الآية ٤٢ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٤٢ من سورة الزمر

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٢ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٢ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء ، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى ، بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان ، والوفاة الصغرى عند المنام ، كما قال تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ) [ الأنعام : 61 ، 60 ] ، فذكر الوفاتين : الصغرى ثم الكبرى .

وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى ; ولهذا قال : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) فيه دلالة على أنها تجتمع في الملأ الأعلى ، كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره .

وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره ، فإنه لا يدري ما خلفه عليه ، ثم ليقل : باسمك ربي وضعت جنبي ، وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " .

وقال بعض السلف [ رحمهم الله ] يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا ، وأرواح الأحياء إذا ناموا ، فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف ( فيمسك التي قضى عليها الموت ) التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى .

قال السدي : إلى بقية أجلها .

وقال ابن عباس : يمسك أنفس الأموات ، ويرسل أنفس الأحياء ، ولا يغلط .

( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) يقول تعالى ذكره: ومن الدلالة على أن الألوهة لله الواحد القهار خالصة دون كلّ ما سواه, أنه يميت ويحيي, ويفعل ما يشاء, ولا يقدر على ذلك شيء سواه، فجعل ذلك خبرا نبههم به على عظيم قُدرته, فقال: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) فيقبضها عند فناء أجلها, وانقضاء مدة حياتها, ويتوفى أيضا التي لم تمت في منامها, كما التي ماتت عند مماتها( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) ذكر أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام, فيتعارف ما شاء الله منها, فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده وحبسها, وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى أجل مسمى وذلك إلى انقضاء مدة حياتها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جُبَير, في قوله: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ...

الآية.

قال: يجمع بين أرواح الأحياء, وأرواح الأموات, فيتعارف منها ما شاء الله أن يتعارف, فيمسك التي قضى عليها الموت, ويُرسل الأخرى إلى أجسادها.

حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط , عن السديّ, في قوله: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) قال: تقبض الأرواح عند نيام النائم, فتقبض روحه في منامه, فتلقى الأرواح بعضها بعضا: أرواح الموتى وأرواح النيام, فتلتقي فتساءل, قال: فيخلي عن أرواح الأحياء, فترجع إلى أجسادها, وتريد الأخرى أن ترجع, فيحبس التي قضى عليها الموت, ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى, قال: إلى بقية آجالها.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) قال: فالنوم وفاة ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى ) التي لم يقبضها( إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ).

وقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في قبض الله نفس النائم والميت وإرساله بعدُ نَفس هذا ترجع إلى جسمها, وحبسه لغيرها عن جسمها لعبرة وعظة لمن تفكر وتدبر, وبيانا له أن الله يحيي من يشاء من خلقه إذا شاء, ويميت من شاء إذا شاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .فيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها أي يقبضها عند فناء آجالها والتي لم تمت في منامها اختلف فيه .

فقيل : يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في أجسادها " فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى " وهي النائمة فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها ، قال ابن عيسى .

وقال الفراء : المعنى ويقبض التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها .

قال : وقد يكون توفيها نومها ، فيكون التقدير على هذا : والتي لم تمت وفاتها نومها .

وقال ابن عباس وغيره من المفسرين : إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها ، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد أمسك الله أرواح الأموات عنده ، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها .

وقال سعيد بن جبير : إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا ، وأرواح الأحياء إذا ناموا ، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف ، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى أي : يعيدها .

قال علي - رضي الله عنه - : فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها فهي الرؤيا الصادقة ، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها تلقيها الشياطين ، وتخيل إليها الأباطيل فهي الرؤيا الكاذبة .

وقال ابن زيد : النوم وفاة ، والموت وفاة .

وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كما تنامون فكذلك تموتون ، وكما توقظون فكذلك تبعثون .

وقال عمر : النوم أخو الموت .

وروي مرفوعا من حديث جابر بن عبد الله قيل : يا رسول الله ، أينام أهل الجنة ؟

قال : لا ، النوم أخو الموت ، والجنة لا موت فيها خرجه الدارقطني .

وقال ابن عباس : ( في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس ، فالنفس التي بها العقل والتمييز ، والروح التي بها النفس والتحريك ، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض [ ص: 233 ] روحه ) .

وهذا قول ابن الأنباري والزجاج .

قال القشيري أبو نصر : وفي هذا بعد ، إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في الحال شيء واحد ، ولهذا قال : " فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى " فإذا يقبض الله الروح في حالين في حالة النوم وحالة الموت ، فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شيء مقبوض ، وما قبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة .

وقوله : ويرسل الأخرى أي : يزيل الحابس عنه فيعود كما كان .

فتوفي الأنفس في حال النوم بإزالة الحس وخلق الغفلة والآفة في محل الإدراك .

وتوفيها في حالة الموت بخلق الموت وإزالة الحس بالكلية .

فيمسك التي قضى عليها الموت بألا يخلق فيها الإدراك ، كيف وقد خلق فيها الموت ؟

ويرسل الأخرى بأن يعيد إليها الإحساس .الثانية : وقد اختلف الناس من هذه الآية في النفس والروح ، هل هما شيء واحد أو شيئان على ما ذكرنا .

والأظهر أنهما شيء واحد ، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح على ما نذكره في هذا الباب .

من ذلك حديث أم سلمة قالت : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ، ثم قال : إن الروح إذا قبض تبعه البصر وحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره قال : فذلك حين يتبع بصره نفسه .

خرجهما مسلم .

وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، اخرجي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء .

.

.

وذكر الحديث وإسناده صحيح .

خرجه ابن ماجه ، وقد ذكرناه في التذكرة .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها .

.

.

.

وذكر الحديث .

وقال بلال في حديث الوادي : أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك .[ ص: 234 ] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقابلا له في حديث زيد بن أسلم في حديث الوادي : يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ، ولو شاء ردها إلينا في حين غير هذا .الثالثة : والصحيح فيه أنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة ، يجذب ويخرج وفي أكفانه يلف ويدرج ، وبه إلى السماء يعرج ، لا يموت ولا يفنى ، وهو مما له أول وليس له آخر ، وهو بعينين ويدين ، وأنه ذو ريح طيبة وخبيثة ، كما في حديث أبي هريرة .

وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض ، وقد ذكرنا الأخبار بهذا كله في كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة .

وقال تعالى : فلولا إذا بلغت الحلقوم يعني النفس إلى خروجها من الجسد ، وهذه صفة الجسم .

والله أعلم .الرابعة : خرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه ، وليسم الله ، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه ، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن وليقل : سبحانك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فاغفر لها - وقال البخاري وابن ماجه والترمذي : فارحمها بدل فاغفر لها - وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين .

زاد الترمذي وإذا استيقظ فليقل : الحمد لله الذي عافاني في جسدي ، ورد علي روحي ، وأذن لي بذكره .

وخرج البخاري عن حذيفة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ، ثم يقول : اللهم باسمك أموت وأحيا ، وإذا استيقظ قال : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور .قوله تعالى : فيمسك التي قضى عليها الموت هذه قراءة العامة على أنه مسمى [ ص: 235 ] الفاعل " الموت " نصبا ، أي : قضى الله عليها ، وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد ، لقوله في أول الآية : الله يتوفى الأنفس فهو يقضي عليها .

وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي " قضي عليها الموت " على ما لم يسم فاعله .

النحاس ، والمعنى واحد ، غير أن القراءة الأولى أبين وأشبه بنسق الكلام ; لأنهم قد أجمعوا على " ويرسل " ولم يقرأوا " ويرسل " .

وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته وانفراده بالألوهية ، وأنه يفعل ما يشاء ، ويحيي ويميت ، لا يقدر على ذلك سواه .إن في ذلك لآيات يعني في قبض الله نفس الميت والنائم ، وإرساله نفس النائم ، وحبسه نفس الميت " لقوم يتفكرون " .

وقال الأصمعي سمعت معتمرا يقول : روح الإنسان مثل كبة الغزل ، فترسل الروح ، فيمضي ثم تمضي ثم تطوى فتجيء فتدخل ، فمعنى الآية : أنه يرسل من الروح شيء في حال النوم ومعظمها في البدن متصل بما يخرج منها اتصالا خفيا ، فإذا استيقظ المرء جذب معظم روحه ما انبسط منها فعاد .

وقيل : غير هذا ، وفي التنزيل : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي أي : لا يعلم حقيقته إلا الله .

وقد تقدم في [ سبحان ] .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه المتفرد بالتصرف بالعباد، في حال يقظتهم ونومهم، وفي حال حياتهم وموتهم، فقال: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا } وهذه الوفاة الكبرى، وفاة الموت.وإخباره أنه يتوفى الأنفس وإضافة الفعل إلى نفسه، لا ينافي أنه قد وكل بذلك ملك الموت وأعوانه، كما قال تعالى: { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ } لأنه تعالى يضيف الأشياء إلى نفسه، باعتبار أنه الخالق المدبر، ويضيفها إلى أسبابها، باعتبار أن من سننه تعالى وحكمته أن جعل لكل أمر من الأمور سببا.وقوله: { وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } وهذه الموتة الصغرى، أي: ويمسك النفس التي لم تمت في منامها، { فَيُمْسِكُ } من هاتين النفسين النفس { الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ } وهي نفس من كان مات، أو قضي أن يموت في منامه.{ وَيُرْسِلُ } النفس { الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } أي: إلى استكمال رزقها وأجلها.

{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } على كمال اقتداره، وإحيائه الموتى بعد موتهم.وفي هذه الآية دليل على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف اللّه فيها في الوفاة والإمساك والإرسال، وأن أرواح الأحياء والأموات تتلاقى في البرزخ، فتجتمع، فتتحادث، فيرسل اللّه أرواح الأحياء، ويمسك أرواح الأموات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( الله يتوفى الأنفس ) أي : الأرواح ، ( حين موتها ) فيقبضها عند فناء أكلها وانقضاء أجلها .

وقوله : ( حين موتها ) يريد موت أجسادها .

( والتي لم تمت ) يريد يتوفى الأنفس التي لم تمت ، ( في منامها ) والتي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز ، ولكل إنسان نفسان : إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارقه عند الموت فتزول بزوالها النفس ، والأخرى نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام ، وهو بعد النوم يتنفس ( فيمسك التي قضى عليها الموت ) فلا يردها إلى الجسد .

قرأ حمزة والكسائي : " قضي " بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء ، " الموت " رفع على ما لم يسم فاعله ، وقرأ الآخرون بفتح القاف والضاد ، " الموت " نصب لقوله - عز وجل - : " الله يتوفى الأنفس " ( ويرسل الأخرى ) ويرد الأخرى وهي التي لم يقض عليها الموت إلى الجسد ، ( إلى أجل مسمى ) إلى أن يأتي وقت موته .

ويقال : للإنسان نفس وروح ، فعند النوم تخرج النفس وتبقى الروح .

وعن علي قال : تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد ، فبذلك يرى الرؤيا ، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة .

ويقال : إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله ، فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده ، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير حدثنا عبد الله بن عمر حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ، ثم يقول : باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين .

" ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) لدلالات على قدرته حيث لم يغلط في إمساك ما يمسك من الأرواح ، وإرسال ما يرسل منها .

قال مقاتل : لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث ، يعني : إن توفي نفس النائم وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله يتوفى الأنفس حين موتها و» يتوفى «التي لم تمت في منامها» أي يتوفاها وقت النوم «فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى» أي وقت موتها والمرسلة نفس التمييز تبقى بدونها نفس الحياة بخلاف العكس «إن في ذلك» المذكور «لآيات» دلالات.

«لقوم يتفكرون» فيعلمون أن القادر على ذلك، قادر على البعث، وقريش لم يتفكروا في ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله- سبحانه وتعالى- هو الذي يقبض الأنفس حين موتها، وهذه الوفاة الكبرى، وفاة الموت بانقضاء الأجل، ويقبض التي لم تمت في منامها، وهي الموتة الصغرى، فيحبس من هاتين النفسين النفس التي قضى عليها الموت، وهي نفس مَن مات، ويرسل النفس الأخرى إلى استكمال أجلها ورزقها، وذلك بإعادتها إلى جسم صاحبها، إن في قبض الله نفس الميت والنائم وإرساله نفس النائم، وحبسه نفس الميت لَدلائل واضحة على قدرة الله لمن تفكر وتدبر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، ونفاذ مشيئته فقال - تعالى - : ( الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا .

.

.

) .أى : الله - بقدرته وحدها يقبض أرواح مخلوقاته حين انتهاء آجالها بأن يقطع تعلقها بالأجسام قطعا كليا ، ويسلب هذه الأجسام والأبدان ما به قوام حياتها ، بأن تصير أجساما هامدة لا إدراك لها .

ولا حركة فيها .وقوله - تعالى - : ( والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) معطوف على الأنفس ، أى : يسلب الحياة عن الأنفس التى انتهى أجلها سلبا ظاهرا وباطنا ، ويسلب الحياة عنها سلبا ظاهرا فقط فى حال نومها ، إذ أنها فى حالة النوم تشبه الموتى من حيث عدم التمييز والتصرف .فالآية الكريمة تشير إلى أن التوفى للأنفس أعم من الموت ، إذ أن هناك وفاتين .

وفاة كبرى وتكون عن طريق الموت ، ووفاة صغرى وتكون عن طريق النوم .

كما قال - تعالى - ( وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل .

.

.

) أى : يجعلكم تنامون فيه نوما يشبه الموت فى انقطاع الإدراك والإحساس .وقوله - تعالى - : ( فَيُمْسِكُ التي قضى عَلَيْهَا الموت وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) بيان لحالة الأنفس التى انتهى أجلها ، والتى لم ينته أجلها بعد .أى : الله - تعالى - وحده هو الذى يتوفى الأنفس حين الموت ، وحين النوم ، أما الأنفس التى انتهى أجلها فيمسك - سبحانه - أرواحها إمساكا تاما بحيث لا تعود إلى أبدانها مرة أخرى ، وأما التى لم يحن وقت موتها ، فإن الله - تعالى - يعيدها إلى أبدانها عند اليقظة من نومها ، وتستمر على هذه الحالة إلى أجل مسمى فى علمه - تعالى - فإذا ما انتهى أجلها الذى حدده - سبحانه - لها ، خرجت تلك الأرواح من أبدانها خروجا تاما ، كما هو الشأن فى الحالة الأولى .ولا شك أن الله - تعالى - الذى قدر على ذلك ، قادر أيضا - على إعادة الأرواح إلى أجسادها عند البعث والنشور يوم القيامة .فالآية الكريمة مسوقة لبيان كما قدرة الله - تعالى - ولبيان أن البعث حق ، وأنه يسير على قدرة الله التى لا يعجزها شئ .ولا منافاة بين هذه الآية التى صرحت بأن الله - تعالى - هو الذى يتوفى الأنفس عند موتها ، وبين قوله - تعالى - : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت .

.

.

) وقوله - تعالى - ( حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا .

.

.

) لأن المتوفى فى الحقيقة هو الله - تعالى - وملك الموت إنما يقبض الأرواح بإذنه - سبحانه - ولملك الموت أعوان وجنود من الملائكة ينتزعون الأرواح بأمره المستمد من أمر الله - عز وجل - .قال القرطبى : " فإذا يقبض الله الروح فى حالين : فى حالة النوم وحالة الموت ، فما قبضه فى حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شئ مقبوض .

وما يقبضه فى حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة .وفى الآية تنبيه على عظيم قدرته ، وانفراده بالألوهية ، وأنه يفعل ما يشاء ويحيى ويميت ، ولا يقدر على ذلك سواه .واسم الإشارة فى قوله : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يعود إلى المذكور من التوفى والإِمساك والإرسال .أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من قدرتنا على توفى الأنفس وإمساكها وإرسالها ، لآيات بينات على وحدانيتنا وقدرتنا ، لقوم يحسنون التأمل والتفكير والتدبر ، فيما أرشدناهم إليه وأخبرناهم به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظم عليه إصرارهم على الكفر كما قال: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ  ﴾ وقال: ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات  ﴾ فلما أطنب الله تعالى في هذه الآية في فساد مذاهب المشركين تارة بالدلائل والبينات وتارة بضرب الأمثال وتارة بذكر الوعد والوعيد أردفه بكلام يزيل ذلك الخوف العظيم عن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ إنا أنزلنا عليك الكتاب ﴾ الكامل الشريف لنفع الناس ولاهتدائهم به وجعلنا إنزاله مقروناً بالحق وهو المعجز الذي يدل على أنه من عند الله فمن اهتدى فنفعه يعود إليه، ومن ضل فضير ضلاله يعود إليه ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ والمعنى أنك لست مأموراً بأن تحملهم على الإيمان على سبيل القهر بل القبول وعدمه مفوض إليهم، وذلك لتسلية الرسول في إصرارهم على الكفر، ثم بين تعالى أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى، وذلك لأن الهداية تشبه الحياة واليقظة والضلال يشبه الموت والنوم، وكما أن الحياة واليقظة وكذلك الموت والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله عز وجل وإيجاده فكذلك الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى، ومن عرف هذه الدقيقة فقد عرف سر الله تعالى في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فيصير التنبيه على هذه الدقيقة سبباً لزوال ذلك الحزن عن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا وجه النظم في الآية، وقيل نظم الآية أنه تعالى ذكر حجة أخرى في إثبات أنه الإله العالم ليدل على أنه بالعبادة أحق من هذه الأصنام.

المسألة الثانية: المقصود من الآية أنه تعالى يتوفى الأنفس عند الموت وعند النوم إلا أنه يمسك الأنفس التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى وهي النائمة إلى أجل مسمى أي إلى وقت ضربه لموتها فقوله تعالى: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا ﴾ يعني أنه تعالى يتوفى الأنفس التي يتوفاها عند الموت يمسكها ولا يردها إلى البدن وقوله: ﴿ وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ يعني أن النفس التي يتوفاها عند النوم يردها إلى البدن عند اليقظة وتبقى هذه الحالة إلى أجل مسمى، وذلك الأجل هو وقت الموت فهذا تفسير لفظ الآية وهي مطابقة للحقيقة، ولكن لابد فيه من مزيد بيان، فنقول النفس الإنسانية عبارة عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء وهو الحياة، فنقول إنه في وقت الموت ينقطع تعلقه عن ظاهر هذا البدن وعن باطنه وذلك هو الموت، وأما في وقت النوم فإنه ينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن من بعض الوجوه ولا ينقطع ضوؤه عن باطن البدن، فثبت أن الموت والنوم من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام كامل والنوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه، وإذا ثبت هذا ظهر أن القادر العالم الحكيم دبر تعلق جوهر النفس بالبدن على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقع ضوء النفس على جميع أجزاء البدن ظاهره وباطنه وذلك اليقظة.

وثانيها: أن يرتفع ضوء النفس عن ظاهر البدن من بعض الوجوه دون باطنه وذلك هو النوم.

وثالثها: أن يرتفع ضوء النفس عن البدن بالكلية وهو الموت فثبت أن الموت والنوم يشتركان في كون كل واحد منهما توفياً للنفس، ثم يمتاز أحدهما عن الآخر بخواص معينة في صفات معينة، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا عن القادر العليم الحكيم، وهو المراد من قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ويحتمل أن يكون المراد بهذا أن الدليل يدل على أن الواجب على العاقل أن يعبد إلهاً موصوفاً بهذه القدرة وبهذه الحكمة وأن لا يعبد الأوثان التي هي جمادات لا شعور لها ولا إدراك، واعلم أن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالاً، فقالوا نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى بأن قال: ﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِ الله شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ وتقرير الجواب أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها والأول: باطل لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً ولا تعقل شيئاً فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها والثاني: باطل لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئاً ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿ قُل لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً ﴾ ثم بين أنه لا ملك لأحد غير الله بقوله: ﴿ لَّهُ مُلْكُ السموات والأرض ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ومنهم من تمسك في نفي الشفاعة مطلقاً بقوله تعالى: ﴿ قُل لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً ﴾ وهذا ضعيف لأنا نسلم أنه سبحانه ما لم يأذن في الشفاعة لم يقدر أحد على الشفاعة، فإن قيل قوله: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا ﴾ فيه سؤال لأن هذا يدل على أن المتوفى هو الله فقط، وتأكد هذا بقوله: ﴿ الذى خَلَقَ الموت والحياة  ﴾ وبقوله: ﴿ رَبّيَ الذي يُحْىِ وَيُمِيتُ  ﴾ وبقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم  ﴾ ثم إن الله تعالى قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت  ﴾ وقال في آية ثالثة: ﴿ حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا  ﴾ وجوابه أن المتوفي في الحقيقة هو الله، إلا أنه تعالى فوض في عالم الأسباب كل نوع من أنواع الأعمال إلى ملك من الملائكة، ففوض قبض الأرواح إلى ملك الموت وهو رئيس وتحته أتباع وخدم فأضيف التوفي في هذه الآية إلى الله تعالى بالإضافة الحقيقية، وفي الآية الثانية إلى ملك الموت لأنه هو الرئيس في هذا العمل وإلى سائر الملائكة لأنهم هم الأتباع لملك الموت، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الأنفس ﴾ الجمل كما هي.

وتوفيها: إماتتها، وهو أن تسلب ما هي به حية حساسة درّاكة: من صحة أجزائها وسلامتها؛ لأنها عند سلب الصحة كأن ذاتها قد سلبت ﴿ والتى لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ يريد ويتوفي الأنفس التي لم تمت في منامها، أي: يتوفاها حين تنام، تشبيهاً للنائمين بالموتى.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل ﴾ [الأنعام: 6] حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أنّ الموتى كذلك ﴿ فَيُمْسِكُ ﴾ الأنفس ﴿ التى قضى عَلَيْهَا الموت ﴾ الحقيقي، أي: لا يردّها في وقتها حية ﴿ وَيُرْسِلُ الأخرى ﴾ النائمة إلى أجل مسمى إلى وقت ضربه لموتها.

وقيل: يتوفى الأنفس يستوفيها ويقضيها، وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، وهي أنفس التمييز.

قالوا: فالتي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة؛ لأنّ نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس.

ورووا عن ابن عباس رضي الله عنهما: في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز والروح التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه والصحيح ما ذكرت أوّلاً، لأنّ الله عزّ وعلا علق التوفي والموت والمنام جميعاً بالأنفس، وما عنوا بنفس الحياة والحركة ونفس العقل والتمييز غير متصف بالموت والنوم، وإنما الجملة هي التي تموت وهي التي تنام ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ إنّ في توفي الأنفس مائتة ونائمة وإمساكها وإرسالها إلى أجل لآيات على قدرة الله وعلمه لقوم يتفكرون، لقوم يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون.

وقرئ: ﴿ قُضِيَ عليها الموتُ ﴾ على البناء للمفعول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها ﴾ أيْ يَقْبِضُها عَنِ الأبْدانِ بِأنْ يَقْطَعَ تَعَلُّقَها عَنْها وتَصَرُّفَها فِيها إمّا ظاهِرًا وباطِنًا وذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ، أوْ ظاهِرًا لا باطِنًا وهو في النَّوْمِ.

﴿ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ﴾ ولا يَرُدُّها إلى البَدَنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ قُضِيَ بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضّادِ والمَوْتُ بِالرَّفْعِ.

﴿ وَيُرْسِلُ الأُخْرى ﴾ أيِ النّائِمَةَ إلى بَدَنِها عِنْدَ اليَقَظَةِ.

﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِمَوْتِهِ وهو غايَةُ جِنْسِ الإرْسالِ.

وَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ في ابْنِ آدَمَ نَفْسًا ورُوحًا بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، فالنَّفْسُ الَّتِي بِها العَقْلُ والتَّمْيِيزُ، والرُّوحُ الَّتِي بِها النَّفْسُ والحَياةُ، فَيُتَوَفَّيانِ عِنْدَ المَوْتِ وتُتَوَفّى النَّفْسُ وحْدَها عِنْدَ النَّوْمِ.

قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْناهُ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ.

﴿ لآياتٍ ﴾ دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وشُمُولِ رَحْمَتِهِ.

﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِها بِالأبْدانِ وتَوَفِّيها عَنْها بِالكُلِّيَّةِ حِينَ المَوْتِ، وإمْساكِها باقِيَةً لا تَفْنى بِفَنائِها، وما يَعْتَرِيها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والحِكْمَةِ في تَوَفِّيها عَنْ ظَواهِرِها وإرْسالِها حِينًا بَعْدَ حِينٍ إلى تَوَفِّي آجالِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا} الأنفس الجمل كما هي وتوفيها إماتتها وهو أن يسلب ما هي به حية حساسة دراكة {والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا} ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها أي يتوفاها حين تنام تشبيها للقائمين بالموتى حيث لا يميزون ولا يتصرفون كما أن الموتى كذلك ومنه قوله تعالى وَهُوَ الذي يتوفاكم بالليل {فَيُمْسِكُ} الأنفس {التى قضى} قُضِىَ حمزة وعلي {عَلَيْهَا الموت} الحقيقي أي

لا يردها في وقتها حية ( {وَيُرْسِلُ الأخرى} النائمة {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} إلى وقت ضربه لموتها وقيل يتوفى الأنفس أي يستوفيها ويقبضها وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وهي أنفس التمييز قالوا التي تتوفى في المنام هي نفس التمييز لا نفس الحياة لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفسَ والنائم يتنفس ولكل إنسان نفسا إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارق عند الموت والأخرى نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام ورُوي عن ابن عباس رضى الله عنهما في ابن آدم نفس روح بينهما شعاع مثل شعاع الشمس فالنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها النفس والتحرك فاذا انام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه وعن علي رضي الله عنه قال تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد فبذلك يرى الرؤيا فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة وعنه ما رأت نفس النائم في السماء فهي الرؤيا الصادقة وما رأت بعد الإرسال فيلقنها الشيطان فهي كاذبة وعن سعيد بن جبير أن أرواح الأحياء وأرواح الأموات تلتقي

الزمر (٤٦ - ٤٢)

في المنام فيتعارف منها ما شاء الله أن يتعارف فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها ورُوي أن أرواح المؤمنين تعرج عند النوم في السماء فمن كان منهم طاهراً أذن له في السجود ومن لم يكن منهم طاهراً لم يؤذن له فيه {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إن فى توفى الأنفس مائتة ونائمة وإمساكها وإرسالها إلى أجل {لآيَاتٍ} على قدرة الله وعلمه {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ ﴾ أيْ يَقْبِضُها عَنِ الأبْدانِ بِأنْ يَقْطَعَ تَعَلُّقَها تَعُلَّقَ التَّصَرُّفِ فِيها عَنْها ﴿ حِينَ مَوْتِها ﴾ أيْ في وقْتِ مَوْتِها ﴿ والَّتِي لَمْ تَمُتْ ﴾ أيْ ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ ﴿ فِي مَنامِها ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِيَتَوَفّى - أيْ يَتَوَفّاها في وقْتِ نَوْمِها عَلى أنَّ مَنامًا اسْمُ زَمانٍ، وجُوِّزَ فِيهِ كَوْنُهُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِأنْ يَقْطَعَ سُبْحانَهُ تَعَلُّقَها بِالأبْدانِ تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ فِيها عَنْها أيْضًا فَتَوَفِّي الأنْفُسِ حِينَ المَوْتِ وتَوَفِّيها في وقْتِ النَّوْمِ بِمَعْنى قَبْضِها عَنِ الأبْدانِ وقَطْعِ تَعَلُّقِها بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ إلّا أنْ تَوَفِّيها حِينَ المَوْتِ قَطْعٌ لِتَعَلُّقِها بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ ظاهِرًا أوْ باطِنًا وتَوَفِّيها في وقْتِ النَّوْمِ قَطْعٌ لِذَلِكَ ظاهِرًا فَقَطْ، وكَأنَّ التَّوَفِّيَ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ لِكَوْنِهِ شَيْئًا واحِدًا في أوَّلِ زَمانِ المَوْتِ وبَعْدَ مُضِيِّ أيّامٍ مِنهُ قِيلَ: ﴿ حِينَ مَوْتِها ﴾ والتَّوَفِّي الَّذِي يَكُونُ في وقْتِ النَّوْمِ لِكَوْنِهِ يَتَفاوَتُ في أوَّلِ وقْتِ النَّوْمِ وبَعْدَ مُضِيِّ زَمانٍ مِنهُ قُوَّةً وضَعْفًا قِيلَ: ﴿ فِي مَنامِها ﴾ أيْ في وقْتِ نَوْمِها كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْهُ ولِمَسْلَكِ الذِّهْنِ السَّلِيمِ اتِّساعٌ، وإسْنادُ المَوْتِ والنَّوْمِ إلى الأنْفُسِ قِيلَ: مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُما حالا أبْدانِها لا حالاها، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أعْنِي الأبْدانَ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الأنْفُسَ عِبارَةً عَنِ الجُمْلَةِ دُونَ ما يُقابِلُ الأبْدانَ، وحَمَلَ تَوَفِّيَها عَلى إماتَتِها وسَلْبِ صِحَّةِ أجْزائِها بِالكُلِّيَّةِ فَلا تَبْقى حَيَّةً حَسّاسَةً دَرّاكَةً حَتّى كَأنَّ ذاتَها قَدْ سُلِبَتْ، وحَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذا المَعْنى في التَّوَفِّي حِينَ النَّوْمِ لِأنَّهُ لَيْسَ إلّا سَلْبَ كَمالِ الصِّحَّةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الحَرَكاتِ الِاخْتِيارِيَّةِ وغَيْرِها قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها ﴾ أيْ يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ تَشْبِيهًا لِلنّائِمِينَ بِالمَوْتى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ  ﴾ حَيْثُ لا تُمَيِّزُونَ ولا تَتَصَرَّفُونَ كَما أنَّ المَوْتى كَذَلِكَ، وما يَتَخايَلُ فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ يُدْفَعُ بِالتَّأمُّلِ وتَقْدِيمُ الِاسْمِ الجَلِيلِ وبِناءُ ( يَتَوَفّى ) عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ أوْ لِلتَّقْوى أوْ لَهُما، واعْتِبارُ الحَصْرِ أوْفَقُ بِالمَقامِ مِنَ اعْتِبارِ التَّقْوى وحْدَهُ أيِ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حَقِيقَةً لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَيُمْسِكُ الَّتِي ﴾ أيِ الأنْفُسَ الَّتِي ﴿ قَضى ﴾ في الأزَلِ ﴿ عَلَيْها المَوْتَ ﴾ ولا يَرُدُّها إلى أبْدانِها بَلْ يُبْقِيها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ قَطْعُ تَعَلُّقِ التَّصَرُّفِ باطِنًا، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإمْساكِ لِيُناسِبَ التَّوَفِّيَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعِيسى وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ «قُضِيَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ «المَوْتِ» ﴿ ويُرْسِلُ الأُخْرى ﴾ أيِ الأنْفُسُ الأُخْرى وهي النّائِمَةُ إلى أبْدانِها فَتَكُونُ كَما كانَتْ حالَ اليَقَظَةِ مُتَعَلِّقَةً بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ ظاهِرًا وباطِنًا، وعَبَّرَ بِالإرْسالِ رِعايَةً لِلتَّقابُلِ ﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِلْمَوْتِ حَقِيقَةً وهو غايَةٌ لِجِنْسِ الإرْسالِ الواقِعِ بَعْدَ الإمْساكِ لا لِفَرْدٍ مِنهُ فَإنَّهُ آنِيٌّ لا امْتِدادَ لَهُ فَلا يَغْيا، واعْتَبَرَ بَعْضُهم كَوْنَ الغايَةِ لِلْجِنْسِ لِئَلّا يَرِدَ لُزُومُ أنْ لا يَقَعَ نَوْمٌ بَعْدَ اليَقَظَةِ الأُولى أصْلًا وهو حَسَنٌ، وقِيلَ: ( يُرْسِلُ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى الحِفْظِ والمُرادُ يُرْسِلُ الأُخْرى حافِظًا إيّاها عَنِ المَوْتِ الحَقِيقِيِّ إلى أجَلٍ مُسَمّى، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ في ابْنِ آدَمَ نَفْسًا ورُوحًا بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ فالنَّفْسُ هي الَّتِي بِها العَقْلُ والتَّمْيِيزُ والرُّوحُ هي الَّتِي بِها النَّفْسُ والتَّحَرُّكُ فَيُتَوَفَّيانِ عِنْدَ المَوْتِ وتُتَوَفّى النَّفْسُ وحْدَها عِنْدَ النَّوْمِ، وهو قَوْلٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ، ونَسَبَهُ بَعْضُهم إلى الأكْثَرِينَ ويُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ وبِالرُّوحِ الأمْرِيَّةِ وبِالرُّوحِ الإلَهِيَّةِ، وعَنِ الرُّوحِ بِالرُّوحِ الحَيَوانِيَّةِ وكَذا بِالنَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ، والثّانِيَةُ كالعَرْشِ لِلْأُولى، قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ المُتَألِّهِينَ إنَّ القَلْبَ الصَّنَوْبَرِيَّ فِيهِ بُخارٌ لِطَيْفٌ هو عَرْشٌ لِلرُّوحِ الحَيَوانِيَّةِ وحافِظٌ لَها وآلَةٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْها آثارُها، والرُّوحُ الحَيَوانِيَّةُ عَرْشٌ ومِرْآةٌ لِلرُّوحِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي هي النَّفْسُ النّاطِقَةُ وواسِطَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ البَدَنِ بِها يَصِلُ حُكْمُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ إلَيْهِ، وإلى عَدَمِ التَّغايُرِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيْنِ لِابْنِ عَبّاسٍ، وما رُوِيَ عَنْهُ أوَّلًا في الآيَةِ يُوافِقُ ما ذَكَرْناهُ مِن حَيْثُ ( إنَّ ) النَّفْسُ عَلَيْهِ لَيْسَتْ بِمَعْنى الجُمْلَةِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وادَّعى أنَّ الصَّحِيحَ ما ذَكَرَهُ دُونَ هَذا المَرْوِيِّ بِدَلِيلِ مَوْتِها ومَنامِها، والضَّمِيرُ لِلْأنْفُسِ وما أُرِيدَ مِنها غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِالمَوْتِ والنَّوْمِ وإنَّما الجُمْلَةُ هي الَّتِي تَتَّصِفُ بِهِما.

وقالَ في الكَشْفِ ولِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ النَّفْسَيْنِ رَأْيٌ يَدْفَعُهُ البُرْهانُ، وإيقاعُ الِاسْتِيفاءِ أيْضًا لا بُدَّ لَهُ مِن تَأْوِيلٍ أيْضًا فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنِ المَشْهُورِ المُلائِمِ يَعْنِي حَمْلَ التَّوَفِّي عَلى الأمانَةِ فَإنَّ أصْلَهُ أخْذُ الشَّيْءِ مِنَ المُسْتَوْفى مِنهُ وافِيًا كَمِلًا وسَلْبُهُ مِنهُ بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإماتَةِ لِما أنَّهُ مَوْجُودٌ فِيها حَتّى صارَتِ المُتَبادِرَةَ إلى الفَهْمِ مِنهُ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ، والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الآثارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ المُتَوَفّى في الأنْفُسِ الَّتِي تُقابِلُ الأبْدانَ دُونَ الجُمْلَةِ.

أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ فَلْيَنْفُضْهُ بِداخِلَةِ إزارِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَّفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ الصّالِحِينَ مِن عِبادِكَ»» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي قَتادَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم لَيْلَةَ الوادِي: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قَبَضَ أرْواحَكم حِينَ شاءَ ورَدَّها عَلَيْكم حِينَ شاءَ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: ««كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سِفْرٍ فَقالَ: مَن يَكْلَؤُنا اللَّيْلَةَ ؟

فَقُلْتُ: أنا فَنامَ ونامَ النّاسُ ونِمْتُ فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ إلّا بِحَرِّ الشَّمْسِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيُّها النّاسُ إنَّ هَذِهِ الأرْواحَ عارِيَةٌ في أجْسادِ العِبادِ فَيَقْبِضُها اللَّهُ إذا شاءَ ويُرْسِلُها إذا شاءَ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: العَجَبُ مِن رُؤْيا الرَّجُلِ أنَّهُ يَبِيتُ فَيَرى الشَّيْءَ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ عَلى بالٍ فَتَكُونُ رُؤْياهُ كَأخْذٍ بِاليَدِ ويَرى الرَّجُلُ الرُّؤْيا فَلا تَكُونُ رُؤْياهُ شَيْئًا فَقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ تَعالى وجْهَهُ: أفَلا أُخْبِرُكَ بِذَلِكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟

يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فاللَّهُ تَعالى يَتَوَفّى الأنْفُسَ كُلَّها فَما رَأتْ وهي عِنْدَهُ سُبْحانَهُ في السَّماءِ فَهي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ وما رَأتْ إذا أُرْسِلَتْ إلى أجْسادِها فَهي الكاذِبَةُ لِأنَّها إذا أُرْسِلَتْ إلى أجْسادِها تَلَقَّتْها الشَّياطِينُ في الهَواءِ فَكَذَبَتْها وأخْبَرَتْها بِالأباطِيلِ فَكَذَبَتْ فِيها فَعَجِبَ عُمَرُ مِن قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وظاهِرُ هَذا الأثَرِ أنَّ النَّفْسَ النّائِمَةَ المَقْبُوضَةَ تَكُونُ في السَّماءِ حَتّى تُرْسَلَ، ومِثْلُ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِ النَّفْسِ ولا يَجِبُ عَلى القَوْلِ الآخَرِ.

نَعَمْ لَعَلَّكَ تَخْتارُهُ وكَأنَّكَ تَقُولُ: إنَّ النَّفْسَ شَرِيفَةٌ عُلْوِيَّةٌ هَبَطَتْ مِنَ المَحَلِّ الأرْفَعِ وأُرْسِلَتْ مِن حِمى مُمَنَعٍ وشُغِلَتْ بِتَدْبِيرِ مَنزِلِها في نَهارِها ولَيْلِها ولَمْ تَزَلْ تَنْتَظِرُ فُرْصَةَ العَوْدِ إلى ذِياكَ الحِمى والمَحَلِّ الرَّفِيعِ الأسْمى وعِنْدَ النَّوْمِ تَنْتَهِزُ تِلْكَ الفُرْصَةَ وتَهُونُ عَلَيْها في الجُمْلَةِ هاتِيكَ الغُصَّةُ فَيَحْصُلُ لَها نَوْعُ تَوَجُّهٍ إلى عالَمِ النُّورِ ومَعْلَمِ السُّرُورِ الخالِي مِنَ الشُّرُورِ بِحَيْثُ تَسْتَعِدُّ اسْتِعْدادًا ما لِقَبُولِ بَعْضِ آثارِهِ والِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ مِن أنْوارِهِ وجَعْلُها كَذَلِكَ هو قَبْضُها وبِهِ لَعَمْرِي بَسْطُها وقَبْضُها، فَمَتى رَأتْ وهي راجِعَةٌ في تِلْكَ الحالِ مُسْتَفِيضَةٌ مِن ذَلِكَ العالَمِ المَوْصُوفِ بِالكَمالِ رُؤْيا كانَتْ صادِقَةً ومَتى رَأتْ وهي القَهْقَرى إلى ما ابْتُلِيَتْ بِهِ مِن تَدْبِيرِ مَنزِلٍ تَحُومُ فِيهِ شَياطِينُ الأوْهامِ وتَزْدَحِمُ فِيهِ أيَّ ازْدِحامٍ كانَتْ رُؤْياها كاذِبَةً ثُمَّ إنَّها في كِلا الحالَيْنِ مُتَفاوِتَةُ الإفْرادُ فِيما يَكُونُ مِنَ الِاسْتِعْدادِ، والوُقُوفِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ لا يَتِمُّ إلّا بِالكَشْفِ دُونَ القِيلِ والقالِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ، والإفْرادُ لِتَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ أوْ نَحْوِهِ، وصِيغَةُ البَعِيدِ بِاعْتِبارِ مَبْدَئِهِ أوْ تَقَضِّي ذِكْرِهِ أوْ بُعْدِ مَنزِلَتِهِ، والتَّنْوِينُ في ( آياتٍ ) لِلتَّكْثِيرِ والتَّعْظِيمِ أيْ أنَّ فِيما ذَكَرَ الآياتِ كَثِيرَةً عَظِيمَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وشُمُولِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الأنْفُسِ بِالأبْدانِ وتَوَفِّيها عَنْها تارَةً بِالكُلِّيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ وإمْساكُها باقِيَةً لا تَفْنى بِفَنائِها إلى أنْ يُعِيدَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ وما يَعْتَرِيها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وأُخْرى عَنْ ظَواهِرِها فَقَطْ كَما عِنْدَ النَّوْمِ وإرْسالُها حِينًا بَعْدَ حِينٍ إلى انْقِضاءِ آجالِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فعل ذلك، قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: ما تعبدون من دون الله من الآلهة، إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ يعني: إنْ أصابني الله ببلاء، ومرض في جسدي، وضيق في معيشتي، أو عذاب في الآخرة، هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ يعني: هل تقدر الأصنام على دفع ذلك عني، أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ أي: بنعمة، وعافية، وخير، هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ يعني: هل تقدر الأصنام على دفع تلك الرحمة عني.

قرأ أبو عمر: كَاشِفَاتٌ.

بالتنوين، ضُرَّهُ: بالنصب، مُمْسِكَاتٌ: بالتنوين، رَحْمَتَهُ: بالنصب، والباقون: بغير تنوين، وكسر ما بعده على وجه الإضافة.

فمن قرأ بالتنوين: نصب ضره ورحمته، لأنه مفعول به قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ يعني: يكفيني الله من شر آلهتكم.

ويقال: حَسْبِيَ اللَّهُ يعني: أثق به عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي: فوضت أمري إلى الله، عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ أي: يثق به الواثقون.

فأنا متوكل، وعليه توكلت.

قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي: في منازلكم.

ويقال: عَلى مَكانَتِكُمْ أي: على قدر طاقتكم، وجهدكم، إِنِّي عامِلٌ في إهلاككم.

لأنهم قالوا له: إن لم تسكت عن آلهتنا، نعمل في إهلاكك.

فنزل: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إهلاكي في مكانتكم إِنِّي عامِلٌ في إهلاككم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ من نجا، ومن هلك.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر: مكاناتكم بلفظ الجماعة.

والباقون: مَكانَتِكُمْ والمكانة، والمكان واحد.

مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي: من يأتيه عذاب الله، يهلكه، وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ أي: دائم لا ينقطع أبداً.

إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ يعني: أنزلنا عليك جبريل بالقرآن للناس بالحق.

يعني: لتدعو الناس إلى الحق، وهو التوحيد فَمَنِ اهْتَدى أي: وحّد، وصدق بالقرآن، وعمل بما فيه فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي: ثواب الهدى لنفسه، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها يعني: أعرض ولم يؤمن بالقرآن، فقد أوجب العقوبة على نفسه.

وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ يعني: ما أنت يا محمد عليهم بحفيظ.

ويقال: بمسلط.

وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها قال الكلبي: الله يقبض الأنفس عند موتها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فيقبض نفسها إذا نامت أيضاً، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ فلا يردها، وَيُرْسِلُ الْأُخْرى التي لم تبلغ أجلها، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي: يردها إلى أجلها.

وقال مقاتل: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ عند أجلها، والتي قضى عليها الموت، فيمسكها عن الجسد.

على وجه التقديم وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فتلك الأخرى التي أرسلها إلى الجسد، إلى أجل مسمى.

وقال سعيد بن جبير: الله يقبض أنفس الأحياء، والأموات.

فيمسك أنفس الأموات، ويمسك أنفس الأحياء إلى أجل مسمى.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي: يعتبرون.

قرأ حمزة والكسائي: قُضِيَ عليها بضم القاف، وكسر الضاد، وفتح الياء، وبضم التاء في الموت، على فعل ما لم يسم فاعله.

والباقون: قَضى عَلَيْهَا بالنصب.

يعني: قضى الله عليها الموت، ونصب الموت لأنه مفعول به.

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ الميم صلة.

معناه: اتخذوا.

فاللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ والزجر.

فقال: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ يعني: يعبدون الأصنام، لكي تشفع لهم.

قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ يعني: يعبدونهم، وإن كانوا لا يعقلون شيئاً.

قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً أي: قل يا محمد: لله الأمر والإذن في الشفاعة، وهذا كقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] وكما قال: يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ [طه: 109] .

ثم قال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض.

ويقال: نفاذ الأمر في السموات والأرض.

وله نفاذ الأمر في السموات والأرض.

ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ يعني: إذا قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، اشمأزت.

قال مقاتل: يعني: انقبضت عن التوحيد.

وقال الكلبي: أعرضت، ونفرت.

وقال القتبي: العرب تقول: اشمأز قلبي من فلان.

أي: نفر منه.

قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: لا يصدقون بيوم القيامة.

وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني: الآلهة إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بذكرها.

وذلك أنه حين قرأ النبي  سورة النجم، وذكر آلهتهم استبشروا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: لِيُكَفِّرَ يحتملُ أن يَتَعَلَّقَ بقوله: الْمُحْسِنِينَ أي: الذين أحسنوا، لكَيْ يُكَفِّرَ وقاله ابن زيد «١» ، ويحتملُ أن يتعلَّقَ بفعلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مما قَبْلَهُ تقديرهُ:

يَسَّرَهُمُ اللَّهُ لذلكَ لِيُكَفِّرَ، لأنَّ التَّكْفِيرَ لاَ يكونُ إلا بَعْدَ التّيسير للخير.

وقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ تقوِيَةٌ لنفس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: «عباده» «٢» يريد الأنبياءَ، وأنتَ يَا محمدُ أحدُهُمْ، فيدخلُ في ذلكَ المُؤْمِنُونَ المطيعُونَ والمتوكِّلُونَ على اللَّه سُبْحَانَهُ.

وقوله سبحانه: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أيْ: بالذين يَعْبُدُونَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وقد تقدَّم تفسيرُ نظيرِهِ.

وقوله تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، أيْ: فلنفسه عَمِلَ وسعى، ومَنْ ضَلَّ فَعَلَيْهَا جنى، ثم نبَّه تعالى على آية مِنْ آياته الكبرى، تدِلُّ الناظِرَ على الوحدانيَّةِ، وأنَّ ذلك لا شِرْكَةَ فيه لِصَنَمٍ، وهي حالةُ التَّوَفِّي، وذلكَ أَنَّ ما تَوَفَّاهُ اللَّهُ تعالى على الكَمَالِ، فهو الذي يَمُوتُ، وما تَوَفَّاهُ تَوفِّياً غَيرَ مُكَمَّلٍ فهو الذي يكونُ في النَّوْم، قال ابن زيد: النوم وفاة

والموتُ وفاة «١» وكثَّرَ الناسُ في هذه الآية، وفي الفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ، وَفَرَقَ قَوْمٌ بَيْنَ نَفْسِ التمييزِ ونفس التخيُّل إلى غير ذلك مِن الأقوال التي هي غَلَبةُ ظَنٍّ، وحقيقةُ الأمْرِ في هذا هي مما استأثر اللَّه به وَغَيَّبَهُ عن عِبَادِهِ في قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:

٨٥] ، ويكفيكَ أن في هذه الآية يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ، وفي الحديثِ الصحيحِ: إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرْوَاحَنَا حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْنَا حِينَ شَاءَ «٢» .

وفي حديث بلالٍ في الوَادي فقد نطقتِ الشريعةُ بقَبْضِ الرُّوحِ والنَّفْس، وقد قال تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي والظاهرُ أنَّ الخَوْضَ في هذا كُلِّهِ عَنَاءٌ، وإنْ كَان قَد تعرَّضَ للقَوْلِ في هذا ونحوه أئمةٌ، ذَكَرَ الثعلبيُّ عن ابن عباس أنه قال: «في ابن آدم نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُمَا مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فالنَّفْسُ هِيَ الَّتي بها العَقْلُ والتمييزُ، والرُّوحُ هي التي بها النَّفَسُ والتَّحَرُّكُ، فإذا نام العَبْدُ قَبَضَ اللَّهُ تعالى نَفْسَهُ ولم يَقْبِضْ رُوحَه» «٣» ، وجاءَ في آداب النَّوم وأذكار النائِم أحاديثُ صحيحةٌ ينبغي للعبدِ ألاَّ يُخْلِيَ نفسَه مِنها، وقد روى جابرُ بن عبد اللَّه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «إذا أَوَى الرَّجُلُ إلى فِرَاشِهِ، ابتدره مَلَكٌ وَشَيْطَانٌ، فيقُولُ المَلَكُ: اختم بِخَيْرٍ، ويقُولُ الشَّيْطَانُ:

اختم بِشَرٍّ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تعالى، ثُمَّ نَامَ بَاتَ المَلَكُ يَكْلَؤُهُ، فَإنِ استيقظ قال الملكُ:

افتح بِخَيْرٍ، وَقَالَ الشَّيْطَانُ: افتح بِشَرٍّ، فإنْ قَالَ: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَدَّ إلَيَّ نَفْسِي، وَلَمْ يُمِتْهَا في مَنَامِهَا، الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، وَلَئِنْ زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ/ إلاَّ بِإذْنِهِ، إنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فإن وَقَعَ مِنْ سَرِيرهِ، فَمَاتَ، دَخَلَ الجنة» «٤» ، رواه

النسائي، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك» وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ، وقال الحاكم:

صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، وزاد آخره: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» انتهى من «السِّلاح» ، وفيه عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: مَنْ قَالَ حِينَ يَأوِي إلى فِرَاشِهِ: «لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، - غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ أَوْ خَطَايَاهُ- شَكَّ مِسْعَرٌ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» «١» رواه ابن حِبَّان في «صحيحه» ، ورواه النسائي موقوفاً، انتهى، وروى التِّرمذيُّ عن أبي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ: «مَنْ أوى إلى فِرَاشِهِ طَاهِراً يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يسألُ اللَّهَ شَيْئاً مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاهُ» «٢» ، انتهى، والأجَلُ المسمّى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ﴾ أيْ: يَقْبِضُ الأرْواحَ حِينَ مَوْتِ أجْسادِها ﴿ والَّتِي لَمْ تَمُتْ ﴾ أيْ: ويَتَوَفّى الَّتِي لَمْ تَمُتْ ﴿ فِي مَنامِها ﴾ .

﴿ فَيُمْسِكُ ﴾ أيْ: عَنِ الجَسَدِ [والنَّفْسِ] ﴿ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قُضِيَ" بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ الياءِ، "المَوْتُ" بِالرَّفْعِ.

﴿ وَيُرْسِلُ الأُخْرى ﴾ إلى الجَسَدِ ﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو انْقِضاءُ العُمْرِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في أمْرِ البَعْثِ.

ورَوى [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ وأرْواحُ الأمْواتِ في المَنامِ، فَيَتَعارَفُونَ ويَتَساءَلُونَ، ثُمَّ تُرَدُّ أرْواحُ الأحْياءِ إلى أجْسادِها، فَلا يُخْطَأُ بِشَيْءٍ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أُخْرى: في ابْنِ آَدَمَ نَفْسٌ ورُوحٌ، فَبِالنَّفْسِ العَقْلُ والتَّمْيِيزُ، وبِالرُّوحِ النَّفَسُ والتَّحْرِيكُ، فَإذا نامَ العَبْدُ، قَبَضَ اللَّهُ نَفْسَهُ ولَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: في الإنْسانِ رُوحٌ ونَفْسٌ، بَيْنَهُما حاجِزٌ، فَهو تَعالى يَقْبِضُ النَّفْسَ عِنْدَ النَّوْمِ يَرُدُّها إلى الجَسَدِ عِنْدَ الِانْتِباهِ، فَإذا أرادَ إماتَةَ العَبْدِ في نَوْمِهِ، لَمْ يَرُدَّ النَّفْسَ وقَبَضَ الرُّوحَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ فَرْقٌ؟

عَلى قَوْلَيْنِ قَدْ ذَكَرْتُهُما في "الوُجُوهِ والنَّظائِرِ"، وزِدْتُ هَذِهِ الآَيَةَ شَرْحًا في بابِ التَّوَفِّي في كِتابِ "النَّظائِرِ" .

وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ التَّوَفِّيَ المَذْكُورَ في حَقِّ النّائِمِ هو نَوْمُهُ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنُ الأنْبارِيِّ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ مَعْنى تُوُفِّيَ النّائِمُ: قَبْضُ نَفْسِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، وإرْسالُها: إطْلاقُها بِاليَقَظَةِ لِلتَّصَرُّفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ اللهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ هَذا إعْلامٌ بِعُلُوِّ مَكانَةِ مُحَمَّدٍ  واصْطِفاءِ رَبِّهِ لَهُ.

و"الكِتابَ": القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: مُضَمَّنًا الحَقَّ في أخْبارِهِ وأحْكامِهِ، والآخَرُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالواجِبِ مِن إنْزالِهِ، وبِالِاسْتِحْقاقِ لِذَلِكَ، لِما فِيهِ مِن مَصْلَحَةِ العالَمِ وهِدايَةِ الناسِ، وكَأنَّ هَذا الَّذِي فَعَلَ اللهُ تَعالى مِن إنْزالِ كِتابٍ إلى عَبْدِهِ هو إقامَةُ حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ، وبَقِيَ تَكَسُّبُهم بَعْدُ إلَيْهِمْ، فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ عَمِلَ وسَعى، ومَن ضَلَّ فَعَلَيْها جَنى.

والهُدى والضَلالُ إنَّما لِلَّهِ تَعالى فِيهِما خَلْقٌ واخْتِراعٌ، ولِلْعَبْدِ تَكَسُّبٌ، عَلَيْهِ يَقَعُ الثَوابُ أوِ العِقابُ.

وأخْبَرَ نَبِيَّهُ أنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ ولا مُسَيْطِرٍ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ عَلى الأمْرِ حَتّى يُكْمِلَهُ.

ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى آيَةٍ مِن آياتِهِ الكُبْرى تَدُلُّ الناظِرَ عَلى الوِحْدانِيَّةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا شِرْكَ فِيهِ لِصَنَمٍ، وهي حالَةُ التَوَفِّي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى ما تَوَفّاهُ عَلى الكَمالِ فَهو الَّذِي يَمُوتُ، وما تَوَفّاهُ تَوَفِّيًا غَيْرَ مُكْمَلٍ فَهو الَّذِي يَكُونُ في النَوْمِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: النَوْمُ وفاةٌ، والمَوْتُ وفاةٌ، وكَثَّرَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى، فَفَرَّقَتْ بَيْنَ النَفْسِ والرُوحِ، وفَرَّقَ قَوْمٌ أيْضًا بَيْنَ نَفْسِ التَمْيِيزِ ونَفْسِ التَخَيُّلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي هي غَلَبَةُ ظَنٍّ، وحَقِيقَةُ الأمْرِ في هَذا هي مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ وغَيَّبَهُ عن عِبادِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلِ الرُوحُ مِن أمْرِ رَبِّي  ﴾ ، ويَكْفِيكَ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ "يَتَوَفّى الأنْفُسَ"، ﴾ وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ «إنَّ اللهَ قَبَضَ أرْواحَنا حِينَ شاءَ، ورَدَّها عَلَيْنا حِينَ شاءَ،» في حَدِيثِ بِلالٍ في الوادِي، فَقَدْ نَطَقَتِ الشَرِيعَةُ بِقَبْضِ الرُوحِ والنَفْسِ في النَوْمِ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ قُلِ الرُوحُ مِن أمْرِ رَبِّي  ﴾ ، فَظاهِرٌ أنَّ التَفْصِيلَ والخَوْضَ في هَذا كُلِّهُ عَناءٌ، وإنْ كانَ قَدْ تَعَرَّضَ لِلْقَوْلِ في هَذا ونَحْوِهِ الأئِمَّةُ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: في ابْنِ آدَمَ نَفْسٌ بِها العَقْلُ والتَمْيِيزُ، وفِيهِ رُوحٌ بِها التَنَفُّسُ والتَحَرُّكُ، فَإذا نامَ العَبْدُ قَبَضَ اللهُ نَفْسَهُ ولَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ.

و"الأجَلُ المُسَمّى" في هَذِهِ الآيَةِ: هو عُمْرُ كُلِّ إنْسانٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ قَضى عَلَيْها ﴾ بِفَتْحِ القافِ والضادِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [قُضِيَ عَلَيْها] بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضادِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وعِيسى.

ثُمَّ أحالَ أهْلَ الفِكْرَةَ عَلى النَظَرِ في هَذا ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ مِنَ البَيِّنِ أنَّ هَذِهِ القُدْرَةَ لا يَمْلِكُها إلّا الواحِدُ الصَمَدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يصلح هذا أن يكون مثَلاً لحال ضلال الضالين وهُدى المهتدين نشأ عن قوله: ﴿ فمن اهتدى فلنفسه إلى قوله: وما أنت عليهم بوكيل ﴾ [الزمر: 41].

(والمعنى: أن استمرار الضالّ على ضلاله قد يحصل بعدَه اهتداء وقد يوافيه أجله وهو في ضلاله فضرب المثل لذلك بنوم النائم قد تعقبه إفاقة وقد يموت النائم في نومه، وهذا تهوين على نفس النبي برجاء إيمان كثير ممن هم يومئذٍ في ضلال وشرك كما تَحقّقَ ذلك.

فتكون الجملة تعليلاً للجملة قبلَها ولها اتصال بقوله: ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام ﴾ إلى قوله: ﴿ في ضلال مبين ﴾ [الزمر: 22].

ويجوز أن يكون انتقالاً إلى استدلال على تفرد الله تعالى بالتصرف في الأحوال فإنه ذكر دليل التصرف بخلق الذوات ابتداءً من قوله: خلق السموات والأرض بالحق إلى قوله: ﴿ في ظُلُمات ثَلاث ﴾ [الزمر: 5، 6]، ثم دليل التصرف بخلق أحوال ذواتتٍ وإنشاءِ ذواتتٍ من تلك الأحوال وذلك من قوله: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض إلى قوله: ﴿ لأُولى الألباب ﴾ [الزمر: 21] وأعقَبَ كل دليل بما يظهر فيه أثره من الموعظة والعبرة والزجر عن مخالفة مقتضاه، فانتقل هنا إلى الاستدلال بحالة عجيبة من أحوال أنفُس المخلوقات وهي حالة الموت وحالة النوم.

وقد أنبأ عن الاستدلال قوله: إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ، فهذا دليل للناس من أنفسهم، قال تعالى: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ [الذاريات: 21] وقال: ﴿ ضرب لكم مثلاً من أنفسكم ﴾ [الروم: 28]، فتكون الجملة استئنافاً ابتدائياً للتدرج في الاستدلال ولها اتصال بجملة خلق السموات والأرض بالحق } وجملة ﴿ ألم تر أن الله أنزل ﴾ المتقدمتين، وعلى كلا الوجهين أفادت الآية إبراز حقيقتين عظيمتين من نواميس الحياتين النفسية والجسدية وتقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي لإِفادة تخصيصه بمضمون الخبر، أي الله يتوفّى لا غيره فهو قصر حقيقي لإِظهار فساد أَنْ أشركوا به آلهة لا تملك تصرفاً في أحوال الناس.

والتوفِّي: الإماتة، وسميت توفّياً لأن الله إذا أَمات أحداً فقد توفّاه أجلَه فالله المتوفِّي ومَلك الموت متوفًّ أيضاً لأنه مباشر التوفّي.

والميت: متوفى بصيغة المفعول، وشاع ذلك فصار التوفّي مرادفاً للإِماتة والوفاة مُرادفة للموت بقطع النظر عن كيفية تصريف ذلك واشتقاقه من مادة الوفاء.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ في سورة [البقرة: 234]: وقوله: ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت ﴾ في سورة [السجدة: 11].

والأنفس: جمع نَفْس، وهي الشخص والذات قال تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون } وتطلق على الروح الذي به الحياة والإِدراك.

ومعنى التوفي يتعلق بالأنفس على كلا الإِطلاقين.

والمعنى: يتوفّى الناس الذين يموتون فإن الذي يوصف بالموت هو الذات لا الروح وأنَّ توفيها سَلب الأرواح عنها.

وقوله: ﴿ والتي لم تمت ﴾ عطف على الأنفس باعتبار قيد ﴿ حين موتها ﴾ لأنه في معنى الوصف فكأنه قيل يتوفى الأنفس التي تموت في حالة نومها، والأنفسَ التي لم تمت في نومها فأفاقت.

ويتعلق ﴿ في منامها ﴾ بقوله: ﴿ يَتَوفَّى ﴾ ، أي ويتوفى أنفساً لم تمت يَتوفاها في منامها كل يوم، فعلم أن المراد بتوفِّيها هو منامها، وهذا جار على وجه التشبيه بحسب عرف اللغة إذ لا يطلق على النائم ميّت ولا متوفى.

وهو تشبيه نُحِيَ به منحَى التنبيه إلى حقيقة علمية فإن حالة النوم حالة انقطاع أَهم فوائد الحياة عن الجسد وهي الإِدراك سوى أن أعضاءه الرئيسيّة لم تفقد صلاحيتها للعودة إلى أعمالها حينَ الهبوب من النوم، ولذلك قال تعالى: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ﴾ كما تقدم في سورة [الأنعام: 60].

(والفاء في فيمسك} فاء الفصيحة لأن ما تقدم يقتضي مقدراً يفصح عنه الفاء لبيان توفي النفوس في المقام.

والإِمساك: الشدّ باليد وعدم تسليم المشدود.

والمعنى: فيبقِي ولا يردّ النفْس التي قضى عليها بالموت، أي يمنعها أن ترجع إلى الحياة فإطلاق الإِمساك على بقاء حالة الموت تمثيل لدوام تلك الحالة.

ومن لطائفه أن أهل الميت يتمنون عود ميتهم لو وجدوا إلى عوده سبيلاً ولكن الله لم يسمح لنفس ماتت أن تعود إلى الحياة.

والإِرسال: الإِطلاق والتمكين من مبارحة المكان للرجوع إلى ما كَان والمراد ب ﴿ الأخرى ﴾ ﴿ التي لم تمت ﴾ ولكن الله جعلها بمنزلة الميتة.

والمعنى: يرد إليها الحياة كاملة.

والمقصود من هذا إبراز الفرق بين الوفاتين.

ويتعلق ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ بفعل ﴿ يرسل ﴾ لما فيه من معنى يرد الحياة إليها، أي فلا يسلبها الحياة كلَّها إلا في أجلها المسمى، أي المعيّن لها في تقدير الله تعالى.

والتسمية: التعيين، وتقدمت في قوله تعالى: ﴿ إذا تداينتم بديْن إلى أجل مسمى فاكتبوه ﴾ في سورة [البقرة: 282].

(هذا هو الوجه في تفسير الآية الخليّ عن التكلفات وعن ارتكاب شبه الاستخدام في قوله: التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى} وعن التقدير.

وجملة ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ مستأنفة كما تذكر النتيجة عقب الدليل، أي أن في حالة الإِماتةِ والإِنامةِ دلائِلَ على انفراد الله تعالى بالتصرف وأنه المستحق للعبادة دون غيره وأن ليس المقصود من هذا الخبر الإِخبار باختلاف حالتي الموت والنوم بل المقصود التفكر والنظر في مضرب المثل، وفي دقائق صنع الله والتذكير بما تنطوي عليه من دقائق الحكمة التي تمر على كل انسان كلَّ يوم في نفسه، وتمرّ على كثير من الناس في آلهم وفي عشائرهم وهم معرضون عما في ذلك من الحكَم وبديع الصنع.

وجُعل ما تدل عليه آياتتٍ كثيرةً لأنهما حالتان عجيبتان ثم في كل حالة تصرف يغاير التصرف الذي في الأخرى، ففي حالة الموت سلب الحياة عن الجسم وبقاء الجسم كالجماد ومَنْعٌ من أن تعود إليه الحياة وفي حالة النوم سلب بعض الحياة عن الجسم حتى يكون كالميت وما هو بميت ثم منح الحياة أن تعود إليه دَوَالَيْك إلى أن يأتي إِبّان سلبها عنه سلباً مستمراً.

و (الآياتُ لقوم يتفكرون) حاصلة على كل من إرادة التمثيل وإرادة استدلال على الانفراد بالتصرف.

وتأكيد الخبر ب ﴿ إنَّ ﴾ لتنزيل معظم الناس منزلة المنكر لتلك الآيات لعدم جريهم في أحوالهم على مقتضى ما تدل عليه.

والتفكر: تكلف الفكرة، وهو معالجة الفكر ومعاودة التدبر في دلالة الأدلة على الحقائق.

وقرأ الجمهور ﴿ قضى عليها الموت ﴾ ببناء الفعل للفاعل ونصب الموت.

وقرأه حمزة والكسائي وخلف ﴿ قُضِي عليها الموت ﴾ ببناء الفعل للنائب وبرفع الموت وهو على مراعاة نزع الخافض.

والتقدير: قضي عليها بالموت، فلما حذف الخافض صار الاسم الذي كان مجروراً بمنزلة المفعول به فجعل نائباً عن الفاعل، أو على تضمين ﴿ قُضِي ﴾ معنى كُتب وقُدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ عِنْدَ تَوَفِّي الأنْفُسِ يَقْبِضُ أرْواحَها مِن أجْسادِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ وهي في مَنامِها يَقْبِضُها عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقاءِ أرْواحِها في أجْسادِها.

﴿ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ﴾ أنّى تَعُودُ الأرْواحُ إلى أجْسادِها.

﴿ وَيُرْسِلُ الأُخْرى ﴾ وهي النّائِمَةُ فَيُطْلِقُها بِاليَقَظَةِ لِلتَّصَرُّفِ إلى أجَلِ مَوْتِها، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: ما حَكاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لِكُلِّ جَسَدٍ نَفْسًا ورُوحًا فَيَتَوَفّى اللَّهُ الأنْفُسَ في مَنامِها بِقَبْضِ أنْفُسِها دُونَ أرْواحِها حَتّى تَتَقَلَّبَ بِها وتَتَنَفَّسَ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ أنْ تَعُودَ النَّفْسُ إلى جَسَدِها ويَقْبِضُ المَوْتُ رُوحَها، ويُرْسِلُ الأُخْرى وهي نَفْسُ النّائِمِ إلى جَسَدِها حَتّى تَجْتَمِعَ مَعَ رُوحِها إلى أجَلِ مَوْتِها.

الثّالِثُ: قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبِضُ أرْواحَ المَوْتى إذا ماتُوا وأرْواحُ الأحْياءِ إذا نامُوا فَتَتَعارَفُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتَعارَفَ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ فَلا يُعِيدُها ويُرْسِلُ الأُخْرى فَيُعِيدُها.

قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما رَأتْهُ نَفْسُ النّائِمِ وهي في السَّماءِ قَبْلَ إرْسالِها إلى جَسَدِها فَهي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ، وما رَأتْهُ بَعْدَ إرْسالِها وقَبْلَ اسْتِقْرارِها في جَسَدِها تُلْقِيها الشَّياطِينُ وتُخَيِّلُ إلَيْها الأباطِيلَ فَهي الرُّؤْيا الكاذِبَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ الله يتوفى الأنفس..

﴾ الآية.

قال: نفس وروح بينهما شعاع الشمس، فيتوفى الله النفس في منامه ويدع الروح في جسده وجوفه يتقلب ويعيش، فإن بدا لله أن يقبضه قبض الروح فمات أو أُخِّر أجله رد النفس إلى مكانها من جوفه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ في العظمة والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها..

﴾ الآية.

قال: يلتقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام فيتساءلون بينهم ما شاء الله تعالى، ثم يمسك الله أرواح الأموات، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ لا يغلط بشيء من ذلك.

فذلك قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها...

﴾ قال: كل نفس لها سبب تجري فيه، فإذا قضى عليها الموت نامت حتى ينقطع السبب ﴿ والتي لم تمت ﴾ تترك.

وأخرج جويبر عن ابن عباس في الآية قال: سبب ممدود بين السماء والأرض، فأرواح الموتى وأرواح الأحياء إلى ذلك السبب، فتعلق النفس الميتة بالنفس الحية، فإذا أذن لهذه الحية بالانصراف إلى جسدها لتستكمل رزقها، أمسكت النفس الميتة وأرسلت الأخرى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن فرقد قال: ما من ليلة من ليالي الدنيا إلا والرب تبارك وتعالى يقبض الأرواح كلها مؤمنها وكافرها.

فيسأل كل نفس ما عمل صاحبها من النهار وهو أعلم، ثم يدعو ملك الموت فيقول: اقبض هذا، واقبض هذا من قضى عليه الموت ﴿ ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سليم بن عامر أن عمر بن الخطاب قال: العجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على باله فتكون رؤياه كأخذ باليد، ويرى الرجل الرؤيا فلا تكون رؤياه شيئاً!

فقال علي بن أبي طالب: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟

يقول الله تعالى ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ﴾ فالله يتوفى الأنفس كلها فما رأت وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها.

فعجب عمر من قوله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أيوب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان نازلاً عليه في بيته حين أراد أن يرقد قال كلاماً لم نفهمه قال: فسألته عن ذلك فقال: «اللهم أنت تتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فتمسك التي قضى عليها الموت، وترسل الأخرى إلى أجل مسمى، أنت خلقتني، وأنت تتوفاني، فإن أنت توفيتني فاغفر لي، وإن أنت أخرتني فاحفظني» .

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل: اللهم باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك ارفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس، ثم قال: «إنكم كنتم أمواتاً فرد الله إليكم أرواحكم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ليلة الوادي: «إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: «من يكلؤنا الليلة؟

فقلت: أنا.

فنام، ونام الناس، ونمت، فلم نستيقظ إلا بحرِّ الشمس.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن هذه الأرواح عارية في أجساد العباد، فيقبضها إذا شاء، ويرسلها إذا شاء» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، فأقام الصلاة ثم صلى بهم.

ثم قال: إذا رقد أحدكم فغلبته عيناه فليفعل هكذا..

فإن الله سبحانه وتعالى ﴿ يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ هذه الآية اعتبار، ومعناها أن الله يتوفى النفوس على وجهين: أحدهما: وفاة كاملة حقيقية وهي الموت، والآخر: وفاة النوم، لأن النائم كالميت في كونه لا يبصر ولا يسمع ومنه قوله: ﴿ وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم باليل ﴾ [الأنعام: 60] وتقديرها ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها ﴿ فَيُمْسِكُ التي قضى عَلَيْهَا الموت ﴾ أي يمسك الأنفس التي قضى عليها بالموت الحقيقي، ومعنى إمساكها أنه لا يردها إلى الدنيا ﴿ وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ أي يرسل الأنفس النائمة، وإرسالها هو ردّها إلى الدنيا، والأجل المسمى هو أجل الموت الحقيقي، وقد تكلم الناس في النفس والروح وأكثروا القول في ذلك بالظن دون تحقيق، والصحيح أن هذا مما استأثر بعلمه الله لقوله: ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 85].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عباده ﴾ على الجمع: يزيد وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أرادني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة.

﴿ كاشفات ﴾ بالتنوين ﴿ ضره ﴾ بالنصب وهكذا ﴿ ممسكات رحمته ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالإضافة فيهما ﴿ قضى عليها ﴾ مجهولاً ﴿ الموت ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا ﴾ بسكون الياء: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وسهل ويعقوب، والوقف للجميع بالياء لا غير.

﴿ يا حسرتاي ﴾ بياء بعد الف: يزيد.

الآخرون: بالألف وحدها ﴿ وينجي الله ﴾ بالتخفيف: روح ﴿ بمفازاتهم ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ تأمروني ﴾ بتشديد النون وفتح الياء: ابن كثير ﴿ تأمرونني ﴾ بنونين وسكون الياء: ابن عامر ﴿ تأمروني ﴾ بنون واحدة وفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بتشديد النون وسكون الياء.

﴿ لنحبطن ﴾ بالنون من الإحباط ﴿ عملك ﴾ بالنصب: يزيد.

الآخرون: على الغيبة وفتح العين ﴿ عملك ﴾ بالرفع ﴿ وسيق ﴾ بضم السين وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس ﴿ فتحت ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل في الحرفين.

الوقوف: ﴿ إذ جاءه ﴾ ط ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بمحذوف كما يجيء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ عبده ﴾ ط ﴿ من دونه ﴾ ط ﴿ من هاد ﴾ ه ج ﴿ مضل ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ حسبي الله ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للابتداء بالنفي مع العطف ﴿ بوكيل ﴾ ه ج ﴿ في منامها ﴾ ج ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شفعاء ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط بناء على أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ بالآخرة ﴾ ط ج فصلاً بين الجملتين مع اتفاقهما نظماً ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ يحتسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ دعانا ﴾ ز فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ منا ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ على علم ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ ما كسبوا ﴾ الأولى ط ﴿ ما كسبوا ﴾ الثانية لا لأن الواو للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ لا تشعرون ﴾ ه لا ﴿ الساخرين ﴾ ه لا ﴿ المتقين ﴾ ه لا ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مسودّة ﴾ ط ﴿ للمتكبرين ﴾ ه ﴿ بمفازتهم ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ز للفصل بين الوصفين تعظيماً مع اتفاق الجملتين ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ الجاهلون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لحق القسم المحذوف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بيمينه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ج بياناً لتراخي النفخة الثانية عن الأولى مع اتفاق الجملتين ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ نشاء ﴾ ج ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولاحتمال جعله حالاً وقد قضى بين الزمرين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: لما ضرب لعبدة الأصنام مثلاً أشار إلى نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو أنهم يضمون على كذبهم على الله بإضافة الشريك والولد إليه تكذيبهم بالصدق يعني الأمر الذي هو الصدق بعينه أي القرآن.

ومعنى ﴿ إذ جاءه ﴾ أنه لم يراع طريقة أهل الإنصاف والتدبر لكنه لما سمع به فاجأه بالتكذيب.

واللام في قوله ﴿ للكافرين ﴾ لهؤلاء المعهودين الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق.

قال جار الله: ويحتمل أن يكون للعموم فيشملهم وغيرهم من الكفرة.

وحين بين وعيدهم عقبه بوعد الصادقين المصدّقين وهم الرسول  وأصحابه.

وقيل: الرسول وأبو بكر والتعميم أولى لقوله ﴿ أولئك هم المتقون ﴾ قوله ﴿ ليكفر ﴾ ظاهره تعلقه بـ ﴿ يشاؤن ﴾ فتكون لام العاقبة.

ويحتمل تعلقه بمحذوف أي جزاؤهم وإكرامهم لأجل ذلك.

قال جار الله: الأسوأ ههنا ليس للتفضيل وإنما هو كقولهم: الأشج أعدل بني مروان.

وفائدة صيغة التفضيل استعظامهم المعصية حتى إن الصغائر عندهم أسوأ أعمالهم.

وقال بعض المفسرين: أراد به الكفر السابق الذي يمحوه الإيمان.

واستدل مقاتل ـ وكان شيخ المرجئة ـ بهذه الآية فإنها تدل على أن من صدّق الأنبياء فإنه  يكفر عنه أسوأ الأعمال التي أتى بها بعد الإيمان والوصف بالتقوى وفيه نظر.

ثم إنهم كانوا يخوّفون المؤمنين والنبي  برفض آلهتهم وتحقيرها.

ويروى أنه بعث خالداً إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إن لها شدّة.

فعمد خالد إليها فهشم أنفها فأنزل الله  ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ أي نبيه بدليل قوله ﴿ ويخوّفونك ﴾ ومن قرأ على الجمع فهي للعموم.

والآيات إلى قوله ﴿ بوكيل ﴾ ظاهرة مع أنها تعلم مما سبق ذكرها مراراً.

والعذاب الخزي عذاب يوم بدر، والعذاب المقيم العذاب الدائم في الآخرة، ومدار هذه الآي على تسلية النبي  ، ثم أكد كون الهداية والضلال من الله  بقوله ﴿ الله يتوفى الأنفس ﴾ وذلك أن الحياة واليقظة تشبه الهداية، والموت والنوم يضاهي الضلال.

فكما أن الحياة والموت واليقظة والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله وتكوينه فكذلك الهداية والضلال، والعارف بهذه الدقيقة عارف بسر الله في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، ففيه تسلية أخرى للنبي  .

وقيل في وجه النظم: إنه تعالى أراد أن يذكر حجة أخرى على إثبات الإله العليم القدير ليعلم أنه أحق بالعبادة من كل ما سواه فضلاً عن الأصنام.

ومعنى الآية أن الله  يتوفى الأنفس حين موتها.

قال جار الله: أراد بالأنفس الجملة كما هي لأنها هي التي تنام وتموت ﴿ و ﴾ يتوفى الأنفس ﴿ التي لم تمت في منامها ﴾ أي يتوفاها حيت تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى كقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل  ﴾ والحاصل أنه يتوفى الأنفس مرتين، مرة عند موتها ومرة عند نومها فتكون "في" متعلقة بـ ﴿ يتوفى ﴾ والتوفي مستعمل في الأول حقيقة وفي الثاني مجازاً، ولم يجوّزه كثير من أئمة الأصول.

وقال الفراء: "في" متعلقة بالموت وتقديره: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها.

ثم بين الفرق بين الحالين بقوله ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الآخرى إلى أجل مسمى ﴾ من غير غلط.

وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها وهو الحياة واليقظة.

وأما في وقت النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس الحياة التي بها النفس وعمل القوى البدنية في الباطن ويفنى ما به التمييز والعقل، وإذا انقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا من القدير الخبير الذي لا شريك له في ملكه ولا نظير، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ ثم كان لمشرك أن يقول: إنما نعبد الأصنام لأنها تماثيل أشخاص كانوا عند الله مقربين فنحن نرجو شفاعتهم فأنكر الله عليهم بقوله ﴿ أم اتخذوا من دون الله ﴾ أي من دون إذنه ﴿ شفعاء ﴾ و "أم" بمعنى "بل"، والهمزة الإنكارية وتقرير الإنكار أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في شفاعة تلك التماثيل وإما في شفاعة من هذه التماثيل تماثيلهم.

والأول باطل لأن هذه الأصنام جمادات لا تملك شيئاً ولا تعقل وأشار إلى هذا المعنى بقوله ﴿ قل أولو كانوا ﴾ يعني أيشفعون ولو كانوا بحيث ﴿ لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ﴾ والثاني أيضاً مستحيل لأن يوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذن الله وهو المراد بقوله ﴿ قل لله الشفاعة ﴾ وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ على الحال.

ولو كان تأكيداً للشفاعة لقيل جمعاء.

وحين قرر أن لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله برهن على ذلك بقوله ﴿ له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ﴾ يوم القيامة ولا ملك في ذلك اليوم إلا له.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال المشركين فقال ﴿ وإذا ذكر الله وحده ﴾ أي منفرداً ذكره عن ذكر آلهتهم ﴿ اشمأزت ﴾ أي نفرت وانقبضت منه ﴿ قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دون ﴾ سواء ذكر الله معهم أو لم يذكر ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ أي فاجأ وقت ذكر آلهتهم وقت استبشارهم.

وفي الآية طباق ومقابلة لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى يظهر أثره في بشرته.

والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه وذلك لاحتباس الروح الحيواني في القلب.

وقيل: معنى الآية أنه إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم.

وفي بعض التفاسير أن هذا إشارة إلى ما روي "أنه  لما قرأ سورة النجم وسوس الشيطان إليه بقوله تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فاستبشر المشركون وسجدوا" .

ولما حكى عنهم هذا الجهل الغليظ والحمق الشديد وهو الاشمئزاز عن ذكره من ذكره رأس السعادات وعنوان الخيرات والاستبشار بذكر أخس الأشياء وهي الجمادات، أمر رسوله بهذا الدعاء ﴿ اللهم فاطر السموات والأرض ﴾ وهو وصفه بالقدرة التامة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ وهو نعته بالعلم الكامل.

وإنما قدم وصفه بالقدرة على وصفه بالعلم لأن العلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً كما بين في أصول الدين وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف ﴿ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم بالشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل فلا حيلة في إزالته إلا باستعانة القدير العليم.

عن عائشة أن رسول الله  كان يفتتح صلاته بالليل فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم.

وعن الربيع بن خثيم.

وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين  وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أوقد فعلوا وقرأه هذه الآية.

وروي أنه قال على أثره: قتل من كان النبي  يجلسه في حجره ويضع فاه في فيه.

ثم ذكر وعيدهم على ذلك المذهب الباطل بقوله ﴿ ولو أن للذين ظلموا ﴾ أي بالشرك وقد مر نظير الآية مراراً أوّلها في آل عمران وفيه قوله ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ نظير قوله في أهل الوعد ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ وقيل: عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات.

يروى أن محمد بن المنكدر جزع عند موته فقيل له في ذلك فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم يكن في حسباني.

وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء.

ثم صرح بما أبهم قائلاً ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا ﴾ و "ما" موصولة أو مصدرية أي ظهرت لهم سيئات أعمالهم التي اكتسبوها، أو سيئات كسبهم وذلك عند عرض الصحائف أو غير ذلك من المواقف.

وجوّز أهل البيان أن يراد بالسيئات جزاء أفعالهم كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ وإنما قال في الجاثية ﴿ سيئات ما عملوا  ﴾ لمناسبة ألفاظ العمل، وههنا قد وقع من ألفاظ الكسب.

ثم حكى نوعاً آخر من قبيح أعمالهم قائلاً ﴿ فإذا مسّ الإنسان ﴾ وقد مر مثله في مواضع أقر بها أول السورة إلا أنه ذكر ههنا بفاء التعقيب لأن هذا مناقض لما حكى عنهم عن قريب وهو أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده فكيف التجأوا إليه وحده عند ضر يصيبهم.

ومعنى ﴿ أوتيته على علم ﴾ أوتيته على علم لله بكوني مستحقاً لذلك أو على علم عندي صار سبباً لهذه المزية ككسب وصنعة ونحو ذلك.

ولا شك أن هذا نوع من الغرور فلهذا قال  ﴿ بل هي فتنة ﴾ بلاء واختبار يتميز بها الشاكر عن الكافر.

ذكر الضمير أوّلاً بتأويل المخوّل وأنثه ثانياً بتأويل النقمة.

ثم أشار بقوله ﴿ قد قالها ﴾ أي مجموع الكلمة التي صدرت عنهم و ﴿ الذين من قبلهم ﴾ هم قارون وقومه حيث ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي  ﴾ وقومه راضون بها فكأنهم قالوها.

ويجوز أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها ﴿ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ من الأموال أو من المعاصي وأشار بقوله ﴿ هؤلاء ﴾ إلى أهل مكة أصابهم قتل في يوم بدر وغيره وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم: أولم يعلموا أن الباسط والقابض هو الله وحده؟

وذلك أن انتهاء الحوادث المتسلسلة يجب أن يكون إلى إرادته ومشيئته، ولا ينافي هذا توسيط عالم الأسباب وأن يكون للكواكب كلها تأثيرات في عالمنا هذا بإذن مبدعها وفاطرها.

وقول الشاعر: فلا السعد يقضي به المشتري *** ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السماء *** وقاضي القضاة  وجل كلام من غير تبين واستبصار بسر القدر.

والذي يشكك به الإمام فخر الدين الرازي من أنه قد يولد إنسانان في طالع واحد ثم يصير أحدهما في غاية السعادة والآخر في غاية الشقاوة كلام غير محقق، لأنا لو سلمنا وقوع ذلك فلاختلاف القابل، وليس تأثير العامل السماوي في طالع ولد السلطان مثله في طالع ولد الحمامي، وكذا اختلافات أخر لا نهاية لها.

نعم لو ادعى عسر إدراك جميع الجزئيات فلا نزاع في ذلك إلا المنتفع بما ينتفع به عليه أن يقنع بما يصل إليه فهمه فلكل شيء حد وفوق كل ذي علم عليم.

وحين أطنب في الوعيد أردفه ببيان كمال رحمته ومغفرته فقال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبدالأوثان وقتل النفس التي حرم الله لن يغفر له ونحن قد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس فأنزل الله هذه الآية.

وعن ابن عمر: نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم عذبوا فارتدوا فنزلت فيهم، وكان عمر كاتباً فكتبها إلى عياش والوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.

وقيل: نزلت بالمدينة في وحشيّ وقد سبق.

ثم إن قلنا: العباد عام فالإسراف على النفس يعم الشرك، ولا نزاع أن عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطاً بالتوبة والإيمان.

وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختص بالمؤمنين فالإسراف إما بالصغائر ولا خلاف في أنها مكفرة ما اجتنبت الكبائر، وأما بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين.

فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو وقد مر مراراً.

عن رسول الله  : "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟

فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات" رواه في الكشاف.

وعلى هذا يكون مخصوصاً بشرط الإيمان.

ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات الرحمة: أوّلها تسمية المذنب عبداً والعبودية تشعر بالاختصاص مع الحاجة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضة الجود والرحمة على المساكين.

وثانيها من جهة الإضافة الموجبة للتشريف.

وثالثها من جهة وصفهم بقوله ﴿ الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ كأنه قال يكفيهم من تلك الذنوب عود مضرتها عليهم لا عليّ.

ورابعها نهاهم عن القنوط، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم.

وخامسها قوله ﴿ من رحمة الله ﴾ مع إمكان الاقتصار على الضمير بأن يقول "من رحمتي" فإيراد أشرف الأسماء في هذا المقام يدل على أعظم أنواع الكرم واللطف.

وسادسها تكرير اسم الله  في قوله ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ مع تصدير الجملة بـ "إن"، ومع إيراد صيغة المضارع المنبئة عن الاستمرار، ومع تأكيد الذنوب بقوله ﴿ جميعاً ﴾ أي حال كونها مجموعة.

وسابعها إرداف الجملة بقوله ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ ومع ما فيه من أنواع المؤكدات ومع جميع ذلك لم يخل الترغيب عن الترهيب ليكون رجاء المؤمن مقروناً بخوفه فقال ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ وذلك أن الأشاعرة أيضاً يجوّزون أن يدخل صاحب الكبيرة النار مدة ثم يخرج منها.

ومع احتمال هذا العذاب يجب الميل إلى الإنابة والإخلاص لله في العمل على أن الخوف للتقصير في الطاعة يكفي عن الخوف للتصريح بالمعصية، وللصديقين في الأول مندوحة عن الثاني.

وقال بعضهم: إن الكلام قد تم على الآية الأولى، ثم خاطب الكفار بهذه الآيات من قوله ﴿ وأنيبوا ﴾ والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا كما للأمم السابقة، وإما الموت لأنه أول أهوال الآخرة.

وقوله ﴿ أحسن ما أنزل إليكم ﴾ كقوله ﴿ يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ وقد مر الأقوال فيه.

وحين خوّفهم بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون؟

فذكر ثلاثة أنواع من الكلمات: الأوّل أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول أو لئلا.

تقول.

قال جار الله: إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم.

وجوز أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله "رب وفد أكرمته".

﴿ يا حسرتا على ما فرّطت ﴾ أي قصرت.

والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدّم ﴿ في جنب الله ﴾ واعلم أن بعض أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله  ولا يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل.

والصحيح ما ذهب إليه علماء البيان أن هذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله: إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج وتقول: لمكانك فعلت كذا.

أي لأجلك.

وفي الحديث "من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل" ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر، وللمفسرين فيه عبارات.

قال ابن عباس: أي ضيعت من ثواب الله.

وقال مقاتل: ضيعت من ذكر الله.

وقال مجاهد: في أمر الله.

وقال الحسن: في طاعة الله.

وعن سعيد بن جبير: في حق الله.

وقيل: في قرب الله من الجنة من قوله ﴿ والصاحب بالجنب  ﴾ وقال ابن جبير: في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد جانب وجنب.

والتحقيق في المسألة أن الشيء الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه كأنه حدّ من حدوده وجانب من جوانبه، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في الآية على أحد هذه المضافات.

قال الشاعر وهو سابق البربري: أما لتقين الله في جنب عاشق.

*** له كبد حرّى عليك تقطع؟

ثم زاد في التحسر بقوله ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ أي المستهزئين بالقرآن والنبي والمؤمنين.

"إن" مخففة، واللام فارقة، والواو تحتمل العطف والحال.

قال قتادة.

لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدّقين.

النوع الثاني من كلمات النفس المعذبة ﴿ لو أن الله هداني ﴾ يجوز أن يقول مرة هذا ومرة ذلك، أو يكون قائل كل من الكلمتين بعد أخرى والمعنى لو أرشدني إلى دينه.

﴿ لكنت من المتقين ﴾ النوع الثالث قوله عند رؤية العذاب ﴿ لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ قال جار الله: لما حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب وهو الثاني، صح أن تقع "بلى" جواباً له مع أنه غير منفي، لأن قوله ﴿ لو أن الله هداني ﴾ في معنى ما هديت.

قلت: هذا يصلح جواباً للقولين الثاني والثالث أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة، فإن عدم القابلية وكونه واقعاً في جانب القهر لن يزول عنه.

ثم صرح ببعض أنواع العذاب قائلاً ﴿ ويوم القيامة نرى الذين كذبوا على الله ﴾ وقوله ﴿ وجوههم مسودّة ﴾ مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال.

والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله ﴿ فكذبت بها ﴾ ويشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد، ونسبته إلى العجز عن الإعادة، ونسبة القرآن إلى كونه مختلفاً ونحو ذلك.

وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل فريق إسلامي ولا سيما الفروعية، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم.

وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من زرقة العيون وغيره، وإن كان المراد به الخجل وشدّة الحياء ونحو ذلك فالله  أعلم بمراده.

ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحوهما أنوار كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت  ﴾ .

ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلاً ﴿ وينجي الله الذين اتقوا ﴾ الشرك أو المعاصي كبائر وصغائر ﴿ بمفازتهم ﴾ هي "مفعلة" من الفوز.

فمن وحد فلأنه مصدر، ومن جمع فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح.

ولا شك أن الباء هي التي في نحو قولك "كتبتُ بالقلم".

فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟

فقيل: ﴿ لا يمسهم السوء ﴾ أي في أبدانهم.

﴿ ولا هم يحزنون ﴾ يتألمون قلباً على ما فات.

وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح، وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة.

ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها.

وعلى هذه الوجوه يكون قوله ﴿ لا يمسهم ﴾ منصوباً على الحال.

وعن الماوردي أن المفازة ههنا البرية أي بما سلكوا مفازة الطاعات الشاقة وهو غريب.

وحين تمم الوعد والوعيد أتبعه شيئاً من دلائل المالكية قائلاً ﴿ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾ وقد مر في "الأنعام".

ثم أكده بقوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ وهو كقوله في "الأنعام" ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ والمقاليد المفاتيح أيضاً فقيل: لا واحد لها من لفظها.

وقيل: مقليد أو مقلد أو إقليد.

والظاهر أنه في الأصل فارسي والتعريب جعله من قبيل العربي.

ويروى أنه سأل عثمان رسول الله  عن تفسير الآية فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسير المقاليد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

وقال العلماء: يعني أن هذه الكلمات مفاتيح خيرات السموات والأرض وقد يوحد الله بها ويمجد.

قال أهل العرفان: بيده مفاتيح خزائن اللطف والقهر، فيفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فتخرج ينابيع الحكمة وجواهر الأخلاق الحسنة وللآخر بالضد.

قال في الكشاف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ متصل بقوله ﴿ وينجي ﴾ وما بينهما اعتراض دل على أنه خالق الأشياء كلها مهيمن عليها، لا يخفى عليه أعمال المكلفين وجزاؤها فإن كل شيء في السموات والأرض فإن مفتاحه بيده.

هذا والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التقدير البعيد حتى يعطف جملة اسمية على جملة فعلية.

والأقرب أنه لما وصف نفسه بصفات المالكية والقدرة ذكر بعده ﴿ والذين كفروا ﴾ بدلائل ملكه وملكه مع كونها ظاهرة باهرة فلا أخسر منهم لأنهم عمي في الدارين فاقدون لأشرف المطالب ولذلك وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أفغير الله ﴾ أي قل لهم بعد هذا البيان أفغير الله وهو منصوب ﴿ بأعبد ﴾ و ﴿ تأمروني ﴾ اعتراض والمعنى أفغير الله ﴿ أعبد ﴾ بأمركم.

وذلك أن المشركين دعوه إلى دين آبائه.

وجوز جار الله: أن ينصب بما يدل عليه جملة قوله ﴿ تأمروني أعبد ﴾ لأنه في معنى تعبدونني غير الله وتقولون لي اعبد.

والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل.

ويمكن أن يعترض عليه بأن صلة "أن" كيف تتقدّم عليه.

ويحتمل أن يجاب بأن العامل هو ما دل عليه الجملة كما قلنا لا قوله ﴿ أن أعبد ﴾ وقيل: التقدير أفبعبادة غير الله تأمروني؟

وقوله ﴿ أيها الجاهلون ﴾ لا يكون أليق بالمقام منه لأنه لا جهل أشدّ من جهل من نهى عن عبادة أشرف الأشياء وأمر بعبادة أخس الأشياء.

ثم هددّ الأمة على الشرك مخاطباً نبيه بقوله ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ من الأنبياء مثله ﴿ لئن أشركت ﴾ فاقتصر على الأول ويجوز أن يراد ولقد أوحى إليك وإلى كل واحد ممن قبلك لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة أي كل واحد منا وقد مر نظير هذه الآية بقوله ﴿ ولئن أتبعت أهواءهم  ﴾ وبينا أن ذلك على سبيل الفرض والشرطية لا حاجة في صدقها إلى صدق جزأيها، أو المراد الأمة كما قلنا.

وفي قوله ﴿ ولتكونن من الخاسرين ﴾ إشارة إلى أن منصب النبوة الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من الله إذا بدل بضدّه الذي هو البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك.

ثم ردّه  إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص الله بالعبادة فقال ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾ على ذلك لأن توفيق العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم.

ثم بين أنهم لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا الله حق معرفته وقد مر في "الأنعام" و "الحج".

ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلاً ﴿ والأرض جميعاً قبضته ﴾ قال جار الله: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز.

وكذلك حكم ما يروى عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى النبي  فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك.

فضحك رسول الله  تعجباً مما قال وأنزل الله الآية تصديقاً له.

وقال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه، ثم ذكر كلاماً آخر طويلاً.

واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا.

وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن يؤوّل الآية بما شاء.

وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل.

ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح لله  فوجب المصير إلى التأويل صوناً للنص عن التعطيل.

ولا تأويل إلا أن يقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال: فلان في قبضة فلان.

وقال  ﴿ وما ملكت أيمانهم  ﴾ ويقال: هذه الدار في يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد.

وأنا أقول: هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي، والذي ذكره جار الله طريق بياني، وأنهم يحيلون كثيراً من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما.

ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر.

ولنرجع إلى الآية.

قوله ﴿ والأرض ﴾ قالوا: المراد بها الأرضون لوجهين: أحدهما قوله ﴿ جميعا ﴾ فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله ﴿ كل الطعام  ﴾ وقوله ﴿ والنخل باسقات  ﴾ والثاني قوله ﴿ والسموات ﴾ ولقائل أن يقول: كل ما هو ذو أجزاء حساً أو حكماً فإنه يصح تأكيده بالجميع.

وعطف السموات على الأرض في القرآن كثير.

نعم قيل: إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد.

والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعاً مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته.

وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ ﴿ والسموات مطويات بيمينه ﴾ كقوله ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب  ﴾ وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك.

وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه  حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة.

وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسموات وتبديلها.

وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله {  وتعالى عما يشركون} ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ الظاهر أن نفخ الصور مرتان، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في "النمل"، والثانية للموت وهو معنى الصعق، والثالثة للإعادة.

والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين، وقد مر في "النمل" تفسير باقي الآية.

قال جار الله: تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان.

ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينظرون ماذا يفعل بهم.

ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيراً.

ثم وصف أرض القيامة بقوله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ الظاهر أن هذا نور تجليه  .

وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله ﴿ الله نور السموات والأرض  ﴾ وفي غيره من المواضع.

وقال علماء البيان: افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم.

ويقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره.

وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق الله في ذلك اليوم للأرض نوراً مخصوصاً.

وقيل: أراد أرض الجنة.

ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله ﴿ ووضع الكتاب ﴾ إلى آخره.

وكل ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل.

والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس.

﴿ وجيء بالنبيين ﴾ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون.

والمراد بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح والمكان والزمان أيضاً.

وقيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله ولعله ليس في تخصيصهم بالذكر فائدة.

وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار، وختم السورة بذكر أهل الجنة فقال: ﴿ وسيق ﴾ وهو على عادة إخبار الله  .

والزمر الأفواج المتفرقة واحدها زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى الجنة أو النار، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب والطبقات، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة جماعة.

والخزنة جمع خازن، والمراد بكلمة العذاب قوله ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ أو علم الله السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل على الكافرين ليعلم سبب العذاب.

سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل الجنة؟

الجواب من وجوه: قال جار الله: المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا، وحثها إسراع لهم إلى دار الكرامة والرضوان: وقيل: طباق.

وقيل: أكثر أهل الجنة البله فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم.

وقيل: إنهم يقولون لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة.

وقال أهل العرفان: المتقون قد عبدوا الله لله لا للجنة فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يفتقرون إلى السوق.

وقال الحكيم: كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك معنى السوق.

سؤال آخر: لم قيل في صفة أهل النار ﴿ فتحت أبوابها ﴾ من غير واو وفي صفة أهل الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ بالواو؟

والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له واو الثمانية قد مر في قوله ﴿ التائبون العابدون  ﴾ وفي سورة الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا: إن أبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب  ﴾ فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها، وعلى هذا فجواب ﴿ حتى إذا ﴾ محذوف وحق موقعه ما بعد ﴿ خالدين ﴾ أي كان ما كان من أصناف الكرامات والسعادات.

وقيل: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها أي مع فتح أبوابها.

وقيل: لأهل التأويل أن يقولوا: إن أبواب الجنة وهي أسباب حصول الكمالات مفتوحة بمعنى أنها غير ممنوع عنها بل مندوب إليها مرغب فيها، وأبواب جهنم مغلقة بمعنى أن أسبابها ممنوع عنها على لسان الشرع والعقل جميعاً.

ومعنى تسليم الخزنة الإكرام والتهنئة بأنهم سلموا من أحوال الدنيا وأهوال القيامة.

ومعنى ﴿ طبتم ﴾ قيل: إخبارهم عن كونهم طيبين في الدنيا بالأفعال الصالحة والأخلاق الفاضلة، أو طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها.

وقيل: إن أهل الجنة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عنده عينين تجريان من ساق شجرة فيتطهرون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير أبشارهم بعدها أبداً، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى فيقول لهم الخزنة: طبتم.

وقال جار الله: أرادوا طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا، ولهذا عقبه بقوله ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ ليعلم أن الطهارة عن المعاصي هي السبب في دخول الجنة والخلود فيها لأنها دار طهرها الله من دنس فلا يدخلها إلا من هو موصوف بصفتها رزقنا الله  بعميم فضله وحسن توفيقه نسبة توجب ذلك.

