الآية ٤٨ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٤٨ من سورة غافر

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّۭ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٨ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٨ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال الذين استكبروا إنا كل فيها ) أي : لا نتحمل عنكم شيئا ، كفى بنا ما عندنا ، وما حملنا من العذاب والنكال .

( إن الله قد حكم بين العباد ) أي : يقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا ، كما قال تعالى : ( قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ) [ الأعراف : 38 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

والصواب من القول في ذلك عندي أنه جمع واحده.

تابع, وقد يجوز أن يكون واحدا فيكون جمعه أتباع.

فأجابهم المتبوعون بما أخبر الله عنهم; قال الذين استكبروا, وهم الرؤساء المتبوعون على الضلالة في الدنيا: إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون, لا خلاص لنا منها( إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ) بفصل قضائه, فأسكن أهل الجنة الجنة, وأهل النار النار, فلا نحن مما نحن فيه من البلاء خارجون, ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون، ورفع قوله ( كُلّ ) بقوله ( فِيهَا ) ولم ينصب على النعت.

وقد اختلف في جواز النصب في ذلك في الكلام.

وكان بعض نحويي البصرة يقول: إذا لم يضف " كلّ" لم يجز الاتباع.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: ذلك جائز في الحذف وغير الحذف, لأن أسماءها إذا حُذفت اكتفي بها منها.

وقد بيَّنا الصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قال الذين استكبروا إنا كل فيها أي في جهنم .

قال الأخفش : كل مرفوع بالابتداء .

وأجاز الكسائي والفراء " إنا كلا فيها " بالنصب على النعت والتأكيد للمضمر في " إنا " وكذلك قرأ ابن السميقع وعيسى بن عمر والكوفيون يسمون التأكيد نعتا .

ومنع ذلك سيبويه ، قال : لأن " كلا " لا تنعت ولا ينعت بها .

ولا يجوز البدل فيه لأن المخبر عن نفسه لا يبدل منه غيره ، وقال معناه المبرد قال : لا يجوز أن يبدل من المضمر هنا ; لأنه مخاطب ولا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب ، لأنهما لا يشكلان فيبدل منهما ، هذا نص كلامه .

إن الله قد حكم بين العباد أي لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ، فكل منا كافر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } مبينين لعجزهم ونفوذ الحكم الإلهي في الجميع: { إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ } وجعل لكل قسطه من من العذاب، فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه، ولا يغير ما حكم به الحكيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال الذين استكبروا إنا كلَّ فيها إن الله قد حكم بين العباد» فأدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الرؤساء المستكبرون مبيِّنين عجزهم: لا نتحمل عنكم شيئًا من عذاب النار، وكلُّنا فيها، لا خلاصَ لنا منها، إن الله قد قسم بيننا العذاب بقَدْر ما يستحق كلٌّ منا بقضائه العادل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا يرد عليهم المستكبرون ، بضيق وملل .

ويحكى القرآن ذلك فيقول ( قَالَ الذين استكبروا ) أى للضعفاء .( إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ ) أى : إنا نحن وأنتم جميعا فى جهنم ، فكيف ندفع عنكم شيئا من العذاب ، وإنننا لو كانت عندنا القدرة على دفع شئ من العذاب ، لدفعناه عن أنفسنا .لفظ ( كل ) مبتدأ ، وفيها متعلق بمحذوف خبر ، والجملة من المبتدأ والخبر ، خبر إن .وجملة : ( إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد ) من جملة الرد ، أى : إن الله - تعالى - قد حكم بين العباد بحكمه العادل ، فجعل للمؤمنين الجنة ، وجعل للكافرين النار وقدر لكل منا ومنكم عذابا لا تغنى فيه نفس عن نفس شيئا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن ذلك الرجل لم يقصر في تقرير الدين الحق، وفي الذب عنه فالله تعالى رد عنه كيد الكافرين وقصد القاصدين، وقوله تعالى: ﴿ فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ﴾ يدل على أنه لما صرّح بتقرير الحق فقد قصدوه بنوع من أنواع السوء، قال مقاتل لما ذكر هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه، وقيل المراد بقوله: ﴿ فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ﴾ أنهم قصدوا إدخاله في الكفر وصرفه عن الإسلام فوقاه الله عن ذلك إلا أن الأول أولى لأن قوله بعد ذلك ﴿ وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ سُوء العذاب ﴾ لا يليق إلا بالوجه الأول، وقوله تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ ﴾ أي أحاط بهم ﴿ سُوء العذاب ﴾ أي غرقوا في البحر، وقيل بل المراد منه النار المذكورة في قوله: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ قال الزجاج ﴿ النار ﴾ بدل من قوله: ﴿ سُوء العذاب ﴾ قال: وجائز أيضاً أن تكون مرتفعة على إضمار تفسير ﴿ سُوء العذاب ﴾ كأن قائلاً قال: ما سوء العذاب؟

فقيل: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ .

قرأ حمزة ﴿ حاق ﴾ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بالفتح أما قوله: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات عذاب القبر قالوا الآية تقتضي عرض النار عليهم غدواً وعشياً، وليس المراد منه يوم القيامة لأنه قال: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب ﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا لأن عرض النار عليهم غدواً وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا، فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت وقبل يوم القيامة، وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذ ثبت في حقهم ثبت في حق غيرهم لأنه لا قائل بالفرق، فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض النصائح عليهم في الدنيا؟

لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب وخوفوهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار، ثم نقول في الآية ما يمنع من حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين: الأول: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع، وقوله: ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ يقتضي أن لا يحصل ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين، فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر الثاني: أن الغدوة والعشية إنما يحصلان في الدينا، أما في القبر فلا وجود لهما، فثبت بهذين الوجهين أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر والجواب: عن السؤال الأول أن في الدنيا عرض عليهم كلمات تذكرهم أمر النار، لا أنه يعرض عليهم نفس النار، فعلى قولهم يصير معنى الآية الكلمات المذكرة لأمر النار كانت تعرض عليهم، وذلك يفضي إلى ترك ظاهر اللفظ والعدول إلى المجاز، أما قوله الآية تدل على حصول هذا العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز، قلنا لم لا يجوز أن يكتفي في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام القيامة يلقى في النار فيدوم عذابه بعد ذلك، وأيضاً لا يمتنع يأن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية عن الدوام كقوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً  ﴾ أما قوله إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية، قلنا لم لا يجوز أن يقال إن عند حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب؟

والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ أدخلوا آل فرعون ﴾ أي يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم في أشد العذاب، والباقون أدخلوا على معنى أنه يقال لهؤلاء الكفار: أدخلوا أشد العذاب، والقراءة الأولى اختيار أبي عبيدة، واحتج عليها بقوله تعالى: ﴿ يُعْرَضُونَ ﴾ فهذا يفعل بهم فكذلك ﴿ أَدْخِلُواْ ﴾ وأما وجه القراءة الثانية فقوله: ﴿ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ ﴾ ، وهاهنا آخر الكلام في قصة مؤمن آل فرعون.

واعلم أن الكلام في تلك القصة لما انجر إلى شرح أحوال النار، لا جرم ذكر الله عقيبها قصة المناظرات التي تجري بين الرؤساء والأتباع من أهل النار فقال: ﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النار ﴾ والمعنى اذكر يا محمد لقومك إذ يتحاجون أي يحاجج بعضهم بعضاً، ثم شرح خصومتهم وذلك أن الضعفاء يقولون للرؤساء ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ﴾ في الدنيا، قال صاحب الكشاف تبعاً كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع أي أتباع أو وصفاً بالمصدر ﴿ فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ النار ﴾ أي فهل تقدرون على أن تدفعوا أيها الرؤساء عنا نصيباً من العذاب، واعلم أن أولئك الأتباع يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء وإيلام قلوبهم، لأنهم هم الذين سعوا في إيقاع هؤلاء الأتباع في أنواع الضلالات فعند هذا يقول الرؤساء ﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا ﴾ يعني أن كلنا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسي، ثم يقولون ﴿ إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد ﴾ يعني يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب، ثم عند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون إلى خزنة جهنم ويقولون لهم ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً مّنَ العذاب ﴾ فإن قيل لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها بل قال: ﴿ وَقَالَ الذين فِي النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ﴾ ؟

قلنا فيه وجهان الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع والثاني: أن يكون جهنم اسماً لموضع هو أبعد النار قعراً، من قولهم بئر جهنام أي بعيدة القعر، وفيها أعظم أقسام الكفار عقوبة وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذا عرف الكفار أن الأمر كذلك استغاثوا بهم، فأولئك الملائكة يقولون لهم ﴿ أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات ﴾ والمقصود أن قبل إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا إنه: ﴿ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ  ﴾ أما بعد مجيء الرسل فلم يبق عذر ولا علة كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ وهذه الآية تدل على أن الواجب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشرع، ثم إن أولئك الملائكة يقولون للكفار ادعوا أنتم فإنا لا نجترئ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين أحدهما: كون المشفوع له مؤمناً والثاني: حصول الإذن في الشفاعة ولم يوجد واحد من هذين الشرطين فإقدامنا على هذه الشفاعة ممتنع لكن ادعوا أنتم، وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة، فإن الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكفار، ثم يصرحون لهم بأنه لا أثر لدعائهم فيقولون ﴿ وَمَا دُعَاء الكافرين إِلاَّ فِي ضلال ﴾ فإن قيل إن الحاجة على الله محال، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال: إنه تأذى من هؤلاء المجرمين بسبب جرمهم، وإذا كان التأذي محالاً عليه كانت شهوة الانتقام ممتنعة في حقه، إذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضار العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار لا منفعة فيه إلى الله تعالى ولا لأحد من العبيد، فهو إضرار خال عن جميع الجهات المنتفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يبقى على ذلك الإيلام أبد الآباد ودهر الداهرين، من غير أن يرحم حاجتهم ومن غير أن يسمع دعاءهم ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقصى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عبيده لدعاه كرمه ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيد في محل النفع والضرر والحاجة، فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟

قلنا أفعال الله لا تعلل و ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ  ﴾ فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به، والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ كلا ﴾ على التأكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، يريد: إنا كلنا، أو كلنا فيها.

فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿ كلا ﴾ حالاً قد عمل (فيها) فيها؟

قلت: لا لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في الظرف متقدماً تقول كل يوم لك ثوب ولا تقول قائماً في الدار زيد ﴿ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد ﴾ قضى بينهم وفصل بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ ﴾ واذْكُرْ وقْتَ تَخاصُمِهِمْ فِيها ويَحْتَمِلُ العَطْفُ عَلى غُدُوًّا.

﴿ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ تَفْصِيلٌ لَهُ.

﴿ إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا ﴾ تِباعًا كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ بِمَعْنى أتْباعٍ عَلى الإضْمارِ أوِ التَّجَوُّزِ.

﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ ﴾ بِالدَّفْعِ أوِ الحَمْلِ، ونَصِيبًا مَفْعُولٌ بِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مُغْنُونَ أوَّلُهُ بِالتَّضْمِينِ أوْ مَصْدَرٌ كَشَيْئًا في قَوْلِهِ: ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ فَيَكُونُ مِن صِلَةٍ لِـ مُغْنُونَ.

﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها ﴾ نَحْنُ وأنْتُمْ فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكم ولَوْ قَدَرْنا لَأغْنَيْنا عَنْ أنْفُسِنا، وقُرِئَ «كُلًّا» عَلى التَّأْكِيدِ لِأنَّهُ بِمَعْنى كُلُّنا وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ فَإنَّهُ لا يَعْمَلُ في الحالِ المُتَقَدِّمَةِ كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ المُتَقَدِّمِ كَقَوْلِكَ: كُلَّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ.

﴿ إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ ﴾ بِأنْ أدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلَ النّارِ النّارَ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ الذين استكبروا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا} التنوين عوض من المضاف إليه أي إنا كلنا فيها لا يغني أحد عن أحد {إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد} قضى بينهم بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ لِلضُّعَفاءِ ﴿ إنّا كُلٌّ فِيها ﴾ نَحْنُ وأنْتُمْ فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكم ولَوْ قَدَرْنا لَدَفَعْنا عَنْ أنْفُسِنا شَيْئًا مِنَ العَذابِ ورَفْعُ ( كُلٌّ ) عَلى الِابْتِداءِ وهو مُضافٌ تَقْدِيرًا لِأنَّ المُرادَ كُلُّنا ( وفِيها ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ «كُلًّا» بِالنَّصْبِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ، وكَوْنُ كُلٍّ المَقْطُوعِ عَنِ الإضافَةِ يَقَعُ تَأْكِيدًا اكْتِفاءً بِأنَّ المَعْنى عَلَيْها مَذْهَبُ الفَرّاءِ ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكُوفِيِّينَ ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِهِ لِلتَّسْهِيلِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ في مَعْنى المُضافِ ولِذا جازَ الِابْتِداءُ بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ حالًا، وإذا سُلِّمَ كِفايَةُ هَذا المِقْدارِ مِنَ التَّنْكِيرِ في الحالِيَّةِ فالظَّرْفُ لا يَعْمَلُ في الحالِ المُتَقَدِّمَةِ كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ المُتَقَدِّمِ نَحْوَ كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ.

وأُجِيبَ عَنْ أمْرِ العَمَلِ بِأنَّ الأخْفَشَ أجازَ عَمَلَ الظَّرْفِ في الحالِ إذا تَوَسَّطَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْتَدَأِ نَحْوَ زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ عِنْدَكَ وما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَذَلِكَ، عَلى أنَّ بَعْضَهم أجازَ ذَلِكَ ولَوْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلى المُبْتَدَأِ والظَّرْفِ نَعَمْ مَنَعَهُ بَعْضُهم مُطْلَقًا لَكِنَّ المُخْرِجَ لَمْ يُقَلِّدْهُ، وابْنُ الحاجِبِ جَوَّزَهُ في بَعْضِ كُتُبِهِ ومَنَعَهُ في بَعْضٍ، قِيلَ: وقَدْ يُوَفَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ المَنعَ عَلى تَقْدِيرِ عَمَلِ الظَّرْفِ لِنِيابَتِهِ عَنْ مُتَعَلِّقِهِ، والجَوازُ عَلى جَعْلِ العامِلِ مُتَعَلِّقُهُ المُقَدَّرِ فَيَكُونُ لَفْظِيًّا لا مَعْنَوِيًّا، وإلى هَذا التَّخْرِيجِ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ بَعْضِ الطّائِيِّينَ: دَعا فَأجَبْنا وهو بادِي ذِلَّةٍ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ وحُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ  ﴾ في قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنَ اسْمِ إنَّ لَأنَّ كُلًّا يَتَصَرَّفُ فِيها بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ كُلًّا فِيها.

وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعا ويَوْمًا أجْمَعا عَلى البَدَلِ مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ فَأنْ يُدَّعى في كُلٍّ البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ ( كُلٌّ ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ نَحْوَ مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا أيْ جَمِيعًا.

ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَجْعَلُهُ بَدَلًا وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ ؟

قُلْتُ: مَذْهَبُ الأخْفَشِ.

والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا  ﴾ وكَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم مَعْناهُ مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا، فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ وهو ( كُلٌّ ) أوْلى ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ مَناطَ الخِلافِ.

انْتَهى.

ولَعَلَّ القَوْلَ بِالتَّوْكِيدِ أحْسَنُ مِن هَذا وأقْرَبُ، ورَدُّ ابْنِ مالِكٍ لَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿ إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ ﴾ فَأدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلَ النّارِ النّارَ، وقَدَّرَ لِكُلٍّ مِنّا ومِنكم عَذابًا لا يُدْفَعُ عَنْهُ ولا يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ أي: يتخاصمون في النار الضعفاء، والرؤساء، فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: لرؤسائهم إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في الدنيا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا أي: حاملون عنا، نَصِيباً مِنَ النَّارِ يعني: بعض الذي علينا من العذاب، باتباعنا إياكم، كما كنا ندفع عنكم المؤونة في دار الدنيا.

قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: الرؤساء يقولون للضعفاء: إِنَّا كُلٌّ فِيها يعني: نعذب نحن، وأنتم على قدر حصصكم في الذنوب، فلا يغني واحد واحداً، إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ أي: قضى بين العباد، بين التابع والمتبوع.

ويقال: حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ يعني: أنزلنا منازلنا، وأنزلكم منازلكم.

وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ إذا اشتد عليهم العذاب ادْعُوا رَبَّكُمْ يعني: سلوا ربكم.

يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ يعني: يوماً من أيام الدنيا، حتى نستريح، فترد الخزنة عليهم فتقول: قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: ألم تخبركم الرسل أن عذاب جهنم إلى الأبد.

ويقال: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: ألم تخبركم الرسل بالدلائل، والحجج، والبراهين، فكذبتموهم.

قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا يعني: تقول لهم الخزنة، فادعوا ما شئتم، فإنه لا يستجاب لكم.

وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي: في خطأ بيّن.

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا بالغلبة، والحجة، وَالَّذِينَ آمَنُوا بهم يعني: الذين صدقوهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي: بالحجة، والغلبة على جميع الخلق.

يعني: على جميع أهل الأديان وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ قال مقاتل: يعني: الحفظة من الملائكة، يشهدون عند رب العالمين للرسل بالبلاغ، وعلى الكافرين بتكذيبهم.

وقال الكلبي: يعني: يوم القيامة يقوم الرسل عند رب العالمين، يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ يعني: لا ينفع الكافرون اعتذارهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو يَوْمٌ لاَّ تَنفَعُ بالتاء بلفظ التأنيث، لأن المعذرة مؤنثة.

والباقون: بالياء.

وانصرف إلى المعنى، يعني: لا ينفع لهم اعتذارهم وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي: السخطة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي: عذاب جهنم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قلت: وهو ظاهر ترتيب قَصَصِ القرآن أَنَّ عاداً أقدم، وَأَتْرَفْناهُمْ معناه نَعَّمْنَاهم، وبسطنا لهم الأموالَ والأَرْزَاقَ وقولهم: أَيَعِدُكُمْ استفهام على جهة الاستبعاد وأَنَّكُمْ:

الثانية بَدَلٌ من الأُولَى عند سيبويه، وقولهم: هَيْهاتَ هَيْهاتَ استبعادٌ، وهيهات أحياناً تلي الفاعل دونَ لام، تقول هيهاتَ مجيءُ زيد، أي: بعد ذلك، ومنه قول جرير:

[الطويل] :

فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الْعَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ...

وَهَيْهَاتَ خِلٌّ بِالْعَقِيقِ نُوَاصِلُهْ «١»

وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً، وذلك عند وجود اللام كهذه الآية، التقدير: بعد الوجود لما توعدون.

قال ص: ورد بأن فيه حذف الفاعل، وحذف المصدر وهو الوجود وذلك غير جائز عند البصريين، وذكر أبو البقاء: أنّ اللام زائدة و «ما» فاعل، أي: بعد ما توعدون.

قال أبو حيان «٢» : وهذا تفسير معنى لا إعراب لأَنَّهُ لم تَثبُتْ مصدرِيَّةُ «هيهات» ، انتهى.

وقولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أرادوا: أَنَّهُ لا وجود لنا غير هذا الوجود وإنّما نموت مِنَّا طائفة فتذهب، وتجيء طائفة جديدة، وهذا هو كفر الدّهريّة.

قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)

ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)

وقوله: قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ المعنى: قال الله لهذا النَّبِيِّ الدَّاعي: عَمَّا قليل يندمُ قومُك على كفرهم حين لا ينفعهم الندم، ومن ذكر الصَّيْحَة ذهب الطبريُّ «٣» إلى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ إذْ يَخْتَصِمُونَ، يَعْنِي أهْلَ النّارِ، والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في [سُورَةِ] [إبْراهِيمَ: ٢١]، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ القادَةُ.

ومَعْنى ﴿ إنّا كُلٌّ فِيها ﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿ إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ ﴾ أيْ: قَضى هَذا عَلَيْنا وعَلَيْكم.

ومَعْنى قَوْلِ الخَزَنَةِ لَهُمْ: ﴿ فادْعُوا ﴾ أيْ: نَحْنُ لا نَدْعُو لَكم ﴿ وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ ولا يَنْفَعُ.

﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ بِإثْباتِ حُجَجِهِمْ.

والثّانِي: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ: والثّالِثُ: بِأنَّ العاقِبَةَ تَكُونُ لَهم.

وفَصْلُ الخِطابِ: أنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ لابُدَّ مِنهُ، فَتارَةً يَكُونُ بِإعْلاءِ أمْرِهِمْ كَما أعْطى داوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ المُلْكِ ما قَهَرا بِهِ كُلَّ كافِرٍ، وأظْهَرَ مُحَمَّدًا  عَلى مُكَذِّبِيهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بِإنْجاءِ الرُّسُلِ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ ومُوسى وقَوْمِهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وفاةِ الرُّسُلِ، كَتَسْلِيطِهِ بُخْتُنَصَّرَ عَلى قَتَلَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا.

وأمّا نَصْرُهم يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، فَإنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، وواحِدُ الأشْهادِ شاهِدٌ، كَما أنَّ واحِدَ الأصْحابِ صاحِبٌ.

وفي الأشْهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَلائِكَةُ، شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالإبْلاغِ وعَلى الأُمَمِ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ.

والثّانِي: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْفَعُ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ؛ لِأنَّ المَعْذِرَةَ والِاعْتِذارَ بِمَعْنًى ﴿ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ مِنهم إنِ اعْتَذَرُوا ﴿ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ أيِ: البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ.

وقَدْ بَيَّنّا في [الرَّعْدِ: ٢٥] أنَّ "لَهُمْ" بِمَعْنى "عَلَيْهِمْ"، و ﴿ سُوءُ الدّارِ ﴾ : النّارُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ ﴿ وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النارِ فَيَقُولُ الضُعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النارِ ﴾ ﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ في النارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ ﴾ ﴿ قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ﴾ \[النارُ\] رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِن [سُوءُ]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [النارُ] رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ [يُعْرَضُونَ].

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا الغُدُوُّ والعَشِيُّ هو في الدُنْيا، أيْ: في كُلِّ غُدُوٍّ وعَشِيٍّ مِن أيّامِ الدُنْيا يُعْرَضُ آلُ فِرْعَوْنَ عَلى النارِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ الهَزِيلِ بْنِ شُرَحْبِيلٍ، والسُدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النارِ، وقالَهُ الأوزاعِيُّ حِينَ قالَ لَهُ رَجُلٌ: إنِّي رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ ثُمَّ تَرْجِعُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلَها، فَقالَ الأوزاعِيُّ: تِلْكَ هي الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يَحْتَرِقُ رِيشُها ويَسُودَّ بِالعَرْضِ عَلى النارِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى النارِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ؛ إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ.

عَلى التَقْدِيرِ بِأيّامِ الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" عَطْفًا عَلى "عَشِيًّا" والعامِلُ فِيهِ [يُعْرَضُونَ]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مَقْطُوعًا والعامِلُ فِي: [يَوْمَ] [أدْخِلُوا]، والتَقْدِيرُ: عَلى كُلِّ قَوْلٍ: "يُقالُ ادْخُلُوا".

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ: [أدْخَلُوا] بِقَطْعِ الألْفِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: [ادْخُلُوا] بِصِلَةِ الألْفِ عَلى الأمْرِ لِآلِ فِرْعَوْنَ، و[آلَ] - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - مُنادى مُضافٌ، و[أشَدَّ] نُصِبَ عَلى الظَرْفِيَّةِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: [يَتَحاجُّونَ] لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في [إذْ] فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، قالَ الطَبَرِيُّ: و[إذْ] هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ، و"المُحاجَّةُ": التَحاوُرُ بِالحَجَّةِ والخُصُومَةِ.

و"الضُعَفاءُ" يُرِيدُ في القَدْرِ والمَنزِلَةِ في الدُنْيا، و ﴿ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ هم أشْرافُ الكُفّارِ وكُبَراؤُهُمْ، ولَمْ يَصِفُهم بِالكِبْرِ إلّا مِن حَيْثُ اسْتَكْبَرُوا، لا أنَّهم في أنْفُسِهِمْ كُبَراءُ، ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ في أنْفُسِهِمْ لَكانَتْ صِفَتُهُمُ الكُبَراءَ أو نَحْوَهُ مِمّا يُوجِبُ الصِفَةَ لَهُمْ، و"التَبَعُ" قِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ تابِعٌ كَغائِبٌ وغَيْبٌ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، كَعَدْلٍ وزُورٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ مُغْنُونَ عَنّا ﴾ أيْ يَحْمِلُونَ عَنّا كَلَّهُ ومَشَقَّتَهُ، فَأخْبَرَهُمُ المُسْتَكْبِرُونَ أنَّ الأمْرَ قَدِ انْجَزَمَ بِحُصُولِ الكُلِّ مِنهم فِيها، وأنَّ حُكْمَ اللهِ تَعالى قَدِ اسْتَمَرَّ بِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ كُلٌّ فِيها ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "إنّا كُلًّا فِيها" بِالنَصْبِ عَلى التَأْكِيدِ، ثُمَّ قالَ جَمِيعُ مَن في النارِ لِخَزَنَتِها وزَبانِيَتِها: ادْعُوا رَبَّكم عَسى أنْ يُخَفِّفَ عَنّا مِقْدارَ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُنْيا مِنَ العَذابِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ - عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ - ﴿ أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكُمْ ﴾ الآيَةُ، فَأقَرَّ الكُفّارُ عِنْدَ ذَلِكَ وقالُوا: "بَلى"، أيْ قَدْ كانَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُمُ الخَزَنَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: فادْعُوا أنْتُمْ إذًا، وعَلى هَذا مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أيْ: فادْعُوا أيُّها الكافِرُونَ الَّذِينَ لا مَعْنى لِدُعائِكُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ هو مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ  ، وجاءَتْ هَذِهِ الأفْعالُ عَلى صِيغَةِ المُضِيِّ، ﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ - ﴿ وَقالَ الَّذِينَ في النارِ ﴾ - لِأنَّها وصْفُ حالٍ مُتَيَقَّنَةِ الوُقُوعِ فَحَسُنَ ذَلِكَ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون ﴿ إذ ﴾ معمولاً ل (اذْكُرْ) محذوففٍ فيكون عطفاً على جملة ﴿ وأنذرهم يوم الأزِفَةِ ﴾ ، والضميرُ عائداً إلى ﴿ الذِّينَ يجادلون في ءاياتت الله بِغَيْرِ سلطان ﴾ [غافر: 35] وما بين هذا وذاك اعتراض واستطراد لأنها قصد منها عظة المشركين بمن سبقهم من الأمم المكذبين فلما استُوفي ذلك عاد الكلام إليهم.

ويفيد ذلك صريحَ الوعيد للمشركين بعد أن ضُربت لهم الأمثال كما قال تعالى: ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ [محمد: 10]، وقد تكرر في القرآن موعظة المشركين بمثل هذا كقوله تعالى: ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ الآية في سورة [البقرة: 166]، وقوله: ﴿ قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار ﴾ الآية في سورة [الأعراف: 38].

(ويجوز أن تكون ﴿ وَإذْ يَتَحَآجُّونَ ﴾ عطفاً على جملة ﴿ ويوم تقوم الساعة ادخلوا ءالَ فرعونَ أشدَّ العذاب ﴾ [غافر: 46] لأن (إذْ) و(يومَ) كليهما ظرف بمعنى (حين)، فيكون المعنى: وحين تقوم الساعة يقال: أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب، وحين يتحاج أهل النار فيقول الضعفاء الخ.

وقرن ﴿ فَيَقُولُ الضعفاؤا ﴾ بالفاء لإِفادة كون هذا القول ناشئاً عن تحاجّهم في النار مع كون ذلك دَالاً على أنه في معنى متعلَّق ﴿ إذ، وهذا استعمال من استعمالات الفاء التي يسميها النحاة زائدة، وأثبت زيادتها جماعة منهم الأخفش والفراء والأعلم وابن بَرهان، وحكاه عن أصحابه البصريين.

وضمير يتحاجون ﴾ على هذا الوجه عائد إلى آل فرعون.

ويفيد مع ذلك تعريضاً بوعيد المشركين كما هو مقتضى المماثلة المسوقة وضمير ﴿ يتحاجون ﴾ غير عائد إلى ﴿ ءَالَ فِرعونَ ﴾ [غافر: 46] لأن ذلك يأباه قوله: ﴿ وقال الذين في النار لِخَزنة جهنم ادعوا ربكم ﴾ [غافر: 49] وقوله: ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأتيكم رُسُلكم بالبينات ﴾ [غافر: 50] ولم يَأت آل فرعون إلا رسول واحد هو موسى عليه السلام فيعود ضمير ﴿ يتحاجون ﴾ إلى معلوم من المقام وهم أهل النار.

والتحاجّ: الاحتجاج من جانبين فأكثرَ، أي إقامة كل فريق حجته وهو يقتضي وقوع خلاف بين المتحاجّين إذ الحجة تأييد لدعوى لدفع الشك في صحتها.

والضعفاء: عامة الناس الذين لا تصرُّف لهم في أمور الأمة.

والذين استكبروا: سادة القوم، أي الذين تكبروا كِبْراً شديداً، فالسين والتاء فيه للمبالغة.

وقول الضعفاء للكبراء هذا الكلامَ يحتمل أنه على حقيقته فهو ناشئ عما اعتادوه من اللجإ إليهم في مهمهم حين كانوا في الدنيا فخالوا أنهم يتولون تدبير أمورهم في ذلك المكان ولهذا أجاب الذين استكبروا بما يفيد أنهم اليوم سواء في العجز وعدم الحيلة فقالوا: ﴿ إنَّا كُلٌّ فِيهَآ ﴾ أي لو أغنينا عنكم لأغنينا عن أنفسنا.

وتقديم قولهم: ﴿ إنَّا كُنَّا لَكُم تبعَاً ﴾ على طلب التخفيف عنهم من النار، مقدمة للطلب لقصد توجيهه وتعليله وتذكيرهم بالولاء الذي بينهم في الدنيا، يلهمهم الله هذا القول لافتضاح عجز المستكبرين أن ينفعوا أتباعهم تحقيراً لهم جزاء على تعاظمهم الذي كانوا يتعاظمون به في الدنيا.

ويحتمل أن قول الضعفاء ليس مستعملاً في حقيقة الحث على التخفيف عنهم ولكنه مستعمل في التوبيخ، أي كنتم تدعوننا إلى دين الشرك فكانت عاقبة ذلك أنا صرنا في هذا العذاب فهل تستطيعون الدفع عنا.

وتأكيد ﴿ إنَّا كنا لكُم تَبَعاً ﴾ ب (إنَّ) للاهتمام بالخبر وليس لرد إنكار.

والتبع: اسم لمن يتبع غيره، يستوي فيه الواحد والجمع، وهو مثل خَدَم وَحَشَم لأن أصله مصدر، فلذلك استوى فيه الواحد والجمع، وقيل التَبَع: جمع لا يجري على الواحد، فهو إذن من الجموع النادرة.

والاستفهام في قوله: ﴿ فَهَلْ أنتُم مُغْنُونَ ﴾ مستعمل في الحث واللوم على خذلانهم وترك الاهتمام بما هم فيه من عذاب.

وجيء بالجملة الاسمية الدالة على الثبات، أي هل من شأنكم أنكم مغنون عنّا.

و ﴿ مغنون ﴾ اسم فاعل من أغنى غناء بفتح الغين والمدّ، أي فائدة وإجزاء.

والنصيب: الحَظ والحصة من الشيء، قال تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ إلى قوله: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ [النساء: 7].

وقد ضمّن ﴿ مغنون ﴾ معنى دافعون ورادُّون، فلذلك عُدي إلى مفعوللٍ وهو ﴿ نصيباً ﴾ أي جُزءاً من حر النار غير محدد المقدار من قوتها، و ﴿ مِنَ النَّار ﴾ بيان ل ﴿ نَصِيباً ﴾ كقوله تعالى: ﴿ فهل أنتم مغنون عنا من عذاب اللَّه من شيء ﴾ [إبراهيم: 21] فهم قانعون بكل ما يخفف عنهم من شدة حرّ النار وغير طامعين في الخروج منها.

ويجوز أن يكون ﴿ مغنون ﴾ على معناه دون تضمين ويكون ﴿ نصيباً ﴾ منصوباً على المفعول المطلق لِمغنون والتقدير غَناء نصيباً، أي غناء مَّا ولو قليلاً.

و ﴿ منَ النَّارِ ﴾ متعلقاً ب ﴿ مغنون ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وما أغني عنكم من اللَّه من شيء ﴾ [يوسف: 67].

ويجوز أن يكون النصيب الجزءَ من أزمنة العذاب فيكون على حذف مضاف تقديره: من مُدة النار.

ولما كان جواب الذين استكبروا للذين استضعفوا جارياً في مجرى المحاورة جرّد فعل {قال من حرف العطف على طريقة المحاورة كما تقدم غير مرة.

ومعنى قولهم: إِنَّا كُلٌّ فِيهَا } نحن وأنتم مستوون في الكون في النار فكيف تطمعون أن ندفع عنكم شيئاً من العذاب.

وعلى وجه أن يكون قول الضعفاء ﴿ إنا كُنَّا لَكمُ تَبعاً ﴾ إلى آخره توبيخاً ولوماً لزعمائهم يكون قول الزعماء ﴿ إنَّا كُلٌّ فِيهَا ﴾ اعترافاً بالغلط، أي دَعُوا لومنا وتوبيخنا فقد كفانا أنا معكم في النار وتأكيد الكلام ب (إنّ) للاهتمام بتحقيقه أو لتنزيل من طالبوهم بالغناء عنهم من عذاب النار مع مشاهدتهم أنهم في العذاب مثلهم، منزلة من يحسبهم غير واقعين في النار، وفي هذا التنزيل ضرب من التوبيخ يقولون: ألستم تروننا في النار مثلكم فكيف نغني عنكم.

و ﴿ كل ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره ﴿ فيها ﴾ والجملة من المبتدأ وخبره خبر (إنَّ) وتنوين (كل) تنوين عوض عن المضاف إليه، إذ التقدير: إنا كلُّنا في النار.

وجملة ﴿ إنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَادِ ﴾ تتنزل منزلة بدل الاشتمال من جملة ﴿ إنَّا كُلٌّ فيها ﴾ فكلتا الجملتين جواب لهم مؤيس من حصول التخفيف عنهم.

والمعنى: نحن مستوون في العذاب وهو حكم الله فلا مطمع في التقصي من حكمه فقد جوزي كل فريق بما يستحق.

وما في هذه الجملة الثانية من عموم تعلق فعل الحكم بين العباد ما يجعل هذا البدل بمنزلة التذييل، أي أن الله حكم بين العباد كلهم بجزاء أعمالهم فكان قسطنا من الحكم هذا العذاب.

فكلمة ﴿ حَكَمَ ﴾ هنا مستعملة في معناها الحقيقي وهو المكان المتوسط، أي وقع حكمه وقضاؤه في مجمعهم الذي حضره من حُكم عليه ومن حكم له ومن لم يتعرض للحكومة لأنه من أهل الكرامة بالجنة، فليست كلمة (بين) هنا بمنزلة (بين) في قوله تعالى: ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل اللَّه ﴾ [المائدة: 48] فإنها في ذلك مستعملة مجازاً في التفرقة بين المحق والمبطل.

وفي هذه الآية عبرة لزعماء الأمم وقادتهم أن يحذروا الارتماء بأنفسهم في مهاوي الخسران فيوقعوا المقتدين بهم في تلك المهاوي فإن كان إقدامهم ومغامرتهم بأنفسهم وأممِهم على علم بعواقب ذلك كانوا أحرياء بالمذمة والخزي في الدنيا ومضاعفة العذاب في الآخرة، إذ ما كان لهم أن يغُرُّوا بأقوام وكلوا أمورهم بقادتهم عن حسن ظن فيهم، أن يخونوا أمانتهم فيهم كما قال تعالى: ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ [العنكبوت: 13]، وإن كان قَحْمهم أنفسهم في مضائق الزعامة عن جهل بعواقب قصورهم وتقصيرهم فإنهم ملومون على عدم التوثق من كفاءتهم لتدبير الأمة فيخبِطوا بها خبط عشواء حتى يزلوا بها فيَهْوُوا بها من شواهق بعيدة فيصيروا رميماً، ويَلْقوا في الآخرة جحيماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ: لا بُدَّ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

الثّانِي: مَعْناهُ: لَقَدْ حَقَّ واسْتَحَقَّ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا جَوابًا كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلُوا كَذا، فَيَقُولُ المُجِيبُ: لا جَرَمَ أنَّهم سَيَنْدَمُونَ، قالَهُ الخَلِيلُ.

﴿ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.

﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يَسْتَجِيبُ لِأحَدٍ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ مَرْجِعَنا بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ لِيُجازِينا عَلى أفْعالِنا.

﴿ وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي المُشْرِكِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَعْنِي السَّفّاكِينَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَمّى اللَّهُ القَتْلَ سَرَفًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ النَّقّاشُ.

﴿ وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ: وأُسَلِّمُ أمْرِي إلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِأعْمالِ العِبادِ.

الثّانِي: بِمَصِيرِ العِبادِ.

وَفي قائِلِ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ مُوسى.

الثّانِي: مِن قَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، فَعَلى هَذا يَصِيرُ بِهَذا القَوْلِ مُظْهِرًا لِإيمانِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى وقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا، فَعَلى هَذا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ نَجّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسى حَتّى عَبَرَ البَحْرَ وأغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ وحْدَهُ ومِنهُ قَوْلُ أراكَةَ الثَّقَفِيِّ: لا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَوْتِ أحِبَّةٍ عَلِيٍّ وعَبّاسٍ وآلِ أبِي بَكْرٍ يُرِيدُ أبا بَكْرٍ.

الثّانِي: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ هارِبًا إلى جَبَلٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَأرْسَلَ في طَلَبِهِ، فَجاءَ الرُّسُلُ وهو في صَلاتِهِ وقَدْ ذُبَّتْ عَنْهُ السِّباعُ والوُحُوشُ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ، فَعادُوا إلى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرُوهُ فَقَتَلَهم فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ ﴿ وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُهُ، وسُوءُ العَذابِ هو الغَرَقُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: رُسُلُهُ الَّذِينَ قَتَلَهم، وسُوءُ العَذابِ هو القَتْلُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ مَقاعِدُهم مِنَ النّارِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، فَيُقالُ: لِآلِ فِرْعَوْنَ هَذِهِ مَنازِلُكم، تَوْبِيخًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلى جَهَنَّمَ وتَرُوحُ فَذَلِكَ عَرْضُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم يُعَذَّبُونَ بِالنّارِ في قَبْرِهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، وهَذا لِآلِ فِرْعَوْنَ خُصُوصًا.

قالَ مُجاهِدٌ: ما كانَتِ الدُّنْيا.

﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ وقِيامُها وُجُودُ صِفَتِها عَلى اسْتِقامَةٍ، ومِنهُ قِيامُ السُّوقِ وهو حُضُورُ أهْلِها عَلى اسْتِقامَةٍ في وقْتِ العادَةِ.

﴿ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ لِأنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ مُخْتَلِفٌ.

وَجَعَلَ الفَرّاءُ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وتَقْدِيرُهُ: أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنِ انْتِظامِ الكَلامِ عَلى سِياقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن هذيل بن شرحبيل رضي الله عنه قال: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار.

فذلك عرضها، وأرواح الشهداء في أجواف طير خضر، وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحنث في أجواف عصافير من عصافير الجنة ترعى وتسرح.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه أنه سئل عن أرواح الشهداء قال: تجعل أرواحهم في أجواف طير خضر تسرح في الجنة، وتأوي بالليل إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش فتأوي فيها.

قيل فأرواح الكفار؟

قال: توجد أرواحهم فتجعل في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار.

ثم قرأ هذه الآية ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح.

فذلك عرضها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾ قال: صباحاً ومساءً.

يقال لهم: هذه منازلكم، فانظروا إليها توبيخاً ونقمة وصغاراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾ قال: ما كانت الدنيا تعرض أرواحهم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه.

أنه كان له صرختان في كل يوم غدوة وعشية.

كان يقول أول النهار: ذهب الليل وجاء النهار، وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت وابن جرير عن الأوزاعي رضي الله عنه؛ أنه سأله رجل فقال: يا أبا عمرو إنا نرى طيراً أسود تخرج من البحر فوجاً فوجاً لا يعلم عددها إلا الله تعالى فإذا كان العشاء عاد مثلها بيضا؟!

قال: وفطنتم لذلك؟

قالوا: نعم.

قال: تلك في حواصلها أرواح آل فرعون ﴿ يعرضون على النار غدواً وعشياً ﴾ فترجع وكورها وقد أحرقت رياشها وصارت سوداء، فينبت عليها ريش أبيض وتتناثر السود، ثم تعرض على النار، ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده من الغداة والعشي.

إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار.

يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة.

زاد ابن مردويه ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾ » .

وأخرج البزار وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحسن محسن مسلم أو كافر إلا أثابه الله.

قلنا يا رسول الله ما إثابة الكافر؟

قال: المال، والولد، والصحة، وأشباه ذلك.

قلنا: وما إثابته في الآخرة؟

قال: عذاباً دون العذاب» وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ قراءة مقطوعة الألف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ النار بدل من سوء العذاب، أو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر، وعرضهم عليها من حين موتهم إلى يوم القيامة، وذلك مدّة البرزخ بدليل قوله: يوم القيامة ﴿ أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب ﴾ واستدل أهل السنة بذلك على صحة ما ورد من عذاب القبر، وروي أن أرواحهم في أجواف طيور سود تروح بهم وتغدوا إلى النار ﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ قيل: معناه في كل غدوة وعشية من أيام الدنيا، وقيل: المعنى على تقدير: ما بين الغدوة والعشية، لأن الآخرة لا غدوة فيها ولا عشية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ذروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون: بواو العطف.

﴿ يظهر ﴾ بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص.

الآخرون: بفتحهما ورفع الفساد ﴿ عذت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل وهشام ﴿ التنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قلب متكبر ﴾ بالتنوين فيهما على الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ذكوان.

الباقون: على الإضافة.

﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ فأطلع ﴾ بالنصب: حفص.

﴿ اتبعوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل وابن كثير ويعقوب وافق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو نشيط عن قالون في الوصل.

﴿ مالي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع ﴿ أمري إلى الله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ تقوم ﴾ بتاء التأنيث: الرازي عن هشام ﴿ أدخلوا ﴾ من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية.

وانتصب ﴿ آل ﴾ و ﴿ أشدّ ﴾ على أنهما مفعول بهما.

وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب ﴿ آل ﴾ على النداء لا على أنه مفعول به.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ رّبه ﴾ ج لاحتمال اللام ﴿ مؤمن ﴾ قف قد قيل: بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح أنه كان من القبط، ولو فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له ﴿ من ربكم ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الابتداء بالشرط ﴿ كذبه ﴾ ج للعطف والشرط ﴿ بعدكم ﴾ ط ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ز لابتداء الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به ﴿ جاءنا ﴾ ط ﴿ الرشاد ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بعدهم ﴾ ط ﴿ للعباد ﴾ ه ﴿ التناد ﴾ ه ط لأجل البدل ﴿ مدبرين ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ من عاصم ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار من الله  وكونه من كلام المؤمن ﴿ من هاد ﴾ ه ﴿ جاءكم به ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ط ﴿ مرتاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل فإن "من" في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني أنهم ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ جبار ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه لا ﴿ كاذباً ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ تباب ﴾ ه ﴿ الرشاد ﴾ ج لأن النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول ﴿ متاع ﴾ ز للفصل بين تنافي الدارين مع اتفاق الجملتين ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ج لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل والابتداء ﴿ وعشياً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف ﴿ الساعة ﴾ قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم أو للزبانية ﴿ لعذاب ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ه ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ بلى ﴾ ط ﴿ فادعوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال ﴿ ضلال ﴾ ه.

التفسير: لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي  وزيادة توبيخ وتذكير لهم.

وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا جرم أوردها ههنا مع فوائد زائدة على ما في المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه.

ولأن القصة قد تكررت مراراً فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام.

قوله ﴿ بالحق ﴾ أي بالمعجزات الظاهرة.

وقوله ﴿ اقتلوا ﴾ يريد به إعادة القتل كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ سنقتل أبناءهم  ﴾ قوله ﴿ إلا في ضلال ﴾ أي في ضياع واضمحلال.

فإن كان اللام في ﴿ الكافرين ﴾ للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم وإستيلاء موسى وقومه على ديارهم.

قوله ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوّة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون.

الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتله.

الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة.

قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب وجريرة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحسن بأن في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال ﴿ إني أخاف أن يبدّل ﴾ الآية.

ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك.

قال: وقوله ﴿ وليدع ربّه ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه.

وقال غيره: هو على سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدّعي وجوده حتى يخلصه.

ومعنى تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أن يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعاً، أو أحد الأمرين على القراءتين.

ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله.

وفي تصدير الجملة بأن دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة والاستعاذة برب الأرض والسموات.

وفي قوله ﴿ بربي ﴾ إشارة إلى أن الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني.

وفي قوله ﴿ وربكم ﴾ احتراز عن أن يظن ظانّ أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره ﴿ ألم نربك فينا وليدا  ﴾ وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن اجتماع النفوس له تأثير قوي.

وفي قوله ﴿ من كل متكبر ﴾ أي متكبر عن قبول الحق على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية.

والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه.

وأما وصف المتكبر بقوله ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب.

والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب.

ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع.

ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون.

والأصح أنه كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً واسمه سمعان أبو حبيب أو خربيل.

وقيل: كان إسرائيلياً.

وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله ﴿ اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ فما الوجه في تخصيصه؟

ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ وقوله ﴿ يا قوم ﴾ على رأس كل نصيحة يغلب على الظن أن يتنصح لقومه.

ومعنى ﴿ أن يقول ﴾ لأجل قوله أو وقت أن يقول كأنه قال منكراً عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله ﴿ ربى الله ﴾ والدليل على حقيتها إظهار الخوارق والمعجزات.

وفي قوله ﴿ من ربكم ﴾ استدراج لهم إلى الاعتراف بالله.

ثم احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً.

على الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب.

واعترض على الشق الأوّل بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله.

وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم قال ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ ولم يقل "كل الذي"؟

والجواب عن الأوّل أنه إنما ردّد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور الشمس في ضحوة النهار؟

وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

وعن أبي عبيدة: أن البعض ههنا بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: ترّاك أمكنه إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط.

ثم أكد حقية أمر موسى بقوله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ وقد هداه الله إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حدّ الاعتدال ولا بكذاب.

وقيل: إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على قاتل موسى كذاب في ادّعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ويزيل ملكه ويدفع شره، وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية مجاهداً في سبيل الله بلسانه.

ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوّفهم زوالها بقوله ﴿ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ﴾ أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من بني إسرائيل والقبط ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ من يخلصنا من عذابه ﴿ إن جاءنا ﴾ وذلك لشؤم تكذيب نبيه ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قبله ﴿ وما أهديكم ﴾ بهذا الرأي ﴿ إلا سبيل الرشاد ﴾ وصلاح الدين والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر.

قال جار الله: وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد.

وحكى أبو الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه.

قوله ﴿ مثل دأب ﴾ قال جار الله صاحب الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر والتكذيب.

ثم قال: إنه عطف بيان للأوّل لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح.

ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أوّل المضافات.

قلت: لا بأس من جعله بدلاً كما مرّ.

وقوله ﴿ وما الله يريد ظلماً للعباد ﴾ أبلغ من قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي.

وفيه أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً.

وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لكونهم ظالمين.

وحين خوّفهم عذاب الدنيا خوّفهم عذاب الآخرة أيضاً فقال ﴿ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولاً به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم.

وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف.

ومنها أنه من قوله ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ ومنها أن بعض الظالمين ينادي بعضاً بالويل والثبور قائلين يا ويلنا.

ومنها أنهم ينادون إلى المحشر.

ومنها أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت كتابيه.

ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح، وأهل النار حزناً على حزن.

وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التنادّ مشدداً وأصله من ندّ إذا هرب نظيره ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه  ﴾ الخ.

ويؤيده قراءة ابن عباس مشدداً وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل.

وقوله بعد ذلك ﴿ يوم تولوّون مدبرين ﴾ أنهم إذا سمعوا زفير النار ندّوا هاربين فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.

وقال قتادة: معنى تولون مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار.

ثم أكد التهديد بقوله ﴿ ما لكم من الله ﴾ الآية.

ثم ذكر مثالاً لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله.

وأيضاً كسفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعدما مات يوسف.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم عشرين سنة قاله ابن عباس.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم رسولاً من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضاً وفيه بعد.

قال المفسرون في قوله ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ ليس إشارة إلى أنهم صدّقوا يوسف لقوله ﴿ فما زلتم في شك ﴾ وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ قلت: هذا إنما يصح إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مرويّ كما قلنا اللهم إلا أن يقال: لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى.

وجوّز أن يكون ﴿ الذين يجادلون ﴾ مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر.

وجوّز آخرون أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة.

وفي قوله ﴿ وعند الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى قرنها إلى شهادة نفسه.

والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حدّ أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو باعتبار صاحبه.

ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة.

ثم أخبر الله  عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدّم ذكره في سورة القصص.

قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما مر في أوّل "ص" فـ ﴿ فليرتقوا في الأسباب  ﴾ فائدة بناء الكلام على الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع وغيره.

من قرأ ﴿ فأطلّع ﴾ بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع.

ومن قرأ بالنصب فعلى تشبيه الترجي بالتمني.

والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله ﴿ وما زادوهم غير تتبيب  ﴾ استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح.

والجواب أن بديهة فرعون لا حجة فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع.

وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجوداً في زمان موسى وفرعون وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجوداً في عصرهما لنقل لتوفرت الدواعي عن نقله.

والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولاً ووسطاً وآخراً.

ثم عاد  إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أوّلاً بقوله ﴿ اتبعون أهدكم ﴾ ثم استأنف مفصلاً قائلاً ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ يتمتع به أياماً قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ المنزل الذي يستقر فيه.

ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح.

ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئاً زائداً على سبيل التفضل غير مندرج تحت الحساب.

ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها وفسر هذه الجملة بقوله ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ الآية.

ليعلم أن الشرك بالله أعظم موجبات النار والتوحيد ضدّه.

وفي قوله ﴿ ما لي أدعوكم ﴾ من غير أن يقول "ما لكم" مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى دعائه سلوك لطريق الإنصاف.

ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره.

قوله ﴿ لا جرم ﴾ لا ردّ لكلامهم، وجرم بمعنى كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في "هود" و "النحل".

ومعنى ﴿ ليس له دعوة ﴾ أنه لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء  ﴾ عن قتادة: المسرفين هم المشركون.

ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها.

وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم.

وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حدّ الاعتدال كما بالدوام والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار ﴿ فستذكرون ﴾ أي في الدنيا عند حلول العذاب أو في الآخرة عند دخول النار ﴿ وأفوّض أمري إلى الله ﴾ قاله لأنهم توعدوه.

وفيه وفي قوله ﴿ فوقاه الله ﴾ دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه النصائح.

قال مقاتل: لما تمم هذه الكلماتقصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه.

قوله ﴿ وحاق بآل فرعون ﴾ معناه أنه رجع وبال مكرهم عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا ناراً.

ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل هذا السوء إليه، ولئن سلّم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد همّ بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود.

قوله ﴿ يعرضون عليها ﴾ أي يحرقون بها.

يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به.

وقوله ﴿ غدوّاً وعشياً ﴾ إما للدوام كما مر في صفة أهل الجنة ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين.

وفي سائر الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن يعذبوا بنوع آخر من العذاب الله أعلم بحالهم.

وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا لأن سماع الحق مرّ طعمه؟

قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل.

ولما انجز الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مراراً.

وفي قولهم ﴿ إن الله قد حكم بين العباد ﴾ أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى الإقناط الكليّ، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زماناً.

قال المفسرون: إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر الناس فكأن لخزنتها قرباً من الله وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب.

أما قول الخزنة لهم ﴿ فادعوا ﴾ ودعاء الكافر لا يسمع؛ فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمناً والشافع مأذوناً له فيها، والأمر إن ههنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم.

ثم أكدوا ذلك بقولهم ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي لا أثر له ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ ﴾ .

ما ذكر هاهنا وفي آي من القرآن وهو ما ذكر: ﴿ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ ، قد علم الضعفاء الأتباع لا يملكون دفع ما هم فيه؛ لأنهم لو كانوا يملكون ذلك، لدفعوا عن أنفسهم، فإذا لم يملكوا دفع ذلك عن أنفسهم فلألا يملكوا دفع ذلك عنهم أحق، لكنهم قالوا ذلك لهم ليزدادوا حسرة وندامة؛ وهو كقوله  في آية أخرى: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ  ﴾ .

ويحتمل أنهم إنما قالوا لهم ذلك لما قالوا لهم في الدنيا: ﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ  ﴾ فيقولون لهم لذلك في الآخرة: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ  ﴾ أي: حاملون عنا بعض الذي علينا من العذاب ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً ﴾ في الدنيا ﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ ﴾ نعذب ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ﴾ .

هذا من أولئك الذين استكبروا؛ جواباً للضعفاء على أحد التأويلين، ولا يكون جواباً للآخر، وهو جواب لقولهم الذي قالوا في الدنيا: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ  ﴾ ، فيقولون: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ﴾ ألا يزيد العذاب على مثل السيئة، وقد حكم الله  على كل منا بالمثل، فلا يزيد على ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ .

كان فزع الكفرة أبداً إلى الخلق إذا نزل به البلاء في الدنيا، إلا أن يضطروا، فعند ذلك يفزعون إلى الله، فأما ما لم ييئسوا منهم فلا يفزعون إليه؛ فعلى ذلك يكون فزعهم في الآخرة إلى الخلق، وهو ما سألوا أهل الجنة من الماء، أخبر الله  عنهم بقوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، فلما أيسوا من ذلك عند ذلك فزعوا إلى مالك، وهو ما أخبر الله  عنهم بقوله: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ  ﴾ سألوا الموت، فلما أخبرهم أنهم ماكثون، فعند ذلك فزعوا إلى الخزنة وقالوا: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ * قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، فلما أيسوا منهم ومما سألوهم من تخفيف العذاب عنهم عند ذلك فزعوا إلى الله  ، وهو قولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ  ﴾ ، لم يفزعوا إلى الله  إلا بعد ما انقطع رجاؤهم منهم، وأيسوا، وبالله العصمة والنجاة.

وقد استدل بقوله  : ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ ﴾ من لا يرى الحجة والحكم يلزمهم بمجرد العقل دون الرسل - عليهم السلام - حيث احتج عليهم الخزنة بتكذيبهم الرسل وردهم البينات التي أتتهم الرسل.

واستدلوا أيضاً بقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ  ﴾ ، وبقوله -  -: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً  ﴾ ، وغيرها من الآيات التي فيها أنه لا يعذبهم إلا بعدما قامت عليهم الحجة من جهة الرسل ولزمهم الحكم بهم، فعند ذلك يعذبون.

لكن تأويل الآية يخرج عندنا على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك في قوم خاص الذين لا يرون لزوم الحجة والحكم إلا من جهة الرسالة، فيحتج عليهم بما كانوا يرونه؛ ليكون أقرب إلى الإلزام والحجة، وإن كان يجوز أن يحتج عليهم بما هو حجة وهم لا يرونها حجة، والله أعلم.

والثاني: إنما ذكر ذلك على المبالغة والنهاية في الحجة، وإن كانت الحجة قد تلزمهم والحكم قد ثبت بدون ذلك وهو العقل؛ لأن إرسال الرسل وإقامة المعجزات أقرب إلى الوصول إلى الحق، وقد أقام كلا الحجتين فذكروا أظهر الحجتين؛ ليكون أقرب إلى إظهار عنادهم، وهذا كما في تعذيب الكفرة في الدنيا أنهم لم يعذبوا بنفس الكفر حتى كان منهم مع الكفر الاستهزاءُ بالرسل والعناد لهم وغير ذلك، وإنما كانوا يستوجبون العذاب بنفس الكفر, لكن ترك تعذيبهم حتى يبلغوا النهاية والإبلاغ في التكذيب والعناد؛ وهو كقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ ذكر هذا على النهاية والإبلاغ في الجناية منهم، وإن كانوا يستوجبون العذاب بجحودهم الزكاة دون جحود البعث، أو جحود البعث دون جحود الزكاة؛ فعلى ذلك الآيات التي ذكرها هي على الإبلاغ والنهاية، وإن كان الحجة تلزمهم والحكم يثبت بدون الرسل، والله الموفق.

وبعد، فإن قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ  ﴾ فلا تكون ظالماً فيما عذبتنا، والظلم من الله  محال؛ فيستحيل تقدير الآية على هذا الوجه؛ دل أن التعذيب قبل الرسل عدل وحكمة وليس بظلم، والله الموفق.

وبعد: فإن في قوله: ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ دلالة أن الحجة إنما تلزم بالبينات لا بنفس الرسل، والبينات قد وجدت، وسبب المعرفة وطريقها - وهو العقل - قائم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ .

ليس على الأمر بالدعاء، ولكن معناه: أنكم وإن دعوتم لا ينفعكم دعوتكم؛ كقوله: ﴿ لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً  ﴾ أي: هلاكا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال المتبوعون المستكبرون: إنا -سواء كنَّا أتباعًا أو متبوعين- في النار، ولا يتحمل أحد منا جزءًا من عذاب الآخر، إن الله قد حكم بين العباد، فأعطى كلًّا ما يستحقه من العذاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.AQJdp"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله