الآية ٥٠ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٥٠ من سورة غافر

قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ ٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٠ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ) أي : أوما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل ؟

( قالوا بلى قالوا فادعوا ) أي : أنتم لأنفسكم ، فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم ، ونحن منكم برآء ، ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم ; ولهذا قالوا : ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) أي : إلا من ذهاب ، لا يتقبل ولا يستجاب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ (50) وقوله: ( قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ) يقول تعالى ذكره: قالت خزنة جهنم لهم: أو لم تك تأتيكم في الدنيا رسلكم بالبيّنات من الحجج على توحيد الله, فتوحدوه وتؤمنوا به, وتتبرّءوا مما دونه من الآلهة؟

قالوا: بلى, قد أتتنا رسلنا بذلك.

وقوله: ( قَالُوا فَادْعُوا ) يقول جلّ ثناؤه: قالت الخزنة لهم: فادعوا إذن ربكم الذي أتتكم الرسل بالدعاء إلى الإيمان به.

وقوله: ( وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ) يقول: قد دعوا وما دعاؤهم إلا في ضلال, لأنه دعاء لا ينفعهم, ولا يستجاب لهم, بل يقال لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي خسار وتبار

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فـ { قَالُوا } لهم موبخين ومبينين أن شفاعتهم لا تنفعهم، ودعاءهم لا يفيدهم شيئًا: { أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } التي تبينتم بها الحق والصراط المستقيم، وما يقرب من الله وما يبعد منه؟{ قَالُوا بَلَى } قد جاءونا بالبينات، وقامت علينا حجة الله البالغة فظلمنا وعاندنا الحق بعد ما تبين.

{ قَالُوا } أي: الخزنة لأهل النار، متبرئين من الدعاء لهم والشفاعة: { فَادْعُوا } أنتم ولكن هذا الدعاء هل يغني شيئا أم لا؟قال تعالى: { وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } أي: باطل لاغ، لأن الكفر محبط لجميع الأعمال صادّ لإجابة الدعاء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا ) يعني : خزنة جهنم لهم ، ( أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا ) أنتم إذا ربكم ، إنا لا ندعو لكم ؛ لأنهم علموا أنه لا يخفف عنهم العذاب .

قال الله تعالى : ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) أي : يبطل ويضل ولا ينفعهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا» أي الخزنة تهكما «أوَ لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات» بالمعجزات الظاهرات «قالوا بلى» أي فكفروا بهم «قالوا فادعوا» أنتم فإنا لا نشفع للكافرين، قال تعالى: «وما دعاءُ الكافرين إلا في ضلال» انعدام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال خزنة جهنم لهم توبيخًا: هذا الدعاء لا ينفعكم في شيء، أولم تأتكم رسلكم بالحجج الواضحة من الله فكذبتموهم؟

فاعترف الجاحدون بذلك وقالوا: بلى.

فتبرأ خزنة جهنم منهم وقالوا: نحن لا ندعو لكم، ولا نشفع فيكم، فادعوا أنتم، ولكن هذا الدعاء لا يغني شيئًا؛ لأنكم كافرون.

وما دعاء الكافرين إلا في ضياع لا يُقبل، ولا يُستجاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا يرد عليهم خزنة جهنم بقولهم : ( أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات ) أى : قالوا لهم على سبيل التوبيخ والتأنيب : أو لم تك رسلكم فى الدنيا تنذركم بسوء مصير الكافرين ، وتأتيكم بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقهم .( قَالُواْ بلى ) أى : الكافرون لخزنة جهنم : بلى أتونا بكل ذلك فكذبناهم .وهنا رد عليهم الخزنة بقولهم : ما دام الأمر كما ذكرتم من أن الرسل قد نصحوكم ولكنكم أعرضتم عنهم ( فادعوا ) ما شئتم فإن الدعاء والطلب والرجاء لن ينفعكم شيئا .( وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ) أى : وما دعاء الكافرين وتضرعهم إلا فى ضياع وخسران .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن ذلك الرجل لم يقصر في تقرير الدين الحق، وفي الذب عنه فالله تعالى رد عنه كيد الكافرين وقصد القاصدين، وقوله تعالى: ﴿ فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ﴾ يدل على أنه لما صرّح بتقرير الحق فقد قصدوه بنوع من أنواع السوء، قال مقاتل لما ذكر هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه، وقيل المراد بقوله: ﴿ فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ﴾ أنهم قصدوا إدخاله في الكفر وصرفه عن الإسلام فوقاه الله عن ذلك إلا أن الأول أولى لأن قوله بعد ذلك ﴿ وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ سُوء العذاب ﴾ لا يليق إلا بالوجه الأول، وقوله تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ ﴾ أي أحاط بهم ﴿ سُوء العذاب ﴾ أي غرقوا في البحر، وقيل بل المراد منه النار المذكورة في قوله: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ قال الزجاج ﴿ النار ﴾ بدل من قوله: ﴿ سُوء العذاب ﴾ قال: وجائز أيضاً أن تكون مرتفعة على إضمار تفسير ﴿ سُوء العذاب ﴾ كأن قائلاً قال: ما سوء العذاب؟

فقيل: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ .

قرأ حمزة ﴿ حاق ﴾ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بالفتح أما قوله: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات عذاب القبر قالوا الآية تقتضي عرض النار عليهم غدواً وعشياً، وليس المراد منه يوم القيامة لأنه قال: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب ﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا لأن عرض النار عليهم غدواً وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا، فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت وقبل يوم القيامة، وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذ ثبت في حقهم ثبت في حق غيرهم لأنه لا قائل بالفرق، فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض النصائح عليهم في الدنيا؟

لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب وخوفوهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار، ثم نقول في الآية ما يمنع من حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين: الأول: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع، وقوله: ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ يقتضي أن لا يحصل ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين، فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر الثاني: أن الغدوة والعشية إنما يحصلان في الدينا، أما في القبر فلا وجود لهما، فثبت بهذين الوجهين أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر والجواب: عن السؤال الأول أن في الدنيا عرض عليهم كلمات تذكرهم أمر النار، لا أنه يعرض عليهم نفس النار، فعلى قولهم يصير معنى الآية الكلمات المذكرة لأمر النار كانت تعرض عليهم، وذلك يفضي إلى ترك ظاهر اللفظ والعدول إلى المجاز، أما قوله الآية تدل على حصول هذا العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز، قلنا لم لا يجوز أن يكتفي في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام القيامة يلقى في النار فيدوم عذابه بعد ذلك، وأيضاً لا يمتنع يأن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية عن الدوام كقوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً  ﴾ أما قوله إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية، قلنا لم لا يجوز أن يقال إن عند حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب؟

والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ أدخلوا آل فرعون ﴾ أي يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم في أشد العذاب، والباقون أدخلوا على معنى أنه يقال لهؤلاء الكفار: أدخلوا أشد العذاب، والقراءة الأولى اختيار أبي عبيدة، واحتج عليها بقوله تعالى: ﴿ يُعْرَضُونَ ﴾ فهذا يفعل بهم فكذلك ﴿ أَدْخِلُواْ ﴾ وأما وجه القراءة الثانية فقوله: ﴿ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ ﴾ ، وهاهنا آخر الكلام في قصة مؤمن آل فرعون.