ثم حكى قول المتقين في الجنة فقال ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴾ أي الوعد بدخول الجنة ﴿ وأورثنا الأرض ﴾ أرض الجنة عبر عن التمليك بالإيراث وقد مرّ مراراً ﴿ نتبوّأ منها حيث نشاء ﴾ لأن لكل متق جنة توصف سعة فيتبوّأ من جنته كما يريد من غير منازع.

وقال حكماء الإسلام: الجنات الجسمانية كذلك، أما الروحانية فلا مانع فيها من المشاركة وأن يحصل لغيره ما يحصل لبعض الأشخاص.

ثم وصف مآب الملائكة المقربين بعد بعثهم فقال ﴿ وترى ﴾ أيها الرائي أو النبي ﴿ الملائكة حافين ﴾ محدّقين وهو نصب على الحال.

قال الفراء: لا واحد له لأنه لا بد فيه من الجمعية.

وأقول: لعله عني من حيث الاستعمال.

وقيل: الحاف بالشيء الملازم له.

وقوله ﴿ من حول العرش ﴾ "من" زائدة أو ابتدائية أي مبتدأ خوفهم من هناك إلى حيث شاء الله أو متصل بالرؤية ﴿ يسبحون بحمد ربهم ﴾ تلذذاً لا تعبداً.

وكان جوانب العرش دار ثواب الملائكة وإنها ملاصقة لجوانب الجنة.

والضمير في قوله ﴿ وقضي بينهم ﴾ للعباد كلهم لقرائن ذكر القيامة فإن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون الإقضاء بينهم بالحق والعدل.

وقيل: بين الأنبياء وأممهم.

وقيل: تكرار لقوله ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ﴾ وقيل: هو حال وقد مقدرة معه أي يسبحون بحمد ربهم وقد قضى بينهم يعني بين الملائكة على أن ثوابهم ليس على سنن واحد.

ويحتمل عندي أن يعود الضمير إلى البشر والملائكة جميعاً، والقضاء بينهم هو إنزال البشر مقامهم من الجنة أو النار، وإنزال الملائكة حول العرش.

ثم ختم السورة بقوله ﴿ وقيل الحمد لله ﴾ والقائل المقضي بينهم وهم جميع العباد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله  ﴾ جميع الملائكة حمدوا الله على إنزال كلّ منزلته.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ و ﴿ عِبَادِهِ ﴾ أيضاً.

الآية يحتج بها على إثبات الرسالة، وكذلك قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ  ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ  ﴾ ، ونحو ذلك، وأمثاله كثير؛ لأنه بعثه وحده، لا عون معه، ولا نصر له من البشر رسولا إلى الأعداء، وكان يقرع أسماعهم بهذه الآيات التي ذكرنا، وغير ذلك من قوله: ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ  ﴾ ثم لم يقدروا على إهلاكه؛ بل عصمه من كيدهم ومكرهم؛ على ما قال: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ فبلغ إليهم ما أمر بتبليغه من غير أن قدروا على ما قصدوا به، وفي ذلك لطف من الله عظيم، ودلالة على إثبات الرسالة.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر فهو - في الحقيقة - على الإيجاب والتقرير؛ لأنهم كانوا يعلمون أن الله - عز وجل - هو الكافي لخلقه، من ذلك أنهم إذا سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟

قالوا: الله -  - وإذا سئلوا من يرزقكم؟

قالوا: الله -  - ومن أنزل من السماء ماء؟

ومن أخرج من الأرض النبات؟

ونحو ذلك - قالوا: الله، فعلى ذلك قوله: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ أي: تعلمون أن الله هو الكافي لجميع خلقه في الدفع والذبّ عنهم، والنصر لهم، فإذا عرفتم ذلك فكيف تخوفون رسول الله  بالذي تخوفونه؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: بأهل الأرض جميعاً، يقولون له: إن العرب تفعل بك كذا، ويعملون بك كذا، كانوا يخوفونه بهم.

وقال بعضهم: كانوا يخوفونه بالأصنام التي كانوا يعبدونها أن يصيبه سوء وأذى من ناحيتها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ  ﴾ وكأن هذا أشبه بالآية؛ لأنه ذكر على إثر ذلك وعقبه الأصنام؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾ هذا يدل أن ما ذكر من تخويفهم إياه إنما كان بالأصنام التي كانوا يعبدونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ * وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ﴾ أخبر أنه إذا أراد هداية أحدكم لم يملك أحد إضلاله، وإذا أراد إضلال أحد لم يقدر أحد على هدايته، ذكر في الدين أن لا أحد يملك دفع ما أراد من هدى أو ضلال، ولا منعه على ذلك؛ على ما ذكر في الرزق وأسباب العيش، وعلى ما ذكر في الأنفس وحفظها؛ حيث قال: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ  ﴾ ، وقال في الأنفس: ﴿ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾ ، وقد اجتمعوا في ذلك في الرزق والعيش وضرر الأنفس وحفظها أن لا أحد يملك دفع ما أراد هو، فعلى ذلك في الدين؛ لأن الذكر خرج في الكل على مخرج واحد، وذلك على المعتزلة لقولهم: إن الله -  - قد أراد هداية كل أحد، ونصر كل ولي، لكن غيره منعه عن ذلك؛ فهو وحش من القول سمج، وبالله العصمة والنجاة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ ﴾ هو على الإيجاب والتقرير؛ أي: يعلمون أنه عزيز ذو انتقام؛ أي: عزيز لا يعجزه شيء، ذو انتقام لأوليائه من أعدائه.

وقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ قد علموا أن لا خالق سواه، وعرفوا أنه لا يملك أحد سواه كشف ما أراد هو من الضرر بأحد، ولا إمساك ما أراد من الرحمة بأحد؛ ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا [إلى] من عبدوهم من دونه من الأصنام، ولا إلى أحد من الخالقين؛ دل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك به ينال من خير أو غيره؛ ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا [إلى من عبدوهم من دونه من الأصنام]، احتج عليهم بما احتج، ولو لم يكونوا علموا بذلك لم يكن ليحتج عليهم بذلك، وهم لذلك منكرون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ في قوله: ﴿ حَسْبِيَ ٱللَّهُ ﴾ ما ذكرنا من اللطف والدلالة على إثبات الرسالة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الإياس منهم أنهم لا يؤمنون ولا يجيبون إلى ما دعوا إليه بعد ما أقيم عليهم الحجج والبراهين؛ كأنه يقول: اثبتوا أنتم على دينكم واعملوا له، ونثبت نحن على ديننا ونعمل له، فسوف تعلمون أينا على الحق نحن أم أنتم؟

وهو كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ أي: لا أدين أنا بدينكم، ولا أنتم تدينون بديننا، ولكن يلزم كل منا دينه الذي عليه، فعلى ذلك الأول.

والثاني: على التوبيخ لهم والتعيير؛ يقول: اعملوا على مكانتكم أنتم مما تقدرون من الكيد لي والمكر، وأنا عامل ذلك بمكانتكم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ  ﴾ وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر توبيخهم وتعييرهم، والله أعلم.

وفي هذه الآية وفيما تقدم من قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ إلى هذا الموضع تقرير وتوبيخ ومنابذة وإياس، فأما الإياس فهو في قوله: ﴿ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ ﴾ والتقرير في قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ والمنابذة في قوله: ﴿ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ ، والتوبيخ في قوله: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ .

ثم جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ * وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ﴾ يخرج على الصلة بقوله: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ كأنه يقول: من أضله الله حتى لا يعلم أن الله هو كاف عبده، وأن ما يخوفونه به لا يقع به خوف ولا يلحق به ضرر - فلا هادي له، ومن هداه فعرف ذلك، فلا مضل له عن ذلك، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ جائز أن يكون ذلك العذاب الذي يأتيه هو عذاب في الدنيا من نحو القتل والتعذيب بالذي أهلك الأولون المعاندون للرسول ﴿ يُخْزِيهِ ﴾ أي: يفضحه ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ في الآخرة، وهو عذاب الكفر، وإلى ذلك ذهب بعض أهل التأويل.

وجائز أن يكون ذلك كله في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ ﴾ هذا كأنّه - والله أعلم -: إنا أنزلنا عليك [الكتاب] لتحكم بين الناس بالعدل؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ فعلى ذلك هذا، ويكوو قوله: ﴿ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ أنشأ الله - عز وجل - البشر دراكاً مميزاً بين الخبيث والطيب، وبين الحسن والقبيح، وبين ما لهم وما عليهم، وبين السبيلين جميعاً غاية البيان، وأوضح كل سبيل نهاية الإيضاح، من سلكه أنه إلى ماذا يفضيه وينهيه، ثم امتحنهم في ذلك، ومكن لهم من السلوك في كل واحد من السبيلين بعد البيان منه أنه من سلك سبيل كذا أفضاه إلى كذا، ومن سلك سبيل كذا أفضاه إلى كذا؛ امتحاناً منه، ثم أخبر أنه فيما امتحنهم لم يمتحنهم لمنفعة ترجع إليه، أو لمضرة يدفع عن نفسه، ولكن إنما امتحنهم لمنفعة ترجع إليهم إذا اختاروا ترك سلوك سبيل الباطل، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن، إحداها هذه؛ حيث قال: ﴿ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ .

والثانية: بما قال - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ أي: فعليها، وغير ذلك من الآيات التي تبين أنه إنما امتحنهم لمنفعة أنفسهم واكتساب الخير الدائم لهم، ولا قوة إلا بالله.

ثم قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ ﴾ يخبر أن ليس عليك إلا تبليغ ما أرسلت وأمرت بتبليغه إليهم؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً  ﴾ والوكيل: الحفيظ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا ﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال ابن عباس -  -: كل نفس لها سبب تجري فيه؛ فالتي قضي عليها الموت فتجري في الجسد كله.

لكن لم يفهم مما ذكر ابن عباس تأويل الآية.

وعن سعيد بن جبير قال: يجمع بين أرواح الأحياء وبين أرواح الأموات فيتعارف ما شاء الله أن يتعارف، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجسادها، وبهذا - أيضاً - لم يفهم شيء من تأويل الآية.

وقال الكلبي: النائم متوفى حتى يرد الله إليه [روحه]، فأما التي يتوفاها حين موتها فإنه يقبض الروح والنفس جميعاً ويرسل التي يتوفاها في منامها حتى تبلغ أجلها المسمى، وهو الموت.

ويقال: إما يقبض الله من النائم النفس، والروح في الجسد لم تفارقه، فإذا قبض الله الروح ذهبت النفس مع الروح.

وهذا الذي ذكره الكلبي أقرب إلى تأويل الآية من الذي ذكره أولئك، وأصله: أنّ الله - عز وجل - جعل في الأجساد أشياء وأرواحاً يحيي الأجساد في حال نومها على الهيئة التي كانت من قبل، ليس بها أثر الموت، لكنها لا تدرك شيئاً، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل شيئاً، وبها آثار الحياة؛ يدلنا هذا على أنها في حال النوم قد ذهب منها، وخرج ما به تدرك الأشياء، وبقي منها ما به تحيا، وهو الروح، فإذا خرجت الروح منها، وإن كانت لا تدرك شيئاً على الهيئة التي كانت من قبل، دل ذلك على أن الذي به تدرك الأشياء غير الذي به تحيا؛ والله أعلم؛ ألا ترى أنها في حال النوم تلك الأنفس الدراكة حيث كانت تتألم وتتلذذ، وتقضي الشهوات وهي في أقصى الدنيا، هذا كله يدل على ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم على هذا جائز أن يكون ما ذكر من عذاب القبر أنه إنما يكون على تلذذ الأنفس الدراكة، لا على الروح؛ على ما ذكرنا من تألمها وتلذذها بعد خروجها من الأجساد ومفارقتها عنها، والله أعلم.

ثم أضاف في هذه الآية التوفي إلى الله، وفي آية أخرى أضافه إلى الرسل؛ حيث قال الله - عز وجل -: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ الآية [الأنعام: 61]، وأضافه مرة إلى ملك الموت حيث قال - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ...

﴾ الآية [السجدة: 11]، ثم يحتمل إضافة التوفي [إلى] الرسل وإلى ملك الموت وجهين: أحدهما: وإن كان حقيقة التوفي والموت بالله؛ لما يخلق فعل قبضهم الروح منها، ويشاء ذلك منهم، وهو كما ذكر من البشرى لهم [و]طمأنينة القلوب عند بعثه إليهم الملائكة بالإعانة لهم والنصر؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  ﴾ [و]قال - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ ، أخبر أنه جعل لهم بعث الملائكة بشارة النصر، وأن حقيقة النصر ليس إلا من عند الله، فعلى ذلك ما ذكر من إضافة التوفي إلى الرسل؛ لما يخلق فعل قبضهم الروح، وكان حقيقة ذلك لله - عز وجل - والله أعلم.

والثاني: أن يكون من الله لطف في ذلك، ومعنى لا يكون ذلك منهم، لكنه لم يبين ما ذلك اللطف وذلك المعنى الذي يكون منه، والله أعلم بذلك.

ثم قوله: ﴿ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا ﴾ أي: حين خلق موتها يقبض الروح منها.

وقوله: ﴿ وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا ﴾ لم يقبض منها الروح ترسل إليها النفس الدراكة إلى الأجل الذي جعل لها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ ﴾ جائز أن يكون من القبض؛ أي: يقبض الأنفس.

وجائز أن يكون من العد؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لآيَاتٍ ﴾ : العبر، أو الأعلام، أو الحجج.

وقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ يعلمون أن من قدر على استخراج تلك الأنفس الدراكة من الأجساد، وإبقائها على الهيئة التي كانت إلى الوقت لا تدرك شيئاً، ثم ردها إليها، وإعادتها على ما كانت - قادر بذاته، لا يعجزه شيء.

أو من قدر على إنشاء النفس الدراكة في الأجساد حتى تدرك بها، لا يحتمل أن يعجز عن إعادة الأجساد بعد ما بليت وفنيت، وذاك ألطف من هذا وأكبر؛ لأن الناس قد يتكلفون تصوير صور الأنفس الظاهرة ولا أحد يتكلف تصوير نفس دراكة من غيرها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله الذي يقبض الأرواح عند نهاية آجالها، ويقبض الأرواح التي لم تَنْقَضِ آجالها عند النوم، فيمسك التي حكم عليها بالموت، ويرسل التي لم يحكم عليها به إلى أمد محدد في علمه سبحانه، إن في ذلك القبض والإرسال والإماتة والإحياء لدلائل لقوم يتفكرون على أن الذي يفعل ذلك قادر على بعث الناس بعد موتهم للحساب والجزاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.QPJev"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله