الآية ١٠١ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٠١ من سورة المائدة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ١٠١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 200 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠١ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠١ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) هذا تأديب من الله [ تعالى ] لعباده المؤمنين ، ونهي لهم عن أن يسألوا ) عن أشياء ) مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها ; لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها ، كما جاء في الحديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " .

وقال البخاري : حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن موسى بن أنس ، عن أنس بن مالك قال : خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبة ما سمعت مثلها قط ، قال " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " قال : فغطى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوههم لهم حنين .

فقال رجل : من أبي؟

قال : " فلان " ، فنزلت هذه الآية : ( لا تسألوا عن أشياء ) رواه النضر وروح بن عبادة ، عن شعبة وقد رواه البخاري في غير هذا الموضع ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة بن الحجاج ، به .

وقال ابن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) الآية ، قال : فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوه حتى أحفوه بالمسألة ، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر ، فقال : " لا تسألوا اليوم عن شيء إلا بينته لكم " .

فأشفق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون بين يدي أمر قد حضر ، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وجدت كلا لافا رأسه في ثوبه يبكي ، فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه ، فقال : يا نبي الله ، من أبي؟

قال : " أبوك حذافة " .

قال : ثم قام عمر - أو قال : فأنشأ عمر - فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا عائذا بالله - أو قال : أعوذ بالله - من شر الفتن قال : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لم أر في الخير والشر كاليوم قط ، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط " .

أخرجاه من طريق سعيد .

ورواه معمر ، عن الزهري ، عن أنس بنحو ذلك - أو قريبا منه - قال الزهري : فقالت أم عبد الله بن حذافة : ما رأيت ولدا أعق منك قط ، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس ، فقال : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا قيس ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر ، فقام إليه رجل فقال : أين أبي ؟

فقال : " في النار " فقام آخر فقال : من أبي؟

فقال : " أبوك حذافة " ، فقام عمر بن الخطاب فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبالقرآن إماما ، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك ، والله أعلم من آباؤنا .

قال : فسكن غضبه ، ونزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) إسناده جيد .

وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف ، منهم أسباط ، عن السدي أنه قال في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) قال : غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما من الأيام ، فقام خطيبا فقال : " سلوني ، فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به " .

فقام إليه رجل من قريش ، من بني سهم ، يقال له : عبد الله بن حذافة ، وكان يطعن فيه ، فقال : يا رسول الله ، من أبي؟

فقال : " أبوك فلان " ، فدعاه لأبيه ، فقام إليه عمر بن الخطاب فقبل رجله ، وقال : يا رسول الله ، رضينا بالله ربا ، وبك نبيا ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماما ، فاعف عنا عفا الله عنك ، فلم يزل به حتى رضي ، فيومئذ قال : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " .

ثم قال البخاري : حدثنا الفضل بن سهل ، حدثنا أبو النضر ، حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا أبو الجويرية ، عن ابن عباس قال : كان قوم يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استهزاء ، فيقول الرجل : من أبي؟

ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي؟

فأنزل الله فيهم هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) حتى فرغ من الآية كلها .

تفرد به البخاري .

وقال الإمام أحمد : حدثنا منصور بن وردان الأسدي ، حدثنا علي بن عبد الأعلى ، عن أبيه ، عن أبي البختري - وهو سعيد بن فيروز - عن علي قال : لما نزلت هذه الآية : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) [ آل عمران : 97 ] قالوا : يا رسول الله ، كل عام؟

فسكت .

فقالوا : أفي كل عام؟

فسكت ، قال : ثم قالوا : أفي كل عام؟

فقال : " لا ولو قلت : نعم لوجبت " ، فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) إلى آخر الآية .

وكذا رواه الترمذي وابن ماجه ، من طريق منصور بن وردان ، به وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه ، وسمعت البخاري يقول : أبو البختري لم يدرك عليا .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن إبراهيم بن مسلم الهجري ، عن أبي عياض ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله كتب عليكم الحج " فقال رجل : أفي كل عام يا رسول الله؟

فأعرض عنه ، حتى عاد مرتين أو ثلاثا ، فقال : " من السائل؟

" فقال : فلان .

فقال : " والذي نفسي بيده ، لو قلت : نعم لوجبت ، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه ، ولو تركتموه لكفرتم " ، فأنزل الله ، عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) حتى ختم الآية .

ثم رواه ابن جرير من طريق الحسين بن واقد ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة - وقال : فقام محصن الأسدي - وفي رواية من هذه الطريق : عكاشة بن محصن - وهو أشبه .

وإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف .

وقال ابن جرير أيضا : حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري قال : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر ، حدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى ، عن صفوان بن عمرو ، حدثني سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس فقال : " كتب عليكم الحج " .

فقام رجل من الأعراب فقال : أفي كل عام؟

قال : فغلق كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأسكت واستغضب ، ومكث طويلا ثم تكلم فقال : " من السائل؟

" فقال الأعرابي : أنا ذا ، فقال : " ويحك ، ماذا يؤمنك أن أقول : نعم ، والله لو قلت : نعم لوجبت ، ولو وجبت لكفرتم ، ألا إنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج ، والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض ، وحرمت عليكم منها موضع خف ، لوقعتم فيه " قال : فأنزل الله عند ذلك : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) إلى آخر الآية .

في إسناده ضعف .

وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته ، فالأولى الإعراض عنها وتركها .

وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا حجاج قال : سمعت إسرائيل بن يونس ، عن الوليد بن أبي هشام مولى الهمداني ، عن زيد بن زائد ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : " لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ; فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " الحديث .

وقد رواه أبو داود والترمذي ، من حديث إسرائيل - قال أبو داود : عن الوليد - وقال الترمذي : عن إسرائيل - عن السدي ، عن الوليد بن أبي هاشم ، به .

ثم قال الترمذي : غريب من هذا الوجه .

وقوله : ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) أي : وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على الرسول تبين لكم ، وذلك [ على الله ] يسير .

ثم قال ( عفا الله عنها ) أي : عما كان منكم قبل ذلك ( والله غفور حليم ) وقيل : ) وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) أي : لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها ، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق وقد ورد في الحديث : " أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته " ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها حينئذ ، تبينت لكم لاحتياجكم إليها .

( عفا الله عنها ) أي : ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه ، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها .

وفي الصحيح ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ذروني ما تركتم ; فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " .

وفي الحديث الصحيح أيضا : " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية أنـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام, امتحانًا له أحيانًا, واستهزاءً أحيانًا.

فيقول له بعضهم: " من أبي"؟

ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته: " أين ناقتي"؟

فقال لهم تعالى ذكره: لا تسألوا عن أشياءَ من ذلك= كمسألة عبد الله بن حُذافة إياه من أبوه=" إن تبد لكم تسؤكم "، يقول: إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه، ساءكم إبداؤها وإظهارها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* ذكر الرواية بذلك: 12794 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا حفص بن بُغَيل قال ، حدثنا زهير بن معاوية قال ، حدثنا أبو الجويرية قال : قال ابن عباس لأعرابيّ من بني سليم: هل تدري فيما أنـزلت هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ؟= حتى فرغ من الآية, فقال: كان قوم يسألون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استهزاء, فيقول الرجل: " من أبي"؟

= والرجل تضل ناقته فيقول: " أين ناقتي"؟

فأنـزل الله فيهم هذه الآية.

(115) 12795 - حدثني محمد بن المثنى قال ، حدثنا أبو عامر وأبو داود قالا حدثنا هشام, عن قتادة, عن أنس قال : سأل الناسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حتى أحْفَوه بالمسألة، (116) فصعد المنبر ذات يوم, فقال: " لا تسألوني عن شيء إلا بيَّنْتُ لكم!

(117) قال أنس: فجعلت أنظر يمينًا وشمالا فأرى كل إنسان لافًّا ثوبَه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاحَى يُدعى إلى غير أبيه، (118) فقال: يا رسول الله, من أبي؟

فقال: " أبوك حذافة "!

قال: فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وأعوذ بالله من سوء الفتن!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم أرَ الشرّ والخيرَ كاليوم قط!

(119) إنه صُوِّرت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط !

= وكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: " لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ".

(120) 12796 - حدثني محمد بن معمر البحراني قال ، حدثنا روح بن عبادة قال ، حدثنا شعبة قال ، أخبرني موسى بن أنس قال ، سمعت أنسًا يقول، قال رجل: يا رسول الله، من أبي؟

قال: " أبوك فلان "!

قال: فنـزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ".

(121) 12797- حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم "، قال: فحدَّثنا أن أنس بن مالك حدَّثهم: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفَوْه بالمسألة, فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: " لا تسألوني اليومَ عن شيء إلا بينته لكم!

فأشفقَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه &; 11-101 &; وسلم أن يكون بين يديه أمر قد حضر, فجعلتُ لا ألتفت يمينًا ولا شمالا إلا وجدت كُلا لافًّا رأسه في ثوبه يبكي.

فأنشأ رجلٌ كان يُلاحَى فيدعى إلى غير أبيه, فقال: يا نبي الله، من أبي؟

قال: " أبوك حذافة "!

قال: ثم قام عمر = (122) أو قال: فأنشأ عمر = فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا عائذًا بالله = أو قال: أعوذ بالله = من سوء الفتن!

قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أر في الخير والشر كاليوم قط, صُوِّرت لي الجنة والنارُ حتى رأيتهما دون الحائط.

(123) 12798 - حدثنا أحمد بن هشام وسفيان بن وكيع قالا حدثنا معاذ بن معاذ قال ، حدثنا ابن عون، قال : سألت عكرمة مولى ابن عباس عن قوله: " ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم "، قال: ذاك يوم قام فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به!

قال: فقام رجل, فكره المسلمون مَقامه يومئذ, فقال: يا رسول الله ، من أبي؟

قال: أبوك حذافة، قال: فنـزلت هذه الآية.

(124) 12799 - حدثنا الحسين بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: نـزلت: " لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم &; 11-102 &; تسؤكم "، في رجل قال: يا رسول الله ، من أبي؟

قال: أبوك فلان.

12800- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني سفيان, عن معمر, عن قتادة قال : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أكثروا عليه, فقام مغضبًا خطيبًا فقال: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي إلا حدثتكم!

فقام رجل فقال: من أبي؟

قال: أبوك حذافة.

واشتدّ غضبه وقال: سلوني!

فلما رأى الناس ذلك كثر بكاؤهم, فجثا عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربًّا= قال معمر، قال الزهري، قال أنس مثل ذلك: فجثا عمر على ركبتيه= (125) فقال: رضينا بالله ربًّا= وبالإسلام دينًا= وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والذي نفسي بيده, لقد صُوِّرت لي الجنةُ والنارُ آنفًا في عرض هذا الحائط, فلم أر كاليوم في الخير والشر= قال الزهري، فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدًا أعقّ منك قط!

أتأمن أن تكون أمك قارفت ما قارفَ أهلُ الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس!!

فقال: والله لو ألحقني بعبدٍ أسود للحقتُه.

(126) 12801 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم "، قال: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا من الأيام، فقام خطيبًا فقال: سلوني، فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا نبأتكم به!

فقام إليه رجل من قريش، من بني سهم، يقال له " عبد الله بن حذافة "، وكان يُطْعن فيه، قال : فقال: يا رسول الله ، من أبي؟

قال: أبوك فلان!

فدعاه لأبيه.

فقام إليه عمر فقبَّل رجله وقال: يا رسولَ الله, رضينا بالله ربًّا, وبك نبيًّا, وبالإسلام دينًا, وبالقرآن إمامًا, فاعف عنا عفا الله عنك!

فلم يزل به حتى رَضِيَ, فيومئذ قال: " الولد للفراش وللعاهر الحجر ".

(127) 12802 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا قيس, عن أبي حصين, عن أبي صالح, عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمارٌّ وجهه!

حتى جلس على المنبر, فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟

قال: في النار، فقام آخر فقال: من أبي؟

قال: أبوك حذافة !

فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربًّا, وبالإسلام دينًا, وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا, وبالقرآن إمامًا, إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشِرْك, والله يعلمُ من آباؤنا!

قال: فسكن غضبه, ونـزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ".

(128) * * * وقال آخرون: نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل مسألة سائل سأله عن شيء في أمر الحجّ.

* ذكر من قال ذلك: 12803 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا منصور بن وردان الأسدي قال، حدثنا علي بن عبد الأعلى قال ، لما نـزلت هذه الآية: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا سورة آل عمران :97]، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟

فسكت.

ثم قالوا: أفي كل عام؟

فسكت.

ثم قال: لا ولو قلت: " نعم " لوجبت "!

فأنـزل الله هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ".

(129) 12804 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان, عن إبراهيم بن مسلم الهجري, عن ابن عياض, عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،" إن الله كتب عليكم الحج!

فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟

فأعرض عنه, حتى عاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: من السائل؟

فقال: فلان!

فقال: والذي نفسي بيده، لو قلت " نعم " لوجبت, ولو وجبت عليكم ما أطقتموه, ولو تركتموه لكفرتم!

فأنـزل الله هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم "، حتى ختم الآية.

(130) 12805 - حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال ، سمعت أبي قال ، أخبرنا الحسين بن واقد, عن محمد بن زياد قال ، سمعت أبا هريرة يقول: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس, كتب الله عليكم الحج.

فقام مِحْصن الأسدي فقال: أفي كل عام، يا رسول الله؟

فقال: " أمَا إنّي لو قلت " نعم " لوجبت, ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عنى ما سكتُّ عنكم, فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم!

فأنـزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم "، إلى آخر الآية.

(131) 12806- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين بن واقد, عن محمد بن زياد قال : سمعت أبا هريرة يقول: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم= فذكر مثله, إلا أنه قام: فقام عُكَّاشة بن محصن الأسدي.

(132) 12807 - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري قال ، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر قال ، حدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى, عن صفوان &; 11-108 &; بن عمرو قال ، حدثني سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال: كتب عليكم الحج!" فقام رجل من الأعراب فقال: أفي كل عام؟

قال: فغَلِقَ كلامُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسكتَ (133) واستغضب، (134) فمكث طويلا ثم تكلم فقال: من السائل؟

فقال الأعرابي: أنا ذا!

فقال: ويحك!

ماذا يُؤْمِنك أن قول " نعم ", ولو قلت " نعم " لوجبت, ولو وجبت لكفرتم!

ألا إنه إنما أهلك الذين قبلكم أئمة الحَرَج، (135) والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض، وحرَّمت عليكم منها موضع خُفٍّ، لوقعتم فيه!

قال: فأنـزل الله تعالى عند ذلك: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء "، إلى آخر الآية.

(136) 12808 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم "، وذلك أن رسول الله أذّن في الناس فقال: " يا قوم, كتب عليكم الحجّ!" فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول الله, أفي كل عام؟

فأغْضِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا, فقال: والذي نفس محمد بيده، لو قلت " نعم " لوجبت, ولو وجبت ما استطعتم, وإذًا لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم, فإذا أمرتكم بشيء فافعلوا, وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه!

فأنـزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم "، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة, فأصبحوا بها كافرين.

فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نـزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك, ولكن انتظروا، فإذا نـزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تِبيانه.

(137) 12809 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح قال ، حدثنا علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينـزل القرآن تبد لكم "، قال: لما أنـزلت آية الحج, نادى النبيّ صلى الله عليه وسلم في الناس فقال: يا أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحُجُّوا.

فقالوا: يا رسول الله, أعامًا واحدًا أم كل عام؟، فقال: لا بل عامًا واحدًا, ولو قلت " كل عام "، لوجبت, ولو وجبت لكفرتم.

ثم قال الله تعالى ذكره: (138) يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، قال: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء، فوعظهم فانتهوا.

12810- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم "، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج, فقيل: أواجب هو يا رسول الله كل عام؟

قال: لا لو قلتها لوجبت, ولو وجبت ما أطقتم, ولو لم تطيقوا لكفرتم.

ثم قال: سلوني، فلا يسألني رجل في مجلسي هذا عن شيء إلا أخبرته, وإن سألني عن أبيه!

فقام إليه رجل فقال: من أبي؟

قال: أبوك حذافة بن قيس.

فقام عمر فقال: يا رسول، رضينا بالله ربًّا, وبالإسلام دينًا, وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا, ونعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية من أجل أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوَصيلة والحامي.

* ذكر من قال ذلك: 12811- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال ، حدثنا عتاب بن بشير, عن خصيف, عن مجاهد, عن ابن عباس " لا تسألوا عن أشياء "، قال: هي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك: " ما جعل الله من كذا ولا كذا؟

(139) = قال: وأما عكرمة فإنه قال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات، فنهوا عن ذلك.

ثم فال: " قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين " .

قال: فقلت قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس, فما لك تقول هذا؟

فقال: هَيْهَ.

(140) 12812- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يزيد بن هارون, عن ابن عون, عن عكرمة قال : هو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبي= وقال سعيد بن جبير: هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نـزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسولَ الله صلى الله عليه وسلم المسائلَ, كمسألة ابن حذافة إياه مَن أبوه, ومسألة سائله إذ قال: " الله فرض عليكم الحج "، أفي كل عام؟

وما أشبه ذلك من المسائل, لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل.

وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس, فقولٌ غير بعيد من الصواب, ولكنْ الأخبارُ المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه, وكرهنا القولَ به من أجل ذلك.

على أنه غير مستنكر أن تكون المسئلة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كانت فيما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها, كما كره الله لهم المسألة عن الحج: " أكل عام هو، أم عامًا واحدًا "؟

وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه, فنـزلت الآية بالنهي عن المسائل كلِّها, فأخبرَ كل مخبر منهم ببعض ما نـزلت الآية من أجله، وأجل غيره.

(141) وهذا القول أولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة, لأن مخارج الأخبار بجميع المعاني التي ذُكرت صحاحٌ, فتوجيهها إلى الصواب من وجوهها أولى.

* * * القول في تأويل قوله : وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للذين نهاهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما نهاهم عن مسألتهم إياه عنه, من فرائض لم يفرضها الله عليهم, وتحليل أمور لهم يحلّلها لهم, وتحريم أشياء لم يحرِّمها عليهم قبلَ نـزول القرآن بذلك: أيها المؤمنون السائلون عما سألوا عنه رسولي مما لم أنـزل به كتابًا ولا وحيًا, لا تسألوا عنه, فإنكم إن أظهر ذلك لكم تبيانٌ بوحي وتنـزيل ساءكم، لأن التنـزيل بذلك إذا جاءكم إنما يجيئكم بما فيه امتحانكم واختباركم, إما بإيجاب عمل عليكم, ولزوم فرض لكم, وفي ذلك عليكم مشقة ولزوم مؤونة وكلفة= وإما بتحريم ما لو لم يأتكم بتحريمه وحي، كنتم من التقدم عليه في فُسْحة وسَعة= وإما بتحليل ما تعتقدون تحريمه, وفي ذلك لكم مساءة لنقلكم عما كنتم ترونه حقًّا إلى ما كنتم ترونه باطلا ولكنكم إن سألتم عنها بعد نـزول القرآن بها، وبعد ابتدائكم ببيان أمرها في كتابي إلى رسولي إليكم، (142) ليسَّر عليكم ما أنـزلته إليه من بيان كتابي، وتأويل تنـزيلي ووحيي (143) وذلك نظير الخبر الذي روي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذي:- 12813 - حدثنا به هناد بن السري قال ، حدثنا أبو معاوية, عن داود بن أبي هند, عن مكحول, عن أبي ثعلبة الخشني قال : إن الله تعالى ذكره فرَض فرائض فلا تضيِّعوها, ونهى عن أشياء فلا تَنْتَهِكوها, وحدّ حدودًا فلا تعتدوها, وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

(144) 12814 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج, عن عطاء قال : كان عبيد بن عمير يقول: إن الله تعالى أحلّ وحرَّم, فما أحلّ فاستحلُّوه، وما حرَّم فاجتنبوه, وترك من ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه.

ثم يتلو: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " .

12815- حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا الضحاك قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، أخبرني عطاء, عن عبيد بن عمير أنه كان يقول: إنّ الله حرّم وأحلَّ, ثم ذكر نحوه.

* * * وأما قوله: " عفا الله عنها " فإنه يعني به: عفا الله لكم عن مسألتكم عن الأشياء التي سألتم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كره الله لكم مسألتكم إياه عنها, أن يؤاخذكم بها, أو يعاقبكم عليها, إن عرف منها توبتكم وإنابتكم (145) =" والله غفورٌ" ، يقول: والله ساتر ذنوب من تاب منها, فتارك أن يفضحه في الآخرة =" حليم " [ذو أناة عن ] أن يعاقبه بها، لتغمده التائبَ منها برحمته، وعفوه, عن عقوبته عليها.

(146) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن ابن عباس الذي ذكرناه آنفًا.

وذلك ما:- 12816 - حدثني به محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " لا تسألوا عن أشياء " ، يقول: لا تسألوا عن أشياء إن نـزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك, ولكن انتظروا، فإذا نـزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه.