واعلم أن الكلام في تلك القصة لما انجر إلى شرح أحوال النار، لا جرم ذكر الله عقيبها قصة المناظرات التي تجري بين الرؤساء والأتباع من أهل النار فقال: ﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النار ﴾ والمعنى اذكر يا محمد لقومك إذ يتحاجون أي يحاجج بعضهم بعضاً، ثم شرح خصومتهم وذلك أن الضعفاء يقولون للرؤساء ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ﴾ في الدنيا، قال صاحب الكشاف تبعاً كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع أي أتباع أو وصفاً بالمصدر ﴿ فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ النار ﴾ أي فهل تقدرون على أن تدفعوا أيها الرؤساء عنا نصيباً من العذاب، واعلم أن أولئك الأتباع يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء وإيلام قلوبهم، لأنهم هم الذين سعوا في إيقاع هؤلاء الأتباع في أنواع الضلالات فعند هذا يقول الرؤساء ﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا ﴾ يعني أن كلنا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسي، ثم يقولون ﴿ إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد ﴾ يعني يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب، ثم عند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون إلى خزنة جهنم ويقولون لهم ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً مّنَ العذاب ﴾ فإن قيل لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها بل قال: ﴿ وَقَالَ الذين فِي النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ﴾ ؟

قلنا فيه وجهان الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع والثاني: أن يكون جهنم اسماً لموضع هو أبعد النار قعراً، من قولهم بئر جهنام أي بعيدة القعر، وفيها أعظم أقسام الكفار عقوبة وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذا عرف الكفار أن الأمر كذلك استغاثوا بهم، فأولئك الملائكة يقولون لهم ﴿ أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات ﴾ والمقصود أن قبل إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا إنه: ﴿ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ  ﴾ أما بعد مجيء الرسل فلم يبق عذر ولا علة كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ وهذه الآية تدل على أن الواجب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشرع، ثم إن أولئك الملائكة يقولون للكفار ادعوا أنتم فإنا لا نجترئ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين أحدهما: كون المشفوع له مؤمناً والثاني: حصول الإذن في الشفاعة ولم يوجد واحد من هذين الشرطين فإقدامنا على هذه الشفاعة ممتنع لكن ادعوا أنتم، وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة، فإن الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكفار، ثم يصرحون لهم بأنه لا أثر لدعائهم فيقولون ﴿ وَمَا دُعَاء الكافرين إِلاَّ فِي ضلال ﴾ فإن قيل إن الحاجة على الله محال، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال: إنه تأذى من هؤلاء المجرمين بسبب جرمهم، وإذا كان التأذي محالاً عليه كانت شهوة الانتقام ممتنعة في حقه، إذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضار العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار لا منفعة فيه إلى الله تعالى ولا لأحد من العبيد، فهو إضرار خال عن جميع الجهات المنتفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يبقى على ذلك الإيلام أبد الآباد ودهر الداهرين، من غير أن يرحم حاجتهم ومن غير أن يسمع دعاءهم ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقصى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عبيده لدعاه كرمه ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيد في محل النفع والضرر والحاجة، فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟

قلنا أفعال الله لا تعلل و ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ  ﴾ فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به، والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ﴾ للقوّام بتعذيب أهلها.

فإن قلت: هلا قيل: الذين في النار لخزنتها؟

قلت: لأن في ذكر جهنم تهويلاً وتفظيعاً ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار قعراً، من قولهم: بئر جهنام بعيدة القعر، وقولهم في النابغة: جهنام، تسمية بها، لزعمهم أنه يلقي الشعر على لسان المنتسب إليه، فهو بعيد الغور في علمه بالشعر، كما قال أبو نواس في خلف الأحمر: قُلَيْذَمٌ مِنَ الْعَيَالِيمِ الْخُسُفْ وفيها أعتى الكفار وأطغاهم، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة لزيادة قربهم من الله تعالى، فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم ﴿ أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ ﴾ إلزام للحجة وتوبيخ، وأنهم خلفوا وراءهم أوقات الدعاء والتضرع، وعطلوا الأسباب التي يستجيب الله لها الدعوات ﴿ قَالُواْ فادعوا ﴾ أنتم، فإنا لا نجترئ على ذلك ولا نشفع إلاّ بشرطين: كون المشفوع له غير ظالم، والإذن في الشفاعة مع مراعاة وقتها، وذلك قبل الحكم الفاصل بين الفريقين، وليس قولهم ﴿ فادعوا ﴾ لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة؛ فإن الملك المقرّب إذا لم يسمع دعاؤه، فكيف يسمع دعاء الكافر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ﴾ أيْ لِخَزَنَتِها، ووَضْعُ جَهْنامَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّهْوِيلِ أوْ لِبَيانِ مَحَلِّهِمْ فِيها، إذْ يَحْتِمَلُ أنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ أبْعَدَ دَرَكاتِها مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرُ جَهْنامٌ بَعِيدَةُ القَعْرِ.

﴿ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا ﴾ قَدْرَ يَوْمٍ.

﴿ مِنَ العَذابِ ﴾ شَيْئًا مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ «يَوْمًا» بِحَذْفِ المُضافِ ومِنَ العَذابِ بَيانُهُ.

﴿ قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ ﴾ أرادُوا بِهِ إلْزامَهم لِلْحُجَّةِ وتَوْبِيخَهم عَلى إضاعَتِهِمْ أوْقاتَ الدُّعاءِ وتَعْطِيلَهم أسْبابَ الإجابَةِ.

﴿ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا ﴾ فَإنّا لا نَجْتَرِئُ فِيهِ إذْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنا في الدُّعاءِ لِأمْثالِكُمْ، وفِيهِ إقْناطٌ لَهم عَنِ الإجابَةِ.

﴿ وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ ضَياعٍ لا يُجابُ، وفِيهِ إقْناطٌ لَهم عَنِ الإجابَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالُواْ} أي الخزنة توبيخاً لهم بعد مدة طويلة {أولم تك} اى او لم تك قصة وقوله {تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم} تفسير للقصة {بالبينات} بالمعجزات {قَالُواْ} أي الكفار {بلى قَالُواْ} أي الخزنة تهكماً بهم {فادعوا} أنتم ولا استجابة لدعائكم {وما دعاء الكافرين إِلاَّ فِى ضلال} بطلان وهو من قول الله تعالى ويحتمل أن يكون من كلام الخزنة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ لَمْ تُنَبَّهُوا عَلى هَذا ولَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ بِالحُجَجِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى سُوءِ مَغَبَّةِ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكُمْ ﴾ هَذا وأرادُوا بِذَلِكَ إلْزامَهم وتَوْبِيخَهم عَلى إضاعَةِ أوْقاتِ الدُّعاءِ وتَعْطِيلِ أسْبابِ الإجابَةِ ﴿ قالُوا بَلى ﴾ أيْ أتَوْنا بِها فَكَذَّبْناهم كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ  ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا فادْعُوا ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فادْعُوا أنْتُمْ فَإنَّ الدُّعاءَ لِمَن يَفْعَلُ فِعْلَكم ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ صُدُورُهُ عَنّا، وقِيلَ: في تَعْلِيلِ امْتِناعِ الخَزَنَةِ عَنِ الدُّعاءِ: لِأنّا لَمْ نُؤْذَنْ في الدُّعاءِ لِأمْثالِكم، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ عِرائِهِ عَنْ بَيانٍ أنَّ سَبَبَهُ مِن قِبَلِ الكَفَرَةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ الإذْنَ في حَيِّزِ الإمْكانِ وأنَّهم لَوْ أُذِنَ لَهم لَفَعَلُوا فالتَّعْلِيلُ الأوَّلُ أوْلى، ولَمْ يُرِيدُوا بِأمْرِهِمْ بِالدُّعاءِ إطْماعَهم في الإجابَةِ بَلْ إقْناطَهم مِنها وإظْهارَ خَيْبَتِهِمْ حَيْثُما صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ في ضَياعٍ وبُطْلانٍ أيْ لا يُجابُ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ  .

واسْتَدَلَّ بِها مُطْلَقًا مَن قالَ: إنَّ دُعاءَ الكافِرِ لا يُسْتَجابُ وإنَّهُ لا يُمَكَّنُ مِنَ الخُرُوجِ في الِاسْتِسْقاءِ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ في دُعاءِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّ الكافِرَ قَدْ يَقَعُ في الدُّنْيا ما يَدْعُو بِهِ ويَطْلُبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إثْرَ دُعائِهِ كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ، وأمّا أنَّهُ هَلْ يُقالُ لِذَلِكَ إجابَةٌ أمْ لا فَبَحْثٌ لا جَدْوى لَهُ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ أي: يتخاصمون في النار الضعفاء، والرؤساء، فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: لرؤسائهم إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في الدنيا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا أي: حاملون عنا، نَصِيباً مِنَ النَّارِ يعني: بعض الذي علينا من العذاب، باتباعنا إياكم، كما كنا ندفع عنكم المؤونة في دار الدنيا.

قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: الرؤساء يقولون للضعفاء: إِنَّا كُلٌّ فِيها يعني: نعذب نحن، وأنتم على قدر حصصكم في الذنوب، فلا يغني واحد واحداً، إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ أي: قضى بين العباد، بين التابع والمتبوع.

ويقال: حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ يعني: أنزلنا منازلنا، وأنزلكم منازلكم.

وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ إذا اشتد عليهم العذاب ادْعُوا رَبَّكُمْ يعني: سلوا ربكم.

يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ يعني: يوماً من أيام الدنيا، حتى نستريح، فترد الخزنة عليهم فتقول: قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: ألم تخبركم الرسل أن عذاب جهنم إلى الأبد.

ويقال: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: ألم تخبركم الرسل بالدلائل، والحجج، والبراهين، فكذبتموهم.

قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا يعني: تقول لهم الخزنة، فادعوا ما شئتم، فإنه لا يستجاب لكم.

وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي: في خطأ بيّن.

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا بالغلبة، والحجة، وَالَّذِينَ آمَنُوا بهم يعني: الذين صدقوهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي: بالحجة، والغلبة على جميع الخلق.

يعني: على جميع أهل الأديان وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ قال مقاتل: يعني: الحفظة من الملائكة، يشهدون عند رب العالمين للرسل بالبلاغ، وعلى الكافرين بتكذيبهم.

وقال الكلبي: يعني: يوم القيامة يقوم الرسل عند رب العالمين، يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ يعني: لا ينفع الكافرون اعتذارهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو يَوْمٌ لاَّ تَنفَعُ بالتاء بلفظ التأنيث، لأن المعذرة مؤنثة.

والباقون: بالياء.

وانصرف إلى المعنى، يعني: لا ينفع لهم اعتذارهم وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي: السخطة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي: عذاب جهنم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أَنَّهم قوم ثمود.

وقوله: بِالْحَقِّ أي: بما استحقوا بأفعالهم وبما حَقَّ مِنَّا في عقوبتهم، والغثاء: ما يحمله السَّيْلُ من زُبَدِهِ الذي لا يُنْتَفَعُ به، فَيُشَبَّهُ كُلُّ هامد وتالف بذلك.

قال أبو حيان «١» : «وبعداً» منصوبٌ بفعل محذوف، أي: بَعُدُوا بُعْداً، أي: هلكوا، انتهى، ثم أخبر سبحانه: إنَّه أنشأ بعد هؤلاء أمماً كثيرةً، كلَّ أَمَّةٍ بأجل، وفي كتاب لا تتعداه في وجودها وعند موتها، وتترى: مصدر من تَوَاتَر الشيءُ.

وقوله سبحانه: فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً أي: في الإهلاك.

وقوله تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يريد أحاديث مَثَلٍ، وقَلَّمَا يُسْتَعْمَلُ الجعل حديثا ٣١ أإلّا في الشر، وعالِينَ/ معناه: قاصدين لِلْعُلُوِّ بالظلم، وقولهم: وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ معناه: خادمون متذللون، والطريق المُعَبَّدُ المُذَلَّلُ، ومِنَ الْمُهْلَكِينَ: يريد بالغرق.

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: التوراة، ولَعَلَّهُمْ يريد: بني إسرائيل لأَنَّ التوراة إنَّما نزلت بعد هلاكِ فرعونَ والقِبْطِ، والربوة: المُرْتَفِعُ من الأرض، والقرار: التَّمَكُّنُ، وَبَيِّنٌ أَنَّ ماء هذه الربوة يرى معيناً جارياً على وجه الأرض قاله ابن عباس «٢» ، والمعين: الظاهِرُ الجري للعينِ، فالميم زائدة، وهو الذي يُعَايَنُ جريُه، لا كالبئرِ ونحوِهِ، ويحتمل أن يكون من قولهم: معن الماء إذَا كَثُرَ، وهذه الربوة هي الموضع الذي فَرَّتْ إليه مريمُ وقتَ وضع عيسى عليه السلام هذا قولُ بعضِ المفسرين، واختلف الناسُ في موضع الربوة، فقال ابن المُسَيِّبِ «٣» : هي الغُوطَةُ بدمشق وهذا أشهر الأقوال لأَنَّ صفة الغُوطَةِ أَنَّها ذات قرار ومعين على الكمال.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ إذْ يَخْتَصِمُونَ، يَعْنِي أهْلَ النّارِ، والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في [سُورَةِ] [إبْراهِيمَ: ٢١]، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ القادَةُ.

ومَعْنى ﴿ إنّا كُلٌّ فِيها ﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿ إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ ﴾ أيْ: قَضى هَذا عَلَيْنا وعَلَيْكم.

ومَعْنى قَوْلِ الخَزَنَةِ لَهُمْ: ﴿ فادْعُوا ﴾ أيْ: نَحْنُ لا نَدْعُو لَكم ﴿ وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ ولا يَنْفَعُ.

﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ بِإثْباتِ حُجَجِهِمْ.

والثّانِي: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ: والثّالِثُ: بِأنَّ العاقِبَةَ تَكُونُ لَهم.

وفَصْلُ الخِطابِ: أنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ لابُدَّ مِنهُ، فَتارَةً يَكُونُ بِإعْلاءِ أمْرِهِمْ كَما أعْطى داوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ المُلْكِ ما قَهَرا بِهِ كُلَّ كافِرٍ، وأظْهَرَ مُحَمَّدًا  عَلى مُكَذِّبِيهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بِإنْجاءِ الرُّسُلِ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ ومُوسى وقَوْمِهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وفاةِ الرُّسُلِ، كَتَسْلِيطِهِ بُخْتُنَصَّرَ عَلى قَتَلَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا.

وأمّا نَصْرُهم يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، فَإنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، وواحِدُ الأشْهادِ شاهِدٌ، كَما أنَّ واحِدَ الأصْحابِ صاحِبٌ.

وفي الأشْهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَلائِكَةُ، شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالإبْلاغِ وعَلى الأُمَمِ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ.

والثّانِي: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْفَعُ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ؛ لِأنَّ المَعْذِرَةَ والِاعْتِذارَ بِمَعْنًى ﴿ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ مِنهم إنِ اعْتَذَرُوا ﴿ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ أيِ: البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ.

وقَدْ بَيَّنّا في [الرَّعْدِ: ٢٥] أنَّ "لَهُمْ" بِمَعْنى "عَلَيْهِمْ"، و ﴿ سُوءُ الدّارِ ﴾ : النّارُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ ﴿ وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النارِ فَيَقُولُ الضُعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النارِ ﴾ ﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ في النارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ ﴾ ﴿ قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ﴾ \[النارُ\] رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِن [سُوءُ]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [النارُ] رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ [يُعْرَضُونَ].

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا الغُدُوُّ والعَشِيُّ هو في الدُنْيا، أيْ: في كُلِّ غُدُوٍّ وعَشِيٍّ مِن أيّامِ الدُنْيا يُعْرَضُ آلُ فِرْعَوْنَ عَلى النارِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ الهَزِيلِ بْنِ شُرَحْبِيلٍ، والسُدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النارِ، وقالَهُ الأوزاعِيُّ حِينَ قالَ لَهُ رَجُلٌ: إنِّي رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ ثُمَّ تَرْجِعُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلَها، فَقالَ الأوزاعِيُّ: تِلْكَ هي الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يَحْتَرِقُ رِيشُها ويَسُودَّ بِالعَرْضِ عَلى النارِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى النارِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ؛ إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ.

عَلى التَقْدِيرِ بِأيّامِ الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" عَطْفًا عَلى "عَشِيًّا" والعامِلُ فِيهِ [يُعْرَضُونَ]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مَقْطُوعًا والعامِلُ فِي: [يَوْمَ] [أدْخِلُوا]، والتَقْدِيرُ: عَلى كُلِّ قَوْلٍ: "يُقالُ ادْخُلُوا".

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ: [أدْخَلُوا] بِقَطْعِ الألْفِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: [ادْخُلُوا] بِصِلَةِ الألْفِ عَلى الأمْرِ لِآلِ فِرْعَوْنَ، و[آلَ] - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - مُنادى مُضافٌ، و[أشَدَّ] نُصِبَ عَلى الظَرْفِيَّةِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: [يَتَحاجُّونَ] لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في [إذْ] فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، قالَ الطَبَرِيُّ: و[إذْ] هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ، و"المُحاجَّةُ": التَحاوُرُ بِالحَجَّةِ والخُصُومَةِ.

و"الضُعَفاءُ" يُرِيدُ في القَدْرِ والمَنزِلَةِ في الدُنْيا، و ﴿ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ هم أشْرافُ الكُفّارِ وكُبَراؤُهُمْ، ولَمْ يَصِفُهم بِالكِبْرِ إلّا مِن حَيْثُ اسْتَكْبَرُوا، لا أنَّهم في أنْفُسِهِمْ كُبَراءُ، ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ في أنْفُسِهِمْ لَكانَتْ صِفَتُهُمُ الكُبَراءَ أو نَحْوَهُ مِمّا يُوجِبُ الصِفَةَ لَهُمْ، و"التَبَعُ" قِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ تابِعٌ كَغائِبٌ وغَيْبٌ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، كَعَدْلٍ وزُورٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ مُغْنُونَ عَنّا ﴾ أيْ يَحْمِلُونَ عَنّا كَلَّهُ ومَشَقَّتَهُ، فَأخْبَرَهُمُ المُسْتَكْبِرُونَ أنَّ الأمْرَ قَدِ انْجَزَمَ بِحُصُولِ الكُلِّ مِنهم فِيها، وأنَّ حُكْمَ اللهِ تَعالى قَدِ اسْتَمَرَّ بِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ كُلٌّ فِيها ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "إنّا كُلًّا فِيها" بِالنَصْبِ عَلى التَأْكِيدِ، ثُمَّ قالَ جَمِيعُ مَن في النارِ لِخَزَنَتِها وزَبانِيَتِها: ادْعُوا رَبَّكم عَسى أنْ يُخَفِّفَ عَنّا مِقْدارَ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُنْيا مِنَ العَذابِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ - عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ - ﴿ أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكُمْ ﴾ الآيَةُ، فَأقَرَّ الكُفّارُ عِنْدَ ذَلِكَ وقالُوا: "بَلى"، أيْ قَدْ كانَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُمُ الخَزَنَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: فادْعُوا أنْتُمْ إذًا، وعَلى هَذا مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أيْ: فادْعُوا أيُّها الكافِرُونَ الَّذِينَ لا مَعْنى لِدُعائِكُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ هو مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ  ، وجاءَتْ هَذِهِ الأفْعالُ عَلى صِيغَةِ المُضِيِّ، ﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ - ﴿ وَقالَ الَّذِينَ في النارِ ﴾ - لِأنَّها وصْفُ حالٍ مُتَيَقَّنَةِ الوُقُوعِ فَحَسُنَ ذَلِكَ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما لم يجدوا مساغاً للتخفيف من العذاب في جانب كُبرائهم، وتنصَّلَ كبراؤُهم من ذلك أو اعترفوا بغلطهم وتوريطهم قومَهم وأنفسَهم تمَالأَ الجميع على محاولة طلب تخفيف العذاب بدعوة من خَزَنة جهنم، فلذلك أسند القول إلى الذين في النار، أي جميعهم من الضعفاء والذين استكبروا.

وخَزَنة: جمع خَازن، وهو الحافظ لما في المكان من مال أو عروض.

و ﴿ خزنة جهنم ﴾ هم الملائكة الموكَّلون بما تحويه من النار ووَقودها والمعذبين فيها وموكلون بتسيير ما تحتوي عليه دار العذاب وأهلها ولذلك يقال لهم: خزنة النار، لأن الخزن لا يتعلق بالنار بل بما يحويها فليس قوله هنا: ﴿ جهنم ﴾ إظهاراً في مقام الإِضمار إذ لا يحسن إضافة خزنة إلى النار ولو تقدم لفظ جهنم لقال: لخزنتها، كما في قوله في سورة [الملك: 6 8] ﴿ وللذين كفروا بربهم عذاب (جهنم) وبئس المصير ﴾ إلى قوله: ﴿ سألهم خزنتها ﴾ فإن الضمير ل ﴿ جهنم ﴾ لا ل ﴿ النار ﴾ .

وفي «الكشاف» أنه من الإِظهار في مقام الإِضمار للتهويل بلفظ ﴿ جهنم ﴾ ، والمسلك الذي سلكناه أوضح.

