الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٦ من سورة سبأ
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ) .
هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها ، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله في الدنيا رأوه حينئذ عين اليقين ، ويقولون يومئذ أيضا : ( لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) [ الأعراف : 43 ] ، ويقال أيضا : ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) [ يس : 52 ] ، ( لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ) [ الروم : 56 ] ، ( ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ) .
العزيز هو : المنيع الجناب ، الذي لا يغالب ولا يمانع ، بل قد قهر كل شيء ، الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه ، وقدره ، وهو المحمود في ذلك كله .
القول في تأويل قوله تعالى : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) يقول تعالى ذكره: أثبت ذلك في كتاب مبين ليجزي الذين آمنوا والذين سعوا في آياتنا ما قد بين لهم، وليرى الذين أوتوا العلم، فيرى في موضع نصب عطفًا به على قوله: يجزي في قوله لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعنى بالذين أوتوا العلم مسلمة أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، ونظرائه الذين قد قرءوا كتب الله التي أنـزلت قبل الفرقان، فقال تعالى ذكره: وليرى هؤلاء الذين أوتوا العلم بكتاب الله الذي هو التوراة الكتاب الذي أنـزل إليك يا محمد من ربك هو الحق.
وقيل: عنى بالذين أوتوا العلم: أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ) قال: أصحاب محمد.
وقوله ( وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) يقول: ويرشد من اتبعه وعمل بما فيه إلى سبيل الله العزيز في انتقامه من أعدائه الحميد عند خلقه، فأياديه عندهم ونعمه لديهم.
وإنما يعني أن الكتاب الذي أنـزل على محمد يهدي إلى الإسلام.
قوله تعالى : ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد .[ ص: 237 ] لما ذكر الذين سعوا في إبطال النبوة بين أن الذين أوتوا العلم يرون أن القرآن حق .
قال مقاتل : الذين أوتوا العلم هم مؤمنو أهل الكتاب .
وقال ابن عباس : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
وقيل جميع المسلمين ، وهو أصح لعمومه .
والرؤية بمعنى العلم ، وهو في موضع نصب عطفا على ليجزي أي ليجزي وليرى ، قاله الزجاج والفراء .
وفيه نظر ؛ لأن قوله : ليجزي متعلق بقوله : لتأتينكم الساعة ، ولا يقال : لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق ، فإنهم يرون القرآن حقا وإن لم تأتهم الساعة .
والصحيح أنه رفع على الاستئناف ، ذكره القشيري .قلت : وإذا كان ( ليجزي ) متعلقا بمعنى أثبت ذلك في كتاب مبين ، فيحسن عطف ( ويرى ) عليه ، أي وأثبت أيضا ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق .
ويجوز أن يكون مستأنفا .
( الذي ) في موضع نصب على أنه مفعول أول ل ( يرى ) ، ( هو الحق ) مفعول ثان ، و ( هو ) فاصلة .
والكوفيون يقولون ( هو ) عماد .
ويجوز الرفع على أنه مبتدأ .
والحق خبره ، والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني ، والنصب أكثر فيما كانت فيه الألف واللام عند جميع النحويين ، وكذا ما كان نكرة لا يدخله الألف واللام فيشبه المعرفة .
فإن كان الخبر اسما معروفا نحو قولك : كان أخوك هو زيد ، فزعم الفراء أن الاختيار فيه الرفع .
وكذا كان محمد هو عمرو .
وعلته في اختياره الرفع أنه لما لم تكن فيه الألف واللام أشبه النكرة في قولك : كان زيد هو جالس ؛ لأن هذا لا يجوز فيه إلا الرفع .
ويهدي إلى صراط العزيز الحميد أي يهدي القرآن إلى طريق الإسلام الذي هو دين الله .
ودل بقوله : العزيز على أنه لا يغالب .
وبقوله : الحميد على أنه لا يليق به صفة العجز .
لما ذكر تعالى إنكار من أنكر البعث, وأنهم يرون ما أنزل على رسوله ليس بحق، ذكر حالة الموفقين من العباد, وهم أهل العلم, وأنهم يرون ما أنزل اللّه على رسوله من الكتاب, وما اشتمل عليه من الأخبار, هو الحق, أي: الحق منحصر فيه, وما خالفه وناقضه, فإنه باطل, لأنهم وصلوا من العلم إلى درجة اليقين.ويرون أيضا أنه في أوامره ونواهيه { يَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } وذلك أنهم جزموا بصدق ما أخبر به من وجوه كثيرة: من جهة علمهم بصدق من أخبر به، ومن جهة موافقته للأمور الواقعة, والكتب السابقة، ومن جهة ما يشاهدون من أخبارها, التي تقع عيانا، ومن جهة ما يشاهدون من الآيات العظيمة الدالة عليها في الآفاق وفي أنفسهم ومن جهة موافقتها, لما دلت عليه أسماؤه تعالى وأوصافه.ويرون في الأوامر والنواهي, أنها تهدي إلى الصراط المستقيم, المتضمن للأمر بكل صفة تزكي النفس، وتنمي الأجر، وتفيد العامل وغيره، كالصدق والإخلاص وبر الوالدين, وصلة الأرحام, والإحسان إلى عموم الخلق, ونحو ذلك.
وتنهى عن كل صفة قبيحة, تدنس النفس, وتحبط الأجر, وتوجب الإثم والوزر, من الشرك, والزنا, والربا, والظلم في الدماء والأموال, والأعراض.وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة, وعلامة لهم, وأنه كلما كان العبد أعظم علما وتصديقا بأخبار ما جاء به الرسول, وأعظم معرفة بحكم أوامره ونواهيه, كان من أهل العلم الذين جعلهم اللّه حجة على ما جاء به الرسول, احتج اللّه بهم على المكذبين المعاندين, كما في هذه الآية وغيرها.
( ويرى الذين ) أي : ويرى الذين ( أوتوا العلم ) يعني : مؤمني أهل الكتاب : عبد الله بن سلام وأصحابه .
وقال قتادة : هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ( الذي أنزل إليك من ربك ) يعني : القرآن ( هو الحق ) يعني : أنه من عند الله ) ( ويهدي ) يعني : القرآن ( إلى صراط العزيز الحميد ) وهو الإسلام .
«ويرى» يعلم «الذين أوتوا العلم» مؤمنوا أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه «الذي أنزل إليك من ربك» أي القرآن «هو» فصل «الحق ويهدي إلى صراط» طريق «العزيز الحميد» أي الله ذي العزة المحمود.
ويعلم الذين أُعطوا العلم أن القرآن الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق، ويرشد إلى طريق الله، العزيز الذي لا يغالَب ولا يمانع، بل قهر كل شيء وغلبه، المحمود في أقواله وأفعاله وشرعه.
ثم بين - سبحانه - موقف أهل العلم النافع مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه ، وموقف الكافرين من ذلك ، ورد - سبحانه - على هؤلاء الكافرين بما يثبت ضلالهم وجهلهم ، فقال - تعالى - : ( وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم .
.
.
لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) .والمراد بالرؤية فى قوله - تعالى - : ( وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم ) المعرفة والعلم واليقين .
والمراد بالذين أوتوا العلم : المؤمنون الصادقون الذين اتبعوا النبى صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاءهم به من عند ربه ، سواء أكانوا من العرب أم من غيرهم ، كمؤمنى أهل الكتاب من اليهود والنصارى .والجملة الكريمة مستأنفة لمدح هؤلاء العلماء العقلاء على إيمانهم بالحق ، أو معطوف على يجزى فى قوله - تعالى - قبل ذلك : ( لِّيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) والمراد ب ( الذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) القرآن الكريم .والمعنى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما يقوله الكافرون بشأنك ولما يفعلونه لإِبطال دعوتك ، فإن الذين أوتوا العلم وهم أتباعك الصادقون ، يعلمون ويعتقدون أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل ، وهو الصدق الذى لا يشوبه كذب ، وهو الكتاب الذى يهدى من اتبعه وأطاع توجيهاته إلى دين الله - تعالى - ، العزيز ، الذى يقهر ولا يقهر ( الحميد ) أى المحمود فى جيمع شئونه .والمفعول الأول ليرى قوله : ( الذي أُنزِلَ ) .
.
والمفعول الثانى " الحق " و " هو " ضمير فصل متوسط بين المفعولين و " يهدى " معطوف على المفعول الثانى من باب عطف الفعل على الاسم لتأويله به ، أى : يرونه حقا وهاديا .وعبر - سبحانه - عن إيمان أهل العلم بما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ( وَيَرَى ) ، للإِشعار بأنهم قد آمنوا هذا الإِيمان الجازم عن إدراك ومشاهدة ويقين ، وأنهم قد صاروا لا يشكون فى كون هذا المُنَزَّل عليه من ربه ، هو الحق الهادى إلى الصراط المستقيم .وفى وصفهم بقوله : ( أُوتُواْ العلم ) ثناء عظيم عليهم ، لأنهم انتفعوا بعلمهم وسخروه لخدمة الحق ، وللشهادة له بأنه حق ، ويهدى إلى السعادة الدينية والدنيوية والأخروية .وهكذا العلماء العاملون بمقتضى علمهم النافع .
يكونون أنصارا للحق والهدى فى كل زمان ومكان .
لما بين حال من يسعى في التكذيب في الآخرة بين حاله في الدنيا وهو أن سعيه باطل فإن من أوتي علماً لا يغتر بتكذيبه ويعلم أن ما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم حق وصدق، وقوله: ﴿ هو الحق ﴾ يفيد الحصر أي ليس الحق إلا ذلك، وأما قول المكذب فباطل، بخلاف ما إذا تنازع خصمان، والنزاع لفظي فيكون قول كل واحد حقاً في المعنى، وقوله تعالى: ﴿ وَيَهْدِى إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ﴾ يحتمل أن يكون بياناً لكونه هو الحق فإنه هاد إلى هذا الصراط، ويحتمل أن يكون بياناً لفائدة أخرى، وهي أنه مع كونه حقاً هادياً والحق واجب القبول فكيف إذا كان فيه فائدة في الاستقبال وهي الوصول إلى الله، وقوله: ﴿ العزيز الحميد ﴾ يفيد رغبة ورهبة، فإنه إذا كان عزيزاً يكون ذا انتقام ينتقم من الذي يسعى في التكذيب، وإذا كان حميداً يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، فإن قيل كيف قدم الصفة التي للهيبة على الصفة التي للرحمة مع أنك أبداً تسعى في بيان تقديم جانب الرحمة؟
نقول كونه عزيزاً تام الهيبة شديد الانتقام يقوي جانب الرغبة لأن رضا الجبار العزيز أعز وأكرم من رضا من لا يكون كذلك، فالعزة كما تخوف ترجى أيضاً، وكما ترغب عن التكذيب ترغب في التصديق ليحصل القرب من العزيز.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ معجزين ﴾ .
فأليم: بالرفع والجرّ، وعن قتادة: الرجز: سوء العذاب.
ويرى في موضع الرفع، أي: ويعلم أولو العلم، يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يطأ أعقابهم من أمّته.
أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا مثل كعب والأحبار وعبد الله ابن سلام رضي الله عنهما.
﴿ الذى أُنزِلَ إِلَيْكَ....
الحق ﴾ هما مفعولان ليرى، وهو فصل من قرأ ﴿ الحق ﴾ بالرفع: جعله مبتدأ و ﴿ الحق ﴾ خبراً، والجملة في موضع المفعول الثاني.
وقيل: ﴿ ويرى ﴾ في موضع النصب معطوف على ﴿ لِيَجْزِىَ ﴾ أي: وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق.
علماً لا يزاد عليه في الإيقان، ويحتجوا به على الذين كذبوا وتولوا.
ويجوز أن يريد: وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة وغماً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ ويَعْلَمُ أُولُو العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن شايَعَهم مِنَ الأُمَّةِ، أوْ مِن مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ.
﴿ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ القُرْآنُ.
﴿ هُوَ الحَقَّ ﴾ ومَن رَفَعَ ( الحَقُّ ) جَعَلَ هو مُبْتَدَأً و ( الحَقُّ ) خَبَرَهُ والجُمْلَةُ ثانِي مَفْعُولَيْ ( يَرى )، وهو مَرْفُوعٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِأُولِي العِلْمِ عَلى الجَهَلَةِ السّاعِينَ في الآياتِ.
وقِيلَ مَنصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلى ( لِيَجْزِيَ ) أيْ ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عَيانًا كَما عَلِمُوهُ الآنَ بُرْهانًا ﴿ وَيَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى.
<div class="verse-tafsir"
{وَيَرَى} في موضع الرفع بالاستئناف أي ويعلم {الذين أُوتُواْ العلم} يعني أصحاب رسول الله صى ل ومن بطأ أعقابهم من أمته أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وأصحابه والمفعول الأول ليرى {الذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} يعني القرآن {هو الحق} أى الصدق وهو فضل والحق مفعول ثانٍ أو في موضع النصب معطوف على ليجزى وليعلم أولو العلم عند مجئ الساعة أنه الحق علما لا يزاد غليه في الإيقان {وَيَهْدِى} الله أو الذي أنزل إليك {إلى صِرَاطِ العزيز الحميد} وهو دين الله
﴿ ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ أيْ ويَعْلَمُ أُولُو العِلْمِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ومَن يَطَأُ أعْقابَهم مِن أُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ مَن آمَنَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ كَما رَوى عَنْ قَتادَةَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأضْرابِهِما رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
﴿ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿ هُوَ الحَقَّ ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَرى والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ الثّانِي ( وهو ) ضَمِيرُ الفَصْلِ.
وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى جَعْلِ الضَّمِيرِ مُبْتَدَأً وجَعْلِهِ خَبَرًا والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِيَرى وهي لُغَةُ تَمِيمٍ يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَرى ﴾ إلخ اِبْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ مَسُوقٍ لِلِاسْتِشْهادِ بِأُولِي العِلْمِ عَلى الجَهَلَةِ السّاعِينَ في الآياتِ.
وفي الكَشْفِ هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ ﴾ عَلى مَعْنى وقالَ الجَهَلَةُ: لا ساعَةَ وعَلِمَ أُولِي العِلْمِ أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي نَطَقَ بِهِ المُنَزِّلُ إلَيْكَ الحَقَّ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ فَإنَّ دَلالَةَ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ القُرْآنِ لا غَيْرَ، وقِيلَ عَلَيْهِ: أنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ ﴾ إلخ في شَأْنِ السّاعَةِ ومُنْكِرِي الحَشْرِ فَكَيْفَ يَكُونُ ما ذُكِرَ بَعِيدًا بِسَلامَةِ الأمِيرِ، فَذَكَرَ حَقِّيَةَ القُرْآنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ والمَقْصُودُ بِالذّاتِ حَقِّيَةُ ما نُطِقَ بِهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ: إنَّ ( يَرى ) مَنصُوبٌ بِفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَطْفًا عَلى (يَجْزِيَ) أيْ ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ مُعايَنَةَ أنَّهُ الحَقُّ حَسْبَما عَلِمُوهُ قَبْلُ بُرْهانًا ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ سَعَوْا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ أوْ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ كَما تُوُهِّمَ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأُولِي العِلْمِ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأحْبارِ أيْ لِيَعْلَمُوا يَوْمَئِذٍ أنَّهُ هو الحَقُّ فَيَزْدادُوا حَسْرَةً وغَمًّا.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ وصْفَهم بِأُولِي العِلْمِ يَأْباهُ لِأنَّهُ صِفَةٌ مادِحَةٌ ولَعَلَّ المُجَوِّزَ لا يُسَلِّمُ هَذا، نَعَمْ كَوْنُ ذَلِكَ بَعِيدًا لا يُنْكَرُ لا سِيَّما وظاهِرُ المُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: أي: يعلم الذين أوتوا العلم.
وهذا روي في قراءة ابن مسعود: يعني به مؤمني أهل الكتاب يعني: إنهم يعلمون أن الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي يعني: يدعو ويدل إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يعني: إلى طريق الرب العزيز بالنقمة لمن لم يجب الرسل الحميد في فعاله.
قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار أهل مكة هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعني: قال بعضهم لبعض هل ندلكم على رجل يُنَبِّئُكُمْ يعني: يخبركم إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ يعني: يخبركم أنكم إذا متم وتفرقتم في الأرض، وأكلتكم الأرض كل ممزق، يعني: وكنتم تُرَابًا إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: بعد هذا كله صرتم خلقاً جديداً.
قوله عز وجل: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: قالوا: إن الذي يقول إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ اختلق على الله كذباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ يعني: به جنون.
يقول الله: بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ هم كذبوا حين كذبوا بالبعث فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ يعني: هم في العذاب في الآخرة.
والخطأ الطويل في الدنيا عن الحق.
ثم خوفهم ليعتبروا فقال عز وجل: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لأن الإنسان حيثما نظر، رأى السماء والأرض.
قال قتادة: إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو بين يديك أو من خلفك رأيت السماء والأرض إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ يعني: تغور بهم وتبتلعهم الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ يعني: جانباً من السماء.
قرأ حمزة والكسائي: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ أو يسقط الثلاثة كلها بالياء.
وقرأ الباقون: كلها بالنون.
فمن قرأ بالياء: فمعناه إن يشأ الله.
ومن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.
ثم قال عز وجل: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: لعبرة لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني: مقبل إلى طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ.
ويقال: مخلص القلب بالتوحيد.
ويقال: مشتاق إلى ربه.
ويقال: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: أفلم يعلموا أن الله خالقهم، وخالق السموات والأرض، وهو قادر على أن يخسف بهم إن لم يوحدوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: لعلامة لوحدانيتي.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ سَبَإٍ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ: فِيها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ ﴾ يَحْمَدُهُ أوْلِياؤُهُ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ، فَيَقُولُونَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ ﴾ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا ﴾ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ .
﴿ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ ﴾ مِن بَذْرٍ أوْ مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ وَما يَخْرُجُ مِنها ﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ﴾ مِن مَطَرٍ أوْ رِزْقٍ أوْ مَلَكٍ ﴿ وَما يَعْرُجُ فِيها ﴾ مِن مَلَكٍ أوْ عَمَلٍ أوْ دُعاءٍ.
﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي مُنْكِرِي البَعْثِ ﴿ لا تَأْتِينا السّاعَةُ ﴾ أيْ: لا نُبْعَثُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِمِ الغَيْبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: " عالَمِ الغَيْبِ " بِكَسْرِ المِيمِ؛ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِرَفْعِها.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " عَلّامِ الغَيْبِ " بِالكَسْرِ ولامٍ قَبْلَ الألِفِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَ، فَعَلى مَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عالَمِ الغَيْبِ؛ ومَن رَفَعَ، جازَ أنْ يَكُونَ ﴿ عالِمِ الغَيْبِ ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هو عالَمُ الغَيْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، خَبَرُهُ ﴿ لا يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ ؛ و " عَلّامٌ " أبْلَغُ مِن " عالِمٍ " .
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: " لا يَعْزِبُ " بِكَسْرِ الزّايِ؛ وهُما لُغَتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: " ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ " بِالنَّصْبِ فِيهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمُ المُجازاةُ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: أثْبَتَ مِثْقالَ الذَّرَّةِ وأصْغَرَ مِنهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولِيُرِيَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ، [والمُفَضَّلُ]: " مِن رِجْزٍ ألِيمٌ " رَفْعًا؛ والباقُونَ بِالخَفْضِ فِيهِما.
وَفِي ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ هُوَ الحَقَّ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: " هو " عِمادٌ، فَلِذَلِكَ انْتَصَبَ الحَقُّ.
وما أخْلَلْنا بِهِ فَقَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ [الحَجِّ: ٥١، ٥٢، البَقَرَةِ: ١٣٠، ٢٦٧] .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ﴿ أفْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَلالِ البَعِيدِ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ والثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُما: "يَرى" مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلِهُ مِنَ الأفْعالِ، والظاهِرُ أنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، وأنَّ الواوَ إنَّما عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وكَأنَّ المَعْنى الإخْبارُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ يَرَوْنَ الوَحْيَ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ حَقًّا وأنَّهُ يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ ﴾ مَفْعُولٌ بِـ"يَرى"، و"الحَقَّ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"هُوَ" عِمادٌ.
و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ قِيلَ: هم مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ،وَقالَ قَتادَةُ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ المُؤْمِنُونَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُرْشِدُ، و"الصِراطُ المُسْتَقِيمُ" الطَرِيقُ المُعْتَدِلُ، وأرادَ طَرِيقَ الشَرْعِ والدِينِ.
ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ مَقالَتَهُمُ الَّتِي قالُوها عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والهُزْءِ، أيْ: قالَها بَعْضُهم لِبَعْضٍ، كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى أُضْحُوكَةٍ ونادِرَةٍ؟
فَلَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ البَعِيدِ المُحالِ جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، والعامِلُ في "إذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ قَبْلَها فِيما قالَ بَعْضُ الناسِ، تَقْدِيرُهُ: يُنَبِّئُكم بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ العامِلُ ما في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يُنَبِّئُكم إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ إذا مُزِّقْتُمْ.
وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ في "إذا" هو ﴿ "مُزِّقْتُمْ" ﴾ وهو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ ﴿ "يُنَبِّئُكُمْ" ﴾ بِوَجْهٍ، و"مُزِّقْتُمْ" مَعْناهُ: بِالبِلى وتَقَطُّعِ الأوصالِ في القُبُورِ وغَيْرِها.
وكُسِرَ الألِفُ مِن ﴿ "إنَّكُمْ" ﴾ لِأنَّ ﴿ "يُنَبِّئُكُمْ" ﴾ في مَعْنى: يَقُولُ لَكُمْ، ولِمَكانِ اللامِ الَّتِي في الخَبَرِ.
و"جَدِيدٍ" بِمَعْنى: مُجَدِّدٍ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "أفْتَرى" ﴾ هو مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وهي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ، فَحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، وبَقِيَتْ مَفْتُوحَةً غَيْرَ مَمْدُودَةٍ، فَكَأنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَفْهَمَ بَعْضًا عن مُحَمَّدٍ - -: أحالُ الفِرْيَةِ عَلى اللهِ هي حالُهُ أمْ حالُ الجُنُونِ؟
لِأنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَصْدُرُ عن أحَدِ هَذَيْنِ.
فَأضْرَبَ القُرْآنُ عن قَوْلِهِمْ وكَذَّبَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا، ﴿ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلَيْهِمْ، ﴿ "فِي العَذابِ"، ﴾ يُرِيدُ: عَذابَ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في العَذابِ في الدُنْيا بِمُكابَدَةِ الشَرْعِ ومُكايَدَتِهِ، ومُحاوَلَةِ إطْفاءِ نُورِ اللهِ وهو يُتِمُّ، فَهَذا كُلُّهُ عَذابٌ، وفي الضَلالِ البَعِيدِ، أيْ: قَوِيَتِ الحَيْرَةُ وتَمَكَّنَ التَلَفُ لِأنَّهُ قَدْ أبْعَدَ صاحِبَهُ عَنِ الطَرِيقِ الَّذِي ضَلَّ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [سبأ: 4] وهو مقابل جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمراد بالذين سَعوا في الآيات الذين كفروا، عدل عن جعل صلة اسم الموصول ﴿ كفروا ﴾ [سبأ: 3] لتصلح الجملة أن تكون تمهيداً لإِبطال قول المشركين في الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ أفترى على الله كذباً أم به جنة ﴾ [سبأ: 8]، لأن قولهم ذلك كناية عن بطلان ما جاءهم به من القرآن في زعمهم فكان جديراً بأن يمهد لإِبطاله بشهادة أهل العلم بأن ما جاء به الرسول هو الحق دون غيره من باطل أهل الشرك الجاهلين، فعطف هذه الجملة من عطف الأغراض، وهذه طريقة في إبطال شُبَه أهل الضلالة والملاحدة بأن يقدم قبل ذكر الشبهة ما يقابلها من إبطالها، وربما سلك أهل الجدل طريقة أخرى هي تقديم الشبهة ثم الكرور عليها بالإِبطال وهي طريقة عضد الدين في كتاب «المواقف»، وقد كان بعض أشياخنا يحكي انتقاد كثير من أهل العلم طريقته فلذلك خالفها التفتزاني في كتاب «المقاصد».
والحق أن الطريقتين جادّتان وقد سُلكتا في القرآن.
ويجوز أن تكون جملة ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم ﴾ عطفاً على جملة ﴿ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴾ [سبأ: 5] فبعد أن أوردت جملة ﴿ والذين سعوا ﴾ لمقابلة جملة ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [سبأ: 4] الخ اعتبرت مقصوداً من جهة أخرى فكانت بحاجة إلى رد مضمونها بجملة ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم ﴾ للإِشارة إلى أن الذين سعوا في الآيات أهل جهالة فيكون ذكرها بعدها تعقيباً للشبهة بما يبطلها وهي الطريقة الأخرى.
والرؤية علمية.
واختير فعل الرؤية هنا دون (ويعلم) للتنبيه على أنه علم يقيني بمنزلة العِلم بالمرئيات التي علمها ضروري، ومفعولا (يرى) ﴿ الذي أنزل ﴾ و ﴿ الحق ﴾ .
وضمير ﴿ هو ﴾ فصل يفيد حصر الحق في القرآن حصراً إضافياً، أي لا ما يقوله المشركون مما يعارضون به القرآن، ويجوز أيضاً أن يفيد قصراً حقيقياً ادعائياً، أي قصر الحقِّيَّة المحض عليه لأن غيره من الكتب خلط حقها بباطل.
و ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ فسره بعض المفسرين بأنهم علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى فيكون هذا إخباراً عما في قلوبهم كما في قوله تعالى في شأن الرهبان ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ﴾ [المائدة: 83]، فهذا تحدَ للمشركين وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وليس احتجاجاً بأهل الكتاب لأنهم لم يعلنوا به ولا آمن أكثرهم، أو هو احتجاج بسكوتهم على إبطاله في أوائل الإسلام قبل أن يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم ويحتج عليهم ببشائر رسلهم وأنبيائهم به فعاند أكثرهم حينئذٍ تبعاً لعامتهم.
وبهذا تتبين أن إرادة علماء أهل الكتاب من هذه الآية لا يقتضي أن تكون نازلة بالمدينة حتى يتوهم الذين توهموا أن هذه الآية مستثناة من مكيات السورة كما تقدم.
والأظهر أن المراد من ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ مَن آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة لأنهم أوتوا القرآن.
وفيه علم عظيم هم عالموه على تفاضلهم في فهمه والاستنباط منه، فقد كان الواحد من أهل مكة يكون فظًّا غليظاً حتى إذا أسلم رقّ قلبه وامتلأ صدره بالحكمة وانشرح لشرائع الإِسلام واهتدى إلى الحق وإلى الطريق المستقيم.
وأول مثال لهؤلاء وأشهره وأفضله هو عمر بن الخطاب للبون البعيد بين حالتيه في الجاهلية والإِسلام.
وهذا ما أعرب عنه قول أبي خراش الهذلي خالطاً فيه الجد بالهزل: وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل *** سوى العدل شيئاً فاستراح العواذل فإنهم كانوا إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم أشرقت عليهم أنوار النبوءة فملأتهم حكمة وتقْوَى.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه: «لو كنتم في بيوتكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة بأجنحتها».
وبفضل ذلك ساسوا الأمة وافتتحوا الممالك وأقاموا العدل بين الناس مسلمهم وذمِّيهم ومُعَاهَدِهم وملأوا أعين ملوك الأرض مهابة.
وعلى هذا المحمل حمل ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ في سورة الحج (54) ويؤيده قوله تعالى: ﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ﴾ في سورة الروم (56).
وجملة ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } في موضع المعطوف على المفعول الثاني ل ﴿ يَرَى ﴾ .
والمعنى: يرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هادياً إلى العزيز الحميد، وهو من عطف الفعل على الاسم الذي فيه مادة الاشتقاق وهو ﴿ الحق ﴾ فإن المصدر في قوة الفعل لأنه إما مشتق أو هو أصل الاشتقاق.
والعدول عن الوصف إلى صيغة المضارع لإِشعارها بتجدد الهداية وتكررها.
وإيثار وصفي ﴿ العزيز الحميد ﴾ هنا دون بقية الأسماء الحسنى إيماء إلى أن المؤمنين حين يؤمنون بأن القرآن هو الحق والهداية استشعروا من الإِيمان أنه صراط يبلغ به إلى العزة قال تعالى: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ [المنافقون: 8]، ويبلغ إلى الحمد، أي الخصال الموجبة للحمد، وهي الكمالات من الفضائل والفواضل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ سَعْيَهم فِيها بِالجُحُودِ لَها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: بِالتَّكْذِيبِ بِها.
﴿ مُعاجِزِينَ ﴾ وقُرِئَ "مُعْجِزِينَ" وفي تَأْوِيلِ مُعاجِزِينَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُسابِقِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مُجاهِدِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: مُراغَمِينَ مُشاقِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ.
الرّابِعُ: أيْ لا يُعْجِزُونَنِي هَرَبًا ولا يَفُوتُونَنِي طَلَبًا، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
وَفي تَأْوِيلِ مُعْجِزِينَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُثَبِّطِينَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُضَعِّفِينَ لِلَّهِ أنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
الثّالِثُ: مُعْجِزِينَ مَن آمَنَ وصَدَّقَ بِالبَعْثِ بِإضافَةِ العَجْزِ إلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهم نَسَبُوا المُؤْمِنِينَ إلى العَجْزِ عَنِ الِانْتِصارِ لِدِينِهِمْ إمّا بِضَعْفِ الحُجَّةِ وإمّا بِقِلَّةِ القُوَّةِ.
﴿ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أصْحابُ مُحَمَّدٍ .
الثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ﴾ قالَ الحَسَنُ هو القُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ.
﴿ وَيَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ الأنْصارِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
الثّانِي: إلى طاعَةِ اللَّهِ وسَبِيلِ مَرْضاتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ قال: ﴿ حكيم ﴾ في أمره ﴿ خبير ﴾ بخلقه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ قال: من المطر ﴿ وما يخرج منها ﴾ قال: من النبات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ قال: الملائكة ﴿ وما يعرج فيها ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب ﴾ قال: يقول: بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ قال: مغفرة لذنوبهم ﴿ ورزق كريم ﴾ في الجنة ﴿ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴾ قال: أي لا يعجزون وفي قوله: ﴿ أولئك لهم عذاب من رجز أليم ﴾ قال: الرجز هو العذاب الأليم الموجع.
وفي قوله: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ﴾ قال: أصحاب محمد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم ﴾ قال: الذين أوتوا الحكمة ﴿ من قبل ﴾ قال: يعني المؤمنين من أهل الكتاب.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم ﴾ قال: قال ذلك مشركو قريش ﴿ إذا مزقتم كل ممزق ﴾ يقول: إذا أكلتكم الأرض وصرتم عظاماً ورفاتاً.
وتقطعتكم السباع والطير ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ إنكم ستحيون وتبعثون قالوا: ذلك تكذيباً به ﴿ أفترى على الله كذباً أم به جنة ﴾ قال: قالوا: إما أن يكون يكذب على الله، واما أن يكون مجنوناً ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك رأيت السماء والأرض ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض ﴾ كما خسفنا بمن كان قبلهم ﴿ أو نسقط عليهم كسفاً من السماء ﴾ أي قطعاً من السماء إن يشأ يعذب بسمائه فعل، وان يشأ يعذب بأرضه فعل، وكل خلقه له جند قال قتادة رضي الله عنه: وكان الحسن رضي الله عنه يقول: إن الزبد لمن جنود الله ﴿ إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ﴾ قال قتادة: تائب مقبل على الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ قال الفراء: يرى في موضع نصب معناه: ليجزي الذين وليرى الذين (١) (٢) ﴿ لِيَجْزِيَ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ على ما بيناه، ولا يجوز أن يكون المعنى: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم (٣) (٤) قال الفراء: وإن شئت استأنفت ويرى (٥) (٦) (٧) - (٨) وقوله: ﴿ هُوَ الْحَقَّ ﴾ هو فعل عند البصريين، وشمميه الكوفيون عمادًا، وقد بينا الكلام فيه عند قوله: ﴿ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ .
قال الفراء: (ولو رفعت الحق على أن تجعل هو اسما كان صوابًا، أنشد الكسائي: ليت الشباب هو الرجيع (٩) (١٠) فرفع ونصب في بيت واحد) (١١) قوله: ﴿ وَيَهْدِي ﴾ معناه: الهادي، ولفظ المستقبل كثيرًا ما يراد به لفظ الحال، يقول: تعلمون الحق القرآن الحق الهادي.
﴿ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ قال مقاتل: ويدعو إلى دين العزيز في ملكه، الحميد عند خلقه في سلطانه (١٢) وقال الكلبي: يعني المنيع بالنعمة ممن لم يجب الرسل، المحمود في أفعاله (١٣) (١) "معانى القرآن" 2/ 352 (٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 240.
(٣) في (ب): كرر قوله: (فإنهم)، وفي (أ): كرر الجملة: (فإنهم وإن لم تأتهم الساعة يرون القرآن حق).
(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 656، "البحر المحيط" 8/ 521، "الدر المصون" 5/ 430.
(٥) في (أ): (ترى)، وهو خطأ.
(٦) "معاني القرآن" 2/ 352.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.
(٨) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد ذكره أكثر المفسرين عن قتادة.
انظر: "الوسيط" 3/ 487، "تفسير الماوردي" 4/ 433، "تفسير الطبرسي" 8/ 593، "زاد المسير" 6/ 433.
(٩) في (ب): (الرجع).
(١٠) البيت من الكامل، لم أهتد إلى قائله، وهو في: "معاني القرآن" للفراء 2/ 352، "الزاهر" 2/ 224، "الدر المصون" 6/ 43، "الجنى الداني" ص 493 بلا نسبة.
(١١) "معاني القرآن" 2/ 352، وقوله: فرفع ونصب، يعني رفع في كان، ونصب في ليت، فالمرفوع هو البديء، والمنصوب الشباب.
(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.
(١٣) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَرَى ﴾ معطوف على ليجزي أو مستأنف، وهذا أظهر ﴿ الذين أُوتُواْ العلم ﴾ هم الصحابة أو من أسلم من أهل الكتاب، أو على العموم ﴿ الحق ﴾ مفعول ثاني ليرى، لأن الرؤية هنا بالقلب بمعنى العلم والضمير ضمير فصل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.
﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.
الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.
﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.
الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.
الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.
وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.
الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.
الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.
الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.
الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".
الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.
التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة ﴾ وقال في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.
واعلم أنه وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.
ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.
ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.
وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.
ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.
وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.
وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".
وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.
ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.
وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.
وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.
وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.
ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.
وأولو العلم هم أصحاب الرسول والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.
ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.
وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.
والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.
ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.
ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.
والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.
وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.
وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.
وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.
وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.
وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.
﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.
ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.
ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.
قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.
والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.
وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.
وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.
و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.
﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.
والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.
يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟
فيثنون عليه فقيض الله ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.
فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.
وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.
وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.
ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.
ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.
يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.
ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.
روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.
زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو يففقه تسبيحهم فيسبح.
والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.
وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.
والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.
والمراد بالشياطين ناس أقوياء.
ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.
وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.
أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.
وههنا نكتة وهي أن الله ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.
لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.
وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.
وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.
وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.
وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.
قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.
وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.
ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".
والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.
عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.
ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.
وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.
والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.
وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.
ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.
ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.
وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.
وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.
قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.
يروى أن داود جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.
والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.
وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.
وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.
يروى أن داود أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.
فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟
فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟
فقالت: لخراب هذا المسجد.
فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.
فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.
وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.
فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.
فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟
فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.
والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.
والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.
وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.
وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.
أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.
وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.
وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.
ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.
وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.
من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.
ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.
عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.
قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ﴾ .
وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.
وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.
وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.
وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.
وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.
وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.
ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.
يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.
وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.
وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.
والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.
ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.
والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.
والخمط شجر الأراك.
أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.
الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.
والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.
عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.
من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.
وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.
قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.
وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.
وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.
﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.
ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.
قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.
والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.
ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.
ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.
ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.
ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.
واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.
وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.
والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.
ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.
وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.
ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.
ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.
والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.
التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.
﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.
يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.
كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.
قال جبرائيل : لو دنوت أنملة لاحترقت.
﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.
فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.
فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.
﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.
وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.
﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: إنهم أقسموا باللات والعزى أن لا بعث ولا حياة بعد الموت؛ فأمر الله نبيه أن يقسم بالله الواحد على بعث وقيامة بقوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .
وجائز أن يكون على غير هذا، وهو ما قال في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ هم أقسموا بالله: إنه لا يبعث من يموت؛ فأمر رسوله في هذه الآية أن يقسم بالله - الذي أقسموا هم: إنه يبعث، وهو قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ، وكأن قسمه بما أقسم عندهم أصدق من قسمهم؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذباً قط، ولا اتهموه في شيء؛ يدل على ذلك ما أخبر الله عنهم؛ حيث قال: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أخبر أنهم لا يكذبونك في مقالتك؛ ولكن همتهم الجحود بالآيات والإنكار لها؛ فيكون قسمه مقابل قسم أولئك في إنكارهم البعث؛ ليعلموا كذب أنفسهم في قسمهم - بقسم رسول الله بما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ﴾ ، بالخفض، وقد قرئ ﴿ عالم الغيب ﴾ : بالرفع، و ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ : فمن خفضه، جعله صفة ونعتاً لما تقدم من قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ﴾ .
ومن رفعه، يجعله على الابتداء، ويجعل الكلام تامّاً بقوله: ﴿ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ، ثم استأنف فقال: ﴿ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ .
قد قرئ برفع الزاي، وبخفضها: ﴿ لاَ يَعْزُبُ ﴾ ، وكلاهما لغتان، والعازب في كلام العرب: الغائب.
وقال بعضهم: ﴿ لاَ يَعْزُبُ ﴾ ، أي: لا يبعد، وهما واحد.
وقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ ﴾ .
وقال في الأولى ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ : جائز أن تكون هذه الآية في جواهر الأشياء وأجناسها المختلفة؛ لأنه أخبر عن علمه بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما يصعد فيها وما ينزل، وذلك علم جواهر الأشياء.
وقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر: في الأفعال والأعمال، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء من أفعالهم وأعمالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر؛ ألا ترى أنه ذكر على أثر ذلك الجزاء؛ حيث قال: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .
أو أن يكونا واحداً، إلا أنه ذكر في الآية الأولى الداخل في الأرض والخارج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ولم يذكر في ذلك الساكن فيهما والمقيم وما يكون فيهما؛ فذكر ذلك في قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يخبر عن إحاطة علمه بالأشياء كلها: من الساكنة، والمقيمة، والمتحركة، والمنقلبة فيهما، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ .
المغفرة: هي التغطية والستر، ثم يكون الستر بوجهين: أحدهما: يستر على أعين الزلات أنفسها ألا تذكر.
والثاني: يستر بالجزاء الحسن إذا لم يجز للزلات، هذا للمؤمنين: يستر عليهم الزلات مرة بترك ذكرها، ومرة بترك الجزاء عليها.
وأما الكافر فإنه إذا جزي على سيئة فقد أُظْهِرَ وفَشَا، ولم يستر عليه.
أو أن يكون قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ ، أي: ستر وهو أنه إذا أدخلهم الجنة، أنساهم زلاتهم؛ حتى لا يذكروا أبدا؛ لأن ذكر زلاتهم لربهم ينغص عليهم لذاتهم وتنعمهم.
وقوله: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ، قيل: الكريم: الحسن.
وجائز أن يكون سماه: كريماً؛ لأن من ناله كرم وشرف، كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ ﴾ والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ .
يحتمل حقيقة سعيهم في آياته بما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ : ذكر مرورهم عليها والإعراض عنها؛ فهو سعي.
وجائز على التمثيل، أي: يعملون عمل من أعجز الآيات؛ للجحود لها والتمرد والعناد، والمعجز: هو السابق، ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: سابقين فائتين، أي: لا تعجزونني، ولا تفوتون عني.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾ .
الرجز: العذاب الأليم، أي: مؤلم، وذلك جائز في اللغة.
وقال أبو عوسجة: المعاجز: الهارب؛ يهرب؛ لكي يعجز.
وقوله: ﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ ﴾ .
قال بعضهم: الذين أوتوا العلم هم المؤمنون: مؤمنو أهل الكتاب الذين أوتوا العلم على التوراة والإنجيل وغيرهما؛ يقول - والله أعلم - يعلم الذين أوتوا منافع تلك الكتب أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق، بأجمعهم جميعاً الذين أوتوا العلم بتلك الكتب؛ لما يجدون نعته وصفته فيها، يعلمون أنه هو الحق من ربّك، لكن بعضهم عاندوا ولم يؤمنوا به، وبعضهم قد آمنوا به.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ : هم أصحاب محمد - صلوت الله عليه - أي: الذين أوتوا منافع ما أنزل إليك، هم يعلمون أنه هو الحق من ربك، فأما من لم يؤت منافع العلم فلا يعلم ذلك.
وفي حرف ابن مسعود ﴿ ويعلم الذين أوتوا الحكمة من قبل الذي أنزل إليك من ربّك هو الحق ﴾ ، يعني: القرآن.
وقوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .
قوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ ﴾ يحتمل: يدعو، ويحتمل ﴿ وَيَهْدِيۤ ﴾ ، أي: يبين لهم ﴿ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ﴾ .
كان بعضهم يقول لبعض: ﴿ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .
قوله: ﴿ إِذَا مُزِّقْتُمْ ﴾ يحتمل أن قالوا: النبي؛ يقول: إذا تفرقت جوارحكم وأعضاؤكم تكونوا خلقاً جديداً، فإن كان على هذا فهو - والله أعلم - كان من أهل الدهر ذلك القول؛ لأنهم يقولون بقدم العالم، ولا يقولون بفنائه؛ لأن أهل مكة كانوا فريقين: فرقة تذهب مذهب أهل الدهر، وفرقة يقولون بحدث العالم، ويقرون بفنائه، لكنهم ينكرون إحياءه بعد الفناء، فإن كان ذلك من هؤلاء؛ فيكون قوله: ﴿ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ ، أي: إذا ذهبت أجسادكم، وفنيت اللحوم والعظام، وكنتم رماداً ورفاتا ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ، أي: تكونون خلقا جديدا، يخرج ذلك منهم على أحد وجهين: إما على استبعاد ذلك في أوهامهم وعقولهم، أي: لا يكون ذلك.
أو على التعجب: أن كيف يكون ذلك؟!
فقال عند ذلك: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ﴾ : يقولون: أفترى محمد على الله كذبا أم به جنون؟
إذ لم نسمع ذلك من أحد من قبل، ولا رأينا ذلك أنه كان ما ذكر، فرد الله ذلك عليهم وقال: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: بالبعث والإحياء بعد الموت - هم المفترون على الله، هم ﴿ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ ﴾ .
جزاء قولهم: أم به جنون؟
يقول: بل هم في ضلال بعيد، الضلال البعيد: كأنه هو الذي لا يرجع إلى الهدى أبداً؛ فتكون الآية في قوم: علم الله أنهم يختمون على الضلال، ولا يؤمنون أبداً؛ فيكون في ذلك دلالة إثبات الرسالة.
وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : قد ذكرنا قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ؛ ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ ﴾ ، ونحوه أنه يخرج على وجهين: أحدهما: قد رأوا على الخبر.
والثاني: على الأمر: أن انظروا ﴿ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
ثم يقول بعضهم لبعض: حيثما قدم الإنسان رأى بين يديه من السماء مثل السماء [التي] يرى خلفه، وكذلك الأرض.
وقتادة يقول: لينظروا كيف أحاطت بهم السماء والأرض، وهما واحد.
﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ ﴾ ، كما خسفنا بمن كان قبلهم، ﴿ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
أي: عذاباً من السماء؛ كما أنزل على من كان قبلهم بالتكذيب والعناد، يذكر هذا على أثر قولهم: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ، أي: لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض؛ لعرفوا أنه رسول الله، وأنه صادق، وأن ما يقول: إنه بعث بعد الموت، وإن العذاب ينزل - يقوله لا عن جنون، ولكن عن علم وعقل ومعرفة؛ لأن من قدر على إنشاء السماء على ما أنشأ من سعتها وغلظها وشدتها، وكذلك الأرض، قدر على البعث وخسف من يشاء أن يخسف؛ وإسقاط السماء على من يشاء أن يسقط.
أو يقول: لو نظروا، لعرفوا أنه لم ينشئ ما ذكر من السماء والأرض عبثاً باطلا؛ ولكن أنشأهما على الحكمة، وإنما يصير إنشاؤهما حكمة بالبعث والإحياء بعد الموت ومصيرهم إليه، وأما للفناء خاصة فلا يكون حكمة، والله أعلم ما أراد بذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ .
المنيب، قيل: هو المطيع لله، وقيل: هو المقبل على أمر الله.
والمنيب كأنه هو المؤمن؛ لأنه هو المصدق بالآيات، فإذا كان المؤمن هو المصدق بالآيات، فيكون هو المنتفع بها، فيكون الآية [له].
وأما المكذب بها فلا ينتفع بها؛ فلا يكون الآية له في الحقيقة.
<div class="verse-tafsir"
ويشهد علماء الصحابة ومن آمن من علماء أهل الكتاب أن الذي أنزله الله إليك من الوحي هو الحق الذي لا مِرْية فيه، ويرشد إلى طريق العزيز الذي لا يغلبه أحد، المحمود في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.EBdvV"