(147) ------------------- الهوامش : (115) الأثر: 12794-"حفص بن بغيل الهمداني المرهبي" ، ثقة مضى برقم: 9639 ، وكان في المطبوعة هنا"بعض بني نفيل" ، وفي المخطوطة: "بعض بن نفيل" ، وكله خطأ ، وكذلك جاء خطأ في فتح الباري"حفص بن نفيل" بالفاء ، وهو"بغيل" بالغين ، على التصغير.

و"زهير بن معاوية الجعفي" ، هو"أبو خيثمة".

ثقة ثبت ، روى له أصحاب الكتب الستة.

مضى برقم: 2144 ، 2222.

و"أبو الجويرية" هو"حطان بن خفاف بن زهير بن عبد الله بن رمح بن عرعرة الجعفي" ، روى عن ابن عباس.

ثقة ، قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أنه ثقة".

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1109 ، وابن أبي حاتم 1/2/304.

وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه (الفتح 8: 212) من طريق الفضل بن سهل ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم ، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية ، عن أبي الجويرية ، بنحوه.

وأشار إلى إسناد أبي جعفر ، الحافظ ابن حجر في شرح الحديث.

وقال ابن كثير في تفسيره 3: 250 ، وذكر حديث البخاري: "تفرد به البخاري".

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 334 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه.

(116) "أحفاه بالمسألة" و"أحفى السؤال": ألح عليه ، وأكثر الطلب واستقصى في السؤال.

(117) في المطبوعة: "إلا بينته" بالضمير كما في صحيح مسلم وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب أيضا.

(118) يقال: "أنشأ فلان يفعل كذا" أي: أقبل يفعل أو ابتدأ يفعل وهو هنا في هذا الموضع والذي يليه ، أحسنه أن يفسر: "أقبل"= و"لاحى الرجل أخاه": إذا نازعه وسابه وشاتمه.

(119) في المطبوعة: "لم أر في الشر والخير" بزيادة"في" كما في مسلم: "لم أر كاليوم قط في الخير والشر" واتبعت المخطوطة فحذفت"في".

(120) الأثر: 12795-"أبو عامر" هو العقدي: "عبد الملك بن عمرو القيسي" ، ثقة مأمون ، مضى مرارا كثيرة جدا.

و"أبو داود" هو الطيالسي.

و"هشام" هو الدستوائي.

وهذا الخبر ، رواه مسلم في صحيحه من طرق (15: 114 ، 115) ، من طريق: يوسف ابن حماد المعنى ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، ثم أشار إلى روايته من طريق يحيى بن حبيب الحارثي ، عن خالد بن الحارث ، عن هشام= ومن طريق محمد بن بشار ، عن محمد ابن أبي عدي ، عن هشام.

وهو مثل طريق أبي جعفر.

وسيأتي أيضًا برقم: 12797.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 334 ، واقتصر على نسبته لابن جرير ، وابن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وقصر فلم ينسبه إلى صحيح مسلم.

(121) الأثر: 12796="محمد بن معمر بن ربعي القيسي البحراني" ، شيخ الطبري روى عنه أصحاب الكتب الستة ، ومضى برقم: 241 ، 3056 ، 5393.

و"روح بن عبادة القيسي" ، مضى برقم: 3015 ، 3355 ، 3912.

و"موسى بن أنس بن مالك الأنصاري" ، تابعي ثقة قليل الحديث ، مضى برقم: 11475.

وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه من طريقين عن شعبة ، من طريق منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي ، عن أبيه ، عن شعبة (الفتح 8: 210- 212) مطولا ، وأشار بعده إلى رواية النضر ، وروح بن عبادة ، عن شعبة= ثم رواه من طريق محمد بن عبد الرحيم ، عن روح ، عن شعبة ، مختصرًا كالذي هنا (الفتح 13: 230) وخرجه الحافظ ابن حجر في الموضعين.

ورواه مسلم في صحيحه (15: 112) ، من طريق محمد بن معمر ، بمثل رواية أبي جعفر.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 334 ، وزاد نسبته إلى الترمذي ، والنسائي ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

(122) في المطبوعة: "ثم قال عمر" غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب.

(123) الأثر: 12797- هو مكرر الأثر رقم: 12795 بنحو لفظه ورواه أبو جعفر هنا من طريق سعيد عن قتادة وهي طريق مسلم التي رواها في صحيحه ، كما أشرت إليه في تخريج الخبر رقم: 12795.

(124) الأثر: 12798-"أحمد بن هشام" شيخ أبي جعفر ، لم أستطع أن أحدد من يكون ، وهناك: "أحمد بن هشام بن بهرام" ، "أبو عبد الله المدائني" مترجم في تاريخ بغداد 5: 197.

و"أحمد بن هشام بن حميد" ، "أبو بكر المصري" ، سكن البصرة ، وحدث بها.

مترجم أيضًا في تاريخ بغداد 5: 198.

وأما "معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري" ، "أبو المثنى" ، الحافظ البصري ، فقد سلف برقم: 10482.

(125) هذه إشارة من سفيان إلى رواية يونس عن الزهري ورواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: "برك عمر "أو" فبرك عمر على ركبتيه" كما في مسلم 15: 113 ، والبخاري (الفتح 13: 230).

(126) الأثر: 12800- هذا الخبر من رواية سفيان ، عن معمر ، عن قتادة عن أنس= ومن روايته عن معمر ، عن الزهري ، عن أنس.

وأخرجه البخاري في صحيحه (الفتح 13: 230) من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، وأخرجه مسلم في صحيحه (15: 112) من يونس ، عن الزهري ، ثم أشار في (15 : 114) إلى طريق عبد الرازق ، عن معمر.

أما خبر طريق قتادة ، عن أنس ، فقد مضى برقم: 12795 ، 12797.

•وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 249.

(127) الأثر: 12801- روى الحاكم في المستدرك 3: 631 من طريق نعيم بن حماد عن هشيم عن سيار عن أبي وائل: "أن عبد الله بن حذافة بن قيس قال: يا رسول الله ، من أبي؟

قال: أبُوك حُذافة ، الولد للفراش وللعَاهر الحجَرُ.

قال: لو دعوتتي لحبشيٍّ لاتبعته!

فقالت له أُمُّه: لقد عَرَّضتني!

فقال: إنِّي أردتُ أن أستريح!".

(128) الأثر: 12802-"الحارث" هو"الحارث بن أبي أسامة" منسوبًا إلى جده ، وهو"الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي" ، مضت ترجمته برقم: 10295.

و"عبد العزيز" هو"عبد العزيز بن أبان الأموي" ، من مولد سعيد بن العاص ، كان كذابًا يضع الأحاديث ، وذمه يطول.

ومضى برقم: 10295.

و"قيس" هو"قيس بن الربيع الأسدي" ، وهو ثقة ، ولكنهم ضعفوه ، ومضى أيضًا برقم 10295.

و"أبو حصين" هو"عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي" ، روى له أصحاب الكتب الستة.

مضى برقم: 642 643 ، 8961 ، 8962.

و"أبو صالح" هو"ذكوان السمان" ، من أجل الناس وأوثقهم.

سلف مرارًا.

وإسناد هذا الخبر إلى"قيس بن الربيع" ، إسناد هالك ، ولكن ابن كثير في تفسيره 2: 249 ، ساقه عن هذا الموضع من الطبري ثم قال: "إسناده جيد" ، وكيف ، وفيه"عبد العزيز بن أبان"؟

وذكر هذا الخبر ، الجصاص في أحكام القرآن 2: 483 ، يقول: "روى قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي هريرة" ، ولم يذكر إسناده.

(129) الأثر: 12803-"منصور بن وردان الأسدي" العطار الكوفي ، شيخ أحمد.

روى عن فطر بن خليفة ، وعلي بن عبد الأعلى.

ذكره ابن حبان في الثقات ، ووثقه أحمد.

وقال ابن أبي حاتم: "يكتب حديثه".

مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/347 ، وابن أبي حاتم 4/1/180.

"على بن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي" ، أبو الحسن الأحول.

وثقه البخاري والترمذي ، وقال الدارقطني: "ليس بالقوي" مترجم ، في التهذيب.

وهذا الخبر ، رواه أحمد في المسند رقم 905 ، من طريق منصور بن وردان الأسدي ، عن علي بن عبد الأعلى ، عن أبيه ، عن أبي البختري ، عن علي قال ، بمثل ما في رواية أبي جعفر غير موصولة.

ورواه الترمذي في كتاب التفسير عن أبي سعيد ، عن منصور بن وردان ، بإسناده بمثل رواية أحمد ، وقال: "هذا حديث حسن غريب من حديث علي".

ورواه الحاكم في المستدرك 2: 293 ، 294 ، من طريق أحمد بن موسى بن إسحق التميمي ، عن مخول بن إبراهيم النهدي ، عن منصور بن وردان.

ولم يقل فيه الحاكم شيئًا ، وقال الذهبي في تعليقه: "مخول: رافضي ، = وعبد الأعلى ، هو ابن عامر ، ضعفه أحمد".

ورواه ابن ماجه في السنن رقم: 2884 من طريق محمد بن عبد الله بن نمير ، وعلي بن محمد ، عن منصور بن وردان ، بمثله.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 195/3: 250 ، وذكر خبر الترمذي وما قاله ثم قال: "وفيما قال نظر.

لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي".

و"قال أخي السيد أحمد في شرح المسند (رقم: 905): "إسناده ضعيف ، لانقطاعه ، ولضعف عبد الأعلى بن عامر الثعلبي".

(130) الأثر: 12804-"عبد الرحيم بن سليمان الطائي الرازي" ، الأشل.

ثقة مضى برقم: 2028 ، 2030 ، 2254 ، 8156 ، 8157 ، 8161.

وكان في المطبوعة والمخطوطة"عبد الرحمن بن سليمان" ، والصواب من تفسير ابن كثير.

و"إبراهيم بن مسلم الهجري" ضعيف ، لين الحديث ، مترجم في الكبير للبخاري 1/1/326 ، وضعفه ، وابن أبي حاتم 1/1/131 ، وميزان الاعتدال للذهبي 1: 31.

و"أبو عياض" هو: "عمرو بن الأسود العنسي" ، ويقال: "عمير بن الأسود" ، ثقة ، مضى برقم: 11255.

وكان في المطبوعة: "ابن عياض" ، والصواب من المخطوطة.

وهذا خبر ضعيف إسناده ، لضعف"إبراهيم بن مسلم الهجري".

ذكره الجصاص في أحكام القرآن 2: 483 ونقله ابن كثير في تفسيره عن هذا الموضع 3: 250.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 335 ، وزاد نسبته إلى الفريابي وابن مردويه.

(131) الأثر: 12805-"محمد بن علي بن الحسن بن شقيق العبدي" ثقة ، مضى برقم: 1591 ، 2575 ، 9951.

وأبوه "علي بن الحسن بن شقيق" ثقة أيضًا مضى برقم: 1591 ، 2575.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "بن الحسين بن شقيق" ، وهو خطأ.

و"الحسين بن واقد المروزي" ، ثقة ، مضى برقم: 4810 ، 6311.

و"محمد بن زياد القرشي الجمحي" أبو الحارث ، روى له أصحاب الكتب الستة ، روى عن أبي هريرة وعائشة ، وعبد الله بن الزبير.

مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1/82 ، وابن أبي حاتم 3/2/257.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده مختصرًا ومطولا.

رواه مختصرًا من طريق محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، وليس فيه ذكر الحج ، ولا السؤال ، ولا ذكر السائل ، في المسند 2: 447 ، 448 ، من طريق وكيع ، عن حماد ، عن محمد بن زياد.

ثم رواه: 2: 467 ، من طريق عبد الرحمن بن مهدي ، عن حماد بن سلمة ، عن محمد بن زياد.

ثم رواه مطولا فيه ذكر الحج ، والسؤال عنه ، والسائل"رجل" ، لم يبين في الخبر اسمه (2: 508) من طريق يزيد بن هرون ، عن الربيع بن مسلم القرشي ، عن محمد بن زياد ، وليس فيه ذكر الآية ونزولها.

ومن هذه الطريق رواه مسلم في صحيحه (9: 100) ، عن زهير بن حرب ، عن يزيد بن هرون بمثله.

ورواه البخاري مختصرًا أيضًا (الفتح 13: 219- 224) من طريق إسمعيل بن أبي أويس ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة.

ورواه البيهقي في السنن الكبرى 4: 325 ، 326 من طريق عبيد الله بن موسى ، عن الربيع بن مسلم القرشي ، ومن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، عن يزيد بن هرون.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 335 ، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ ، وابن مردويه ، بمثل رواية أبي جعفر هنا.

وفي جميع ذلك جاء"فقال رجل" ، مبهمًا ليس فيه التصريح باسمه ، وقال النووي في شرحه على مسلم (9: 101): "هذا الرجل هو الأقرع بن حابس ، كذا جاء مبينًا في غير هذه الرواية والرواية التي جاء فيها مبينا هي من حديث ابن عباس ، وفيها: "فقام الأقرع بن حابس فقال" ، رواها أحمد في مسنده من طرق عن ابن شهاب الزهري ، عن أبي سنان ، عن ابن عباس ، وهي رقم: 2304 ، 2642 ، 3303 ، 3510 ، 3520 وكذلك رواها البيهقي في السنن الكبرى 4: 326.

وقد أشار الحافظ ابن حجر في الفتح (13: 220) إلى حديث مسلم ، وما فيه من زيادة السؤال عن الحج ، ثم قال: "وأخرجه الدارقطني مختصرًا وزاد فيه"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"= وله شاهد عن ابن عباس ، عند الطبري في التفسير".

قلت: يعني الأثر السالف رقم: 12794 ، لا هذا الأثر.

ولم يشر الحافظ إلى خبر الحسين بن واقد ، عن محمد بن زياد.

وقد اختلف على"الحسين بن واقد" في اسم الرجل الذي سأل ، فجاء في هذا الخبر"محصن الأسدي" ، وفي الذي يليه"عكاشة بن محصن الأسدي" ، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره 3: 250 ، 251 ، الخبر السالف رقم 12804 ، ثم قال: "ثم رواه ابن جرير من طريق الحسين بن واقد ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة وقال: فقام محصن الأسدي ، وفي رواية من هذا الطريق: عكاشة بن محصن ، وهو أشبه" ، ولم يزد على ذلك.

وهذا اختلاف في اسم الرجل"الأقرع بن حابس" ، أو "عكاشة بن محصن الأسدي" ، وأوثقهما أن يكون"الأقرع بن حابس" ، فإنها جاءت بأسانيد صحاح لا شك في صحتها.

أما علة ما جاء في رواية أبي جعفر ، فذلك أن"الحسين بن واقد المروزي" ، ثقة ، قال النسائي: "لا بأس به" ووثقه ابن معين.

ولكن قال ابن حبان: "من خيار الناس ، وربما أخطأ في الروايات" ، وقال أحمد: "في أحاديثه زيادة ، ما أدري أي شيء هي!

ونفض يده" ، وقال الساجي: "فيه نظر ، وهو صدوق ، يهم".

و"رواية الثقات الحفاظ عن"محمد بن زياد ، عن أبي هريرة" ، لم يذكر فيها"عكاشة ابن محصن" ، ولم يبين الرجل ، ولكن الحسين بن واقد ، رواه عن محمد بن زياد ، فبين الرجل ، وخالف البيان الذي روي من طرق صحاح عن ابن عباس أنه"الأقرع بن حابس" ، فهذا من فعل"الحسين بن واقد" ، ييد ما قاله أحمد وغيره: أن في أحاديثه زيادة لا يدري أي شيء هي!

وكتبه محمود محمد شاكر.

(132) الأثر: 12806- هو مكرر الأثر السالف ، وقد ذكرت القول فيه هناك.

(133) في المطبوعة وابن كثير: "فعلا كلام رسول الله" ، وهو خطأ لا شك فيه.

وفي المخطوطة"فعلن" كأن آخرها"نون" وهي غير منقوطة.

وفي مجمع الزوائد: "فعلق" بالعين المهملة ، وأرجح أن الصواب ما أثبته.

يقال: "غلق فلان ، في حدته" (بفتح الغين وكسر اللام) أي: نشب ، قال شمر: "يقال لكل شيء نشب في شيء فلزمه: قد غلق" ، ومنه: "استغلق الرجل": إذا ارتج عليه ولم يتكلم ، يعني أنه انقطع كلامه.

فكأن هذا هو الصواب إن شاء الله.

وقوله بعد: "وأسكت" (بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الكاف) بالبناء للمعلوم فعل لازم ، بمعنى سكت.

قال اللحياني: "يقال تكلم الرجل ثم سكت -بغير ألف- فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قيل: "أسكت" ، وقيل": "أسكت" أطرق ، من فكرة أو داء أو فرق.

وفسروا الخبر أنه: "أعرض ولم يتكلم".

وبعض الخبر في اللسان (سكت).

(134) في المطبوعة وابن كثير زيادة: "وأغضب واستغضب" ، لا أدري من أين جاءا بها.

وليست"وأغضب" في المخطوطة.

وقوله: "واستغضب" ضبطت في المخطوطة بفتحة على الضاد ، وكذلك ضبطت في لسان العرب (سكت) ولم يذكر أصحاب اللغة: "استغضب" لازمًا ، بل ذكروا"غضب" و"أغضبته فتغضبب" ، ولكن ما جاء هنا له شاهد من قياس اللغة لا يرد.

فهذا مما يزاد على نص المعاجم.

ولو قرئ: "استغضب" بالبناء للمجهول ، لكان جيدًا أيضًا وهو قياس محض"استغضب ، فغضب".

(135) قوله: "أئمة الحرج" ، يعني الذين يبتدئون السؤال عن أشياء ، تحرم على الناس من أجل سؤالهم ، فهم كالأئمة الذين تقدموا الناس ، فألزموهم الحرج.

و"الحرج" أضيق الضيق.

(136) الأثر: 12807-"زكريا بن يحيى بن أبان المصري" ، روى عنه أبو جعفر آنفًا رقم: 5973 ، وقال أخي السيد أحمد هناك: "لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب" ، وصدق ، لم يرد اسمه مبينًا كما جاء هنا وهناك.

ولكن قد روى عنه أبو جعفر في مواضع من تاريخه 1: 39 قال: "حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري قال ، حدثنا ابن عفير" ، ثم روى عنه في المنتخب من كتاب"ذيل المذيل" (13: 39): "حدثني زكرياء بن يحيى بن أبان المصري ، قال ، حدثنا أبو صالح كاتب الليث" ، ثم في (13: 63): "حدثني زكرياء بن يحيى بن أبان المصري قال ، حدثنا أحمد بن أشكاب" ثم في (13: 109): "حدثني زكرياء بن يحيى قال ، حدثنا أحمد بن يونس" فالذين حدث عنهم كلهم مصريون.

وأخشى أن يكون هو"زكريا بن يحيى الوقار المصري" ، "أبو يحيى" مترجم في لسان الميزان 2: 485 ، وابن أبي حاتم 1/2/601 وميزان الاعتدال 1: 350 ، روى عن عبد الله بن وهب المصري فمن بعده ، وعن زكريا بن يحيى الأدم المصري ، والقاسم بن كثير المصري.

وولد زكريا بن يحيى الوقار سنة 174 ، ومات سنة 254 ، فهو مظنة أن يروى عنه أبو جعفر ، كان من الصلحاء العباد الفقهاء ، ولكن قال ابن عدي: "يضع الحديث ، كذبه صالح جزرة.

قال صالح: حدثنا زكريا الوقار ، وكان من الكذابين الكبار".

وقال أيضًا: "رأيت مشايخ مصر يثنون على أبي يحيى في العبادة والاجتهاد والفضل ، وله حديث كثير ، بعضه مستقيم ، وبعضه موضوعات وكان هو يتهم بوضعها ، لأنه يروى عن قوم ثقات أحاديث موضوعة.

والصالحون قد رسموا بهذا: أن يرووا أحاديث موضوعة ، ويتهم جماعة منهم بوضعها".

وأما "أبو زيد": "عبد الرحمن بن أبي الغمر" ، المصري الفقيه من شيوخ البخاري روى عنه خارج الصحيح ، مضى برقم: 4329.

وفي المطبوعة: "بن أبي العمر" بالعين المهملة وهو خطأ.

و"أبو مطيع": "معاوية بن يحيى الشامي الأطرابلسي" ، ثقة ، وقال ابن معين: "ليس بذاك القوي" ، وقال الدارقطني: "ضعيف".

مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/336 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4/1/384 ، ووثقه أبو زرعة.

و"صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي" ، ثقة مضى برقم: 7009.

و"سليم بن عامر الكلاعي ، الخبائري" ، ثقة روى عن أبي أمامة ، وغيره من الصحابة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/126 ، وابن أبي حاتم 2/1/211.

وهذا الخبر خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد مختصرًا 3: 204 وقال: "رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن جيد".

ونقله ابن كثير في تفسيره 3: 251 عن هذا الموضع من التفسير ، وقال: "في إسناده ضعف" ، وكأن علة ضعفه عنده ، هو"زكريا بن يحيى بن أبان المصري" ، وفي إسناده في ابن كثير خطأ ، كتب"عبد العزيز بن أبي الغمر" ، وهو خطأ محض.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 335 ، وزاد نسبته لابن مردويه.

ثم انظر ما ختم به أبو جعفر فصله هذا ص: 112 ، أن مخرج هذا الأخبار صحاح عنده.

(137) الأثر: 12808- قد بين أخي السيد أحمد في الخبر رقم: 305 ، ضعف هذا الإسناد الدائر في التفسير وقال: "هو إسناد مسلسل بالضعف من أسرة واحدة" ثم شرح الإسناد شرحًا مفصلا.

(138) في المطبوعة أسقط"ثم" وهي لا غنى عنها في هذا الموضع وهي ثابتة في المخطوطة.

(139) القائل هو"خصيف".

(140) قوله: "هيه" هنا بفتح الهاء وسكون الياء وفتح الهاء الآخرة.

يقال ذلك للشيء ينحى ويطرد.

وأما "هيه" (بكسر الهاء الأولى وكسر الآخرة أو فتحها) فهي مثل"إيه" ، تقال أمرًا للرجل ، تستزيده من الحديث المعهود بينكما.

وإشارة عكرمة بالطرد والتنحية ، لما كان بين مجاهد وعكرمة وانظر ما سلف من سوء رأي مجاهد في عكرمة في التعليق على رقم: 10445 ، 10469.

(141) في المطبوعة: "أو أجل غيره" ، استجلب "أو" مكان"واو" العطف ، فأفسد الكلام إفسادًا.

(142) في المطبوعة: "وبعد ابتدائكم شأن أمرها في كتابي" ، وهو كلام بلا معنى ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لا فيها: "سان" غير منقوطة ، فقرأها خلطأً.

(143) في المطبوعة"بين لكم ما أنزلته إليه من إتيان كتابي" ، وهي أيضًا كلام بلا معنى ، وكان في المخطوطة هكذا"لسس عليكم ما أنزلته إليه من اساي كتابي" ، وصواب قراءتها إن شاء الله هو ما أثبت.

(144) الأثر: 12813- هذا الخبر ، رواه أبو جعفر موقوفًا على أبي ثعلبة الخشني ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 336 مرفوعًا ، ونسبه لابن المنذر ، والحاكم وصححه.

وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 252 فقال: "وفي الحديث الصحيح أيضًا" ، ولم أستطع أن أجده في المستدرك ، أو غيره من الكتب الصحاح.

(145) في المطبوعة والمخطوطة: "إن عرف" ، والسياق يقتضي: "إذ".

(146) انظر تفسير"غفور" فيما سلف من فهارس اللغة= وتفسير"حليم" فيما سلف 5: 117 ، 521/ 7: 327 وزدت ما بين القوسين من تفسير أبي جعفر السالف ، فإن الكلام بغير ذلك أو شبهه غير مستقيم كل الاستقامة.

(147) الأثر: 12816- هو بعض الأثر السالف رقم: 12808.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم[ ص: 252 ] فيه ست مسائل :الأولى : روى البخاري ومسلم وغيرهما - واللفظ للبخاري - عن أنس قال ، قال رجل : يا نبي الله ، من أبي ؟

قال : أبوك فلان قال فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم الآية ، وخرج أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا فقام إليه رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله ؟

قال : النار .

فقام عبد الله بن حذافة فقال : من أبي يا رسول الله فقال : أبوك حذافة وذكر الحديث قال ابن عبد البر : عبد الله بن حذافة أسلم قديما ، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ، وشهد بدرا وكانت فيه دعابة ، وكان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه سلم ; ولما قال من أبي يا رسول الله ; قال : أبوك حذافة قالت له أمه : ما سمعت بابن أعق منك آمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس !

فقال : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به ، وروى الترمذي والدارقطني عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا .

قالوا : يا رسول الله أفي كل عام ؟

فسكت ، فقالوا : أفي كل عام ؟

قال : لا ولو قلت نعم لوجبت ، فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم إلى آخر الآية .

واللفظ للدارقطني سئل البخاري عن هذا الحديث فقال : هو حديث حسن إلا أنه مرسل ; أبو البختري لم يدرك عليا ، واسمه سعيد ، وأخرجه الدارقطني أيضا عن أبي عياض عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس كتب عليكم الحج فقام رجل فقال : في كل عام يا رسول الله ؟

فأعرض عنه ، ثم عاد فقال : في كل عام يا رسول الله ؟

فقال : ومن القائل ؟

قالوا : فلان ; قال : والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما أطقتموها ولو لم تطيقوها لكفرتم فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم الآية ، وقال الحسن البصري في هذه الآية : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية التي عفا الله عنها ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه ، وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ; وهو قول سعيد بن جبير ; وقال : ألا ترى أن بعده : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام .[ ص: 253 ] قلت : وفي الصحيح والمسند كفاية .

ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع ، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض ، والله أعلم .

و ( أشياء ) وزنه أفعال ; ولم يصرف لأنه مشبه بحمراء ; قاله الكسائي وقيل : وزنه أفعلاء ; كقولك : هين وأهوناء ; عن الفراء والأخفش ويصغر فيقال : أشياء ; قال المازني : يجب أن يصغر شييآت كما يصغر أصدقاء ; في المؤنث صديقات وفي المذكر صديقون .الثانية : قال ابن عون : سألت نافعا عن قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم فقال : لم تزل المسائل منذ قط تكره .

روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات وكره لكم ثلاثا : قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال .

قال كثير من العلماء : المراد بقوله ( وكثرة السؤال ) التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعا ، وتكلفا فيما لم ينزل ، والأغلوطات وتشقيق المولدات ، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكليف ، ويقولون : إذا نزلت النازلة وفق المسئول لها .

قال مالك : أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة ، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه ، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المراد بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحا واستكثارا ; وقاله أيضا مالك وقيل : المراد بكثرة المسائل السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم .

وهذا مثل قوله تعالى : ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا قال ابن خويز منداد : ولذلك قال بعض أصحابنا متى قدم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا أو عرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو وحمل أمور المسلمين على السلامة والصحة .قلت : والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها ، والله أعلم .الثالثة : قال ابن العربي : اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية ; وليس كذلك لأن هذه الآية مصرحة بأن السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع المساءة في جوابه ولا مساءة في جواب نوازل الوقت فافترقا .قلت : قوله : اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح ، وإنما كان الأولى به أن يقول : ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل ، لكنه جرى على عادته ، وإنما قلنا كان أولى به ; لأنه قد كان قوم من [ ص: 254 ] السلف يكرهها ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن ; ذكره الدارمي في مسنده ; وذكر عن الزهري قال : بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر : أكان هذا ؟

فإن قالوا : نعم قد كان حدث فيه بالذي يعلم ، وإن قالوا : لم يكن قال فذروه حتى يكون ، وأسند عن عمار بن ياسر وقد سئل عن مسألة فقال : هل كان هذا بعد ؟

قالوا : لا ; قال : دعونا حتى يكون ، فإذا كان تجشمناها لكم .

قال الدارمي : حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، قال حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن ; منهن يسألونك عن الشهر الحرام ، ويسألونك عن المحيض وشبهه ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم .الرابعة : قال ابن عبد البر : السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله ، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل عن نفسه ، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه ، فلا بأس به ، فشفاء العي السؤال ; ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره ; قال ابن العربي : الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة ، وإيضاح سبل النظر ، وتحصيل مقدمات الاجتهاد ، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد ; فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها ، ونشدت في مظانها ، والله يفتح في صوابها .الخامسة : قوله تعالى : وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم فيه غموض ، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ، ثم قال : وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم فأباحه لهم ; فقيل : المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه ، فحذف المضاف ، ولا يصح حمله على غير الحذف .

قال الجرجاني : الكناية في عنها ترجع إلى أشياء أخر ; كقوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين يعني آدم ، ثم قال : ثم جعلناه نطفة أي ابن آدم ; لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين ، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله ، وعرف ذلك بقرينة الحال ; فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم ، أو مست حاجتكم إلى التفسير ، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم ; فقد أباح هذا النوع من السؤال : ومثاله أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل ، ولم يجر ذكر عدة التي ليست بذات قرء ولا حامل ، فسألوا عنها فنزل [ ص: 255 ] واللائي يئسن من المحيض .

فالنهي إذا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه ; فأما ما مست الحاجة إليه فلا .السادسة : قوله تعالى : عفا الله عنها أي : عن المسألة التي سلفت منهم ، وقيل : عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها ، وقيل : العفو بمعنى الترك ; أي : تركها ولم يعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو عنها فلا تبحثوا عنه فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم ، وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم ، فما أحل فاستحلوه ، وما حرم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله ، ثم يتلو هذه الآية .

وخرج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحدد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير ; أي : لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم ، أي : أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكما ، وقيل : ليس فيه تقديم ولا تأخير ; بل المعنى قد عفا الله عن مسألتكم التي سلفت وإن كرهها النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا تعودوا لأمثالها .

فقوله : عنها أي : عن المسألة ، أو عن السؤالات كما ذكرناه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ينهى عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بينت لهم ساءتهم وأحزنتهم، وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم، وعن حالهم في الجنة أو النار، فهذا ربما أنه لو بين للسائل لم يكن له فيه خير، وكسؤالهم للأمور غير الواقعة.

وكالسؤال الذي يترتب عليه تشديدات في الشرع ربما أحرجت الأمة، وكالسؤال عما لا يعني، فهذه الأسئلة، وما أشبهها هي المنهي عنها، وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شيء من ذلك فهذا مأمور به، كما قال تعالى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } { وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } أي: وإذا وافق سؤالكم محله فسألتم عنها حين ينزل عليكم القرآن، فتسألون عن آية أشكلت، أو حكم خفي وجهه عليكم، في وقت يمكن فيه نزول الوحي من السماء، تبد لكم، أي: تبين لكم وتظهر، وإلا فاسكتوا عمّا سكت الله عنه.

{ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا } أي: سكت معافيا لعباده منها، فكل ما سكت الله عنه فهو مما أباحه وعفا عنه.

{ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } أي: لم يزل بالمغفرة موصوفا، وبالحلم والإحسان معروفا، فتعرضوا لمغفرته وإحسانه، واطلبوه من رحمته ورضوانه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) الآية .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا حفص بن عمر أنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة ، فغضب فصعد المنبر فقال : " لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم " ، فجعلت أنظر يمينا وشمالا فإذا كان رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي ، فإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه ، فقال : يا رسول الله من أبي؟

قال " حذافة " : ثم أنشأ عمر ، فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا نعوذ بالله من الفتن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط ، إني صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط " ، وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية ( ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) .

قال يونس عن ابن شهاب : أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال : قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة : ما سمعت بابن قط أعق منك ، أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟

قال عبد الله بن حذافة والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته .

وروي عن عمر قال : يا رسول الله إنا حديثو عهد بجاهلية فاعف عنا يعف الله سبحانه وتعالى عنك ، فسكن غضبه .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا الفضل بن سهل أخبرنا أبو النضر أنا أبو خيثمة أنا أبو جويرية عن ابن عباس قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء ، فيقول الرجل : من أبي؟

ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي؟

فأنزل الله فيهم هذه الآية ( ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) حتى فرغ من الآية كلها .

وروي عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت : ( ولله على الناس حج البيت ) قال رجل : يا رسول الله أفي كل عام فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يؤمنك أن أقول نعم؟

والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " ، فأنزل الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) أي : إن تظهر لكم تسؤكم ، أي : إن أمرتم بالعمل بها ، فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به في كل عام فيسوءه ، ومن سأل عن نسبه لم يأمن من أن يلحقه بغيره فيفتضح .

وقال مجاهد نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، ألا تراه ذكرها بعد ذلك؟

( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) معناه صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي أو حكم ، وليس في ظاهره شرح ما بكم إليه حاجة ومست حاجتكم إليه ، فإذا سألتم عنها حينئذ تبدى لكم ، ( عفا الله عنها والله غفور حليم)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما أكثروا سؤاله صلىالله عليه وسلم «يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ» تظهر «لكم تسؤكم» لما فيها من المشقة «وإن تسألوا عنها حين ينزَّل القرآن» في زمن النبي صلىالله عليه وسلم «تُبدَ لكم» المعنى إذا سألتم عن أشياء في زمنه ينزل القرآن بإبدائها ومتى أبداها ساءتكم فلا تسألوا عنها قد «عفا الله عنها» من مسألتكم فلا تعودوا «والله غفور رحيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين لم تؤمروا فيها بشيء، كالسؤال عن الأمور غير الواقعة، أو التي يترتب عليها تشديدات في الشرع، ولو كُلِّفتموها لشقَّتْ عليكم، وإن تسألوا عنها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحين نزول القرآن عليه تُبيَّن لكم، وقد تُكلَّفونها فتعجزون عنها، تركها الله معافيًا لعباده منها.

والله غفور لعباده إذا تابوا، حليم عليهم فلا يعاقبهم وقد أنابوا إليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث المستفيض عن الحلال والحرام في شريعة الإِسلام اتجهت آيات السورة الكريمة إلى تربية المسلمين وإرشادهم إلى الآداب التي يجب أن يتمسكوا بها ونهيهم عن الأسئلة التي لا خير يرجى من وراء إثارتها .

.

فقال تعالى :( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ .

.

.

)قد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات متعددة ، منها ما حكاه القرطبي في قوله : روى البخاري ومسلم وغيرهما - واللفظ للبخاري - عن أنس قال : " قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله من أبى؟

قال : " أبوك فلان " " .وخرج البخاري أيضاً عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : " فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا " فقام إليه رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله؟

قال " النار " فقام عبد الله بن حذافة - وكان إذا لا حي يدعى إلى غيره أبيه - فقال من أبي يا رسول الله؟

فقال : أبوك حذافة " .وروى الدارقطني والترمذي عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية ( وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ) قالوا : " يا رسول الله ، أفي كل عام؟

فسكت .

فقالوا : أفي كل عام؟

قال : " لا ولو قلت نعم لوجبت " فأنزل الله تعالى ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ ) .

.

الآية .وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .ثم قال القرطبي : ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع ، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض .والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان ، لا تسألوا نبيكم صلى الله عليه وسلم أو غيره ، عن أشياء تتعلق بالعقيدة أو بالأحكام الشرعية أو بغيرها .

هذه الأشياء ( إِن تُبْدَ لَكُمْ ) وتظهر ( تَسُؤْكُمْ ) أي : تتغمكم وتحزنكم وتندموا على السؤال عنها لما يترتب عليها من إحراجكم .

ومن المشقة عليكم ، ومن الفضيحة لبعضكم .فالآية الكريمة - كما يقول ابن كثير - تأديب من الله لعباده المؤمنين ، ونهى لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها ، لأنها إن ظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم ، وشق عليهم سماعها ، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " .وقد وجه - سبحانه - النداء إليهم بصفة الإِيمان ، لتحريك حرارة العقيدة في نفوسهم ، حتى يستجيبوا بسرعة ورغبة إلى ما كلفوا به .وقوله ( أشياء ) اسم جمع من لفظ شيء ، فهو مفرد لفظا جمع معنى كطرفاء وقصباء - وهذا رأي الخليل وسيبويه وجمهور البصريين - .ويرى الفراء أن أشياء جمع لشيء .

وهو ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة ، ومتعلق بقوله : ( تسألوا ) .ومفعول ( تسألوا ) محذوف للتعميم .أي : لا تسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تسألوا غيره عن أشياء لا فائدة من السؤال عنها ، بل إن السؤال عنها قد يؤدي إلى إخراجكم وإلى المشقة عليكم .وقوله : ( إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها .وعبر " بإن " المفيدة للشك وعدم القطع بوقوع الشرط والجزاء للإِشارة إلى أن هذا الشك كاف في تركهم للسؤال عن هذه الأشياء ، فإن المؤمن الحق يبتعد عن كل ما لا فائدة من ورائه من أسئلة أو غيرها .وقوله : ( وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ ) معطوف على ما قبله وهو قوله : ( إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) .والضمير في قوله : ( عنها ) يعود على ( أشياء ) و ( حين ) ظرف زمان منصوب بالفعل ( تسألوا ) .والمعنى : لا تكثروا - أيها المؤمنون - من الأسئلة التي لا خير لكم في السؤال عنها ، إن تسألوا عن أشياء نزل بها القرآن مجملة ، فتطلبوا بيانها تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها .قال الفخر الرازي : السؤال على قسمين :أحدهما : السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه .

فهذا السؤال منهى عنه بقوله : ( لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) .والنوع الثاني من السؤال : السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فها هنا السؤال واجب ، وهو المراد بقوله : ( وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ ) .والفائدة في ذكر هذا القسم ، أنه لما منع في الجملة الأولى من السؤال ، أو هم أن جميع أنواع السؤال ممنوع فيه ، فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم .فإن قيل : إن قوله ( وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا ) هذا الضمير عائد على الأشياء المذكورة في قوله ( لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ ) فكيف يعقل في ( أشياء ) بأعيانهها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزاً معاً؟قلنا : الجواب عنه من وجهين :الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعاً قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها .

والثاني : " أنهما وإن كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما في حكم شيء واحد ، فلهذا حسن اتحاد الضمير ، وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين " .وقال القرطبي : قوله - تعالى - : ( وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ ) فيه غموض ، وذلك أن في ذلك الآية النهي عن السؤال ، ثم قال : ( وَإِن تَسْأَلُواْ ) .

.

إلخ .

فأباحه لهم .فقيل : المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه ، فحذف المضاف ولا يصح حمله على غير الحذف .قال الجرجاني : الكناية في " عنها " ترجع إلى أشياء أخر ، كقوله تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ) يعني آدم ، ثم قال ( ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً ) أي : ابن آدم ، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين ، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله ، وعرف ذلك بقرينة الحال .فالمعنى : وإن تسألوا عن أشياء - أخر - حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم ، أو مست حاجتكم إلى التفسير ، فإذا سألتم فحينئذ تبدلكم فقد أباح - سبحانه - هذا النوع من السؤال .والضمير في قوله ( عَفَا الله عَنْهَا ) يعود إلى أشياء ، والجملة في محل جر صفة أخرى لأشياء .أي : أن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها هي مما عفا الله عنه - رحمة منه وفضلا- حيث لم يكلفكم بها .

ولم يفضحكم بيانها .ويجوز أن يعود الضمير إلى الأسئلة المدلول عليها بقوله ( لاَ تَسْأَلُواْ ) فتكون الجملة مستأنفة ، ويكون المعنى : عفا الله عن أسئلتكم السالفة التي سألتموها قبل النهي ، وتجاوز - سبحانه - عن معاقبتكم عليها رحمة منه وكرما؛ فمن الواجب عليكم بعد ذلك ألا تعودوا إلى مثلها أبداً .قال صاحب المنار : ولا مانع عندنا يمنعنا من إرادة المعنيين معا .

فإن كل ما تدل عليه عبارات القرآن من المعاني الحقيقية والمجازية والكناية يجوز عندنا أن يكون مرادا منها مجتمعة تلك المعاني أو منفردة ما لم يمنع مانع من ذلك كأن تكون تلك المعاني مما لا يمكن اجتماعها شرعاً أو عقلا ، فحينئذ لا يصح أن تكون كلها مرادة بل يرجح بعهضا على بعض بطرق الترجيح المعروفة من لفظية ومعنوية .وقوله ( والله غَفُورٌ حَلِيمٌ ) اعتراض تذييلي مقرر لعفوه - سبحانه - أي : عفا الله عن كل ذلك ، وهو - سبحانه - واسع المغفرة والحلم والصفح ولذا لم يكلفكم بما يشق عليهم ، ولم يؤاخذكم بها فرط منكم من أقوال وأعمال قبل النهي عنها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال: ﴿ مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ  ﴾ صار التقدير كأنه قال، ما بلغه الرسول إليكم فخذوه، وكونوا منقادين له، وما لم يبلغه الرسول إليك فلا تسألوا عنه، ولا تخوضوا فيه، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم.

الثاني: أنه تعالى لما قال: ﴿ مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ ﴾ وهذا ادعاء منه للرسالة، ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات، بمعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكياً عنهم ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الارض يَنْبُوعًا  ﴾ إلى قوله: ﴿ قُلْ سبحان رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً  ﴾ والمعنى إني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام إليكم، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم وذلك ليس في وسعي ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا، ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزات، وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم.

الوجه الثالث: أن هذا متصل بقوله: ﴿ والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

المسألة الثانية: أشياء جمع شيء وأنها غير متصرفة وللنحويين في سبب امتناع الصرف وجوه: الأول: قال الخليل وسيبويه: قولنا شيء جمعه في الأصل شيآء على وزن فعلاء فاستثقلوا اجتماع الهمزتين في آخره، فنقلوا الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجاءت لفعاء، وذلك يوجب منع الصرف لثلاثة أوجه، واحد منها مذكور، وإثنان خطرا ببالي.

أما الأول: وهو المذكور فهو أن الكلمة لما كانت في الأصل على وزن فعلاء، مثل حمراء، لا جرم لم تنصرف كما لم ينصرف حمراء، والثاني: أنها لما كانت في الأصل شيآء ثم جعلت أشياء كان ذلك تشبيهاً بالمعدول كما في عامر وعمر، وزافر وزفر، والعدل أحد أسباب منع الصرف.

الثالث: وهو إنا لما قطعنا الحرف الأخير منه وجعلناه أوله، والكلمة من حيث إنها قطع منها الحرف الأخير صارت كنصف الكلمة، ونصف الكلمة لا يقبل الاعراب، ومن حيث إن ذلك الحرف الذي قطعناه منها ما حذفناه بالكلية، بل ألصقناه بأولها، كانت الكلمة كأنها باقية بتمامها، فلا جرم منعناه بعض وجوه الاعراب دون البعض، تنبيهاً على هذه الحالة، فهذا ما خطر بالبال في هذا المقام.

الوجه الثاني: في بيان السبب في منع الصرف ما ذكره الأخفش والفراء: وهو أن أشياء وزنه أفعلاء، كقوله أصدقاء وأصفياء، ثم إنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فقدموا الهمزة، فلما كان أشياء في الأصل أشيياء على وزن أصدقاء وأفعلاء، وكان ذلك مما لا يجري فيه الصرف، فكذا هاهنا.

الوجه الثالث: ما ذكره الكسائي: وهو أن أشياء على وزن أفعال، إلا أنهم لم يصرفوه لكونه شبيهاً في الظاهر بحمراء وصفراء، وألزمه الزجاج أن لا ينصرف أسماء وأبناء، وعندي أن سؤال الزجاج ليس بشيء، لأن للكسائي أن يقول: القياس يقتضي ذلك في أبناء وأسماء، إلا أنه ترك العمل به للنص، لأن النص أقوى من القياس، ولم يوجد النص في لفظ أشياء فوجب الجري فيه على القياس، ولأن المحققين من النحويين اتفقوا على أن العلل النحوية لا توجب الاطراد، ألا ترى أنا إذا قلنا الفاعلية توجب الرفع، لزمنا أن نحكم بحصول الرفع في جميع المواضع، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا بل نقول: القياس ذلك فيعمل به، إلا إذا عارضه نص فكذا القول فيما أورده الزجاج على الكسائي.

المسألة الثالثة: روى أنس أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأكثروا المسألة، فقام على المنبر فقال: سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه، فقال يا نبي الله من أبي فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول الله: الحج علينا في كل عام فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة، فقال عليه الصلاة والسلام: «ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: «في النار» ولما اشتد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم قام عمر وقال: رضينا بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد نبياً فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وأعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه الصلاة والسلام بغير أبيه فيفتضح، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من كان سبباً لتحريم حلال إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عاموكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله تعالى، ثم يتلو هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم قال تعالى: ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه بيّن بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها أن أبديت لهم ساءتهم ثم بين بهذه الآية أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم، فكان حاصل الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم، وإن أبديت لهم ساءتهم، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم.

والوجه الثاني: في تأويل الآية أن السؤال على قسمين.

أحدهما: السؤال عن شيء لم يجز ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه، فهذا السؤال منهى عنه بقوله: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ .

والنوع الثاني من السؤال: السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فهاهنا السؤال واجب، وهو المراد بقوله: ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ﴾ والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما منع في الآية الأولى من السؤال أوهم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه فذكر ذلك تمييزاً لهذا القسم عن ذلك القسم.

فإن قيل قوله: ﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا ﴾ هذا الضمير عائد إلى الأشياء المذكورة في قوله: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء ﴾ فكيف يعقل في ﴿ أَشْيَاء ﴾ بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعاً وجائزاً معاً.

قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعاً قبل نزول القرآن بها ومأموراً به بعد نزول القرآن بها، والثاني: أنهما وإن كانا نوعين مختلفين، إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسؤولاً عنه شيء واحد، فلهذا الوجه حسن اتحاد الضمير وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين.

الوجه الثالث في تأويل الآية: إن قوله: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء ﴾ دل على سؤالاتهم عن تلك الأشياء، فقوله: ﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا ﴾ أي وإن تسألوا عن تلك السؤالات حين ينزل القرآن يبين لكم أن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا، والحاصل أن المراد من هذه الآية أنه يجب السؤال أولاً، وأنه هل يجوز السؤال عن كذا وكذا أم لا.

ثم قال تعالى: ﴿ عَفَا الله عَنْهَا ﴾ وفيه وجوه: الأول: عفا الله عما سلف من مسائلكم وإغضابكم للرسول بسببها، فلا تعودوا إلى مثلها.

الثاني: أنه تعالى ذكر أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم، فقال: ﴿ عَفَا الله عَنْهَا ﴾ يعني عما ظهر عند تلك السؤالات مما يسؤكم ويثقل ويشق في التكليف عليكم.

الثالث: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها في الآية ﴿ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ وهذا ضعيف لأن الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير، وعلى هذا الوجه فقوله: ﴿ عَفَا الله عَنْهَا ﴾ أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» أي خففت عنكم بإسقاطها.

ثم قال تعالى: ﴿ والله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ وهذه الآية تدل على أن المراد من قوله عفا الله عنها ما ذكرناه في الوجه الأول.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الجملة الشرطية والمعطوفة عليها أعني قوله: ﴿ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ صفة للأشياء.

والمعنى: لا تكثروا مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم، إن أفتاكم بها وكلفكم إياها تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها.

وذلك نحو ما روي: أن سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن قال: يا رسول الله، الحج علينا كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مسألته ثلاث مرّات، فقال صلى الله عليه وسلم: «ويحك!

ما يؤمنك أن أقول نعم؟

والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» ﴿ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرءان ﴾ ، وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه، تبد لكم.

تلك التكاليف الصعبة التي تسؤكم، وتؤمروا بتحملها، فتعرّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها ﴿ عَفَا الله عَنْهَا ﴾ عفا الله عما سلف، من مسألتكم، فلا تعودوا إلى مثلها ﴿ والله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ لا يعاجلكم فيما يفرط منكم بعقوبته.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء ﴾ ثم قال: ﴿ قَدْ سَأَلَهَا ﴾ ولم يقل.

قد سأل عنها؟

قلت: الضمير في ﴿ سَأَلَهَا ﴾ ليس براجع إلى أشياء حتى تَجب تعديته بعن، وإنما هو راجع إلى المسألة التي دل عليها ﴿ لاَ تَسْئَلُواْ ﴾ يعني قد سأل قوم هذه المسألة من الأولين ﴿ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا ﴾ أي بمرجوعها أو بسببها ﴿ كافرين ﴾ وذلك أنّ بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبيائهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ الشَّرْطِيَّةُ وما عُطِفَ عَلَيْها صِفَتانِ لِأشْياءَ والمَعْنى: لا تَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ أشْياءَ إنْ تَظْهَرْ لَكم تَغُمُّكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها في زَمانِ الوَحْيِ تَظْهَرُ لَكُمْ، وهُما كَمُقْدِّمَتَيْنِ تَنْتُجانِ ما يَمْنَعُ السُّؤالَ وهو أنَّهُ مِمّا يَغُمُّهم والعاقِلُ لا يَفْعَلُ ما يَغُمُّهُ، وأشْياءُ اسْمٌ جَمْعٌ كَطَرْفاءَ غَيْرَ أنَّهُ قُلِبَتْ لامُهُ فَجُعِلَتْ لَفْعاءَ.

وقِيلَ أفْعِلاءَ حُذِفَتْ لامُهُ جَمْعٌ لِشَيْءٍ عَلى أنَّ أصْلَهُ شَيِّئْ كَهَيِّنٍ، أوْ شَيْءٍ كَصَدِيقٍ فَخُفِّفَ.

وقِيلَ أفْعالٌ جَمْعٌ لَهُ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ ويَرُدُّهُ مَنعُ صَرْفِهِ.

﴿ عَفا اللَّهُ عَنْها ﴾ صِفَةٌ أُخْرى أيْ عَنْ أشْياءَ عَفا اللَّهُ عَنْها ولَمْ يُكَلِّفْ بِها.

إذْ رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ قالَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ: أكُلُّ عامٍ فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى أعادَ ثَلاثًا فَقالَ: «لا ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَما اسْتَطَعْتُمْ فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكُمْ» فَنَزَلَتْ.» أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسْألَتِكم فَلا تَعُودُوا لِمِثْلِها.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ لا يُعاجِلُكم بِعُقُوبَةِ ما يَفْرُطُ مِنكُمْ، ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَخْطُبُ ذاتَ يَوْمٍ وهو غَضْبانُ مِن كَثْرَةِ ما يَسْألُونَ عَنْهُ مِمّا لا يَعْنِيهِمْ فَقالَ: لا أُسْألُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أجَبْتُ، فَقالَ رَجُلٌ: أيْنَ أبِي فَقالَ في النّارِ، وقالَ آخَرُ مَن أبِي فَقالَ: حُذافَةُ وكانَ يُدْعى لِغَيْرِهِ فَنَزَلَتْ.» ﴿ قَدْ سَألَها قَوْمٌ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمَسْألَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها تَسْألُوا ولِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ بِعَنْ أوْ لِأشْياءَ بِحَذْفِ الجارِّ.

﴿ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَألَها ولَيْسَ صِفَةً لِقَوْمٍ، فَإنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجُثَّةِ ولا حالًا مِنها ولا خَبَرًا عَنْها.

﴿ ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ﴾ أيْ بِسَبَبِها حَيْثُ لَمْ يَأْتَمِرُوا بِما سَألُوا جُحُودًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

كانوا يسألون النبى صلى الله عليه وسلم عن أشياء امتحانا فنزل {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عَنْ أَشْيَاءَ} قال الخليل وسيبويه وجمهور البصريين أصله شيئاء بهمزتين بينهما ألف وهي فعلاء من لفظ شيء وهمزتها الثانية للتأنيث ولذا لم تنصرف كحمراء وهي مفردة لفظاً جمع معنى ولما استثقلت الهمزتان المجتمعتان قدمت الأولى التي هي لام الكلمة فجعلت قبل الشين فصار وزنها لفعاء والجملة الشرطية والمعطوفة عليها أي قوله {إِن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم}

صفة لأشياء أي وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة فى زمان الوحى وهو مادام الرسول بين أظهركم تبدلكم تلك التكاليف التي تسوؤكم أي تغمكم وتشق عليكم تؤمرون بتحملها فتعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها {عَفَا الله عَنْهَا} عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها {والله غَفُورٌ حَلِيمٌ} لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ كَما قالَ ابْنُ يَعِيشَ يَقْضِي بِكَوْنِها جَمْعَ شَيْءٍ لِأنَّ فَعْلًا إذا كانَ مُعْتَلَّ العَيْنِ يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أفْعالٍ نَحْوِ بَيْتٍ وأبْياتٍ وشَيْخٍ وأشْياخٍ إلّا إنَّهم رَأوْها غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ في حالِ التَّنْكِيرَ كَما هُنا فَتَشَعَّبَتْ آراءُ الجَماعَةِ فِيها، فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ إلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلتَّأْنِيثِ وأنَّ الكَلِمَةَ اسْمٌ مُفْرَدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ نَحْوَ الحُلَفاءِ والطُّرَفاءِ فَأشْياءُ في الأصْلِ شِيئاءُ بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألْفٌ فَقُدِّمَتِ الهَمْزَةُ الأُولى الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ عَلى الفاءِ لِاسْتِثْقالِ هَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألْفٌ قَبْلَهُما حَرْفُ عِلَّةٍ وهو الياءُ والهَمْزَةُ الثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِلتَّأْنِيثِ ولِذَلِكَ لا تَتَصَرَّفُ ووَزْنُها لَفْعاءُ، وقُصارى ما في هَذا المَذْهَبِ القَلْبُ وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمُ ارْتَكَبُوهُ مَعَ عَدَمِ الثِّقَلِ كَما في أيْنُقٍ وقِسًى ونَحْوِهِما فارْتِكابُهُ مَعَ الثِّقْلِ أوْلى فَلا يَضُرُّ الِاعْتِراضُ بِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّها جَمْعُ شَيْءٍ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ وهَمْزَةٍ بِوَزْنِ ”هَيِّنٍ ولَيِّنٍ“ إلّا أنَّهم خَفَّفُوهُ فَقالُوا شَيْءٌ كَمَيْتٍ في مَيِّتٍ، وبَعْدَ التَّخْفِيفِ جَمَعُوهُ عَلى أشْياءَ بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألْفٌ بَعْدِ ياءٍ بِزِنَةِ أفْعَلاءَ فاجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ إحْداهُما لامُ الكَلِمَةِ والأُخْرى لِلتَّأْنِيثِ فَخَفَّفُوا ذَلِكَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ الأُولى ياءً ثُمَّ حَذَفُوا الياءَ الأُولى الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ فَصارَ وزْنُهُ أفْعَلاءَ، وقِيلَ: في تَصْرِيفِ هَذا المَذْهَبِ أنَّهم حَذَفُوا الهَمْزَةَ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ لِأنَّ الثِّقَلَ حَصَلَ بِها فَوَزْنُها أفْعاءُ، ومَنعُ الصَّرْفِ لِهَمْزَةِ التَّأْنِيثِ واسْتُحْسِنَ هَذا المَذْهَبُ لَوْ كانَ عَلى أصْلِ شَيْءٍ بِالتَّخْفِيفِ شَيِّئٍ بِالتَّشْدِيدِ دَلِيلٌ، وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّها جَمْعُ شَيْءٍ بِوَزْنِ فَلْسٍ وأصْلُها أشْيَئاءُ بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألْفٌ بَعْدِ ياءٍ ثُمَّ عَمِلَ فِيهِ ما مَرَّ، ورَدَّهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ فَعْلًا يُجْمَعُ عَلى أفَعْلاءَ، وناظَرَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ الأخْفَشَ في هَذِهِ المَسْألَةِ كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ في التَّكْمِلَةِ فَقالَ: كَيْفَ تُصَغِّرُ أشْياءَ قالَ: أقُولُ أُشَيًّا، فَقالَ المازِنِيُّ: هَلّا رَدَدْتَها إلى الواحِدِ فَقُلْتُ شُيَيْئاتٌ لِأنَّ أفْعَلا تُصَغَّرُ فَلَمْ يَأْتِ بِمُقْنِعٍ انْتَهى، وأرادَ أنْ أفْعَلاءَ مِن أمْثِلَةِ الكَثْرَةِ وجُمُوعُ الكَثْرَةِ لا تُصَغَّرُ عَلى ألْفاظِها وتُصَغَّرُ بِآحادِها ثُمَّ يُجْمَعُ الواحِدُ بِالألِفِ والتّاءِ كَقَوْلِكَ: في تَصْغِيرِ دِرْهَمٍ دُرَيْهِماتٍ، والجَوابُ كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ عَنْ ذَلِكَ أنَّ أفَعْلاءَ هُنا جازَ تَصْغِيرُها عَلى لَفْظِها لِأنَّها قَدْ صارَتْ بَدَلًا مِن أفْعالٍ بِدَلالَةِ اسْتِجازَتِهِمْ إضافَةَ العَدَدِ إلَيْها كَما أُضِيفَ إلى أفْعالٍ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِها بَدَلًا أيْضًا تَذْكِيرُهُمُ العَدَدَ المُضافَ إلَيْها في قَوْلِهِمْ: ثَلاثَةُ أشْياءٍ فَكَما صارَتْ بِمَنزِلَةِ أفْعالٍ في هَذا المَوْضِعِ بِالدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ كَذَلِكَ يَجُوزُ تَصْغِيرُها مِن حَيْثُ جازَ تَصْغِيرُ أفْعالٍ ولَمْ يَمْتَنِعْ تَصْغِيرُها عَلى اللَّفْظِ مِن حَيْثُ امْتَنَعَ تَصْغِيرُ هَذا الوَزْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ لِارْتِفاعِ المَعْنى المانِعِ مِن ذَلِكَ عَنْ أشْياءَ وهو أنَّها صارَتْ بِمَنزِلَةِ أفْعالٍ وإنْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجْتَمِعْ في الكَلِمَةِ ما يُتَدافَعُ مِن إرادَةِ التَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ في شَيْءٍ واحِدٍ انْتَهى، ومُرادُهُ كَما قالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ بِأنَّ فَعْلاءَ في هَذا المَوْضِعِ صارَتْ بَدَلًا مِن أفْعالٍ أنَّهُ كانَ القِياسُ في جَمْعِ شَيْءٍ أشْياءً مَصْرُوفًا كَقَوْلِكَ في جَمْعِ فَيْءٍ أفْياءٍ عَلى أنَّ تِلْكَ هَمْزَةُ الجَمْعِ هي هَمْزَةُ الواحِدِ ولَكِنَّهم أقامُوا أشْياءَ الَّتِي هَمْزَتُها لِلتَّأْنِيثِ مَقامَ أشْياءٍ الَّتِي وزْنُها أفْعالٌ، واسْتِدْلالُهُ في تَجْوِيزِ تَصْغِيرِ أشْياءَ عَلى لَفْظِها بِأنَّها صارَتْ بَدَلًا مِن أفْعالٍ بِدَلالَةِ أنَّهم أضافُوا العَدَدَ إلَيْها وألْحَقُوهُ الهاءَ فَقالُوا ثَلاثَةَ أشْياءَ مِمّا يَقُومُ بِهِ دَلالَةٌ لِأنَّ أمْثِلَةَ القِلَّةِ وأمْثِلَةَ الكَثْرَةِ يَشْتَرِكْنَ في ذَلِكَ ألا تَرى أنَّهم يُضِيفُونَ العَدَدَ إلى أبْنِيَةِ الكَثْرَةِ إذا عُدِمَ بِناءُ القِلَّةِ فَيَقُولُونَ: ثَلاثَةُ شُسُوعٍ وخَمْسَةُ دَراهِمَ وأمّا إلْحاقُ الهاءِ في قَوْلِنا: ثَلاثَةُ أشْياءَ وإنْ كانَ أشْياءُ مُؤَنَّثًا لِأنَّ الواحِدَ مُذَكَّرٌ ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: ثَلاثَةُ أنْبِياءٍ وخَمْسَةُ أصْدِقاءٍ وسَبْعَةُ شُعَراءٍ فَتُلْحِقُ الهاءَ، وإنْ كانَ لَفْظُ الجَمْعِ مُؤَنَّثًا وذَلِكَ لِأنَّ الواحِدَ نَبِيٌّ وصَدِيقٌ وشاعِرٌ كَما أنَّ واحِدَ أشْياءٍ شَيْءٌ فَأيُّ دَلالَةٍ في قَوْلِهِ: ويَدُلُّ عَلى كَوْنِها بَدَلًا تَذْكِيرُهُمُ العَدَدَ المُضافَ إلَيْها إلَخْ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي يَجُوزُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ لِمَذْهَبِ الأخْفَشِ أنْ يُقالَ: إنَّما جازَ تَصْغِيرُ أفْعَلاءٍ عَلى لَفْظِهِ وإنْ كانَ مِن أبْنِيَةِ الكَثْرَةِ لِأنَّ وزْنَهُ نَقَصَ بِحَذْفِ لامِهِ فَصارَ أفْعاءً فَشَبَّهُوهُ بِأفْعالِ فَصَغَّرُوهُ، وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى أنَّها جَمْعُ شَيْءٍ كَضَيْفٍ وأضْيافٍ وأوْرَدَ عَلَيْهِ مَنعَ الصَّرْفِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ويَلْزَمُهُ صَرْفُ أبْناءٍ وأسْماءٍ، وقَدِ اسْتَشْعَرَ الكِسائِيُّ هَذا الإيرادَ وأشارَ إلى دَفْعِهِ بِأنَّهُ عَلى أفْعالٍ ولَكِنْ كَثُرَتْ في الكَلامِ فَأشْبَهَتْ فَعْلاءَ فَلَمْ يُصْرَفْ كَما لَمْ يُصْرَفْ حَمْراءُ وقَدْ جَمَعُوها عَلى أشاوى كَعَذْراءَ وعَذارى وأشْياواتٍ كَحَمْراءَ وحَمْراواتٍ فَعامَلُوا أشْياءَ وإنْ كانَتْ عَلى أفْعالِ مُعامَلَةَ حَمْراءَ وعَذْراءَ في جَمْعَيِ التَّكْسِيرَ والتَّصْحِيحَ.

ورُدَّ بِأنَّ الكَثْرَةَ تَقْتَضِي تَخْفِيفَهُ وصَرْفَهُ وأيَّدَهُ بَعْضُهم بِأنَّ العَرَبَ قَدِ اعْتَبَرُوا في بابِ - ما لا يَنْصَرِفُ - الشَّبَهَ اللَّفْظِيَّ كَما قِيلَ في سَراوِيلَ إنَّهُ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِشَبَهِهِ بِمَصابِيحَ وأجْرَوْا ألِفَ الإلْحاقِ مَجْرى ألِفِ التَّأْنِيثِ المَقْصُورَةِ ولَكِنْ مَعَ العَمَلِيَّةِ فاعْتَبَرُوا مُجَرَّدَ الصُّورَةِ فَلْيَكُنْ هَذا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وقِيلَ: إنَّها جَمْعُ شَيْءٍ ووَزْنُها أفْعَلاءٌ جَمْعُ فَعِيلٍ كَنَصِيبٍ وأنْصِباءٍ وصَدِيقٍ وأصْدِقاءٍ وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ الأوْلى الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ وفُتِحَتِ الياءُ لِتَسْلَمَ الألِفُ فَصارَتْ أشْياءُ بِزِنَةِ أفْعاءَ، وجَعَلَ مَكِّيُّ تَصْرِيفَهُ كَمَذْهَبِ الأخْفَشِ إذا أبْدَلَ الهَمْزَةَ ياءً ثُمَّ حُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ وحَسُنَ حَذْفُها مِنَ الجَمْعِ حَذَفَها مِنَ المُفْرَدِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ وعَدَمِ الصَّرْفِ لِهَمْزَةِ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةِ وهو حَسَنٌ، إلّا أنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ كَما ورَدَ عَلى الأخْفَشِ مَعَ إيراداتٍ أُخَرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ولِلشِّهابِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أشْياءُ لَفْعاءُ في وزْنٍ وقَدْ قَلَبُوا لامًا لَها وهي قَبْلِ القَلْبِ شَيْئاءُ وقِيلَ أفْعالُ لَمْ تُصْرَفْ بِلا سَبَبٍ مِنهم وهَذا لِوَجْهِ الرَّدِّ إيماءُ أوْ أشْياءُ وحَذْفُ اللّامِ مِن ثِقَلٍ وشَيْءٌ أصْلُ شَيْءٍ وهي آراءُ وأصْلُ أسْماءٍ اسْمًا وكَمِثْلِ كَسا فاصْرِفْهُ حَتْمًا ولا تَغْرُرْكَ أسْماءُ واحْفَظْ وقُلْ لِلَّذِي يَنْسى العُلا سَفَهًا حَفِظْتَ شَيْئًا وغابَتْ عَنْكَ أشْياءُ.

وظاهِرُ صَنِيعِهِ كَغَيْرِهِ يُشِيرُ إلى اخْتِيارِ مَذْهَبِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ الأظْهَرُ لِقَوْلِهِمْ في جَمْعِها أشاوِي فَجَمَعُوها كَما جَمَعُوا صَحْراءَ عَلى صَحارِي، وأصْلُهُ كَما قالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ أشايا بِالياءِ لِظُهُورِها في أشْياءَ لَكِنَّهم أبْدَلُوها واوًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَإبْدالِها واوًا في قَوْلِهِمْ جَبَيْتُ الخَراجَ جِباوَةً، وأيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّها مُفْرَدٌ قَوْلُهم في تَحْقِيرِها أشُيْئاءٍ كَصُحَيْراءٍ ولَوْ كانَتْ جَمْعًا لَقالُوا شَيْآتٍ عَلى ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ، وتَمامُ البَحْثِ في أمالِي ابْنِ الشَّجَرِيِّ ﴿ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ ﴾ صِفَةٌ لِأشْياءَ داعِيَةٌ إلى الِانْتِهاءِ عَنِ السُّؤالِ عَنْها وعَطَفَ عَلَيْها قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ أيْ بِالوَحْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْيِيدُ السُّؤالِ بِحِينِ نُزُولِ القُرْآنِ لِأنَّ المُساءَةَ في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى مُعَلَّقَةٌ بِإبْداءِ تِلْكَ الأشْياءِ لا بِالسُّؤالِ عَنْها فَعَقَّبَها جَلَّ شَأْنُهُ بِما هو ناطِقٌ بِاسْتِلْزامِ السُّؤالِ عَنْها لِإبْدائِها المُوجِبَ المَحْذُورَ فَضَمِيرُ (عَنْها) راجِعٌ إلى تِلْكَ الأشْياءِ ولَيْسَ عَلى حَدِّ ”عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ“ كَما وُهِمَ، والمُرادُ بِها ما لا خَيْرَ لَهم فِيهِ مِن نَحْوِ التَّكالِيفِ الصَّعْبَةِ الَّتِي يُطِيقُونَها والأسْرارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي قَدْ يَفْتَضِحُونَ بِها فَكَما أنَّ السُّؤالَ عَنِ الأُمُورِ الواقِعَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِإبْدائِها كَذَلِكَ السُّؤالُ عَنْ تِلْكَ التَّكالِيفِ مُسْتَتْبِعٌ لِإيجابِها عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَّشْدِيدِ لِإساءَتِهِمُ الأدَبَ وتَرْكِهِمْ ما هو الأوْلى بِهِمْ مِنَ الِاسْتِسْلامِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ بَحْثٍ فِيهِ ولا تَعَرُّضٍ لِكَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: «أيُّها النّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا» فَقالَ رَجُلٌ وهو كَما قالَ ابْنُ الهُمامِ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وصَرَّحَ بِهِ أحْمَدُ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَوَوْهُ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ «أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَسَكَتَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ حَتّى قالَها ثَلاثًا، فَقالَ  : لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ ولَما اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قالَ  : ذَرُونِي ما تَرَكْتُكم فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» وذُكِرَ كَما قالَ ابْنُ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِذَلِكَ وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ «أنَّهم سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  حَتّى أحْفَوْهُ في المَسْألَةِ فَصَعِدَ ذاتَ يَوْمٍ المِنبَرَ وقالَ: لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا بَيَّنْتُهُ لَكم فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ أرَمُّوا ورَهِبُوا أنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أمْرٍ قَدْ حَضَرَ، قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَجَعَلْتُ أنْظُرُ يَمِينًا وشِمالًا فَإذا كُلُّ رَجُلٍ لافٌّ رَأْسَهُ في ثَوْبِهِ يَبْكِي فَأنْشَأ رَجُلٌ كانَ إذا لاحى يُدْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِي؟

قالَ: أبُوكَ حُذافَةُ، ثُمَّ أنْشَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا وِبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ  نَبِيًّا نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الفِتَنِ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ما رَأيْتُ في الخَيْرِ والشَّرِّ كاليَوْمِ قَطُّ إنَّهُ صُوِّرَتْ لِيَ الجَنَّةُ والنّارُ حَتّى رَأيْتُهُما دُونَ الحائِطِ» "، وذَكَرَ ابْنُ شِهابٍ أنَّ أُمَّ ابْنِ حُذافَةَ واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ قالَتْ لَهُ لَمّا رَجَعَ إلَيْها: ما سَمِعْتُ قَطُّ أعَقَّ مِنكَ أمِنتَ أنْ تَكُونَ أُمُّكَ قارَفَتْ بَعْضَ ما يُقارِفُ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ فَتَفْضَحَها عَلى أعْيُنِ النّاسِ فَقالَ ابْنُ حُذافَةَ: لَوْ ألْحَقَنِي بِعَبْدٍ أسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ.

ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها عَلى الرِّوايَةِ الأُولى ظاهِرٌ جِدًّا لِما أنَّ الكَلامَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالحَجِّ وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ في ذَلِكَ ثَلاثَ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ لِأنَّ مِنَ الفَلاحِ تَرْكَ السُّؤالِ بِما لا خَيْرَ فِيهِ، والثّانِي أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ ﴾ أيْ فَإنَّهُ بَلَّغَ ما فِيهِ المَصْلَحَةُ فَلا تَسْألُوهُ عَمّا لا يَعْنِيكُمْ، والثّالِثُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ ﴾ أيْ فَلا تَسْألُوا عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ فَتَظْهَرَ سَرائِرُكم ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْها ﴾ أيْ عَنِ المَسْألَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِلا تَسْألُوا والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ نَهْيَهم عَنْها لَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ صِيانَتِهِمْ عَنِ المَساءَةِ بَلْ لِأنَّها في نَفْسِها مَعْصِيَةٌ مُسْتَتْبِعَةٌ لِلْمُؤاخَذَةِ وقَدْ عَفا سُبْحانَهُ عَنْها، وفِيهِ مِن حَثِّهِمْ عَلى الجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَنْها ما لا يَخْفى أيْ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْ مَسْئَلَتِكُمُ السّالِفَةِ حَيْثُ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْكُمُ الحَجَّ في كُلِّ عامٍ جَزاءً لِمَسْئَلَتِكم أوِ المُرادُ تَجاوَزَ عَنْ عُقُوبَتِكُمُ الأُخْرَوِيَّةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلا تَعُودُوا لِمِثْلِهِ، وقَدْ يُحْمَلُ العَفْوُ عَنْها عَلى مَعْنًى شامِلٍ لِلتَّجاوُزِ عَنِ العُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والعُقُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ الجُمْلَةِ صِفَةً أُخْرى لِأشْياءَ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلَيْها وهو الرّابِطُ عَلى مَعْنى لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ لَمْ يُكَلِّفْكُمُ اللَّهُ تَعالى بِها.

واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحَجُّ قَدْ فُرِضَ أوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِطَرِيقِ العَفْوِ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ ضَرُورَةً أنَّ حَقَّ الوَصْفِ أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُوفِ عِنْدَ المُخاطَبِ قَبْلَ جَعْلِهِ وصْفًا لَهُ وكِلاهُما ضَرُورِيُّ الِانْتِفاءِ قَطْعًا عَلى أنَّهُ يَسْتَدْعِي اخْتِصاصَ النَّهْيِ بِمَسْألَةِ الحَجِّ ونَحْوِها مَعَ أنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ صَرِيحٌ في أنَّهُ مَسُوقٌ لِلنَّهْيِ عَنِ السُّؤالِ عَنِ الأشْياءِ الَّتِي يَسُوءُهم إبْداؤُها سَواءً كانَتْ مِن قَبِيلِ الأحْكامِ والتَّكالِيفِ المُوجِبَةِ لِمُساءَتِهِمْ بِإنْشائِها وإيجابِها بِسَبَبِ السُّؤالِ عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا كَمَسْألَةِ الحَجِّ لَوْلا عَفْوُهُ تَعالى عَنْها أوْ مِن قَبِيلِ الأُمُورِ الواقِعَةِ قَبْلَ السُّؤالِ المُوجِبَةِ لِلْمَساءَةِ بِالإخْبارِ بِها كَما في سَبَبِ النُّزُولِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ  وهو غَضْبانٌ مُحْمارٌّ وجْهُهُ حَتّى جَلَسَ عَلى المِنبَرِ فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: أيْنَ أبِي؟

قالَ: في النّارِ» وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ العَفْوَ عَنْها بِالكَفِّ عَنْ بَيانِها والتَّعَرُّضِ لِشَأْنِها وحِينَئِذٍ يُوشِكُ أنْ لا يَتَوَجَّهُ هَذا الِاعْتِراضُ أصْلًا، وإلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقَدْ أخْرَجَ مُجاهِدٌ عَنْهُ أنَّهُ كانَ إذا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ لَمْ يَجِيءْ فِيهِ أثَرٌ يَقُولُ: هو مِنَ العَفْوِ ثُمَّ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ.

والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ هو الِاسْتِئْنافُ لا غَيْرَ لِما عَلِمْتَ واسْتِبْعادُ بَعْضُ الفُضَلاءِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، ثُمَّ قالَ: إنْ قُلْتُ تِلْكَ الأشْياءُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْمَساءَةِ البَتَّةَ بَلْ هي مُحْتَمِلَةٌ لِإيجابِ المَسَرَّةِ أيْضًا لِأنَّ إيجابَها لِلْأوْلى وإنْ كانَ مِن حَيْثُ وُجُودِها فَهي مِن حَيْثُ عَدَمِها مُوجِبَةٌ لِلْأُخْرى قَطْعًا، ولَيْسَتْ إحْدى الحَيْثِيَّتَيْنِ مُحَقَّقَةً عِنْدَ السّائِلِ وإنَّما غَرَضُهُ مِنَ السُّؤالِ ظُهُورَها كَيْفَ كانَتْ بَلْ ظُهُورُها بِحَيْثِيَّةِ إيجابِها لِلْمَسَرَّةِ فَلَمْ يُعَبِّرْ عَنْها بِحَيْثِيَّةِ إيجابِها لِلْمَساءَةِ، قُلْتُ: لِتَحْقِيقِ المَنهِيِّ عَنْهُ كَما سَتَعْرِفُهُ مَعَ ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ النَّهْيِ وتَشْدِيدِهِ لِأنَّ تِلْكَ الحَيْثِيَّةَ هي المُوجِبَةُ لِلِانْتِهاءِ لا الحَيْثِيَّةُ الثّانِيَةُ ولا حَيْثِيَّةُ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الإيجابَيْنِ فَإنْ قِيلَ: الشَّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ ناطِقَةٌ بِأنَّ السُّؤالَ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ المُوجِبَةِ لِلْمَساءَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِإبْدائِها فَلَمْ تُخَلِّفِ الإبْداءَ في مَسْألَةِ الحَجِّ ولَمْ يُفْرَضْ كُلَّ عامٍ؟

قُلْنا: لِوُقُوعِ السُّؤالِ قَبْلَ النَّهْيِ وما في الشَّرْطِيَّةِ إنَّما هو السُّؤالُ الواقِعُ بَعْدَهُ إذْ هو المُوجِبُ لِلتَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ ولا تَخَلُّفَ فِيهِ فَإنْ قِيلَ: ما ذُكِرَ إنَّما يَتَمَشّى فِيما إذا كانَ السُّؤالُ عَنِ الأُمُورِ المُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ كَما ذَكَرَ في التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ وأمّا إذا كانَ عَنِ الأُمُورِ الواقِعَةِ قَبْلَهُ فَلا يَكادُ يَتَسَنّى لِأنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإبْداءُ هو الَّذِي وقَعَ في نَفْسِ الأمْرِ ولا مَرَدَّ لَهُ سَواءً كانَ السُّؤالُ قَبْلُ أوْ بَعْدُ، وقَدْ يَكُونُ الواقِعُ ما يُوجِبُ المَسَرَّةَ كَما في مَسْألَةِ ابْنِ حُذافَةَ فَيَكُونُ هو مُتَعَلِّقُ الإبْداءِ لا غَيْرُهُ فَيَتَعَيَّنُ التَّخَلُّفُ حَتْمًا قُلْنا: لا احْتِمالَ لَهُ فَضْلًا عَنْ تَعَيُّنِهِ فَإنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو السُّؤالُ عَنِ الأشْياءِ المُوجِبَةِ لِلْمَساءَةِ الواقِعَةِ في نَفْسِ الأمْرِ قَبْلَ السُّؤالِ كَسُؤالِ مَن قالَ: أيْنَ أبِي؟

لا ما يَعُمُّها وغَيْرِها مِمّا لَيْسَ بِواقِعٍ لَكِنَّهُ مُحْتَمَلُ الوُقُوعِ عِنْدَ المُكَلَّفِينَ حَتّى يَلْزَمَ التَّخَلُّفُ في صُورَةِ عَدَمِ الوُقُوعِ وجُمْلَةُ الكَلامِ أنَّ مَدْلُولَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ العِبارَةِ إنَّما هو النَّهْيُ عَنِ السُّؤالِ عَنِ الأشْياءِ الَّتِي يُوجِبُ إبْداؤُها المَساءَةَ البَتَّةَ إمّا بِأنْ تَكُونَ تِلْكَ الأشْياءُ بِعَرَضِيَّةِ الوُقُوعِ فَتُبْدِي عِنْدَ السُّؤالِ بِطَرِيقِ الإنْشاءِ عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا كَما في صُورَةِ كَوْنِها مِن قَبِيلِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وإمّا بِأنْ تَكُونَ واقِعَةً في نَفْسِ الأمْرِ قَبْلَ السُّؤالِ فَتُبْدى عِنْدَهُ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِها فالتَّخَلُّفُ مُمْتَنِعٌ في الصُّورَتَيْنِ مَعًا، ومُنْشَأُ تَوَهُّمِهِ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ المَنهِيِّ عَنْهُ وغَيْرِهِ بِناءً عَلى عَدَمِ امْتِيازِ ما هو مَوْجُودٌ أوْ بِعَرَضِيَّةِ الوُجُودِ مِن تِلْكَ الأشْياءِ في نَفْسِ الأمْرِ وما لَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ المُكَلَّفِينَ ومُلاحَظَتُهم لِلْكُلِّ بِاحْتِمالِ الوُجُودِ والعَدَمِ وفائِدَةُ هَذا الإبْهامِ الِانْتِهاءُ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ عَلى الإطْلاقِ حَذارِ إبْداءِ المَكْرُوهِ انْتَهى وهو تَحْرِيرٌ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ 101 - أيْ مُبالِغٌ في مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ والإغْضاءِ عَنِ المَعاصِي ولِذَلِكَ عَفا سُبْحانَهُ عَنْكم ولَمْ يُعاقِبْكم بِما فَرَطَ مِنكُمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِن عَفْوِهِ تَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ روي عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس وغيرهما أن النبيّ  لما قرأ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: 97] وقال: «يا أيها الناس كتب عليكم الحج» فقام رجل فقال: في كل عام يا رسول الله؟

فأعرض عنه.

ثم عاد فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ، وَلَوْ وَجَبَ مَا اسْتَطَعْتُمُوهُ، وَلَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَكَفَرْتُمْ» ثم قال: «إنَّمَا هِيَ حُجَّةٌ وَاحِدَةٌ- أو قال: مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ» .

ونزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وعن أبي عوانة أنه قال: سألت عكرمة عن قوله تعالى: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ قال: ذلك يوم قام فيه رسول الله  فسألوه، فأكثروا عليه فغضب.

وقال: «لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ» .

فقام رجل فكره المسلمون يومئذٍ مقامه.

فقال: يا رسول الله من أبي؟

فقال: «حُذَافَةُ» يعني: رجلاً غير أبيه فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله رضينا بالله رباً، وبك نبياً، فنزلت هذه الآية لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.

وروي في خبر آخر أن رجلاً سأله فقال: أين أبي؟

فقال: «فِي النَّارِ» .

وروي عن نافع أنه سئل عن هذه الآية فقال: لم تنزل منذ قط كثرة السؤال تكره.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ يعني: وقت الذي ينزل جبريل تُبْدَ لَكُمْ يعني: تظهر لكم.

ويقال: فيها تقديم يعني: وإن تسألوا عنها تبد لكم حين نزول القرآن.

ثم قال: عَفَا اللَّهُ عَنْها يعني.

عن تلك الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن ولم يوجبها عليكم وَاللَّهُ غَفُورٌ ذو التجاوز حَلِيمٌ حيث لم يعجل عليكم بالعقوبة.

ثم قال: قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ يعني: عن هذه الأشياء مِنْ قَبْلِكُمْ حيث سألوا المائدة من عيسى، وغيرهم سألوا أنبيائهم أشياء ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ يعني: صاروا كافرين.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وعَفَا اللَّهُ عَنْها: معناه: تركَها، ولم يُعَرِّفْ بها، قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ...

الآية: قال الطبريُّ «١» : كقومِ صالحٍ في سؤالهم الناقة وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدةَ، أي: وكطلب الأممِ قديماً التعمُّقَ في الدِّين من أنبيائها، ثم لم تف بما كلّفت.

وقوله سبحانه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ...

الآية:

أي: لم يجعلْ سبحانه شيئاً مِنْ ذلك، ولا سَنَّهُ لعباده، المعنى: ولكن الكُفَّار فعلوا ذلك/ كعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وغيره مِنْ رؤسائهم يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بقولهم: هذه قربةٌ إلى اللَّهِ، وَأَكْثَرُهُمْ، يعني: الأتْبَاعَ لاَ يَعْقِلُونَ، بل يتّبعون هذه الأمور تقليدا، وجَعَلَ في هذه الآية: لا يتَّجه أنْ تكون بمعنى «خَلَقَ» ، ولا بمعنى «صَيَّرَ» ، وإنما هي بمعنى: «مَا سَنَّ ولا شَرَعَ» .

قال ص: مَّا جَعَلَ: ذَهَبَ ابن عطيةَ والزمخشريُّ «٢» إلى أنها بمعنى: «شرع» ،

قال ابن «١» عطيَّة: ولا تكونُ بمعنى «خلق» ، لأن اللَّه تعالى خَلَقَ هذه الأشياء كلَّها، ولا بمعنى «صيَّر» لعدم المفعولِ الثاني، قال أبو حيَّان «٢» : ولم يذكر النحويُّون لها هذا، وقد جاء حَذْفُ أحد مفعولَيْ «ظَنَّ» وأخواتِها قليلاً، فتحمل هذه على حَذْفِ المفعولِ الثانيِ، أي: ما صَيَّر اللَّه بحيرةً ولا سائبةً ولا وصيلةً ولا حامياً- مشروعاً، وهو أولى من إثبات معنًى لم يُسْمَعْ فيها، وذكر أبو البقاء أنها هنا بمعنى «سَمَّى» انتهى.

قُلْتُ: وحاصل كلامِ أبي حيَّان أنه شهادةٌ على نفْيٍ، وعلى تقدير صحَّته، فيحمل كلام ابن عطيَّة على أنه تفسيرُ معنًى، لا تفسير إعرابٍ.

