الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٣٤ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 159 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٤ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) أما على قول من قال : هي في أهل الشرك فظاهر ، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم ، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل ، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟
فيه قولان للعلماء .
وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع ، وعليه عمل الصحابة ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن مجاهد عن الشعبي قال : كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة وكان قد أفسد في الأرض وحارب ، فكلم رجالا من قريش منهم : الحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن جعفر فكلموا عليا فلم يؤمنه .
فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره ، ثم أتى عليا فقال : يا أمير المؤمنين ، أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا ، فقرأ حتى بلغ : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) قال : فكتب له أمانا .
قال سعيد بن قيس : فإنه حارثة بن بدر .
وكذا رواه ابن جرير من غير وجه ، عن مجاهد عن الشعبي به .
وزاد : فقال حارثة بن بدر : ألا أبلغن همدان إما لقيتها على النأي لا يسلم عدو يعيبها لعمر أبيها إن همدان تتقي ال إله ويقضي بالكتاب خطيبها وروى ابن جرير من طريق سفيان الثوري عن السدي - ومن طريق أشعث كلاهما عن عامر الشعبي قال : جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة عثمان رضي الله عنه ، بعدما صلى المكتوبة فقال : يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك ، أنا فلان بن فلان المرادي وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادا ، وإني تبت من قبل أن يقدر علي .
فقام أبو موسى فقال : إن هذا فلان بن فلان ، وإنه كان حارب الله ورسوله ، وسعى في الأرض فسادا ، وإنه تاب من قبل أن يقدر عليه ، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير ، فإن يك صادقا فسبيل من صدق ، وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه ، فأقام الرجل ما شاء الله ، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله .
ثم قال ابن جرير : حدثني علي حدثنا الوليد بن مسلم قال : قال الليث وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني وهو الأمير عندنا : أن عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال ، فطلبه الأئمة والعامة ، فامتنع ولم يقدر عليه ، حتى جاء تائبا ، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) [ الزمر : 53 ] ، فوقف عليه فقال : يا عبد الله ، أعد قراءتها .
فأعادها عليه ، فغمد سيفه ، ثم جاء تائبا .
حتى قدم المدينة من السحر ، فاغتسل ، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح ، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه ، فلما أسفروا عرفه الناس ، فقاموا إليه ، فقال : لا سبيل لكم علي جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي .
فقال أبو هريرة : صدق .
وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم - وهو أمير على المدينة في زمن معاوية - فقال : هذا علي جاء تائبا ، ولا سبيل لكم عليه ولا قتل .
قال : فترك من ذلك كله ، قال : وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر ، فلقوا الروم فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم ، فهربوا منه إلى شقها الآخر ، فمالت به وبهم ، فغرقوا جميعا .
القول في تأويل قوله عز ذكره : إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: إلا الذين تابوا من شركهم ومناصَبتهم الحربَ لله ولرسوله والسَّعيِ في الأرض بالفساد، بالإسلام والدخولِ في إلإيمان، من قبل قُدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلَها الله جزاء لِمَنْ حارَبه ورسوله وسَعى في الأرض فسادًا، من قتلٍ، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض= فلا تِباعَةَ قِبَله لأحدٍ فيما كان أصاب في حال كفره وحربه المؤمنين، (103) في مالٍ ولا دم ولا حرمةٍ.
قالوا: فأما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلن تضع توبته عنه عقوبةَ ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين الله، وعلى الإمام إقامةُ الحدّ الذي أوجبه الله عليه، وأخذُه بحقوق الناس.
ذكر من قال ذلك: 11872 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ &; 10-278 &; الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ إلى قوله: " فاعلموا أنّ الله غفور رحيم "، نـزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن يُقدر عليه، لم يكن عليه سبيل.
وليس تُحْرِز هذه الآية الرجلَ المسلم من الحدِّ إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يُقْدر عليه.
ذلك يقام عليه الحدّ الذي أصاب.
(104) 11873 - حدثنا بشار قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم "، قال: هذا لأهل الشرك، إذا فعلوا شيئًا في شركهم، فإن الله غفور رحيمٌ، إذا تابوا وأسْلموا.
11874 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا الزنا، (105) والسرقة، وقتل النفس، وإهلاك الحرث والنسل=" إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
11875 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: كان قوم بينهم وبين الرَّسول صلى الله عليه وسلم ميثاقٌ، فنقضوا العهدَ وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض، فخيرَّ الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم فيهم: فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
فمن تاب من قبل أن تقدروا عليه، قُبِلَ ذلك منه.
11876 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، الآية= فذكر نحو قول الضحاك، إلا أنه قال: فإن جاء تائبًا فدخل في الإسلام، قُبل منه، ولم يؤاخذ بما سلَف.
11877 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، قال: هذا لأهل الشرك، إذا فعلوا شيئًا من هذا في شركهم، ثم تابوا وأسلموا، فإن الله غفور رحيم.
11878 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن عطاء الخراساني وقتادة: أما قوله: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، فهذه لأهل الشرك.
فمن أصاب من المشركين شيئًا من المسلمين وهو لهم حَرْب، فأخذ مالا وأصاب دمًا، ثم تاب قبل أن تقدروا عليه، أُهْدِر عنه ما مَضَى.
* * * وقال آخرون: بل هذه الآية معنيٌّ بالحكم بها، المحاربون اللهَ ورسوله: الحُرَّابُ من أهل الإسلام، (106) من قطع منهم الطريق وهو مقيم على إسلامه، ثم استأمن فأُومن على جناياته التي جناها، وهو للمسلمين حرب= ومَن فعل ذلك منهم مرتدًّا عن الإسلام، (107) ثم لحق بدار الحرب، ثم استأمن فأومن.
قالوا: فإذا أمَّنه الإمام على جناياته التي سلفت، لم يكن قِبَله لأحد تَبِعة في دمٍ ولا مالٍ أصابه قبل توبته، وقبلَ أمان الإمام إيَّاه.
ذكر من قال ذلك: 11879 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني أبو أسامة، &; 10-280 &; عن أشعث بن سوار، عن عامر الشعبي: أن حارثة بن بَدْرٍ خرج محاربًا، فأخاف السبيل، وسفَك الدمَ، وأخذ الأموال، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدرَ عليه، فقبل علي بن أبي طالب عليه السلام توبته، وجعل له أمانًا منشورًا على ما كان أصاب من دٍم أو مال.
11880 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي: أن حارثة بن بدرٍ حاربَ في عهد علي بن أبي طالب، فأتى الحسن بن علي رضوان الله عليهما، فطلبَ إليه أن يستأمن له من عليّ، فأبى.
ثم أتى ابن جعفر، فأبى عليه.
(108) فأتى سعيد بن قيس الهمداني فأمَّنه، وضمّه إليه.
وقال له: استأمِنْ لِي أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب.
(109) قال: فلما صلى عليٌّ الغداة، (110) أتاه سَعيد بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاء الذين يحارِبون الله ورسوله؟
قال: أن يقتَّلوا، أو يصلبوا، أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض.
قال: ثم قال: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ".
قال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟
قال: وإن كان حارثة بن بدر!
قال: فهذا حارثة بن بدر قد جاء تائبًا، فهو آمن؟
قال: نعم!
قال: فجاء به فبايعه، وقبل ذلك منه، وكتب له أمانًا.
11881 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن مجالد، عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر قد أفسد في الأرض وحارب، ثم تاب.
وكُلِّم له عليّ فلم يُؤْمنه.
فأتى سعيدَ بن قيس فكلّمه، فانطلق سعيدُ بن قيس إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقولُ فيمن حارب الله ورسوله؟
=فقرأ الآية كلها= فقال: أرأيت من تابَ من قبل أن تقدِر عليه؟
&; 10-281 &; قال: أقول كما قال الله.
قال: فإنه حارثة بن بدر!
قال: فأمَّنه علي، فقال حارثة: أَلا أَبْلِغَــا هَمْــدَانَ إِمَّــا لَقِيتَهــا عَـلَى النَّـأيِ لا يَسْـلَمْ عَـدُوٌّ يَعِيبُهَـا لَعَمْــرُ أَبِيهَــا إنَّ هَمَــدَانَ تَتَّقِـي الإلــهَ وَيَقْضِـي بِالْكِتَـابِ خَطِيبُهَـا (111) 11882- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، وتوبته من قبل أن يُقْدر عليه: أن يكتُب إلى الإمام يَستأمنه على ما قَتل وأفسدَ في الأرض: " فإن لم يؤمني على ذلك، ازددت فسادًا وقتلا وأخذًا للأموال أكثر مما &; 10-282 &; فعلت ذلك قبل ".
فعلى الإمام من الحقّ أن يؤمنه على ذلك.
فإذا أمّنه الإمام جاء حتى يضع يده في يد الإمام، فليس لأحد من الناس أن يتّبِعه، ولا يأخذه بدَم سفكه، ولا مال أخذه.
وكل مالٍ كان له فهو له، لكيلا يقتل المؤمنين أيضًا ويفسد.
فإذا رجع إلى الله جل وعزّ فهو وليُّه، يأخذه بما صنع، وتوبته فيما بينه وبين الإمام والناس.
فإذا أخذه الإمام، وقد تابَ فيما يزعُم إلى الله جل ثناؤه قبل أن يُؤمنه الإمام، فليقم عليه الحدّ.
11883 - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، أخبرني مكحول، أنه قال: (112) إذا أعطاه الإمام أمانًا، فهو آمن، ولا يقام عليه حدُّ ما كان أصاب.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ من جاء تائبًا من الحُرَّاب قبل القُدْرة عليه، (113) استأمن الإمام فأمَّنه أو لم يستأمنه، بعدَ أن يجيء مستسلمًا تاركًا للحرب.
ذكر من قال ذلك: 11884 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن عامر قال: جاء رجل من مُرادٍ إلى أبي موسى، وهو على الكوفة في إمرة عثمان، بعد ما صلَّى المكتوبة فقال: يا أبا موسى، هذا مَقَام العائذِ بك، أنا فلان بن فلان المرادِيّ، كنت حاربتُ الله ورسوله، وسعيتَ في الأرض، وإني تبتُ من قبل أن تَقْدر عليّ!
فقام أبو موسى فقال: هذا فلان ابن فلان، وإنه كان حاربَ الله ورسوله، وسعَى في الأرض فسادًا، وإنه تاب قبل أن يُقْدَر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير.
فأقام الرجل ما شاءَ الله، ثم إنه خرج فأدركه الله جل وعزّ بذُنوبه فقَتَله.
11885 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل السدي، عن الشعبي قال: جاء رجل إلى أبي موسى، فذكر نحوه.
11886 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك: أرأيت هذا المحارب الذي قد أخاف السبيل، وأصابَ الدم والمال، فلحق بدار الحرْب، أو تمنَّع في بلاد الإسلام، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدر عليه؟
قال: تقبل توبته.
قال قلت: فلا يُتَّبع بشيء من أحداثه؟
قال: لا إلا أن يوجد معه مالٌ بعينه فيردّ إلى صاحبه، أو يطلبه وليُّ من قَتل بدم في حَرْبه يثبت ببيّنَةٍ أو اعترافٍ فيقاد به.
وأما الدماء التي أصابها ولم يطلبها أولياؤها، فلا يتَّبعه الإمام بشيء= قال علي، قال الوليد: فذكرت ذلك لأبي عمرو، فقال: تقبل توبته إذا كان محاربًا للعامة والأئمة، قد آذاهم بحَرْبه، فشهر سلاحه، وأصاب الدماء والأموال، فكانت له مَنْعة أو فِئة يلجأ إليهم، أو لحق بدار الحرب فارتدَّ عن الإسلام، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقدرَ عليه، قُبلت توبته، ولم يتَّبَع بشيء منه.
11887 - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: سمعت ابن شهاب الزهريّ يقول ذلك.
11888 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال: فذكرت قول أبي عمرو ومالك لليث بن سعد في هذه المسألة، فقال: إذا أعلن بالمحاربة العامة والأئمة، (114) وأصابَ الدماء والأموال، فامتنع بمحاربته من الحكومة عليه، (115) أو لحق بدار الحرب، ثم جاء تائبًا من قبل أن يقدر عليه، قبلت توبته، ولم يتَّبَع بشيء من أحْدَاثه في حربه من دم خاصةٍ ولا عامة، وإن طلبه وليه.
11889 - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، قال الليث= وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدنيّ، وهو الأمير عندنا: أن عليًّا الأسديّ حاربَ وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال، فطلبته الأئمة والعامة، فامتنع ولم يُقْدر عليه حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [سورة الزمر: 53].
الآية، فوقف عليه فقال: يا عبد الله، أعد قراءَتها.
فأعادها عليه، فغَمَد سيفه، ثم جاء تائبًا، حتى قَدِم المدينة من السَّحَر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غِمار أصحابه.
فلما أسفر عرفه الناس وقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليّ، جئت تائبًا من قبلِ أن تَقْدروا عليَّ!
فقال أبو هريرة: صدق.
وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بنَ الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا عليٌّ، جاء تائبًا، ولا سبيل لكم عليه ولا قتل.
قال، فترك من ذلك كله.
(116) قال: وخرج عليَّ تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر، فلقُوا الروم، فقرَّبوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على الرُّوم في سفينتهم، فهُزِموا منه إلى سفينتهم الأخرى، فمالت بهم وبه، فغرقوا جميعًا.
(117) 11890 - حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مطرف بن معقل قال، سمعت عطاء قال في رجل سرق سرقة فجاء بها تائبًا من غير أن يُؤخَذ، فهل عليه حدٌّ؟
قال: لا!
ثم قال: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدِروا عليهم "، الآية.
(118) 11891 - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع بن يزيد قال، حدثني أبو صخرٍ، عن محمد بن كعب القرظي= وعن أبي معاوية عن سعيد بن جبير= قالا إن جاء تائبًا لم يقتطع مالا ولم يسفك دمًا، تُرك.
فذلك الذي قال الله: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، يعني بذلك أنه لم يسفك دمًا ولم يقتطع مالا.
(119) * * * وقال آخرون: بل عنى بالاستثناء في ذلك، التائبَ من حربه اللهَ ورسولَه والسعيِ في الأرض فسادًا بعد لحاقه في حربه بدار الكفر.
فأما إذا كانت حِرَابته وحربُه وهو مقيم في دار الإسلام، (120) وداخلٌ في غمار الأمة، فليست توبته واضعة عنه شيئًا من حدود الله جل وعز، ولا من حقوق المسلمين والمعاهدين، بل يؤخذ بذلك.
ذكر من قال ذلك: 11892 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني إسماعيل، عن هشام بن عروة: أنه أخبره أنهم سألوا عروة عمن تلصّص في الإسلام فأصاب حدودًا ثم جاء تائبًا، فقال: لا تقبل توبته، لو قبل ذلك منهم اجترءوا عليه، وكان فسادًا كبيرًا.
ولكن لو فرّ إلى العدوّ، ثم جاء تائبًا، لم أر عليه عقوبة.
* * * وقد روي عن عروة خلاف هذا القول، وهو ما:- 11893 - حدثني به علي قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني من سمع هشام بن عروة، عن عروة قال، يقام عليه حدُّ ما فر منه، ولا يجوز لأحدٍ فيه أمان = يعني، الذي يصيب حدًّا، ثم يفرُّ فيلحق الكفار، ثم يجيء تائبًا.
* * * وقال آخرون: إن كانت حِرَابته وحربه في دار الإسلام، (121) وهو في غير مَنْعة من فئة يلجأ إليها، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته لا تضع عنه شيئا من العقوبة ولا من حقوق الناس.
وإن كانت حِرَابته وحَرْبه في دار الإسلام، أو هو لاحقٌ بدار الكفر، غير أنه في كل ذلك كان يلجأ إلى فئة تمنعه ممن أراده من سلطان المسلمين، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته تضع عنه كل ما كان من أحْداثه في أيام حِرابته تلك، إلا أن يكون أصاب حدًّا أو أمَرَ الرُّفقة بما فيه عقوبة، (122) أو غُرْم لمسلم أو معاهد، وهو غير ملتجئ إلى فئة تمنعه، فإنه يؤخذ بما أصاب من ذلك وهو كذلك، ولا يضع ذلك عنه توبتُه.
ذكر من قال ذلك: 11894 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: إذا قطع الطريق لصٌّ أو جماعة من اللصوص، فأصابوا ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يكن لهم فئة يلجأون إليها ولا مَنْعة، ولا يأمنون إلا بالدخول في غِمَار أمتهم وسوادِ عامّتهم، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدر عليه، لم تُقبل توبته، وأقيم عليه حدهّ ما كان.
11895 - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال: ذكرت لأبي عمرو قول عُروة: " يقام عليه حدّ ما فرّ منه، ولا يجوز لأحد فيه أمان "، فقال أبو عمرو: إن فرّ من حَدَثه في دار الإسلام، فأعطاه إمامٌ أمانًا، لم يجزْ أمانُه.
وإن هو لحق بدار الحرب، ثم سأل إمامًا أمانًا على أحداثه، لم ينبغ للإمام أن يعطيه أمانًا.
وإن أعطاه الإمام أمانًا وهو غير عالم بأحداثه، فهو آمن.
وإن جاء أحدٌ يطلبه بدم أو مال رُدّ إلى مأمنه، فإن أبى أن يَرجع فهو آمن ولا يُتَعَرَّض له.
قال: وإن أعطاه أمانًا على أحداثه وهو يعرفها، فالإمام ضامنٌ واجب عليه عَقْلُ ما كان أصاب من دم أو مال، (123) وكان فيما عطّل من تلك الحدود والدماء آثمًا، وأمره إلى الله جل وعز.
قال: وقال أبو عمرو: فإذا أصاب ذلك، وكانت له مَنْعة أو فئة يلجأ إليها، أو لحق بدار الحرب فارتدّ عن الإسلام، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدر عليه، قُبِلت توبته، ولم يُتَّبع بشيء من أحداثه التي أصابها في حربه، إلا أن يوجد معه شيءٌ قائم بعينه فيردّ إلى صاحبه.
11896 - حدثني علي قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني ابن لهيعة، عن ربيعة قال: تقبل توبتُه، ولا يتَّبع بشيء من أحداثِه في حربه، إلا أن يطلبه أحد بدم كان أصابه في سِلْمه قبل حربه، فإنه يقاد به.
11897 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معمر الرقي قال، حدثنا الحجاج، عن الحكم بن عتيبة قال: قاتل الله الحجاج!
إن كان ليفقَهُ!
أمَّن رجلا من محاربته، فقال، انظروا هل أصاب شيئا قبل خروجه؟
* * * وقال آخرون: تضع توبته عنه حدَّ الله الذي وجب عليه بمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم.
وممن قال ذلك الشافعي.
11898- حدثنا بذلك عنه الربيع.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القُدرة عليه، تضع عنه تَبِعات الدنيا &; 10-288 &; التي كانت لزمته في أيام حربه وحِرَابته، (124) من حدود الله، وغُرْم لازم، وقَوَدٍ وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه، فيردّ على أهله= لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله، الساعيةِ في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام.
فكذلك حكم كل ممتنع سَعَى في الأرض فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا.
فأمَّا المستخفي بسرقته، والمتلصِّصُ على وجه اغتفال من سرقه، (125) والشاهرُ السلاحَ في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع، فإن حكم الله عليه= تاب أو لم يتب= ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله، أو أصاب وليَّه بدم أو خَتْلٍ مأخوذ، وتوبته فيما بينه وبين الله جل وعز= قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حربًا، أن حربه إياهم لن يضعَ عنه حقًا لله عز ذكره، ولا لآدمي، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء، وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئة يلجأ إليها مانعةٌ منه.
وفي قوله: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "، دليل واضح لمن وُفِّق لفهمه، أنّ الحكم الذي ذكره الله جل وعزّ في المحاربين، يجري في المسلمين والمعاهدين، دون المشركين الذين قد نصبُوا للمسلمين حربًا، وذلك أن ذلك لو كان حكمًا في أهل الحرب من المشركين، دون المسلمين ودون ذمتهم، لوجب أن لا يُسْقِطَ إسلامُهم عنهم= إذا أسلموا أو تابوا بعد قدرتنا عليهم= ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل، وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين.
وفي إجماع المسلمين أنّ إسلام المشرك الحربيِّ يضع عنه، بعد قدرة المسلمين عليه، ما كان واضعَه عنه إسلامه قبل القدرة عليه= ما يدلّ على أن الصحيح من القول في ذلك قول من قال: " عنى بآية المحاربين في هذا الموضع، حُرَّاب أهل الملة أو الذمة، (126) دون من سواهم من مشرِكي أهل الحرب ".
* * * وأما قوله: " فاعلموا أن الله غفور رحيم "، فإن معناه: فاعلموا أيها المؤمنون، أن الله غير مؤاخذٍ من تاب من أهل الحرب لله ولرسوله، الساعين في الأرض فسادًا، وغيرهم بذنوبه، ولكنه يعفو عنه فيسترها عليه، ولا يفضحه بها بالعقوبة في الدنيا والآخرة= رحيم به في عفوه عنه، وتركه عقوبته عليها.
(127) --------------- الهوامش : (103) "التبعة" (بفتح التاء وكسر الباء) ، و"التباعة" (بكسر التاء): ما فيه إثم يتبع به مرتكبه.
يقال: "ما عليه من الله في هذا تبعة ، ولا تباعة".
(104) الأثر 11872- مضى برقم: 11806 ، وانظر التعليق عليه.
(105) في المطبوعة: "بالزنا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.
(106) "الحراب" جمع"حارب" ، و"الحارب": هو الغاصب الناهب الذي يعري الناس ثيابهم.
وكأنه عنى به هنا: صفة"المحارب لله ورسوله" ، وإفساده في الأرض.
وانظر ما سيأتي ص: 282 ، تعليق: 2.
(107) قوله: "ومن فعل..." معطوف على قوله: "الحراب من أهل الإسلام..." يعني: هذا وهذا.
(108) يعني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
(109) في المطبوعة والمخطوطة: "استأمن إلى" ، والصواب ما أثبت.
(110) "الغداة" ، يعني صلاة الفجر.
(111) الآثار: 11879- 11881-"عبد الرحمن بن مغراء الدوسي" ، ثقة ، متكلم فيه ، مضى برقم: 1614.
وأما "حارثة بن بدر بن حصين الغداني" ، من بني غدانة بن يربوع ، كان من فرسان بني تميم ووجوهها وساداتها.
وكان فاتكًا صاحب شراب.
وكان فصيحًا بليغًا عارفًا بأخبار الناس وأيامهم ، حلوًا شاعرًا ذا فكاهة ، فكان زياد يأنس به طول حياته (الأغاني 21: 25).
وأما "سعيد بن قيس الهمداني" ، فهو من بني عمرو بن السبيع.
وكان سيد همدان في زمانه.
ولما أمن علي رضي الله عنه حارثه بن بدر ، وقف على المنبر فقال: "أيها الناس ، إني كنت نذرت دم حارثة بن بدر ، فمن لقيه فلا يعرض له".
فانصرف سعيد بن قيس إلى حارثة ، وأعلمه ، وحمله وكساه وأجازه بجائزة سنية.
فلما أراد حارثة الانصراف إلى البصرة شيعه سعيد بن قيس في ألف راكب ، وحمله وجهزه.
وأما البيتان ، فهما في تاريخ ابن عساكر 3: 430 ، مع اختلاف يسير في روايتهما.
وأما قوله: "ويقضي بالكتاب خطيبها" ، فكأنه عنى بخطيب همدان الفقيه الجليل: "مسروق بن الأجدع الهمداني" ، صاحب ، على وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.
وكأنه يشير بهذا البيت إلى ما روي عن مسروق أنه أتى يوم صفين ، فوقف بين الصفين ثم قال: أيها الناس ، أنصتوا.
ثم قال: أرأيتم لو أن مناديًا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عما أنتم فيه ، أكنتم مطيعيه؟
قالوا: نعم!
قال: فوالله لقد نزل بذلك جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم.
فما زال يأتي من هذا- أي: يقول مثل هذا- ثم تلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكمْ رَحِيمًا).
ثم انساب في الناس فذهب.
(ابن سعد 6: 52).
(112) هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "أخبرني مكحول أنه قال" ، وأرجح: أن الصواب"عن مكحول أنه قال" ، وانظر الأسانيد السالفة رقم: 3997 ، 4129 ، 5359 ، 8966.
(113) "الحراب" جمع"حارب" ، انظر تفسيرها فيما سلف ص: 279 ، تعليق: 1.
(114) في المطبوعة: "للعامة" ، والصواب من المخطوطة.
(115) "الحكومة عليه" يعني: القضاء عليه.
(116) قوله: "فترك" بالبناء للمجهول ، كأنه يعني أنه لم يؤخذ بشيء من كل أحداثه التي أتاها وهو في محاربته لله ولرسوله.
(117) الأثر: 11889-"موسى بن إسحق المدني ، الأمير" ، لم أعرف من يكون.
و"علي الأسدي" ، لم أعرفه أيضا.
وكأني قد مر بي مثل هذا الإسناد فيما سلف ، ولكن سقط علي تقييده ، فمن وجده فليثبته هنا.
فلعله يكشف عن هذا الأمير المذكور في هذا الخبر.
(118) الأثر: 11890-"مطرف بن معقل الشقري السعدي" ويقال: "الباهلي" ، أبو بكر.
روى عن الحسن ، والشعبي ، وابن سيرين ، وقتادة ، وعطاء.
قال أحمد: "كان ثقة وزيادة".
مترجم في الكبير 4/1/397 ، وابن أبي حاتم 4/1/315 ، ولسان الميزان 6: 48.
(119) الأثر: 11891-"أبو صخر" هو"حميد بن زياد بن أبي المخارق ، الخراط" ، مضى برقم: 4325 ، 5386 ، 8391- وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"أبو صخرة" ، بالتاء في آخره ، وقد مضى على الصواب قريبًا برقم: 11867.
و"أبو معاوية" هو"عمار بن معاوية الدهني" ، مضى أيضًا برقم: 909 ، 4325 ، 5386.
(120) انظر ما قلته في"الحرابة" ص: 252 ، تعليق: 2 ، وص: 256 ، تعليق: 2.
(121) انظر ص: 285 ، تعليق: 2.
(122) "الرفقة" ، يعني أصحابه الذين يرافقهم ويلجأ إليهم وهم فئته.
(123) "العقل" ، دية الجناية.
(124) انظر"الحرابة" فيما سلف ص: 285 ، تعليق: 2.
(125) "اغتفل الرجل" ، يعني: اهتبل غفلته فأخذ ما أخذ.
وهذا حرف لم تقيده كتب اللغه ، بل قيدوا: "تغفله" (بتشديد الفاء) ، و"استغفلته" ، أي: تحينت غفلته.
وهذا الذي استعمله أبو جعفر صحيح في القياس والعربية ، وقد رأيت أبا الفرج الأصفهاني ، صاحب الأغاني ، يستعمله أيضا ، فجاء في الأغاني 2: 99 ، في أخبار عدي بن زيد الشاعر ، فذكر جده"زيد بن أيوب" ومقتله ، فكان مما قال: "ثم إن الأعرابي اغتفل زيد بن أيوب ، فرماه بسهم فوضعه بين كتفيه ، ففلق قلبه".
وكان في المطبوعة هنا: "على وجه إغفال من سرقة" ، وليس هذا صحيحًا في قياس العربية ، حتى يغير ما كان في المخطوطة.
وهو في المخطوطة غير منقوط ، وهذا صواب قراءته.
(126) "الحراب" جمع"حارب" ، وقد سلف القول فيها في ص: 279 ، تعليق: 1 ، فراجعه.
وكان في المطبوعة: "حراب أهل الإسلام" ، وفي المخطوطة: "أهل المسلة" ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(127) انظر تفسير"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
قوله تعالى : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم استثنى جل وعز التائبين قبل أن يقدر عليهم ، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله : فاعلموا أن الله غفور رحيم .
أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط ، ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع ، وتقام الحدود عليه كما تقدم ، وللشافعي قول إنه يسقط كل حد بالتوبة ، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه ، وقيل : أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وآمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود ; وهذا ضعيف ; لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضا بالإجماع ، وقيل : إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم - والله أعلم - لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا [ ص: 110 ] نالتهم يد الإمام ، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم ; كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا ، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب ; فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم ، فلا تهمة وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة " يونس " ; فأما الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم ، وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم يتركوا ، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا ، والله أعلم .
{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } أي: من هؤلاء المحاربين، { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: فيسقط عنه ما كان لله، من تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ومن حق الآدمي أيضا، إن كان المحارب كافرا ثم أسلم، فإن كان المحارب مسلما فإن حق الآدمي، لا يسقط عنه من القتل وأخذ المال.
ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب -بعد القدرة عليه- أنها لا تسقط عنه شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة.
وإذا كانت التوبة قبل القدرة عليه، تمنع من إقامة الحد في الحرابة، فغيرها من الحدود -إذا تاب من فعلها، قبل القدرة عليه- من باب أولى.
( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار ، قال معناه : إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال ، وأما المسلمون المحاربون فمن [ تاب ] منهم قبل القدرة عليهم وهو قبل أن يظفر به الإمام تسقط عنه كل عقوبة وجبت حقا لله ، ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فإن كان قد قتل في قطع الطريق يسقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل ، ويبقى عليه القصاص لولي القتيل فإن شاء عفا عنه وإن شاء استوفاه ، وإن كان قد أخذ المال يسقط عنه [ القطع ] وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب ، ويجب ضمان المال وهو قول الشافعي رضي الله عنه .
وقال بعضهم : إذا جاء تائبا قبل القدرة عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم ولا مال إلا أن يوجد معه مال بعينه فيرده إلى صاحبه .
وروي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن يزيد كان خرج محاربا فسفك الدماء وأخذ المال ، ثم جاء تائبا قبل أن يقدر عليه فلم يجعل علي رضي الله عنه عليه تبعة [ في دم ولا مال ، إلا أن يوجد معه مال فيرد إلى صاحبه ] أما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء منها .
وقيل : كل عقوبة تجب حقا لله عز وجل من عقوبات قطع الطريق وقطع السرقة وحد الزنا والشرب تسقط بالتوبة بكل حال ، والأكثرون على أنها لا تسقط .
«إلا الذين تابوا» من المحاربين والقطَّاع «من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور» لهم ما أتوه «رحيم» بهم عبر بذلك دون فلا تحدوهم ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود الله دون حقوق الآدميين كذا ظهر لي ولم أرَ من تعرض له والله أعلم فإذا قتل وأخذ المال يقتل ويقطع ولا يصلب وهو أصح قولي الشافعي ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا وهو أصح قولي الشافعي ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا وهو أصح قوليه أيضا.
لكن مَن أتى من المحاربين من قبل أن تقدروا عليهم وجاء طائعًا نادمًا فإنه يسقط عنه ما كان لله، فاعلموا -أيها المؤمنون- أن الله غفور لعباده، رحيم بهم.
وقوله : ( إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) بيان لحكم هؤلاء المحاربين إذا ما تابوا قبل القدرة عليهم .أي نفذوا - أيها المسلمون - هذه العقوبات على هؤلاء المحاربين لأولياء الله وأولياء رسوله ، والساعين في الأرض بالفساد ما داموا مستمرين في غيهم وعدوانهم ( إِلاَّ الذين تَابُواْ ) منهم ( مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ) أي : من قبل أن تتمكنوا من أخذهم ، بأن أتوكم طائعين نادمين ، ( فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أي واسع المغفرة والرحمة بعباده .هذا وهناك مسائل تتعلق بهاتين الآيتين من أهمها ما يأتي :1 - احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في أن المحاربة في الأمصار وفي القرى وفي الصحراء على السواء ، فحيثما تحققت إخافة المسلمين ، كان الفاعلون لتلك الإِخافة محاربين الله ولرسوله ويجب إنزال العقاب بهم ، لقوله - تعالى - ( وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ) وكل هذه الأماكن من الأرض .
وعلى هذا الرأي سار الإِمام مالك والشافعي وأحمد وغيرهم .ويرى الإِمام أبو حنيفة أن قطع الطريق لا يتصور في داخل المصر ، إذ يمكن الإِغاثة عند الاستغاثة ويد السلطان مبسوطة في داخل الأمصار والقرى وإنما يتصور قطع الطريق في الصحراء وخارج المدن والقرى .والذي نراه متفقا مع الآية الكريمة أنه حيثما تحقق الوصف - وهو محاربة الآمنين؛ واستلاب أموالهم ، والاعتداء على أرواحهم - كانت الحرابة ، ولزمت العقوبة التي تردع هؤلاء المعتدين على أموال الناس وأنفسهم .قال القرطبي : واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة .
فقال مالك : المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة .قال ابن المنذر : اختلف عن مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفي ذلك مرة .
وقالت طائفة حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق ، وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة .قال ابن المنذر : كذلك هو ، لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة .
والآية على العموم .
وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة .
وقالت طائفة : لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجة عن المصر .وقال ابن العربي : والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر والقفر ، وإن كان بعضها أفحش من بعض .
ولكن اسم الحرابة بتناولها ، ومعنى الحرابة موجود فيها .
ولو خرج بعض من في المصر لقتل بالسيف .
ويؤخذ فيه بأشد ذلك لا بأيسره .
فإنه سلب وغيلة ، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة فكان قصاصا ، ولم يدخل في قتل الغيلة وكان حدا .2 - اختلف الفقهاء في معنى التخيير في قوله - تعالى - ( أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ) .فقال قوم من السلف : الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية : فمتى خرجح المحاربون بقطع الطريق ، وقدر الإِمام عليهم ، فهو مخير بين أن يوقع بهم أي نوع من العقاب من هذه الأنواع الأربعة : القتل أو الصلب أو التقطيع أو النفي ، حتى ولو لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا ، ما داموا قد اجتمعوا وقصدوا تهديد أمن الناس .
فالمسألة متروكة لتقدير الحاكم ، وعليه أن يوقع بهم ما يراه مناسباً لزجرهم وردعهم وجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يستشرى الشر في الأمة .قال ابن كثير : قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس فيمن شره السلاح في قبة الإِسلام .
وأخاف السبيل ثم ظفر به الإِمام وقدر عليه ، فإمام المسلمين فيه بالخيار : إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله ، وكذا قال : سعيد بن المسيب ومجاهد ، وعطاء ، والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك كما رواه ابن جرير عن أنس - وهو مذهب المالكية .ومستند هذا القول أن ظاهر ( أو ) للتخيير كما في نظائر ذلك من القرآن ، كما في قوله - تعالى - في كفارة الفدية : ( مَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) فأو هنا للتخيير ، وكذلك في الآية التي معنا .وقال قوم آخرون من السلف : الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها من الجنايات .
أي : أن ( أو ) لتنويع العقوبات على حسب طبيعة الجرائم .
فإذا قتل هؤلاء المحاربون غيرهم وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا فقط قتلوا ، وإذا أخذوا المال فحسب قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف .
وإذا تجمعوا واتفقوا على ارتكاب الجرائم من غير أن يرتكبوا بالفعل نفوا من الأرض .وبهذا الرأي قال ابن عباس وقتادة والأوزاعي ، وهو مذهب الشافعية والأحناف والحنابلة .قال ابن كثير : وقال الجمهور : هذه الآية منزلة على أحوال ، فعن ابن عباس أنه قال في قطاع الطريق : إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا ، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض .ثم قال ابن كثير : ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره أن عبد الله بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين الذين ارتدوا عن الإِسلام وقتلوا الراعي ، واستاقوا الإِبل وخافوا السبيل .
.
قال أنس : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب ، فقال جبريل : من سرق مالا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته ومن قتل فاقتله .
ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه .وقال الفخر الرازي : والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان :الأول : أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإِمام من الاقتصار على النفي ، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير .الثاني : أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقدهمّ بالمعصية ولم يفعل ، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير ، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلا على حدة ، فصار التقدير : أن يقتلوا إن قتلوا ، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال .
أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبيل .والخلاصة أن أصحاب هذا الرأي الثاني يستدلون بأدلة نقلية - سبق بيانها - كما يستدلون بأدلة عقلية منها ما ذكر الإِمام الرازي ومنها أن العقل يقضي أن يكون الجزاء مناسبا للجناية بحيث يزداد بازديادها ، وينقص بنقصها ، وليس من المعقول أن تكون جريمة الاتفاق على الإِرهاب بدون تنفيذ ، متساوية مع جريمة الإِرهاب والقتل والسلب .
إذاَ فالعدالة توجب تنويع العقوبة .ومنها أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة بحرف التخيير إنما يجري على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحداً كما في كفارة اليمين وكفارة الفدية ، أما إذا كان السبب مختلفا فإنه يخرج التخيير عن ظاهره - كما هنا - ، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه ، وذلك لأن قطع الطريق متنوع وبين أنواعه تتفاوت الجريمة : فقد يكون باستلاب المال فقط ، وقد يكون بالقتل فقط ، وقد يكون بهما وما دام الأمر كذلك وجب أن يكون العقاب مختلفاً ووجب أن يحمل ظاهر النص على غير التخيير .
بأن يحمل على بيان الحكم لكل نوع .قالوا : ونظير ذلك قوله - تعالى - ( قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ) فإنه ليس الغر التخيير وإنما الغرض : ليكن شأنك مع قومك تعذيب من جحد وظلم ، والإِحسان إلى من آمن وعمل صالحا .وإنما قلنا : ليس الغرض التخيير ، لأنه لا يمكن أن يكون له الحق في أي الأمرين من غير مرجح لأحدهما في الاعتبار ، إذ منطق العدالة يقتضي أن يكون العذاب لمن فسق وجحد ، وأن يكون الإِحسان لمن آمن واستقام .قال بعض العلماء : " وإن الفقه في التفرقة بين الرأيين أن الرأي الثاني يحدد جرائم معينة ، ويعتبرها موضوع قطع بفعلها أو بالشروع فيها وهي القتل والسرقة .
وأن الجرائم لا تخلو عن ذلك ، ولذلك كانت العقوبات مترددة بين القطع والقتل ، وأنه يكون ثمة تغليظ إذا ارتكبت الجريمتان معا .وإن كان الشروع بالتجمع واتخاذ الأسباب ، فإن العقوبة تكون بمنع الجريمة من الوقوع باتخاذ أسباب الوقاية بالنفي من الأرض ، ولذلك كان التنويع ، وكان تخريج حرف ( أو ) على ذلك الأساس ، ليكون التكافؤ سبين الجريمة والعقوبة ، وإن لم تكن جريمة كانت الوقاية .أما الرأي الأول فهو يتجه إلى أن عقوبة الحرابة لذات الحرابة لذات الحرابة والسعي في الأرض بالفساد ، ومنع الناس من السير والاستمتاع بأموالهم وحرياتهم الشخصية .
وظاهر هذا الرأي أنه لا ينظر إلا إلى ذات الحرابة التي هي التخويف والإرهاب ، ولا ينظر إلى الجرائم التي ارتكبوها فعلا ، ولذلك يعمم الجرائم ولا يقصرها على القتل والسرقة كالرأي الثاني .ويرى أن العقوبات في جملتها هي لعلاج ذلك الشر ، وحسم مادته ، والقضاء على التفكير لمن يهم بمحاكاة من وقعوا فيه ، ولذلك يجب إطلاق يدولي الأمر واعتبار تلك العقوبات في ديه كالدواء بين يدي الطبيب ، يختار من أصنافه ما يراه أنجح في علاج الآفة التي أصابت الجسم الاجتماعي .وإنا نرى الرأي الثاني بالنسبة لتنويع العقاب ، ونرى الرأي الأول بالنسبة لتعميم الجرائم التي تفسد المجتمع .
فإذا كانت عصابة تعمل لجمع الرجال على النساء وتخطف النساء لذلك الغرض ، أو كانت عصابة لتجميع المواد المخدرة المحرم دينا وقانونا تناولها ، فإنهم يكونون كقطاع الطريق ، ويدخلون في باب الحرابة .3 - تدل الآية بظاهرها على أن المحاربين يعاقبون في الدنيا والآخرة ، ولا يكون العقاب الدنيوي ظهرة لهم ولو كانوا مسلمين لقوله - تعالى ( ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .قال القرطبي : فقوله : ( ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا ) لشناعة المحاربة ، وعظم ضررها وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر ، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس .
لأنه إذا أخيف الطيرق انقطع الناس عن السفر ، واحتاجوا إلى لزوم البيوت ، فانسد باب التجارة عليهم ، وانقطعت أكسابهم ، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة ، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم ، وفتحا لباب التجارة التي أباحها الله لعباده .
وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ومستثناه من حديث عبادة بن الصامت في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له " .ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب ، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا ، ويجزي هذا الذنب مجرى غيره .
ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم ، ولكن يعظم عقابه لعظم ذنبه ، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة ، وله - تعالى - أن يغفر هذا الذنب .4 - دل قوله - تعالى - : ( إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ) على أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم ، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في الآية ، إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا إن الذي يسقط عنهم هو ما يتعلق بحقوق الله ، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا يسقط عنهم بالتوبة قبل القدرة عليهم .
قال الشافعي رحمه الله تعالى: لما شرح ما يجب على هؤلاء المحاربين من الحدود والعقوبات استثنى عنه ما إذا تابوا قبل القدرة عليهم.
وضبط هذا الكلام أن ما يتعلق من تلك الأحكام بحقوق الله تعالى فإنه يسقط بعد هذه التوبة، وما يتعلق منها بحقوق الآدميين فإنه لا يسقط، فهؤلاء المحاربون إن قتلوا إنساناً ثم تابوا قبل القدرة عليهم كان ولي الدم على حقه في القصاص والعفو، إلا أنه يزول حتم القتل بسبب هذه التوبة، وإن أخذ مالاً وجب عليه رده ولم يكن عليه قطع اليد أو الرجل، وأما إذا تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه، وتقام الحدود عليه.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يسقط كل حد الله بالتوبة، لأن ماعزاً لما رجم أظهر توبته، فلما تمموا رجمه ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هلا تركتموه أو لفظ هذا معناه، وذلك يدل على أن التوبة تسقط عن المكلف كل ما يتعلق بحق الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحاربة المسلمين في حكم محاربته ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾ مفسدين، أو لأنّ سعيهم في الأرض لما كان على طريق الفساد نزل منزلة: ويفسدون في الأرض فانتصب فساداً.
على المعنى، ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي الفساد.
نزلت في قوم هلال بن عويمر وكان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وقد مرّ بهم قوم يريدون رسول الله فقطعوا عليهم.
وقيل: في العرنيين، فأوحى إليه أنّ من جمع بين القتل وأخذ المال قتل وصلب ومن أفرد القتل قتل.
ومن أفرد أخذ المال قطعت يده لأخذ المال، ورجله لإخافة السبيل.
ومن أفرد الإخافة نفي من الأرض.
وقيل: هذا حكم كل قاطع طريق كافراً كان أو مسلماً.
ومعناه ﴿ أَن يُقَتَّلُواْ ﴾ من غير صلب، إن أفردوا القتل ﴿ أَوْ يُصَلَّبُواْ ﴾ مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ.
قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله، يصلب حياً، ويطعن حتى يموت ﴿ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف ﴾ إن أخذوا المال ﴿ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ﴾ إذا لم يزيدوا على الإخافة.
وعن جماعة منهم الحسن والنخعي: أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كلّ قاطع طريق من غير تفصيل.
والنفي: الحبس عند أبي حنيفة، وعند الشافعي: النفي من بلد إلى بلد، لا يزال يطلب وهو هارب فزعاً، وقيل: ينفى من بلده، وكانوا ينفونهم إلى (دهلك) وهو بلد في أقصى تهامة، و(ناصع) وهو بلد من بلاد الحبشة ﴿ خِزْىٌ ﴾ ذلّ وفضيحة ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ استثناء من المعاقبين عقاب قطع الطريق خاصة.
وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال فإلى الأولياء، إن شاؤا عفواً، وإن شاؤا استوفوا.
وعن عليّ رضي الله عنه: أن الحرث بن بدر جاءه تائباً بعدما كان يقطع الطريق، فقبل توبته ودرأ عنه العقوبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ اسْتِثْناءٌ مَخْصُوصٌ بِما هو حَقُّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أمّا القَتْلُ قَصاصًا فَإلى الأوْلِياءِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُهُ لا جَوازُهُ، وتَقْيِيدُ التَّوْبَةِ بِالتَّقَدُّمِ عَلى القُدْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها بَعْدَ القُدْرَةِ لا تُسْقِطُ الحَدَّ وإنْ أسْقَطَتِ العَذابَ، وأنَّ الآيَةَ في قِطاعِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ تَوْبَةَ المُشْرِكِ تَدْرَأُ عَنْهُ العُقُوبَةَ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ ﴾ أيْ ما تَتَوَسَّلُونَ بِهِ إلى ثَوابِهِ والزُّلْفى مِنهُ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، مِن وسُلَ إلى كَذا إذا تَقَرَّبَ إلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ «الوَسِيلَةُ مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ» .
﴿ وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ ﴾ بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ.
﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ بِالوُصُولِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والفَوْزِ بِكَرامَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} فتسقط عنهم هذه الحدود
لا ما هو حق العباد {فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفر لهم بالتوبة ويرحمهم فلا يعذبهم
﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ اسْتِثْناءٌ مَخْصُوصٌ بِما هو مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .
وأمّا ما هو مِن حُقُوقِ العِبادِ كَحُقُوقِ الأوْلِياءِ مِنَ القِصاصِ ونَحْوِهِ فَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُهُ عَلى الإمامِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ قِصاصًا، ولا يَسْقُطُ جَوازُهُ بِالنَّظَرِ إلى الأوْلِياءِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ قِصاصًا، فَإنَّهم إنْ شاءُوا عَفَوْا وإنْ أحَبُّوا اسْتَوْفَوْا.
وقالَ ناصِرُ الدِّينِ البَيْضاوِيُّ: إنَّ القَتْلَ قِصاصًا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُهُ لا جَوازُهُ، وشُنِّعَ عَلَيْهِ لِضِيقِ عِبارَةِ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ في كِتابِهِ التُّحْفَةِ، وأفْرَدَ لَهُ تَنْبِيهًا، فَقالَ - بَعْدَ نَقْلِهِ - وهو عَجِيبٌ، أعْجَبُ مِنهُ سُكُوتُ شَيْخِنا عَلَيْهِ في حاشِيَتِهِ مَعَ ظُهُورِ فَسادِهِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ لا دَخْلَ لَها في القِصاصِ أصْلًا؛ إذْ لا يُتَصَوَّرُ - بِقَيْدِ كَوْنِهِ قِصاصًا - حالَتا وُجُوبٍ وجَوازٍ؛ لِأنّا إنْ نَظَرْنا إلى الوَلِيِّ فَطَلَبُهُ جائِزٌ لَهُ لا واجِبٌ مُطْلَقًا، أوْ لِلْإمامِ فَإنْ طَلَبَهُ مِنهُ الوَلِيُّ وجَبَ وإلّا لَمْ يَجِبْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ قِصاصًا، وإنْ جازَ أوْ وجَبَ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ حَدًّا، فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ القاسِمِ فَقالَ: ادِّعاؤُهُ الفَسادَ ظاهِرُ الفَسادِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَدَّعِ ما ذُكِرَ، وإنَّما ادَّعى أنَّ لَها دَخْلًا في صِفَةِ القَتْلِ قِصاصًا، وهي وُجُوبُهُ، وقَوْلُهُ: إذْ لا يُتَصَوَّرُ إلَخْ، قُلْنا: لَمْ يَدَّعِ أنَّ لَهُ حالَتَيْ وُجُوبٍ وجَوازٍ بِهَذا القَيْدِ، بَلِ ادَّعى أنَّ لَهُ حالَتَيْنِ في نَفْسِهِ - وهو صَحِيحٌ - عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ حالَتانِ بِذَلِكَ القَيْدِ، لَكِنْ بِاعْتِبارَيْنِ اعْتِبارِ الوَلِيِّ واعْتِبارِ الإمامِ إذا طُلِبَ مِنهُ، وقَوْلُهُ: لِأنّا إذا نَظَرْنا إلَخْ، كَلامٌ ساقِطٌ، ولا شَكَّ أنَّ النَّظَرَ إلَيْهِما يَقْتَضِي ثُبُوتَ الحالَتَيْنِ قِصاصًا، وقَوْلُهُ: فَتَأمَّلْهُ، تَأمَّلْنا فَوَجَدْنا كَلامَهُ ناشِئًا مِن قِلَّةِ التَّأمُّلِ، انْتَهى.
وجَعَلَ مَوْلانا شَيْخُ الكُلِّ في الكُلِّ صِبْغَةُ اللَّهِ تَعالى الحَيْدَرِيُّ مَنشَأ تَشْنِيعِ العَلّامَةِ ما يُتَبادَرُ مِنَ العِبارَةِ مِن كَوْنِها بَيانًا لِتَفْوِيضِ القِصاصِ إلى الأوْلِياءِ، أمّا لَوْ جُعِلَتْ بَيانًا لِسُقُوطِ الحَدِّ في قَتْلِ قاطِعِ الطَّرِيقِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ دُونَ القَتْلِ قِصاصًا فَلا يَرِدُ التَّشْنِيعُ، فَتَدَبَّرْ، وتَقْيِيدُ التَّوْبَةِ بِالتَّقَدُّمِ عَلى القُدْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها بَعْدَ القُدْرَةِ لا تُسْقِطُ الحَدَّ، وإنْ أسْقَطَتِ العَذابَ.
وذَهَبَ أُناسٌ إلى أنَّ الآيَةَ في المُرْتَدِّينَ لا غَيْرُ؛ لِأنَّ مُحارَبَةَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولَهُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في الكُفّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ: ««أنَّ نَفَرًا مِن عُكْلٍ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأسْلَمُوا، واجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِن أبْوالِها وألْبانِها، فَقَتَلُوا راعِيَها واسْتاقُوها، فَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في طَلَبِهِمْ قافَةً، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهُمْ، وسَمَلَ أعْيُنَهُمْ، ولِمَ يَحْسِمْهُمْ، وتَرَكَهم حَتّى ماتُوا» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ) الآيَةَ».
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ قَوْلٌ ساقِطٌ، مُخالِفٌ لِإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ قَطّاعُ الطَّرِيقِ مِن أهْلِ المِلَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ( إلّا الَّذِينَ تابُوا ) إلَخْ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرْتَدِّينَ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهم في زَوالِ العُقُوبَةِ عَنْهم بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ القُدْرَةِ، كَما تُسْقِطُها عَنْهم قَبْلَ القُدْرَةِ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ تَوْبَتِهِمْ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها، وأيْضًا إنَّ الإسْلامَ لا يُسْقِطُ الحَدَّ عَمَّنْ وجَبَ عَلَيْهِ.
وأيْضًا لَيْسَتْ عُقُوبَةُ المُرْتَدِّينَ كَذَلِكَ، ودَعْوى أنَّ المُحارِبَةَ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في الكُفّارِ يَرُدُّها أنَّهُ ورَدَ في الأحادِيثِ إطْلاقُها عَلى أهْلِ المَعاصِي أيْضًا، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَصْلُحُ مُخَصِّصًا؛ فَإنَّ العِبْرَةَ - كَما تَقَرَّرَ - بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وغَيْرُهُما، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ التَّيْمِيُّ مِن أهْلِ البَصْرَةِ، قَدْ أفْسَدَ في الأرْضِ، وحارَبَ، فَكَلَّمَ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ أنْ يَسْتَأْمِنُوا لَهُ عَلِيًّا، فَأبَوْا، فَأتى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الهَمْدانِيَّ، فَأتى عَلِيًّا فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ الفَسادَ؟
قالَ: ( أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ) ثُمَّ قالَ: ( إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) فَقالَ سَعِيدٌ: وإنْ كانَ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ ؟
قالَ: وإنْ كانَ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ، فَقالَ: هَذا حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ قَدْ جاءَ تائِبًا، فَهو آمِنٌ؟
قالَ: نَعَمْ، فَجاءَ بِهِ إلَيْهِ فَبايَعَهُ، وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهُ، وكَتَبَ لَهُ أمانًا»، ورُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ما هو بِمَعْناهُ.
ثُمَّ إنَّ السَّمْلَ الَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ في غَيْرِ أُولَئِكَ، وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: ««إنَّما سَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لِأنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرِّعاءِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: ذاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ما كانَ مِن سَمْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أعْيُنَهم وتَرْكِهِ حَسْمَهم حَتّى ماتُوا، فَقالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلانَ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُعاتَبَةً في ذَلِكَ، وعَلَّمَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ والقَطْعِ والنَّفْيِ، ولَمْ يُسْمِلْ بَعْدَهم غَيْرَهُمْ، قالَ: وكانَ هَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ لَأبِي عُمَرَ، فَأنْكَرَ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ مُعاتِبَةً، وقالَ: بَلْ كانَتْ تِلْكَ عُقُوبَةَ أُولَئِكَ النَّفَرِ بِأعْيانِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عُقُوبَةَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حارَبَ بَعْدَهُمْ، فَرُفِعَ عَنْهُمُ السَّمْلُ.
* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ( ﴿ ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ ﴾ ) أيْ ألْزَمْناهم ذَلِكَ لِتَخالُفِ دَواعِي قُواهم بِاحْتِجابِهِمْ عَنْ نُورِ التَّوْحِيدِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ العالَمِ القُدْسِيِّ ( ﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ ) أيْ إلى وقْتِ قِيامِهِمْ بِظُهُورِ نُورِ الرُّوحِ، أوِ القِيامَةِ الكُبْرى بِظُهُورِ نُورِ التَّوْحِيدِ ( ﴿ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ ) وذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ، وظُهُورِ الخُسْرانِ بِظُهُورِ الهَيْئاتِ القَبِيحَةِ المُؤْذِيَةِ الرّاسِخَةِ فِيهِمْ.
( ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ ) بِحَسَبِ الدَّواعِي والمُقْتَضَياتِ ( ﴿ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ ﴾ ) عَنِ النّاسِ في أنْفُسِكم ( ﴿ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ ) إذا لَمْ تَدَعُ إلَيْهِ داعِيَةٌ ( ﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ ﴾ ) أبْرَزَتْهُ العِنايَةُ الإلَهِيَّةُ، مِن مَكامِنِ العَماءِ ( ﴿ وكِتابٌ ﴾ ) خَطَّهُ قَلَمُ البارِي، في صَحائِفِ الإمْكانِ، جامِعًا لِكُلِّ كَمالٍ، وهُما إشارَةٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولِذَلِكَ وُحِّدَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ ﴾ ) أيْ بِواسِطَتِهِ ( ﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ ﴾ ) أيْ مَن أرادَ ذَلِكَ ( ﴿ سُبُلَ السَّلامِ ﴾ ) وهي الطُّرُقُ المُوَصِّلَةُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَدْ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: الطُّرُقُ إلى اللَّهِ تَعالى مَسْدُودَةٌ إلّا عَلى مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
( ﴿ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ ﴾ ) وهي ظُلُماتُ الشَّكِّ والِاعْتِراضاتِ النَّفْسانِيَّةِ والخَطِراتِ الشَّيْطانِيَّةِ ( ﴿ إلى النُّورِ ﴾ ) وهو نُورُ الرِّضا والتَّسْلِيمِ ( ﴿ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ) وهو طَرِيقُ التَّرَقِّي في المَقاماتِ العَلِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ: الجُمْلَةُ الأُولى إشارَةٌ إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، والثّانِيَةُ إلى تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، والثّالِثَةُ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ.
( ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ ) فَحَصَرُوا الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، وقَيَّدُوا الإلَهَ بِتَعَيُّنِهِ - وهو الوُجُودُ المُطْلَقُ - حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ ( ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ ) فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَيُّناتِ والشُّؤُونِ، واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ.
( ﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ ) أيْ عالَمُ الأرْواحِ، وعالَمُ الأجْسادِ، وعالَمُ الصُّوَرِ ( ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ ) ويُظْهِرُ ما أرادَ مِنَ الشُّؤُونِ ( ﴿ وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ) فادَّعَوْا بُنُوَّةَ الأسْرارِ، والقُرْبَ مِن حَضْرَةِ نُورِ الأنْوارِ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وقالَ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، فَقالَ الواسِطِيُّ: ابْنُ الأزَلِ والأبَدِ، لَكِنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ لَمْ يَعْرِفُوا الحَقائِقَ، ولَمْ يَذُوقُوا طَعْمَ الدَّقائِقَ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى دَعْواهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ ﴾ ) والأبْناءُ والأحْبابُ لا يُذْنِبُونَ فَيُعَذَّبُونَ، أوْ لا يُمْتَحَنُونَ؛ إذْ قَدْ خَرَجُوا مِن مَحَلِّ الِامْتِحانِ مِن حَيْثُ الأشْباحُ ( ﴿ بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ ) كَسائِرِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى، لا امْتِيازَ لَكم عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ كَما تَزْعُمُونَ ( ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ ) مِنهم فَضْلًا ( ﴿ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ ) مِنهم عَدْلًا.
( ﴿ وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ ) بِالوِلايَةِ ومَعْرِفَةِ الصِّفاتِ، أوْ بِسَلْطَنَةِ الوَجْدِ، وقُوَّةِ الحالِ، وعِزَّةِ عِلْمِ المَعْرِفَةِ، أوْ مالِكِينَ أنْفُسَكم بِمَنعِها عَنْ غَيْرِ طاعَتِي، والمُلُوكُ عِنْدَنا الأحْرارُ مِن رِقِّ الكَوْنَيْنِ وما فِيهِ ( ﴿ وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ ) أيْ عالِمِي زَمانِكُمْ، ومِنهُ اجْتِلاءُ نُورِ التَّجَلِّي مِن وجْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ( ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ ) وهي حَضْرَةُ القَلْبِ ( ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ) في القَضاءِ السّابِقِ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ ( ﴿ ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ ﴾ ) في المَيْلِ إلى مَدِينَةِ البَدَنِ، والإقْبالِ عَلَيْهِ بِتَحْصِيلِ لَذّاتِهِ ( ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ ) لِتَفْوِيتِكم أنْوارَ القَلْبِ وطَيِّباتِهِ.
( ﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ ) وهي صِفاتُ النَّفْسِ ( ﴿ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها ﴾ ) بِأنْ يَصْرِفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِلا رِياضَةٍ مِنّا ولا مُجاهَدَةٍ، أوْ يَضْعُفُوا عَنِ الِاسْتِيلاءِ بِالطَّبْعِ ( ﴿ فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ ﴾ ) حِينَئِذٍ ( ﴿ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ﴾ ) سُوءَ عاقِبَةِ مُلازَمَةِ الجِسْمِ ( ﴿ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ﴾ ) بِالهِدايَةِ إلى الصِّراطِ السَّوِيِّ، وهُما العَقْلُ النَّظَرِيُّ والعَقْلُ العَمَلِيُّ ( ﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ ﴾ ) أيْ بابَ قَرْيَةِ القَلْبِ، وهو التَّوَكُّلُ بِتَجَلِّي الأفْعالِ، كَما أنَّ بابَ قَرْيَةِ الرُّوحِ هو الرِّضا ( ﴿ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ ﴾ ) بِخُرُوجِكم عَنْ أفْعالِكم وحَوْلِكُمْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ البابَ هو التَّوَكُّلُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ) بِالحَقِيقَةِ، وهو الإيمانُ عَنْ حُضُورٍ، وأقَلُّ دَرَجاتِهِ تَجَلِّي الأفْعالِ ( ﴿ قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا ﴾ ) أُولَئِكَ الجَبّارِينَ عَنّا وأزِيلاهُمْ؛ لِتَخْلُوَ لَنا الأرْضُ ( ﴿ إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ) أيْ مُلازِمُونَ مَكانَنا في مَقامِ النَّفْسِ، مُعْتَكِفُونَ عَلى الهَوى واللَّذّاتِ ( ﴿ قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ ﴾ ) أيْ أرْضِ الطَّبِيعَةِ، وذَلِكَ مُدَّةُ بَقائِهِمْ في مَقامِ النَّفْسِ، وكانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن سَماءِ الرُّوحِ نُورُ عَقْدِ المَعاشِ، فَيَنْتَفِعُونَ بِضَوْئِهِ.
( ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ ﴾ ) القَلْبِ، اللَّذَيْنِ هُما هابِيلُ العَقْلِ وقابِيلُ الوَهْمِ ( ﴿ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا ﴾ ) وذَلِكَ - كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ -: إنَّ تَوْأمَةَ العَقْلِ البُوذا العاقِلَةُ العَمَلِيَّةُ المُدَبِّرَةُ لِأمْرِ المَعاشِ والمَعادِ، بِالآراءِ الصّالِحَةِ، المُقْتَضِيَةِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، المُسْتَنْبِطَةِ لِأنْواعِ الصِّناعاتِ والسِّياساتِ، وتَوْأمَةَ الوَهْمِ إقْلِيمِيا القُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ المُتَصَرِّفَةُ في المَحْسُوساتِ والمَعانِي الجُزْئِيَّةِ؛ لِتَحْصِيلِ الآراءِ الشَّيْطانِيَّةِ، فَأمَرَ آدَمُ القَلْبُ بِتَزَوُّجِ الوَهْمِ تَوْأمَةَ العَقْلِ لِتُدَبِّرَهُ بِالرِّياضاتِ الإذْعانِيَّةِ والسِّياساتِ الرُّوحانِيَّةِ، وتُصاحِبُهُ بِالقِياساتِ العَقْلِيَّةِ البُرْهانِيَّةِ، فَتُسَخِّرُهُ لِلْعَقْلِ، وتَزْوِيجِ العَقْلِ تَوْأمَةَ الوَهْمِ لِيَجْعَلَها صالِحَةً، ويَمْنَعَها عَنْ شَهَواتٍ التَّخَيُّلاتِ الفاسِدَةِ، وأحادِيثِ النَّفْسِ الكاذِبَةِ، ويُسْتَعْمَلُ فِيما يَنْفَعُ، فَيَسْتَرِيحُ أبُوها ويَنْتَفِعُ، فَحَسَدَ قابِيلُ الوَهْمِ هابِيلَ العَقْلِ لَكَوْنِ تَوْأمَتِهِ أجْمَلَ عِنْدَهُ وأحَبَّ إلَيْهِ، لِمُناسَبَتِها إيّاهُ، فَأُمِرا عِنْدَ ذَلِكَ بِالقُرْبانِ، فَقَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما، وهو هابِيلُ العَقْلِ بِأنْ نَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْهُ، والمُرادُ بِها العَقْلُ الفَعّالُ النّازِلُ مِن سَماءِ عالَمِ الأرْواحِ، وأكْلُهُ إفاضَتُهُ النَّتِيجَةَ عَلى الصُّورَةِ القِياسِيَّةِ الَّتِي هي قُرْبانُ العَقْلِ وعَمَلُهُ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ( ﴿ ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ﴾ ) وهو قابِيلُ الوَهْمِ؛ إذْ يُمْتَنَعُ قَبُولُ الصُّورَةِ الوَهْمِيَّةِ؛ لِأنَّها لا تُطابِقُ ما في نَفْسِ الأمْرِ.
( ﴿ قالَ لأقْتُلَنَّكَ ﴾ ) لِمَزِيدِ حَسَدِهِ بِزِيادَةِ قُرْبِ العَقْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبُعْدِهِ عَنْ رُتْبَةِ الوَهْمِ في مُدْرَكاتِهِ وتَصَرُّفاتِهِ، وقَتْلُهُ إيّاهُ إشارَةٌ إلى مَنعِهِ عَنْ فِعْلِهِ، وقَطْعِ مَدَدِ الرُّوحِ، ونُورِ الهِدايَةِ الإلَهِيَّةِ - الَّذِي بِهِ الحَياةُ - عَنْهُ، بِإيرادِ التَّشْكِيكاتِ الوَهْمِيَّةِ والمُعارَضاتِ في تَحْصِيلِ المَطالِبِ النَّظَرِيَّةِ ( ﴿ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ ) الَّذِينَ يَتَّحِذُونَ اللَّهَ تَعالى وِقايَةً، أوْ يَحْذَرُونَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةَ البَدَنِيَّةَ، والأهْواءَ المُرْدِيَةَ، والتَّسْوِيلاتِ المُهْلِكَةَ.
( ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ ﴾ ) أيِ إنِّي لا أُبْطِلُ أعْمالَكَ الَّتِي هي سَدِيدَةٌ في مَواضِعِها ( ﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ ﴾ ) أيْ لِأنِّي أعْرِفُ اللَّهَ سُبْحانَهُ، فَأعْلَمُ أنَّهُ خَلَقَكَ لِشَأْنٍ، وأوَجَدَكَ لِحِكْمَةٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّ أسْبابَ المَعاشِ لا تُحَصَّلُ إلّا بِالوَهْمِ، ولَوْلا الأمَلُ بَطَلَ العَمَلُ ( ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ ﴾ ) أيْ بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِ عَمَلِكَ مِنَ الآراءِ الباطِلَةِ ( ﴿ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ ﴾ ) وهي نارُ الحِجابِ والحَرَمانِ ( ﴿ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ ﴾ ) الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، كَما وُضِعَ الأحْكامُ الحِسِّيَّةُ مَوْضِعَ المَعْقُولاتِ ( ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ ﴾ ) بِمَنعِهِ عَنْ أفْعالِهِ الخاصَّةِ وحَجْبِهِ عَنْ نُورِ الهِدايَةِ ( ﴿ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ) لِتَضَرُّرِهِ بِاسْتِيلائِهِ عَلى العَقْلِ؛ فَإنَّ الوَهْمَ إذا انْقَطَعَ عَنْ مُعاضَدَةِ العَقْلِ حَمَلَ النَّفْسَ عَلى أُمُورٍ تَتَضَرَّرُ مِنها.
( ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا ﴾ ) وهو غُرابُ الحِرْصِ ( ﴿ يَبْحَثُ في الأرْضِ ﴾ ) أيْ أرْضِ النَّفْسِ ( ﴿ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ ﴾ ) وهو العَقْلُ المُنْقَطِعُ عَنْ حَياةِ الرُّوحِ، المَشُوبُ بِالوَهْمِ والهَوى، المَحْجُوبُ عَنْ عالَمِهِ في ظُلُماتِ أرْضِ النَّفْسِ ( ﴿ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي ﴾ ) بِإخْفائِها في ظُلْمَةِ النَّفْسِ فَأنْتَفِعَ بِها ( ﴿ فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ ﴾ ) عِنْدَ ظُهُورِ الخُسْرانِ، وحُصُولِ الحِرْمانِ ( ﴿ مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مِن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ﴾ ) لِأنَّ الواحِدَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أفْرادِ النَّوْعِ، وقِيامُ النَّوْعِ بِالواحِدِ كَقِيامِهِ بِالجَمِيعِ في الخارِجِ، ولا اعْتِبارَ بِالعَدَدِ، فَإنَّ حَقِيقَةَ النَّوْعِ لا تَزِيدُ بِزِيادَةِ الأفْرادِ، ولا تَنْقُصُ بِنَقْصِها، ويُقالُ في جانِبِ الأحْياءِ مِثْلُ ذَلِكَ.
( ﴿ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ ) أيْ أوْلِياءَهُما ( ﴿ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا ﴾ ) بِتَثْبِيطِ السّالِكِينَ ( ﴿ أنْ يُقَتَّلُوا ﴾ ) بِسَيْفِ الخِذْلانِ ( ﴿ أوْ يُصَلَّبُوا ﴾ ) بِحَبْلِ الهِجْرانِ عَلى جِذْعِ الحِرْمانِ ( ﴿ أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ ﴾ ) عَنْ أذْيالِ الوِصالِ ( ﴿ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ ﴾ ) عَنِ الِاخْتِلافِ والتَّرَدُّدِ إلى لِلسّالِكِينَ ( ﴿ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ ) أيْ أرْضِ القُرْبَةِ والِائْتِلافِ، فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمُ السّالِكُ، ولا يَتَوَجَّهُ لَهم ( ﴿ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ ﴾ ) وهَوانٌ ( ﴿ فِي الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ) لِعِظَمِ جِنايَتِهِمْ، وقَدْ جاءَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْضَبُ لِأوْلِيائِهِ كَما يَغْضَبُ اللَّيْثُ لِلْحَرْبِ، ««ومَن أذى ولِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالمُحارَبَةِ»».
نَسْألُ اللَّهَ العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ يعني من أجل خيانة ابن آدم حين قتل أخاه كَتَبْنا يعني فرضنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ وغلّظنا وشدّدنا في التوراة أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ يعني قتل نفساً بغير أن يقتل نفساً أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ يعني بغير فساد في الأرض، وهو الشرك بالله فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً يعني إذا قتل نفساً بغير جرم واستحل قتله، فكأنه قتل الناس جميعا، يعني إذا قتل نفساً فجزاؤه جهنم خالداً فيها.
ثم قال: وَمَنْ أَحْياها يعني نجّاها من غرق أو حرق أو يعفو عن القتل فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً يعني: له من الأجر كأنما أحيا الناس جميعاً، لأن في حياة نفس واحدة يكون منفعة لجميع الناس، لأنه يدعو لجميع الخلق.
ثم قال: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ يعني بالبيان في الأمر والنهي ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ البيان فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ يعني: لمشركون تاركون لأمر الله تعالى.
قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إن للتأكيد، وما صلة يحاربون الله ورسوله، يعني يخالفون الله ورسوله، ويتركون أمر الله وأمر رسوله مجاهرة وعياناً وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً بالقتل وأخذ المال أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سبعة نفر من بني عرينة، قدموا المدينة فاجتووها.
فقال النبيّ : «لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى إِبِلِنَا وَأَصَبْتُمْ مِنْ ألْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» ففعلوا، فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم، وساروا بالإبل وارتدوا عن الإسلام، فأرسل النبيّ في آثارهم علياً، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرّة حتى ماتوا.
وهذا قبل أن تنزل آية الحدود.
وروى أسباط عن السدي قال: نزلت في سودان عرينة، فأراد النبيّ أن يمثل بهم فنهاه الله تعالى عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحد الذي أنزل عليه.
وقال سعيد بن جبير إنه مثل بهم ثم نزل بعد ذلك: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ الآية.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وادع رسول الله أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن، فمر أناس من بني كنانة يريدون الإسلام، فمروا بأصحاب أبي بردة ولم يكن أبو بردة حاضراً يومئذٍ، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم فنزلت هذه الآية: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية.
ثم صارت الآية عامة في جميع الناس.
واختلف العلماء في حكمهم وهم قطاع الطريق وهم ثلاثة أصناف: صنف يأخذ المال ولا يقتل، وصنف يأخذ المال ويقتل، وصنف يقتل ولا يأخذ المال.
قال بعضهم: إذا وجد من إنسان صنف من هذه الأصناف، فللإمام أن يقيم عليه أي عقوبات شاء، لأن الله تعالى قال: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا فقد خُيِّر في عقوبتهم، وهو قول الحسن وعطاء.
وقال بعضهم: لكل صنف عقوبة على حدة، والاختيار عند أصحابنا رحمهم الله أنه إن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن قتل وأخذ المال قطع وقتل عند أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقتل ولا يقطع.
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: إن قَتل قُتل، وإن قتل وأخذ المال قطع ثم صلب.
وروي عن ابن عباس نحو هذا.
ويكون أو بمعنى الواو، فكأنه قال: إن يقتلوا ويصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ وقال بعضهم: يقتل ثم يصلب على وجه النكال والعبرة، وقال بعضهم: يصلب حياً ثم يطعن في ليته، يخضخض حتى يموت.
قوله تعالى: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ يعني يطلب حتى لا يجد قراراً في موضع ويقال: يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ يعني يحبس فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه نفي عن الأرض.
واحتج هذا القائل بقول بعض أهل السجن في ذلك: خَرَجْنَا من الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنَ اهْلِها ...
فَلَسْنَا من الأمواتِ فيها ولاَ الأحْيَا إذا جاءنَا السَّجَّان يَوْماً لِحَاجَة ...
عَجِبْنَا وقلنا جَاءَ هذا من الدُّنْيَا ويقال: ينفى إلى دار الحرب.
ثم قال تعالى: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا يعني ذلك القتل والقطع لهم عذاب وعقوبة في الدنيا، ولا يكون ذلك كفارة لذنوبهم إن لم يتوبوا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أي أشد مما كان في الدنيا، وهو عذاب النار.
ثم استثنى فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ يعني رجعوا عن صنيعهم قبل أن يؤخذوا ويردوا المال، فلا يعاقبون في الدنيا ولا فى الآخرة، ويغفر الله تعالى لهم ذنوبهم وذلك قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور لذنوبهم رحيم حين قبل توبتهم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ في كلّ عصر يسرفون، ويتجاوزون الحدود.
وقوله سبحانه: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...
الآية: روى أنس بن مالك وغيره: «أن الآية نزلَتْ في قومٍ مِنْ عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَأَسْلَمُوا، ثم إنهم مَرِضُوا، واستوخموا المدينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يَكُونُوا فِي لقَاح الصَّدَقَةِ، وَقَالَ:
«اشربوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» ، فخرَجُوا فِيهَا، فَلَمَّا صَحُّوا، قتلوا الرّاعي، واستاقوا الإبل، فبلغ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَبَرُهُمْ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، قَالَ جميع الرّواة: فقطع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ «١» ، - ويروى: وَسَمَلَ «٢» - وَتَرَكَهُمْ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ، فَلاَ يُسْقَوْنَ» ، فقيل: إن هذه الآية ناسخةٌ لفعْله صلّى الله عليه وسلّم بالعُرَنِيِّينَ، ووقَف الأمْر على هذه الحدودِ.
وقال جماعةٌ: إنها غير ناسخةٍ لذلك الفعْل لأن العرنيين مرتدّون، لا سيّما، وفي
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ في المُحارِبِينَ المُشْرِكِينَ إذا تابُوا مِن شِرْكِهِمْ وحَرْبِهِمْ وفَسادِهِمْ، وآمَنُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَلا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ فِيما أصابُوا مِن مالٍ أوْ دَمٍ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ.
فَأمّا المُحارِبُونَ المُسْلِمُونَ، فاخْتَلَفُوا فِيهِمْ، ومَذْهَبُ أصْحابِنا: أنَّ حُدُودَ اللَّهِ تَسْقُطُ عَنْهم مِنِ انْحِتامِ القَتْلِ والصَّلْبِ والقَطْعِ والنَّفْيِ.
فَأمّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ مِنَ الجِراحِ والأمْوالِ، فَلا تُسْقِطُها التَّوْبَةُ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أو يُنْفَوْا مِن الأرْضِ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ اِقْتَضى المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَ "إنَّما" حاصِرَةً الحَصْرَ التامَّ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَهْدٌ؛ فَنَقَضُوا العَهْدَ؛ وقَطَعُوا السَبِيلَ؛ وأفْسَدُوا في الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ نازِلَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ؛ لِأنَّ تَوْبَةَ المُشْرِكِ نافِعَةٌ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ وعَلى كُلِّ حالٍ؛ وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ وغَيْرُهُمْ: إنَّ الآيَةَ «نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ؛ قَدِمُوا عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَأسْلَمُوا؛ ثُمَّ إنَّهم مَرِضُوا؛ واسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ؛ فَأمَرَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَكُونُوا في لِقاحِ الصَدَقَةِ؛ وقالَ: "اِشْرَبُوا مِن ألْبانِها؛ وأبْوالِها"؛ فَخَرَجُوا فِيها؛ فَلَمّا صَحَوْا قَتَلُوا الرِعاءَ؛ واسْتاقُوا الإبِلَ؛ فَجاءَ الصَرِيخُ فَأخْبَرَ بِذَلِكَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -.
فَأمَرَ فَنُودِيَ في الناسِ: يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي؛ فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى أثَرِهِمْ؛ فَأُخِذُوا؛ وقالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ حَتّى إذا أدْرَكْناهُمْ؛ وقَدْ أشْرَفُوا عَلى دِيارِهِمْ؛ فَجِئْنا بِهِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ جَمِيعُ الرُواةِ: فَقَطَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيْدِيَهُمْ؛ وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ؛ وسَمَّرَ أعْيُنَهم - ويُرْوى: وسَمَلَ -؛ وتَرَكَهم في جانِبِ الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ؛ فَلا يُسْقَوْنَ؛ وفي حَدِيثِ جَرِيرٍ: فَكانُوا يَقُولُونَ: اَلْماءَ؛ ويَقُولُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اَلنّارَ".» وفِي بَعْضِ الرِواياتِ عن أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أحْرَقَهم بِالنارِ بَعْدَما قَتَلَهُمْ؛ قالَ أبُو قُلابَةَ: هَؤُلاءِ كَفَرُوا؛ وقَتَلُوا؛ وأخَذُوا الأمْوالَ؛ وحارَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتْ فِعْلَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالعُرَنِيِّينَ؛ ووَقَفَتِ الأمْرَ عَلى هَذِهِ الحُدُودِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: وجَعَلَها اللهُ عِتابًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى سَمْلِ الأعْيُنِ؛ وحُكِيَ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ بِناسِخَةٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ في المُرْتَدِّينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا سِيَّما وفي بَعْضِ الطُرُقِ أنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرُعاةِ؛ قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ هي في المُحارِبِ المُؤْمِنِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَسْمِلْ أعْيُنَ العُرَنِيِّينَ؛ وإنَّما أرادَ ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ ناهِيَةً عن ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ تُخالِفُهُ الرِواياتُ المُتَظاهِرَةُ.
وَلا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَرَتِّبٌ في المُحارِبِينَ مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ واخْتَلَفُوا فِيمَن هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ اسْمَ الحِرابَةِ؛ فَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلْمُحارِبُ عِنْدَنا مَن حَمَلَ عَلى الناسِ السِلاحَ في مِصْرٍ؛ أو بَرِّيَّةٍ؛ فَكابَرَهم عن أنْفُسِهِمْ؛ وأمْوالِهِمْ؛ دُونَ نائِرَةٍ ولا دَخْلٍ ولا عَداوَةٍ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا يَكُونُ المُحارِبُ إلّا القاطِعَ عَلى الناسِ في خارِجِ الأمْصارِ؛ فَأمّا في المِصْرِ فَلا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُونَ أنَّ القاطِعَ في المِصْرِ يَلْزَمُهُ حَدُّ ما اجْتَرَحَ مِن قَتْلٍ؛ أو سَرِقَةٍ؛ أو غَصْبٍ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ والحِرابَةُ رُتَبٌ؛ أدْناها إخافَةُ الطَرِيقِ فَقَطْ؛ لَكِنَّها تُوجِبُ صِفَةَ الحِرابَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَأْخُذَ المالَ مَعَ الإخافَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقْتُلَ مَعَ الإخافَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ فَقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: في أيِّ رُتْبَةٍ كانَ المُحارِبُ مِن هَذِهِ الرُتَبِ فالإمامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ؛ في أنْ يُعاقِبَهُ بِما رَأى مِن هَذِهِ العُقُوباتِ؛ واسْتُحْسِنَ أنْ يَأْخُذَ في الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ بِأيْسَرِ العُقُوباتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا سِيَّما إنْ كانَتْ زَلَّةً؛ ولَمْ يَكُنْ صاحِبَ شُرُورٍ مَعْرُوفَةٍ؛ وأمّا إنْ قَتَلَ فَلا بُدَّ مِن قَتْلِهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ والحَسَنُ ؛ وأبُو مِجْلَزٍ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهم مِنَ العُلَماءِ: بَلْ لِكُلِّ رُتْبَةٍ مِنَ الحِرابَةِ رُتْبَةٌ مِنَ العِقابِ؛ فَمَن أخافَ الطُرُقَ فَقَطْ؛ فَعُقُوبَتُهُ النَفْيُ؛ ومَن أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ؛ فَعُقُوبَتُهُ القَطْعُ مِن خِلافٍ؛ ومَن قَتَلَ دُونَ أخْذٍ مالٍ؛ فَعُقُوبَتُهُ القَتْلُ؛ ومَن جَمَعَ الكُلَّ قُتِلَ؛ وصُلِبَ؛ وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ الحِرابَةَ لا تَخْرُجُ عَنِ الإيمانِ؛ ودَمُ المُؤْمِنِ حَرامٌ؛ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: اِرْتِدادٍ؛ أو زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ؛ أو قَتْلِ نَفْسٍ؛ فالمُحارِبُ إذا لَمْ يَقْتُلْ فَلا سَبِيلَ إلى قَتْلِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنِ أيْضًا؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ؛ وغَيْرِهِمْ مِثْلَ قَوْلِ مالِكٍ: إنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ؛ ومِن حُجَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ ما كانَ في القُرْآنِ "أو..
أو"؛ فَإنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ ﴾ ؛ وكَآيَةِ كَفّارَةِ اليَمِينِ؛ وآيَةِ جَزاءِ الصَيْدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القَوْلَ الآخَرَ؛ وهو أحْوَطُ لِلْمُفْتِي؛ ولِدَمِ المُحارِبِ؛ وقَوْلُ مالِكٍ أسَدُّ لِلذَّرِيعَةِ؛ وأحْفَظُ لِلنّاسِ والطُرُقِ؛ والمُخِيفُ في حُكْمِ القاتِلِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَمالِكٌ يَرى فِيهِ الأخْذَ بِأيْسَرِ العُقُوباتِ اسْتِحْسانًا؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «سَألَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - عَنِ الحُكْمِ في المُحارِبِ؛ فَقالَ: "مَن أخافَ السَبِيلَ؛ وأخَذَ المالَ؛ فاقْطَعْ يَدَهُ لِلْأخْذِ؛ ورِجْلَهُ لِلْإخافَةِ؛ ومَن قَتَلَ فاقْتُلْهُ؛ ومَن جَمَعَ ذَلِكَ فاصْلُبْهُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبَقِيَ النَفْيُ لِلْمُخِيفِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُحارِبُونَ اللهَ ﴾ ؛ تَغْلِيظٌ؛ جَعَلَ ارْتِكابَ نَهْيِهِ مُحارَبَةً؛ وقِيلَ: اَلتَّقْدِيرُ: يُحارِبُونَ عِبادَ اللهِ؛ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا ﴾ ؛ تَبْيِينٌ لِلْحِرابَةِ؛ أيْ: "وَيَسْعَوْنَ بِحِرابَتِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَيَسْعَوْنَ فَسادًا مُنْضافًا إلى الحِرابَةِ"؛ والرابِطُ إلى هَذِهِ الحُدُودِ إنَّما هو الحِرابَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ ﴾ ؛ بِالتَثْقِيلِ في هَذِهِ الأفْعالِ؛ لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ؛ والتَكْثِيرُ هُنا إنَّما هو مِن جِهَةِ عَدَدِ الَّذِينَ يُوقَعُ بِهِمْ؛ كالتَذْبِيحِ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ في قِراءَةِ مَن ثَقَّلَ: "يُذَبِّحُونَ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُقْتَلُوا"؛ و"يُصْلَبُوا"؛ و"تُقْطَعَ"؛ بِالتَخْفِيفِ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ.
وأمّا قَتْلُ المُحارِبِ فَبِالسَيْفِ؛ ضَرْبَةَ العُنُقِ؛ وأمّا صَلْبُهُ فَجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ يَصْلَبُ حَيًّا؛ ويُقْتَلُ بِالطَعْنِ عَلى الخَشَبَةِ؛ ورُوِيَ هَذا عن مالِكٍ ؛ وهو الأظْهَرُ مِنَ الآيَةِ؛ وهو الأنْكى في النَكالِ؛ وأمّا القَطْعُ فاليَدُ اليُمْنى مِنَ الرُسْغِ؛ والرِجْلُ الشِمالُ مِنَ المَفْصِلِ.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ كانَ يَقْطَعُ اليَدَ مِنَ الأصابِعِ؛ ويُبْقِي الكَفَّ؛ والرِجْلَ مِن نِصْفِ القَدَمِ؛ ويُبْقِي العَقِبَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في النَفْيِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: هو أنْ يُطْلَبَ أبَدًا بِالخَيْلِ والرَجِلِ حَتّى يُؤْخَذَ؛ فَيُقامَ عَلَيْهِ حَدُّ اللهِ ؛ ويُخْرَجَ مِن دارِ الإسْلامِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: نَفْيُهُ أنْ يُطْلَبَ؛ وقالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اللَيْثِ ؛ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ ؛ غَيْرَ أنَّ مالِكًا قالَ: لا يَضْطَرُّ مُسْلِمٌ إلى دُخُولِ دارِ الشِرْكِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلنَّفْيُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الشِرْكِ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ - مِنهم عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -: اَلنَّفْيُ في المُحارِبِينَ أنْ يُنْفَوْا مِن بَلَدٍ إلى غَيْرِهِ؛ مِمّا هو قاصٍ بَعِيدٌ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: يَنْفِيهِ مِن عَمَلِهِ؛ وقالَ أبُو الزِنادِ: كانَ النَفْيُ قَدِيمًا إلى دَهْلَكَ؛ وباضِعَ؛ وهُما مِن أقْصى اليَمَنِ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ؛ وأصْحابُهُ؛ وجَماعَةٌ: اَلنَّفْيُ في المُحارِبِينَ السِجْنُ؛ فَذَلِكَ إخْراجُهم مِنَ الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنَّ الأرْضِ في هَذِهِ الآيَةِ هي أرْضُ النازِلَةِ؛ وقَدْ جُنِّبَ الناسُ قَدِيمًا الأرْضَ الَّتِي أصابُوا فِيها الذُنُوبَ؛ ومِنهُ حَدِيثُ الَّذِي ناءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ ويَنْبَغِي لِلْإمامِ إنْ كانَ هَذا المُحارِبُ المَنفِيُّ مَخُوفَ الجانِبِ يُظَنُّ أنَّهُ يَعُودُ إلى حَرافَةٍ وإفْسادٍ أنْ يَسْجِنَهُ في البَلَدِ الَّذِي يُغَرَّبُ إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ غَيْرَ مَخُوفِ الجانِبِ؛ تُرِكَ مُسْرَحًا؛ وهَذا هو صَرِيحُ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنْ يُغَرَّبَ ويُسْجَنَ حَيْثُ يُغَرَّبُ؛ وهَذا هو الأغْلَبُ في أنَّهُ مَخُوفٌ؛ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ ؛ وهو الراجِحُ لِأنَّ نَفْيَهُ مِن أرْضِ النازِلَةِ أوِ الإسْلامِ هو نَصُّ الآيَةِ؛ وسَجْنُهُ بَعْدُ بِحَسَبِ الخَوْفِ مِنهُ؛ فَإذا تابَ وفَهِمَ حالَهُ سُرِّحَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحُدُودِ الَّتِي تُوقِعُ بِهِمْ؛ وغَلَّظَ اللهُ الوَعِيدَ في ذَنْبِ الحِرابَةِ بِأنْ أخْبَرَ أنَّ لَهم في الآخِرَةِ عَذابًا عَظِيمًا؛ مَعَ العُقُوبَةِ في الدُنْيا؛ وهَذا خارِجٌ عَنِ المَعاصِي الَّتِي في حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ ؛ في قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "فَمَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهو لَهُ كَفّارَةٌ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِزْيُ لِمَن عُوقِبَ؛ وعَذابُ الآخِرَةِ لِمَن سَلِمَ في الدُنْيا؛ ويُجْرى هَذا الذَنْبُ مُجْرى غَيْرِهِ؛ وهَذا الوَعِيدُ مَشْرُوطُ الإنْفاذِ بِالمَشِيئَةِ؛ أما إنَّ الخَوْفَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الوَعِيدِ؛ وعِظَمِ الذَنْبِ؛ والخِزْيُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْفَضِيحَةُ؛ والذُلُّ؛ والمَقْتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ اِسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - التائِبَ قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ وأخْبَرَ بِسُقُوطِ حُقُوقِ اللهِ عنهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ؛ فَقالَ قَتادَةُ ؛ والزُهْرِيُّ في كِتابِ "اَلْأشْرافُ": ذَلِكَ لِأهْلِ الشِرْكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ رَأيا الوَعِيدَ بَعْدَ العِقابِ؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ والعُلَماءُ عَلى أنَّ الآيَةَ في المُؤْمِنِينَ؛ وأنَّ المُحارِبَ إذا تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ سَقَطَ عنهُ حُكْمُ الحِرابَةِ؛ ولا نَظَرَ لِلْإمامِ فِيهِ؛ إلّا كَما يَنْظُرُ في سائِرِ المُسْلِمِينَ؛ فَإنْ طَلَبَهُ أحَدٌ بِدَمٍ نَظَرَ فِيهِ؛ وأقادَ مِنهُ؛ إذا كانَ الطالِبُ ولِيًّا؛ وكَذَلِكَ يُتْبَعُ بِما وُجِدَ عِنْدَهُ مِن مالِ الغَيْرِ؛ وبِقِيمَةِ ما اسْتَهْلَكَ مِنَ الأمْوالِ؛ هَذا قَوْلُ مالِكٍ ؛ والشافِعِيِّ ؛ وأصْحابِ الرَأْيِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ: إنَّهُ لا يُطْلَبُ مِنَ المالِ إلّا بِما وُجِدَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ؛ وأمّا ما اسْتَهْلَكَ فَلا يُطْلَبُ بِهِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ذَلِكَ عن مالِكٍ ؛ مِن رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عنهُ؛ وهو الظاهِرُ مِن فِعْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - بِحارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ الغُدّانِيِّ؛ فَإنَّهُ كانَ مُحارِبًا؛ ثُمَّ تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ فَكَتَبَ لَهُ بِسُقُوطِ الأمْوالِ؛ والدَمِ؛ كِتابًا مَنشُورًا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قالَ: لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُحارِبِ؛ ولَوْ قُبِلَتْ لاجْتَرَؤُوا؛ وكانَ فَسادٌ كَثِيرٌ؛ ولَكِنْ لَوْ فَرَّ إلى العَدُوِّ؛ ثُمَّ جاءَ تائِبًا لَمْ أرَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا أدْرِي؛ هَلْ أرادَ ارْتَدَّ أمْ لا؛ وقالَ الأوزاعِيُّ نَحْوَهُ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: إذا لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ؛ فارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ؛ أو بَقِيَ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ جاءَ تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَحِيحُ مِن هَذا كُلِّهِ مَذْهَبُ الفُقَهاءِ الَّذِي قَرَّرْتُهُ آنِفًا؛ أنَّ حُكْمَ الحِرابَةِ يَسْقُطُ؛ ويَبْقى كَسائِرِ المُسْلِمِينَ؛ واخْتُلِفَ إذا كانَ المالُ أقَلَّ مِمّا يُقْطَعُ فِيهِ السارِقُ؛ فَقالَ مالِكٌ: ذَلِكَ كالكَثِيرِ؛ وقالَ الشافِعِيُّ وأصْحابُ الرَأْيِ: لا يُقْطَعُ مِنَ المُحارِبِينَ إلّا مَن أخَذَ ما يُقْطَعُ فِيهِ السارِقُ.
<div class="verse-tafsir"
تخلُّص إلى تشريع عقاب المحاربين، وهم ضرب من الجُناة بجناية القتل.
ولا علاقة لهذه الآية ولا الّتي بعدها بأخبار بني إسرائيل.
نزلت هذه الآية في شأن حكم النبي صلى الله عليه وسلم في العُرنيّين، وبه يشعر صنيع البخاري إذ ترجم بهذه الآية من كتاب التّفسير، وأخرج عَقِبه حديث أنس بن مالك في العُرنيّينَ.
ونصّ الحديث من مواضع من صحيحه: " قدم على النّبيء صلى الله عليه وسلم نَفَر من عُكْللٍ وَعُرَيْنَة فأسلموا ثمّ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا قد استوْخَمْنَا هذه الأرض، فقال لهم: هذه نَعَم لنا فاخْرُجوا فيها فاشرَبوا ألبانها وأبوالها " فخرجوا فيها فَشَرِبُوا من أبوالها وألبانها واستَصَحُّوا، فَمَالوا على الرّاعي فقتلوه واطَّرَدُوا الذّوْد وارتَدّوا.
فبعث رسول الله في آثارهم، بعث جريرَ بن عبد الله في خيل فأدركوهم وقد أشرفوا على بلادهم، فما تَرَجَّل النّهار حتّى جِيء بهم، فأمر بهم، فقُطعت أيديهم وأرجلُهم وَسُمِلَتْ أعْيُنُهم بمسامير أحميت، ثُمّ حبَسهم حتّى ماتوا.
وقيل: أمر بهم فأُلْقُوا في الحرّة يستسْقُون فما يُسقَوْن حتَّى ماتُوا.
قال جماعة: وكان ذلك سنة ستّ من الهجرة، كان هذا قبل أن تنزل آية المائدة.
نقل ذلك مَوْلى ابننِ الطلاع في كتاب «الأقضيَة المَأثورة» بسنده إلى ابن جبير وابن سيرين، وعلى هذا يكون نزولها نسخاً للحَدّ الّذي أقامَه النّبيء صلى الله عليه وسلم سواء كان عن وَحي أم عن اجتهادٍ منه، لأنّه لمّا اجتهد ولم يغيّره الله عليه قبل وقوع العمل به فقد تقرّر به شرع.
وإنّما أذن الله له بذلك العقاب الشّديد لأنّهم أرادوا أن يكونُوا قدوة للمشركين في التحيّل بإظهار الإسلام للتوصّل إلى الكيد للمسلمين، ولأنّهم جمعوا في فعلهم جنايات كثيرة.
قال أبو قِلابة: فماذا يُستبقى من هؤلاء قَتلوا النّفس وحاربوا الله ورسولَه وخوّفوا رسولَ الله.
وفي رواية للطبري: نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين المسلمين عهد فنقضوه وقطعوا السّبيل وأفسدوا في الأرض.
رواه عن ابن عبّاس والضحّاك.
والصّحيح الأوّل.
وأيّاما كان فقد نسخ ذلك بهذه الآية.
فالحصر ب ﴿ إنّما ﴾ في قوله ﴿ إنّما جزاء الّذين يحَاربُون ﴾ الخ على أصحّ الروايتين في سبب نزول الآية حصر إضافي، وهو قصر قلب لإبطال أي لنسخ العقاب الّذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم على العُرَنِيّين، وعلى ما رواه الطبري عن ابن عبّاس فالحصر أن لا جزاء لهم إلاّ ذلك، فيكون المقصود من القصر حينئذٍ أن لا يُنقص عن ذلك الجزاء وهو أحد الأمور الأربعة.
وقد يكون الحصر لردّ اعتقادٍ مُقدّر وهو اعتقاد من يستعظم هذا الجزاء ويميل إلى التّخفيف منه.
وكذلك يكون إذا كانت الآية غير نازلة على سبب أصلاً.
وأيَّامّاً كان سبب النزول فإنّ الآية تقتضي وجوب عقاب المحاربين بما ذكر الله فيها، لأنّ الحصر يفيد تأكيد النسبة.
والتّأكيد يصلح أن يعدّ في أمارات وجوب الفل المعدود بعضها في أصول الفقه لأنّه يجعل الحكم جازماً.
ومعنى ﴿ يحاربون ﴾ أنّهم يكونون مقاتلين بالسّلاح عُدواناً لقصد المغنم كشأن المحارب المبادي، لأنّ حقيقة الحرب القتال.
ومعنى محاربة الله محاربة شرعه وقصد الاعتداء على أحكامه، وقد عُلم أنّ الله لا يحارِبه أحد فذكره في المحاربة لتشنيع أمرها بأنّها محاربة لمن يغضب الله لمحاربته، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد بمحاربَة الرّسول الاعتداء على حكمه وسلطانه، فإنّ العرنيّين اعتدوا على نَعم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتّخذة لتجهيز جيوش المسلمين، وهو قد امتنّ عليهم بالانتفاع بها فلم يراعوا ذلك لكفرهم فما عاقب به الرّسول العرنيّين كان عقاباً على محاربة خاصّة هي من صريح البغض للإسلام.
ثُمّ إنّ الله شرع حكماً للمحاربة الّتي تقع في زمن رسول الله وبعده، وسوّى عقوبتها، فتعيّن أن يصير تأويل ﴿ يحاربون الله ورسوله ﴾ المحاربة لجماعة المسلمين.
وجعل لها جزاء عين جزاء الردّة، لأنّ الردّة لها جزاء آخر فعلمنا أنّ الجزاء لأجل المحاربة.
ومن أجل ذلك اعتبره العلماء جزاء لمن يأتي هذه الجريمة من المسلمين، ولهذا لم يجعله الله جزاء للكفّار الّذين حاربوا الرّسول لأجل عناد الدّين، فلهذا المعنى عُدّي ﴿ يحاربون ﴾ إلى ﴿ الله ورسوله ﴾ ليظهر أنّهم لم يَقصدوا حربَ معيَّن من النّاس ولا حرب صَفّ.
وعُطف ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ لبيان القصدِ من حربهم اللّهَ ورَسوله، فصار الجزتء على مجموع الأمرين، فمجمُوعُ الأمرين سَبَب مركّب للعقوبة، وكلّ واحد من الأمرين جزءُ سبب لا يقتضي هذه العقوبة بخصوصها.
وقد اختلف العلماء في حقيقة الحرابة؛ فقال مالك: هي حمل السلاح على النّاس لأخذ أموالهم دون نائرة ولا دخَل ولا عداوة أي بين المحارب بالكسر وبين المحارَب بالفتح، سواء في البادية أو في المِصر، وقال به الشّافعي وأبو ثور.
وقيل: لا يكون المحارب في المصر محارِباً، وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق.
والّذي نظر إليه مالك هو عموم معنى لفظ الحرابة، والّذي نظر إليه مخالفوه هو الغالب في العرف لندرة الحرابة في المصر.
وقد كانت نزلت بتونس قضية لصّ اسمه «ونّاس» أخاف أهل تونس بحيله في السرقة، وكان يحمل السّلاح فحكم عليه بحكم المحارب في مدة الأمير محمد الصادق باي وقتل شنقاً بباب سويقة.
ومعنى ﴿ يسعون في الأرض فساداً ﴾ أنّهم يكتسبون الفساد ويجتنونه ويجترحونه، لأنّ السعي قد استعمل بمعنى الاكتساب واللَّمّ، قال تعالى: ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ﴾ [الإسراء: 19].
ويقولون: سعَى فلان لأهله، أي اكتسب لهم، وقال تعالى: ﴿ لتجزي كُلّ نفس بما تسعى ﴾ [طه: 15].
وصاحب «الكشاف» جعله هنا بمعنى المشي، فجعل ﴿ فساداً ﴾ حالاً أو مفعولاً لأجله، ولقد نظر إلى أنّ غالب عمل المحارب هو السعي والتنقّل، ويكون الفعل منزّلاً منزلة اللازم اكتفاء بدلالة المفعول لأجله.
وجَوّز أن يكون سعَى بمعنى أفسد، فَجَعل ﴿ فساداً ﴾ مفعولاً مطلقاً.
ولا يعرف استعمال سعى بمعنى أفسد.
والفساد: إتلاف الأنفس والأموال، فالمحارب يقتل الرجل لأخذ ما عليه من الثّياب ونحو ذلك.
و ﴿ يُقتّلوا ﴾ مبالغة في يُقْتلوا، كقول امرئ القيس: في أعشار قَلْببٍ مُقَتَّل *** قُصِد من المبالغة هنا إيقاعه بدون لين ولا رفق تشديداً عليهم، وكذلك الوجه في قوله ﴿ يُصَلَّبوا ﴾ .
والصّلب: وضع الجاني الّذي يُراد قتله مشدوداً على خشبة ثُمّ قتله عليها طَعناً بالرّمح في موضع القتل.
وقيل: الصّلب بَعْد القتل.
والأول قول مالك، والثّاني مذهب أشهب والشّافعي.
و ﴿ مِنْ ﴾ في قوله ﴿ مِن خلاف ﴾ ابتدائية في موضع الحال من ﴿ أيديهم وأرجلُهم ﴾ ، فهي قيد للقطع، أي أنّ القطع يبتدئ في حال التخالف، وقد علم أنّ المقطوع هو العضو المُخالف فتعيّن أنّه مخالِف لمقطوععٍ آخر وإلاّ لم تتصوّر المخالفة، فإذا لم يكن عضو مقطوعٌ سابقٌ فقد تعذّر التخالف فيكون القطع للعضو الأوّل آنفاً ثُمّ تجري المخالفَةُ فيما بعدُ.
وقد علم من قوله: ﴿ من خلاف ﴾ أنّه لا يقطع من المحارب إلاّ يد واحدة أو رجل واحدة ولا يقطع يداه أو رجلاه؛ لأنّه لو كان كذلك لم يتصوّر معنى لكون القطع من خلاف.
فهَذا التّركيب من بديع الإيجاز.
والظاهر أنّ كون القطع مِن خلاف تيسير ورحمة، لأنّ ذلك أمكن لحركة بقية الجهد بعد البرء وذلك بأنّ يتوكّأ باليد الباقية على عُود بجهة الرّجل المقطوعة.
قال علماؤنا: تقطع يده لأجل أخذ المال، ورجلُه للإخافة؛ لأنّ اليد هي العضو الّذي به الأخذ، والرّجل هي العضو الّذي به الإخافة، أي المشي وراء النّاس والتعرّض لهم.
والنّفي من الأرض: الإبعاد من المكان الّذي هو وطنه لأنّ النّفي معناه عدم الوجود.
والمراد الإبعاد، لأنّه إبعاد عن القوم الّذين حاربوهم.
يقال: نفوا فلاناً، أي أخرجوه من بينهم، وهو الخليع، وقال النّابغة: ليُهنئ لكم أنْ قَدْ نَفَيْتُم بُيُوتنا *** أي أقصيتمونا عن دياركم.
ولا يعرف في كلام العرب معنى للنّفي غير هذا.
وقال أبو حنيفة وبعض العلماء: النّفي هو السجن.
وحمَلهم على هذا التأويل البعيد التفادي من دفع أضرار المحارب عنْ قوم كانَ فيهم بتسليط ضُرّه على قوم آخرين.
وهو نظر يَحمل على التّأويل، ولكن قد بيّن العلماء أنّ النّفيَ يحصل به دفع الضرّ لأنّ العرب كانوا إذا أخرج أحد من وظنه ذُلّ وخُضدت شوكته، قال امرؤ القيس: به الذئْب يعوي كالخليع المُعَيَّل *** وذلك حال غير مختصّ بالعرب فإنّ للمرء في بلده وقومه من الإقدام ما ليس له في غير بلده.
على أنّ من العلماء من قال: ينفون إلى بلد بعيد منحاز إلى جهة بحيث يكون فيه كالمحصور.
قال أبو الزناد: كان النّفي قديماً إلى (دَهْلَكَ) وإلى (بَاضِع) وهما جزيرتان في بحر اليمن.
وقد دلّت الآية على أمرين: أحدهما: التخيير في جزاء المحاربين؛ لأنّ أصل (أو) الدلالة على أحد الشيئين أو الأشياء في الوقوع، ويقتضي ذلك في باب الأمر ونحوه التخيير، نحو ﴿ ففدية من صيام أو صدقة أو نُسك ﴾ [البقرة: 196].
وقد تمسّك بهذا الظّاهر جماعة من العلماء منهم مالك بن أنس، وسعيدُ بن المسيّب، وعطاء، ومجاهد، والنخعي، وأبو حنيفة، والمرويّ عن مالك أنّ هذا التخيير لأجل الحرابة، فإن اجترح في مدّة حرابته جريمة ثابتة توجب الأخذَ بأشدّ العقوبة كالقتل؛ قُتل دون تَخيير، وهو مُدرك واضح.
ثُمّ ينبغي للإمام بعد ذلك أن يأخذ في العقوبة بما يقارب جرم المحارب وكثرة مُقامه في فساده.
وذهب جماعة إلى أنّ (أو) في الآية للتّقسيم لا للتخيير، وأنّ المذكورات مراتب للعقوبات بحسب ما اجترحه المحارب: فمن قتل وأخذ المال قُتل وصُلب، ومن لم يَقتل ولا أخذَ مالاً عُزّر، ومن أخاف الطريق نُفي، ومن أخذ المال فقط قطع، وهو قول ابن عبّاس، وقتادة، والحسن، والسديّ، والشافعي.
ويقرب خلافهم من التّقارب.
والأمر الثّاني: أنّ هذه العقوبات هي لأجل الحرابة وليست لأجل حقوق الأفراد من النّاس، كما دلّ على ذلك قوله بعدُ ﴿ إلاّ الّذين تابوا من قبل أن تَقدروا عليهم ﴾ الآية وهو بيّن.
ولذلك فلو أسقط المعتدى عليهم حقوقهم لم يسقط عن المحارب عقوبة الحرابة.
وقوله ﴿ ذلك لهم خِزي في الدّنيا ﴾ ، أي الجزاء خزي لهم في الدّنيا.
والخزي: الذلّ والإهانة ﴿ ولا تُخزنا يوم القيامة ﴾ [آل عمران: 194].
وقد دلّت الآية على أنّ لهؤلاء المحاربين عقابين: عقاباً في الدّنيا وعقاباً في الآخرة.
فإن كان المقصود من المحاربين في الآية خصوص المحاربين من أهل الكفر كالعُرنيّين، كما قيل به، فاستحقاقهم العذابين ظاهر، وإن كان المراد به ما يشمل المحارب من أهل الإسلام كانت الآية معارِضة لما ورد في الحديث الصّحيح في حديث عبادة بن الصامت من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ البيعة على المؤمنين بما تضمّنته آية ﴿ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ﴾ [الممتحنة: 12] الخ فقال: «فَمَن وفَى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب منها شيئاً فستره الله فهْوَ إلى الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له» فقوله: فهو كفارة له، دليل على أنّ الحدّ يسقط عقاب الآخرة، فيجوز أن يكون ما في الآية تغليظاً على المحاربين بأكثر من أهل بقيّة الذنوب، ويجوز أن يكون تأويل ما في هذه الآية على التفصيل، أي لهم خزي في الدنيا إن أُخِذوا به، ولهم في الآخرة عذاب عظيم إن لم يؤخذوا به في الدّنيا.
والاستثناء بقوله: ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ راجع إلى الحُكمين خزي الدّنيا وعذاب الآخرة، بقرينة قوله: ﴿ مِن قبل أن تقدروا عليهم ﴾ ، لأنّ تأثير التّوبة في النجاة من عذاب الآخرة لا يتقيّد بما قبل القدرة عليهم.
وقد دلّت أداة الاستثناء على سقوط العقوبة عن المحارب في هذه الحالة؛ فتمّ الكلام بها، خز لأنّ الاستثناء كلام مستقلّ لا يحتاج إلى زيادة تصريح بانتفاء الحكم المستثنى منه عن المستثنى في استعمال العرب، وعند جمهور العلماء.
فليس المستثنى مسكوتاً عنه كما يقول الحنفية، ولولا الاستثناء لما دلّت الآية على سقوط عقوبة المحارب المذكورة.
فلو قيل: فإن تابوا، لم تدلّ إلاّ على قبول التّوبة منهم في إسقاط عقاب الآخرة.
ومعنى ﴿ من قبللِ أن تقدروا عليهم ﴾ ما كان قبل أن يتحقّق المحارب أنّه مأخوذ أو يضيَّق عليه الحصار أو يطارد في جميع البلاد ويضيق عليه، فإن أتى قبل ذلك كلّه طائعاً نادماً سقط عنه ما شرع الله له من العقوبة، لأنّه قد دلّ على انتقال حاله من فساد إلى صلاح فلم تبق حكمة في عقابه.
ولمّا لم تتعرّض الآية إلى غُرْم ما أتلفه بحرابته علم أنّ التّوبة لا تؤثّر في سقوط ما كان قد اعتلق به من حقوق النّاس من مال أو دم، لأنّ ذلك معلوم بأدلّة أخرى.
وقوله: ﴿ فاعلموا أنّ الله غفور رحيم ﴾ تذكير بعد تمام الكلام ودفع لعجب من يتعجّب من سقوط العقاب عنهم.
فالفاء فصيحة عمّا دلّ عليه الاستثناء من سقوط العقوبة مع عظم الجرْم، والمعنى: إن عظم عندكم سقوط العقوبة عمّن تاب قبلَ أن يقدر عليه فاعلموا أنّ الله غفور رحيم.
وقد دلّ قوله ﴿ فاعلموا ﴾ على تنزيل المخاطبين منزلة من لا يعلم ذلك نظراً لاستعظامهم هذا العفو.
وقد رأيتُ أنّ شأن فعل (اعلم) أن يدلّ على أهميّة الخبر، كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ في سورة الأنفال (24) وقوله فيها: ﴿ واعلموا أنّما غنمتم ﴾ [الأنفال: 41].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أجْلِ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي مِن أجْلِ أنَّ ابْنَ آدَمَ قَتَلَ أخاهُ ظُلْمًا.
﴿ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي مَن قَتَلَ نَفْسًا ظُلْمًا بِغَيْرِ نَفْسٍ قُتِلَتْ، فَيُقْتَلُ قِصاصًا، أوْ فَسادٍ في الأرْضِ اسْتَحَقَّتْ بِهِ القَتْلَ، الفَسادُ في الأرْضِ يَكُونُ بِالحَرْبِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإخافَةِ السَّبِيلِ.
﴿ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَن قَتَلَ نَبِيًّا أوْ إمامَ عَدْلٍ، فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن شَدَّ عَلى يَدِ نَبِيٍّ أوْ إمامِ عَدْلٍ، فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ المَقْتُولِ، ومَن أحْياها فاسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ، فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ المُسْتَنْقِذِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّ قاتِلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ القَوَدِ والقَصاصِ مِثْلُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن أحْياها بِالعَفْوِ عَنِ القاتِلِ، أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما لَوْ أحْيا النّاسَ جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وأبِيهِ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ قاتِلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ يَصْلى النّارَ كَما يَصْلاها لَوْ قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن أحْياها، يَعْنِي سَلِمَ مِن قَتْلِها، [فَكَأنَّما] سَلِمَ مِن قَتْلِ النّاسِ جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والخامِسُ: أنَّ عَلى جَمِيعِ النّاسِ (جِنايَةُ القَتْلِ كَما لَوْ قَتَلَهم جَمِيعًا، ومَن أحْياها بِإنْجائِها مِن غَرَقٍ أوْ حَرَقٍ أوْ هَلَكَةٍ، فَعَلَيْهِمْ شُكْرُهُ كَما لَوْ أحْياهم جَمِيعًا.
والسّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَظَّمَ أجْرَها ووِزْرَها فَإحْياؤُها [يَكُونُ] بِمالِكَ أوْ عَفْوِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدٌ ومِيثاقٌ فَنَقَضُوا العَهْدَ وأفْسَدُوا في الأرْضِ، فَعَرَّفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ الحُكْمَ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في العُرَنِيِّينَ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ وقَتَلُوا راعِيَ النَّبِيِّ واسْتاقُوا إبِلَهُ، وهَذا قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِحُكْمِ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وسَعى في الأرْضِ فَسادًا.
واخْتُلِفَ في المُسْتَحِقِّ اسْمَ المُحارِبِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الزِّنى والقَتْلُ والسَّرِقَةُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ المُجاهِرُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ والمُكابِرُ بِاللُّصُوصِيَّةِ في المِصْرِ وغَيْرِهِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُجاهِرُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ دُونَ المُكابِرِ في المِصْرِ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ.
﴿ أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ جَعَلَ اللَّهُ هَذا حُكْمَ المُحارِبِ، وفِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّها عَلى التَّخْيِيرِ وأنَّ الإمامَ فِيهِمْ بِالخِيارِ بَيْنَ أنْ يَقْتُلَ أوْ يَصْلِبَ أوْ يَقْطَعَ أوْ يَنْفِيَ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وإبْراهِيمَ.
والثّانِي: أنَّها مَرْتَبَةٌ تَخْتَلِفُ عَلى قَدْرِ اخْتِلافِ الأفْعالِ: أنْ يُقْتَلُوا إذا قَتَلُوا، أوْ يُصْلَبُوا إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، أوْ تُقْطَعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
وَرَوى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ «أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ كَتَبَ إلى أنَسِ بْنِ مالِكٍ يَسْألُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْسٌ يُخْبِرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُولَئِكَ العُرَنِيِّينَ وهم مِن بَجِيلَةَ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ جِبْرِيلَ عَنِ القِصاصِ فِيمَن حارَبَ، فَقالَ: مَن سَرَقَ وأخافَ السَّبِيلَ فاقْطَعْ يَدَهُ لِسَرِقَتِهِ ورِجْلَهُ لِإخافَتِهِ، ومَن قَتَلَ فاقْتُلْهُ، ومَن قَتَلَ وأخافَ السَّبِيلَ واسْتَحَلَّ الفَرْجَ فاصْلُبْهُ.
» أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَفْيُهم وإبْعادُهم مِن بِلادِ الإسْلامِ إلى بِلادِ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُ أنَسٍ: والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والزُّهْرِيِّ، والضِّحّاكِ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: أنَّهُ إخْراجُهم مِن مَدِينَةٍ إلى أُخْرى، وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحَبْسُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.
والرّابِعُ: هو أنْ يَطْلُبُوا لِتُقامَ الحُدُودُ عَلَيْهِمْ فَيُبْعَدُوا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والشّافِعِيِّ، واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ، أحَدُها: إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن شِرْكِهِمْ وسَعْيِهِمْ في الأرْضِ فَسادًا بِإسْلامِهِمْ، فَأمّا المُسْلِمُونَ فَلا تَسْقُطُ التَّوْبَةُ عَنْهم حَدًّا وجَبَ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
الثّانِي: إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنَ المُسْلِمِينَ المُحارِبِينَ بِأمانٍ مِنَ الإمامِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَأمّا التّائِبُ بِغَيْرِ أمانٍ فَلا، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والشَّعْبِيِّ، ورَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ خارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ خَرَجَ مُحارِبًا فَأخافَ السَّبِيلَ، وسَفَكَ الدِّماءَ، وأخَذَ الأمْوالَ، وجاءَ تائِبًا مِن قَبْلِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَقَبِلَ عَلِيٌّ تَوْبَتَهُ وجَعَلَ لَهُ أمانًا مَنشُورًا عَلى ما كانَ أصابَ مِن دَمٍ ومالٍ.
والثّالِثُ: إلّا الَّذِينَ تابُوا بَعْدَ أنْ لَحِقُوا بِدارِ الحَرْبِ وإنْ كانَ مُسْلِمًا ثُمَّ جاءَ تائِبًا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
والرّابِعُ: إنْ كانَ في دارِ الإسْلامِ في مَنَعَةٍ ولَهُ فِئَةٌ يَلْجَأُ إلَيْها وتابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَمْتَنِعُ بِها [وَتابَ] لَمْ [تُسْقِطْ] عَنْهُ تَوْبَتُهُ شَيْئًا مِن عُقُوبَتِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، ورَبِيعَةَ، والحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ.
والخامِسُ: أنَّ تَوْبَتَهُ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ تَضَعُ عَنْهُ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى دُونَ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
والسّادِسُ: أنَّ تَوْبَتَهُ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ تَضَعُ عَنْهُ سائِرَ الحُقُوقِ والحُدُودِ إلّا الدِّماءَ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ قال: نزلت في المشركين، منهم من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.
وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: «كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله نبيه فيهم إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يصلب، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأما النفي فهو الهرب في الأرض، فإن جاء تائباً فدخل في الإسلام قُبِل منه ولم يؤخذ بما سلف» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن سعد قال: نزلت هذه الآية في الحرورية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس «أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وآمنوا، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها، فقتلوا راعيها واستاقوها، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله...
﴾ الآية» .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير عن ابن عمر قال: نزلت آية المحاربين في العرنيين.
وأخرج ابن جرير قال: «قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة مضرورين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح، ثم صرخوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين، فقدمنا بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم، فأنزل الله هذه الآية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر من العرنيين، وهم من بجيلة.
قال أنس «فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه» .
وأخرج الحافظ عبد الغني في إيضاح الإشكال من طريق أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ قال: «هم من عكل» .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: «قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فزاره قد ماتوا هزالاً، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه فسرقوها فطلبوا، فأتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، قال أبو هريرة: فيهم نزلت هذه الآية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ قال: فترك النبي صلى الله عليه وسلم الأعين بعد» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: «كان ناس من بني سليم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فبايعوه على الإسلام وهم كذبة، ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح فاشربوا من أبوالها، فبينما هم كذلك إذ جاء الصريخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوا الراعي، وساقوا النعم، فركبوا في أثرهم، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم بهم، فأنزل الله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ الآية.
فقتل النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وصلب، وقطع، وسمل الأعين، قال: فما مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد، ونهى عن المثلة وقال: لا تمثِّلوا بشيء» .
وأخرج مسلم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن أنس قال: «إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة» .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ الآية.
قال: «نزلت في سودان عرينة، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وبهم الماء الأصفر، فشكوا ذلك إليه، فأمرهم فخرجوا إلى إبل الصدقة، فقال اشربوا من أبوالها وألبانها، فشربوا حتى إذا صحوا وبرئوا قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بهم، فأراد أن يسمل أعينهم، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزل الله» .
وأخرج ابن جرير عن الوليد بن مسلم قال: ذكرت لليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك، وعلَّمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي، ولم يسمل بعدهم وغيرهم.
قال: وكان هذا القول ذكر لابن عمر، فأنكر أن تكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة ذلك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنه السمل.
وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن عجلان عن أبي الزناد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين أخذوا لقاحه وسمل أعينهم، عاتبه الله في ذلك، فأنزل الله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..
﴾ الآية» .
وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..
﴾ الآية.
قال: إذا خرج المحارب فأخذ المال ولم يقتل يقطع من خلاف، واذا خرج فقتل ولم يأخذ المال قتل، وإذا خرج فقتل وأخذ المال قتل وصلب، واذا خرج فأخاف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل نفي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..
﴾ الآية.
قال: من شهر السلاح في قبة الإسلام، وأفسد السبيل وظهر عليه وقدر فإمام المسلمين مخيَّر فيه، إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، قال: ﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ يهربوا يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب.
وأخرج أبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه والبيهقي، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمداً فيقتل، ورجل خرج من الإسلام فحارب، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض» .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس «أن قوماً من عرينة جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا وكان منهم مواربة قد شلت أعضاؤهم، واصفرت وجوههم، وعظمت بطونهم، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة يشربوا من أبوالها وألبانها، فشربوا حتى صحوا وسمنوا، فعمدوا إلى راعي النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام، وجاء جبريل فقال: يا محمد ابعث في آثارهم، فبعث ثم قال: ادع بهذا الدعاء: اللهم إن السماء سماؤك، والأرض أرضك، والمشرق مشرقك، والمغرب مغربك، اللهم ضيق من مسك حمل حتى تقدرني عليهم.
فجاؤوا بهم، فأنزل الله تعالى ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..
﴾ الآية.
فأمره جبريل أن من أخذ المال وقتل يصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال يقتل، ومن أخذ المال ولم يقتل تقطع يده ورجله من خلاف، وقال ابن عباس هذا الدعاء: لكل آبق، ولكل من ضلت له ضالة من انسان وغيره، يدعو هذا الدعاء، ويكتب في شيء ويدفن في مكان نظيف إلا قدره الله عليه» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وعطاء الخراساني في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..
﴾ الآية.
قال: هذا الذي يقطع الطريق فهو محارب، فإن قتل وأخذ مالاً صلب، وإن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، وإن أخذ مالاً ولم يقتل قطعت يده ورجله، وإن أخذ قبل أن يفعل شيئاً من ذلك نفي، وأما قوله: ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾ فهؤلاء خاصة، ومن أصاب دماً ثم تاب من قبل أن يقدر عليه أهدر عنه ما مضى.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء ومجاهد قالا: الإمام في ذلك مخير، إن شاء قتل، وإن شاء قطع، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب والحسن والضحاك في الآية قالوا: الإمام مخيَّر في المحارب يصنع به ما شاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك فال «كان قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، فنقضوا العهد وقطعوا السبل، وأفسدوا في الأرض، فخير الله نبيه فيهم إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض.
قال: هو أن يطلبوا حتى يعجزوا، فمن تاب قبل أن يقدروا عليه قبل ذلك منه» .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك قال: نزلت هذه الآية في المشركين.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نفيه أن يطلبه الإمام حتى يأخذه، أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله بما استحل.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ قال: من بلد إلى بلد.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: ينفى حتى لا يقدر عليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الزهري في قوله: ﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ قال: نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه، كلما سمع به أرض طلب.
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال: يخرجوا من الأرض، أينما أدركوا خرجوا حتى يلحقوا بأرض العدو.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال: من أخاف سبيل المؤمنين نفي من بلد إلى غيره.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ قال: الزنا، والسرقة، وقتل النفس، وهلاك الحرث، والنسل.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وسعيد بن جبير قالا: ان جاء تائباً لم يقطع مالاً، ولا سفك دماً، فذلك الذي قال الله: ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأشراف وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة، قد أفسد في الأرض وحارب، وكلم رجالاً من قريش أن يستأمنوا له علياً فأبوا، فأتى سعيد بن قيس الهمذاني، فأتى علياً فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً؟
قال: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، ثم قال: ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾ فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟
فقال: هذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً فهو آمن؟
قال: نعم.
قال: فجاء به إليه، فبايعه وقَبِل ذلك منه وكتب له أماناً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الأشعث عن رجل قال: صلى رجل مع أبي موسى الأشعري الغداة، ثم قال: هذا مقام العائذ التائب، أنا فلان بن فلان، أنا كنت ممن حارب الله ورسوله وجئت تائباً من قبل أن يقدر عليَّ، فقال أبو موسى: إن فلان ابن فلان كان ممن حارب الله ورسوله وجاء تائباً من قبل أن يقدر عليه، فلا يعرض له أحد إلا بخير، فإن يكن صادقاً فسبيلي ذلك، وإن يك كاذباً فلعل الله أن يأخذه بذنبه.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء أنه سئل عن رجل سرق سرقة فجاء تائباً من غير أن يؤخذ عليه، هل عليه حد؟
قال: لا، ثم قال: ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم...
﴾ الآية.
وأخرج أبو داود في ناسخه عن السدي في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ قال: سمعنا انه إذا قَتَلَ قُتِلَ، واذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده بالمال، ورجله بالمحاربة، وإذا قتل وأخذ المال قطعت يده ورجلاه وصلب ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾ فإن جاء تائباً إلى الإمام قبل أن يقدر عليه فأمنه الإمام فهو آمن، فإن قتله إنسان بعد أن يعلم أن الإمام قد أمنه قتل به، فإن قتله ولم يعلم أن الإمام قد أمنه كانت الدية.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ .
قال الزجاج: جائز أن يكون موضع (الذين) رفعًا بالإبتداء، وخبره قوله: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، والمعنى: لكن التائبون من قبل أن تقدروا عليهم (فالله (١) (٢) (٣) قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ : يريد آمنوا من قبل أن تعاقبوهم ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لمن تاب من الشرك ﴿ رَحِيمٌ ﴾ به إذا رجع عما يُسخط الله (٤) وهذا قول عُظْم (٥) (٦) قال أبو إسحاق: جعل التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإيمان (٧) هذا حكم المشرك المحارب، وكذلك لو آمن بعد القدرة عليه لم يُطالب أيضًا بشيء بالإجماع (٨) (٩) (١٠) وهذا مذهب مالك والأوزاعي (١١) (١٢) - في حارثة ابن بدر (١٣) (١٤) (١٥) وقال الشافعي - -: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله، ولا يسقط به حقوق بني آدم ما كان قصاصًا، أو مظلمة في المال (١٦) وأما إذا تاب بعد القدرة عليه، فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه وتقام الحدود عليه.
قال الشافعي: ويحتمل أن يسقط كل حد لله بالتوبة (١٧) وإنما قال ذلك لقول رسول الله بعد رجم ماعز (١٨) (١٩) (١) في (ش)، (ج): والله، والتصويب من "معاني الزجاج" 2/ 170.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ج)، وما أثبته هو الموافق لـ"معاني الزجاج".
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 170، 171 بتصرف، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 225 "الدر المصون" 4/ 252.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.
(٥) عظم بمعنى: معظم.
انظر: "اللسان" 5/ 3005 (عظم).
(٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 220، "النكت والعيون" 2/ 34، والبغوي في "تفسيره" 3/ 50.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 171.
(٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 220 - 221.
(٩) في (ش): (لا يطلب).
(١٠) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 50.
(١١) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، شيخ الإسلام وعالم أهل الشام أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعا وفضلًا وزهدًا، مات -رحمه الله- سنة 159 هـ.
انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 83، "مشاهير علماء الأمصار" ص180، "سير أعلام النبلاء" 7/ 107 - 138.
(١٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 34، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 155، 158، و"البحر المحيط" 3/ 471.
(١٣) هو حارثة بن بَدْر بن حُصَين بن قطن التميمي الغداني، تابعي، أدرك النبي ولم يره، له أخبار في الفتوح ومع عمر، وقاتل الخوارج فهزموه وأرهقوه، فدخل سفينة بمن معه فغرقت بهم سنة 64 هـ.
انظر: "الإصابة" 1/ 371، "الأعلام" 2/ 158.
(١٤) وذلك أنه جاء إلى علي بن أبي طالب - - تائبًا، فأمنّه وكتب له بذلك أمانًا.
أخرج الأثر: الطبري في "تفسيره" 6/ 221، وانظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 155، "الدر المنثور" 2/ 494 - 495.
(١٥) ذلك أن أبا موسى - - كان على الكوفة في إمرة عثمان - - فجاءه رجل من مراد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، جاءه تائبًا، فقام أبو موسى فقال: هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب قبل أن يُقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير.
أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 222 ونقله ابن كثير في "تفسيره" 2/ 59، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 494 - 495.
(١٦) "الأم" 6/ 152، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 220.
(١٧) لم أجده في "الأم"، وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 158، والنووي في "شرح صحيح مسلم" 11/ 194، وقال القرطبي في "تفسيره" عقبه: والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصًا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه.
(١٨) هو ماعز بن مالك الأسلمي، وقيل: إن اسمه: عريب، وماعز لقبه، له صحبة، وقصة رجمه في عهد النبي ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي مشهورة.
انظر: "أسد الغابة" 5/ 8، "الإصابة" 2/ 479، 3/ 337.
(١٩) أخرج هذه الرواية أبو داود (4419) كتاب الحدود، باب: رجم ماعز بن مالك، وانظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي 11/ 194.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ ﴾ الآية: سببها عند ابن عباس: أن قوماً من اليهود كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل، وقال جماعة نزلت في نفر من عُكل وعُرينة أسلموا حسب الظاهر ثم إنهم قتلوا راعيَ النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا إبله ثم حكمها بعد ذلك في كل محارب، والمحاربة عند مالك هي: حمل السلاح على الناس في بلد أو في خارج بلد، وقال أبو حنيفة: لا يكون المحارب إلا خارج البلد، وقوله: يحاربون الله: تغليظ ومبالغة، وقال بعضهم: تقديره يحاربون عباد الله وهو أحسن ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾ بيان للحرابة وهي على درجات أدناها إخافة الطريق ثم أخذ المال ثم قتل النفس ﴿ أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا ﴾ الصلب مضاف إلى القتل.
وقيل: يقتل ثم يصلب ليراه أهل الفساد فينزجروا، وهو قول أشهب، وقيل يصلب حياً، ويقتل على الخشبة، وهو قول ابن القاسم ﴿ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خلاف ﴾ معناه أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد: قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وقطع اليد عند مالك والجمهور من الرسغ، وقطع الرجل من المفصل، وذلك في الحرابة وفي السرقة ﴿ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ﴾ مشهور مذهب مالك: أن ينفى من بلد إلى بلد آخر، ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته، وروى عنه مطرف أنه يسجن في البلد بعينه، وبذلك قال أبو حنيفة، وقيل: ينفى إلى بلد آخر دون أن يسجن فيه، ومذهب مالك أن الإمام مخير في المحارب بين أن يقتله ويصلبه، أو يقتله ولا يصلبه أو يقطع يده ورجله، أو نيفيه، إلا أنه قال: إن كان قتل فلابد من قتله، وإن لم يقتل، فالأحسن أن يأخذ فيه بأيسر العقاب، وقال الشافعي وغيره: هذه العقوبات مرتبة فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي، وحجة مالك عطف هذه العقوبات بأو التي تقتضي التخيير ﴿ خِزْيٌ فِي الدنيا ﴾ هو العقوبة، وعذاب الآخرة وظاهر هذا أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفارة للمحارب، بخلاف سائر الحدود، ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب فيها والعذاب في الآخرة لمن يعاقب ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ [البقرة: 160] قيل: هي في المشركين وهو ضعيف؛ لأن المشرك لا يختلف حكم توبته قبل القدرة عليه وبعدها، وقيل: هي في المحاربين من المسلمين وهو الصحيح، وهم الذين جاءتهم العقوبات المذكورة، فمن تاب منهم قبل أن يُقدر عليه، فقد سقط عنه حكم الحرابة لقوله: فاعلموا أن الله غفور رحيم.
واختلف هل يطالب بما عليه من حقوق الناس في الدماء والأموال أو لا؟
فوجه المطالبة بها أنها زائدة على حدّ الحرابة التي سقتطت عنه بالتوبة، ووجه إسقاطها إطلاق قوله غفور رحيم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لأقتلنك ﴾ بالنون الخفيفة.
روى المعدّل عن زيد ﴿ يدي إليك ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع.
﴿ من أجل ﴾ بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿ رسلنا ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿ اتل ﴾ وهو محال ﴿ من الآخر ﴾ ط ﴿ لأقتلنك ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ لأقتلك ﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء.
﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ ه ج لأجل الفاء ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ سوأة أخيه ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه ﴿ النادمين ﴾ ه ج ﴿ من أجل ذلك ﴾ ج كذلك لأنّ قوله: ﴿ من أجل ﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿ أصبح ﴾ وبـ ﴿ كتبنا ﴾ .
﴿ جميعاً ﴾ في الموضعين ط.
﴿ بالبينات ﴾ ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ لمسرفون ﴾ ه ﴿ من الأرض ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا عليهم ﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام ﴿ أليم ﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يتوب عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ فكأنه ذكر لأجل تسلية نبيّه قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان.
ومنها أنه عائد إلى قوله: ﴿ يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة.
ومنها أنه من تمام قوله: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل.
والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله ، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد.
أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿ إذ قربا ﴾ قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله من ذبيحة أو صدقة.
يروى أنّ آدم كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا.
وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك.
فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه.
فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً.
هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه.
قال مجاهد: أكل النار علامة الرد.
وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول.
وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.
وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال حكاية عن المحق في جواب المبطل: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله التي هي السبب في القبول؟
قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع.
وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل.
وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟
قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً.
فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.
ثم حكى الله عن المظلوم أنه قال: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ﴾ فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة.
قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع.
قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك.
ثم قال: ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ ؟
فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.
وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.
وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي.
سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟
والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة.
أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله عقاب الظالم.
وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً.
﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله.
ومنهم من قال: شجعته فقتله.
والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع.
وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه.
يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه.
ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات.
وعن النبي أنه قال: " "لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" ولذلك أنه أوّل من سن القتل ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً.
قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها.
فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار.
وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء.
وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.
وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً.
فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك.
ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة.
وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد ولهذا أثنى الله عليه بقوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال.
قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً.
روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب.
وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله كيف يكرمه بعد موته ندم.
وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه ﴿ ليريه ﴾ أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه ﴿ كيف يواري ﴾ محله نصب على الحال من ضمير ﴿ يواري ﴾ والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده.
وقيل: أي جيفة أخيه.
والسوأة السوء الخلة القبيحة ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة عذاب.
يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم.
وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك.
والألف بدل من ياء المتكلم ﴿ أعجزت ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ أن أكون ﴾ أي عن أن أكون ﴿ مثل هذا الغراب ﴾ أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: ﴿ فأواري ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام ﴿ من النادمين ﴾ الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس.
وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم *** ﴿ من أجل ذلك ﴾ القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه ﴿ كتبنا على بني إسرائيل ﴾ إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل.
والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله في الواقعة التي عزموا فيها على قتله.
ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ من أجل ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد.
ويعمل منه امتناع كونه خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد.
والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال.
والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً.
﴿ بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص.
﴿ أو فساد ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على ﴿ نفس ﴾ بمعنى أو بغير فساد ﴿ في الأرض ﴾ كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل.
فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.
والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر.
وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ﴿ ومن أحياها ﴾ استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل ﴿ ثم إنّ كثيراً منهم ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد مجيء الرسل ﴿ لمسرفون ﴾ في القتل لا يبالون بهتك حرمة.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة.
ثم إنه بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة.
ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف.
والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى.
لأنّ افساد نوع من السعي.
عن قتادة عن أنس "أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله واستاقوا الذود، فبعث رسول الله في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" فكانت الآية ناسخة لتلك السنة.
وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة.
وقيل: "نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم" .
وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل.
وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء.
قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام.
وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه.
واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص.
وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق.
وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف.
فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى.
وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون.
والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي.
فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ.
والتشديد في هذه الأفعال للتكثير.
﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو.
وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين ﴿ من خلاف ﴾ أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان.
قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة.
قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب.
وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر.
وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي.
قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب.
وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص.
وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام.
وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك.
وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة.
أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً.
فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.
والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس.
وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ﴿ ذلك لهم خزي ﴾ ذل وفضيحة ﴿ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط.
وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه.
قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.
والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله في الزنا ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ﴾ وفي السرقة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴾ ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل.
فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل.
وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل.
وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق.
والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود.
ثم إنه لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله.
والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: ألا كل ذي لب إلى الله واسل *** والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته.
وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات.
ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: ﴿ وجاهدوا في سبيله ﴾ والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين.
ثم قال: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية.
ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ﴾ أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت ﴿ من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران.
وعن النبي : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟
فيقول: نعم.
فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك" ﴿ يريدون أن يخرجوا ﴾ أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك.
قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.
وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم.
عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة.
ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها.
وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: ﴿ فاقطعوا ﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما.
وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: ﴿ وربك فكبر ﴾ وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل.
والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله : ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء.
أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين.
وأيضاً الخطاب في: ﴿ فاقطعوا ﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة.
وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب.
أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق.
والمراد بالأيدي اليدان مثل: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى.
واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع.
والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً.
ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير.
وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.
ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته.
وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير.
وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.
ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا.
واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق.
وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً.
ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه قال: "لا/ قطع إلاّ في ربع دينار" وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه قال: " "لا قطع إلا في ثمن المجن" والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك.
وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.
وعن الحسن: درهم.
وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم".
ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز.
فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع.
ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير.
ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً.
والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف.
ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه.
وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع.
وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب.
ومنها كون المال محرزاً لقوله : "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" وحرز كل شيء على حسب حاله.
فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.
والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن.
وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال.
وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد.
وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره.
وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين.
ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع.
وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان.
حجة الشافعي أن قوله : " "على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان.
وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق.
حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة.
ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً.
أما كيفية القطع فقد روي أنه أتى بسارق فقطع يمينه.
قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك.
وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة.
واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم.
والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة.
واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.
وانتصاب ﴿ جزاء ﴾ و ﴿ نكالاً ﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿ اقطعوا ﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: ﴿ فاقطعوا ﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿ جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴾ .
﴿ فمن تاب ﴾ من السراق ﴿ من بعد ظلمه ﴾ أي سرقته ﴿ وأصلح ﴾ أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً.
وعند الجمهور لا تسقط.
وباقي الآيات قد مر تفسيره.
وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة.
التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.
وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية.
فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿ فتبوء بإثمي وإثمك ﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي.
فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿ فبعث الله غراباً ﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها.
وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿ في الأرض لمسرفون ﴾ أي في أرض البشرية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون ﴾ أولياء الله ﴿ أن يقتلوا ﴾ بسكين الخذلان ﴿ أو يصلبوا ﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿ أو تقطع أيديهم ﴾ عن أذيال الوصال ﴿ وأرجلهم من خلاف ﴾ عن الاختلاف ﴿ أو ينفوا ﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿ السارق والسارقة ﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ الآن في عالم الصورة ﴿ نكالاً من الله ﴾ تقديراً منه في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً...
﴾ الآية.
قال بعضهم: الآية نزلت في أهل الكفر، وبيان الحكم فيهم؛ وهو قول الحسن وأبي بكر الأصم، وقالا: لأن الله - عز وجل - ذكر محاربة الله ورسوله، وذكر السعي في الأرض بالفساد، وكل كافر قد حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض بالفساد - فللإمام أن يقتلهم بأي أنواع القتل شاء، ما دام الحرب فيما بينهم قائماً، فإذا أثخنوا في الأرض - بترك ذلك - يَمُنُّ الله عليهم إن شاء.
وأما المسلم إذا قطع الطريق: فإنه لا يقال: إنه حارب الله ورسوله؛ فدل أنها نزلت في أهل الكفر؛ للكفر، لا لقطع الطريق.
وقال آخرون: نزلت في المشركين إذا قطعوا الطريق فأما المسلمون إذا قطعوا الطريق، فإنما هم سراق تقطع أيديهم فقط.
وقال غيرهم: نزلت الآية بالحكم في المشركين إذا قطعوا الطريق وأخافوه، لكن يتحرى ذلك الحكم في المسلمين، إذا قطعوا الطريق على الناس وأخافوهم.
روي عن ابن عباس - - قال: "وادع رسول الله أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي، فجاء أناس يريدون الإسلام، فقطع الطريق عليهم؛ فنزل جبريل - - على رسول الله بالحدِّ فيهم: أن من قتل وأخذ المال - صُلب، ومن قَتَل ولم يأخذ المال - قُتِلَ، ومن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلماً - هدم الإسلام ما كان في الشرك" ؛ فدل حديث ابن عباس - - على أن الآية نزلت في الموادعين غير المحاربين.
روي عن أنس قال: "إن أناساً من عُكْل أو عُرَينة أتوا النبي فشكوا إليه الجهد، فبعث معهم بلقاح وراعيا، وقال لهم: اشْرَبُوا أَلْبَانَهَا، وَتَدَاوَوْا بِأبْوَالِهَا، فلما أن صَحُّوا قتلوا راعي النبي واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام؛ فبعث في آثارهم، فأتى بهم بعد ما ترجل [بهم] النهار، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وقطع ألسنتهم، وتركوا بالمكان حتى ماتوا؛ فنزلت الآية" وروي عن علي - - ما يخالف هذا؛ روي: "أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً، وتاب من قبل أن يقدر عليه، فكتب علي بن أبي طالب إلى عامله بالبصرة: أن حارثة قد تاب قبل أن يقدر عليه؛ فلا تتعرض له إلا بالخير" ألا ترى أن حارثة قد أطلق فيه أنه حارب [الله و] رسوله وكان مؤمناً؟!
فهذا يدل على أن الحكم الذي أجرى على قطاع الطريق الكفرة يجري ذلك الحكم في المسلمين، إذا كان منهم ما كان من المشركين من قطع الطريق على الناس وإخافته عليهم.
وقد يتوهم أن الآية نزلت في أهل الحرب، وقد أبيح لنا قتل من ظفرنا به منهم كيف شئنا، وإن لم يفسدوا في الأرض ولم يقطعوا الطريق؛ وهذا يدل أن الآية نزلت بالحكم في أهل الكفر وأهل الإسلام جميعاً، إذا سعوا في الأرض بالفساد، ومن الدليل على ذلك: أن الله - - قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وأجمعوا أن الكافر إذا قتل مسلماً، وأظهر في الأرض الفساد، فقدرنا عليه وأسرناه، ثم أسلم - أنه يزول عنه القتل والقطع والطلب؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت بالحكم في المسلمين؛ لأنه يختلف حكمه إذا تابوا من قبل أن يقدر عليهم، أو بعد قدرتنا عليهم، ولم ينزل فيمن يستوي حكمه في الحالين جميعاً، إذا تابوا بعد القدرة، فالحكم ثابت عليهم، فأما الذي روي عن النبي من فعله بالعرنيين: فإنهم كانوا أسلموا، ثم ارتدوا.
واحتج من ذكرنا قوله من المتأخرين بأن الآية نزلت فيهم - بحديث أنس من فعله بالعرنيين.
وقد روي عن بعض المتقدمين أن الآية نزلت بعد قتل العرنيين من نحو ابن سيرين وغيره؛ فالواجب على من ادعى أن الآية نزلت في العرنيين أن يبين دعواه.
وكان أصحابنا - رحمهم الله - يذهبون إلى ما روي عن ابن عباس - - ويرون أن يؤخذ المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه بما أصاب من دم ومال، على سبيل القصاص، ولا يصلب ولا تقطع يده ورجله فيما أصاب من مال؛ فكأنهم ذهبوا إلى أن يزال الحد الذي لله على المحارب بتوبته قبل أن يقدر عليه، وهو ما كان إلى الإمام إقامته، ولا أمر للولي فيه.
وأما الحقوق التي هي للعباد: فإن التوبة لا تعمل في إبطالها، ولكل ذي حق أن يأخذ بحقه لا حق للإمام؛ لأن الحق صار للولي دون الإمام.
وفي قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ دلالة على أن السارق إذا رد السرقة قبل أن يقدر عليه أن لا قطع عليه؛ وكذلك روي عن بعض المتقدمين أنهم قالوا: ليس على تائب قطع.
ودل قوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً ﴾ على أن السارق في المصر ليلاً أو نهاراً لا يكون محارباً، وإنما هو سارق تقطع يده دون رجله؛ لأنه ذكر السعي في الأرض بالفساد، والسارق في المصر لا يقال: سعى في الأرض؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ لم يرد الضرب في المصر، ولكن أراد الأسفار؛ فعلى ذلك الأول.
وأما الكلام في القتل والصلب والقطع: فروي عن ابن عباس - - قال: "إذا حارب وقتل وأخذ المال - قطعت يده ورجله من خلاف وصلب، فإن قتل ولم يأخذ المال - قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من خلاف".
وتأول الآية: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...
﴾ الآية: على أن الواجب على المحارب من العقوبة له على قدر جنايته، ويزاد في عقوبته بقدر زيادته في جرمه.
وتأول غيره الآية: على أنها نزلت في المحارب الذي يصيب المال والنفس، وإذا أصاب الأمرين كان للإمام أن يقتله كيف شاء: إن شاء قتله بالسيف قتلاً، وإن شاء قطع يده ورجله ثم يتركه حتى يموت، وإن شاء صلبه حيّاً، وإن أبطأ عليه الموت طعن بالرماح حتى يموت؛ وإلى هذا كان يذهب أبو حنيفة، رحمه الله .
وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - قالا: إذا صلب لم تقطع يده ورجله؛ لأنه لا يجوز أن يجمع عليه الأمرين، وإنما جعل الله له أحدهما بظاهر قوله: ﴿ أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ ﴾ ، وجعلا عقوبته مختلفة على قدر جنايته، إن قيل: فما معنى التخيير فيه؟
قيل: معناه - والله أعلم - أن يقتل بالسيف، أو يقتل بالصلب، أو يقتل بقطع اليد والرجل.
وأصله: أن حرف التخيير إذا كان في متفق الأسباب يخرج مخرج التخيير، من نحو: التخيير في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة المتأذي؛ لأن سبب وجوبه واحد.
وإذا كان في مختلف الأسباب فيخرج مخرج بيان الحكم لكلٍّ في نفسه؛ كقوله - -: ﴿ قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ لا يحتمل التخيير، ولكنه على بيان الحكم لكلٍّ في نفسه؛ لأن سبب وجوبه مختلف، فتأويله: إما أن تعذب من ظلم، وتتخذ الحسن فيمن آمن بالله؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .
وقول من جعل الحكم فيمن جمع القتل وقطع الطريق أقرب إلى التأويل - والله أعلم - ممن لم يجمع؛ لأنه قال - عز وجل: ﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...
﴾ الآية، فمن حارب وأفسد في الأرض فقد أتى بالأمرين جميعا؛ لأن محاربته أن يقتل، وإفساده في الأرض بقطع الطريق، فإذا جمع هو بين الأمرين يجمع بين عقوبتين.
وأصله أن أمر قطاع الطريق محمول على فضل تغليظ، [من نحو ما يجمع بين قطع اليد والرجل في أخذ المال، وذلك لا يجمع في أخذ المال في المصر، ومن نحو الصلب، وذلك لم يجعل في غيره من القتل في المصر؛ فدل أنه محمول على فضل تغليظ]، فجاز أن يجمع بين ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ ﴾ : قال بعضهم: "وينفوا من الأرض" على إسقاط الألف، ويكون في القتل والصلب نفيه إذا قتل وأخذ المال.
وقال بعضهم: نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه.
وعن الحسن قال: يطلب حتى يخرج من أرض الإسلام، وذلك إلى الإمام.
وأصله ما ذكرنا: أنه إذا قدر عليه وقد قتل وأخذ المال يقتل؛ وفي القتل نفيه، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال حبس إن قدر عليه؛ وفي الحبس نفيه، وإن لم يقدر عليه يطلب حتى يبرح عن الطريق، والله أعلم.
وقول أبي عبيد؛ حيث قالت: إنه يصلب بعد القتل؛ لأن رسول الله نهى عن المثلة، فيقال له: المثلة يراد بها على ما قال محمد بن الحسن - رحمه الله - ولأن الصلب جعل عقوبته، والميت لا يعاقب، ولو جاز أن يصلب بعد القتل لجاز لغيره أن يقول: تقطع يده ورجله بعد القتل؛ فذلك بعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم أن قطاع الطريق إذا تابوا قبل أن يقدر عليهم، سقط عنهم الحدود التي هي لله ، لا يؤاخذون بها، وليس كغيرها من الحدود التي تلزم في غير المحاربة - أن التوبة لا تعمل في إسقاطها - لوجهين: أحدهما: أن التوبة من غير المحارب لا تظهر حقيقة، فإذا لم تظهر - لم تعمل في إسقاط ما وجب، وفي المحارب تظهر؛ لأنه في يدي نفسه إذا ترك المحاربة والسعي في الأرض بالفساد، وظهرت منه التوبة فلم يؤاخذ به، وفي سائر الحدود لا يظهر منه ترك ما كان يرتكب؛ لذلك افترقا.
والثاني: أنه لو لم يقبل منه ذلك لتمادى في السعي في الأرض بالفساد في حق المسلمين من الضرر أكثر مما لو أخذوهم بذلك، فاستحسنوا قبول ذلك منهم، ودرئ ما وجب عليهم من الحدود التي هي لله .
وأما الحقوق التي هي للعباد: فذلك إلى الأولياء: إن شاؤا أخذوهم بذلك، وإن شاءوا تركوا، والله أعلم.
وأما قوله: "من جاء مسلماً هدم الإسلام ما كان في الشرك" ، معناه: إذا جاء تائباً؛ لأن الحدود جعلت زواجر، والإسلام يزيد في الزجر والتغليظ؛ فلا يجوز أن يكون ما كان سبباً للتغليظ سبباً لإسقاطه؛ دل أن المعنى منه: من جاء مسلماً تائباً، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إلا الذين تابوا من هؤلاء المحاربين من قبل قدرتكم -يا أولي الأمر- عليهم، فاعلموا أن الله غفور لهم بعد التوبة، رحيم بهم، ومن رحمته بهم إسقاط العقاب عنهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.E2OrL"