وفي إضافة (رب) إلى ضمير المخاطبين ضرب من الإِغراء بالدعاء، أي لأنكم أقرب إلى استجابته لكم.

ولما ظنُّوهم أرجى للاستجابة سألوا التخفيف يوماً من أزمنة العذاب وهو أنفع لهم من تخفيف قوة النار الذي سألوه من مستكبريهم.

وجزم ﴿ يخفف ﴾ بعد الأمر بالدعاء، ولعله بتقدير لام الأمر لكثرة الاستعمال، ومن أهل العربية من يجعله جزماً في جواب الطلب لتحقيق التسبب.

فيكون فيه إيذان بأن الذين في النار واثقون بأن خزنة جهنم إذا دعوا الله استجاب لهم.

وهذا الجزم شائع بعد الأمر بالقول وما في معناه لهذه النكتة وحقه الرفع أو إظهار لام الأمر.

وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ﴾ في سورة [إبراهيم: 31].

(وضمّن ﴿ يخفف ﴾ معنى ينقص فنصب ﴿ يوماً، ﴾ أو هو على تقدير مضاف، أي عذاب يوم، أي مقدار يوم، وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على المفعول به ل ﴿ يخفف ﴾ .

واليومُ كناية عن القلة، أي يخفف عنا ولو زمناً قليلاً.

و ﴿ مِنَ العَذَابِ ﴾ بيان ل ﴿ يوماً ﴾ لأنه أريد به المقدار فاحتاج إلى البيان على نحو التمييز.

ويجوز تعلقه ب ﴿ يخفف ﴾ .

وجوَابُ خزنة جهنم لهم بطريق الاستفهام التقريري المراد به: إظهارُ سوء صنيعهم بأنفسهم إذ لم يتبعوا الرسل حتى وقعوا في هذا العذاب، وتنديمُهم على ما أضاعوه في حياتهم الدنيا من وسائل النجاة من العقاب.

وهو كلام جامع يتضمن التوبيخ، والتنديم، والتحسير، وبيان سبب تجنب الدعاء لهم، وتذكيرهم بأن الرسل كانت تحذرهم من الخلود في العذاب.

والواو في قوله: ﴿ أوَلَمْ تَكُ تَأتِيكُم رُسُلُكُم ﴾ لم يعرج المفسرون على موقعها.

وهي واو العطف عطف بها (خزنة جهنم) كلامهم على كلام الذين في النار من قَبيل طريقة عطف المتكلم كلاماً على كلاممٍ صدر من المخاطب إيماء إلى أن حقه أن يكون من بقية كلامه وأن لا يُغفِله، وهو ما يلقب بعطف التلقين كقوله تعالى: ﴿ قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي ﴾ [البقرة: 124] فإن أهل النار إذا تذكروا ذلك علموا وجاهة تنصل خزنة جهنم من الشفاعة لهم، وتفريع ﴿ فادعو ﴾ على ذلك ظاهر على كلا التقديرين.

وهمزة الاستفهام مقدمة من التأخير على التقديرين، لوجوب صدارتها.

وجملة ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ يجوز أن تكون من كلام خزنة جهنم تذييلاً لكلامهم يبين أن قولهم: ﴿ فادعو ﴾ مستعمل في التنبيه على الخطأ، أي دعاؤكم لم ينفعكم لأن دعاء الكافرين في ضلال والواو اعتراضية، ويجوز أن تكون من كلام الله تعالى تذييلاً واعتراضاً.

والبينات: الحجج الواضحة والدعَوات الصريحة إلى اتباع الهدى.

فلم يسعهم إلا الاعتراف بمجيء الرسل إليهم بالبينات فقالوا: بلى، فرد عليهم خزنة جهنم بالتنصل من أن يدعُوا الله بذلك، إلى إيكال أمرهم إلى أنفسهم بقولهم: ﴿ فادعو ﴾ تفريعاً على اعترافهم بمجيء الرسل إليهم بالبينات.

ومعنى تفريعه عليه هو أنه مفرع عليه باعتبار معناه الكِنائي الذي هو التنصل من أن يَدعُوا لهم، أي كما توليتم الإعراض عن الرسل استبداداً بآرائكم فتولَّوا اليومَ أمرَ أنفسكم فادعوا أنتم، فإن «من تولى قُرها يَتولَّى حَرَّها»، فالأمر في قوله: ﴿ فادعو ﴾ مستعمل في الإِباحة أو في التسوية، وفيه تنبيه على خطإِ السائلين في سُؤالهم.

وزيادة فعل الكَون في ﴿ أوَلَمْ تَكُ تَأتِيكم ﴾ للدلالة على أن مجيء الرسل إلى الأمم أمر متقرر محقّق، لما يدل عليه فعل الكَون من الوجود بمعنى التحقق، وأما الدلالة على أن فعل الإِتيان كان في الزمن الماضي فهو مستفاد من (لَم) النافية في الماضي.

والضلال: الضياع، وأصله: خطأ الطريق، كما في قوله تعالى: ﴿ أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد ﴾ [السجدة: 10].

والمعنى: أن دعاءهم لا ينفعهم ولا يُقبل منهم، وسواء كان قوله: ﴿ وَمَا دُعاء الكافرين إلاَّ فِي ضلال ﴾ من كلام الملائكة أو من كلام الله تعالى فهو مقتض عموم دعائهم لأن المصدر المضاف من صيغ العموم فيقتضي أن دعاء الكافرين غير متقبل في الآخرة وفي الدنيا لأن عموم الذوات يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة.

وأما ما يوهم استجابة دعاء الكافرين نحو قوله تعالى: ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ﴾ [الأنعام: 63، 64] وقوله: ﴿ دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ [يونس: 22، 23]، فظاهر أن هذه لا تدل على استجابة كرامة ولكنها لتسجيل كفرهم ونكرانهم، وقد يُتوهم في بعض الأحوال أن يَدْعو الكافر فيقع ما طَلبه وإنما ذلك لمصادفة دعائه وقَت إجابة دعاء غيره من الصالحين، وكيف يستجاب دعاء الكافر وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم استبعاد استجابة دعاء المؤمن الذي يأكل الحرام ويلبس الحرام في حديث مسلم عن أبي هريرة: «ذَكَر رسول الله صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يُطيلُ السَّفَر أشعثَ أَغْبَرَ يُمدُّ يديْه إلى السماء: يا رَبِّ يا رَبِّ، ومطعَمُه حَرام ومَشْرَبُه حرام وغُذّي بالحرام فأنَّى يستجاب له».

ولهذا لم يقل الله: فلما استجاب دعاءهم، وإنما قال: فلما نجاهم، أي لأنه قدّر نجاتهم من قبل أن يدعوا أو لأن دعاءهم صادف دعاء بعض المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ: لا بُدَّ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

الثّانِي: مَعْناهُ: لَقَدْ حَقَّ واسْتَحَقَّ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا جَوابًا كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلُوا كَذا، فَيَقُولُ المُجِيبُ: لا جَرَمَ أنَّهم سَيَنْدَمُونَ، قالَهُ الخَلِيلُ.

﴿ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.

﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يَسْتَجِيبُ لِأحَدٍ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ مَرْجِعَنا بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ لِيُجازِينا عَلى أفْعالِنا.

﴿ وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي المُشْرِكِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَعْنِي السَّفّاكِينَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَمّى اللَّهُ القَتْلَ سَرَفًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ النَّقّاشُ.

﴿ وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ: وأُسَلِّمُ أمْرِي إلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِأعْمالِ العِبادِ.

الثّانِي: بِمَصِيرِ العِبادِ.

وَفي قائِلِ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ مُوسى.

الثّانِي: مِن قَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، فَعَلى هَذا يَصِيرُ بِهَذا القَوْلِ مُظْهِرًا لِإيمانِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى وقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا، فَعَلى هَذا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ نَجّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسى حَتّى عَبَرَ البَحْرَ وأغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ وحْدَهُ ومِنهُ قَوْلُ أراكَةَ الثَّقَفِيِّ: لا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَوْتِ أحِبَّةٍ عَلِيٍّ وعَبّاسٍ وآلِ أبِي بَكْرٍ يُرِيدُ أبا بَكْرٍ.

الثّانِي: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ هارِبًا إلى جَبَلٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَأرْسَلَ في طَلَبِهِ، فَجاءَ الرُّسُلُ وهو في صَلاتِهِ وقَدْ ذُبَّتْ عَنْهُ السِّباعُ والوُحُوشُ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ، فَعادُوا إلى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرُوهُ فَقَتَلَهم فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ ﴿ وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُهُ، وسُوءُ العَذابِ هو الغَرَقُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: رُسُلُهُ الَّذِينَ قَتَلَهم، وسُوءُ العَذابِ هو القَتْلُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ مَقاعِدُهم مِنَ النّارِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، فَيُقالُ: لِآلِ فِرْعَوْنَ هَذِهِ مَنازِلُكم، تَوْبِيخًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلى جَهَنَّمَ وتَرُوحُ فَذَلِكَ عَرْضُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم يُعَذَّبُونَ بِالنّارِ في قَبْرِهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، وهَذا لِآلِ فِرْعَوْنَ خُصُوصًا.

قالَ مُجاهِدٌ: ما كانَتِ الدُّنْيا.

﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ وقِيامُها وُجُودُ صِفَتِها عَلى اسْتِقامَةٍ، ومِنهُ قِيامُ السُّوقِ وهو حُضُورُ أهْلِها عَلى اسْتِقامَةٍ في وقْتِ العادَةِ.

﴿ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ لِأنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ مُخْتَلِفٌ.

وَجَعَلَ الفَرّاءُ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وتَقْدِيرُهُ: أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنِ انْتِظامِ الكَلامِ عَلى سِياقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن هذيل بن شرحبيل رضي الله عنه قال: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار.

فذلك عرضها، وأرواح الشهداء في أجواف طير خضر، وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحنث في أجواف عصافير من عصافير الجنة ترعى وتسرح.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه أنه سئل عن أرواح الشهداء قال: تجعل أرواحهم في أجواف طير خضر تسرح في الجنة، وتأوي بالليل إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش فتأوي فيها.

قيل فأرواح الكفار؟

قال: توجد أرواحهم فتجعل في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار.

ثم قرأ هذه الآية ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح.

فذلك عرضها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾ قال: صباحاً ومساءً.

يقال لهم: هذه منازلكم، فانظروا إليها توبيخاً ونقمة وصغاراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾ قال: ما كانت الدنيا تعرض أرواحهم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه.

أنه كان له صرختان في كل يوم غدوة وعشية.

كان يقول أول النهار: ذهب الليل وجاء النهار، وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت وابن جرير عن الأوزاعي رضي الله عنه؛ أنه سأله رجل فقال: يا أبا عمرو إنا نرى طيراً أسود تخرج من البحر فوجاً فوجاً لا يعلم عددها إلا الله تعالى فإذا كان العشاء عاد مثلها بيضا؟!

قال: وفطنتم لذلك؟

قالوا: نعم.

قال: تلك في حواصلها أرواح آل فرعون ﴿ يعرضون على النار غدواً وعشياً ﴾ فترجع وكورها وقد أحرقت رياشها وصارت سوداء، فينبت عليها ريش أبيض وتتناثر السود، ثم تعرض على النار، ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده من الغداة والعشي.

إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار.

يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة.

زاد ابن مردويه ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾ » .

وأخرج البزار وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحسن محسن مسلم أو كافر إلا أثابه الله.

قلنا يا رسول الله ما إثابة الكافر؟

قال: المال، والولد، والصحة، وأشباه ذلك.

قلنا: وما إثابته في الآخرة؟

قال: عذاباً دون العذاب» وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ قراءة مقطوعة الألف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ﴾ إن قيل: هلا قال الذين في النار لخزنتها فلم صرح باسمها؟

فالجواب أن في ذكر جهنم تهويلاً ليس في ذكر الضمير ﴿ وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام خزنة جهنّم فيكون متّصلاً بقوله: ﴿ فادعوا ﴾ أن يكون من كلام الله تعالى استنئنافاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ذروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون: بواو العطف.

﴿ يظهر ﴾ بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص.

الآخرون: بفتحهما ورفع الفساد ﴿ عذت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل وهشام ﴿ التنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قلب متكبر ﴾ بالتنوين فيهما على الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ذكوان.

الباقون: على الإضافة.

﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ فأطلع ﴾ بالنصب: حفص.

﴿ اتبعوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل وابن كثير ويعقوب وافق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو نشيط عن قالون في الوصل.

﴿ مالي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع ﴿ أمري إلى الله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ تقوم ﴾ بتاء التأنيث: الرازي عن هشام ﴿ أدخلوا ﴾ من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية.

وانتصب ﴿ آل ﴾ و ﴿ أشدّ ﴾ على أنهما مفعول بهما.

وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب ﴿ آل ﴾ على النداء لا على أنه مفعول به.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ رّبه ﴾ ج لاحتمال اللام ﴿ مؤمن ﴾ قف قد قيل: بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح أنه كان من القبط، ولو فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له ﴿ من ربكم ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الابتداء بالشرط ﴿ كذبه ﴾ ج للعطف والشرط ﴿ بعدكم ﴾ ط ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ز لابتداء الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به ﴿ جاءنا ﴾ ط ﴿ الرشاد ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بعدهم ﴾ ط ﴿ للعباد ﴾ ه ﴿ التناد ﴾ ه ط لأجل البدل ﴿ مدبرين ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ من عاصم ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار من الله  وكونه من كلام المؤمن ﴿ من هاد ﴾ ه ﴿ جاءكم به ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ط ﴿ مرتاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل فإن "من" في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني أنهم ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ جبار ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه لا ﴿ كاذباً ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ تباب ﴾ ه ﴿ الرشاد ﴾ ج لأن النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول ﴿ متاع ﴾ ز للفصل بين تنافي الدارين مع اتفاق الجملتين ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ج لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل والابتداء ﴿ وعشياً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف ﴿ الساعة ﴾ قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم أو للزبانية ﴿ لعذاب ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ه ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ بلى ﴾ ط ﴿ فادعوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال ﴿ ضلال ﴾ ه.

التفسير: لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي  وزيادة توبيخ وتذكير لهم.

وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا جرم أوردها ههنا مع فوائد زائدة على ما في المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه.

ولأن القصة قد تكررت مراراً فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام.

قوله ﴿ بالحق ﴾ أي بالمعجزات الظاهرة.

وقوله ﴿ اقتلوا ﴾ يريد به إعادة القتل كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ سنقتل أبناءهم  ﴾ قوله ﴿ إلا في ضلال ﴾ أي في ضياع واضمحلال.

فإن كان اللام في ﴿ الكافرين ﴾ للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم وإستيلاء موسى وقومه على ديارهم.

قوله ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوّة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون.

الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتله.

الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة.

قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب وجريرة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحسن بأن في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال ﴿ إني أخاف أن يبدّل ﴾ الآية.

ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك.

قال: وقوله ﴿ وليدع ربّه ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه.

وقال غيره: هو على سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدّعي وجوده حتى يخلصه.

ومعنى تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أن يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعاً، أو أحد الأمرين على القراءتين.

ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله.

وفي تصدير الجملة بأن دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة والاستعاذة برب الأرض والسموات.

وفي قوله ﴿ بربي ﴾ إشارة إلى أن الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني.

وفي قوله ﴿ وربكم ﴾ احتراز عن أن يظن ظانّ أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره ﴿ ألم نربك فينا وليدا  ﴾ وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن اجتماع النفوس له تأثير قوي.

وفي قوله ﴿ من كل متكبر ﴾ أي متكبر عن قبول الحق على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية.

والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه.

وأما وصف المتكبر بقوله ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب.

والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب.

ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع.

ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون.

والأصح أنه كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً واسمه سمعان أبو حبيب أو خربيل.

وقيل: كان إسرائيلياً.

وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله ﴿ اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ فما الوجه في تخصيصه؟

ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ وقوله ﴿ يا قوم ﴾ على رأس كل نصيحة يغلب على الظن أن يتنصح لقومه.

ومعنى ﴿ أن يقول ﴾ لأجل قوله أو وقت أن يقول كأنه قال منكراً عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله ﴿ ربى الله ﴾ والدليل على حقيتها إظهار الخوارق والمعجزات.

وفي قوله ﴿ من ربكم ﴾ استدراج لهم إلى الاعتراف بالله.

ثم احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً.

على الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب.

واعترض على الشق الأوّل بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله.

وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم قال ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ ولم يقل "كل الذي"؟

والجواب عن الأوّل أنه إنما ردّد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور الشمس في ضحوة النهار؟

وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

وعن أبي عبيدة: أن البعض ههنا بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: ترّاك أمكنه إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط.

ثم أكد حقية أمر موسى بقوله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ وقد هداه الله إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حدّ الاعتدال ولا بكذاب.

وقيل: إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على قاتل موسى كذاب في ادّعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ويزيل ملكه ويدفع شره، وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية مجاهداً في سبيل الله بلسانه.

ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوّفهم زوالها بقوله ﴿ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ﴾ أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من بني إسرائيل والقبط ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ من يخلصنا من عذابه ﴿ إن جاءنا ﴾ وذلك لشؤم تكذيب نبيه ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قبله ﴿ وما أهديكم ﴾ بهذا الرأي ﴿ إلا سبيل الرشاد ﴾ وصلاح الدين والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر.

قال جار الله: وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد.

وحكى أبو الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه.

قوله ﴿ مثل دأب ﴾ قال جار الله صاحب الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر والتكذيب.

ثم قال: إنه عطف بيان للأوّل لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح.

ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أوّل المضافات.

قلت: لا بأس من جعله بدلاً كما مرّ.

وقوله ﴿ وما الله يريد ظلماً للعباد ﴾ أبلغ من قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي.

وفيه أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً.

وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لكونهم ظالمين.

وحين خوّفهم عذاب الدنيا خوّفهم عذاب الآخرة أيضاً فقال ﴿ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولاً به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم.

وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف.

ومنها أنه من قوله ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ ومنها أن بعض الظالمين ينادي بعضاً بالويل والثبور قائلين يا ويلنا.

ومنها أنهم ينادون إلى المحشر.

ومنها أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت كتابيه.

ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح، وأهل النار حزناً على حزن.

وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التنادّ مشدداً وأصله من ندّ إذا هرب نظيره ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه  ﴾ الخ.

ويؤيده قراءة ابن عباس مشدداً وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل.

وقوله بعد ذلك ﴿ يوم تولوّون مدبرين ﴾ أنهم إذا سمعوا زفير النار ندّوا هاربين فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.

وقال قتادة: معنى تولون مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار.

ثم أكد التهديد بقوله ﴿ ما لكم من الله ﴾ الآية.

ثم ذكر مثالاً لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله.

وأيضاً كسفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعدما مات يوسف.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم عشرين سنة قاله ابن عباس.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم رسولاً من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضاً وفيه بعد.

قال المفسرون في قوله ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ ليس إشارة إلى أنهم صدّقوا يوسف لقوله ﴿ فما زلتم في شك ﴾ وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ قلت: هذا إنما يصح إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مرويّ كما قلنا اللهم إلا أن يقال: لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى.

وجوّز أن يكون ﴿ الذين يجادلون ﴾ مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر.

وجوّز آخرون أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة.

وفي قوله ﴿ وعند الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى قرنها إلى شهادة نفسه.

والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حدّ أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو باعتبار صاحبه.

ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة.

ثم أخبر الله  عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدّم ذكره في سورة القصص.

قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما مر في أوّل "ص" فـ ﴿ فليرتقوا في الأسباب  ﴾ فائدة بناء الكلام على الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع وغيره.

من قرأ ﴿ فأطلّع ﴾ بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع.

ومن قرأ بالنصب فعلى تشبيه الترجي بالتمني.

والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله ﴿ وما زادوهم غير تتبيب  ﴾ استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح.

والجواب أن بديهة فرعون لا حجة فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع.

وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجوداً في زمان موسى وفرعون وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجوداً في عصرهما لنقل لتوفرت الدواعي عن نقله.

والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولاً ووسطاً وآخراً.

ثم عاد  إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أوّلاً بقوله ﴿ اتبعون أهدكم ﴾ ثم استأنف مفصلاً قائلاً ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ يتمتع به أياماً قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ المنزل الذي يستقر فيه.

ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح.

ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئاً زائداً على سبيل التفضل غير مندرج تحت الحساب.

ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها وفسر هذه الجملة بقوله ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ الآية.

ليعلم أن الشرك بالله أعظم موجبات النار والتوحيد ضدّه.

وفي قوله ﴿ ما لي أدعوكم ﴾ من غير أن يقول "ما لكم" مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى دعائه سلوك لطريق الإنصاف.

ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره.

قوله ﴿ لا جرم ﴾ لا ردّ لكلامهم، وجرم بمعنى كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في "هود" و "النحل".

ومعنى ﴿ ليس له دعوة ﴾ أنه لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء  ﴾ عن قتادة: المسرفين هم المشركون.

ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها.

وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم.

وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حدّ الاعتدال كما بالدوام والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار ﴿ فستذكرون ﴾ أي في الدنيا عند حلول العذاب أو في الآخرة عند دخول النار ﴿ وأفوّض أمري إلى الله ﴾ قاله لأنهم توعدوه.

وفيه وفي قوله ﴿ فوقاه الله ﴾ دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه النصائح.

قال مقاتل: لما تمم هذه الكلماتقصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه.

قوله ﴿ وحاق بآل فرعون ﴾ معناه أنه رجع وبال مكرهم عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا ناراً.

ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل هذا السوء إليه، ولئن سلّم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد همّ بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود.

قوله ﴿ يعرضون عليها ﴾ أي يحرقون بها.

يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به.

وقوله ﴿ غدوّاً وعشياً ﴾ إما للدوام كما مر في صفة أهل الجنة ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين.

وفي سائر الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن يعذبوا بنوع آخر من العذاب الله أعلم بحالهم.

وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا لأن سماع الحق مرّ طعمه؟

قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل.

ولما انجز الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مراراً.

وفي قولهم ﴿ إن الله قد حكم بين العباد ﴾ أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى الإقناط الكليّ، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زماناً.

قال المفسرون: إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر الناس فكأن لخزنتها قرباً من الله وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب.

أما قول الخزنة لهم ﴿ فادعوا ﴾ ودعاء الكافر لا يسمع؛ فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمناً والشافع مأذوناً له فيها، والأمر إن ههنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم.

ثم أكدوا ذلك بقولهم ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي لا أثر له ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ ﴾ .

ما ذكر هاهنا وفي آي من القرآن وهو ما ذكر: ﴿ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ ، قد علم الضعفاء الأتباع لا يملكون دفع ما هم فيه؛ لأنهم لو كانوا يملكون ذلك، لدفعوا عن أنفسهم، فإذا لم يملكوا دفع ذلك عن أنفسهم فلألا يملكوا دفع ذلك عنهم أحق، لكنهم قالوا ذلك لهم ليزدادوا حسرة وندامة؛ وهو كقوله  في آية أخرى: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ  ﴾ .

ويحتمل أنهم إنما قالوا لهم ذلك لما قالوا لهم في الدنيا: ﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ  ﴾ فيقولون لهم لذلك في الآخرة: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ  ﴾ أي: حاملون عنا بعض الذي علينا من العذاب ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً ﴾ في الدنيا ﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ ﴾ نعذب ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ﴾ .

هذا من أولئك الذين استكبروا؛ جواباً للضعفاء على أحد التأويلين، ولا يكون جواباً للآخر، وهو جواب لقولهم الذي قالوا في الدنيا: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ  ﴾ ، فيقولون: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ﴾ ألا يزيد العذاب على مثل السيئة، وقد حكم الله  على كل منا بالمثل، فلا يزيد على ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ .

كان فزع الكفرة أبداً إلى الخلق إذا نزل به البلاء في الدنيا، إلا أن يضطروا، فعند ذلك يفزعون إلى الله، فأما ما لم ييئسوا منهم فلا يفزعون إليه؛ فعلى ذلك يكون فزعهم في الآخرة إلى الخلق، وهو ما سألوا أهل الجنة من الماء، أخبر الله  عنهم بقوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، فلما أيسوا من ذلك عند ذلك فزعوا إلى مالك، وهو ما أخبر الله  عنهم بقوله: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ  ﴾ سألوا الموت، فلما أخبرهم أنهم ماكثون، فعند ذلك فزعوا إلى الخزنة وقالوا: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ * قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، فلما أيسوا منهم ومما سألوهم من تخفيف العذاب عنهم عند ذلك فزعوا إلى الله  ، وهو قولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ  ﴾ ، لم يفزعوا إلى الله  إلا بعد ما انقطع رجاؤهم منهم، وأيسوا، وبالله العصمة والنجاة.

وقد استدل بقوله  : ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ ﴾ من لا يرى الحجة والحكم يلزمهم بمجرد العقل دون الرسل - عليهم السلام - حيث احتج عليهم الخزنة بتكذيبهم الرسل وردهم البينات التي أتتهم الرسل.

واستدلوا أيضاً بقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ  ﴾ ، وبقوله -  -: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً  ﴾ ، وغيرها من الآيات التي فيها أنه لا يعذبهم إلا بعدما قامت عليهم الحجة من جهة الرسل ولزمهم الحكم بهم، فعند ذلك يعذبون.

لكن تأويل الآية يخرج عندنا على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك في قوم خاص الذين لا يرون لزوم الحجة والحكم إلا من جهة الرسالة، فيحتج عليهم بما كانوا يرونه؛ ليكون أقرب إلى الإلزام والحجة، وإن كان يجوز أن يحتج عليهم بما هو حجة وهم لا يرونها حجة، والله أعلم.

والثاني: إنما ذكر ذلك على المبالغة والنهاية في الحجة، وإن كانت الحجة قد تلزمهم والحكم قد ثبت بدون ذلك وهو العقل؛ لأن إرسال الرسل وإقامة المعجزات أقرب إلى الوصول إلى الحق، وقد أقام كلا الحجتين فذكروا أظهر الحجتين؛ ليكون أقرب إلى إظهار عنادهم، وهذا كما في تعذيب الكفرة في الدنيا أنهم لم يعذبوا بنفس الكفر حتى كان منهم مع الكفر الاستهزاءُ بالرسل والعناد لهم وغير ذلك، وإنما كانوا يستوجبون العذاب بنفس الكفر, لكن ترك تعذيبهم حتى يبلغوا النهاية والإبلاغ في التكذيب والعناد؛ وهو كقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ ذكر هذا على النهاية والإبلاغ في الجناية منهم، وإن كانوا يستوجبون العذاب بجحودهم الزكاة دون جحود البعث، أو جحود البعث دون جحود الزكاة؛ فعلى ذلك الآيات التي ذكرها هي على الإبلاغ والنهاية، وإن كان الحجة تلزمهم والحكم يثبت بدون الرسل، والله الموفق.

وبعد، فإن قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ  ﴾ فلا تكون ظالماً فيما عذبتنا، والظلم من الله  محال؛ فيستحيل تقدير الآية على هذا الوجه؛ دل أن التعذيب قبل الرسل عدل وحكمة وليس بظلم، والله الموفق.

وبعد: فإن في قوله: ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ دلالة أن الحجة إنما تلزم بالبينات لا بنفس الرسل، والبينات قد وجدت، وسبب المعرفة وطريقها - وهو العقل - قائم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ .

ليس على الأمر بالدعاء، ولكن معناه: أنكم وإن دعوتم لا ينفعكم دعوتكم؛ كقوله: ﴿ لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً  ﴾ أي: هلاكا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال خزنة جهنم ردًّا على الكفار: أَوَلم تكن تأتيكم رسلكم بالبراهين والأدلة الواضحة؟!

قال الكفار: بلى، كانوا يأتوننا بالبراهين والأدلة الواضحة، قال الخزنة تَهَكُّمًا بهم: فادعوا أنتم، فنحن لا نشفع للكفار، وما دعاء الكافرين إلا فى بطلان وضياع؛ لعدم قَبوله منهم بسبب كفرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.68pWP"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله