الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٠ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٠ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قول تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( قل ) يا محمد : ( لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك ) أي : يا أيها الإنسان ( كثرة الخبيث ) يعني : أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار ، كما جاء في الحديث : " ما قل وكفى ، خير مما كثر وألهى " .
وقال أبو القاسم البغوي في معجمه : حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا الحوطي ، حدثنا محمد بن شعيب ، حدثنا معان بن رفاعة ، عن أبي عبد الملك علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة أنه أخبره عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال : يا رسول الله ، ادع الله أن يرزقني مالا .
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " .
( فاتقوا الله يا أولي الألباب ) أي : يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة ، وتجنبوا الحرام ودعوه ، واقنعوا بالحلال واكتفوا به ( لعلكم تفلحون ) أي : في الدنيا والآخرة .
القول في تأويل قوله : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد, والصالح والطالح, والمطيع والعاصي (112) = ولو أعجبك كثرة الخبيث "، يقول: لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله، ولو كثر أهل المعاصى فعجبت من كثرتهم, لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلُّوا، دون أهل معصيته= وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا.
يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا تعجبنَّ من كثرة من يعصى الله فيُمْهِله ولا يعاجله بالعقوبة، فإن العقبَى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم، كما:- 12793 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي،" لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة " الخبيث "، قال: الخبيث، هم المشركون= و " الطيب "، هم المؤمنون.
* * * وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرجَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فالمراد به بعض أتباعه, يدل على ذلك قوله: " فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون " * * * القول في تأويل قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم, واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث, فتصيروا منهم=" يا أولي الألباب "، يعني بذلك أهلَ العقول والحِجَى, الذين عقلوا عن الله آياته, وعرفوا مواقع حججه.
(113) =" لعلكم تفلحون " ، يقول: اتقوا الله لتفلحوا، أي: كي تنجحوا في طلبكم ما عنده.
(114) ---------------- الهوامش : (112) انظر تفسير: "استوى" فيما سلف 9: 85= وتفسير"الخبيث" فيما سلف 5: 558 ، 559/7: 424 ، 527= وتفسير"الطيب" فيما سلف 10: 513 تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(113) انظر تفسير"أولي الألباب" فيما سلف 3 : 383/ 4 : 162 /5 : 580 /6 : 211 وفي التعليق على المواضع السالفة خطأ ، يصحح من هنا.
(114) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف 10: 564 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحونقوله تعالى : قل لا يستوي الخبيث والطيب فيه ثلاث مسائل :[ ص: 250 ] الأولى : قال الحسن : الخبيث والطيب الحلال والحرام ، وقال السدي : المؤمن والكافر ، وقيل : المطيع والعاصي .
وقيل : الرديء والجيد ; وهذا على ضرب المثال ، والصحيح أن اللفظ عام في جميع الأمور ، يتصور في المكاسب والأعمال والناس ، والمعارف من العلوم وغيرها ; فالخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ، ولا تحسن له عاقبة وإن كثر ، والطيب وإن قل نافع جميل العاقبة .
قال الله تعالى : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار وقوله أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ; فالخبيث لا يساوي الطيب مقدارا ولا إنفاقا ، ولا مكانا ولا ذهابا ، فالطيب يأخذ جهة اليمين ، والخبيث يأخذ جهة الشمال ، والطيب في الجنة ، والخبيث في النار وهذا بين .
وحقيقة الاستواء الاستمرار في جهة واحدة ، ومثله الاستقامة وضدها الاعوجاج ، ولما كان هذا وهي :الثانية : قال بعض علمائنا : إن البيع الفاسد يفسخ ولا يمضى بحوالة سوق ، ولا بتغير بدن ، فيستوي في إمضائه مع البيع الصحيح ، بل يفسخ أبدا ، ويرد الثمن على المبتاع إن كان قبضه ، وإن تلف في يده ضمنه ; لأنه لم يقبضه على الأمانة ، وإنما قبضه بشبهة عقد .
وقيل : لا يفسخ نظرا إلى أن البيع إذا فسخ ورد بعد الفوت يكون فيه ضرر وغبن على البائع ، فتكون السلعة تساوي مائة وترد عليه وهي تساوي عشرين ، ولا عقوبة في الأموال ، والأول أصح لعموم الآية ، ولقوله عليه السلام : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد .قلت : وإذا تتبع هذا المعنى في عدم الاستواء في مسائل الفقه تعددت وكثرت ، فمن ذلك الغاصب وهي :الثالثة : إذا بنى في البقعة المغصوبة أو غرس فإنه يلزمه قلع ذلك البناء والغرس ; لأنه خبيث ، وردها ; خلافا لأبي حنيفة في قوله : لا يقلع ويأخذ صاحبها القيمة ، وهذا يرده قوله عليه السلام : ليس لعرق ظالم حق .
قال هشام : العرق الظالم أن يغرس الرجل في أرض غيره ليستحقها بذلك .
قال مالك : العرق الظالم كل ما أخذ واحتفر وغرس في غير حق .
قال [ ص: 251 ] مالك : من غصب أرضا فزرعها ، أو أكراها ، أو دارا فسكنها أو أكراها ، ثم استحقها ربها أن على الغاصب كراء ما سكن ورد ما أخذ في الكراء واختلف قوله إذا لم يسكنها أو لم يزرع الأرض وعطلها ; فالمشهور من مذهبه أنه ليس عليه فيه شيء ; وقد روي عنه أنه عليه كراء ذلك كله ، واختاره الوقار ، وهو مذهب الشافعي ; لقوله عليه السلام : ليس لعرق ظالم حق وروى أبو داود عن أبي الزبير أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر ، فقضى لصاحب الأرض بأرضه ، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها ، قال : فلقد رأيتها ، وإنها لتضرب أصولها بالفئوس حتى أخرجت منها وإنها لنخل عم ، وهذا نص .
قال ابن حبيب : والحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيرا على الظالم ، إن شاء حبس ذلك في أرضه بقيمته مقلوعا ، وإن شاء نزعه من أرضه ; وأجر النزع على الغاصب ، وروى الدارقطني عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بنى في رباع قوم بإذنهم فله القيمة ومن بنى بغير إذنهم فله النقض قال علماؤنا : إنما تكون له القيمة ; لأنه بنى في موضع يملك منفعته ، وذلك كمن بنى أو غرس بشبهة فله حق ; إن شاء رب المال أن يدفع إليه قيمته قائما ، وإن أبى قيل للذي بنى أو غرس : ادفع إليه قيمة أرضه براحا ; فإن أبى كانا شريكين .
قال ابن الماجشون : وتفسير اشتراكهما أن تقوم الأرض براحا ، ثم تقوم بعمارتها فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها براحا كان العامل شريكا لرب الأرض فيها ، إن أحبا قسما أو حبسا .
قال ابن الجهم : فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان له كراؤها فيما مضى من السنين .
وقد روي عن ابن القاسم وغيره أنه إذا بنى رجل في أرض رجل بإذنه ثم وجب له إخراجه ، فإنه يعطيه قيمة بنائه مقلوعا ، والأول أصح لقوله عليه السلام : فله القيمة وعليه أكثر الفقهاء .الرابعة : قوله تعالى : ولو أعجبك كثرة الخبيث قيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجبه الخبيث ، وقيل : المراد به النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ، وإعجابه له أنه صار عنده عجبا مما يشاهده من كثرة الكفار والمال الحرام ، وقلة المؤمنين والمال الحلال .
فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون تقدم معناه
أي: { قُلْ } للناس محذرا عن الشر ومرغبا في الخير: { لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ } من كل شيء، فلا يستوي الإيمان والكفر، ولا الطاعة والمعصية، ولا أهل الجنة وأهل النار، ولا الأعمال الخبيثة والأعمال الطيبة، ولا المال الحرام بالمال الحلال.
{ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ } فإنه لا ينفع صاحبه شيئا، بل يضره في دينه ودنياه.
{ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فأمر أُولي الألباب، أي: أهل العقول الوافية، والآراء الكاملة، فإن الله تعالى يوجه إليهم الخطاب.
وهم الذين يؤبه لهم، ويرجى أن يكون فيهم خير.
ثم أخبر أن الفلاح متوقف على التقوى التي هي موافقة الله في أمره ونهيه، فمن اتقاه أفلح كل الفلاح، ومن ترك تقواه حصل له الخسران وفاتته الأرباح.
( قل لا يستوي الخبيث والطيب ) أي الحلال والحرام ، ) ( ولو أعجبك ) سرك ) ( كثرة الخبيث ) نزلت في شريح بن [ ضبيعة ] البكري ، وحجاج بن بكر بن وائل ) ( فاتقوا الله ) ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين ، وقد مضت القصة في أول السورة ، ( ياأولي الألباب لعلكم تفلحون ) .
«قل لا يستوي الخبيث» الحرام «والطيب» الحلال «ولو أعجبك» أي سرك «كثرة الخبيث فاتقوا الله» في تركه «يا أولي الألباب لعلكم تفلحون» تفوزون.
قل -أيها الرسول-: لا يستوي الخبيث والطيب من كل شيء، فالكافر لا يساوي المؤمن، والعاصي لا يساوي المطيع، والجاهل لا يساوي العالم، والمبتدع لا يساوي المتبع، والمال الحرام لا يساوي الحلال، ولو أعجبك -أيها الإنسان- كثرة الخبيث وعدد أهله.
فاتقوا الله يا أصحاب العقول الراجحة باجتناب الخبائث، وفعل الطيبات؛ لتفلحوا بنيل المقصود الأعظم، وهو رضا الله تعالى والفوز بالجنة.
ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بأنه لا يستوي عنده الخبيث والطيب فقال : ( قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث ) .والخبيث - كما يقول الراغب - ما يكره رداءه وخساسة محسوسا كان أم معقولا ، وأصله الردئ الدخلة الجاري مجري خبث الحديد كما قال الشاعر :سبكناه ونحسبه لجينا ...
فأبدى الكير على خبث الحديدوذلك يتناول الباطل في الاعتقاد ، والكذب في المقال ، والقبيح في الفعال .والطيب : الشيء الحسن الذي أباحته الشريعة ورضيته العقول السليمة ، ويتناول الاعتقاد الحق ، والمقال الصدق ، والعمل الصالح .والمعنى : قل - يا محمد - للناس : إنه لا يستوي عند الله ولا عند العقلاه القبيح والحسن من كل شيء ، لأن الشيء القبيح - في ذاته أو في سببه أو في غير ذلك من أشكاله - بغيض إلى الله وإلى كل عاقل ، وسكون مصيره إلى الهلاك والبوار .أما الشيء الطيب الحسن فهو محبوب من الله ومن كل عاقل ، ومحمود العاقبة دنيا ودينا .وقوله : ( وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث ) زيادة في التنفير من الشيء الخبيث ، وحض على التمسك بما هو طيب .أي : لا يستوي في ميزان الله ولا في ميزان العقلاء الخبيث والطيب ، حتى ولو كان الفريق الخبيث كثير المظهر ، براق الشكل ، تعجب الناظرين هيئته فلا تغتر به أيها العاقل ، ولا تؤثر في نفسك كثرته وسطوته فإنه مهما كثر وظهر وفشا .
فإنه سيء العاقبة ، سريع الزوال ، لذته تعقبها الحسرة ، وشهوته تتلوها الندامة ، وسطوته تصحبها الخسارة والكراهية ، وطريقة المليئة بالدنس والقذر يجب أن يوصد أبوابها الأخيار الشرفاء .أما الفريق الطيب أو الشيء الطيب فهو محمود العاقبة ، لذته الحلال يباركها الله ، وثماره الحسنة تؤيدها شريعته وتستريح لها العقول السليمة ، والقلوب النقية من كل دنس وباطل وطريقه المستقيم - مهما قل - سالكوه - هو الطريق الذي يوصل إلى كل خير وفلاح .ولا شك أن العقل عندما يتخلص من الهوى سيختار الطيب على الخبيث لأن في الطيب سعادة الدنيا والآخرة .وما أحسن قول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها : " ما تمتع الأشرار بشيء إلا وتمتع به الأخيار ، وزادوا عليهم رضا الله - عز وجل - " .والفاء في قوله : ( فاتقوا الله ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) للإفصاح عن كلام مقدر ، والتقدير :إذا كان الأمر كما بينت لكم - أيها الناس - من أنه لا يستوي الخبيث والطيب .
لأن أهل الخبيث سيعاقبون ويندمون مهما كثروا وأهل الطيب سيثابون ويفرحون ، إذا كان الأمر كذلك فاتقوا الله يا أصحابا العقول السليمة بأن تجتنبوا كل ما هو خبيث ، وتقبلوا على كل ما هو طيب ، لعلكم بسبب هذه التقوى والخشية من الله تنولون الفلاح والنجاح في دنياكم وآخرتكم .والجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد ما مر من الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي قال الفخر الرازي : لما ذكر - سبحانه - هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة ، والتحذيرات من المعصية .
أتبعها بوجه آخر يؤكدها فقالك ( فاتقوا الله ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) : أي : فاتقوا الله بعد هذه البيانات الجليلة والتعريفات القوية ، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة .
ثم قال تعالى: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله: ﴿ اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب وَأَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ثم أتبعه بالتكليف بقوله: ﴿ مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ ﴾ ثم أتبعه بالترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله: ﴿ والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية فقال: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب ﴾ وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان: أحدهما: الذي يكون جسمانياً، وهو ظاهر لكل أحد، والثاني: الذي يكون روحانياً، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعة الله تعالى، وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذراً عند أرباب الطباع السليمة، فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل بالله والإعراض عن طاعة الله تعالى تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة.
وأما الأرواح العارفة بالله تعالى المواظبة على خدمة الله تعالى، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة، وكما أن الخبيث والطبيب في عالم الجسمانيات لا يستويان، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان، بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشد، لأن مضرة خبث الخبيث الجسماني شيء قليل، ومنفعته طيبة مختصرة، وأما خبث الخبيث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة أبدية، وطيب الطيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية، وهو القرب من جوار رب العالمين، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين، والمرافقة من النبيّين والصدّيقين والشهداء الصالحين، فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث ﴾ يعني أن الذي يكون خبيثاً في عالم الروحانيات، قد يكون طيباً في عالم الجسمانيات، ويكون كثير المقدار، وعظيم اللذة، إلا أنه مع كثرة مقداره ولذاذة متناوله وقرب وجدانه، سبب للحرمان من السعادات الباقية الأبدية السرمدية، التي إليها الإشارة بقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ﴾ وإذا كان الأمر كذلك فالخبيث ولو أعجبك كثرته، يمتنع أن يكون مساوياً للطيب الذي هو المعرفة والمحبة والطاعة والابتهاج بالسعادات الروحانية والكرامات الربانية.
ولما ذكر تعالى هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة، والتحذيرات من المعصية، أتبعها بوجه آخر يؤكدها، فقال تعالى: ﴿ فاتقوا الله ياأولى الألباب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي فاتقوا الله بعد هذه البيانات الجلية، والتعريفات القوية، ولا تقدموا على مخالفته لعلّكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة.
<div class="verse-tafsir"
البون بين الخبيث والطيب بعيد عند الله تعالى وإن كان قريباً عندكم، فلا تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على القليل الطيب، فإنّ ما تتوهمونه في الكثرة من الفضل، لا يوازي النقصان في الخبيث، وفوات الطيب، وهو عام في حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وصحيح المذاهب وفاسدها، وجيد الناس ورديهم ﴿ فاتقوا الله ﴾ وآثروا الطيب، وإن قل، على الخبيث وإن كثر.
ومن حق هذه الآية أن تكفح بها وجوه المجبرة إذا افتخروا بالكثرة كما قيل: وَكَاثِرْ بِسَعْدٍ إِنَّ سَعْداً كَثِيرَةٌ ** وَلاَ تَرْجُ مِنْ سَعْدٍ وَفَاءاً وَلاَ نَصْرَا وكما قيل: لاَ يَدْهَمَنَّكَ مِنْ دَهْمَائِهِمْ عَدَدٌ ** فَإِنَّ جُلَّهُمُ بَلْ كُلَّهُمْ بَقَرُ وقيل: نزلت في حجاج اليمامة، حين أراد المسلمون أن يوقعوا بهم، فنهوا عن الإيقاع بهم وإن كانوا مشركين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ﴾ حُكْمٌ عامٌّ في نَفْيِ المُساواةِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ الرَّدِيءِ مِنَ الأشْخاصِ والأعْمالِ والأمْوالِ وجَيِّدِها، رَغَّبَ بِهِ في مَصالِحِ العَمَلِ وحَلالِ المالِ.
﴿ وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ ﴾ فَإنَّ العِبْرَةَ بِالجَوْدَةِ والرَّداءَةِ دُونَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ، فَإنَّ المَحْمُودَ القَلِيلَ خَيْرٌ مِنَ المَذْمُومِ الكَثِيرِ، والخِطابُ لِكُلِّ مُعْتَبِرٍ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ أيْ فاتَّقُوهُ في تَحَرِّي الخَبِيثِ وإنْ كَثُرَ، وآثِرُوا الطَّيِّبَ وإنَّ قَلَّ.
﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ راجِينَ أنْ تَبْلُغُوا الفَلاحَ.
رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ في حُجّاجِ اليَمامَةِ لَمّا هَمَّ المُسْلِمُونَ أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ فَنُهُوا عَنْهُ وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ.
<div class="verse-tafsir"
{قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب} لما أخبر أنه يعلم ما يبدون
وما يكتمون ذكر أنه لا يستوي خبيثهم وطيبهم بل يميز بيهما فيعاقب الخبيث أي الكافر ويثيب الطيب أي المسلم {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث فاتقوا الله} وآثروا الطيب وإن قل على الخبيث وإن كثر وقبل هو عام في حلال المال وحرامه وصالح العمل وطالحه وجيد الناس ورديئهم {يا أولي الألباب} أي العقول الخالصة {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ﴾ أيِ الرَّدِيءُ والجَيِّدُ مِن كُلِّ شَيْءٍ فَهو حُكْمٌ عامٌّ في نَفْيِ المُساواةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ النَّوْعَيْنِ والتَّحْذِيرِ عَنْ رَدِيئِها وإنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ أنَّ المُسْلِمِينَ أرادُوا أنْ يُوقِعُوا بِحُجّاجِ اليَمامَةِ وكانَ مَعَهم تِجارَةً عَظِيمَةً فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في «رَجُلٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الخَمْرَ كانَتْ تِجارَتِي وإنِّي جَمَعْتُ مِن بَيْعِها مالًا فَهَلْ يَنْفَعُنِي ذَلِكَ إنْ عَمِلْتُ فِيهِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى؟
فَقالَ النَّبِيُّ : ”إنْ أنْفَقْتَهُ في حَجٍّ أوْ جِهادٍ لَمْ يَعْدِلْ جَناحَ بَعُوضَةٍ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ إلّا الطِّيبَ“» وعَنِ الحَسَنِ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ الخَبِيثُ الحَرامُ والطَّيِّبُ الحَلالُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: الخَبِيثُ هُمُ المُشْرِكُونَ والطَّيِّبُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وتَقْدِيمُ الخَبِيثِ في الذِّكْرِ لِلْإشْعارِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ فِيهِ لا في مُقابِلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى تَحْقِيقِهِ، ﴿ ولَوْ أعْجَبَكَ ﴾ أيْ وإنْ سَرَّكَ أيُّها النّاظِرُ بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ ﴿ كَثْرَةُ الخَبِيثِ ﴾ وقِيلَ: الخُطّابُ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ أُمَّتُهُ، والواوُ لِعَطْفِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى مَثْلِها المُقَدَّرِ، وقِيلَ الحالُ أيْ لَوْ لَمْ يُعْجِبْكَ ولَوْ أعْجَبَكَ وكِلْتاهُما في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿ لا يَسْتَوِي ﴾ أيْ يَسْتَوِيانِ كائِنِينَ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، وقَدْ حُذِفَتِ الأُولى في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً فَإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ مَعَ المَعارِضِ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ بِدُونِهِ أوْلى، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ في الجُمْلَتَيْنِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ في تَحَرِّي الخَبِيثِ وإنْ كَثُرَ وآثِرُوا عَلَيْهِ الطَّيِّبَ وإنْ قَلَّ فَإنَّ مَدارَ الِاعْتِبارِ هو الخَيْرِيَّةُ والرَّداءَةُ لا الكَثْرَةُ والقِلَّةُ، وفي الأكْثَرِ أحْسَنُ كُلِّ شَيْءٍ أقَلُّهُ ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ: والنّاسُ ألْفٌ مِنهم كَواحِدٍ وواحِدٌ كالألْفِ إنْ أمْرَ عَنّا، وفِي الآيَةِ كَما قِيلَ إشارَةٌ إلى غَلَبَةِ أهْلِ الإسْلامِ وإنْ قَلُّوا ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ .
1 - راجِينَ أنْ تَنالُوا الفَلاحَ والفَوْزَ بِالثَّوابِ العَظِيمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يعني: إذا عاقب فعقوبته شديدة لمن عصاه وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن أطاعه.
قوله تعالى: مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ يعني: أن الرسول ليس عليه طلب سرائرهم، وإنما عليه بتبليغ الرسالة، والله تعالى هو الذي يعلم سرائرهم.
قوله تعالى: قُلْ لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ يعني: لا يستوي الحلال والحرام.
قال في رواية الكلبي: نزلت في شأن حَجَّاج اليمامة شريح بن ضبيعة حين أراد المسلمون أخذ ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأخبرهم أن أخذ ماله حرام.
وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ يعني: كثره مال شريح بن ضبيعة فَاتَّقُوا اللَّهَ لا تستحلوا ما حرم الله عليكم يا أُولِي الْأَلْبابِ يا ذوي العقول لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني: تأمنون من عذابه.
وروى أسباط عن السدي أنه قال: الْخَبِيثُ هم المشركون وَالطَّيِّبُ هم المؤمنون.
وقال الضحاك: لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ يعني: صدقة من حرام لا تصعد إلى الله تعالى، لا توضع في خزائنه.
وصدقة من حلال تقع في يد الرحمن يعني: يقبلها.
وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ يعني: مثقال حبة من صدقة الحلال أرجح عند الله من جبال الدنيا من الحرام.
<div class="verse-tafsir"
شيئاً، فكان ذلك أماناً له، وكذلك إذا انصرفوا، تقلَّدوا من شجر الحَرَمِ، وقوله ذلِكَ:
إشارةٌ إلى أنَّ جعل اللَّه هذه الأمور قياماً.
وقوله سبحانه: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: عامٌّ عموماً تامًّا في الجزئيَّات ودَقائِقِ الموجودات، والقولُ بغير هذا إلحاد في الدّين وكفر.
وقوله سبحانه: مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ...
الآية: إخبارٌ للمؤمنين مضمَّنه الوعيدِ، إنِ انحرفوا، ولم يمتثلُوا ما بلغ الرسُولُ إليهم، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ، قلت: قال الشيخُ أبو مَدْيَن (رضي اللَّه عنه) : الحَقُّ تعالى مطَّلع على السرائر والظواهرِ في كلِّ نَفَسٍ وحالٍ، فأيُّما قلْبٍ رآه مؤثراً له، حَفِظَهُ من الطوارق والمِحَنِ ومضلاَّت الفِتَن، وقال (رحمه الله) : ما عرف الحَقَّ مَنْ لم يُؤْثره، وما أطاعه مَنْ لم يَشْكُرْه.
انتهى.
وقوله تعالى: قُلْ لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ...
ألاية: لفظ عامٌّ في جميع الأمور، فيتصوَّر في المكاسِب، وعدد النَّاس، والمعارفِ مِنَ العلوم ونحوِهَا، فالخبيثُ مِنْ هذا كلِّه لا يُفْلِحُ ولا يُنْجِبُ، ولا تحسُنُ له عاقبةٌ، والطَّيِّبُ وإنْ قَلَّ: نافعٌ جميل العاقبة، ويَنْظُرُ إلى هذه الآيةِ قوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً [الأعراف: ٥٨] ، والخبث: هو الفساد الباطنُ في الأشياء حتى يظن بها الصَّلاح، وهي بخلافِ ذلك.
وقوله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ: تنبيهٌ على لزوم الطَّيِّب في المعتقَدِ والعملِ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر لأنهم المتقدِّمون في مَيْز هذه الأمور، والذين لا ينبغي لهم إهمالها مع ألبابهم وإدراكهم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ...
الآية:
اختلف الرواةُ في سببها، والظاهرُ مِنَ الروايات أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَلَحّت علَيْه الأعراب والجُهَّال بأنواع من السؤالاتِ، حَسْبَما هو معلومٌ في الروايات، فزَجَرهم اللَّه تعالى عَنْ ذلك بهذه الآيةِ، وأشْيَاء: اسمٌ لجَمْعِ شيْءٍ، قال ابنُ عباس: معنى الآية: لا تسأَلُوا عن
أشياء في ضِمْن الأنباء عنْها مساءَةٌ لكم «١» إما بتكليفٍ شرعيٍّ يلزمكم، وإما بخَبَر يسوءُكم، ولكن إذا نزل القرآن بشيء، وابتدأكم ربُّكم بأمر، فحينئذٍ إنْ سألتم عن تَفْصيله وبَيَانِهِ بيّن لكم، وأبدي، ويحتمل قوله: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ أنْ يكون في معنى الوعيدِ كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم، لَقِيتُمْ غِبَّ ذلك وصعوبته، قال النوويُّ: وعن أبي ثعلبة الخشنيّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ، لاَ عَنْ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا» ، ورُوِّينَاه في «سنن الدارقطنيِّ» «٢» .
انتهى، وفي «صحيح البخاريِّ» ، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ واختلافهم على أَنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فاجتنبوه، وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فأتوا منه ما استطعتم» «٣» .
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ﴾ رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الخَمْرَ كانَتْ تِجارَتِي، فَهَلْ يَنْفَعُنِي ذَلِكَ المالُ إنْ عَمِلْتُ فِيهِ بِطاعَةِ اللَّهِ؟
فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ : "إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ .» وفي الخَبِيثِ والطَّيِّبِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: المُؤْمِنُ والكافِرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: المُطِيعُ والعاصِي.
والرّابِعُ: الرَّدِيءُ والجَيِّدُ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
ومَعْنى "الإعْجابِ" هاهُنا: السُّرُورُ بِما يُتَعَجَّبُ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثُ فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللهُ عنها واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ ﴾ ؛ إخْبارٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقالَ: هي آيَةُ مُوادَعَةٍ؛ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ؛ بَلْ هَذِهِ حالُ مَن آمَنَ وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ؛ فَإنَّهُ إذْ قَدْ عَصَمَ مِنَ الرَسُولِ مالَهُ ودَمَهُ؛ فَلَيْسَ عَلى الرَسُولِ في جِهَتِهِ أكْثَرُ مِنَ التَبْلِيغِ؛ واللهُ تَعالى - بَعْدَ ذَلِكَ - يَعْلَمُ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صَدْرُهُ؛ وهو المُجازِي - بِحَسَبِ ذَلِكَ - ثَوابًا؛ أو عِقابًا.
والبَلاغُ: مَصْدَرٌ مِن: "بَلَّغَ؛ يُبَلِّغُ"؛ والآيَةُ مَعْناها الوَعِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ إنِ انْحَرَفُوا؛ ولَمْ يَمْتَثِلُوا ما بُلِّغَ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لا يَسْتَوِي ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ يُتَصَوَّرُ في المَكاسِبِ؛ وعَدَدِ الناسِ؛ والمَعارِفِ؛ مِنَ العُلُومِ ونَحْوِها؛ فالخَبِيثُ مِن هَذا كُلِّهِ لا يُفْلِحُ؛ ولا يَنْجُبُ؛ ولا تَحْسُنُ لَهُ عاقِبَةٌ؛ والطَيِّبُ - ولَوْ قَلَّ - نافِعٌ جَمِيلُ العاقِبَةِ.
ويُنَظِّرُ إلى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا ﴾ ؛ والخُبْثُ هو الفَسادُ الباطِنُ في الأشْياءِ؛ حَتّى يُظَنَّ بِها الصَلاحُ؛ والطِيبُ؛ وهو بِخِلافِ ذَلِكَ؛ وهَكَذا هو الخُبْثُ في الإنْسانِ؛ وقَدْ يُرادُ بِلَفْظَةِ "خَبِيثٌ"؛ في الإنْسانِ؛ فَسادُ نَسَبِهِ؛ فَهَذا لَفْظٌ يُلْزِمُ قائِلَهُ - عَلى هَذا القَصْدِ - الحَدَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى لُزُومِ الطَيِّبِ؛ في المُعْتَقَدِ؛ والعَمَلِ؛ وخَصَّ أُولِي الألْبابِ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المُتَقَدِّمُونَ في مَيِّزِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ والَّذِينَ لا يَنْبَغِي لَهم إهْمالُها مَعَ ألْبابِهِمْ؛ وإدْراكِهِمْ؛ وكَأنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الألْبابِ إلى لُبِّ التَجْرِبَةِ؛ الَّذِي يَزِيدُ عَلى لُبِّ التَكْلِيفِ؛ بِالحِنْكَةِ؛ والفِطْنَةِ المُسْتَنْبِطَةِ؛ والنَظَرِ البَعِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اخْتَلَفَ الرُواةُ في سَبَبِها؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ - مِنهم أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ وغَيْرُهُ -: نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذافَةَ السَهْمِيِّ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - صَعِدَ المِنبَرَ مُغْضَبًا؛ فَقالَ: "لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عن شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ"؛ فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أيْنَ أنا؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "فِي النارِ"؛ فَقامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذافَةَ السَهْمِيُّ؛ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟
فَقالَ: "أبُوكَ حُذافَةُ ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي الحَدِيثِ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ الطَبَرِيُّ: «فَقامَ آخَرُ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟
فَقالَ: "أبُوكَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي شَيْبَةَ"؛ فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ؛ وقالَ: رَضِينا بِاللهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا؛ نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ؛ وبَكى الناسُ مِن غَضَبِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وصُعُودُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المِنبَرَ مُغْضَبًا إنَّما كانَ بِسَبَبِ سُؤالاتِ الأعْرابِ؛ والجُهّالِ؛ والمُنافِقِينَ؛ فَكانَ مِنهم مَن يَقُولُ: أيْنَ ناقَتِي؟
وآخَرُ يَقُولُ: ما الَّذِي ألْقى في سَفَرِي هَذا؟
ونَحْوَ هَذا؛ مِمّا هو جَهالَةٌ؛ أوِ اسْتِخْفافٌ؛ وتَعْنِيتٌ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ ؛ وأبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ - في لَفْظِهِمُ اخْتِلافٌ؛ والمَعْنى واحِدٌ -: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الناسَ؛ فَقالَ: "أيُّها الناسُ؛ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ"؛ وقَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿ وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ ؛ قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ أفِي كُلِّ عامٍ؟
فَسَكَتَ؛ فَأعادُوا؛ قالَ: "لا؛ ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ"؛» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَقالَ عُكاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ؛ وقالَ مُرَّةُ: فَقالَ مِحْصَنٌ الأسَدِيُّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: فَقامَ رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: «فَقامَ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ أفِي كُلِّ عامٍ؟
فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ثُمَّ قالَ: "مَنِ السائِلُ؟"؛ فَقِيلَ: فُلانٌ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ؛ ولَوْ وجَبَتْ لَمْ تُطِيقُوهُ؛ ولَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَهَلَكْتُمْ"؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» بِسَبَبِ ذَلِكَ.
ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ: « "إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عن شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ".» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ قَوْمٍ سَألُوا عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ والوَصِيلَةِ؛ ونَحْوِ هَذا مِن أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أمْرَ الكَعْبَةِ؛ والهَدْيِ؛ والقَلائِدِ؛ وأعْلَمَ أنَّ حُرْمَتَها هو الَّذِي جَعَلَها؛ إذْ هي أُمُورٌ نافِعَةٌ؛ قَدِيمَةٌ؛ مِن لَدُنْ عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ذَهَبَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ إلى السُؤالِ عن سائِرِ أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ لِيَرَوْا هَلْ تُلْحَقُ بِتِلْكَ أمْ لا؛ إذْ كانُوا قَدِ اعْتَقَدُوا الجَمِيعَ سُنَّةً؛ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما هو مِن عِنْدِ اللهِ ؛ وما هو مِن تِلْقاءِ الشَيْطانِ؛ والمُغَيِّرِينَ لِدِينِإبْراهِيمَ؛ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَلامُ - كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ وفي عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "رَأيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النارِ؛ وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَوائِبَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ مِنَ الرِواياتِ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ألَحَّتْ عَلَيْهِ الأعْرابُ والجُهّالُ بِأنْواعٍ مِنَ السُؤالاتِ؛ حَسْبَما ذَكَرْناهُ؛ فَزَجَرَ اللهُ تَعالى عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"أشْياءَ": اِسْمُ جَمْعٍ لِـ "شَيْءٌ"؛ أصْلُهُ عِنْدَ الخَلِيلِ؛ وسِيبَوَيْهِ: "شَيْئاءُ"؛ مِثْلُ "فَعْلاءُ"؛ قُلِبَتْ إلى "لَفْعاءُ"؛ لِثِقَلِ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: "أشْياءُ"؛ وزْنُها "أفْعالُ"؛ وهو جَمْعُ "شَيْءٌ"؛ وتَرْكُ الصَرْفِ فِيهِ سَماعٌ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: لَمْ يَنْصَرِفْ "أشْياءُ"؛ لِشِبْهِ آخِرِها بِآخِرِ "حَمْراءُ"؛ ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "أشْياواتٌ"؛ كَما تَقُولُ: "حَمْراواتٌ"؛ ويَلْزَمُ عَلى هَذا ألّا يَنْصَرِفَ " أسْماءٌ "؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: "أسْماواتٌ"؛ وقالَ الأخْفَشُ: "أشْياءُ"؛ أصْلُها "أشْيِئاءُ"؛ عَلى وزْنِ "أفْعِلاءُ"؛ اِسْتُثْقِلَ اجْتِماعُ الهَمْزَتَيْنِ؛ فَأُبْدِلَتِ الأُولى ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ اسْتِخْفافًا؛ ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ واحِدُ الأشْياءِ "شَيِّئٌ"؛ مِثْلَ "هَيِّنٌ"؛ و"أهْوِناءُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنْ تُبْدَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: "إنْ تَبْدُ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الدالِ؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الشَعْبِيُّ: "إنْ يَبْدُ لَكُمْ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلَ؛ مَفْتُوحَةً؛ والدالِ مَضْمُومَةً؛ "يَسُؤْكُمْ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلَ؛ أيْ: "يُبْدِهِ اللهُ لَكُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مَعْناهُ: "لا تَسْألُوا عن أشْياءَ في ضِمْنِ الإخْبارِ عنها مَساءَةٌ لَكُمْ؛ إمّا لِتَكْلِيفٍ شَرْعِيٍّ يَلْزَمُكُمْ؛ وإمّا لِخَبَرٍ يَسُوءُ؛ كَما قِيلَ لِلَّذِي قالَ: أيْنَ أنا؟
ولَكِنْ إذا نَزَلَ القُرْآنُ بِشَيْءٍ وابْتَدَأكم رَبُّكم بِأمْرٍ؛ فَحِينَئِذٍ إنْ سَألْتُمْ عن تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ بُيِّنَ لَكم وأُبْدِيَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عنها"؛ عائِدٌ عَلى نَوْعِها؛ لا عَلى الأُولى الَّتِي نَهى عَنِ السُؤالِ عنها.
وقالَ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّ اللهَ فَرَضَ فَرائِضَ؛ فَلا تُضَيِّعُوها؛ ونَهى عن أشْياءَ؛ فَلا تَنْتَهِكُوها؛ وحَدَّ حُدُودًا؛ فَلا تَعْتَدُوها؛ وعَفا مِن غَيْرِ نِسْيانٍ عن أشْياءَ؛ فَلا تَبْحَثُوا عنها.
وكانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُولُ: "إنَّ اللهَ أحَلَّ؛ وحَرَّمَ؛ فَما أحَلَّ فاسْتَحِلُّوا؛ وما حَرَّمَ فاجْتَنِبُوا؛ وتَرَكَ بَيْنَ ذَلِكَ أشْياءَ لَمْ يُحِلَّها ولَمْ يُحَرِّمْها؛ فَذَلِكَ عَفْوٌ مِنَ اللهِ عَفاهُ"؛ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ في مَعْنى الوَعِيدِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَسْألُوا؛ وإنْ سَألْتُمْ لَقِيتُمْ عِبْءَ ذَلِكَ؛ وصُعُوبَتَهُ؛ لِأنَّكم تَكْلُفُونَ وتَسْتَعْجِلُونَ عِلْمَ ما يَسُوؤُكُمْ؛ كالَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ في النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَفا اللهُ عنها ﴾ ؛ تَرَكَها؛ ولَمْ يُعَرِّفْ بِها؛ وهَذِهِ اللَفْظَةُ الَّتِي هي "عَفا"؛ تُؤَيِّدُ أنَّ الأشْياءَ: اَلَّتِي هي في تَكْلِيفاتِ الشَرْعِ؛ يُنْظَرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ اللهَ قَدْ عَفا لَكم عن صَدَقَةِ الخَيْلِ".» ﴿ "غَفُورٌ حَلِيمٌ"؛ ﴾ صِفَتانِ تَناسِبانِ العَفْوَ؛ وتَرْكَ المُباحَثَةِ؛ والسَماحَةَ في الأُمُورِ.
وقَرَأ عامَّةُ الناسِ: "قَدْ سَألَها"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "قَدْ سِالَها"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ والمُرادُ بِهَذِهِ القِراءَةِ الإمالَةُ؛ وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ "سِلْتَ؛ تَسالُ"؛ وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ: "هُما يَتَساوَلانِ"؛ فَهَذا يُعْطِي أنَّ هَذِهِ اللُغَةَ هي مِنَ الواوِ؛ لا مِنَ الهَمْزَةِ؛ فالإمالَةُ إنَّما أُرِيدَتْ؛ وساغَ ذَلِكَ لِانْكِسارِ ما قَبْلَ اللامِ في "سِلْتَ"؛ كَما جاءَتِ الإمالَةُ في "خِافَ"؛ لِمَجِيءِ الكَسْرَةِ في خاءِ "خِفْتَ".
ومَعْنى الآيَةِ أنَّ هَذِهِ السُؤالاتِ الَّتِي هي تَعْنِيتاتٌ؛ وطَلَبُ شَطَطٍ؛ واقْتِراحاتٌ؛ ومُباحَثاتٌ؛ قَدْ سَألَتْها قَبْلَكُمُ الأُمَمُ؛ ثُمَّ كَفَرُوا بِها؛ قالَ الطَبَرِيُّ: كَقَوْمِ صالِحٍ في سُؤالِهِمُ الناقَةَ؛ وكَبَنِي إسْرائِيلَ في سُؤالِهِمُ المائِدَةَ؛ قالَ السُدِّيُّ: كَسُؤالِ قُرَيْشٍ أنْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُمُ الصَفا ذَهَبًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يُتَّجَهُ في قُرَيْشٍ مِثالًا سُؤالُهم آيَةً؛ فَلَمّا شَقَّ لَهُمُ القَمَرَ كَفَرُوا؛ وهَذا المَعْنى إنَّما يُقالُ لِمَن سَألَ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: أيْنَ ناقَتِي؟
وكَما قالَ لَهُ الأعْرابِيُّ: ما في بَطْنِ ناقَتِي هَذِهِ؟
فَأمّا مَن سَألَهُ عَنِ الحَجِّ: أفِي كُلِّ عامٍ هُوَ؟
فَلا يُفَسَّرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ سَألَها قَوْمٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِهَذا؛ ولا مِثْلِهِ؛ بَلْ بِأنَّ الأُمَمَ قَدِيمًا طَلَبَتِ التَعَمُّقَ في الدِينِ مِن أنْبِيائِها؛ ثُمَّ لَمْ تَفِ بِما كُلِّفَتْ.
<div class="verse-tafsir"
لما آذن قوله: ﴿ اعلموا أنّ الله شديد العقاب وأنّ الله غفور رحيم ﴾ [المائدة: 98] وقوله: ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ﴾ [المائدة: 99] بأنّ الناس فريقان: مطيعون وعصاة، فريق عاندوا الرسول ولم يمتثلوا، وهم من بقي من أهل الشرك ومن عاضدهم من المنافقين، وربما كانوا يظهرون للقبائل أنّهم جمع كثير، وأنّ مثلهم لا يكون على خطأ، فأزال الله الأوهام التي خامرت نفوسهم فكانت فتنة أو حجّة ضالّة يموّه بها بعض منهم على المهتدين من المسلمين.
فالآية تؤذن بأن قد وجدت كثرة من أشياء فاسدة خيف أن تستهوي من كانوا بقلّة من الأشياء الصالحة، فيحتمل أن تكون تلك الكثرة كثرة عدد في الناس إذ معلوم في متعارف العرب في الجاهلية وفي أول الإسلام الاعتزاز بالكثرة والإعجاب بها.
قال الأعشى: ولستَ بالأكثرِ منهم حصًى *** وإنّما العزّة للكاثر وقال السموأل أو عبد الملك الحارثي: تعيّرنا أنّا قليل عَدِيدنَا *** وقد تعجّب العنبري إذ لام قومه فقال: لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عَدد *** ليسوا من الشرّ في شيء وإن هانا قال السديّ: كثرة الخبيث هم المشركون، والطيّب هم المؤمنون.
وهذا المعنى يناسب لو يكون نزول هذه الآية قبل حجّة الوداع حين كان المشركون أكثر عدداً من المسلمين؛ لكن هذه السورة كلّها نزلت في عام حجّة الوداع فيمكن أن تكون إشارة إلى كثرة نصارى العرب في الشام والعراق ومشارف الشام لأنّ المسلمين قد تطلّعوا يومئذٍ إلى تلك الأصقاع، وقيل: أريد منها الحرام والحلال من المال، ونقل عن الحسن.
ومعنى ﴿ لا يستوي ﴾ نفي المساواة، وهي المماثلة والمقاربة والمشابهة.
والمقصود منه إثبات المفاضلة بينهما بطريق الكناية، والمقام هو الذي يعيّن الفاضل من المفضول، فإنّ جعل أحدهما خبيثاً والآخر طيّباً يعيّن أنّ المراد تفضيل الطيّب.
وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ليسوا سواء ﴾ في سورة آل عمران (113).
ولمّا كان من المعلوم أنّ الخبيث لا يساوي الطيّب وأنّ البون بينهما بعيد، علم السامع من هذا أنّ المقصود استنزال فهمه إلى تمييز الخبيث من الطيّب في كلّ ما يلتبس فيه أحدهما بالآخر، وهذا فتح لبصائر الغافلين كيلا يقعوا في مهواة الالتباس ليعلموا أنّ ثمّة خبيثاً قد التفّ في لباس الحسن فتموّه على الناظرين، ولذلك قال ولو أعجبك كثرة الخبيث } .
فكان الخبيث المقصود في الآية شيئاً تلبّس بالكثرة فراق في أعين الناظرين لكثرته، ففتح أعينهم للتأمّل فيه ليعلموا خبثه ولا تعجبهم كثرته.
فقوله: ﴿ ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ من جملة المقول المأمور به النبيءُ صلى الله عليه وسلم أي قُل لهم هذا كلّه، فالكاف في قوله: ﴿ أعجبك ﴾ للخطاب، والمخاطب بها غير معيَّن بل كلّ من يصلح للخطاب، مثل ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ [الأنعام: 27]، أي ولو أعجبَ مُعْجَبا كثرةُ الخبيث.
وقد علمت وجه الإعجاب بالكثرة في أول هذه الآية.
وليس قوله: ﴿ ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ بمقتض أنّ كلّ خبيث يكون كثيراً ولا أن يكون أكثر من الطيِّب من جنسه، فإنّ طيِّب التَمر والبرّ والثمار أكثر من خبيثها، وإنّما المراد أن لا تعجبكم من الخبيث كثرته إذا كان كثيراً فتصرفكم عن التأمّل من خبثه وتحدُوَكم إلى متابعته لكثرته، أي ولكن انظروا إلى الأشياء بصفاتها ومعانيها لا بأشكالها ومبانيها، أو كثرةُ الخبيث في ذلك الوقت بوفرة أهل الملل الضالّة.
والإعجاب يأتي الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ فلا تُعْجبْك أمْوالهم ولا أولادهم ﴾ في سورة براءة (55).
وفي تفسير ابن عرفة } قال: «وكنت بحثت مع ابن عبد السلام وقلت له: هذه تدلّ على الترجيح بالكثرة في الشهادة لأنّهم اختلفوا إذا شهد عدلان بأمر وشهد عشرة عدول بضدّه، فالمشهور أن لا فرق بين العشرة والعدلين، وهما متكاملان.
وفي المذهب قول آخر بالترجيح بالكثرة.
فقوله: ﴿ ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ يدلّ على أنّ الكثرة لها اعتبار بحيث إنّها ما أسقطت هنا إلاّ للخبث، ولم يوافقني عليه ابن عبد السلام بوجه.
ثم وجدت ابن المنير ذكره بعينه» اه.
والواو في قوله ﴿ ولو أعجبك ﴾ واو الحال، و ﴿ لو ﴾ اتّصالية، وقد تقدّم بيان معناهما عند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملْءُ الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في سورة آل عمران (91).
وتفريع قوله: فاتّقوا الله يا أولى الألباب} على ذلك مؤذن بأنّ الله يريد منّا إعمال النظر في تمييز الخبيث من الطيّب، والبحث عن الحقائق، وعدم الاغترار بالمظاهر الخلابة الكاذبة، فإنّ الأمر بالتقوى يستلزم الأمر بالنظر في تمييز الأفعال حتى يُعرف ما هو تقوى دون غيره.
ونظير هذا الاستدلال استدلاللِ العلماء على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى: ﴿ فاتّقوا الله ما استطعتم ﴾ [التغابن: 16]، لأنّ ممّا يدخل تحت الاستطاعة الاجتهاد بالنسبة للمتأهّل إليه الثابت له اكتساب أداته.
ولذلك قال هنا: ﴿ يأولي الألباب ﴾ فخاطب الناس بصفة ليؤمئ إلى أنّ خلق العقول فيهم يمكِّنهم من التمييز بين الخبيث والطيّب لاتّباع الطيّب ونبذ الخبيث.
ومن أهمّ ما يظهر فيه امتثال هذا الأمر النظر في دلائل صدق دعوى الرسول وأن لا يحتاج في ذلك إلى تطلّب الآيات والخوارق كحال الذين حكى الله عنهم ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجّر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ [الإسراء: 90] الآية، وأن يميّز بين حال الرسول وحال السحرة والكهّان وإن كان عددهم كثيراً.
وقوله: ﴿ لعلّكم تفلحون ﴾ تقريب لحصول الفلاح بهم إذا اتّقوا هذه التقوى التي منها تمييز الخبيث من الطيّب وعدم الاغترار بكثرة الخبيث وقلّة الطيّب في هذا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الحَلالَ والحَرامَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: المُؤْمِنُ والكافِرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: الرَّدِيءُ والجَيِّدُ.
﴿ وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ ﴾ يَعْنِي أنَّ الحَلالَ والجَيِّدَ مَعَ قِلَّتِهِما خَيْرٌ وأنْفَعُ مِنَ الحَرامِ والرَّدِيءِ مَعَ كَثْرَتِهِما.
قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حُجّاجِ اليَمامَةِ وقَدْ هَمَّ المُسْلِمُونَ بِأحَدِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: ما رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «سَألَ النّاسُ رَسُولَ اللَّهِ حَتّى ألْحَفُوهُ بِالمَسْألَةِ، فَصَعِدَ المِنبَرَ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: (لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا بَيَّنْتُ لَكم قالَ أنَسٌ: فَجَعَلْتُ أنْظُرُ يَمِينًا وشِمالًا فَأرى كُلَّ النّاسِ لاقٍ ثَوْبَهُ في رَأْسِهِ يَبْكِي، فَسَألَ رَجُلٌ كانَ إذا لاحى يُدْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِي؟
فَقالَ: (أبُوكَ حُذافَةُ فَأنْشَأ عُمَرُ فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا عائِذًا بِاللَّهِ مِن سُوءِ الفِتَنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ ﴾ » والثّانِي: ما رَوى الحَسَنُ بْنُ واقِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: (أيُّها النّاسُ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا فَقامَ مُحْصَنٌ الأسَدِيُّ وقالَ: في كُلِّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقالَ: (أما إنِّي لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلِلْتُمُ، اسْكُتُوا عَنِّي ما سَكَتُّ عَنْكم، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا ﴾ » والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ عَلى البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ جَعَلَ نُزُولَ القُرْآنِ عِنْدَ السُّؤالِ مُوجِبًا بِتَعْجِيلِ الجَوابِ.
﴿ عَفا اللَّهُ عَنْها ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَنِ المَسْألَةِ.
والثّانِي: عَنِ الأشْياءِ الَّتِي سَألُوا عَنْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: قَوْمُ عِيسى سَألُوهُ المائِدَةَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمُ صالِحٍ سَألُوا النّاقَةَ، ثُمَّ عَقَرُوها وكَفَرُوا بِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهم قُرَيْشٌ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ أنْ يُحَوِّلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِي؟
ونَحْوُهُ، فَلَمّا أخْبَرَهم بِهِ أنْكَرُوهُ وكَفَرُوا بِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: الخبيث هم المشركون، والطيب هم المؤمنون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: لدرهم حلال أتصدق به أحب إليَّ من مائة ألف ومائة ألف حرام، فإن شئتم فاقرأوا كتاب الله ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب حدثني يعقوب بن عبد الرحمن الاسكندراني قال: كتب إلى عمر عبد العزبز بعض عماله يذكر أن الخراج قد انكسر، فكتب إليه عمر أن الله يقول ﴿ لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ فإن استطعت أن تكون في العدل والإصلاح والإحسان بمنزلة من كان قبلك في الظلم والفجور والعدوان فافعل ولا قوّة إلا بالله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ يا أولي الألباب ﴾ يقول: من كان له لب أو عقل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ﴾ ، قال بعض أهل المعاني: لما ذكر الله تعالى أن على الرسول البلاغ، بين على لسانه أنه لا يستوي عند الله تعالى الحلال والحرام.
وقال المفسرون: نزلت الآية في الحجاج من المشركين الذين أراد المؤمنون أن يغيروا عليهم، شريح بن ضبيعة وأصحابه (١) ﴿ لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ ، ويقدم عليه حديث عقبة (٢) وقوله تعالى: ﴿ الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ﴾ قال عطاء والحسن والكلبي: الحرام والحلال (٣) ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ﴾ ، وقال السدي: الخبيث المشركون، والطيب المؤمنون (٤) (١) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 507، و"بحر العلوم" 1/ 461، "زاد المسير" 2/ 432.
(٢) "البحر الرائق" 1/ 434.
(٣) انظر: "بحر العلوم" 1/ 461، "النكت والعيون" 2/ 70، "تفسير البغوي" 3/ 104، "زاد المسير" 2/ 433، ونسبه لابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري 7/ 79.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب ﴾ لفظ عام في جميع الأمور من المكاسب والأعمال والناس وغير ذلك ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ قيل سببها سؤال عبد الله بن حذافة مَنْ أبي؟
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أبوك حذافة، وقال آخر: أين أبي؛ قال: في النار، وقيل: سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فقالوا يا رسول الله أفي كل عام؟
فسكت، فأعادوا، قال لا، ولو قلت: نعم لوجبت، فعلى الأول تسؤكم بالإخبار بما لا يعجبكم، وعلى الثاني: تسؤكم بتكليف ما يشق عليكم، ويقوي هذا قوله عفا الله عنها: أي سكت عن ذكرها ولم يطالبكم بها كقوله صلى الله عليه وسلم: «عفا الله عن الزكاة في الخيل» ، وقيل إن معنى عفا الله عنها: عفا عنكم فيما تقدم من سؤالكم فلا تعودوا إليه ﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ ﴾ فيه معنى الوعيد على السؤال: كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم أُبديَ لكم ما يسؤوكم، والمراد بحين ينزل القرآن: زمان الوحي ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ﴾ الضمير في سألها راجع على المسألة التي دل عليها لا تسألوا، وهو مصدر، ولذلك لم يتعدَّ بعن كما تعدى قوله إن تسألوا عنها، وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا، فالكفر هنا عبارة عن ترك ما أمروا به.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما عقدتم ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان ﴿ عاقدتم ﴾ بالألف.
الباقون ﴿ عقدتم ﴾ بالتشديد ﴿ من أوصط ﴾ مثل ﴿ مبصوطتان ﴾ ﴿ فجزاء ﴾ بالتنوين ﴿ مثل ﴾ بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل.
﴿ كفارة طعام ﴾ بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ كفارة ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع ﴿ فبما ﴾ بغير ألف ابن عامر.
الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ الأيمان ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب.
﴿ رقبة ﴾ ط ﴿ ثلاثة أيام ﴾ ط ﴿ حلفتم ﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وعن الصلاة ﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه.
﴿ منتهون ﴾ ه ﴿ واحذروا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ وأحسنوا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ج ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنتم حرم ﴾ ط ﴿ وبال أمره ﴾ ط ﴿ سلف ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ وللسيارة ﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً.
﴿ حرما ﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والقلائد ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ كثرة الخبيث ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ تفلحون ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد الى بيان الأحكام فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين.
قال المفسرون: "جلس رسول الله يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا و كذا؟
قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير.
فقال: إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني.
ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا!
أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه " - فنزلت هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ فهذا وجه اتصال الآيات.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله ﴿ لا تحرّموا ﴾ ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا شبعت الأجسام صارت الأرواح أجساداً، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحاً؟
فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات عن التأمل في الروحانيات.
فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه قال في أوّل السورة ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ فبين أنه كما لا يجوز تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ويحرمون البحائر والسوائب.
ومعنى ﴿ لا تحرموا ﴾ لا تعتقدوا تحريم ﴿ ما أحل الله ﴾ ولا تظهروا باللسان تحريمه ولا تجتنبوه اجتناباً يشبه اجتناب المحرمات.
فهذه الوجوه محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطاً لا يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل.
والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب.
ثم نهى عن الاعتداء مطلقاً ليدخل تحته النهي عن الإسراف كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ و ﴿ كلوا ﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿ مما رزقكم الله ﴾ في إدخال "من" التبعيضية إرشاد الى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي الى المحتاجين، وفيه أنه هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم.
قال في التفسير الكبير: قوله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً.
أقول: هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: ﴿ حلالاً ﴾ حال ﴿ مما رزقكم الله ﴾ مع أنه من المعتزلة.
ثم أكد التوصية بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.
ثم قال ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وقد ذكرنا وجه النظم آنفاً، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة البقرة.
أما قوله ﴿ بما عقدتم الأيمان ﴾ فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة.
وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر فلا كفارة.
ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله.
والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها إذا حنثتم.
فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف ﴿ فكفارته ﴾ أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ويسمى بالواجب المخير.
وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأيّ واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر وهو الصوم.
أما مقدار الطعام فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا منّ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه قال ﴿ من أوسط ما تطعمون ﴾ فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقاً وخبز فإنه يصير قريباً من المنّ وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار.
فقال الرجل: ما أجد.
فأتى النبي بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال النبي : أطعم هذا.
وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مدّ.
ولا تلزم كفارة الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها معتبراً بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد.
وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأسط هو الأعدل.
وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي.
وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس مدّ بإدامه والإدام تبلغ قيمته مداً آخر ويزيد في الأغلب.
أجاب الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة.
ثم قال الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياساً على الكسوة.
وقال أبو حنيفة: إذا غدّى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ والقائل أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام.
وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحد عشر مرات جاز.
وقال الشافعي: لا يجزي إلا إطعام عشرة لأن مدار الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص.
قال في الكشاف ﴿ أو كسوتهم ﴾ عطف على محل ﴿ من أوسط ﴾ ووجه بأن البدل هو المقصود فكأنه قيل: فكفارته من أوسط.
وأقول: الأظهر أن يكون ﴿ من أوسط ﴾ مفعولاً آخر للإطعام سواء كان "من" للابتداء أو للتبعيض، ويكون ﴿ كسوتهم ﴾ معطوفاً على الإطعام.
والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به.
قال الشافعي: يجزىء في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو الثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس كانت العباءة تجزىء يومئذٍ.
وعن مجاهد: ثوب جامع.
وقال الحسن: ثوبان أبيضان.
و المراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة.
ثم أجرى ذلك على العتق هكذا قيل في أصل هذا المجاز.
ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه.
وقال الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ذكراً أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياساً على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق المكاتب ولا شراء القريب.
وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف.
ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير والإطعام قد لا يحتمل ذلك.
﴿ فمن لم يجد ﴾ أحد الأمور الثلاثة المذكورة ﴿ فصيام ﴾ فعليه صيام ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم.
تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على حق الغير واجب شرعاً فبقي الآية معمولاً بها في غيره.
وعند أبي حنيفة: يجوز الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة.
ثم صيام الأيام الثلاثة المشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما.
وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتدّ بها لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلاً متوتراً وقد "روي عن النبي أن رجلاً قال له: عليّ أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟
فقال رسول الله : أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟
قال: بلى.
قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح" .
وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ مسألة ﴾ : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها فيخرج عن العهدة ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ وحنثتم فحذف ذكر الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك والشافعي وأحمد موافقاً لما روي أن النبي قال "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير" .
ولأن الكفارة حق ماليّ يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.
هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدّم على وقتها إذا لم تمس إليه حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضاً لوجود أحد السببين.
والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه.
جميع ما ذكرنا ظاهر مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث مطلقاً.
﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن الحنث، وعلى هذا تكون الأيمان المختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا يشرب الخمر بخلاف مالو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث.
وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاوناً بها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان الشافي ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ أحكامه وأعلام شريعته ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البيان وتسهيل المخرج من الحرج.
ثم إنه استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر - وقد تقدم معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة.
واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم الخمر أشياء يكرهها رسول الله منها قصة علي بن أبي طالب وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي.
فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفيّ قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟
قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار غنت أغنية فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء *** وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها *** فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كباباً *** ملهوجة على وهج الصلاء فأنت أبا عمارة المرجى *** لكشف الضر عنا والبلاء فوثب الى السيف أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.
قال علي : فانطلقت حتى دخلت على النبي وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله الذي أتيت له فقال: ما لك؟
فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم!
عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب.
قال: فدعا رسول الله بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، - أنا وزيد بن حارثة - حتى جاء البيت الذي فيه.
فاستأذن فأذن له فإذا هم شرب، فطفق رسول الله يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟
فعرف رسول الله أنه ثمل فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر.
قالت العلماء: هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة بـ"إنما" الدالة على الحصر معناه ليست الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان.
ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم "شارب الخمر كعابد الوثن" ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان ﴾ وأصل الرجس العمل القبيح القذر.
قال الفراء: ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴾ أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً.
ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت.
ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الامر للوجوب.
ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة.
والضمير في ﴿ فاجتنبوه ﴾ عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك.
ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة.
ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان.
وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود.
وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين.
ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟
ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب.
إذ فهموا التحريم المؤكد.
ومنها إنه قال عقيب ذلك ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾ والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب.
ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.
والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر.
عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت.
قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها.
فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني ﴾ فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعاً، فقد تقول العرب: أطعم أي ذق.
ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ والعامل في ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ معنى الكلام المتقدم أي لا يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمّات لأنهم شربوها حين كانت محللة.
والمراد أن أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان.
وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما كان جناح مثل ﴿ وما كان الله ليضيع ﴾ والمعنى لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق.
والجواب أن صيغة طعموا وهي المضي تأباه، وأيضاً إن سبب نزول الآية يكذبه.
روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟
فنزلت.
وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.
ثم أنه شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، وفي الثالثة التقوى والإحسان.
فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم.
وقيل الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم.
وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر.
وقال القفال: الأول الاتقاء من القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق.
ثم إنه استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي ﴿ ليبلونكم الله ﴾ أي ليعاملنكم معاملة المختبر ﴿ بشيءٍ ﴾ التنوين للتحقير وفيه أنه ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، فامتحن الله أمة محمد بصيد البر كما امتحن أصحاب أيلة بصيد البحر.
قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء.
قال الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار.
و"من" في ﴿ من الصيد ﴾ للبيان أو للتبعيض وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير في ﴿ تناله ﴾ إليه ﴿ ليعلم الله ﴾ ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل ﴿ بالغيب ﴾ النصب على الحال أي يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته أو عن حضور الناس ﴿ فمن اعتدى ﴾ فصاد ﴿ بعد ذلك ﴾ الابتلاء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا.
عن ابن عباس: هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه.
﴿ لا تقتلوا الصيد ﴾ قال الشافعي: إنه البري المتوحش المأكول اللحم.
أما الأول فلقوله بعد ذلك ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ وأما المتوحش فيدخل فيه نحو الظبي وإن صار مستأنساً ويخرج الإنسي وإن صار متوحشاً إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولاً فلقوله ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام.
وقال أبو حنيفة: المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن.
وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما وقد جاء "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب والعقور" وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة بقول علي : صيد الملوك أرانب وثعالب *** فإذا ركبت فصيدي الأبطال.
وزيف بأن الثعلب عندنا حلال.
﴿ وأنتم حرم ﴾ أي محرمون بالحج والعمرة أيضاً على الأصح.
وقيل: وقد دخلتم الحرم.
وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي.
وقوله ﴿ لا تقتلوا ﴾ يفيد المنع ابتداء والمنع تسبباً فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرماً أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ﴿ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل ﴾ من قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالتنوين ﴿ ومثل ﴾ بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا.
ومن قرأ بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعلية أن يجزىء مثل ما قتل.
قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فهو قولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك.
وقيل: الإضافة بمعنى "من" أي جزاء من مثل ما قتل.
قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء.
وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناسٍ لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير الصيد فعدل السهم فأصاب صيداً فهو مخطىء لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور.
ويتأكد هذا الرأي بقوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وبقوله ﴿ ومن عاد ﴾ أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضاً يناسب العمد لا الخطأ قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ قياساً على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمداً أو لا.
وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة.
وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ.
قال "في الضبع كبش إذا قتله المحرم" وقالت الصحابة: في الظبي شاة.
أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ.
ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له.
حجة الشافعي قوله ﴿ من النعم ﴾ فإنه بيان للمثل وكذا قوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ وعن النبي أنه حكم في الضبع بكبش.
وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم.
فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة.
والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده.
وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار.
والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز.
وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل.
(وههنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيداً.
فالشافعي وأحمد وإسحق: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد.
وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحداً يقتص منهم جميعاً، وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كلاً منهم كفارة.
وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان.
الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف.
وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال.
الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة إرشاداً إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكاً في ذبح شاة ويتعذر عليه إخراج قسط من الحيوان.
وقال المزني: عليه شاة.
وقال داود: لا ضمان إلا بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط.
الرابعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء آخر خلافاً لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح.
حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم.
حجة داود ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة.
الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير.
والذكر يفدى بالذكر والأنثى بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقاً للمثلية.
فالأنثى أفضل لأنها تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن.
قوله ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ قال ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.
وبهذا احتج من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهد لا يفتقر إلى الاجتهاد.
ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضاً يتوقف على الاجتهاد.
عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبياً في الإحرام فمات فسأل عمر - وكان الى جانبه عبد الرحمن ابن عوف - فقال له: ما ترى؟
قال: عليه شاة.
قال: وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة.
قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.
قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرّة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟
قال الله ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن.
قال الشافعي: ما ورد فيه نص فهو متبع كما روي أنه قضى في الضبع بكبش.
وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ونظرهم أعلى.
وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم.
وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكماً؟
إن كان القتل عمداً عدواناً فلا لأنه يورث الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فكذلك عند مالك كما في تقويم المتلفات.
وجوّزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فسأل عمر فقال: احكم فيه.
فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير المؤمنين.
فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني.
فقال الرجل: أرى فيه جدياً فقال عمر: فذلك فيه.
وأيضاً فإنه حق الله فيجوز أن يكون من عليه أميناً فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة.
ولو حكم عدلان بـأن الله له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين.
ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين أنه يتخير والآخر أنه يأخذ بالأغلظ.
قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز.
وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة الشاهدين وبتقويم المقوّمين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضاً.
وانتصب ﴿ هدياً ﴾ على أنه حال من ﴿ جزاء ﴾ عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل ﴿ مثل ﴾ عند من أضاف، أو حال من الضمير في ﴿ به ﴾ ووصف هدياً ببالغ الكعبة لأن إضافته غير حقيقية تقديره بالغاً الكعبة.
والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا كان مرتفعاً.
ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز.
قال الشافعي: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه وإنما القربة في التصدّق على فقراء الحرم.
وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء لأنها لما وصلت إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة.
قوله ﴿ أو كفارة ﴾ عطف على قوله ﴿ فجزاء ﴾ و ﴿ طعام مساكين ﴾ بيان له.
ومن أضاف فللبيان أيضاً أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم فضة ﴿ أو عدل ذلك ﴾ الطعام ﴿ صياماً ﴾ نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلاً.
وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا كان غلاماً يعدل غلاماً، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين.
ثم مذهب الشافعي أنه يصوم لكل مد يوماً.
ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين.
وبالجملة فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً.
وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من النعم وما ليس كذلك.
فالأوّل جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء اشترى بها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً حيث كان.
والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها.
وبالجملة كل ما دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صام يوماً لأن الصوم لا يتبعض.
فللجزاء في القسم الأوّل ثلاثة أركان: الحيوان والطعام والصيام.
وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام و ﴿ أو ﴾ هنا على التخيير في ظاهر المذهب لا على الترتيب.
ووافق مالك وأبو حنيفة لأن "أو" للتخيير غالباً، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ والتخيير ينافي التغليظ.
ثم القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين قياساً على تعيين المثل.
ثم إن يكن الصيد مثلياً فالعبرة في القيمة بمحل الإتلاف قياساً على كل متلف متقوّم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام بمكة.
وإن كان مثلياً وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ أنها محل الذبح لو كان يذبح.
ولا جزاء عل المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد له أو بدلالته لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي وفي قوله القديم - وبه قال مالك وأحمد - يلزمه القيمة بعدما أكل.
وإذا ذبح المحرم صيداً لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة - لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمة للمالك.
وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟
أظهر الوجهين لا، وكذا الكلام في الصيد الحرم إذا ذبح.
أما قوله ﴿ ليذوق ﴾ فإنه متعلق بقوله ﴿ فجزاء ﴾ أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام.
والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل تقيل على الطبع والمعدة.
والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضاً، وكل منها نوع عقوبة ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل التحريم في الإسلام.
وعلى مذهب داود ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ﴿ ومن عاد ﴾ فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء ﴿ فينتقم الله منه ﴾ أي فهو ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه.
﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ أي مصيداته.
ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما يصاد منه ثلاث أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، وفيما سوى هذين خلاف.
فقال أبو حنيفة: حرام.
وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال.
قوله ﴿ وطعامه ﴾ العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.
وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها.
فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه.
وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ضعف.
قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ وقال رسول الله في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ﴿ متاعاً لكم ﴾ في الحضر طرياً و ﴿ للسيارة ﴾ في السفر مالحاً.
وانتصب ﴿ متاعاً ﴾ على أنه مفعول له ولكنه مختص بالطعام.
وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ أحل لكم ﴾ في معنى التمتيع ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ قال العلماء: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر،ويجب على قاتله الجزاء.
واتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم كذلك لإطلاق الآية، ولما روي عن علي أن النبي أهدي إليه حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله.
وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له لما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفه وأصحابه لما روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال رسول الله : هل أشرتم؟
هل أعنتم؟
فقالوا: هل بقي من لحمه شيء؟
قالوا معنا رجله.
فأخذها النبي فأكلها.
هذان قولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.
وقال في الكشاف.
أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم.
ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة.
ثم حث على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله ﴿ واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ وهو كلام جامع للوعد والوعيد.
ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال ﴿ جعل الله ﴾ أي حكم وبين بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب ﴿ قياماً للناس ﴾ وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا "الناس فعلوا كذا" أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم.
وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبي إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم .
﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.
وانتصب ﴿ البيت الحرام ﴾ على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية.
وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا.
وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة.
وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع.
وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها.
وأما الهدي فأنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، وكل ذلك لأن الله أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان.
ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، موجودها ومعدومها، وذلك قوله ﴿ وأن الله بكل شيء عليم ﴾ فما أحسن هذا الترتيب!
ثم خوّفهم وأطمعهم بقوله ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن انتهك محارمه ﴿ وأن الله غفور رحيم ﴾ لمن حافظ عليها.
وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال "سبقت رحمتي غضبي" .
ثم قرر أن الرسول الله ما كان مكلفاً إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنه يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، عن جابر أن النبي قال "إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها.
فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي واستفدت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟
فقال له النبي : إن أنفقته في الحج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب" ، وأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول رسوله ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله وطاعته، والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخيبث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في تحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف العمر في طلبه حيف.
التأويل: ﴿ لا تحرموا ﴾ على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية ﴿ طيبات ما أحل الله لكم ﴾ دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ولا تجاوزوا عن حد العبودية ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص.
﴿ باللغو في أيمانكم ﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ ولكن يؤاخذكم ﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿ فكفارته ﴾ حينئذ ﴿ إطعام عشرة مساكين ﴾ الحواس الظاهرة والباطنة.
﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿ فمن لم يجد ﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه.
ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.
أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري *** فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: وحقـك مـا نظــرت إلـى سـواكـا *** بعـين مــودّة حتــى أراكــا فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ﴿ ليس على الذين آمنوا ﴾ بالتقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال البدنية الشرعية ﴿ جناح فيما طعموا ﴾ من المباحات ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ الشبهة والإسراف ﴿ وآمنوا ﴾ بالتحقيق بعد التقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه ﴿ ثم اتقوا ﴾ شرك الأنانية ﴿ وآمنوا ﴾ بهويته ﴿ ثم اتقوا ﴾ هذا الشرك وهو الفناء في الفناء ﴿ وأحسنوا ﴾ وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ﴿ ليبلونكم الله ﴾ في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية.
﴿ تناله أيديكم ﴾ يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية ﴿ فله عذاب ﴾ الردّ والصد ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال ﴿ متعمداً ﴾ أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار ﴿ مثل ما قتل من النعم ﴾ يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ﴿ ذوا عدل ﴾ هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ خالصاً عن الخلق لأجل الحق ﴿ طعام مساكين ﴾ هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك.
﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ ذو انتقام ﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال.
﴿ أحل لكم صيد ﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿ صيد البر ﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ ما دمتم حرماً ﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو.
﴿ جعل الله الكعبة ﴾ كعبة الظاهر ﴿ قياماً ﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿ البيت الحرام ﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق.
والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض.
﴿ شديد العقاب ﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿ إلا البلاغ ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ ما تبدون ﴾ بإقرار اللسان ﴿ وما تكتمون ﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز جل -: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ردّاً على من يقول: إن الموعظة لا تنفع ولا تنجع فيه إذا لم يكن الواعظ مستعملا لما يعظ غيره؛ إذ ليس أحد من الخلق أشد استعمالا من الرسل - عليهم السلام - ثم لا تنفع مواعظهم وذكراهم قومهم، ولا تنجع فيهم؛ لشؤمهم ولشدة تعنتهم.
والثاني: إنباء أن ليس على الرسل إلا البلاغ، ولا ضرر عليهم بترك القوم إجابتهم؛ كقوله - -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ ما تبدون من العداوة لمحمد ولأصحابه، وبنصب الحرب والقتال معهم، وما تكتمون من المكر له، والقصد لقتله؛ كقوله - -: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ﴾ الآية [الأنفال: 30]، كانوا يمكرون، ويقصدون قصد إهلاكه، لكن الله - عز وجل - أطلع رسوله على مكرهم، وأخبر أنه يعصمه عن الناس، وقال -: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ...
﴾ الآية.
يحتمل وجهين: أحدهما: خرج عن سؤال قد سبق منهم عن كثرة الأموال؛ لما رأوا أولئك كانوا يستكثرون ويجمعون من حيث يحل ولا يحل، فمالت أنفسهم إلى ذلك ورغبت، فقال: ﴿ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ ﴾ كأنه قال: إن القليل من الطيب خير من الكثير من الخبيث، والله أعلم.
والثاني: أنهم رغبوا في عبادة أولئك من الترهب والاعتزال عن الناس؛ لدفع أذى أنفسهم عنهم، وكثرة ما كانوا يتحملون من الشدائد والمشقة؛ فرغبوا في ذلك، وهموا على ذلك، على ما ذكر في القصة عن بعض أصحاب رسول الله : أنهم هموا أن يترهبوا ويعتزلوا من الناس؛ فقال: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ ﴾ أن العمل القليل مع أصل طيب خير من الكثير مع خبث الأصل.
وقوله - عز جل -: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في مخالفة أمره ونهيه ﴿ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ فيه دلالة أن الله لا يخاطب أحداً إلا من كمل عقله وتم، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ يحتمل: أن يكون النهي عن السؤال عن أشياء خرج عن أسئلة كانت منهم لم يكن لهم حاجة إليها؛ فنهوا عن ذلك إلى أن يقع لهم الحاجة فعند ذلك يسألون، كأنهم سألوه عن البيان والإيضاح لهم قبل أن يحتاجوا إليه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ...
﴾ الآية.
ويحتمل: أن يكون خرج النهي عن السؤال ابتداء، على غير تقدم سؤال كان منهم، ولكن نهوا عن السؤال عنها.
ثم يحتمل بعد هذا: أن كان منهم على ابتداء سؤال، كان من أهل النفاق يسألون سؤال تعنت لا سؤال استرشاد، يسألون منه آيات بعد ما ظهرت لهم، وثبت عندهم الحجج، وعرفوا أنه رسول الله .
وإن كان النهي للمؤمنين فهو ما ذكرنا من سؤال البيان قبل وقوع الحاجة إليه.
وقيل: نزلت في قوم سألوا رسول الله عن أشياء: قال أحدهم: من أبي؟
وقال آخر: أين أنا؟
قال: "أَنْتَ في النَّارِ، وأَنْتَ ابْنُ فُلانٍ" ونحو ذلك من الأسئلة؛ فنهوا عن ذلك.
وقيل: "ذكر رسول الله الحج، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟
[فقال:] لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، صَارَ مَفْرُوضاً، فَإِذَا صَارَ مَفْرُوضاً تَرَكْتُمْ، وَإِذَا تَرَكْتُمْ جَحَدْتُمْ، وَإِذَا جَحَدْتُمْ كَفَرْتُمْ؛ لأنَّ مَنْ جَحَدَ فَرْضاً مِمَّا فَرَضَهُ اللهُ كَفْرَ" أو كلام نحو هذا، ولا يجب أن يفسر هذا أنه كان في كذا؛ إذ ليس في كتاب الله بيان سوى أن فيه النهي عن سؤال ما لا يحتاج إليه.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ ﴾ قد عفا الله عنها ﴿ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ ، أي: تظهر لكم تسؤكم، أي: أمرتم العمل بها، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ ﴾ .
هذا يدل على أن النهي عن السؤال في الآي لأحد شيئين: إما أن سألوا الآيات عنه بعد ما ظهرت وثبتت لهم رسالته، فلما أتى بها كفروا بها؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ ﴾ ، وقد كان الأمم السالفة يسألون من الرسل - عليهم السلام - الآيات بعد ظهورها عندهم.
ويحتمل: ما ذكرنا من قولهم: أين نحن؟
ومن أبي؟
ومن أنا؟
ونحوه، فلما أن أخبرهم بذلك كفروا به، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول-: لا يستوي الخبيث من كل شيء مع الطيب من كل شيء، ولو أعجبك كثرة الخبيث، فإن كثرته لا تدل على فضله، فاتقوا الله -يا أصحاب العقول- بترك الخبيث وفعل الطيب لعلكم تفوزون بالجنة.
<div class="verse-tafsir" id="91.Bzd1o"