وبحيرة: فعليةٌ بمعنى مَفْعُولة، وبَحَرَ: شَقَّ، كانوا إذا نُتِجَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ، شَقُّوا أذنها بِنِصْفَيْن طُولاً، فهي مَبْحُورة، وتُرِكَتْ ترعى، وتَرِدُ الماء، ولا ينتفعُ بشيء منْها، ويحرَّمُ لحْمُها إذا ماتَتْ على النساء، ويُحلَّلُ للرِّجَال وذلك كلُّه ضلالٌ، والسائبة: هي الناقة تسيَّب للآلهة، والناقةُ أيضاً إذا تابَعَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثاً ليس فيهِنَّ ذكَرٌ، سُيِّبَتْ، وكانت السوائبُ أيضاً في العرب كالقُرْبة عند المرَضِ يُبْرَأُ منه، والقُدُوم من السفرِ، وإذا نزل بأحدهم أمْرٌ يُشْكَرُ اللَّه تعالى عليه، تقرَّب بأنْ يسيِّب ناقةً، فلا ينتفعُ منها بِلَبَنٍ، ولا ظَهْر، ولا غَيْره، يَروْنَ ذلك كعِتْقَ بني آدمَ ذكَره «٣» السُّدِّيُّ وغيره، وكانَتِ العربُ تعتقدُ أنَّ مَنْ عَرَضَ لهذه النوقِ، فأخذها أو انتفع منْهَا بشيْءٍ، فإنه تلحقه عُقُوبةٌ مِنَ اللَّه، والوصيلةُ: قال أكثر النَّاس: إن الوصيلَةَ في الغَنَمِ، قالوا إذا وَلَدتِ الشاة ثلاثةَ بُطونٍ، أو خمسةً، فإن كان آخرها جَدْياً، ذبحوه لِبَيْت الآلهة، وإن كان عَنَاقاً، استحيوها، وإن كان جَدْيٌ وعَنَاقٌ، استحيوهما، وقالوا: هذه العَنَاقُ وَصَلَتْ أخاهَا، فمنعتْهُ مِنْ أنْ يُذْبَحَ، وعلى أن الوَصِيلة في الغَنَم، جاءت الرِّوايات عن أكثر الناس، وروي عَنِ ابن المسيَّب أن الوصيلة مِنَ الإبل، وأما الحامِي فإنه الفَحْل من الإبل، إذا ضَرَبَ في الإبل عشر سنين «٤» ، وقيل: إذا وُلِدَ من صُلْبه عَشْرٌ، وقيل: إذا وُلِدَ مِن وَلَدِ ولده، قالوا: حمى ظهره، فسيَّبوه، لا يركب، ولا يسخَّر في شيء، وعبارةُ الفَخْر «٥» : وقيل: الحامِي: الفَحْلُ إذا رَكِبَ وَلَدُ وَلَدِهِ.

انتهى، قلتُ: والذي في «البخاريِّ» : والحامِ: فحلُ الإبلِ يضرب الضّراب المعدود، وإذا قضى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ النّاسَ سَألُوا النَّبِيَّ  حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ، فَقامَ مُغْضَبًا خَطِيبًا، فَقالَ: "سَلُونِي فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا إلّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ"، فَقامَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ كانَ إذا لاحى يُدْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَن أبِي؟

قالَ: أبُوكَ حُذافَةُ، فَقامَ آخَرُ فَقالَ: أيْنَ أبِي؟

قالَ في النّارِ، فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، إنّا حَدِيثُو عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ مَن آباؤُنا، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَتادَةُ عَنْ أنَسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  خَطَبَ النّاسَ، فَقالَ: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَقامَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقالَ: أفِي كُلِّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ: أما إنِّي لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ، اسْكُتُوا عَنِّي ما سَكَتُّ عَنْكم، فَإنَّما هَلَكَ مَن هَلَكَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ"» رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.

وقِيلَ: إنَّ السّائِلَ عَنْ ذَلِكَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ قَوْمًا كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ  اسْتِهْزاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي؟

ويَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو الجَوْرِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: «أنَّ قَوْمًا سَألُوا الرَّسُولَ  عَنِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنَّ قَوْمًا كانُوا يَسْألُونَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عِكْرِمَةَ.

والسّادِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في تَمَنِّيهِمُ الفَرائِضَ، وقَوْلِهِمْ: ودِدْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَنا في قِتالِ المُشْرِكِينَ، وسُؤالِهِمْ عَنْ أحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: "أشْياءَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ إلّا أنَّها فُتِحَتْ، لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ.

و "تُبْدَ لَكُمْ": تَظْهَرُ لَكم.

فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ السُّؤالَ عَنْ مِثْلِ هَذا الجِنْسِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، لِأنَّهُ يَسُوءُ الجَوابُ عَنْهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تُبْدَ لَكم، أيْ: إنْ نَزَلَ القُرْآنُ فِيها بِغَلِيظٍ، ساءَكم ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ ﴾ أيْ: حِينَ يَنْزِلُ القُرْآنُ فِيها بِفَرْضٍ أوْ إيجابٍ، أوْ نَهْيٍ أوْ حُكْمٍ، ولَيْسَ في ظاهِرِ ما نَزَلَ دَلِيلٌ عَلى شَرْحِ ما بِكم إلَيْهِ حاجَةٌ، فَإذا سَألْتُمْ حِينَئِذٍ عَنْها تُبْدَ لَكم.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْها ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأشْياءِ.

والثّانِي: إلى المَسْألَةِ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

والمَعْنى: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم، عَفا اللَّهُ عَنْها.

ويَكُونُ مَعْنى: عَفا اللَّهُ عَنْها: أمْسَكَ عَنْ ذِكْرِها، فَلَمْ يُوجِبْ فِيها حُكْمًا.

وعَلى القَوْلِ الثّانِي، الآيَةُ عَلى نَظْمِها، ومَعْنى: عَفا اللَّهُ عَنْها: لَمْ يُؤاخِذْ بِها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثُ فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللهُ عنها واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ ﴾ ؛ إخْبارٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقالَ: هي آيَةُ مُوادَعَةٍ؛ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ؛ بَلْ هَذِهِ حالُ مَن آمَنَ وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ؛ فَإنَّهُ إذْ قَدْ عَصَمَ مِنَ الرَسُولِ مالَهُ ودَمَهُ؛ فَلَيْسَ عَلى الرَسُولِ في جِهَتِهِ أكْثَرُ مِنَ التَبْلِيغِ؛ واللهُ تَعالى - بَعْدَ ذَلِكَ - يَعْلَمُ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صَدْرُهُ؛ وهو المُجازِي - بِحَسَبِ ذَلِكَ - ثَوابًا؛ أو عِقابًا.

والبَلاغُ: مَصْدَرٌ مِن: "بَلَّغَ؛ يُبَلِّغُ"؛ والآيَةُ مَعْناها الوَعِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ إنِ انْحَرَفُوا؛ ولَمْ يَمْتَثِلُوا ما بُلِّغَ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لا يَسْتَوِي ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ يُتَصَوَّرُ في المَكاسِبِ؛ وعَدَدِ الناسِ؛ والمَعارِفِ؛ مِنَ العُلُومِ ونَحْوِها؛ فالخَبِيثُ مِن هَذا كُلِّهِ لا يُفْلِحُ؛ ولا يَنْجُبُ؛ ولا تَحْسُنُ لَهُ عاقِبَةٌ؛ والطَيِّبُ - ولَوْ قَلَّ - نافِعٌ جَمِيلُ العاقِبَةِ.

ويُنَظِّرُ إلى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا  ﴾ ؛ والخُبْثُ هو الفَسادُ الباطِنُ في الأشْياءِ؛ حَتّى يُظَنَّ بِها الصَلاحُ؛ والطِيبُ؛ وهو بِخِلافِ ذَلِكَ؛ وهَكَذا هو الخُبْثُ في الإنْسانِ؛ وقَدْ يُرادُ بِلَفْظَةِ "خَبِيثٌ"؛ في الإنْسانِ؛ فَسادُ نَسَبِهِ؛ فَهَذا لَفْظٌ يُلْزِمُ قائِلَهُ - عَلى هَذا القَصْدِ - الحَدَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى لُزُومِ الطَيِّبِ؛ في المُعْتَقَدِ؛ والعَمَلِ؛ وخَصَّ أُولِي الألْبابِ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المُتَقَدِّمُونَ في مَيِّزِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ والَّذِينَ لا يَنْبَغِي لَهم إهْمالُها مَعَ ألْبابِهِمْ؛ وإدْراكِهِمْ؛ وكَأنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الألْبابِ إلى لُبِّ التَجْرِبَةِ؛ الَّذِي يَزِيدُ عَلى لُبِّ التَكْلِيفِ؛ بِالحِنْكَةِ؛ والفِطْنَةِ المُسْتَنْبِطَةِ؛ والنَظَرِ البَعِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اخْتَلَفَ الرُواةُ في سَبَبِها؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ - مِنهم أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ وغَيْرُهُ -: نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذافَةَ السَهْمِيِّ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - صَعِدَ المِنبَرَ مُغْضَبًا؛ فَقالَ: "لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عن شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ"؛ فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أيْنَ أنا؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "فِي النارِ"؛ فَقامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذافَةَ السَهْمِيُّ؛ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟

فَقالَ: "أبُوكَ حُذافَةُ ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي الحَدِيثِ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ الطَبَرِيُّ: «فَقامَ آخَرُ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟

فَقالَ: "أبُوكَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي شَيْبَةَ"؛ فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ؛ وقالَ: رَضِينا بِاللهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا؛ نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ؛ وبَكى الناسُ مِن غَضَبِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وصُعُودُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المِنبَرَ مُغْضَبًا إنَّما كانَ بِسَبَبِ سُؤالاتِ الأعْرابِ؛ والجُهّالِ؛ والمُنافِقِينَ؛ فَكانَ مِنهم مَن يَقُولُ: أيْنَ ناقَتِي؟

وآخَرُ يَقُولُ: ما الَّذِي ألْقى في سَفَرِي هَذا؟

ونَحْوَ هَذا؛ مِمّا هو جَهالَةٌ؛ أوِ اسْتِخْفافٌ؛ وتَعْنِيتٌ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ ؛ وأبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ - في لَفْظِهِمُ اخْتِلافٌ؛ والمَعْنى واحِدٌ -: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الناسَ؛ فَقالَ: "أيُّها الناسُ؛ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ"؛ وقَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿ وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا  ﴾ ؛ قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ أفِي كُلِّ عامٍ؟

فَسَكَتَ؛ فَأعادُوا؛ قالَ: "لا؛ ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ"؛» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَقالَ عُكاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ؛ وقالَ مُرَّةُ: فَقالَ مِحْصَنٌ الأسَدِيُّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: فَقامَ رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: «فَقامَ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ أفِي كُلِّ عامٍ؟

فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ثُمَّ قالَ: "مَنِ السائِلُ؟"؛ فَقِيلَ: فُلانٌ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ؛ ولَوْ وجَبَتْ لَمْ تُطِيقُوهُ؛ ولَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَهَلَكْتُمْ"؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» بِسَبَبِ ذَلِكَ.

ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ: « "إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عن شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ".» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ قَوْمٍ سَألُوا عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ والوَصِيلَةِ؛ ونَحْوِ هَذا مِن أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أمْرَ الكَعْبَةِ؛ والهَدْيِ؛ والقَلائِدِ؛ وأعْلَمَ أنَّ حُرْمَتَها هو الَّذِي جَعَلَها؛ إذْ هي أُمُورٌ نافِعَةٌ؛ قَدِيمَةٌ؛ مِن لَدُنْ عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ذَهَبَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ إلى السُؤالِ عن سائِرِ أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ لِيَرَوْا هَلْ تُلْحَقُ بِتِلْكَ أمْ لا؛ إذْ كانُوا قَدِ اعْتَقَدُوا الجَمِيعَ سُنَّةً؛ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما هو مِن عِنْدِ اللهِ ؛ وما هو مِن تِلْقاءِ الشَيْطانِ؛ والمُغَيِّرِينَ لِدِينِإبْراهِيمَ؛ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَلامُ - كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ وفي عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "رَأيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النارِ؛ وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَوائِبَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ مِنَ الرِواياتِ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ألَحَّتْ عَلَيْهِ الأعْرابُ والجُهّالُ بِأنْواعٍ مِنَ السُؤالاتِ؛ حَسْبَما ذَكَرْناهُ؛ فَزَجَرَ اللهُ تَعالى عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ.

و"أشْياءَ": اِسْمُ جَمْعٍ لِـ "شَيْءٌ"؛ أصْلُهُ عِنْدَ الخَلِيلِ؛ وسِيبَوَيْهِ: "شَيْئاءُ"؛ مِثْلُ "فَعْلاءُ"؛ قُلِبَتْ إلى "لَفْعاءُ"؛ لِثِقَلِ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: "أشْياءُ"؛ وزْنُها "أفْعالُ"؛ وهو جَمْعُ "شَيْءٌ"؛ وتَرْكُ الصَرْفِ فِيهِ سَماعٌ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: لَمْ يَنْصَرِفْ "أشْياءُ"؛ لِشِبْهِ آخِرِها بِآخِرِ "حَمْراءُ"؛ ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "أشْياواتٌ"؛ كَما تَقُولُ: "حَمْراواتٌ"؛ ويَلْزَمُ عَلى هَذا ألّا يَنْصَرِفَ " أسْماءٌ "؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: "أسْماواتٌ"؛ وقالَ الأخْفَشُ: "أشْياءُ"؛ أصْلُها "أشْيِئاءُ"؛ عَلى وزْنِ "أفْعِلاءُ"؛ اِسْتُثْقِلَ اجْتِماعُ الهَمْزَتَيْنِ؛ فَأُبْدِلَتِ الأُولى ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ اسْتِخْفافًا؛ ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ واحِدُ الأشْياءِ "شَيِّئٌ"؛ مِثْلَ "هَيِّنٌ"؛ و"أهْوِناءُ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنْ تُبْدَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: "إنْ تَبْدُ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الدالِ؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الشَعْبِيُّ: "إنْ يَبْدُ لَكُمْ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلَ؛ مَفْتُوحَةً؛ والدالِ مَضْمُومَةً؛ "يَسُؤْكُمْ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلَ؛ أيْ: "يُبْدِهِ اللهُ لَكُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مَعْناهُ: "لا تَسْألُوا عن أشْياءَ في ضِمْنِ الإخْبارِ عنها مَساءَةٌ لَكُمْ؛ إمّا لِتَكْلِيفٍ شَرْعِيٍّ يَلْزَمُكُمْ؛ وإمّا لِخَبَرٍ يَسُوءُ؛ كَما قِيلَ لِلَّذِي قالَ: أيْنَ أنا؟

ولَكِنْ إذا نَزَلَ القُرْآنُ بِشَيْءٍ وابْتَدَأكم رَبُّكم بِأمْرٍ؛ فَحِينَئِذٍ إنْ سَألْتُمْ عن تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ بُيِّنَ لَكم وأُبْدِيَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عنها"؛ عائِدٌ عَلى نَوْعِها؛ لا عَلى الأُولى الَّتِي نَهى عَنِ السُؤالِ عنها.

وقالَ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّ اللهَ فَرَضَ فَرائِضَ؛ فَلا تُضَيِّعُوها؛ ونَهى عن أشْياءَ؛ فَلا تَنْتَهِكُوها؛ وحَدَّ حُدُودًا؛ فَلا تَعْتَدُوها؛ وعَفا مِن غَيْرِ نِسْيانٍ عن أشْياءَ؛ فَلا تَبْحَثُوا عنها.

وكانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُولُ: "إنَّ اللهَ أحَلَّ؛ وحَرَّمَ؛ فَما أحَلَّ فاسْتَحِلُّوا؛ وما حَرَّمَ فاجْتَنِبُوا؛ وتَرَكَ بَيْنَ ذَلِكَ أشْياءَ لَمْ يُحِلَّها ولَمْ يُحَرِّمْها؛ فَذَلِكَ عَفْوٌ مِنَ اللهِ عَفاهُ"؛ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ في مَعْنى الوَعِيدِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَسْألُوا؛ وإنْ سَألْتُمْ لَقِيتُمْ عِبْءَ ذَلِكَ؛ وصُعُوبَتَهُ؛ لِأنَّكم تَكْلُفُونَ وتَسْتَعْجِلُونَ عِلْمَ ما يَسُوؤُكُمْ؛ كالَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ في النارِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَفا اللهُ عنها ﴾ ؛ تَرَكَها؛ ولَمْ يُعَرِّفْ بِها؛ وهَذِهِ اللَفْظَةُ الَّتِي هي "عَفا"؛ تُؤَيِّدُ أنَّ الأشْياءَ: اَلَّتِي هي في تَكْلِيفاتِ الشَرْعِ؛ يُنْظَرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ اللهَ قَدْ عَفا لَكم عن صَدَقَةِ الخَيْلِ".» ﴿ "غَفُورٌ حَلِيمٌ"؛ ﴾ صِفَتانِ تَناسِبانِ العَفْوَ؛ وتَرْكَ المُباحَثَةِ؛ والسَماحَةَ في الأُمُورِ.

وقَرَأ عامَّةُ الناسِ: "قَدْ سَألَها"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "قَدْ سِالَها"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ والمُرادُ بِهَذِهِ القِراءَةِ الإمالَةُ؛ وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ "سِلْتَ؛ تَسالُ"؛ وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ: "هُما يَتَساوَلانِ"؛ فَهَذا يُعْطِي أنَّ هَذِهِ اللُغَةَ هي مِنَ الواوِ؛ لا مِنَ الهَمْزَةِ؛ فالإمالَةُ إنَّما أُرِيدَتْ؛ وساغَ ذَلِكَ لِانْكِسارِ ما قَبْلَ اللامِ في "سِلْتَ"؛ كَما جاءَتِ الإمالَةُ في "خِافَ"؛ لِمَجِيءِ الكَسْرَةِ في خاءِ "خِفْتَ".

ومَعْنى الآيَةِ أنَّ هَذِهِ السُؤالاتِ الَّتِي هي تَعْنِيتاتٌ؛ وطَلَبُ شَطَطٍ؛ واقْتِراحاتٌ؛ ومُباحَثاتٌ؛ قَدْ سَألَتْها قَبْلَكُمُ الأُمَمُ؛ ثُمَّ كَفَرُوا بِها؛ قالَ الطَبَرِيُّ: كَقَوْمِ صالِحٍ في سُؤالِهِمُ الناقَةَ؛ وكَبَنِي إسْرائِيلَ في سُؤالِهِمُ المائِدَةَ؛ قالَ السُدِّيُّ: كَسُؤالِ قُرَيْشٍ أنْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُمُ الصَفا ذَهَبًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يُتَّجَهُ في قُرَيْشٍ مِثالًا سُؤالُهم آيَةً؛ فَلَمّا شَقَّ لَهُمُ القَمَرَ كَفَرُوا؛ وهَذا المَعْنى إنَّما يُقالُ لِمَن سَألَ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: أيْنَ ناقَتِي؟

وكَما قالَ لَهُ الأعْرابِيُّ: ما في بَطْنِ ناقَتِي هَذِهِ؟

فَأمّا مَن سَألَهُ عَنِ الحَجِّ: أفِي كُلِّ عامٍ هُوَ؟

فَلا يُفَسَّرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ سَألَها قَوْمٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِهَذا؛ ولا مِثْلِهِ؛ بَلْ بِأنَّ الأُمَمَ قَدِيمًا طَلَبَتِ التَعَمُّقَ في الدِينِ مِن أنْبِيائِها؛ ثُمَّ لَمْ تَفِ بِما كُلِّفَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للنهي عن العودة إلى مسائل سألها بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست في شؤون الدين ولكنّها في شؤون ذاتية خاصّة بهم، فنهوا أن يشغلوا الرسول بمثالها بعد أن قدّم لهم بيان مُهمّة الرسول بقوله تعالى: ﴿ ما على الرسول إلاّ البلاغ ﴾ [المائدة: 99] الصالح لأن يكون مقدّمة لمضمون هذه الآية ولمضمون الآية السابقة، وهي قوله: ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيّب ﴾ [المائدة: 100] فالآيتان كلتاهما مرتبطتان بآية ﴿ ما على الرسول إلاّ البلاغ ﴾ [المائدة: 99]، وليست إحدى هاتين الآيتين بمرتبطة بالأخرى.

وقد اختلفت الروايات في بيان نوع هذه الأشياء المسؤول عنها والصحيح من ذلك حديث موسى بن أنس بن مالك عن أبيه في «الصحيحين» قال: سأل الناس رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حتى أحْفَوْهُ بالمسألة، فصعِد المنبر ذات يوم فقال: " لا تسألونني عن شيء إلاّ بيّنت لكم "، فأنشأ رجل كانَ إذا لاحَى يُدعى لغير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي قال: أبوك حذافة (أي فدعاه لأبيه الذي يعرف به)، والسائل هو عبد الله بن حُذَافة السَّهمي، كما ورد في بعض روايات الحديث.

وفي رواية لمسلم عن أبي موسى: فقام رجل آخر فقال مَن أبي، قال: أبوك سالم مولى شيبة.

وفي بعض روايات هذا الخبر في غير الصحيح عن أبي هريرة أنّ رجلاً آخر قام فقال: أين أبي.

وفي رواية: أين أنا؟

فقال: في النار.

وفي «صحيح البخاري» عن ابن عبّاس قال: كان قوم، أي من المنافقين، يسألون رسول الله استهزاء فيقول الرجل تضلّ ناقته: أين ناقتي، ويقول الرجل: من أبي، ويقول المسافر: ماذا ألقى في سفري، فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿ يا أيّها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تَسؤُكم ﴾ .

قال الأيمّة: وقد انفرد به البخاري.

ومحمله أنّه رأي من ابن عباس، وهو لا يناسب افتتاح الآية بخطاب الذين آمنوا اللهمّ إلاّ أن يكون المراد تحذير المؤمنين من نحو تلك المسائل عن غفلة من مقاصد المستهزئين، كما في قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعِنا ﴾ [البقرة: 104]، أو أريد بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان، على أنّ لهجة الخطاب في الآية خالية عن الإيماء إلى قصد المستهزئين، بخلاف قوله: ﴿ لا تقولوا راعنا ﴾ [البقرة: 104] فقد عقّب بقوله: ﴿ وللكافرين عذاب أليم ﴾ [البقرة: 104].

وروى الترمذي والدارقطني عن علي بن أبي طالب لمّا نزلت ﴿ ولله على الناس حجّ البيت ﴾ [آل عمران: 97] قالوا: يا رسول الله في كلّ عام، فسكت، فأعادوا.

فقال: لا، ولو قلت: نعم لوجبتْ، فأنزل الله ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ قال: هذا حديث حسن غريب.

وروى الطبري قريباً منه عن أبي أمامة وعن ابن عباس.

وتأويل هذه الأسانيد أنّ الآية تليتْ عند وقوع هذا السؤال وإنّما كان نزولها قبل حدوثه فظنّها الراوون نزلت حينئذٍ.

وتأويل المعنى على هذا أنّ الأمّة تكون في سعة إذا لم يشرع لها حكم، فيكون الناس في سعة الاجتهاد عند نزول الحادثة بهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا سألوا وأجيبوا من قِبل الرسول صلى الله عليه وسلم تعيّن عليهم العمل بما أجيبوا به.

وقد تختلف الأحوال والأعصار فيكونون في حرج إن راموا تغييره؛ فيكون معنى ﴿ إن تبد لكم تسؤكم ﴾ على هذا الوجه أنّها تسوء بعضهم أو تسوءهم في بعض الأحوال إذا شقّت عليهم.

وروى مجاهد عن ابن عباس: نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البَحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

وقال مثله سعيد بن جبير والحسن.

وقوله: ﴿ أشياء ﴾ تكثير شيء، والشيء هو الموجود، فيصدق بالذات وبحال الذات، وقد سألوا عن أحوال بعض المجهولات أو الضَّوالّ أو عن أحكام بعض الأشياء.

و(أشياء) كلمة تدلّ على جمع (شيء)، والظاهر أنّه صيغة جمع لأنّ زنة شيء (فَعْل)، و(فَعْل) إذا كان معتلّ العين قياس جمعه (أفعال) مثل بيت وشيخ.

فالجاري على متعارف التصريف أن يكون (أشياء) جمعاً وأنّ همزته الأولى همزة مزيدة للجمع.

إلاّ أنّ (أشياء) ورد في القرآن هنا ممنوعاً من الصرف، فتردّد أئمّة اللغة في تأويل ذلك، وأمثل أقوالهم في ذلك قول الكسائي: إنّه لما كثر استعماله في الكلام أشبه (فعلاء)، فمنعوه من الصرف لهذا الشبه، كما منعواسراويل من الصرف وهو مفرد لأنّه شابه صيغة الجمع مثل مصابيح.

وقال الخليل وسيبويه: (أشياء) اسم جمع (شيء) وليس جمعاً، فهو مثل طَرْفاء وحلفاء فأصله شيْئاء، فالمّدة في آخره مدّة تأنيث، فلذلك منع من الصرف، وادّعى أنّهم صيّروه أشياء بقلب مَكَاني.

وحقُّه أن يقال: شيْئَاء بوزن (فعلاء) فصار بوزن (لفعاء).

وقوله ﴿ إن تبد لكم تسؤكم ﴾ صفة ﴿ أشياء ﴾ ، أي إن تُظهرْ لكم وقد أخفيت عنكم يكن في إظهارها ما يسوءكم، ولمّا كانت الأشياء المسؤول عنها منها ما إذا ظهر ساء من سأل عنه ومنها ما ليس كذلك، وكانت قبل إظهارها غير متميّزة كان السؤال عن مجموعها معرّضاً للجواب بما بعضه يسوء، فلمّا كان هذا البعض غير معيّن للسائلين كان سؤالهم عنها سُؤالاً عن ما إذا ظهر يسوءهُم، فإنّهم سألوا في موطن واحد أسئلة منها: ما سرّهم جوابه، وهو سؤال عبد الله بن حذافة عن أبيه فأجيب بالذي يصدّق نسبه، ومنها ما ساءهم جوابه، وهو سؤال من سأل أين أبي، أو أين أنا فقيل له: في النار، فهذا يسوءه لا محالة.

فتبيّن بهذا أنّ قوله: ﴿ إن تبد لكم تسؤكم ﴾ روعي فيه النهي عن المجموع لكراهية بعض ذلك المجموع.

والمقصود من هذا استئناسهم للإعراض عن نحو هذه المسائل، وإلاّ فإنّ النهي غير مقيّد بحال ما يسوءهم جوابه، بدليل قوله بعده ﴿ عفا الله عنها ﴾ .

لأنّ العفو لا يكون إلاّ عن ذنب وبذلك تعلم أنّه لا مفهوم للصفة هنا لتعذّر تمييز ما يسوء عمّا لا يسوء.

وجملة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبْدَ لكم ﴾ عطف على جملة ﴿ لا تسألوا ﴾ ، وهي تفيد إباحة السؤال عنها على الجملة لقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ فجعلهم مخيّرين في السؤال عن أمثالها، وأنّ ترك السؤال هو الأوْلى لهم، فالانتقال إلى الإذن رخصة وتوسعة، وجاء ب ﴿ إنْ ﴾ للدلالة على أنّ الأولى ترك السؤال عنها لأنّ الأصل في (إنْ) أن تدلّ على أنّ الشرط نادر الوقوع أو مرغوب عن وقوعه.

وقوله: ﴿ حين ينزّل القرآن ﴾ ظرف يجوز تعلّقه بفعل الشرط وهو ﴿ تسألوا ﴾ ، ويجوز تعلّقه بفعل الجواب وهو ﴿ تُبدَ لكم ﴾ ، وهو أظهر إذ الظاهر أنّ حين نزول القرآن لم يجعل وقتاً لإلقاء الأسئلة بل جعل وقتاً للجواب عن الأسئلة.

وتقديمه على عامله للاهتمام، والمعنى أنّهم لا ينتظرون الجواب عمّا يسألون عنه إلاّ بعد نزول القرآن، لقوله تعالى: ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب إلى قوله إن أتّبعُ إلاّ ما يوحى إليّ ﴾ [الأنعام: 50] فنبّههم الله بهذا على أنّ النبي يتلقّى الوحي من علاّم الغيوب.

فمن سأل عن شيء فلينتظر الجواب بعد نزول القرآن، ومن سأل عند نزول القرآن حصل جوابه عقِب سؤاله.

ووقتُ نزول القرآن يعرفه من يحضر منهم مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فإنّ له حالة خاصّة تعتري الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفها الناس، كما ورد في حديث يعلى بن أمية في حكم العمرة.

ومما يدلّ لهذا ما وقع في حديث أنس من رواية ابن شهاب في «صحيح مسلم» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى لهم صلاة الظهر فلما سلّم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أنّ قبلها أموراً عظاماً ثم قال: مَنْ أحبّ أن يسألني عن شيء فليسألني عنه فوالله لا تسألونني عن شيء إلاّ أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا.

ثم قال: " لقد عرضت عليَّ الجنة والنار آنفاً في عُرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر " الحديث، فدلّ ذلك على أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك الحينَ في حال نزول وحي عليه.

وقد جاء في رواية موسى بن أنس عن أبيه أنس أنّه أنزل عليه حينئذٍ قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ﴾ الآية.

فتلك لا محالة ساعة نزول القرآن واتّصال الرسول عليه الصلاة والسلام بعالم الوحي.

وقوله: ﴿ عفا الله عنها ﴾ يحتمل أنّه تقرير لمضمون قوله: ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبدَ لكم ﴾ ، أي أنّ الله نهاكم عن المسألة وعفا عنكم أن تسألوا حين ينزّل القرآن.

وهذا أظهر لعوذ الضمير إلى أقرب مذكور باعتبار تقييده ﴿ حين ينزّل القرآن ﴾ .

ويحتمل أن يكون إخباراً عن عفوه عمّا سلف من إكثار المسائل وإحفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيها لأنّ ذلك لا يناسب ما يجب من توقيره.

وقوله: ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ثُم أصبحوا بها كافرين ﴾ استئناف بياني جواب سؤال يثيره النهي عن السؤال ثم الإذن فيه في حين ينزل القرآن، أن يقول سائل: إن كان السؤال في وقت نزول القرآن وأنّ بعض الأسئلة يسوء جوابه قوماً، فهل الأوْلى ترك السؤال أو إلقاؤه.

فأجيب بتفصيل أمرها بأنّ أمثالها قد كانت سبباً في كفر قوممٍ قبل المسلمين.

وضمير ﴿ سألها ﴾ جُوّز أن يكون عائداً إلى مصدر مأخوذ من الكلام غير مذكور دلّ عليه فعل ﴿ تسألوا ﴾ ، أي سأل المسألة، فيكون الضمير منصوباً على المفعولية المطلقة.

وجرى جمهور المفسّرين على تقدير مضاف، أي سأل أمثالها.

والمماثلة في ضآلة الجدوى.

والأحسن عندي أن يكون ضمير ﴿ سألها ﴾ عائداً إلى ﴿ أشياء ﴾ ، أي إلى لفظه دون مدلوله.

فالتقدير: قد سأل أشياء قومٌ من قبلكم، وعدّي فعل ﴿ سأل ﴾ إلى الضمير على حذف حرف الجرّ، وعلى هذا المعنى يكون الكلام على طريقة قريبة من طريقة الاستخدام بل هي أحقّ من الاستخدام، فإنّ أصل الضمير أن يعود إلى لفظ باعتبار مدلوله وقد يعود إلى لفظ دون مدلوله، نحو قولك: لك درهم ونصفه، أي نصف درهم لا الدرهم الذي أعطيته إياه.

والاستخدام أشدّ من ذلك لأنّه عود الضمير على اللفظ مع مدلول آخر.

و ﴿ ثم ﴾ في قوله: ﴿ ثم أصبحوا بها كافرين ﴾ للترتيب الرتبي كشأنها في عطف الجمل فإنّها لا تفيد فيه تراخي الزمان وإنّما تفيد تراخي مضمون الجملة المعطوفة في تصوّر المتكلّم عن تصور مضمون الجملة المعطوف عليها، فتدلّ على أنّ الجملة المعطوفة لم يكن يُترقب حصول مضمونها حتى فاجأ المتكلم.

وقد مرّت الإشارة إلى ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ في سورة البقرة (85).

والباء في قوله بها } يجوز أن تكون للسببية، فتتعلّق بِ ﴿ أصبحوا ﴾ ، أي كانت تلك المسائل سبباً في كفرهم، أي باعتبار ما حصل من جوابها، ويحتمل أن تكون «للتعدية» فتتعلّق ب ﴿ كافرين ﴾ ، أي كفروا بها، أي بجوابها بأن لم يصدّقوا رسلهم فيما أجابوا به، وعلى هذا الوجه فتقديم المجرور على عامله مفيد للتخصيص، أي ما كفروا إلاّ بسببها، أي كانوا في منعة من الكفر لولا تلك المسائل، فقد كانوا كالباحث على حتفه بظلفه، فهو تخصيص ادّعائي، أو هو تقديم لمجرّد الاهتمام للتنبيه على التحذير منها.

وفعل ﴿ أصبحوا ﴾ مستعمل بمعنى صاروا، وهو في هذا الاستعمال مشعر بمصير عاجل لا تريّث فيه لأنّ الصباح أول أوقات الانتشار للأعمال.

والمراد بالقوم بعض الأمم التي كانت قبل الإسلام، سألوا مثل هذه المسائل، فلمّا أعطوا ما سألوا لم يؤمنوا، مثل ثمود، سألوا صالحاً آية، فلمّا أخرج لهم ناقة من الصخر عقروها، وهذا شأن أهل الضلالة متابعةُ الهوى فكلّ ما يأتيهم ممّا لا يوافق أهواءهم كذّبوا به، كما قال الله تعالى: ﴿ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم مُعرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ﴾ [النور: 48، 49]، وكما وقع لليهود في خبر إسلام عبد الله بن سَلام.

وقريب ممّا في هذه الآية ما قدّمناه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ قل من كان عدوّاً لجبريل ﴾ في سورة البقرة (97).

فإنّ اليهود أبغضوا جبريل لأنّه أخبر دانيال باقتراب خراب أورشليم، وتعطيل بيت القدس، حسبما في الإصحاح التاسع من كتاب دانيال.

وقد سأل اليهود زكرياء وابنه يحيى عن عيسى، وكانا مقدّسين عند اليهود، فلمّا شهدا لعيسى بالنبوءة أبغضهما اليهود وأغروا بهما زوجة هيرودس فحملته على قتلهما كما في الإصحاح الرابع من إنجيل متّى والإصحاح الثالث من مرقس.

والمقصود من هذا ذمّ أمثال هذه المسائل بأنّها لا تخلو من أن تكون سبباً في غمّ النفس وحشرجة الصدر وسماع ما يَكره ممّن يُحبّه.

ولولا أنّ إيمان المؤمنين وازع لهم من الوقوع في أمثال ما وقع فيه قومٌ من قبلهم لكانت هذه المسائل محرّمة عليهم لأنها تكون ذريعة للكفر.

فهذا استقصاء تأويل هذه الآية العجيبة المعاني البليغة العبر الجديرة باستجلائها، فالحمد لله الذي منّ باستضوائها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الحَلالَ والحَرامَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: المُؤْمِنُ والكافِرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الرَّدِيءُ والجَيِّدُ.

﴿ وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ ﴾ يَعْنِي أنَّ الحَلالَ والجَيِّدَ مَعَ قِلَّتِهِما خَيْرٌ وأنْفَعُ مِنَ الحَرامِ والرَّدِيءِ مَعَ كَثْرَتِهِما.

قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حُجّاجِ اليَمامَةِ وقَدْ هَمَّ المُسْلِمُونَ بِأحَدِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: ما رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «سَألَ النّاسُ رَسُولَ اللَّهِ  حَتّى ألْحَفُوهُ بِالمَسْألَةِ، فَصَعِدَ المِنبَرَ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: (لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا بَيَّنْتُ لَكم قالَ أنَسٌ: فَجَعَلْتُ أنْظُرُ يَمِينًا وشِمالًا فَأرى كُلَّ النّاسِ لاقٍ ثَوْبَهُ في رَأْسِهِ يَبْكِي، فَسَألَ رَجُلٌ كانَ إذا لاحى يُدْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِي؟

فَقالَ: (أبُوكَ حُذافَةُ فَأنْشَأ عُمَرُ فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا عائِذًا بِاللَّهِ مِن سُوءِ الفِتَنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ ﴾ » والثّانِي: ما رَوى الحَسَنُ بْنُ واقِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: (أيُّها النّاسُ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا فَقامَ مُحْصَنٌ الأسَدِيُّ وقالَ: في كُلِّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ: (أما إنِّي لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلِلْتُمُ، اسْكُتُوا عَنِّي ما سَكَتُّ عَنْكم، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا ﴾ » والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَلى البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ جَعَلَ نُزُولَ القُرْآنِ عِنْدَ السُّؤالِ مُوجِبًا بِتَعْجِيلِ الجَوابِ.

﴿ عَفا اللَّهُ عَنْها ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَنِ المَسْألَةِ.

والثّانِي: عَنِ الأشْياءِ الَّتِي سَألُوا عَنْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: قَوْمُ عِيسى سَألُوهُ المائِدَةَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمُ صالِحٍ سَألُوا النّاقَةَ، ثُمَّ عَقَرُوها وكَفَرُوا بِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهم قُرَيْشٌ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يُحَوِّلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  مَن أبِي؟

ونَحْوُهُ، فَلَمّا أخْبَرَهم بِهِ أنْكَرُوهُ وكَفَرُوا بِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: «خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال رجل: من أبي؟

قال فلان، فنزلت هذه الآية ﴿ لا تسألوا عن أشياء ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق قتادة عن أنس «في قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ أن الناس سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فخرج ذات يوم حتى صعد المنبر فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أنبأتكم به، فلما سمع ذلك القوم أرموا وظنوا أن ذلك بين يدي أمر قد حضر، فجعلت التفت عن يميني وشمالي، فإذا كل رجل لاف ثوبه برأسه يبكي، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، من أبي؟

قال: أبوك حذافة، وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال عمر بن الخطاب: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، ونعوذ بالله من سوء الفتن.

قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إن الجنة والنار مثلتا لي حتى رأيتهما دون الحائط» قال قتادة: وإن الله يريه ما لا ترون، ويسمعه ما لا تسمعون.

قال: وأنزل عليه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء..

﴾ الآية.

قال قتادة: وفي قراءة أبي بن كعب «قد سألها قوم بينت لهم فأصبحوا بها كافرين» .

وأخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟

ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟

فأنزل الله فيهم هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ﴾ حتى فرغ من الآية كلها.

وأخرج ابن جرير «عن ابن عون قال: سألت عكرمة مولى ابن عباس عن قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ قال: ذاك يوم قام فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، فقام رجل فكره المسلمون مقامه يومئذ، فقال: يا رسول الله، من أبي؟

قال: أبوك حذافة.

فنزلت هذه الآية» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن طاوس قال: «نزلت ﴿ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ في رجل قال: يا رسول الله من أبي؟

قال: أبوك فلان» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي «في قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء...

﴾ الآية.

قال: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام فقام خطيباً، فقال: سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به، فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبدالله بن حذافة- وكان يطعن فيه- فقال: يا رسول الله، من أبي؟

قال: أبوك فلان، فدعاه لأبيه، فقام إليه عمر فقبل رجله، وقال: يا رسول الله، رضينا بالله رباً، وبك نبياً، وبالقرآن إماماً، فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي، فيومئذ قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وأنزل عليه ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ » .

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين آبائي؟

قال: في النار.

فقام آخر فقال: من أبي؟

فقال: أبوك حذافة.

فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، إنا يا رسول الله حديث عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم مَنْ آباؤنا، فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ﴾ » .

وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: أيها الناس إن الله تعالى قد افترض عليكم الحج، فقام رجل فقال: لكل عام يا رسول الله؟

فسكت عنه حتى أعادها ثلاث مرات قال: «لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها، ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وذكر أن هذه الآية في المائدة نزلت في ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس كتب الله عليكم الحج.

فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟

قال: أما أني لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ثم تركتكم لضللتم، اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة الباهلي قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال: إن الله تعالى كتب عليكم الحج.

فقال رجل من الأعراب: أفي كل عام؟

فسكت طويلاً ثم تكلم، فقال: من السائل؟

فقال: أنا ذا.

فقال: ويحك..

!

ماذا يؤمنك أن أقول نعم؟

والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم، ألا أنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض من شيء، وحرمت عليكم منها موضع خف بعير لوقعتم فيه، وأنزل الله عند ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كتب الله عليكم الحج.

فقال رجل: يا رسول الله، كل عام؟

فأعرض عنه ثم قال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما أطقتموها، ولو تركتموها لكفرتم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أين أبي؟

قال: في النار.

ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، الحج كل عام؟

فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحول وركه فدخل البيت، ثم خرج فقال: لم تسألوني عما لا أسألكم عنه؟!

ثم قال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت عليكم كل عام ثم لكفرتم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء...

﴾ الآية» .

وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن علي قال: «لما نزلت ﴿ ولله على الناس حجُّ البيت ﴾ [ آل عمران: 97] قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟

فسكت ثم قالوا: أفي كل عام؟

قال: لا: ولو قلت نعم لوجبت، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: «لما نزلت آية الحج أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الناس، فقال: يا أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا.

فقالوا: يا رسول الله، أعاماً واحداً أم كل عام؟

فقال: لا، بل عاماً واحداً، ولو قلت كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، وأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس فقال: يا قوم، كتب عليكم الحج، فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟

فغضب غضباً شديداً فقال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم وإذن لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، فأنزل الله: ﴿ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك وقال: « ﴿ لا تسألوا عن أشياء ﴾ أي إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد «في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ﴾ قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج.

فقيل: أواجب هو يا رسول الله كل عام؟

قال: لا، ولو قلتها لوجبت عليكم كل عام، ولو وجبت ما أطقتم، ولو لم تطيقوا لكفرتم، ثم قال: سلوني فلا يسألني رجل في مجلسي هذا عن شيء إلا أخبرته، وإن سألني عن أبيه.

فقام إليه رجل فقال: من أبي؟

قال: أبوك حذافة بن قيس.

فقام عمر فقال: يا رسول الله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، ونعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله» .

وأخرج ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص قال: «إن كانوا ليسألون عن الشيء وهو لهم حلال، فما يزالون يسألون حتى يحرم عليهم، وإذا حرم عليهم وقعوا فيه» .

وأخرج الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق خصيف عن مجاهد عن ابن عباس.

في قوله: ﴿ لا تسألوا عن أشياء ﴾ قال: يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك: ما جعل الله من كذا ولا كذا قال: وأما عكرمة فإنه قال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك، ثم قال: ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ﴾ قال: فقلت: قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس فما لك تقول هذا؟

فقال: هاه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عبد الكريم عن عكرمة في قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ﴾ قال: هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أبي؟

وأما سعيد بن جبير فقال: هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة، وأما مقسم فقال: هي فيما سألت الأمم أنبياءها عن الآيات.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن نافع في قوله: ﴿ لا تسألوا عن أشياء ﴾ قال: ما زال كثرة السؤال مذ قط تكره.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم.

أنه قرأ ﴿ تبد لكم ﴾ برفع التاء ونصب الدال.

وأخرج أبو الشيخ عن عبد الملك بن أبي جمعة الأزدي قال: سألت الحسن عن كسب الكناس فقال لي: ويحك...

!

ما تسأل عن شيء لو ترك في منازلكم لضاقت عليكم، ثم تلا هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ .

وأخرج أحمد وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، وهو مردف الفضل بن عباس على جمل آدم، فقال: يا أيها الناس، خذوا العلم قبل رفعه وقبضه.

قال: وكنا نهاب مسألته بعد تنزيل الله الآية ﴿ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ فقدمنا إليه أعرابياً، فرشوناه برداء على مسألته فاعتم بها حتى رأيت حاشية البرد على حاجبه الأيمن، وقلنا له: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يرفع العلم وهذا القرآن بين أظهرنا، وقد تعلمناه وعلمناه نساءنا وذرارينا وخدامنا؟

فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، قد علا وجهه حمرة من الغضب فقال: «أوليست اليهود والنصارى بين أظهرها المصاحف، وقد أصبحوا ما يتعلقون منها بحرف مما جاء به أنبياؤهم، ألا وإن ذهاب العلم أن تذهب حملته» .

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات «عن أبي مالك الأشعري قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ﴾ قال: فنحن نسأله إذ قال: إن لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة.

فقال أعرابي: من هم يا رسول الله؟

قال: هم عباد من عباد الله من بلدان شتى وقبائل شتى من شعوب القبائل، لم تكن بينهم أرحام يتواصلون بها، ولا دنيا يتبادلون بها، يتحابون بروح الله، يجعل الله وجوههم نوراً، ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن عبدالله بن مالك بن بحينة قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل المقبرة ثلاث مرات، وذلك بعد نزول هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ فاسكت القوم.

فقام أبو بكر، فأتى عائشة فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أهل المقبرة؟

فقالت عائشة: صليت على أهل المقبرة؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك مقبرة بعسقلان يحشر منها سبعون ألف شهيد» .

وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن معاذ بن جبل قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتقدمت به راحلته، ثم إن راحلتي لحقت براحلته حتى تصحب ركبتي ركبته، فقلت: يا رسول الله، إني أريد أن أسألك عن أمر يمنعني مكان هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ قال: ما هو يا معاذ؟

قلت: ما العمل الذي يدخلني الجنة وينجيني من النار؟

قال: قد سألت عن عظيم وإنه يسير، شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروته؟

أما رأس الأمر فالإسلام، وعموده الصلاة، وأما ذروته فالجهاد، ثم قال: الصيام جنة، والصدقة تكفر الخطايا، وقيام الليل، وقرأ ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع...

﴾ إلى آخر الآية.

ثم قال: ألا أنبئكم ما هو أملك بالناس من ذلك؟

ثم أخرج لسانه فأمسكه بين أصبعيه، فقلت: يا رسول الله، أكل ما نتكلم به يكتب علينا؟

قال: ثكلتك أمك...؟

وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟

إنك لن تزال سالماً ما أمسكت، فإذا تكلمت كتب عليك أو لك» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ الآية، قال ابن عباس وأنس وأبو هريرة والحسن وطاوس وقتادة والسدي وعلي بن أبي طالب وأبو أمامة الباهلي  دخل كلام بعضهم في بعض: أن رسول الله  سئل حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضباً خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وقال: "لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا إلا أخبرتكموه" فقام رجل من بني سهم كان يُطعن في نسبه، والرجل عبد الله بن حذافة، فقال: يا نبي الله من أبي؟

قال: "أبوك حذافة بن قيس"، وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أنا؟

ويروى: "أين أبي؟

" فقال: "في النار" (١) وقال سراقة بن مالك، ويروى عكاشة بن محصن: يا رسول الله الحج علينا في كل عام" فأعرض عنه رسول الله، حتى عاد مرتين أو ثلاثاً، فقال رسول الله  : "ويحك، وما يؤمنك أن أقول: نعم؟!

والله لو قلتُ نعم لوجبتْ، ولو وجبتْ ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" فأنزل الله هذه الآية (٢) هذا قول المفسرين في سبب نزول الآية، وقال أصحاب المعاني: أما سؤال من سأل عن موضعه أو موضع أبيه فقال رسول الله: "في النار" فهو مما يسوء السائل بيانه، وأما من سأل عن أبيه من هو، فإنه لم يأمن أن يلحقه النبي  بغير أبيه فيفتضح، ويكون قد جنى على نفسه بسؤاله فضيحةً تبقى عليه أبداً في أمر لم يكلف ذلك، ولم يؤمر بالسؤال عنه، فقد عرض نفسه بهذا السؤال لما سكوته عنه خير له، فهو منهي بهذه الآية عن مثل سؤاله في المؤتنف، إذ لا يأمن أن يكون الجواب بما يسوءه (٣) وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي  : "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من كان سببًا لتحريم حلال" (٤) (٥) قالوا: وقوله تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ مؤخر في النظم مقدم في المعنى؛ لأن التقدير: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم عفا الله عنها، وإن شئت قلت: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم (٦) ﴿ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ جملتان صفتان لأشياء، وهي نكرة، ومعنى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ أي كف وأمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكماً، وكلام أبي إسحاق دل على هذه الجملة التي ذكرنا، لأنه قال: أعلم الله عز وجل أن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، فإنه إذا ظهر فيه الجواب ساء ذلك، ولا إن ظهر وجه في المسألة عما عفا الله عنه، وفيه إن ظهر فضيحةٌ على السائل (٧) وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل الله فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله، ثم يتلو هذه الآية (٨) (٩) وقال أبو ثعلبة الخشني (١٠) (١١) وأجمع النحويون على أن (أشياء) جمع شيء، وأنها غير مُجراة، واختلفوا في العلة، فقال الكسائي: هو على وزن أفعال، ولكنها كثرت في الكلام فأشبهت: فَعْلاء، فلم تصرف كما لم تصرف حمراء، قال: وجمعوها أشاوَى، كما جمعوا عَذْراء عذارى، وصَحْراء صحارى، وأشْياوات، كما قيل: حَمْراوات (١٢) (١٣) (١٤) وقال الأخفش والفراء: أشياء جمعت على أفعلاء، كما يقال: هَيْن وأهونا، ولَيْن وأليناء، وكان في الأصل أشيئاء على وزن أشبعاع، فاجتمعت همزتان بينهما ألف فحذفت الهمزة الأولى وفتحت الياء لتبقى ألف الجمع صحيحة فصار: أشياء، ووزنه عندهما: أفعِلاء (١٥) (وقال الخليل: (أشياء) اسم للجمع كان أصله فعلاء شيئاء، فاستثقلت الهمزتان فقلبت الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجعلت لفعاء، كما قلبوا أَنْوق فقالوا أنيق، وكما قلبوا قُووس فقالوا: قِسي) (١٦) (١٧) (١٨) ويُحتاج في هذا الحرف إلى بيان أكثر من هذا، فالذي ذهب إليه الخليل وسيبويه وأبو عثمان أن أشياء مقلوبة من شيئاء على وزن فعلاء نحو حمراء، ووزنه الآن لفعاء، والعلة المانعة للصرف بناء الحرف على همزة التأنيث، فلحق الحرف بصفراء وحمراء وبابه، والذي ذهب إليه أبو الحسن (١٩) ويمكن أن يقال: إن أشياء لفظ وضع للجمع لا على بناء الواحد، وأما الكسائي فإنه يقول: أشياء أفعال، ولكنها لما جمعت أشياوات أشبه فعلاء التي تجمع على فعلاوات نحو: صحراء وصحراوات، ونظير أشياء في أنها أفعال أحياء في جمع حي، كذلك أشياء أفعال في جمع شيء، والعلة المانعة لصرفها شبهها بفعلاء من حيث جمعت جمعها، ويلزم على هذا القول ترك صرف أبناء وأسماء، لأنهم قالوا في جمعها: أسماوات وأبناوات، وذهب الفراء في هذا الحرف مذهب الأخفش غير أنه خلط حين ادعى أنها (كهَيّن ولَيّن) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ ، لم أر للمفسرين في هذا بياناً، وقال صاحب النظم: الكناية في (عنها) ليست تعود على أشياء المذكورة في قوله: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ﴾ ولكنها تعود على أشياء وأُخَر سواها لا هي، وجاز ذلك لأن المذكورة دلت عليها من حيث اجتمعتا في اللفظ، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ  ﴾ يعني: آدم، ثم قال: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون: 13] يعني: ابن آدم؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار، ولكنه لما ذكر الإنسان والمراد به آدم دل ذلك على إنسان مثله وعرف ذلك بفحوى الكلام، والمعنى: (وإن تسألوا عنها) أي: عن أشياء حين ينزل القرآن فيها من فرض أو إيجاب أو نهي أو حكم أو ندب، ومست حاجتكم إلى ما هو من جملة ما نزل فيه القرآن، وليس في ظاهر ما نزل ولا في باطنه دليل على شرح ما بكم إليه حاجة، فإذا سألتم عنها حينئذٍ تبد لكم (٢٢) (٢٣) ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ  ﴾ ، فأما ما سوى هذا وأشباهه فما لم ينزل فيه قرآن وكان مرفوعاً عنهم، ولم يكلفوه، ولم تكن بهم حاجة إليه، فالسؤال عنه محظور بحكم هذه الآية، هذا معنى كلامه وبعض لفظه.

وقوله تعالى: في ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ ، قد ذكرنا أنه على التقديم، وقال بعضهم: ليس على التقديم، والمعنى: قد عفا الله عن مسألتها، أي عن مسألتكم عنها، فيكون العفو عن مسألتهم التي سلف منهم مما كرهه النبي  نهاهم الله أن يعودوا إلى مثلها، وأخبر أنه عفا عما فعلوا (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾ ، قال عطاء: يريد لما كان في الجاهلية (حليم) عن عقابكم منذ آمنتم وصدقتم (٢٦) (١) أخرجه بنحوه من حديث أنس البخاري (7089) كتاب الفتن، باب: التعوذ من الفتن، (7294) وكتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومسلم (2359) كتاب: الفضائل، باب: توقيره  ، والطبري 7/ 80.

(٢) أصل الحديث في الصحيح، دون إشارة إلى أنه سبب لنزول الآية فقد أخرج مسلم (1337)، كتاب: الحج، باب: فرض الحج من حديث أبي هريرة، وأخرجه على أنه سبب نزول للآية الترمذي (3055) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وحسنه، والطبري في "تفسيره" من طرق 7/ 8 والمؤلف في "أسباب النزول" ص 213 - 214.

(٣) "فتح الباري" 13/ 270.

(٤) أخرجه البخاري حديث سعد بن أبي وقاص (7289) كتاب: الاعتصام، باب: ما == يكره من كثرة السؤال بلفظ: "إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" وكذا مسلم (2358) في كتاب: الفضائل، باب: توقيره  .

(٥) "تفسير الوسيط" 2/ 234.

(٦) "بحر العلوم" 1/ 462.

(٧) معاني القرآن وإعرابه" 2/ 211.

(٨) أخرجه الطبري 7/ 85، وقد قالت عائشة  ا لجبير بن نفير: هل تقرأ == سورة المائدة؟

قال: قلت: نعم.

قالت: فإنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه ..

" أخرجه أحمد في مسنده 6/ 188.

(٩) لم أقف عليه.

وقد أخرج الطبري 7/ 85 عن ابن عباس أنه قال: "لا تسألوا عن أشياء إن نُزِّل القرآن فيها بتغليظ ساءكم، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه".

(١٠) صحابي مشهور، قيل اسمه: جرهم، وقيل: جرثم، وقيل غير ذلك، وأبوه قيل: عمرو وقيل: قيس، وقيل غير ذلك.

منسوب إلى بني خشين.

روى أحاديث.

انظر: "الإصابة" 4/ 29، 30.

(١١) هكذا أخرجه الطبري 7/ 85، ونسبه كالمؤلف لأبي ثعلبة موقوفاً، وقد أخرج مرفوعاً الدارقطني في "سننه" ضمن الموسوعة الحديثية بإشراف د.

التركي 5/ 326 برقم 4396، وكذا ساقه القرطبي في "تفسيره" 6/ 334 مرفوعاً، وصححه ابن كثير في "تفسيره" 2/ 120 مرفوعاً حيث قال: "وفي الحديث الصحيح" ثم ساقه وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر والحاكم الذي صححه مرفوعاً.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 593، فالأقرب والله أعلم أنه مرفوع.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 321، ومعاني الزجاج 2/ 212.

(١٣) في (ج): (الحروف).

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 321.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 212 بتصرف.

وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1951 (شيء).

(١٦) جاء قول الخليل في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج مقتضباً جداً، فيحتمل السقط، أو أن المؤلف اعتمد على واسطة وهو "تهذيب اللغة" 2/ 1951 (شيء).

(١٧) لا يزال الكلام للزجاج.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 212، 213، "تهذيب اللغة" 2/ 1951 (شيء).

(١٩) الظاهر أنه الأخفش، وليس في "معاني القرآن وإعرابه" له كلام حول هذه الآية.

(٢٠) في (ج): (لهين لين).

(٢١) "معانى القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 321.

(٢٢) "تفسير الطبري" 7/ 84.

(٢٣) ساقط من (ج).

(٢٤) "تفسير الطبري" 7/ 85، "النكت والعيون" 2/ 71.

(٢٥) "تفسير الطبري" 7/ 85، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 124.

(٢٦) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب ﴾ لفظ عام في جميع الأمور من المكاسب والأعمال والناس وغير ذلك ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ قيل سببها سؤال عبد الله بن حذافة مَنْ أبي؟

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أبوك حذافة، وقال آخر: أين أبي؛ قال: في النار، وقيل: سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فقالوا يا رسول الله أفي كل عام؟

فسكت، فأعادوا، قال لا، ولو قلت: نعم لوجبت، فعلى الأول تسؤكم بالإخبار بما لا يعجبكم، وعلى الثاني: تسؤكم بتكليف ما يشق عليكم، ويقوي هذا قوله عفا الله عنها: أي سكت عن ذكرها ولم يطالبكم بها كقوله صلى الله عليه وسلم: «عفا الله عن الزكاة في الخيل» ، وقيل إن معنى عفا الله عنها: عفا عنكم فيما تقدم من سؤالكم فلا تعودوا إليه ﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ ﴾ فيه معنى الوعيد على السؤال: كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم أُبديَ لكم ما يسؤوكم، والمراد بحين ينزل القرآن: زمان الوحي ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ﴾ الضمير في سألها راجع على المسألة التي دل عليها لا تسألوا، وهو مصدر، ولذلك لم يتعدَّ بعن كما تعدى قوله إن تسألوا عنها، وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا، فالكفر هنا عبارة عن ترك ما أمروا به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز جل -: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ردّاً على من يقول: إن الموعظة لا تنفع ولا تنجع فيه إذا لم يكن الواعظ مستعملا لما يعظ غيره؛ إذ ليس أحد من الخلق أشد استعمالا من الرسل - عليهم السلام - ثم لا تنفع مواعظهم وذكراهم قومهم، ولا تنجع فيهم؛ لشؤمهم ولشدة تعنتهم.

والثاني: إنباء أن ليس على الرسل إلا البلاغ، ولا ضرر عليهم بترك القوم إجابتهم؛ كقوله -  -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ ما تبدون من العداوة لمحمد  ولأصحابه، وبنصب الحرب والقتال معهم، وما تكتمون من المكر له، والقصد لقتله؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ﴾ الآية [الأنفال: 30]، كانوا يمكرون، ويقصدون قصد إهلاكه، لكن الله - عز وجل - أطلع رسوله على مكرهم، وأخبر أنه يعصمه عن الناس، وقال -: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ...

﴾ الآية.

يحتمل وجهين: أحدهما: خرج عن سؤال قد سبق منهم عن كثرة الأموال؛ لما رأوا أولئك كانوا يستكثرون ويجمعون من حيث يحل ولا يحل، فمالت أنفسهم إلى ذلك ورغبت، فقال: ﴿ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ ﴾ كأنه قال: إن القليل من الطيب خير من الكثير من الخبيث، والله أعلم.

والثاني: أنهم رغبوا في عبادة أولئك من الترهب والاعتزال عن الناس؛ لدفع أذى أنفسهم عنهم، وكثرة ما كانوا يتحملون من الشدائد والمشقة؛ فرغبوا في ذلك، وهموا على ذلك، على ما ذكر في القصة عن بعض أصحاب رسول الله  : أنهم هموا أن يترهبوا ويعتزلوا من الناس؛ فقال: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ ﴾ أن العمل القليل مع أصل طيب خير من الكثير مع خبث الأصل.

وقوله - عز جل -: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في مخالفة أمره ونهيه ﴿ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ فيه دلالة أن الله لا يخاطب أحداً إلا من كمل عقله وتم، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ يحتمل: أن يكون النهي عن السؤال عن أشياء خرج عن أسئلة كانت منهم لم يكن لهم حاجة إليها؛ فنهوا عن ذلك إلى أن يقع لهم الحاجة فعند ذلك يسألون، كأنهم سألوه عن البيان والإيضاح لهم قبل أن يحتاجوا إليه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ...

﴾ الآية.

ويحتمل: أن يكون خرج النهي عن السؤال ابتداء، على غير تقدم سؤال كان منهم، ولكن نهوا عن السؤال عنها.

ثم يحتمل بعد هذا: أن كان منهم على ابتداء سؤال، كان من أهل النفاق يسألون سؤال تعنت لا سؤال استرشاد، يسألون منه آيات بعد ما ظهرت لهم، وثبت عندهم الحجج، وعرفوا أنه رسول الله  .

وإن كان النهي للمؤمنين فهو ما ذكرنا من سؤال البيان قبل وقوع الحاجة إليه.

وقيل: نزلت في قوم سألوا رسول الله  عن أشياء: قال أحدهم: من أبي؟

وقال آخر: أين أنا؟

قال: "أَنْتَ في النَّارِ، وأَنْتَ ابْنُ فُلانٍ" ونحو ذلك من الأسئلة؛ فنهوا عن ذلك.

وقيل: "ذكر رسول الله  الحج، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟

[فقال:] لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، صَارَ مَفْرُوضاً، فَإِذَا صَارَ مَفْرُوضاً تَرَكْتُمْ، وَإِذَا تَرَكْتُمْ جَحَدْتُمْ، وَإِذَا جَحَدْتُمْ كَفَرْتُمْ؛ لأنَّ مَنْ جَحَدَ فَرْضاً مِمَّا فَرَضَهُ اللهُ كَفْرَ" أو كلام نحو هذا، ولا يجب أن يفسر هذا أنه كان في كذا؛ إذ ليس في كتاب الله بيان سوى أن فيه النهي عن سؤال ما لا يحتاج إليه.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ ﴾ قد عفا الله عنها ﴿ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ ، أي: تظهر لكم تسؤكم، أي: أمرتم العمل بها، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ ﴾ .

هذا يدل على أن النهي عن السؤال في الآي لأحد شيئين: إما أن سألوا الآيات عنه بعد ما ظهرت وثبتت لهم رسالته، فلما أتى بها كفروا بها؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ ﴾ ، وقد كان الأمم السالفة يسألون من الرسل - عليهم السلام - الآيات بعد ظهورها عندهم.

ويحتمل: ما ذكرنا من قولهم: أين نحن؟

ومن أبي؟

ومن أنا؟

ونحوه، فلما أن أخبرهم بذلك كفروا به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا، لا تسألوا رسولكم عن أشياء لا حاجة لكم بها، وليست مما يعينكم على أمر دينكم، إن تظهر لكم تسُؤكم لما فيها من المشقة، وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نُهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على الرسول تُبيَّن لكم، وذلك على الله يسير، فقد تجاوز الله عن أشياء سكتَ عنها القرآن، فلا تسألوا عنها، فإنكم إن سألتم عنها نزل عليكم التكليف بحكمها.

<div class="verse-tafsir" id="91.gvrPd"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر