثنى من ضمير المفعول في تقرّبكم بقوله ﴿ إلا من آمن ﴾ والمراد أن الأموال والأولاد لا تقرّب أحداً إلا المؤمن الصالح ينفق الأموال في سبيل الله ويعلم أولاده الخير والفقه في الدين.
ويحتمل أن يكون الاستثناء من الفاعل والمعنى أن شيئاً من الأشياء لا يقرّب إلا عمل المؤمن الصالح لأن ما سوى ذلك شاغل عن الله، والعمل الصالح إقبال على العبودية.
ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب شيئاً من الله حصل.
وجزاء الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول تقديره: فأولئك لهم أن يجاوزوا الضعف.
ومعنى قراءة يعقوب: أولئك لهم الضعف جزاء.
والتضعيف يكون إلى العشر وإلى سبعمائة وأكثر كما عرفت.
والباقي إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ قد سبق.
وحين بين أن حصول الترف لا يدل على الشرف ذكر أن بسط الرزق لا يختص بهم ولكنه قد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده المؤمنين.
ثم رتب وعد الإخلاف على الإنفاق وذلك إما في العاجل بالمال أو بالقنوع، وإما في الآخرة بالثواب الذي لا خلف فوقه ولا مثله.
ومما يؤكد الآية قوله "اللهم أعط منفقاً خلفاً" الحديث.
وقول الفقهاء ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، وأن التاجر إذا علم أن مالاً من الأموال في معرض الفناء يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء وإلا نسب إلى الخطأ وسخافة الرأي، ولا ريب أن مال الدنيا في معرض الزوال وأن أغنى الأغنياء قد طلب منا الإقراض ووعد الإضعاف والإخلاف فأي تجارة عند العاقل أربح من هذا؟
﴿ وهو خير الرازقين ﴾ لأن سلسلة الأرزاق والرزق تنتهي إليه.
وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي.
ثم حكى عاقبة حال الكفار بقوله ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ وفي خطاب الملائكة تقريع الكفار وتقرير لما يعروهم من الخجل والوجل عند اقتصاص ذلك كما مر في قوله لعيسى ﴿ ءَأَنتَ قلت للناس ﴾ ﴿ قالوا سبحانك ﴾ ننزهك عن أن نعبد غيرك أنت الذي نواليك ونعادي غيرك في شأن العبادة ﴿ بل كانوا يعبدون الجن ﴾ حيث أطاعوهم في عبادة غيرك فهم كانوا يطيعونهم وكنا نحن كالقبلة، أو صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو كانوا يدخلون في أجواب الأصنام فيعبدون بعبادتها.
وإنما قالوا ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ وما ادّعوا الإحاطة لأن الذين رأوهم وأطلعهم الله على أحوالهم كانوا كذلك ولعل في الوجود من لا يطلع الله الملائكة عليه من الكفار.
وأيضاً أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن، والاطلاع على عمل القلب كما هو ليس إلا الله وحده فراعوا الأدب الجميل والحكم على الظاهر أكثري.
ثم ذكر أن الأمر في ذلك اليوم لله وحده والخطاب في قوله ﴿ لا يملك بعضكم ﴾ للملائكة والكفار وإن كان الكفار غائبين كما تقول لمن حضر عندك ولمن شاركه في أمر بسببه: أنتم قلتم كذا على معنى أنت قلت وهم قالوا.
ويحتمل أن يكون الخطاب للكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم أو لهم وللملائكة أيضاً بهذا التأويل، وعلى الأول يكون قوله ﴿ ونقول للذين ظلموا ﴾ إفراداً للكفرة بالذكر، وعلى الوجه الآخر يكون تأكيداً لبيان حالهم في الظلم وذكر الضر تأكيد لعدم تملكهم شيئاً وإلا فهو غير متصور في ذلك اليوم.
وإنما قال ههنا ﴿ عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ﴾ وفي السجدة ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ لأنهم هناك قد رأوا النار بدليل قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ فقيل لهم ذوقوا العذاب المؤبد الذي كنتم به تكذبون في قولكم ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ وههنا لم يروا النار.
وقيل: لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال فناسب التوبيخ على تكذيبهم بالنار.
ثم حكى أكاذيبهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ الآية.
ولا يخفى ما فيه من المبالغات.
ثم بين أن أقوالهم هذه لا تستند إلا إلى محض التقليد فقال ﴿ وما آتيناهم من كتب يدرسونها ﴾ فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية وما لهم من دليل أو بالنقليات وما عندهم من كتاب ولا رسول غيرك ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ كعاد وثمود ﴿ وما بلغوا معشار ما آتيناهم ﴾ والمعشار كالمرباع وهما العشر والربع.
قال الأكثرون: معناه وما بلغ هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر.
ثم إن الله أخذهم وما نفعهم محصولهم فكيف حال هؤلاء الضعفاء؟.
وقال بعضهم: أراد وما بلغ الذين من قبلهم معشار ما آتينا قوم محمد من البيان والبرهان لأن محمداً أفصح الرسل وكتابه أوضح الكتب.
ثنم إن المتقدمين أنكر عليهم تكذيبهم فكيف لا ينكر على هؤلاء؟
قال جار الله: قوله ﴿ فكذبوا رسلي ﴾ بعد قوله ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ تخصيص بعد تعميم كأنه قيل: وفعل الذين من قبلهم التكذيب فكذبوا رسلي؟
نظيره قول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد .
ويجوز أن ينعطف على قوله ﴿ وما بلغوا معشار ما ﴾ كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه.
قلت: فعلى هذا تكون الفاء للسببية، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف يفضل عليه؟
وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين فكيف كذبوا؟
﴿ فكيف كان نكير ﴾ للمكذبين الأوّلين فليحذروا من مثله.
ويجوز عندي أن يكون الثاني تكريراً للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل: فإذ قد صح أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك: فعلت كذا وكذا، فإذا فعلت ذلك فتربص.
وبعد تقرير الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله ﴿ أن تقوموا ﴾ على أنه عطف بيان لها.
والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبيُّ متفرقين إلى أوطانهم.
وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم والجد.
فقوله ﴿ مثنى وفرادى ﴾ إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو لا فكأنه قال: أن تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية عن ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله.
وقوله ﴿ ثم تتفكروا ﴾ يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعدما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما اقول بعده، وهو الرسالة المشار إليها بقوله ﴿ ما بصاحبكم من جنة ﴾ والحشر المشار إليه بقوله ﴿ بين يدي عذاب شديد ﴾ قيل: وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال: ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد.
فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد، أو المراد أنه لا يأمرهم في أوّل الأمر بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء واحد.
وعند جار الله: الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا لوجه الله خالصاً متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً، فإن ما فوق الإثنين والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الإثنين محصول فكره على صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفه حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدّى لادعائه إلا رجلان: مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وعاقل اجتباه الله بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان.
لكن محمداً بالاتفاق أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأوفرهم حياء وأمانة، فما هو إلا النبيّ المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد هو القيامة وأهوالها.
وقوله ﴿ ما بصاحبكم ﴾ إما أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه تنبيه على كيفية النظر في أمر النبيّ والمراد: ثم تتفكروا فتعلموا ذلك.
وجوز بعضهم أن تكون "ما" استفهامية.
وحين ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبياً ذكر وجهاً آخر يلزم منه صحة نبوّته وهو قوله ﴿ ما سألتكم من أجر ﴾ الآية.
وتقريره أن العاقل لا يركب العناء الشديد إلا لغرض عاجل وهو غير موجود ههنا بل كل أحد يعاديه ويقصده بالسوء، أو لغرض آجل ولا يثبت إلا على تقدير الصدق فإن الكاذب معذب في الآخرة لا مثاب.
هذا إذا أريد بقوله ﴿ فهو لكم ﴾ نفي سؤال الآخر رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئاً فخذه وهو لم يعطه شيئاً.
ويحتمل أن يراد بالأجر قوله ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى ﴾ وقوله ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً ﴾ لأن المودة في القربى قد انتظمته وإياهم وكذا اتخاذ السبيل إلى الله عز وجل فيه نصيبهم ونفعهم.
﴿ وهو على كل شيء شهيد ﴾ يعلم أني لا أطلب الأجر على نصحكم أو يعلم أن فائدة النصح تعود عليكم.
قوله ﴿ يقذف بالحق ﴾ اي في قلوب المحقين وفيه إزالة استبعاد الكفرة تخصيص واحد منهم بإنزال الذكر عليه فإن الأمر بيد الله والفضل له يؤتيه من يشاء وإنه ﴿ علام الغيوب ﴾ يعلم عواقب الأمور ومراتب الاستحقاق فيعطى على حسب ذلك لا كما يفعل الهاجم الغافل، أو أراد يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وذلك أن براهين التوحيد قد ظهرت وشبه المبطلين قد دحضت.
وفي قوله ﴿ علام الغيوب ﴾ إشارة إلى أن البرهان الباهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فالدليل عليه إخبار علام الغيوب عنه.
وحين ذكر أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال أخبر أن ذلك الحق قد جاء وهو القرآن والإسلام وكل ما ظهر على لسان النبي وعلى يده.
وقيل: السيف.
وقوله ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيده ﴾ مثل في الهلاك لأن الحيّ إما أن يبدئ فعلاً أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة.
والتحقيق فيه أن الحق هو الموجود الثابت.
ولما كان ما جاء به النبي من بيان التوحيد والرسالة والحشر ثابتاً في نفسه بيناً لمن نظر إليه كان جائياً، وحين كان ماأتوا به من الإصرار والتكذيب مما لا أصل له قيل: إنه لا يبدئ ولا يعيد أي لا يعيد شيئاً لا في الأوّل ولا في الآخر.
وقيل: الباطل إبليس لأنه صاحب الباطل ولأنه هالك والمراد أنه لا ينشئ خلقاً ولا يعيد وإنما المنشئ والباعث هو الله.
وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.
وقال الزجاج: "ما" استفهامية والمعنى أي شيء ينشئ إبليس ويعيده؟
ثم قرر أمر الرسالة بوجه آخر وهو قوله ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ﴾ يعني كضلالكم وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم وإنما هو بالوحي المبين.
قال جار الله: هذا حكم عام لكل مكلف، والتقابل مرعي من حيث المعنى والمراد أن كل ما هو وبال على النفس وضارّ لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه.
وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿ إنه سميع قريب ﴾ يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله لا يعزب عنه منهما شيء، وفيه أن الرسول إذا دعاه على من يكذبه أجابه ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي.
ثم عجب نبيه أو كل راءٍ من مآل حال أهل العناد بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ وجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً.
والأفعال الماضية التي هي ﴿ فزعوا ﴾ ﴿ وأخذوا ﴾ ﴿ وقالوا ﴾ ﴿ وحيل ﴾ كلها من قبيل ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ ووقت الفزع وقت البعث أو الموت أو يوم بدر.
وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء وهم ثمانون ألفاً أرادوا غزو الكعبة وتخريبها فخسف بهم حين دخلوا البيداء ﴿ فلا فوت ﴾ أي فلا يفوتون الله ولا يسبقونه.
والأخذ من مكان قريب هو من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إلى الأرض,.
وجوّز جار الله أن يعطف ﴿ وأخذوا ﴾ على ﴿ لافوت ﴾ على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا.
ثم بين أنهم سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه سولم أو بالقرآن أو بالحق حين لا ينفع الإيمان وذلك قوله ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ وهو تناول سهل لشيء قريب مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعيد كما يتناوله الآخر من قريب تناولاً سهلاً لا تعب فيه، أو أراد أن تناولهم التوبة وإيمانهم في الآخرة بعيد عن الدنيا فإن أمس الدابر لا يعود وإن كانت الآخرة قريبة من الدنيا ولهذا سماها الله الساعة وكل ما هو آت قريب.
وعن أبي عمرو: التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم: نأشت بالهمزة أي أبطأت وتأخرت.
والصح أنه من النوش كما مر همزت الواو المضمومة كما همزت فلي أجوه.
وقيل: التناوش بلغة اليمن التذكرة قاله أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب "المدخل في تفسير القرآن" والضمير في قوله ﴿ وقد كفروا ﴾ عائد إلى ما يعود إليه في قوله ﴿ آمنا به ﴾ .
قوله ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه قولهم في رسول الله صلى الله عيله وسلم شاعر ساحر وهذا تكلم بالأمر الخفي وقد أتوا به من جهة بعيدة عن حاله لأنهم قد عرفوا منه الأمانة والصدق لا الكذب والزور.
وثانيهاك أخذوا الشريك من حالهم في العجز فإنهم يحتاجون في الأمور العظام إلى التعاون فقاسوا الأمر الإلهي عليه.
وثالثها: أنهم قاسوا قدرة الله على قدرتهم عجزوا عن إحياء الموتى فظنوا أن الله لا يقدر على البعث، وقياس الخالق على المخلوق بعيد المأخذ.
ورابعها: قاسوا أمر الآخرة على الدنيا قائلين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة وحصول الثواب والعقاب فنحن أكرم على الله من أن يعذبنا.
وخامسها: قالوا ﴿ ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا.
﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ من نفع الإيمان في الآخرة أو من الرد إلى الدنيا ﴿ كما فعل باشياعهم ﴾ أي بأشباههم من كفرة الأمم لم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله و ﴿ مريب ﴾ موقع في الريب منقول من الأعيان إلى المعنى أو ذو ريبة وذلك باعتبار صاحبه وكلاهما مجاز بوجهين وقد مر في هود.
التأويل: ﴿ مثقال ذرة في السموات ﴾ القلوب ﴿ ولا في الأرض ﴾ النفوس من سعادة أو شقاوة ﴿ قالوا الحق ﴾ يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه لا يقول إلا الحق ﴿ قل من يرزقكم ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس إذا نزل من سماء القلب ماء الفيض على أرض الشرعية.
﴿ ألحقتم به شركاء ﴾ من الدنيا والهوى والشيطان كافة للناس من أهل الأولين والآخرين في عالم الأجساد وهو ظاهر، وفي عالم الأرواح تبشرها بأن لها كمالاً عند الاتصال بالأشباح وتنذرها بالحرمان إن لم تتعلق بالأجسام، وذلك أن الأرواح علوية نورانية والأشباح سفلية مظلمة لا يحصل بينهما التعلق إلا بالتبشير والإنذار.
فالروح بمثابة البذر والقالب كالأرض، وشخص الإنسان بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها، والشريعة كالماء والبشير والنذير كالآكار.
وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات نابتة من بذر روحه وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين ولكن بتبعية محمد ولهذا حصلت له رتبة الشفاعة دونهم.
يقولون يعني أرباب الطلب يستعجلون متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا به.
ثم بين أن لثمرة كل شجرة وقتاً معلوماً لا تتجاوزه ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ اي أكثر مدعي الإسلام بأهل الأهواء مؤمنون ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه أن معارف الأسرار ومراتب الأحرار لا تصلح لمن هو اسير في أيدي صفات النفس ﴿ وحيل بينهم ﴾ لأن الدين ليس بالتمني والله أعلم بحقائق الأشياء والله الموفق.
قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .
قال بعضهم: المترف: المتكبر.
وقال آخرون: المترف هو الذي يجمع أصناف المال مع العناد والتكبر.
وقال بعضهم: المترفون هم الرؤساء منهم.
وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله لا يفعل إلا ما هو أصلح له في الدين، ولا شك أن هؤلاء المترفين إنما قالوا لما قالوا وفعلوا ما فعلوا؛ لسعتهم وبسطهم في المال؛ فلو لم يكن ذلك لهم - ما فعلوا ذلك، دل أن المنع لهم عن ذلك أصلح لهم من البسط، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ ﴾ ، المترف ما ذكر.
[و]قال بعضهم: المتكبر المتجبر.
وقال بعضهم: المترف: الذي يجمع مع الكبر والعناد الأموال.
وقال بعضهم: ﴿ مُتْرَفُوهَآ ﴾ : أغنياؤها، وكله واحد، وهم رؤساؤها.
وفيه ردّ قول المعتزلة في الأصلح، على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ﴾ .
يخرج قولهم ذلك لوجهين: أحدهما: قالوا ذلك: إنا إذا أوتينا في الدنيا الأموال والأولاد؛ فلا يعذبنا في الآخرة على ما تزعمون.
أو أن يقولوا ذلك: إنك لو كنت بعثت رسولا على ما تزعم، فنحن أولى بالرسالة منك؛ لأنا أكثر أموالا وأولاداً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ .
هذا أيضاً ينقض على المعتزلة ومن يقول بأن الله لا يبسط على أحد الرزق؛ إذا لم يكن في البسط إصلاح له وخير، وكذلك لا يقتر على أحد ذلك إذا لم يكن في التقتير خير له.
وعندنا: يبسط الرزق لمن يشاء وإن لم يكن خيراً له، وكذلك يقتر على من يشاء، وإن كان شرّاً له؛ على ما نطق ظاهر الآية، ليس عليه حفظ الأصلح لهم ولا الخير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: لا ينتفعون بعلمهم، أو لا يعلمون حقيقة؛ لما تركوا النظر والتفكر، في أسباب العلم ليعلموا؛ فلا يعذرون لما مكن لهم العلم به.
وقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ قالوا ذلك؛ لما لم يروا في الحكمة أن يحسن أحد إلى عدوه، والسعة هي من الفضل والإحسان، ثم رأوا لأنفسهم ذلك، ظنوا أنهم أولياء الله، وأن الرسل حيث ضيقت عليهم الدنيا إنما ضيقت عليهم الدنيا؛ لأنهم ليسوا بأولياء الله؛ لذلك قالوا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ .
وهذا القول منهم لإنكارهم البعث: فإن كانوا مقرين به، لكانوا لا يقولون ذلك، ويعلمون أن السعة في الدنيا والضيق فيها بحق الامتحان، وأما إذا كان بعث ودار أخرى للجزاء - ففي الحكمة أن يجزى الولي جزاء الولاية، والمسيء من العدو جزاء الإساءة والعداوة.
وأما الدار التي هي دار امتحان وابتلاء فيجوز ذلك بحق الامتحان في الحكمة؛ وكذلك خرج على الجواب لهم؛ حيث قال: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ ، أي: يبسط الرزق لا لفضل وقدر له ونعمة عنده، ويقتر على من يشاء لا لعداوة وجناية كانت منه إليه بحق الامتحان؛ ألا ترى أنه قد وسع على بعض المؤمنين، وضيق على بعض أولئك؛ فظهر أن التوسيع لأهل السعة ليس لفضل لهم وقدر، أو نعمة كانت لهم عنده حتى يكون ذلك منه مكافأة لذلك، وكذلك التضييق لأهل التضييق: لم يكن لخيانة أو إساءة كانت منهم إليه لما ذكر؛ ولكن لما ذكرنا؛ ألا ترى أنهم إذا رأوا أنه وسع على بعض وقتر على بعض - هلا علموا أنه يملك أن يوسع على من قتر عليه، ويقتر على من وسع عليه، فيكون في ذلك لهم ترغيب في التوحيد واختيار له، وتحذير عن الكفر وعمّا هم فيه؛ إذ يملك التقتير على من وسع عليه والتوسيع على من قتر عليه؛ فيبطل هذا كله قولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً...
﴾ الآية، ويبين أن التقتير والتوسيع ليس لفضل ولا لقدر ولا لنعمة ولا لخيانة ولا لذنب؛ ولكن للامتحان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ ﴾ .
ولكن ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .
أي: ذلك الذي يقرب عندنا زلفى من أتى به، سواء كان له مال وولد أو لم يكن.
﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ .
من الناس من احتج بتفضيل الغناء على الفقر بهذه الآية، يقول: أخبر أن لهم جزاء الضعف إذا آمنوا وعملوا الصالحات بالأموال التي أعطاهم، وأما الفقير فليس له ذلك؛ إذ ليس له عنده ما يضاعف له، أو كلام يشبه هذا.
وأما عندنا: أن قوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ لهم جزاء الضعف للصالحات والحسنات التي عملوها؛ لأن الله وعد أن يجزي لكل من عمل بحسنة أو صالحة - عشر أمثالها، وذلك جزاء الضعف له، وذلك للغني والفقير جميعاً.
وذكرنا في غير موضع أن التكلم في فضل الغناء على الفقر والفقر على الغناء كلام لا معنى له؛ لأنهما شيئان لا صنع لأحد في ذلك يمتحنان في تلك الأحوال: أحدهما بالشكر، والآخر بالصبر؛ فمن وفي بما امتحن هو في تلك الحال، فهو أفضل ممن لم يَفِ بذلك، وبه يستوجب الفضل إن استوجب، فأمّا بنفس تلك الحال فلا، لكن من يفضل الغناء على الفقر يذهب إلى أن الله - - سمى الضيق: بلاء وشرّاً في غير موضع من القرآن، وسمى السعة: خيراً ونعمة وحسنة في غير موضع، ولا شك أن الخير والحسنة أفضل وأحمد من الشرّ والسيئة؛ فلو لم يكن هذا شرّاً وسيئة في الحقيقة - لم يسمه بذلك، و[لو لم يكن] هذا خيرا - لم يسمه.
ومن يقول بتفضيل الفقر يذهب إلى أن الغني إذا أعطى وبذل إنما استوجب ذلك الفضل؛ لما يفقر نفسه ويحوج، وأصله ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ .
من صاحبه النعمة، ويحزنه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ .
أي: يسعون في آياتنا سعي من يكون معاجزا، لا سعي من لا يكون، وهو ما قال: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، أي: يعملون عمل من يحسب أنه يسبق، لا عمل من لا يسبق، وهو كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ لا أحد يقصد قصد مخادعة الله؛ لعلمه أنه لا يخادع؛ ولكن كأنه قال: يعملون عمل من يخادع الله، لا عمل من يعلم أنه لا يخادع؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ : إنما كان سعيهم في الآيات في آيات الوحدانية أو آيات النعمة أو آيات الرسالة؛ ليسقطوا عن أنفسهم مؤنة ذلك، وقبولها، والعمل بها.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾ .
قال القتبي: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ : لم يرد فيما يرى أهل النظر - والله أعلم - أنهم يجازون عن الواحد بواحد مثله ولا اثنين، وكيف يكون هذا والله يقول: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ و ﴿ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ ؟!
ولكنه أراد: ﴿ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ ﴾ : إنما هو مثله يضم إلى مثل إلى ما بلغ، وكأن الضعف: الزيادة، أي: لهم جزاء الزيادة، ويجوز أن يجعل الضعف في معنى جميع، أي: جزاء الأضعاف، ونحوه: ﴿ فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً ﴾ ، أي: جَعَلْتَ مثله.
وخبط مضاعف، أي: قد ضم إليه خبط آخر قد قتلا.
قال: ﴿ زُلْفَىٰ ﴾ هي الدنوّ، يقال: تزلفت إليه ومنه، أزلفته: أدنيته.
وقال القتبي: أي: قربة ومنزلة عندنا، وهما واحد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ ﴾ ذكر الأموال والأولاد، ثم ذكر ﴿ ٱلَّتِي ﴾ بالتأنيث؛ قال بعضهم: هذا من مقاديم الكلام؛ كأنه قال: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم، ولولا ذلك لغلب فعل الآدميين، فعل الأموال.
قال أبو معاذ: يجوز أن تجمع الأموال والأولاد، ثم تقول: "التي"؛ لأنك تقول: ذهبت الأموال وهلكت الأولاد؛ كقوله: ﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ ، و ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ ﴾ ونحوه كثير من القرآن؛ فعلى ذلك عند الجمع.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .
قال ابن عباس - -: ﴿ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ : في الدنيا والآخرة؛ لأن ما أنفق العبد لو كان الله أخلفه له في الدنيا ما أحصى أحدكم ماله، ولا يجد مكاناً يجعله فيه، أو كلام هذا معناه.
وقال آخر: كل نفقة كانت في طاعة الله فإن الله يخلفها في الدنيا، أو يدّخرها لوليّه في الآخرة.
ومجاهد يقول: إذا أصاب أحدكم مالا، فليقصد في النفقة، ولا يتأولنّ قوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ ؛ فإن الرزق مقسوم.
وقال بعضهم: ﴿ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ إذا كانت في غير إسراف ولا تقتير.
وهذه التأويلات كلها ضعيفة؛ لأن الآية كانت - والله أعلم - في منع أولئك الإنفاق؛ مخافة الفقر وخشية الإملاق؛ لأنها نزلت على أثر قول الرجل: ﴿ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ ، يقول - والله أعلم - تعلمون أن الله هو الباسط لكم والموسع عليكم وعلى الخلق كله الرزق، وهو المقتر أيضاً على من شاء التقتير عليه، فإذا كنتم تعلمون أنه هو الفاعل لذلك؛ فكيف تمتنعون عن الإنفاق خشية الفقر؟!
فهو القادر على البسط والخلف لما أنفقتم، وهو القادر على التقتير من غير إنفاق كان منكم.
أو أن يذكر هذا؛ ليقطعوا أطماعهم عن الخلق من الناس والبذل لهم، على ما ينفق الرجل من النفقة؛ فيطمع من الناس البرّ له والمكافأة لما أنفق؛ فيقول: اقطعوا الطمع من الناس فيما تنفقون؛ فإن الله هو المخلف لذلك لا الناس.
ويحتمل ما قال ابن عباس: إنه يخلف في الآخرة؛ إذ لو أعطى لكل رجل أنفق في الدنيا خلفاً - ما أحصى أحدكم ماله، ولا أين يجعله؟
[يكون] هذا هكذا إذا كان الخلف من نوع ما أنفق وأعطى، فأمّا إذا جاز أن يكون الخلف من نوع ما أنفق، ومن غير نوعه: من نحو ما يدفع عن المرء وعن المتصلين له من أنواع البلايا والشدائد، ويعطيه من أنواع النعم من السلامة له في نفسه ودينه والصحة وغير ذلك مما لا يحصى، فذلك كله بدل وخلف عما أنفق، وذلك أنه إذا علم في سابق علمه أنه ينفق جعل ذلك في الأصل خلفاً عما أنفق؛ وعلى ذلك يخرج ما روي: "أن صلة الرحم تزيد في العمر" : إذا علم أنه يصل رحمه زاد في عمره في الأصل ما لو يعلم أنه لا يصل رحمه، لكان يجعل عمره دون ذلك؛ فعلى ذلك الأول.
وروي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله : "وكل معروف صدقة، وما أنفق المرء على نفسه وأهله، أو وقى به عرضه فهو له صدقة، وكل نفقة أنفقها مؤمن؛ فعلى الله خلفها ضامنا، إلا نفقة في معصية أو نفقة في بنيان" ، أي: لا يحتاج إليه.
<div class="verse-tafsir"
وما بعثنا في قرية من القرى من رسول يخوّفهم عذاب الله إلا قال المُنَعَّمُون فيها من أصحاب السلطان والجاه والمال: إنا بما بُعِثْتم به - أيها الرسل - كافرون.
<div class="verse-tafsir" id="91.n6V9L"