الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٣٣ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 218 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٣ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) الآية .
المحاربة : هي المضادة والمخالفة ، وهي صادقة على الكفر ، وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل ، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر ، حتى قال كثير من السلف ، منهم سعيد بن المسيب : إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض ، وقد قال الله تعالى : ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ) [ البقرة : 205 ] .
ثم قال بعضهم : نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين ، كما قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة والحسن البصري قالا [ قال تعالى ] ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) إلى ( أن الله غفور رحيم ) نزلت هذه الآية في المشركين ، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه ، لم يكن عليه سبيل ، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد ، إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه ، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب .
ورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) نزلت في المشركين ، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق ، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ، فخير الله رسوله : إن شاء أن يقتل ، وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف .
رواه ابن جرير .
وروى شعبة عن منصور عن هلال بن يساف عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : نزلت في الحرورية : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) رواه ابن مردويه .
والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات ، كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة - واسمه عبد الله بن زيد الجرمي البصري - عن أنس بن مالك : أن نفرا من عكل ثمانية ، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام ، فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟
" فقالوا : بلى .
فخرجوا ، فشربوا من أبوالها وألبانها ، فصحوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل .
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم ، فأدركوا ، فجيء بهم ، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسمرت أعينهم ، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا .
لفظ مسلم .
وفي لفظ لهما : " من عكل أو عرينة " ، وفي لفظ : " وألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون فلا يسقون .
وفي لفظ لمسلم : " ولم يحسمهم " .
وعند البخاري : قال أبو قلابة : فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم ، وحاربوا الله ورسوله .
ورواه مسلم من طريق هشيم عن عبد العزيز بن صهيب وحميد عن أنس فذكر نحوه ، وعنده : " وارتدوا " .
وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس بنحوه .
وقال سعيد عن قتادة : " من عكل وعرينة " .
ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي عن أنس قال : إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك ; لأنهم سملوا أعين الرعاء .
ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة عن أنس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه ، وقد وقع بالمدينة الموم - وهو البرسام - ثم ذكر نحو حديثهم ، وزاد : وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فارسا فأرسلهم ، وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم .
وهذه كلها ألفاظ مسلم رحمه الله .
وقال حماد بن سلمة : حدثنا قتادة وثابت البناني وحميد الطويل عن أنس بن مالك : أن ناسا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها ، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا ، فصحوا فارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الراعي ، وساقوا الإبل ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم ، فجيء بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وسمر أعينهم وألقاهم في الحرة .
قال أنس : فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا ، ونزلت : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) الآية .
وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه - وهذا لفظه - وقال الترمذي : " حسن صحيح " .
وقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة ، عن أنس بن مالك منها ما رواه من طريقين ، عن سلام بن أبي الصهباء عن ثابت عن أنس بن مالك قال : ما ندمت على حديث ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج قال أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال : قلت : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة من البحرين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقوا من بطونهم ، وقد اصفرت ألوانهم ، وضخمت بطونهم ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة ، فيشربوا من أبوالها وألبانها ، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم عدوا على الراعي فقتلوه ، واستاقوا الإبل ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا .
فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قطع أيدي قوم وأرجلهم ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا لحال ذود [ من الإبل ] وكان يحتج بهذا الحديث على الناس .
وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد - يعني ابن مسلم - حدثني سعيد عن قتادة عن أنس قال : كانوا أربعة نفر من عرينة وثلاثة نفر من عكل فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، ولم يحسمهم ، وتركهم يتلقمون الحجارة بالحرة ، فأنزل الله في ذلك : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) الآية .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا أبو مسعود - يعني عبد الرحمن بن الحسن الزجاج - حدثنا أبو سعد - يعني البقال - عن أنس بن مالك قال : كان رهط من عرينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهم جهد ، مصفرة ألوانهم ، عظيمة بطونهم ، فأمرهم أن يلحقوا بالإبل فيشربوا من أبوالها وألبانها ، ففعلوا ، فصفت ألوانهم وخمصت بطونهم ، وسمنوا ، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم ، فأتي بهم ، فقتل بعضهم ، وسمر أعين بعضهم ، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم ، ونزلت : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) إلى آخر الآية .
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة ، قال أنس : فارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الراعي ، واستاقوا الإبل ، وأخافوا السبيل ، وأصابوا الفرج الحرام .
وقال : حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الزناد عن عبد الله بن عبيد الله عن عبد الله بن عمر - أو : عمرو شك يونس - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك - يعني بقصة العرنيين - ونزلت فيهم آية المحاربة .
ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد وفيه : " عن ابن عمر " من غير شك .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن خلف حدثنا الحسن بن حماد عن عمرو بن هاشم عن موسى بن عبيدة عن محمد بن إبراهيم عن جرير قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة حفاة مضرورين ، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح ، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم ، قال جرير : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعدما أشرفوا على بلاد قومهم ، فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وسمل أعينهم ، فجعلوا يقولون : الماء .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " النار " !
حتى هلكوا .
قال : وكره الله - عز وجل - سمل الأعين ، فأنزل الله هذه الآية : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) إلى آخر الآية .
هذا حديث غريب وفي إسناده الربذي وهو ضعيف ، وفيه فائدة ، وهو ذكر أمير هذه السرية ، وهو جرير بن عبد الله البجلي وتقدم في صحيح مسلم أن السرية كانوا عشرين فارسا من الأنصار .
وأما قوله : " فكره الله سمل الأعين ، فأنزل الله هذه الآية " فإنه منكر ، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء ، فكان ما فعل بهم قصاصا ، والله أعلم .
وقال عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد الأسلمي عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فزارة قد ماتوا هزلا .
فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه ، فشربوا منها حتى صحوا ، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها ، فطلبوا ، فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمر أعينهم .
قال أبو هريرة : ففيهم نزلت هذه الآية : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) فترك النبي صلى الله عليه وسلم سمر الأعين بعد .
وروي من وجه آخر عن أبي هريرة .
وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد عن عمرو بن محمد المديني حدثنا محمد بن طلحة عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن سلمة بن الأكوع قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يقال له : " يسار " فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه ، وبعثه في لقاح له بالحرة ، فكان بها ، قال : فأظهر قوم الإسلام من عرينة وجاءوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم ، قال : فبعث بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى " يسار " فكانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم ، ثم عدوا على " يسار " فذبحوه ، وجعلوا الشوك في عينيه ، ثم أطردوا الإبل ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلا من المسلمين ، أميرهم كرز بن جابر الفهري فلحقهم فجاء بهم إليه ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم .
غريب جدا .
وقد روى قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة ، منهم جابر وعائشة وغير واحد .
وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بتطريق هذا الحديث من وجوه كثيرة جدا ، فرحمه الله وأثابه .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق سمعت أبي يقول : سمعت أبا حمزة عن عبد الكريم - وسئل عن أبوال الإبل - فقال : حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال : كان أناس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نبايعك على الإسلام .
فبايعوه ، وهم كذبة ، وليس الإسلام يريدون .
ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح ، فاشربوا من أبوالها وألبانها " قال : فبينا هم كذلك ، إذ جاءهم الصريخ ، فصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : قتلوا الراعي ، واستاقوا النعم .
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس : أن " يا خيل الله اركبي " .
قال : فركبوا لا ينتظر فارس فارسا ، قال : وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم ، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم ، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم ، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) الآية .
قال : فكان نفيهم : أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم ، ونفوهم من أرض المسلمين .
وقتل نبي الله صلى الله عليه وسلم منهم ، وصلب ، وقطع ، وسمر الأعين .
قال : فما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد .
قال : ونهى عن المثلة ، قال : " ولا تمثلوا بشيء " قال : وكان أنس يقول ذلك ، غير أنه قال : أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم .
قال : وبعضهم يقول : هم ناس من بني سليم ومنهم عرينة ناس من بجيلة .
وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنيين : هل هو منسوخ أو محكم؟
فقال بعضهم : هو منسوخ بهذه الآية ، وزعموا أن فيها عتابا للنبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله [ تعالى ] ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) [ التوبة : 43 ] ومنهم من قال : هو منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة .
وهذا القول فيه نظر ، ثم صاحبه مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ .
وقال بعضهم : كان هذا قبل أن تنزل الحدود ، قاله محمد بن سيرين وفي هذا نظر ، فإن قصتهم متأخرة ، وفي رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها فإنه أسلم بعد نزول المائدة .
ومنهم من قال : لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم ، وإنما عزم على ذلك ، حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين .
وهذا القول أيضا فيه نظر ; فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل - وفي رواية : سمر - أعينهم .
وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم قال : ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم ، وتركه حسمهم حتى ماتوا ، قال : سمعت محمد بن عجلان يقول : أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك ، وعلمه عقوبة مثلهم : من القتل والقطع والنفي ، ولم يسمل بعدهم غيرهم .
قال : وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو - يعني الأوزاعي - فأنكر أن يكون نزلت معاتبة ، وقال : بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم ، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم ، ورفع عنهم السمل .
ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله : ( ويسعون في الأرض فسادا ) وهذا مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي أحمد بن حنبل حتى قال مالك - في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتا فيقتله ، ويأخذ ما معه - : إن هذا محاربة ، ودمه إلى السلطان لا [ إلى ] ولي المقتول ، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تكون المحاربة إلا في الطرقات ، فأما في الأمصار فلا ; لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث ، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه .
[ والله أعلم ] وأما قوله : ( أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) الآية : قال [ علي ] بن أبي طلحة عن ابن عباس في [ قوله : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) ] الآية [ قال ] من شهر السلاح في قبة الإسلام ، وأخاف السبيل ، ثم ظفر به وقدر عليه ، فإمام المسلمين فيه بالخيار : إن شاء قتله ، وإن شاء صلبه ، وإن شاء قطع يده ورجله .
وكذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك .
وروى ذلك كله أبو جعفر بن جرير وحكي مثله عن مالك بن أنس رحمه الله .
ومستند هذا القول أن ظاهر " أو " للتخيير ، كما في نظائر ذلك من القرآن ، كقوله في جزاء الصيد : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) [ المائدة : 95 ] وقوله في كفارة الترفه : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) [ البقرة : 196 ] وكقوله في كفارة اليمين : ( إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ) [ المائدة : 89 ] .
[ و ] هذه كلها على التخيير ، فكذلك فلتكن هذه الآية .
وقال الجمهور : هذه الآية منزلة على أحوال كما قال أبو عبد الله الشافعي [ رحمه الله ] أنبأنا إبراهيم - هو ابن أبي يحيى - عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس في قطاع الطريق : إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا ، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض .
وقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن عطية عن ابن عباس بنحوه .
وعن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء الخراساني نحو ذلك .
وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة .
واختلفوا : هل يصلب حيا ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب ، أو بقتله برمح ونحوه ، أو يقتل أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين ؟
وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل ، أو يترك حتى يسيل صديده؟
في ذلك كله خلاف محرر في موضعه ، وبالله الثقة وعليه التكلان .
ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره - إن صح سنده - فقال : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس [ بن مالك ] يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين - وهم من بجيلة - قال أنس : فارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الراعي ، واستاقوا الإبل ، وأخافوا السبيل ، وأصابوا الفرج الحرام .
قال أنس : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل - عليه السلام - عن القضاء فيمن حارب ، فقال : من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ، ورجله بإخافته ، ومن قتل فاقتله ، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام ، فاصلبه .
وأما قوله تعالى : ( أو ينفوا من الأرض ) قال بعضهم : هو أن يطلب حتى يقدر عليه ، فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام .
رواه ابن جرير عن ابن عباس وأنس بن مالك وسعيد بن جبير والضحاك والربيع بن أنس والزهري والليث بن سعد ومالك بن أنس .
وقال آخرون : هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر ، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية ، وقال الشعبي : ينفيه - كما قال ابن هبيرة - من عمله كله .
وقال عطاء الخراساني : ينفى من جند إلى جند سنين ، ولا يخرج من أرض الإسلام .
وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء والحسن والزهري والضحاك ومقاتل بن حيان : إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام .
وقال آخرون : المراد بالنفي هاهنا السجن ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، واختار ابن جرير : أن المراد بالنفي هاهنا : أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه .
وقوله : ( ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) أي : هذا الذي ذكرته من قتلهم ، ومن صلبهم ، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ونفيهم - خزي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا ، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة ، وهذا قد يتأيد به من ذهب إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين ، فأما أهل الإسلام فقد ثبت في الصحيح عند مسلم عن عبادة بن الصامت قال : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء : ألا نشرك بالله شيئا : ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ولا يعضه بعضنا بعضا ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ، ومن ستره الله فأمره إلى الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وعن علي [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أذنب ذنبا في الدنيا ، فعوقب به ، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده ، ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه ، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه " .
رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي : " حسن غريب " .
وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث ، فقال : روي مرفوعا وموقوفا ، قال : ورفعه صحيح .
وقال ابن جرير في قوله : ( ذلك لهم خزي في الدنيا ) يعني : شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة ، ( ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) أي : إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا - في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا ، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها - ( عذاب عظيم ) يعني : عذاب جهنم .
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله القول في تأويل قوله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } وهذا بيان من الله عز ذكره عن حكم الفساد في الأرض الذي ذكره في قوله : { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض } أعلم عباده ما الذي يستحق المفسد في الأرض من العقوبة والنكال , فقال تبارك وتعالى : لا جزاء له في الدنيا إلا القتل والصلب وقطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض , خزيا لهم ; وأما في الآخرة إن لم يتب في الدنيا فعذاب عظيم .
ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية .
فقال بعضهم : نزلت في قوم من أهل الكتاب , كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض , فعرف الله نبيه صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم .
ذكر من قال ذلك : 9214 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق , فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ; فخير الله رسوله , إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف .
9215 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , قال : كان قوم بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ميثاق , فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض ; فخير الله جل وعز نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم , فإن شاء قتل , وإن شاء صلب , وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف * - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثني عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول , فذكر نحوه .
وقال آخرون : نزلت في قوم من المشركين .
ذكر من قال ذلك : 9216 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الحسين بن واقد , عن يزيد , عن عكرمة والحسن البصري , قالا : قال : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى : { إن الله غفور رحيم } نزلت هذه الآية في المشركين , فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه لم يكن عليه سبيل ; وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه , لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصاب .
9217 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن أشعث , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : نزلت في أهل الشرك .
وقال آخرون : بل نزلت في قوم من عرينة وعكل ارتدوا عن الإسلام , وحاربوا الله ورسوله .
ذكر من قال ذلك : 9218 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا روح بن عبادة , قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة , عن قتادة , عن أنس : أن رهطا من عكل وعرينة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم , فقالوا : يا رسول الله إنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف وإنا استوخمنا المدينة .
فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود وراع , وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها .
فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم , واستاقوا الذود , وكفروا بعد إسلامهم .
فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم , فقطع أيديهم وأرجلهم , وسمل أعينهم , وتركهم في الحرة حتى ماتوا .
فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا روح , قال : ثنا هشام بن أبي عبد الله , عن قتادة , عن أنس بن مالك , عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه القصة .
9219 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق , قال : سمعت أبي يقول : أخبرنا أبو حمزة , عن عبد الكريم وسئل عن أبوال الإبل , فقال : حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين , فقال : كان ناس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : نبايعك على الإسلام !
فبايعوه وهم كذبة , وليس الإسلام يريدون .
ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح , فاشربوا من أبوالها وألبانها " .
قال : فبينا هم كذلك إذ جاء الصريخ , فصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : قتلوا الراعي , وساقوا النعم !
فأمر نبي الله فنودي في الناس , أن : يا خيل الله اركبي .
قال : فركبوا لا ينتظر فارس فارسا .
قال : فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم , فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم , فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم , فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , قال : فكان نفيهم أن نفوهم , حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم , ونفوهم من أرض المسلمين , وقتل نبي الله منهم وصلب وقطع وسمل الأعين قال : فما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد .
قال : " نهى عن المثلة , وقال : ولا تمثلوا بشيء " قال : فكان أنس بن مالك يقول ذلك , غير أنه قال : أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم .
قال : وبعضهم يقول : هم ناس من بني سليم , ومنهم من عرينة وناس من بجيلة ذكر من قال ذلك 9220 - حدثني محمد بن خلف , قال : ثنا الحسن بن هناد , عن عمرو بن هاشم , عن موسى بن عبيد , عن محمد بن إبراهيم , عن جرير , قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة حفاة مضرورين , فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح , ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم .
قال جرير : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم .
في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلاد قومهم , فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف , وسمل أعينهم , وجعلوا يقولون : الماء !
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " النار " حتى هلكوا .
قال : وكره الله سمل الأعين , فأنزل هذه الآية : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى آخر الآية 9221 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني ابن لهيعة , عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن , عن عروة بن الزبير .
وحدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم , وسعيد بن عبد الرحمن , وابن سمعان , عن هشام بن عروة , عن أبيه , قال : أغار ناس من عرينة على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاستاقوها وقتلوا غلاما له فيها , فبعث في آثارهم فأخذوا , فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم .
9222 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني عمرو بن الحارث , عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الزناد , عن عبد الله بن عبد الله , عن عبد الله بن عمر - أو عمرو , شك يونس - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك , ونزلت فيهم آية المحاربة .
9223 - حدثنا علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : ثنا الأوزاعي , عن يحيى بن أبي كثير , عن أبي قلابة , عن أنس , قال : قدم ثمانية نفر من عكل على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأسلموا , ثم اجتووا المدينة , فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها , ففعلوا , فقتلوا رعاتها , واستاقوا الإبل .
فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم قافة , فأتي بهم , فقطع أيديهم وأرجلهم , وتركهم فلم يحسمهم حتى ماتوا .
9224 - حدثنا علي , قال : ثنا الوليد , قال : ثني سعيد , عن قتادة , عن أنس , قال : .
كانوا أربعة نفر من عرينة وثلاثة من عكل , فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم , وتركهم يتلقمون الحجارة بالحرة , فأنزل الله جل وعز في ذلك : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية .
9225 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , عن ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية , فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين , وهم من بجيلة , قال أنس : فارتدوا عن الإسلام , وقتلوا الراعي , واستاقوا الإبل , وأخافوا السبيل , وأصابوا الفرج الحرام .
9226 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قال : أنزلت في سودان عرينة , قال : أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهم الماء الأصفر , فشكوا ذلك إليه , فأمرهم فخرجوا إلى إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقة , فقال : " اشربوا من ألبانها وأبوالها " .
فشربوا من ألبانها وأبوالها , حتى إذا صحوا وبرءوا , قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل .
وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال : أنزل الله هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم معرفة حكمه على من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا , بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ما فعل وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك ; لأن القصص التي قصها الله جل وعز قبل هذه الآية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبائهم , فأن يكون ذلك متوسطا منه يعرف الحكم فيهم وفي نظرائهم أولى وأحق .
وقلنا : كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ما فعل لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك .
وإذ كان ذلك أولى بالآية لما وصفنا , فتأويلها : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو سعى بفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا , ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا , ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات , ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون , يقول : لساعون في الأرض بالفساد , وقاتلو النفوس بغير نفس وغير سعي في الأرض بالفساد حربا لله ولرسوله , فمن فعل ذلك منهم يا محمد , فإنما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض .
فإن قال لنا قائل : وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت في الحال التي ذكرت من حال نقض كافر من بني إسرائيل عهده , ومن قولك إن حكم هذه الآية حكم من الله في أهل الإسلام دون أهل الحرب من المشركين ؟
قيل : جاز أن يكون ذلك كذلك ; لأن حكم من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا من أهل ذمتنا وملتنا واحد , والذين عنوا بالآية كانوا أهل عهد وذمة , وإن كان داخلا في حكمها كل ذمي وملي , وليس يبطل بدخول من دخل في حكم الآية من الناس أن يكون صحيحا نزولها فيمن نزلت فيه .
وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكم النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين , فقال بعضهم : ذلك حكم منسوخ , نسخه نهيه عن المثلة بهذه الآية , أعني بقوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } الآية , وقالوا : أنزلت هذه الآية عتابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل بالعرنيين .
وقال بعضهم : بل فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين حكم ثابت في نظرائهم أبدا , لم ينسخ ولم يبدل .
وقوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , حكم من الله فيمن حارب وسعى في الأرض فسادا بالحرابة .
قالوا : والعرنيون ارتدوا وقتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله , فحكمهم غير حكم المحارب الساعي في الأرض بالفساد من أهل الإسلام والذمة .
وقال آخرون : لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين , ولكنه كان أراد أن يسمل , فأنزل الله جل وعز هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم يعرفه الحكم فيهم ونهاه عن سمل أعينهم .
ذكر القائلين ما وصفنا : 9227 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا , فقال : سمعت محمد بن عجلان يقول : أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك , وعلمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي , ولم يسمل بعدهم غيرهم .
قال : وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو , فأنكر أن تكون نزلت معاتبة , وقال : بلى كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم , ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم من حارب بعدهم فرفع عنهم السمل 9228 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثني أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأتي بهم - يعني العرنيين - فأراد أن يسمل أعينهم , فنهاه الله عن ذلك , وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه واختلف أهل العلم في المستحق اسم المحارب لله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه , فقال بعضهم : هو اللص الذي يقطع الطريق .
ذكر من قال ذلك : 9229 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , عن عطاء الخراساني في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } الآية , قالا : هذا هو اللص الذي يقطع الطريق , فهو محارب .
وقال آخرون : هو اللص المجاهر بلصوصيته , المكابر في المصر وغيره .
وممن قال ذلك الأوزاعي .
9230 - حدثنا بذلك العباس عن أبيه عنه , وعن مالك والليث بن سعد وابن لهيعة .
9231 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : قلت لمالك بن أنس : تكون محاربة في المصر ؟
قال : نعم , والمحارب عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصر أو خلاء , فكان ذلك منه على غير نائرة كانت بينهم ولا ذحل ولا عداوة , قاطعا للسبيل والطريق والديار , مخيفا لهم بسلاحه , فقتل أحدا منهم قتله الإمام كقتله المحارب ليس لولي المقتول فيه عفو ولا قود .
9232 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , قال : سألت عن ذلك الليث بن سعد وابن لهيعة , قلت : تكون المحاربة في دور المصر والمدائن والقرى ؟
فقالا : نعم , إذا هم دخلوا عليهم بالسيوف علانية , أو ليلا بالنيران .
قلت : فقتلوا أو أخذوا المال ولم يقتلوا ؟
فقال : نعم هم المحاربون , فإن قتلوا قتلوا , وإن لم يقتلوا وأخذوا المال قطعوا من خلاف إذا هم خرجوا به من الدار , ليس من حارب المسلمين في الخلاء والسبيل بأعظم من محاربة من حاربهم في حريمهم ودورهم .
9233 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , قال : قال أبو عمرو : وتكون المحاربة في المصر شهر على أهله بسلاحه ليلا أو نهارا .
قال علي : قال الوليد : وأخبرني مالك أن قتل الغيلة عنده بمنزلة المحاربة .
قلت : وما قتل الغيلة ؟
قال : هو الرجل يخدع الرجل والصبي , فيدخله بيتا أو يخلو به فيقتله ويأخذ ماله , فالإمام ولي قتل هذا , وليس لولي الدم والجرح قود ولا قصاص .
وهو قول الشافعي .
حدثنا بذلك عنه الربيع .
وقال آخرون : المحارب : هو قاطع الطريق ; فأما المكابر في الأمصار فليس بالمحارب الذي له حكم المحاربين .
وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه .
9234 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا بشر بن المفضل , عن داود بن أبي هند , قال : تذاكرنا المحارب ونحن عند ابن هبيرة في ناس من أهل البصرة , فاجتمع رأيهم أن المحارب ما كان خارجا من المصر .
وقال مجاهد بما : .
9235 - حدثني القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قال : الزنا والسرقة , وقتل الناس , وإهلاك الحرث والنسل .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن محمد بن عبد الرحمن , عن القاسم بن أبي بزة , عن مجاهد : { ويسعون في الأرض فسادا } قال : الفساد : القتل , والزنا , والسرقة .
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب , قول من قال : المحارب لله ورسوله من حارب في سابلة المسلمين وذمتهم , والمغير عليهم في أمصارهم وقراهم حرابة .
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب ; لأنه لا خلاف بين الحجة أن من نصب حربا للمسلمين على الظلم منه لهم أنه لهم محارب , ولا خلاف فيه .
فالذي وصفنا صفته , لا شك فيه أنه لهم مناصب حربا ظلما .
وإذ كان ذلك كذلك , فسواء كان نصبه الحرب لهم في مصرهم وقراهم أو في سبلهم وطرقهم في أنه لله ولرسوله محارب بحربه من نهاه الله ورسوله عن حربه .ويسعون في الأرض فسادا القول في تأويل قوله تعالى : { ويسعون في الأرض فسادا } فإنه يعني : يعملون في أرض الله بالمعاصي من إخافة سبل عباده المؤمنين به , أو سبل ذمتهم وقطع طرقهم , وأخذ أموالهم ظلما وعدوانا , والتوثب على حرمهم فجورا وفسوقا .أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض القول في تأويل قوله تعالى : { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } يقول تعالى ذكره : ما للذي حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا من أهل ملة الإسلام أو ذمتهم إلا بعض هذه الخلال التي ذكرها جل ثناؤه .
ثم اختلف أهل التأويل في هذه الخلال أتلزم المحارب باستحقاقه اسم المحاربة , أم يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه مختلفا باختلاف أجرامه ؟
فقال بعضهم : يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه , مختلفا باختلاف أجرامه ذكر من قال ذلك : 9236 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي .
عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : إذا حارب فقتل , فعليه القتل إذا ظهر عليه قبل توبته .
وإذا حارب وأخذ المال وقتل , فعليه الصلب إن ظهر عليه قبل توبته .
وإذا حارب وأخذ ولم يقتل , فعليه قطع اليد والرجل من خلاف إن ظهر عليه قبل توبته .
وإذا حارب وأخاف السبيل , فإنما عليه النفي .
9237 - حدثنا ابن وكيع وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , عن أبيه , عن حماد , عن إبراهيم : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : إذا خرج فأخاف السبيل وأخذ المال , قطعت يده ورجله من خلاف .
وإذا أخاف السبيل ولم يأخذ المال وقتل , صلب .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن حماد , عن إبراهيم - فيما أرى - في الرجل يخرج محاربا , قال : إن قطع الطريق وأخذ المال قطعت يده ورجله , وإن أخذ المال وقتل قتل , وإن أخذ المال وقتل ومثل : صلب .
9238 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عمران بن حدير , عن أبي مجلز : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية .
قال : إذا قتل وأخذ المال وأخاف السبيل صلب , وإذا قتل لم يعد ذلك قتل , إذا أخذ المال لم يعد ذلك قطع , وإذا كان يفسد نفي .
9239 - حدثني المثنى , قال ثنا الحماني , قال ثنا شريك , عن سماك , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : إذا أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي .
9240 - حدثنا المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن حصين , قال : كان يقال : من حارب فأخاف السبيل وأخذ المال ولم يقتل : قطعت يده ورجله من خلاف .
وإذا أخذ المال وقتل : صلب .
9241 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , أنه كان يقول في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } حدود أربعة أنزلها الله .
فأما من أصاب الدم والمال جميعا : صلب ; وأما من أصاب الدم وكف عن المال : قتل ; ومن أصاب المال وكف عن الدم : قطع ; ومن لم يصب شيئا من هذا : نفي .
9242 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي .
قال : نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن أن يسمل أعين العرنيين الذين أغاروا على لقاحه , وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه .
فنظر إلى من أخذ المال ولم يقتل فقطع يده ورجله من خلاف , يده اليمنى ورجله اليسرى .
ونظر إلى من قتل ولم يأخذ مالا فقتله .
ونظر إلى من أخذ المال وقتل فصلبه .
وكذلك ينبغي لكل من أخاف طريق المسلمين وقطع أن يصنع به إن أخذ وقد أخذ مالا قطعت يده بأخذه المال رجله بإخافة الطريق , وإن قتل ولم يأخذ مالا قتل , وإن قتل وأخذ المال : صلب .
9243 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا فضيل بن مرزوق , قال سمعت السدي يسأل عطية العوفي , عن رجل محارب خرج , فأخذ ولم يصب مالا ولم يهرق دما .
قال : النفي بالسيف ; وإن أخذ مالا فيده بالمال ورجله بما أخاف المسلمين ; وإن هو قتل ولم يأخذ مالا : قتل ; وإن هو قتل وأخذ المال : صلب .
وأكبر ظني أنه قال : تقطع يده ورجله .
9244 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن عطاء الخراساني وقتادة في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , قال : هذا اللص الذي يقطع الطريق , فهو محارب .
فإن قتل وأخذ مالا : صلب ; وإن قتل , ولم يأخذ مالا : قتل ; وإن أخذ مالا ولم يقتل : قطعت يده ورجله ; وإن أخذ قبل أن يفعل شيئا من ذلك : نفي .
9245 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن قيس بن سعد , عن سعيد بن جبير , قال : من خرج في الإسلام محاربا لله ورسوله فقتل وأصاب مالا , فإنه يقتل ويصلب ; ومن قتل ولم يصب مالا , فإنه يقتل كما قتل ; ومن أصاب مالا ولم يقتل , فإنه يقطع من خلاف ; وإن أخاف سبيل المسلمين نفي من بلده إلى غيره , لقول الله جل وعز : { أو ينفوا من الأرض } .
9246 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : كان ناس يسعون في الأرض فسادا وقتلوا وقطعوا السبيل , فصلب أولئك .
وكان آخرون حاربوا واستحلوا المال ولم يعدوا ذلك , فقطعت أيديهم وأرجلهم .
وآخرون حاربوا واعتزلوا ولم يعدوا ذلك , فأولئك أخرجوا من الأرض .
9247 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن أبي هلال , قال : ثنا قتادة , عن مورق العجلي في المحارب , قال : إن كان خرج فقتل وأخذ المال : صلب ; وإن قتل ولم يأخذ المال : قتل ; وإن كان أخذ المال ولم يقتل : قطع ; وإن كان خرج مشاقا للمسلمين : نفي .
9248 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية , عن حجاج , عن عطية العوفي , عن ابن عباس , قال : إذا خرج المحارب وأخاف الطريق وأخذ المال : قطعت يده ورجله من خلاف ; فإن هو خرج فقتل وأخذ المال : قطعت يده ورجله من خلاف ثم صلب ; وإن خرج فقتل ولم يأخذ المال : قتل ; وإن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ المال : نفي .
9249 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع بن يزيد , قال : ثني أبو صخر , عن محمد بن كعب القرظي ; وعن أبي معاوية , عن سعيد بن جبير في هذه الآية : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قالا : إن أخاف المسلمين , فاقتطع المال , ولم يسفك : قطع ; وإذا سفك دما : قتل وصلب ; وإن جمعهما فاقتطع مالا وسفك دما : قطع ثم قتل ثم صلب .
كأن الصلب مثلة , وكأن القطع { السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } , وكأن القتل .
النفس بالنفس .
وإن امتنع فإن من الحق على الإمام وعلى المسلمين أن يطلبوه حتى يأخذوه فيقيموا عليه حكم كتاب الله , أو ينفوا من الأرض من أرض الإسلام إلى أرض الكفر .
واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا , بأن قالوا : إن الله أوجب على القاتل القود , وعلى السارق القطع ; وقالوا : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خلال : رجل قتل فقتل , ورجل زنى بعد إحصان فرجم , ورجل كفر بعد إسلامه " قالوا : فحظر النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل مسلم إلا بإحدى هذه الخلال الثلاث , فإما أن يقتل من أجل إخافته السبيل من غير أن يقتل أو يأخذ مالا , فذلك تقدم على الله ورسوله بالخلاف عليهما في الحكم .
قالوا : ومعنى قول من قال : الإمام فيه بالخيار إذا قتل وأخاف السبيل وأخذ المال ; فهنالك خيار الإمام في قولهم بين القتل أو القتل والصلب , أو قطع اليد والرجل من خلاف .
وأما صلبه باسم المحاربة من غير أن يفعل شيئا من قتل أو أخذ مال , فذلك ما لم يقله عالم .
وقال آخرون : الإمام فيه بالخيار أن يفعل أي هذه الأشياء التي ذكرها الله في كتابه .
ذكر من قال ذلك : 9250 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا جويبر , عن عطاء , وعن القاسم بن أبي بزة , عن مجاهد في المحارب : أن الإمام مخير فيه أي ذلك شاء فعل .
9251 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن عبيدة , عن إبراهيم : الإمام مخير في المحارب , أي ذلك شاء فعل : إن شاء قتل , وإن شاء قطع , وإن شاء نفى , وإن شاء صلب .
9252 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , عن الحسن في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : يأخذ الإمام بأيهما أحب .
* - حدثنا سفيان , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن عاصم , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : الإمام مخير فيها .
9253 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , مثله .
9254 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن قيس بن سعد , قال : قال عطاء : يصنع الإمام في ذلك ما شاء : إن شاء قتل , أو قطع , أو نفى , لقول الله : { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } فذلك إلى الإمام الحاكم يصنع فيه ما شاء .
9255 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , قال : من شهر السلاح في فئة الإسلام , وأخاف السبيل , ثم ظفر به وقدر عليه , فإمام المسلمين فيه بالخيار , إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله .
9256 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , قال : أخبرنا أبو هلال , قال : أخبرنا قتادة , عن سعيد بن المسيب , أنه قال في المحارب : ذلك إلى الإمام , إذا أخذه يصنع به ما شاء .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن أبي هلال , قال : ثنا هارون , عن الحسن في المحارب , قالا : ذاك إلى الإمام يصنع به ما شاء .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص بن غياث , عن عاصم , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : ذلك إلى الإمام .
واعتل قائلو هذه المقالة بأن قالوا : وجدنا العطوف التي بأو في القرآن بمعنى التخيير في كل ما أوجب الله به فرضا منها , وذلك كقوله في كفارة اليمين : { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة } , وكقوله : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } , وكقوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } قالوا : فإذا كانت العطوف التي بأو في القرآن في كل ما أوجب الله به فرضا منها في سائر القرآن بمعنى التخيير , فكذلك ذلك في آية المحاربين الإمام مخير فيما رأى الحكم به على المحارب إذا قدر عليه قبل التوبة .
وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا تأويل من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه وجعل الحكم على المحاربين مختلفا باختلاف أفعالهم , فأوجب على مخيف السبيل منهم إذا قدر عليه قبل التوبة وقبل أخذ مال أو قتل : النفي من الأرض ; و إذا قدر عليه بعد أخذ المال وقتل النفس المحرم قتلها : الصلب ; لما ذكرت من العلة قبل لقائلي هذه المقالة .
فأما ما اعتل به القائلون : إن الإمام فيه بالخيار من أن " أو " في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض , فنقول : لا معنى له ; لأن " أو " في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها , وقد بينت كثيرا من معانيها فيما مضى وسنأتي على باقيها فيما يستقبل في أماكنها إن شاء الله .
فأما في هذا الموضع فإن معناها : التعقيب , وذلك نظير قول القائل : إن جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن يدخلهم الجنة , أو يرفع منازلهم في عليين , أو يسكنهم مع الأنبياء والصديقين .
فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقيله إلى أن جزاء كل مؤمن آمن بالله ورسوله , فهو في مرتبة واحدة من هذه المراتب ومنزلة واحدة من هذه المنازل بإيمانه , بل المعقول عنه أن معناه : أن جزاء المؤمن لم يخلو عند الله من بعض هذه المنازل , فالمقتصد منزلته دون منزلة السابق بالخيرات , والسابق بالخيرات أعلى منه منزلة , والظالم لنفسه دونهما , وكل في الجنة كما قال جل ثناؤه : { جنات عدن يدخلونها } فكذلك معنى العطوف بأو في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , إنما هو التعقيب .
فتأويله : إن الذي يحارب الله ورسوله , ويسعى في الأرض فسادا , لن يخلو من أن يستحق الجزاء بإحدى هذه الخلال الأربع التي ذكرها الله عز ذكره , لا أن الإمام محكم فيه , ومخير في أمره كائنة ما كانت حالته , عظمت جريرته أو خفت ; لأن ذلك لو كان كذلك لكان للإمام قتل من شهر السلاح مخيفا السبيل وصلبه , وإن لم يأخذ مالا ولا قتل أحدا , وكان له نفي من قتل وأخذ المال وأخاف السبيل .
وذلك قول إن قاله قائل خلاف ما صحت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل قتل رجلا فقتل , أو زنى بعد إحصان فرجم , أو ارتد عن دينه " وخلاف قوله : " القطع في ربع دينار فصاعدا " وغير المعروف من أحكامه .
فإن قال قائل : فإن هذه الأحكام التي ذكرت كانت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير المحارب , وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به ؟
قيل له : فما الحكم الذي انفرد به المحارب في سننه , فإن ادعى عنه صلى الله عليه وسلم حكما خلاف الذي ذكرنا , أكذبه جميع أهل العلم ; لأن ذلك غير موجود بنقل واحد ولا جماعة , وإن زعم أن ذلك الحكم هو ما في ظاهر الكتاب .
قيل له : فإن أحسن حالاتك أن يسلم لك أن ظاهر الآية قد يحتمل ما قلت , وما قاله من خالفك فما برهانك على أن تأويلك أولى بتأويل الآية من تأويله .
وبعد : فإذا كان الإمام مخيرا في الحكم على المحارب من أجل أن " أو " بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك , أفله أن يصلبه حيا ويتركه على الخشبة مصلوبا حتى يموت من غير قتله ؟
فإن قال : ذلك له , خالف في ذلك الأمة .
وإن زعم أن ذلك ليس له , وإنما له قتله ثم صلبه أو صلبه ثم قتله , ترك علته من أن الإمام إنما كان له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن " أو " تأتي بمعنى التخيير , وقيل له : فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع ولم يكن له الخيار في الصلب وحده , حتى تجمع إليه عقوبة أخرى ؟
وقيل له : هل بينك وبين من جعل الخيار حيث أبيت وأبى ذلك حيث جعلته له , فرق من أصل أو قياس ؟
فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله .
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر .
وذلك ما 9257 - حدثنا به علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , عن ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب : أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية , فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين , وهم من بجيلة .
قال أنس : فارتدوا عن الإسلام , وقتلوا الراعي , وساقوا الإبل , وأخافوا السبيل , وأصابوا الفرج الحرام .
قال أنس : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب , فقال : " من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته .
ومن قتل فاقتله .
ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه " .
وأما قوله : { أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } فإنه يعني جل ثناؤه : أنه تقطع أيديهم مخالفا في قطعها قطع أرجلهم , وذلك أن تقطع أيمن أيديهم وأشمل أرجلهم , فذلك الخلاف بينهما في القطع .
ولو كان مكان " من " في هذا الموضع " على " أو الباء , فقيل : أو تقطع أيديهم وأرجلهم خلاف أو بخلاف , لأديا عما أدت عنه " من " من المعنى .
واختلف أهل التأويل في معنى النفي الذي ذكر الله في هذا الموضع .
فقال بعضهم : هو أن يطلب حتى يقدر عليه , أو يهرب من دار الإسلام .
ذكر من قال ذلك : 9258 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : يطلبهم الإمام بالخيل والرجال حتى يأخذهم , فيقيم فيهم الحكم , أو ينفوا من أرض المسلمين .
9259 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : نفيه : أن يطلب .
9260 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { أو ينفوا من الأرض } يقول : أو يهربوا حتى يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب .
9261 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : أخبرني عبد الله بن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب , عن كتاب أنس بن مالك , إلى عبد الملك بن مروان : أنه كتب إليه : " ونفيه : أن يطلبه الإمام حتى يأخذه , فإذا أخذه أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله جل وعز بما استحل " .
9262 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد , قال : فذكرت ذلك لليث بن سعد , فقال : نفيه : طلبه من بلد إلى بلد حتى يؤخذ , أو يخرجه طلبه من دار الإسلام إلى دار الشرك والحرب , إذا كان محاربا مرتدا عن الإسلام .
قال الوليد : وسألت مالك بن أنس , فقال مثله .
9263 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , قال : قلت لمالك بن أنس والليث بن سعد : .
وكذلك يطلب المحارب المقيم على إسلامه , يضطره بطلبه من بلد إلى بلد حتى يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين , أو أقصى جوار المسلمين , فإن هم طلبوه دخل دار الشرك ؟
قالا : لا يضطر مسلم إلى ذلك .
9264 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك : { أو ينفوا من الأرض } قال : أن يطلبوه حتى يعجزوا .
* - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثني عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول , فذكر نحوه .
9265 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص بن غياث , عن عاصم , عن الحسن : { أو ينفوا من الأرض } قال : ينفى حتى لا يقدر عليه .
9266 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله , عن أبيه عن الربيع بن أنس في قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : أخرجوا من الأرض أينما أدركوا , أخرجوا حتى يلحقوا بأرض العدو .
9267 - حدثنا الحسن , قال : ثنا عبد الرزاق , قال : ثنا معمر , عن الزهري في قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : نفيه : أن يطلب فلا يقدر عليه , كلما سمع به في أرض طلب .
9268 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : أخبرني سعيد , عن قتادة : { أو ينفوا من الأرض } قال : إذا لم يقتل ولم يأخذ مالا , طلب حتى يعجز .
9269 - حدثني ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرني نافع بن يزيد , قال : ثني أبو صخر , عن محمد بن كعب القرظي , وعن أبي معاوية , عن سعيد بن جبير : { أو ينفوا من الأرض } من أرض الإسلام إلى أرض الكفر .
وقال آخرون : معنى النفي في هذا الموضع : أن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها .
ذكر من قال ذلك : 9270 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن قيس بن سعد , عن سعيد بن جبير : { أو ينفوا من الأرض } قال : من أخاف سبيل المسلمين نفي من بلده إلى غيره , لقول الله عز وجل : { أو ينفوا من الأرض } .
9271 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني يزيد بن أبي حبيب وغيره , عن حبان بن شريح , أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في اللصوص , ووصف له لصوصيتهم وحبسهم في السجون , قال : قال الله في كتابه : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } , وترك : { أو ينفوا من الأرض } فكتب إليه عمر بن عبد العزيز : أما بعد , فإنك كتبت إلي تذكر قول الله جل وعز : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } , وتركت قول الله : { أو ينفوا من الأرض } , فنبي أنت يا حبان ابن أم حبان !
لا تحرك الأشياء عن مواضعها , أتجردت للقتل والصلب كأنك عبد بني عقيل من غير ما أشبهك به ؟
إذا أتاك كتابي هذا فانفهم إلى شغب .
* - حدثنا يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني الليث , عن يزيد وغيره بنحو هذا الحديث , غير أن يونس قال في حديثه : كأنك عبد بني أبي عقال من غير أن أشبهك به .
* - حدثني يونس , قال أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب , أن الصلت كاتب حبان بن شريح , أخبرهم أن حبان كتب إلى عمر بن عبد العزيز : أن ناسا من القبط قامت عليهم البينة بأنهم حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا , وأن الله يقول : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } وسكت عن النفي , وكتب إليه : فإن رأى أمير المؤمنين أن يمضي قضاء الله فيهم , فليكتب بذلك .
فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه , قال : لقد اجتزأ حبان .
ثم كتب إليه إنه قد بلغني كتابك وفهمته , ولقد اجتزأت كأنما كتبت بكتاب يزيد بن أبي مسلم أو علج صاحب العراق من غير أن أشبهك بهما , فكتبت بأول الآية ثم سكت عن آخرها , وإن الله يقول : { أو ينفوا من الأرض } فإن كانت قامت عليهم البينة بما كتبت به , فاعقد في أعناقهم حديدا , ثم غيبهم إلى شغب وبدا .
قال أبو جعفر : شغب وبدا : موضعان .
وقال آخرون : معنى النفي من الأرض في هذا الموضع : الحبس , وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب في قول من قال : معنى النفي من الأرض في هذا الموضع : هو نفيه من بلد إلى بلد غيره وحبسه في السجن في البلد الذي نفي إليه , حتى تظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه .
وإنما قلت ذلك أولى الأقوال بالصحة ; لأن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرت .
وإذ كان ذلك كذلك , وكان معلوما أن الله جل ثناؤه إنما جعل جزاء المحارب : القتل أو الصلب , أو قطع اليد والرجل من خلاف , بعد القدرة عليه لا في حال امتناعه ; كان معلوما أن النفي أيضا إنما هو جزاؤه بعد القدرة عليه لا قبلها , ولو كان هروبه من الطلب نفيا له من الأرض , كان قطع يده ورجله من خلاف في حال امتناعه وحربه على وجه القتال بمعنى إقامة الحد عليه بعد القدرة عليه .
وفي إجماع الجميع أن ذلك لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله عز وجل حدا له بعد القدرة عليه .
وإذ كان كذلك , فمعلوم أنه لم يبق إلا الوجهان الآخران , وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها أو السجن .
فإذ كان كذلك , فلا شك أنه إذا نفي من بلدة إلى أخرى غيرها فلم ينف من الأرض , بل إنما نفي من أرض دون أرض .
وإذ كان ذلك كذلك , وكان الله جل ثناؤه إنما أمر بنفيه من الأرض , كان معلوما أنه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بقعة منها عن سائرها , فيكون منفيا حينئذ عن جميعها , إلا ما لا سبيل إلى نفيه منه .
وأما معنى النفي في كلام العرب : فهو الطرد , ومن ذلك قول أوس بن حجر : ينفون عن طرق الكرام كما ينفي المطارق ما يلي القرد ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شيء : النفاية .
وأما المصدر من نفيت , فإنه النفي والنفاية , ويقال : الدلو ينفي الماء .
ويقال لما تطاير من الماء من الدلو النفي , ومنه قول الراجز : كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفي ومنه قيل : نفى شعره : إذا سقط , يقال : حال لونك ونفى شعرك .ذلك لهم خزي في الدنيا القول في تأويل قوله تعالى : { ذلك لهم خزي في الدنيا } يعني جل ثناؤه بقوله : { ذلك } هذا الجزاء الذي جازيت به الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا في الدنيا , من قتل , أو صلب , أو قطع يد ورجل من خلاف { لهم } يعني لهؤلاء المحاربين { خزي في الدنيا } يقول هو لهم شر وعار وذلة , ونكال وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة , يقال منه : أخزيت فلانا فخزي هو خزيا .ولهم في الآخرة عذاب عظيم وقوله : { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } يقول عز ذكره لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا فلم يتوبوا من فعلهم ذلك , حتى هلكوا في الآخرة مع الخزي الذي جازيتهم به في الدنيا , والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها عذاب عظيم , يعني : عذاب جهنم .
قوله : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيمفيها أربعة عشرة مسألة :الأولى : اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية ; فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين ; روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن أنس بن مالك : أن قوما من عكل - أو قال من عرينة - قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة ; فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا ، فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم ; فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم ; فما ارتفع النهار حتى جيء بهم ; فأمر بهم [ ص: 102 ] فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون .
قال أبو قلابة : فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله ، وفي رواية : فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم ; وفي رواية : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة فأتي بهم قال : فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا الآية ، وفي رواية قال أنس : فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا ، وفي البخاري قال جرير بن عبد الله في حديث : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم ، فجئنا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال جرير : فكانوا يقولون الماء ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : النار ، وقد حكى أهل التواريخ والسير : أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه ، وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات ، وأدخل المدينة ميتا ، وكان اسمه يسار وكان نوبيا ، وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة ، وفي بعض الروايات عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعدما قتلهم .
وروي عن ابن عباس والضحاك : أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض ، وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس قال : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله إلى قوله : غفور رحيم نزلت هذه الآية في المشركين فمن أخذ منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه ، وممن قال : إن الآية نزلت في المشركين عكرمة والحسن ، وهذا ضعيف يرده قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وقوله عليه الصلاة والسلام : الإسلام يهدم ما قبله أخرجه مسلم ; والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك .
وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد .
قال ابن المنذر : قول مالك صحيح ، وقال أبو ثور محتجا لهذا القول : وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك ; وهو قوله جل ثناؤه : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم ; فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام ، وحكى الطبري عن بعض أهل العلم : أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين ، فوقف الأمر على هذه الحدود ، وروى محمد بن سيرين قال : كان هذا قبل أن تنزل الحدود ; يعني حديث أنس ; ذكره أبو داود ، وقال قوم منهم الليث بن سعد : ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بوفد عرينة نسخ ; إذ لا [ ص: 103 ] يجوز التمثيل بالمرتد .
قال أبو الزناد : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله عز وجل في ذلك ; فأنزل الله تعالى في ذلك إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا الآية .
أخرجه أبو داود .
قال أبو الزناد : فلما وعظ ونهي عن المثلة لم يعد .
وحكي عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل ; لأن ذلك وقع في مرتين ، لا سيما وقد ثبت في صحيح مسلم وكتاب النسائي وغيرهما قال : إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة ; فكان هذا قصاصا ، وهذه الآية في المحارب المؤمن .قلت : وهذا قول حسن ، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي ; ولذلك قال الله تعالى : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقط قبل القدرة ، والمرتد يستحق القتل بنفس الردة - دون المحاربة - ولا ينفى ولا تقطع يده ولا رجله ولا يخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم ، ولا يصلب أيضا ; فدل أن ما اشتملت عليه الآية ما عني به المرتد ، وقال تعالى في حق الكفار : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف .
وقال في المحاربين : إلا الذين تابوا الآية ; وهذا بين ، وعلى ما قررناه في أول الباب لا إشكال ولا لوم ولا عتاب إذ هو مقتضى الكتاب ; قال الله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فمثلوا فمثل بهم ، إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل ، وذلك تكحيلهم بمسامير محماة وتركهم عطاشى حتى ماتوا ، والله أعلم ، وحكى الطبري عن السدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمل أعين العرنيين وإنما أراد ذلك ; فنزلت الآية ناهية عن ذلك ، وهذا ضعيف جدا ; فإن الأخبار الثابتة وردت بالسمل ; وفي صحيح البخاري : فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم ، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود ، وفي قوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله استعارة ومجاز ; إذ الله سبحانه وتعالى لا يحارب ولا يغالب لما هو عليه من صفات الكمال ، ولما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد ، والمعنى : يحاربون أولياء الله ; فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارا لإذايتهم ، كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا حثا على الاستعطاف عليهم ; ومثله في صحيح السنة استطعمتك فلم تطعمني .
الحديث أخرجه مسلم ، وقد تقدم في " البقرة " .[ ص: 104 ] الثانية : واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة ; فقال مالك : المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذحل ولا عداوة ; قال ابن المنذر : اختلف عن مالك في هذه المسألة ، فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة ; وقالت طائفة : حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة ; وهذا قول الشافعي وأبي ثور ; قال ابن المنذر : كذلك هو لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة ، والكتاب على العموم ، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة ، وقالت طائفة : لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجا عن المصر ; هذا قول سفيان الثوري وإسحاق والنعمان ، والمغتال كالمحارب وهو الذي يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله ، وإن لم يشهر السلاح لكن دخل عليه بيته أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله فيقتل حدا لا قودا .الثالثة : واختلفوا في حكم المحارب ; فقالت طائفة : يقام عليه بقدر فعله ; فمن أخاف السبيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف ، وإن أخذ المال وقتل قطعت يده ورجله ثم صلب ، فإذا قتل ولم يأخذ المال قتل ، وإن هو لم يأخذ المال ولم يقتل نفي ; قاله ابن عباس ، وروي عن أبي مجلز والنخعي وعطاء الخراساني وغيرهم ، وقال أبو يوسف : إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة ; قال الليث : بالحربة مصلوبا .
وقال أبو حنيفة : إذا قتل قتل ، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه ، إن شاء قطع يده ورجله وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه ; قال أبو يوسف : القتل يأتي على كل شيء ، ونحوه قول الأوزاعي ، وقال الشافعي : إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت ، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلي ; لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة ، وإذا قتل قتل ، وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب ; وروي عنه أنه قال : يصلب ثلاثة أيام ; قال : وإن حضر وكثر وهيب وكان ردءا للعدو حبس ، وقال أحمد : إن قتل قتل ، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعي ، وقال قوم : لا ينبغي أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب ; وحكي عن الشافعي : أكره أن يقتل مصلوبا لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ، وقال أبو ثور : الإمام مخير على ظاهر الآية ، وكذلك قال مالك ، وهو مروي عن ابن عباس ، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد والضحاك والنخعي كلهم قال : الإمام مخير في الحكم على المحاربين ، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية ; قال ابن عباس : ما كان في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار ; وهذا القول أشعر بظاهر الآية ; فإن أهل القول الأول الذين قالوا إن " أو " للترتيب [ ص: 105 ] وإن اختلفوا - فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدين فيقولون : يقتل ويصلب ; ويقول بعضهم : يصلب ويقتل ; ويقول بعضهم : تقطع يده ورجله وينفى ; وليس كذلك الآية ولا معنى " أو " في اللغة ; قال النحاس ، واحتج الأولون بما ذكره الطبري عن أنس بن مالك أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في المحارب فقال : " من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة ومن قتل فاقتله ومن جمع ذلك فاصلبه " .
قال ابن عطية : وبقي النفي للمخيف فقط ، والمخيف في حكم القاتل ، ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب والعقاب استحسانا .الرابعة : قوله تعالى : أو ينفوا من الأرض اختلف في معناه ; فقال السدي : هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حد الله ، أو يخرج من دار الإسلام هربا ممن يطلبه ; عن ابن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس والحسن والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري .
حكاه الرماني في كتابه ; وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ، ويطلبون لتقام عليهم الحدود ; وقال الليث بن سعد والزهري أيضا ، وقال مالك أيضا : ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه كالزاني .وقال مالك أيضا والكوفيون : نفيهم سجنهم فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها ، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع استقراره ; واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك :خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجةعجبنا وقلنا جاء هذا من الدنياحكى مكحول أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة ، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم ; والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة وقد تجنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ; ومنه الحديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة ، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه ، وإن كان غير مخوف الجانب فظن أنه لا يعود إلى جناية سرح ; قال ابن عطية : وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب ويسجن حيث يغرب ، وهذا على الأغلب في أنه مخوف ، ورجحه الطبري وهو [ ص: 106 ] الواضح ; لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية ، وسجنه بعد بحسب الخوف منه ، فإن تاب وفهمت حاله سرح .الخامسة : قوله تعالى : أو ينفوا من الأرض النفي أصله الإهلاك ; ومنه الإثبات والنفي ، فالنفي الإهلاك بالإعدام ; ومنه النفاية لردي المتاع ; ومنه النفي لما تطاير من الماء عن الدلو .قال الراجز :كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفيالسادسة : قال ابن خويز منداد : ولا يراعى المال الذي يأخذه المحارب نصابا كما يراعى في السارق ، وقد قيل : يراعى في ذلك النصاب ربع دينار ; قال ابن العربي ، قال الشافعي وأصحاب الرأي : لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق ; وقال مالك : يحكم عليه بحكم المحارب وهو الصحيح ; فإن الله تعالى وقت على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام القطع في السرقة في ربع دينار ، ولم يوقت في الحرابة شيئا ، بل ذكر جزاء المحارب ، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة ; ثم إن هذا قياس أصل على أصل وهو مختلف فيه ، وقياس الأعلى بالأدنى والأدنى بالأسفل وذلك عكس القياس .
وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق وهو يطلب خطف المال فإن شعر به فر ; حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال فإن منع منه أو صيح عليه وحارب عليه فهو محارب حكم عليه بحكم المحارب .
قال القاضي ابن العربي : كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق ، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم ، وأصحابه يأخذون مال الرجل ، حكمت فيهم بحكم المحاربين ، فافهموا هذا من أصل الدين ، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين .قلت : اليفع أعلى الجبل ومنه غلام يفعة إذا ارتفع إلى البلوغ ; والحضيض الحفرة في أسفل الوادي ; كذا قال أهل اللغة .السابعة : ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل ; وللشافعي قولان :أحدهما : أنها تعتبر المكافأة لأنه قتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص ; وهذا ضعيف ; لأن [ ص: 107 ] القتل هنا ليس على مجرد القتل وإنما هو على الفساد العام من التخويف وسلب المال ; قال الله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين محاربة وسعيا في الأرض بالفساد ، ولم يخص شريفا من وضيع ، ولا رفيعا من دنيء .الثامنة : وإذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض المحاربين ولم يقتل بعض قتل الجميع .
وقال الشافعي : لا يقتل إلا من قتل ; وهذا أيضا ضعيف ; فإن من حضر الوقيعة شركاء في الغنيمة وإن لم يقتل جميعهم ; وقد اتفق معنا على قتل الردء وهو الطليعة ، فالمحارب أولى .التاسعة : وإذا أخاف المحاربون السبيل وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم ، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين ، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا ، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته ; ولا يذفف منهم على جريح إلا أن يكون قد قتل ; فإن أخذوا ووجد في أيديهم مال لأحد بعينه رد إليه أو إلى ورثته ، وإن لم يوجد له صاحب جعل في بيت المال ; وما أتلفوه من مال لأحد غرموه ; ولا دية لمن قتلوا إذا قدر عليهم قبل التوبة ، فإن تابوا وجاءوا تائبين وهي :العاشرة : لم يكن للإمام عليهم سبيل ، وسقط عنهم ما كان حدا لله وأخذوا بحقوق الآدميين ، فاقتص منهم من النفس والجراح ، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك ، ويجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين ; هذا مذهب مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي .
وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال وضمنوا قيمة ما استهلكوا ; لأن ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم ، ويصرف إلى أربابه أو يوقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه ، وقال قوم من الصحابة والتابعين : لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده ، وأما ما استهلكه فلا يطالب به ; وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه ، وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بحارثة بن بدر الغداني فإنه كان محاربا ثم تاب قبل القدرة عليه ، فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا ; قال ابن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد ولم يوجد له مال ; هل يتبع دينا بما أخذ ، أو يسقط عنه كما يسقط عن السارق ؟
والمسلم والذمي في ذلك سواء .[ ص: 108 ] الحادية عشرة : وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب ; فإن قتل محارب أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة ، فليس إلى طالب الدم من أمر المحارب شيء ، ولا يجوز عفو ولي الدم ، والقائم بذلك الإمام ; جعلوا ذلك بمنزلة حد من حدود الله تعالى .قلت : فهذه جملة من أحكام المحاربين جمعنا غررها ، واجتلبنا دررها ; ومن أغرب ما قيل في تفسيرها وهي :الثانية عشرة : تفسير مجاهد لها ; المراد بالمحاربة في هذه الآية الزنى والسرقة ; وليس بصحيح ; فإن الله سبحانه بين في كتابه وعلى لسان نبيه أن السارق تقطع يده ، وأن الزاني يجلد ويغرب إن كان بكرا ، ويرجم إن كان ثيبا محصنا ، وأحكام المحارب في هذه الآية مخالف لذلك ، اللهم إلا أن يريد إخافة الطريق بإظهار السلاح قصدا للغلبة على الفروج ، فهذا أفحش المحاربة ، وأقبح من أخذ الأموال وقد دخل في معنى قوله تعالى : ويسعون في الأرض فسادا .الثالثة عشرة : قال علماؤنا : ويناشد اللص بالله تعالى ، فإن كف ترك وإن أبى قوتل ، فإن أنت قتلته فشر قتيل ودمه هدر .
روى النسائي عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن عدي على مالي ؟
قال : فانشد بالله قال : فإن أبوا علي .
قال : فانشد بالله قال : فإن أبوا علي قال : فانشد بالله قال : فإن أبوا علي قال : فقاتل فإن قتلت ففي الجنة وإن قتلت ففي النار وأخرجه البخاري ومسلم - وليس فيه ذكر المناشدة - عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟
قال : فلا تعطه مالك قال : أرأيت إن قاتلني ؟
قال : فقاتله قال : أرأيت إن قتلني ؟
قال : فأنت شهيد قال : فإن قتلته ؟
قال : هو في النار .
قال ابن المنذر : وروينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم ; هذا مذهب ابن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان ، وبهذا يقول عوام أهل العلم : إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلما ; للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص وقتا دون وقت ، ولا حالا دون حال إلا السلطان ; فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه ; للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، التي [ ص: 109 ] فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم ، من الجور والظلم ، وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة .قلت : وقد اختلف مذهبنا إذا طلب الشيء الخفيف كالثوب والطعام هل يعطونه أو يقاتلون ؟
وهذا الخلاف مبني على أصل ، وهو هل الأمر بقتالهم لأنه تغيير منكر أو هو من باب دفع الضرر ؟
وعلى هذا أيضا ينبني الخلاف في دعوتهم قبل القتال ، والله أعلم .الرابعة عشرة : قوله تعالى : ذلك لهم خزي في الدنيا لشناعة المحاربة وعظم ضررها ، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر ; لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس ، لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات ، وركنها وعمادها الضرب في الأرض ; كما قال عز وجل : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله فإذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر ، واحتاجوا إلى لزوم البيوت ، فانسد باب التجارة عليهم ، وانقطعت أكسابهم ; فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة ، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم ، وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم ، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة .
وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ، ومستثناة من حديث عبادة في قول النبي صلى الله عليه وسلم : فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة والله أعلم ، ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب ، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا ، ويجري هذا الذنب مجرى غيره .
ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم ، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب ، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة ، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية .
المحاربون لله ولرسوله، هم الذين بارزوه بالعداوة، وأفسدوا في الأرض بالكفر والقتل، وأخذ الأموال، وإخافة السبل.
والمشهور أن هذه الآية الكريمة في أحكام قطاع الطريق، الذين يعرضون للناس في القرى والبوادي، فيغصبونهم أموالهم، ويقتلونهم، ويخيفونهم، فيمتنع الناس من سلوك الطريق التي هم بها، فتنقطع بذلك.
فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم -عند إقامة الحد عليهم- أن يفعل بهم واحد من هذه الأمور.
واختلف المفسرون: هل ذلك على التخيير، وأن كل قاطع طريق يفعل به الإمام أو نائبه ما رآه المصلحة من هذه الأمور المذكورة؟
وهذا ظاهر اللفظ، أو أن عقوبتهم تكون بحسب جرائمهم، فكل جريمة لها قسط يقابلها، كما تدل عليه الآية بحكمتها وموافقتها لحكمة الله تعالى.
وأنهم إن قتلوا وأخذوا مالًا تحتم قتلُهم وصلبهم، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم.
وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا تحتم قتلهم فقط.
وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى.
وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا، ولا أخذوا مالا، نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم.
وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وكثير من الأئمة، على اختلاف في بعض التفاصيل.
{ ذَلِكَ } النكال { لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا } أي: فضيحة وعار { وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فدل هذا أن قطع الطريق من أعظم الذنوب، موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة، وأن فاعله محارب لله ولرسوله.
وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة، علم أن تطهير الأرض من المفسدين، وتأمين السبل والطرق، عن القتل، وأخذ الأموال، وإخافة الناس، من أعظم الحسنات وأجل الطاعات، وأنه إصلاح في الأرض، كما أن ضده إفساد في الأرض.
( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) الآية .
قال الضحاك : نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض .
وقال الكلبي : نزلت في قوم هلال بن عويمر ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ، ومن مر بهلال بن عويمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج ، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم هلال بن عويمر ، ولم يكن هلال شاهدا [ فشدوا ] عليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبريل عليه السلام بالقضاء فيهم ، وقال سعيد بن جبير : نزلت في ناس من عرينة وعكل أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة ، فارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل .
[ أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا علي بن عبد الله ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة الجرمي ] عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عكل فأسلموا واجتووا المدينة فأمرهم [ النبي صلى الله عليه وسلم ] أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ، ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم ، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم لم يحسمهم حتى ماتوا .
ورواه أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال : فقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمر بمسامير فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا ، قال أبو قلابة : قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا [ وهو المراد من قوله تعالى : " ويسعون في الأرض فسادا ] .
واختلفوا في حكم هؤلاء العرنيين : فقال بعضهم : هي منسوخة لأن المثلة لا تجوز ، وقال بعضهم : حكمه ثابت إلا السمل [ والمثلة ] وروى قتادة عن ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن [ ينزل الحد ] وقال أبو الزناد : فلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بهم أنزل الله الحدود ونهاه عن المثلة فلم يعد .
وعن قتادة قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة وقال سليمان التيمي عن أنس : إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة .
وقال الليث بن سعد : نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليما منه إياه عقوبتهم ، وقال : إنما جزاؤهم هذا لا المثلة ، ولذلك ما قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا إلا نهى عن المثلة .
واختلفوا في المحاربين الذين يستحقون هذا الحد ، فقال قوم : هم الذين يقطعون الطريق ويحملون السلاح ، والمكابرون في الأمصار ، وهو قول الأوزاعي ومالك والليث بن سعد والشافعي رحمهم الله .
وقال قوم : المكابرون في الأمصار ليس لهم حكم المحاربين في استحقاق هذه الحدود وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه .
وعقوبة المحاربين ما ذكر الله سبحانه وتعالى : ( أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) فذهب قوم إلى أن الإمام بالخيار في أمر المحاربين بين القتل والقطع والصلب ، [ والنفي ] كما هو ظاهر الآية ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والنخعي ومجاهد .
وذهب الأكثرون إلى أن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير ، [ لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن صالح مولى التوأمة ] عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا ، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، فإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض .
وهو قول قتادة والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي رحمهم الله تعالى .
[ وإذا قتل قاطع الطريق يقتل ] حتما حتى لا يسقط بعفو ولي الدم ، وإذا أخذ من المال نصابا وهو ربع دينار تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ، وإذا قتل وأخذ المال يقتل ويصلب .
واختلفوا في كيفيته : فظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه أن يقتل ثم يصلب وقيل : يصلب حيا ثم يطعن حتى يموت مصلوبا ، وهو قول الليث بن سعد ، وقيل : يصلب ثلاثة أيام حيا ثم ينزل فيقتل ، وإذا أخاف السبيل ينفى .
واختلفوا في النفي : فذهب قوم إلى أن الإمام يطلبه ففي كل بلدة يوجد ينفى عنه ، وهو قول سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز ، وقيل : يطلب لتقام الحدود عليه ، وهو قول ابن عباس والليث بن سعد ، وبه قال الشافعي : وقال أهل الكوفة : النفي هو الحبس ، وهو نفي من الأرض ، وقال محمد بن جرير : ينفى من بلده إلى غيره ويحبس في السجن [ في البلد الذي نفي إليه حتى تظهر توبته .
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون ] وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة ، ولا أنفيه إلى بلد فيؤذيهم ، ( ذلك ) الذي ذكرت من الحد ، ( لهم خزي ) عذاب وهوان وفضيحة ، ( في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) .
ونزل في العرنيين لما قدموا المدينة وهم مرضى فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله» بمحاربة المسلمين «ويسعون في الأرض فسادا» بقطع الطريق «أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف» أي أيديهم اليمنى واليسرى «أو يُنفوا من الأرض» أو لترتيب الأحوال فالقتل لمن قتل فقط والصلب لمن قتل وأخذ المال والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل والنفي لمن أخاف فقط قاله ابن عباس وعليه الشافعي وأصح قوليه أن الصلب ثلاثا بعد القتل وقيل قبله قليلا ويلحق بالنفي ما أشبهه في التنكيل من الحبس وغيره «ذلك» الجزاء المذكور «لهم خزي» ذل «في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم» هو عذاب النار.
إنما جزاء الذين يحاربون الله، ويبارزونه بالعداوة، ويعتدون على أحكامه، وعلى أحكام رسوله، ويفسدون في الأرض بقتل الأنفس، وسلب الأموال، أن يُقَتَّلوا، أو يُصَلَّبوا مع القتل (والصلب: أن يُشَدَّ الجاني على خشبة) أو تُقْطَع يدُ المحارب اليمنى ورجله اليسرى، فإن لم يَتُبْ تُقطعْ يدُه اليسرى ورجلُه اليمنى، أو يُنفَوا إلى بلد غير بلدهم، ويُحبسوا في سجن ذلك البلد حتى تَظهر توبتُهم.
وهذا الجزاء الذي أعدَّه الله للمحاربين هو ذلّ في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب شديد إن لم يتوبوا.
وبعد أن ذكر سبحانه - تغليظ الإثم في قتل النفس بغير حق ، وتعظيم الأجر لمن عمل على إحيائها ، أتبع ذلك ببيان الفساد المبيح للقتل ، فقال - تعالى - :( إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ .
.
.
)قال ابن جرير : اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟
فقال بعضهم : نزلت في قوم من أهل الكتاب كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضوا العهد ، وأفسدوا في الأرض ، فعرف الله نبيه الحكم فيهم .
.
.وقال آخرون : نزلت في قوم من المشركين .وقال آخرون : بل نزلت في قوم من عرينة وعكل - بضم العين وسكون الكاف - ارتدوا عن الإِسلام ، وحاربوا الله ورسوله ، فعن أنس أن رهطا من عكل وعربنة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنا أهل ضرع ، ولم نكن أهل ريف ، وإنا استوخمنا المدينة - أي : وجدناها رديئة المناخ - فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود وراع - أي : بعدد من الإِبل ومعهم راع - ، وأمرهم أن يخرجوا بها ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فقتلوا الراعي ، واستقاوا الذود ، وكفروا بعد إسلامهم ، فأتى بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وتركهم في الحرة حتى ماتوا ، فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم .ثم قال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال : أنزل الله هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم : لمعرفة حكمه على من حارب الله ورسوله ، وسعى في الأرض فسادا ، بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين .والذي يراه ابن جرير أولى هو الذي تطمئن إليه النفس ، فإن الآية الكريمة تبين عقاب قطاع الطرق الذين يحاربون النظام القائم للأمة ، ويرتكبون جرائم القتل والنهب والسلب والسرقة سواء أكانوا من المشركين أم من غيرهم؟
إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .وقوله : سبحانه ( يُحَارِبُونَ ) من المحاربة .
والمحاربة : مفاعلة من الحرب وهي ضد السلم ، والأصل في معنىكلمة الحرب : الأخذ والسلب .
يقال : حربه ، إذا سلبه ماله ، والمراد بالمحاربة هنا : قطع الطريق على الآمنين بالاعتداء عليهم بالقتل أو السلب أو ما يشبه ذلك في الجرائم التي حرمها الله - تعالى - :ومحاربة الناس لله - تعالى - على وجه الحقيقة غير ممكنة ، لتنزهه - سبحانه - عن أن يكون من الجواهر والأجسام التي تُقَاتلَ؛ ولأن ، المحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين في وجهة ومكان والله منزه عن ذلك ، فيكون التعبير مجازاً عن المخالفة لشرع الله ، وارتكاب ما يغضبه أو المعنى : يحاربون وأولياء رسوله وهم المسلمون؛ فيكون الكلام على تقدير حذف مضاف .وصدر - سبحانه - الآية بلفظ ( إنما ) المفيد للمقصر ، لتأكيد العقاب ، ولبيان أنه عقاب لا هوادة فيه ، لأنه حد من حدود الله - تعالى - على تلك الجريمة النكراء التي تقوض بنيان الجماعة ، وتهدم أمنها ، وتزلزل كيانها ، وتبعث الرعب والخوف في نفوس أفرادها .وعبر - سبحانه - عمن يحارب أولياءه وشرعه بأنهم محاربون له ولرسوله لزيادة التشنيع عليهم ، ولبيان أن كل من يهدد أمن المسلمين ويعتدي عليهم يكون محارباً لله ولرسوله ومستحقاً لغضبه - سبحانه - وعقوبته .وقوله : ( وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ) معطوف على قوله ( يُحَارِبُونَ ) .وقوله : ( وَيَسْعَوْنَ ) من السعي وهو الحركة السريعة المستمرة .والفساد : ضد الصلاح .
فكل ما خرج عن وضعه الذي يكون به صالحاً نافعاً ، يقال إنه قد فسد .
والسعي في الأرض بالفساد المراد به هنا : قطع الطريق على الناس ، وتهديد أمنهم ، والتعرض لهم بالأذى في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم .وقوله : ( فسادا ) مفعول لأجله أي : يحاربون ويسعون لأجل الفساد .
أو هو حال من فاعل ( يسعود ) بتأويله بمفسدين ، أو ذوي فساد .وقوله : ( أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا ) ألخ .
خبر عن المبتدأ هو ( جزاء ) .والمعنى : ( إِنَّمَا جَزَآءُ ) أي : عقاب ( الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ) أي : يخالفونهما ويعصون أمرهما ، ويعتدون على أوليائهما ( وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ) أي : يعملون بسرعة ونشاط في الأرض لا من أجل الإِصلاح وإنما من أجل الإِفساد فيها عن طريق تهديد أمن الناس ، والاعتداء على أموالهم وأنفسهم .
جزاء هؤلاء ( أَن يقتلوا ) والتقتيل هو القتل ، إلا أنه ذكر بصيغة التضعيف لإفادة الشدة في القتل وعدم التهاون في إيقاعه عليهم لكونه حق الشرع وللإِشارة إلى الاستمرار في قتلهم ما داموا مستمرين في الجريمة فكلما كان منهم قتل قتلوا .( أَوْ يصلبوا ) والتصليب : وضع الجاني الذي يراد قتله مشدودا على مكان مرتفع بحيث يرى بعد القتل ليكون عبرة لغيره ، وردعاً له عن ارتكاب المعاصي والجرائم .
قالوا : ويكون الصلب لمدة ثلاثة أيام وقيل : لمدة يوم واحد .
وجيء هنا أيضاً بصيغة التضعيف لإِفادة التشديد في تنفيذ هذه العقوبة وإثبات أنه لا هوادة فيها .( أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ ) أي : تقطع مختلفة ، فقوله ( مِّنْ ٍخِلافٍ ) حال في أيديهم وأرجلهم أي : لا تكون اليد والرجل المقطوعتان من جانب واحد بل تكونان من جانبين مختلفين .( أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ) أي ، يطردوا من الأرض التي اتفقوا فيها على الإِجرام إلى أرض أخرى ليتشتت شملهم ، ويتفرق جمعهم ، مع مراقبتهم والتضييق عليهم .
وفسر بعضهم النفي بالحبس في السجون ، لأن فيه إبعادا لهم وتفريقا لجمعهم .واسم الإِشارة في قوله - تعالى - ( ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا ) يعود إلى العقاب المذكور في الآية من القتل والصلب .
.
إلخ .والخزي : الذي والفضيحة أي ذلك العقاب المذكور ( ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا ) أي : ذل وفضيحة وعار عليهم ، لأنه كشف أمرهم ، وهتك سترهم ، وجعلهم عبرة لغيرهم .هذا هو عقاب الدنيا أما عقاب الآخرة قد بينه - سبحانه - بقوله : ( وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ ) أي : ولهم في الآخرة عذاب عظيم في شدته وآلامه جزاء ما اقترفوا من جرائم .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى تغليظ الإثم في قتل النفس بغير قتل نفس ولا فساد في الأرض أتبعه ببيان أن الفساد في الأرض الذي يوجب القتل ما هو، فإن بعض ما يكون فساداً في الأرض لا يوجب قتل فقال: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في أول الآية سؤال، وهو أن المحاربة مع الله تعالى غير ممكنة فيجب حمله على المحاربة مع أولياء الله، والمحاربة مع الرسل ممكنة فلفظة المحاربة إذا نسبت إلى الله تعالى كان مجازاً، لأن المراد منه المحاربة مع أولياء الله، وإذا نسبت إلى الرسول كانت حقيقة، فلفظ يحاربون في قوله: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ يلزم أن يكون محمولاً على المجاز والحقيقة معاً، وذلك ممتنع، فهذا تقرير السؤال.
وجوابه من وجهين: الأول: أنا نحمل المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف، والتقدير: إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله ويسعون في الأرض فساداً كذا وكذا، والثاني: تقدير الكلام إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله تعالى وأولياء رسوله كذا وكذا.
وفي الخبر أن الله تعالى قال: من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة.
المسألة الثانية: من الناس من قال: هذا الوعيد مختص بالكفار، ومنهم من قال: إنه في فساق المؤمنين، أما الأولون فقد ذكروا وجوها: الأول: أنها نزلت في قوم من عرينة نزلوا المدينة مظهرين للإسلام، فمرضت أبدانهم واصفرت ألوانهم، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة ليشربوا من أبوالها وألبانها فيصحوا، فلما وصلوا إلى ذلك الموضع وشربوا وصحوا قتلوا الرعاة وساقوا الإبل وارتدوا، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في أثرهم وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركوا هناك حتى ماتوا، فنزلت هذه الآية نسخاً لما فعله الرسول، فصارت تلك السنة منسوخة بهذا القرآن، وعند الشافعي رحمه الله لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاً للسنة الناسخة، والثاني: أن الآية نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي، وكان قد عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب، فقتلوهم وأخذوا أموالهم.
الثالث: أن هذه الآية في هؤلاء الذين حكى الله تعالى عنهم من بني إسرائيل أنهم بعد أن غلظ الله عليهم عقاب القتل العمد العدوان فهم مسرفون في القتل مفسدون في الأرض، فمن أتى منهم بالقتل والفساد في الأرض فجزاؤهم كذا وكذا.
والوجه الرابع: أن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء، قالوا: والذي يدل على أنه لا يجوز حمل الآية على المرتدين وجوه: أحدها: أن قطع المرتد لا يتوقف على المحاربة ولا على إظهار الفساد في دار الإسلام، والآية تقتضي ذلك.
وثانيها: لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد ولا على النفي، والآية تقتضي ذلك.
وثالثها: أن الآية تقتضي سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة وهو قوله: ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ والمرتد يسقط حده بالتوبة قبل القدرة وبعدها، فدل ذلك على أن الآية لا تعلق لها بالمرتدين.
ورابعها: أن الصلب غير مشروع في حق المرتد وهو مشروع هاهنا، فوجب أن لا تكون الآية مختصة بالمرتد.
وخامسها: أن قوله: ﴿ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾ يتناول كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، سواء كان كافراً أو مسلماً، أقصى ما في الباب أن يقال الآية نزلت في الكفار لكنك تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
المسألة الثالثة: المحاربون المذكورون في هذه الآية هم القوم الذين يجتمعون وليهم منعة ممن أرادهم بسبب أنهم يحمي بعضهم بعضاً ويقصدون المسلمين في أرواحهم ودمائهم، وإنما اعتبرنا القوة والشوكة لأن قاطع الطريق إنما يمتاز عن السارق بهذا القيد، واتفقوا على أن هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كانوا قطاع الطريق، فأما لو حصلت في نفس البلدة فقال الشافعي رحمه الله: إنه يكون أيضاً ساعياً في الأرض بالفساد ويقام عليه هذا الحد.
قال: وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنباً فلا أقل من المساواة، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إذا حصل ذلك في المصر فإنه لا يقام عليه الحد.
وجه قول الشافعي رحمه الله النص والقياس، أما النص فعموم قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾ ومعلوم أنه إذا حصل هذا المعنى في البلد كان لا محالة داخلاً تحت عموم هذا النص، وأما القياس فهو أن هذا حد فلا يختلف في المصر وغير المصر كسائر الحدود.
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الداخل في المصر يلحقه الغوث في الغالب فلا يتمكن من المقاتلة فصار في حكم السارق.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الارض ﴾ للعلماء في لفظ ﴿ أَوْ ﴾ في هذه الآية قولان: الأول: أنها للتخيير وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد، والمعنى أن الإمام إن شاء قتل وإن شاء صلب، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإن شاء نفى، أي واحد من هذه الأقسام شاء فعل.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: كلمة ﴿ أَوْ ﴾ هاهنا ليست للتخيير، بل هي لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف.
ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وهذا قول الأكثرين من العلماء، وهو مذهب الشافعي رحمه الله، والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان: الأول: أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير، والثاني: أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي، فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلاً على حدة، فصار التقدير: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال أو ينفوا ممن الأرض إن أخافوا السبل، والقياس الجلي أيضاً يدل على صحة ما ذكرناه لأن القتل العمد العدوان يوجب القتل، فغلظ ذلك في قاطع الطريق، وصار القتل حتماً لا يجوز العفو عنه، وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع الطريق، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين، وإن جمعوا بين القتل وبين أخذ المال جمع في حقهم بين القتل وبين الصلب، لأن بقاءه مصلوباً في ممر الطريق يكون سبباً لاشتهار إيقاع هذه العقوبة، فيصير ذلك زاجراً لغيره عن الإقدام على مثل هذه المعصية، وأما إن اقتصر على مجرد الإخافة اقتصر الشرع منه على عقوبة خفيفة وهي النفي من الأرض.
المسألة الخامسة: قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخير فيه بين ثلاثة أشياء.
أن يقتلهم فقط، أو يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم قبل القتل، أو يقتلهم ويصلبهم، وعند الشافعي رحمه الله: لابد من الصلب، وهو قول أبي يوسف رحمه الله.
حجة الشافعي رحمه الله: أنه تعالى نص على الصلب كما نص على القتل فلم يجز إسقاط الصلب كما لم يجز إسقاط القتل.
ثم اختلفوا في كيفية الصلب، فقيل: يصلب حياً ثم يزج بطنه برمح حتى يموت، وقال الشافعي رحمه الله: يقتل ويصلى عليه ثم يصلب.
المسألة السادسة: اختلفوا في تفسير النفي من الأرض.
قال الشافعي رحمه الله: معناه إن وجد هؤلاء المحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن لم يجدهم طلبهم أبداً حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه، وبه قال أحمد وإسحاق رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: النفي من الأرض هو الحبس، وهو اختيار أكثر أهل اللغة، قالوا: ويدل عليه أن قوله: ﴿ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الارض ﴾ إما أن يكون المراد النفي من جميع الأرض، وذلك غير ممكن مع بقاء الحياة، وإما أن يكون إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى، وهو أيضاً غير جائز؛ لأن الغرض من هذا النفي دفع شره عن المسلمين، فلو أخرجناه إلى بلد آخر لاستضر به من كان هناك من المسلمين، وإما أن يكون المراد إخراجه إلى دار الكفر وهو أيضاً غير جائز، لأن إخراج المسلم إلى دار الكفر تعريض له بالردة وهو غير جائز، ولما بطل الكل لم يبق إلاّ أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلاّ مكان الحبس.
قالوا: والمحبوس قد يسمى منفياً من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها، ولا يرى أحداً من أحبابه، فصار منفياً عن جميع اللذات والشهوات والطيبات فكان كالمنفي في الحقيقة.
ولما حبسوا صالح بن عبد القدوس على تهمة الزندقة في حبس ضيق وطال لبثه هناك ذكر شعراً، منه قوله: خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها *** فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا قال الشافعي رحمه الله: هذا النفي المذكور في الآية محمول على وجهين: الأول: أن هؤلاء المحاربين إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد، وإن لم يأخذهم طلبهم أبداً فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.
الثاني: القوم الذين يحضرون الواقعة ويكثرون جمع هؤلاء المحاربين ويخيفون المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد، وإن لم يأخذهم طلبهم أبداً.
فيقوم الشافعي هاهنا: إن الإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فالمراد بنفيهم عن الأرض هو هذا الحبس لا غير، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك لَهُمْ خِزْىٌ فِي الدنيا ﴾ أي فضيحة وهوان ﴿ وَلَهُمْ فِي الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
قالت المعتزلة: الآية دالة على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة، ودالة على أن قتلهم قد أحبط ثوابهم، لأنه تعالى حكم بأن ذلك لهم خزي في الدنيا والآخرة، وذلك يدل على كونهم مستحقين للذم، وكونهم مستحقين للذم في الحال يمنع من بقاء استحاقهم للمدح والتعظيم لما أن ذلك جمع بين الضدين، وإذا كان الأمر كذلك ثبت القول بالقطع بوعيد الفساق، وثبت القول بالإحباط.
والجواب: لا نزاع بيننا وبينكم في أن هذا الحد إنما يكون واقعاً على جهة الخزي والاستخفاف إذا لم تحصل التوبة، فأما عند حصول التوبة فإن هذا الحد لا يكون على جهة الخزي والاستخفاف، بل يكون على جهة الامتحان، فإذا جاز لكم أن تشترطوا هذا الحكم بعدم التوبة لدليل دل على اعتبار هذا الشرط، فنحن أيضاً نشرط هذا الحكم بشرط عدم العفو، وحينئذ لا يبقى الكلام إلاّ في أنه هل دلّ هذا الدليل على أنه تعالى يعفو عن الفساق أم لا؟
وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحاربة المسلمين في حكم محاربته ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾ مفسدين، أو لأنّ سعيهم في الأرض لما كان على طريق الفساد نزل منزلة: ويفسدون في الأرض فانتصب فساداً.
على المعنى، ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي الفساد.
نزلت في قوم هلال بن عويمر وكان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وقد مرّ بهم قوم يريدون رسول الله فقطعوا عليهم.
وقيل: في العرنيين، فأوحى إليه أنّ من جمع بين القتل وأخذ المال قتل وصلب ومن أفرد القتل قتل.
ومن أفرد أخذ المال قطعت يده لأخذ المال، ورجله لإخافة السبيل.
ومن أفرد الإخافة نفي من الأرض.
وقيل: هذا حكم كل قاطع طريق كافراً كان أو مسلماً.
ومعناه ﴿ أَن يُقَتَّلُواْ ﴾ من غير صلب، إن أفردوا القتل ﴿ أَوْ يُصَلَّبُواْ ﴾ مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ.
قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله، يصلب حياً، ويطعن حتى يموت ﴿ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف ﴾ إن أخذوا المال ﴿ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ﴾ إذا لم يزيدوا على الإخافة.
وعن جماعة منهم الحسن والنخعي: أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كلّ قاطع طريق من غير تفصيل.
والنفي: الحبس عند أبي حنيفة، وعند الشافعي: النفي من بلد إلى بلد، لا يزال يطلب وهو هارب فزعاً، وقيل: ينفى من بلده، وكانوا ينفونهم إلى (دهلك) وهو بلد في أقصى تهامة، و(ناصع) وهو بلد من بلاد الحبشة ﴿ خِزْىٌ ﴾ ذلّ وفضيحة ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ استثناء من المعاقبين عقاب قطع الطريق خاصة.
وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال فإلى الأولياء، إن شاؤا عفواً، وإن شاؤا استوفوا.
وعن عليّ رضي الله عنه: أن الحرث بن بدر جاءه تائباً بعدما كان يقطع الطريق، فقبل توبته ودرأ عنه العقوبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ أيْ يُحارِبُونَ أوْلِياءَهُما وهُمُ المُسْلِمُونَ، جَعَلَ مُحارَبَتَهم مُحارَبَتَهُما تَعْظِيمًا.
وأصْلُ الحَرْبِ السَّلْبُ والمُرادُ بِهِ هاهُنا قَطْعُ الطَّرِيقِ.
وقِيلَ المُكابَرَةُ بِاللُّصُوصِيَّةِ وإنْ كانَتْ في مِصْرَ.
﴿ وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا ﴾ أيْ مُفْسِدِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى العِلَّةِ أوِ المَصْدَرِ لِأنَّ سَعْيَهم كانَ فَسادًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَسادًا.
﴿ أنْ يُقَتَّلُوا ﴾ أيْ قَصاصًا مِن غَيْرِ صُلْبٍ إنْ أفْرَدُوا القَتْلَ.
﴿ أوْ يُصَلَّبُوا ﴾ أيْ يُصْلَبُوا مَعَ القَتْلِ إنْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، ولِلْفُقَهاءِ خِلافٌ في أنَّهُ يُقْتَلُ ويُصْلَبُ أوْ يُصْلَبُ حَيًّا ويُتْرَكُ أوْ يُطْعَنُ حَتّى يَمُوتَ.
﴿ أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ ﴾ تُقْطَعُ أيْدِيهِمُ اليُمْنى وأرْجُلُهُمُ اليُسْرى إنْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا.
﴿ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ يُنْفَوْا مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ القَرارِ في مَوْضِعٍ إنِ اقْتَصَرُوا عَلى الإخافَةِ.
وفَسَّرَ أبُو حَنِيفَةَ النَّفْيَ بِالحَبْسِ، وأوْ في الآيَةِ عَلى هَذا لِلتَّفْصِيلِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ العُقُوباتِ في كُلِّ قاطِعِ طَرِيقٍ.
﴿ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ﴾ ذُلٌّ وفَضِيحَةٌ.
﴿ وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ لِعِظَمِ ذُنُوبِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{إنما جزاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ} أي أولياء الله فى الحديث يقول
المائدة (٣٣ _ ٣٨)
الله تعالى من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة {وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَاداً} مفسدين ويجوز أن يكون مفعولاً له أي للفساد وخبر جزاء {أَن يُقَتَّلُواْ} وما عطف عليه وأفاد التشديد الواحد بعد الواحد ومعناه أن يقتلوا من غير صلب إن أفردوا القتل {أَوْ يُصَلَّبُواْ} مع القتل إن جمعوا بين القتل وأخذ المال {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم} أن أخذوا المال {من خلاق} حال من الأيدي والأرجل أي مختلفة {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض} بالحبس إذا لم يزيدوا على الإخافة {ذلك} المذكور {لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدنيا} ذل وفضيحة {وَلَهُمْ فِى الآخرة عَذَابٌ عظيم}
﴿ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ - كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ وعَلَيْهِ جُمْلَةُ الفُقَهاءِ - إلى أنَّها نَزَلَتْ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ، والكَلامُ - كَما قالَ الجَصّاصُ - عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ .
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَوْ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَكانُوا مُرْتَدِّينَ بِإظْهارِ مُحارَبَتِهِ ومُخالَفَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقِيلَ: المُرادُ يُحارِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِلتَّمْهِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى رِفْعَةِ مَحَلِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ومُحارَبَةُ أهْلِ شَرِيعَتِهِ وسالِكِي طَرِيقَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ مُحارَبَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَيَعُمُّ الحُكْمُ مَن يُحارِبُهم بَعْدَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَوْ بِأعْصارٍ كَثِيرَةٍ، بِطَرِيقِ العِبارَةِ لا بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ أوِ القِياسِ كَما يُتَوَهَّمُ؛ لِأنَّ وُرُودَ النَّصِّ لَيْسَ بِطَرِيقِ خِطابِ المُشافَهَةِ حَتّى يَخْتَصَّ بِالمُكَلَّفِينَ حِينَ النُّزُولِ، ويَحْتاجَ في تَعْمِيمِهِ إلى دَلِيلٍ آخَرَ عَلى ما تَحَقَّقَ في الأُصُولِ.
وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، وإنَّما المُرادُ مُحارَبَةُ المُسْلِمِينَ، إلّا أنَّهُ جَعَلَ مُحارَبَتَهم مُحارَبَةَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَعْظِيمًا لَهُ وتَرْفِيعًا لِشَأْنِهِمْ، وجَعَلَ ذِكْرَ الرَّسُولِ عَلى هَذا تَمْهِيدًا عَلى تَمْهِيدًا، وفِيهِ ما لا يَخْفى.
والحَرْبُ في الأصْلِ السَّلْبُ والأخْذُ، يُقالُ: حَرَبَهُ إذا سَلَبَهُ، والمُرادُ بِهِ ها هُنا قَطْعُ الطَّرِيقِ، وقِيلَ: الهُجُومُ جَهْرَةً بِاللُّصُوصِيَّةِ وإنْ كانَ في مِصْرٍ.
﴿ ويَسْعَوْنَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( يُحارِبُونَ ) وبِهِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ تَعالى: ( في الأرْضِ ) وقِيلَ: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَسادًا ) وهو إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ( يَسْعَوْنَ ) بِتَأْوِيلِهِ بِمُفْسِدِينَ، أوْ ذَوِي فَسادٍ، أوْ لا تَأْوِيلَ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ كَما قِيلَ، وإمّا مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: لِأجْلِ الفَسادِ، وإمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ( يَسْعَوْنَ ) لِأنَّهُ في مَعْنى يُفْسِدُونَ، و( فَسادًا ) إمّا مَصْدَرٌ حُذِفَ مِنهُ الزَّوائِدُ أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّما جَزاءُ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المُنْسَبِكُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يُقَتَّلُوا ﴾ أيْ حَدًّا مِن غَيْرِ صَلْبٍ إنْ أفْرَدُوا القَتْلَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ بِآلَةٍ جارِحَةٍ أوْ لا، والإتْيانُ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى القِصاصِ مِن أنَّهُ لِكَوْنِهِ حَقَّ الشَّرْعِ لا يَسْقُطُ بِعَفْوِ الوَلِيِّ، وكَذا التَّصْلِيبُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ يُصَلَّبُوا ﴾ لِما فِيهِ مِنَ القَتْلِ، أيْ يُصَلَّبُوا مَعَ القَتْلِ إنْ جَمَعُوا بَيْنَ القَتْلِ والأخْذِ، وقِيلَ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الفِعْلَيْنِ لِلتَّكْثِيرِ، والصَّلْبُ قَبْلَ القَتْلِ، بِأنْ يُصَلَّبُوا أحْياءً، وتُبْعَجُ بُطُونُهم بِرُمْحٍ حَتّى يَمُوتُوا، وأصَحُّ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أنَّ الصَّلْبَ ثَلاثًا بَعْدَ القَتْلِ، قِيلَ: إنَّهُ يَوْمٌ واحِدٌ.
وقِيلَ: حَتّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ، والأوْلى أنْ يَكُونَ عَلى الطَّرِيقِ في مَمَرِّ النّاسِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِلْغَيْرِ عَنِ الإقْدامِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ.
وفِي ظاهِرِ الرِّوايَةِ أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ إنْ شاءَ اكْتَفى بِذَلِكَ، وإنَّ شاءَ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافِ، وقَتَلَهم وصَلَّبَهم.
﴿ أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ ﴾ أيْ تُقَطَّعُ مُخْتَلِفَةً، بِأنْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمُ اليُمْنى وأرْجُلُهُمُ اليُسْرى، إنِ اقْتَصَرُوا عَلى أخْذِ المالِ مِن مُسْلِمٍ أوْ ذِمِّيٍّ، إذْ لَهُ ما لنا وعَلَيْهِ ما عَلَيْنا، وكانَ في المِقْدارِ، بِحَيْثُ لَوْ قُسِّمَ عَلَيْهِمْ أصابَ كُلًّا مِنهم عَشَرَةُ دَراهِمَ أوْ ما يُساوِيها قِيمَةً، وهَذا في أوَّلِ مَرَّةٍ، فَإنْ عادُوا قُطِّعَ مِنهُمُ الباقِي، وقَطْعُ الأيْدِي لِأخْذِ المالِ، وقَطْعُ الأرْجُلِ لِإخافَةِ الطَّرِيقِ وتَفْوِيتِ أمْنِهِ.
﴿ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا غَيْرَ الإخافَةِ والسَّعْيِ لِلْفَسادِ، والمُرادُ بِالنَّفْيِ عِنْدَنا هو الحَبْسُ والسَّجْنُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ النَّفْيَ بِذَلِكَ المَعْنى؛ لِأنَّ الشَّخْصَ بِهِ يُفارِقُ بَيْتَهُ وأهْلَهُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المَسْجُونِينَ: خَرَجْنا مِنَ الدُّنْيا ونَحْنُ أهْلُها فَلَسْنا مِنَ الأمْواتِ فِيها ولا الأحْيا إذْ جاءَنا السَّجّانُ يَوْمًا لِحاجَةٍ ∗∗∗ عَجِبْنا وقُلْنا: جاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيا ويُعَزَّرُونَ أيْضًا لِمُباشَرَتِهِمْ إخافَةَ الطَّرِيقِ، وإزالَةَ أمْنِهِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - المُرادُ بِهِ النَّفْيُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ولايَزالُ يُطْلَبُ وهو هارِبٌ فَرَقًا إلى أنْ يَتُوبَ ويَرْجِعَ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامِيَّةُ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنِ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ يُنْفى عَنْ بَلَدِهِ فَقَطْ، وقِيلَ: إلى بَلَدٍ أبْعَدَ، وكانُوا يَنْفُونَهم إلى دَهْلَكَ، وهو بَلَدٌ في أقْصى تِهامَةَ، وناصِعَ وهو بَلَدٌ مِن بِلادِ الحَبَشَةِ.
واسْتُدِلَّ لِلْأوَّلِ بِأنَّ المُرادَ بِنَفْيِ قاطِعِ الطَّرِيقِ زَجْرُهُ، ودَفْعُ شَرِّهِ، فَإذا نُفِيَ إلى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُؤْمَن ذَلِكَ مِنهُ، وإخْراجُهُ مِنَ الدُّنْيا غَيْرُ مُمْكِنٍ، ومِن دارِ الإسْلامِ غَيْرُ جائِزٍ، فَإنْ حُبِسَ في بَلَدٍ آخَرَ فَلا فائِدَةَ فِيهِ، إذْ بِحَبْسِهِ في بَلَدِهِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، وهو أشَدُّ عَلَيْهِ.
هَذا، ولَمّا كانَتِ المُحارَبَةُ والفَسادُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ ووُجُوهٍ شَتّى شُرِعَتْ لِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن تِلْكَ المَراتِبِ عُقُوبَةٌ مُعَيَّنَةٌ بِطَرِيقٍ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ - فَـ( أوْ ) لِلتَّقْسِيمِ واللَّفِّ والنَّشْرِ المُقَدَّرِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: إنَّها تَخْيِيرِيَّةٌ، والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ العُقُوباتِ في كُلِّ قاطِعِ طَرِيقٍ، والأوَّلُ عُلِمَ بِالوَحْيِ، وإلّا فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ دُونَ التَّخْيِيرِ، ولِأنَّ في الآيَةِ أجِزْيَةً مُخْتَلِفَةً غِلَظًا وخِفَّةً فَيَجِبُ أنْ تَقَعَ في مُقابَلَةِ جِناياتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِيَكُونَ جَزاءُ كُلِّ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةً مِثْلَها، ولِأنَّهُ لَيْسَ لِلتَّخْيِيرِ في الأغْلَظِ والأهْوَنِ في جِنايَةٍ واحِدَةٍ كَبِيرُ مَعْنًى.
والظّاهِرُ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - هَذا التَّنْوِيعُ والتَّفْصِيلُ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّخْيِيرَ أقْرَبُ، وكَوْنُهُ بَيْنَ الأغْلَظِ والأهْوَنِ بِالنَّظَرِ إلى الأشْخاصِ والأزْمِنَةِ، فَإنَّ العُقُوباتِ لِلِانْزِجارِ وإصْلاحِ الخَلْقِ، ورُبَّما يَتَفاوَتُ النّاسُ في الِانْزِجارِ، فَوُكِلَ ذَلِكَ إلى رَأْيِ الإمامِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، فَتَأمَّلْ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما فُصِّلَ مِنَ الأحْكامِ والأجْزِيَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم خِزْيٌ ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي الدُّنْيا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ( خِزْيٌ ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقِيلَ: ( خِزْيٌ ) خَبَرٌ لِـ( ذَلِكَ ) و( لَهم ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( خِزْيٌ ) لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ فَلَمّا قُدِّمَ انْتُصِبَ حالًا، و( في الدُّنْيا ) إمّا صِفَةٌ لِـ( خِزْيٌ ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَما مَرَّ آنِفًا، والخِزْيُ الذُّلُّ والفَضِيحَةُ.
﴿ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وذَلِكَ لِغايَةِ عِظَمِ جِناياتِهِمْ، واقْتُصِرَ في الدُّنْيا عَلى الخِزْيِ مَعَ أنَّ لَهم فِيها عَذابًا أيْضًا، وفي الآخِرَةِ عَلى العَذابِ مَعَ أنَّ لَهم فِيها خِزْيًا أيْضًا؛ لِأنَّ الخِزْيَ في الدُّنْيا أعْظَمُ مِن عَذابِها، والعَذابَ في الآخِرَةِ أشَدُّ مِن خِزْيِها.
والآيَةُ أقْوى دَلِيلٍ لِمَن يَقُولُ: إنَّ الحُدُودَ لا تُسْقِطُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، والقائِلُونَ بِالإسْقاطِ يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««مَنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ كانَ كَفّارَةً لَهُ»» فَإنَّهُ يَقْتَضِي سُقُوطَ الإثْمِ عَنْهُ، وأنْ لا يُعاقَبَ في الآخِرَةِ، وهو مُشْكِلٌ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، وأجابَ النَّوَوِيُّ بِأنَّ الحَدَّ يُكَفَّرُ بِهِ عَنْهُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى، وأمّا حُقُوقُ العِبادِ فَلا، وها هُنا حَقّانِ لِلَّهِ تَعالى والعِبادِ، ونَظَرٌ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ يعني من أجل خيانة ابن آدم حين قتل أخاه كَتَبْنا يعني فرضنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ وغلّظنا وشدّدنا في التوراة أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ يعني قتل نفساً بغير أن يقتل نفساً أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ يعني بغير فساد في الأرض، وهو الشرك بالله فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً يعني إذا قتل نفساً بغير جرم واستحل قتله، فكأنه قتل الناس جميعا، يعني إذا قتل نفساً فجزاؤه جهنم خالداً فيها.
ثم قال: وَمَنْ أَحْياها يعني نجّاها من غرق أو حرق أو يعفو عن القتل فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً يعني: له من الأجر كأنما أحيا الناس جميعاً، لأن في حياة نفس واحدة يكون منفعة لجميع الناس، لأنه يدعو لجميع الخلق.
ثم قال: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ يعني بالبيان في الأمر والنهي ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ البيان فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ يعني: لمشركون تاركون لأمر الله تعالى.
قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إن للتأكيد، وما صلة يحاربون الله ورسوله، يعني يخالفون الله ورسوله، ويتركون أمر الله وأمر رسوله مجاهرة وعياناً وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً بالقتل وأخذ المال أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سبعة نفر من بني عرينة، قدموا المدينة فاجتووها.
فقال النبيّ : «لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى إِبِلِنَا وَأَصَبْتُمْ مِنْ ألْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» ففعلوا، فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم، وساروا بالإبل وارتدوا عن الإسلام، فأرسل النبيّ في آثارهم علياً، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرّة حتى ماتوا.
وهذا قبل أن تنزل آية الحدود.
وروى أسباط عن السدي قال: نزلت في سودان عرينة، فأراد النبيّ أن يمثل بهم فنهاه الله تعالى عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحد الذي أنزل عليه.
وقال سعيد بن جبير إنه مثل بهم ثم نزل بعد ذلك: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ الآية.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وادع رسول الله أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن، فمر أناس من بني كنانة يريدون الإسلام، فمروا بأصحاب أبي بردة ولم يكن أبو بردة حاضراً يومئذٍ، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم فنزلت هذه الآية: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية.
ثم صارت الآية عامة في جميع الناس.
واختلف العلماء في حكمهم وهم قطاع الطريق وهم ثلاثة أصناف: صنف يأخذ المال ولا يقتل، وصنف يأخذ المال ويقتل، وصنف يقتل ولا يأخذ المال.
قال بعضهم: إذا وجد من إنسان صنف من هذه الأصناف، فللإمام أن يقيم عليه أي عقوبات شاء، لأن الله تعالى قال: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا فقد خُيِّر في عقوبتهم، وهو قول الحسن وعطاء.
وقال بعضهم: لكل صنف عقوبة على حدة، والاختيار عند أصحابنا رحمهم الله أنه إن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن قتل وأخذ المال قطع وقتل عند أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقتل ولا يقطع.
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: إن قَتل قُتل، وإن قتل وأخذ المال قطع ثم صلب.
وروي عن ابن عباس نحو هذا.
ويكون أو بمعنى الواو، فكأنه قال: إن يقتلوا ويصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ وقال بعضهم: يقتل ثم يصلب على وجه النكال والعبرة، وقال بعضهم: يصلب حياً ثم يطعن في ليته، يخضخض حتى يموت.
قوله تعالى: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ يعني يطلب حتى لا يجد قراراً في موضع ويقال: يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ يعني يحبس فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه نفي عن الأرض.
واحتج هذا القائل بقول بعض أهل السجن في ذلك: خَرَجْنَا من الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنَ اهْلِها ...
فَلَسْنَا من الأمواتِ فيها ولاَ الأحْيَا إذا جاءنَا السَّجَّان يَوْماً لِحَاجَة ...
عَجِبْنَا وقلنا جَاءَ هذا من الدُّنْيَا ويقال: ينفى إلى دار الحرب.
ثم قال تعالى: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا يعني ذلك القتل والقطع لهم عذاب وعقوبة في الدنيا، ولا يكون ذلك كفارة لذنوبهم إن لم يتوبوا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أي أشد مما كان في الدنيا، وهو عذاب النار.
ثم استثنى فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ يعني رجعوا عن صنيعهم قبل أن يؤخذوا ويردوا المال، فلا يعاقبون في الدنيا ولا فى الآخرة، ويغفر الله تعالى لهم ذنوبهم وذلك قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور لذنوبهم رحيم حين قبل توبتهم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ في كلّ عصر يسرفون، ويتجاوزون الحدود.
وقوله سبحانه: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...
الآية: روى أنس بن مالك وغيره: «أن الآية نزلَتْ في قومٍ مِنْ عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَأَسْلَمُوا، ثم إنهم مَرِضُوا، واستوخموا المدينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يَكُونُوا فِي لقَاح الصَّدَقَةِ، وَقَالَ:
«اشربوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» ، فخرَجُوا فِيهَا، فَلَمَّا صَحُّوا، قتلوا الرّاعي، واستاقوا الإبل، فبلغ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَبَرُهُمْ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، قَالَ جميع الرّواة: فقطع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ «١» ، - ويروى: وَسَمَلَ «٢» - وَتَرَكَهُمْ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ، فَلاَ يُسْقَوْنَ» ، فقيل: إن هذه الآية ناسخةٌ لفعْله صلّى الله عليه وسلّم بالعُرَنِيِّينَ، ووقَف الأمْر على هذه الحدودِ.
وقال جماعةٌ: إنها غير ناسخةٍ لذلك الفعْل لأن العرنيين مرتدّون، لا سيّما، وفي
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها: أرْبَعَةُ أقْوال.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِن عُرَيْنَةَ قَدِمُوا المَدِينَةَ، فاجْتَوَوْها، فَبَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ في إبِلِ الصَّدَقَةِ، وأمَرَهم أنْ يَشْرَبُوا مِن ألْبانِها وأبْوالها فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، وارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وقَتَلُوا الرّاعِيَ، واسْتاقُوا الإبِلَ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ في آثارِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وسَمَّرَ أعْيُنَهم، وألْقاهم بِالحَرَّةِ حَتّى ماتُوا، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: «أنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ الكِتابِ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدٌ ومِيثاقٌ، فَنَقَضُوا العَهْدَ، وأفْسَدُوا في الأرْضِ.
فَخَيَّرُ اللَّهُ رَسُولَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ: إنْ شاءَ أنْ يَقْتُلَهم، وإنْ شاءَ أنْ يَقْطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ.» رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّ أصْحابَ أبِي بُرْدَةَ الأسْلَمِيِّ قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلى قَوْمٍ جاؤُوا يُرِيدُونَ الإسْلامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: «كانَ أبُو بُرْدَةَ، واسْمُهُ هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ، وادَعَ النَّبِيَّ عَلى أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، ومَن أتاهُ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يُهَجْ، ومِن مَرَّ بِهِلالٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يُهَجْ، فَمَرَّ قَوْمٌ مَن بَنِيَ كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ بِناسٍ مَن قَوْمِ هِلالٍ، فَنَهَدُوا إلَيْهِمْ، فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم، ولَمْ يَكُنْ هِلالٌ حاضِرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ "المُحارَبَةِ" لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ في الآيَةِ مَجازٌ.
وَفِي مَعْناها لِلْعُلَماءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سَمّاهم مُحارِبِينَ لَهُ تَشْبِيهًا بِالمُحارِبِينَ حَقِيقَةً، لِأنَّ المُخالِفَ مُحارِبٌ، وإنْ لَمْ يُحارِبْ، فَيَكُونُ المَعْنى: يُخالِفُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ بِالمَعاصِي.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ: يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ، وأوْلِياءَ رَسُولِهِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِالمُحارَبَةِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، الكُفْرَ بَعْدَ الإسْلامِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: أرادَ بِها الشِّرْكَ.
فَأمّا "الفَسادُ" فَهو القَتْلُ والجِراحُ وأخْذُ الأمْوالِ، وإخافَةُ السَّبِيلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا ﴾ اخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى التَّرْتِيبِ، أمْ عَلى التَّخْيِيرِ؟
فَمَذْهَبُ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّها عَلى التَّرْتِيبِ، وأنَّهم إذا قَتَلُوا، وأخَذُوا المالَ، أوْ قَتَلُوا ولَمْ يَأْخُذُوا، قُتِلُوا وصُلِّبُوا، وإنْ أخَذُوا المالَ، ولَمْ يَقْتُلُوا، قُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ، وإنْ لَمْ يَأْخُذُوا المالَ، نُفُوا.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى هَذا تَكُونُ "أوْ" مُبَعِّضَةً، فالمَعْنى: بَعْضُهم يُفْعَلُ بِهِ كَذا، وبَعْضُهم كَذا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى ﴾ المَعْنى قالَ بَعْضُهم هَذا، وقالَ بَعْضُهم هَذا.
وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ أكْثَرِ اللُّغَوِيِّينَ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ: إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، قُتِلُوا وصُلِّبُوا، وإذا قَتَلُوا ولَمْ يَأْخُذُوا المالَ، قُتِلُوا ولَمْ يُصَلَّبُوا، وإذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، قُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ.
وقالَ مالِكٌ: الإمامُ مُخَيَّرٌ في إقامَةِ أيِّ الحُدُودِ شاءَ، سَواءٌ قَتَلُوا أوْ لَمْ يَقْتُلُوا، أخَذُوا المالَ أوْ لَمْ يَأْخُذُوا، والصَّلْبُ بَعْدَ القَتْلِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وَمالِكٌ: يُصْلَبُ ويُبْعَجُ بِرُمْحٍ حَتّى يَمُوتَ.
واخْتَلَفُوا في مِقْدارِ زَمانِ الصَّلْبِ، فَعِنْدَنا أنَّهُ يُصْلَبُ بِمِقْدارِ ما يَشْتَهِرُ صَلْبُهُ.
واخْتَلَفَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يُتْرَكُ حَتّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "مِن خِلافٍ" أنْ تُقْطَعَ يَدُهُ اليُمْنى ورِجْلُهُ اليُسْرى، يُخالَفُ بَيْنَ قَطْعِهِما.
فَأمّا "النَّفْيُ" فَأصْلُهُ الطَّرْدُ والإبْعادُ.
وَفِي صِفَةِ نَفْيِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: إبْعادُهم مِن بِلادِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وهَذا إنَّما يَكُونُ في حَقِّ المُحارِبِ المُشْرِكِ، فَأمّا المُسْلِمُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُضْطَرَّ إلى ذَلِكَ.
والثّانِي: أنْ يُطْلَبُوا لِتُقامَ عَلَيْهِمُ الحُدُودُ، فَيُبْعَدُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: إخْراجُهم مِن مَدِينَتِهِمْ إلى مَدِينَةٍ أُخْرى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَقالَ مالِكٌ: يُنْفى إلى بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ، فَيُحْبَسُ هُناكَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الحَبْسُ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ.
وقالَ أصْحابُنا: صِفَةُ النَّفْيِ: أنْ يُشَرَّدَ ولا يَتْرُكَ يَأْوِي في بَلَدٍ، فَكُلَّما حَصَلَ في بَلَدٍ نُفِيَ إلى بَلَدٍ غَيْرِهِ.
وَفِي "الخِزْيِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ العِقابُ.
والثّانِي: الفَضِيحَةُ.
وَهَلْ يَثْبُتُ لَهم حُكْمُ المُحارِبِينَ في المِصْرِ، أمْ لا؟
ظاهِرُ كَلامِ أصْحابِنا أنَّهُ لا يَثْبُتُ لَهم ذَلِكَ في المِصْرِ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
وقالَ الشّافِعِيُّ، وَأبُو يُوسُفَ: المِصْرُ والصَّحارِي سَواءٌ، ويُعْتَبَرُ في المالِ المَأْخُوذِ قَدْرُ نِصابٍ، كَما يُعْتَبَرُ في حَقِّ السّارِقِ، خِلافًا لِمالِكٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أو يُنْفَوْا مِن الأرْضِ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ اِقْتَضى المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَ "إنَّما" حاصِرَةً الحَصْرَ التامَّ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَهْدٌ؛ فَنَقَضُوا العَهْدَ؛ وقَطَعُوا السَبِيلَ؛ وأفْسَدُوا في الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ نازِلَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ؛ لِأنَّ تَوْبَةَ المُشْرِكِ نافِعَةٌ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ وعَلى كُلِّ حالٍ؛ وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ وغَيْرُهُمْ: إنَّ الآيَةَ «نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ؛ قَدِمُوا عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَأسْلَمُوا؛ ثُمَّ إنَّهم مَرِضُوا؛ واسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ؛ فَأمَرَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَكُونُوا في لِقاحِ الصَدَقَةِ؛ وقالَ: "اِشْرَبُوا مِن ألْبانِها؛ وأبْوالِها"؛ فَخَرَجُوا فِيها؛ فَلَمّا صَحَوْا قَتَلُوا الرِعاءَ؛ واسْتاقُوا الإبِلَ؛ فَجاءَ الصَرِيخُ فَأخْبَرَ بِذَلِكَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -.
فَأمَرَ فَنُودِيَ في الناسِ: يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي؛ فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى أثَرِهِمْ؛ فَأُخِذُوا؛ وقالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ حَتّى إذا أدْرَكْناهُمْ؛ وقَدْ أشْرَفُوا عَلى دِيارِهِمْ؛ فَجِئْنا بِهِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ جَمِيعُ الرُواةِ: فَقَطَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيْدِيَهُمْ؛ وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ؛ وسَمَّرَ أعْيُنَهم - ويُرْوى: وسَمَلَ -؛ وتَرَكَهم في جانِبِ الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ؛ فَلا يُسْقَوْنَ؛ وفي حَدِيثِ جَرِيرٍ: فَكانُوا يَقُولُونَ: اَلْماءَ؛ ويَقُولُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اَلنّارَ".» وفِي بَعْضِ الرِواياتِ عن أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أحْرَقَهم بِالنارِ بَعْدَما قَتَلَهُمْ؛ قالَ أبُو قُلابَةَ: هَؤُلاءِ كَفَرُوا؛ وقَتَلُوا؛ وأخَذُوا الأمْوالَ؛ وحارَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتْ فِعْلَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالعُرَنِيِّينَ؛ ووَقَفَتِ الأمْرَ عَلى هَذِهِ الحُدُودِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: وجَعَلَها اللهُ عِتابًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى سَمْلِ الأعْيُنِ؛ وحُكِيَ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ بِناسِخَةٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ في المُرْتَدِّينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا سِيَّما وفي بَعْضِ الطُرُقِ أنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرُعاةِ؛ قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ هي في المُحارِبِ المُؤْمِنِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَسْمِلْ أعْيُنَ العُرَنِيِّينَ؛ وإنَّما أرادَ ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ ناهِيَةً عن ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ تُخالِفُهُ الرِواياتُ المُتَظاهِرَةُ.
وَلا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَرَتِّبٌ في المُحارِبِينَ مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ واخْتَلَفُوا فِيمَن هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ اسْمَ الحِرابَةِ؛ فَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلْمُحارِبُ عِنْدَنا مَن حَمَلَ عَلى الناسِ السِلاحَ في مِصْرٍ؛ أو بَرِّيَّةٍ؛ فَكابَرَهم عن أنْفُسِهِمْ؛ وأمْوالِهِمْ؛ دُونَ نائِرَةٍ ولا دَخْلٍ ولا عَداوَةٍ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا يَكُونُ المُحارِبُ إلّا القاطِعَ عَلى الناسِ في خارِجِ الأمْصارِ؛ فَأمّا في المِصْرِ فَلا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُونَ أنَّ القاطِعَ في المِصْرِ يَلْزَمُهُ حَدُّ ما اجْتَرَحَ مِن قَتْلٍ؛ أو سَرِقَةٍ؛ أو غَصْبٍ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ والحِرابَةُ رُتَبٌ؛ أدْناها إخافَةُ الطَرِيقِ فَقَطْ؛ لَكِنَّها تُوجِبُ صِفَةَ الحِرابَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَأْخُذَ المالَ مَعَ الإخافَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقْتُلَ مَعَ الإخافَةِ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ فَقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: في أيِّ رُتْبَةٍ كانَ المُحارِبُ مِن هَذِهِ الرُتَبِ فالإمامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ؛ في أنْ يُعاقِبَهُ بِما رَأى مِن هَذِهِ العُقُوباتِ؛ واسْتُحْسِنَ أنْ يَأْخُذَ في الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ بِأيْسَرِ العُقُوباتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا سِيَّما إنْ كانَتْ زَلَّةً؛ ولَمْ يَكُنْ صاحِبَ شُرُورٍ مَعْرُوفَةٍ؛ وأمّا إنْ قَتَلَ فَلا بُدَّ مِن قَتْلِهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ والحَسَنُ ؛ وأبُو مِجْلَزٍ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهم مِنَ العُلَماءِ: بَلْ لِكُلِّ رُتْبَةٍ مِنَ الحِرابَةِ رُتْبَةٌ مِنَ العِقابِ؛ فَمَن أخافَ الطُرُقَ فَقَطْ؛ فَعُقُوبَتُهُ النَفْيُ؛ ومَن أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ؛ فَعُقُوبَتُهُ القَطْعُ مِن خِلافٍ؛ ومَن قَتَلَ دُونَ أخْذٍ مالٍ؛ فَعُقُوبَتُهُ القَتْلُ؛ ومَن جَمَعَ الكُلَّ قُتِلَ؛ وصُلِبَ؛ وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ الحِرابَةَ لا تَخْرُجُ عَنِ الإيمانِ؛ ودَمُ المُؤْمِنِ حَرامٌ؛ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: اِرْتِدادٍ؛ أو زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ؛ أو قَتْلِ نَفْسٍ؛ فالمُحارِبُ إذا لَمْ يَقْتُلْ فَلا سَبِيلَ إلى قَتْلِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنِ أيْضًا؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ؛ وغَيْرِهِمْ مِثْلَ قَوْلِ مالِكٍ: إنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ؛ ومِن حُجَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ ما كانَ في القُرْآنِ "أو..
أو"؛ فَإنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ ﴾ ؛ وكَآيَةِ كَفّارَةِ اليَمِينِ؛ وآيَةِ جَزاءِ الصَيْدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القَوْلَ الآخَرَ؛ وهو أحْوَطُ لِلْمُفْتِي؛ ولِدَمِ المُحارِبِ؛ وقَوْلُ مالِكٍ أسَدُّ لِلذَّرِيعَةِ؛ وأحْفَظُ لِلنّاسِ والطُرُقِ؛ والمُخِيفُ في حُكْمِ القاتِلِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَمالِكٌ يَرى فِيهِ الأخْذَ بِأيْسَرِ العُقُوباتِ اسْتِحْسانًا؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «سَألَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - عَنِ الحُكْمِ في المُحارِبِ؛ فَقالَ: "مَن أخافَ السَبِيلَ؛ وأخَذَ المالَ؛ فاقْطَعْ يَدَهُ لِلْأخْذِ؛ ورِجْلَهُ لِلْإخافَةِ؛ ومَن قَتَلَ فاقْتُلْهُ؛ ومَن جَمَعَ ذَلِكَ فاصْلُبْهُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبَقِيَ النَفْيُ لِلْمُخِيفِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُحارِبُونَ اللهَ ﴾ ؛ تَغْلِيظٌ؛ جَعَلَ ارْتِكابَ نَهْيِهِ مُحارَبَةً؛ وقِيلَ: اَلتَّقْدِيرُ: يُحارِبُونَ عِبادَ اللهِ؛ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا ﴾ ؛ تَبْيِينٌ لِلْحِرابَةِ؛ أيْ: "وَيَسْعَوْنَ بِحِرابَتِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَيَسْعَوْنَ فَسادًا مُنْضافًا إلى الحِرابَةِ"؛ والرابِطُ إلى هَذِهِ الحُدُودِ إنَّما هو الحِرابَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ ﴾ ؛ بِالتَثْقِيلِ في هَذِهِ الأفْعالِ؛ لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ؛ والتَكْثِيرُ هُنا إنَّما هو مِن جِهَةِ عَدَدِ الَّذِينَ يُوقَعُ بِهِمْ؛ كالتَذْبِيحِ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ في قِراءَةِ مَن ثَقَّلَ: "يُذَبِّحُونَ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُقْتَلُوا"؛ و"يُصْلَبُوا"؛ و"تُقْطَعَ"؛ بِالتَخْفِيفِ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ.
وأمّا قَتْلُ المُحارِبِ فَبِالسَيْفِ؛ ضَرْبَةَ العُنُقِ؛ وأمّا صَلْبُهُ فَجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ يَصْلَبُ حَيًّا؛ ويُقْتَلُ بِالطَعْنِ عَلى الخَشَبَةِ؛ ورُوِيَ هَذا عن مالِكٍ ؛ وهو الأظْهَرُ مِنَ الآيَةِ؛ وهو الأنْكى في النَكالِ؛ وأمّا القَطْعُ فاليَدُ اليُمْنى مِنَ الرُسْغِ؛ والرِجْلُ الشِمالُ مِنَ المَفْصِلِ.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ كانَ يَقْطَعُ اليَدَ مِنَ الأصابِعِ؛ ويُبْقِي الكَفَّ؛ والرِجْلَ مِن نِصْفِ القَدَمِ؛ ويُبْقِي العَقِبَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في النَفْيِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: هو أنْ يُطْلَبَ أبَدًا بِالخَيْلِ والرَجِلِ حَتّى يُؤْخَذَ؛ فَيُقامَ عَلَيْهِ حَدُّ اللهِ ؛ ويُخْرَجَ مِن دارِ الإسْلامِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: نَفْيُهُ أنْ يُطْلَبَ؛ وقالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اللَيْثِ ؛ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ ؛ غَيْرَ أنَّ مالِكًا قالَ: لا يَضْطَرُّ مُسْلِمٌ إلى دُخُولِ دارِ الشِرْكِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلنَّفْيُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الشِرْكِ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ - مِنهم عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -: اَلنَّفْيُ في المُحارِبِينَ أنْ يُنْفَوْا مِن بَلَدٍ إلى غَيْرِهِ؛ مِمّا هو قاصٍ بَعِيدٌ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: يَنْفِيهِ مِن عَمَلِهِ؛ وقالَ أبُو الزِنادِ: كانَ النَفْيُ قَدِيمًا إلى دَهْلَكَ؛ وباضِعَ؛ وهُما مِن أقْصى اليَمَنِ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ؛ وأصْحابُهُ؛ وجَماعَةٌ: اَلنَّفْيُ في المُحارِبِينَ السِجْنُ؛ فَذَلِكَ إخْراجُهم مِنَ الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنَّ الأرْضِ في هَذِهِ الآيَةِ هي أرْضُ النازِلَةِ؛ وقَدْ جُنِّبَ الناسُ قَدِيمًا الأرْضَ الَّتِي أصابُوا فِيها الذُنُوبَ؛ ومِنهُ حَدِيثُ الَّذِي ناءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ ويَنْبَغِي لِلْإمامِ إنْ كانَ هَذا المُحارِبُ المَنفِيُّ مَخُوفَ الجانِبِ يُظَنُّ أنَّهُ يَعُودُ إلى حَرافَةٍ وإفْسادٍ أنْ يَسْجِنَهُ في البَلَدِ الَّذِي يُغَرَّبُ إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ غَيْرَ مَخُوفِ الجانِبِ؛ تُرِكَ مُسْرَحًا؛ وهَذا هو صَرِيحُ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنْ يُغَرَّبَ ويُسْجَنَ حَيْثُ يُغَرَّبُ؛ وهَذا هو الأغْلَبُ في أنَّهُ مَخُوفٌ؛ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ ؛ وهو الراجِحُ لِأنَّ نَفْيَهُ مِن أرْضِ النازِلَةِ أوِ الإسْلامِ هو نَصُّ الآيَةِ؛ وسَجْنُهُ بَعْدُ بِحَسَبِ الخَوْفِ مِنهُ؛ فَإذا تابَ وفَهِمَ حالَهُ سُرِّحَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحُدُودِ الَّتِي تُوقِعُ بِهِمْ؛ وغَلَّظَ اللهُ الوَعِيدَ في ذَنْبِ الحِرابَةِ بِأنْ أخْبَرَ أنَّ لَهم في الآخِرَةِ عَذابًا عَظِيمًا؛ مَعَ العُقُوبَةِ في الدُنْيا؛ وهَذا خارِجٌ عَنِ المَعاصِي الَّتِي في حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ ؛ في قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "فَمَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهو لَهُ كَفّارَةٌ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِزْيُ لِمَن عُوقِبَ؛ وعَذابُ الآخِرَةِ لِمَن سَلِمَ في الدُنْيا؛ ويُجْرى هَذا الذَنْبُ مُجْرى غَيْرِهِ؛ وهَذا الوَعِيدُ مَشْرُوطُ الإنْفاذِ بِالمَشِيئَةِ؛ أما إنَّ الخَوْفَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الوَعِيدِ؛ وعِظَمِ الذَنْبِ؛ والخِزْيُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْفَضِيحَةُ؛ والذُلُّ؛ والمَقْتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ اِسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - التائِبَ قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ وأخْبَرَ بِسُقُوطِ حُقُوقِ اللهِ عنهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ؛ فَقالَ قَتادَةُ ؛ والزُهْرِيُّ في كِتابِ "اَلْأشْرافُ": ذَلِكَ لِأهْلِ الشِرْكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ رَأيا الوَعِيدَ بَعْدَ العِقابِ؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ والعُلَماءُ عَلى أنَّ الآيَةَ في المُؤْمِنِينَ؛ وأنَّ المُحارِبَ إذا تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ سَقَطَ عنهُ حُكْمُ الحِرابَةِ؛ ولا نَظَرَ لِلْإمامِ فِيهِ؛ إلّا كَما يَنْظُرُ في سائِرِ المُسْلِمِينَ؛ فَإنْ طَلَبَهُ أحَدٌ بِدَمٍ نَظَرَ فِيهِ؛ وأقادَ مِنهُ؛ إذا كانَ الطالِبُ ولِيًّا؛ وكَذَلِكَ يُتْبَعُ بِما وُجِدَ عِنْدَهُ مِن مالِ الغَيْرِ؛ وبِقِيمَةِ ما اسْتَهْلَكَ مِنَ الأمْوالِ؛ هَذا قَوْلُ مالِكٍ ؛ والشافِعِيِّ ؛ وأصْحابِ الرَأْيِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ: إنَّهُ لا يُطْلَبُ مِنَ المالِ إلّا بِما وُجِدَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ؛ وأمّا ما اسْتَهْلَكَ فَلا يُطْلَبُ بِهِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ذَلِكَ عن مالِكٍ ؛ مِن رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عنهُ؛ وهو الظاهِرُ مِن فِعْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - بِحارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ الغُدّانِيِّ؛ فَإنَّهُ كانَ مُحارِبًا؛ ثُمَّ تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ فَكَتَبَ لَهُ بِسُقُوطِ الأمْوالِ؛ والدَمِ؛ كِتابًا مَنشُورًا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قالَ: لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُحارِبِ؛ ولَوْ قُبِلَتْ لاجْتَرَؤُوا؛ وكانَ فَسادٌ كَثِيرٌ؛ ولَكِنْ لَوْ فَرَّ إلى العَدُوِّ؛ ثُمَّ جاءَ تائِبًا لَمْ أرَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا أدْرِي؛ هَلْ أرادَ ارْتَدَّ أمْ لا؛ وقالَ الأوزاعِيُّ نَحْوَهُ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: إذا لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ؛ فارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ؛ أو بَقِيَ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ جاءَ تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَحِيحُ مِن هَذا كُلِّهِ مَذْهَبُ الفُقَهاءِ الَّذِي قَرَّرْتُهُ آنِفًا؛ أنَّ حُكْمَ الحِرابَةِ يَسْقُطُ؛ ويَبْقى كَسائِرِ المُسْلِمِينَ؛ واخْتُلِفَ إذا كانَ المالُ أقَلَّ مِمّا يُقْطَعُ فِيهِ السارِقُ؛ فَقالَ مالِكٌ: ذَلِكَ كالكَثِيرِ؛ وقالَ الشافِعِيُّ وأصْحابُ الرَأْيِ: لا يُقْطَعُ مِنَ المُحارِبِينَ إلّا مَن أخَذَ ما يُقْطَعُ فِيهِ السارِقُ.
<div class="verse-tafsir"
تخلُّص إلى تشريع عقاب المحاربين، وهم ضرب من الجُناة بجناية القتل.
ولا علاقة لهذه الآية ولا الّتي بعدها بأخبار بني إسرائيل.
نزلت هذه الآية في شأن حكم النبي صلى الله عليه وسلم في العُرنيّين، وبه يشعر صنيع البخاري إذ ترجم بهذه الآية من كتاب التّفسير، وأخرج عَقِبه حديث أنس بن مالك في العُرنيّينَ.
ونصّ الحديث من مواضع من صحيحه: " قدم على النّبيء صلى الله عليه وسلم نَفَر من عُكْللٍ وَعُرَيْنَة فأسلموا ثمّ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا قد استوْخَمْنَا هذه الأرض، فقال لهم: هذه نَعَم لنا فاخْرُجوا فيها فاشرَبوا ألبانها وأبوالها " فخرجوا فيها فَشَرِبُوا من أبوالها وألبانها واستَصَحُّوا، فَمَالوا على الرّاعي فقتلوه واطَّرَدُوا الذّوْد وارتَدّوا.
فبعث رسول الله في آثارهم، بعث جريرَ بن عبد الله في خيل فأدركوهم وقد أشرفوا على بلادهم، فما تَرَجَّل النّهار حتّى جِيء بهم، فأمر بهم، فقُطعت أيديهم وأرجلُهم وَسُمِلَتْ أعْيُنُهم بمسامير أحميت، ثُمّ حبَسهم حتّى ماتوا.
وقيل: أمر بهم فأُلْقُوا في الحرّة يستسْقُون فما يُسقَوْن حتَّى ماتُوا.
قال جماعة: وكان ذلك سنة ستّ من الهجرة، كان هذا قبل أن تنزل آية المائدة.
نقل ذلك مَوْلى ابننِ الطلاع في كتاب «الأقضيَة المَأثورة» بسنده إلى ابن جبير وابن سيرين، وعلى هذا يكون نزولها نسخاً للحَدّ الّذي أقامَه النّبيء صلى الله عليه وسلم سواء كان عن وَحي أم عن اجتهادٍ منه، لأنّه لمّا اجتهد ولم يغيّره الله عليه قبل وقوع العمل به فقد تقرّر به شرع.
وإنّما أذن الله له بذلك العقاب الشّديد لأنّهم أرادوا أن يكونُوا قدوة للمشركين في التحيّل بإظهار الإسلام للتوصّل إلى الكيد للمسلمين، ولأنّهم جمعوا في فعلهم جنايات كثيرة.
قال أبو قِلابة: فماذا يُستبقى من هؤلاء قَتلوا النّفس وحاربوا الله ورسولَه وخوّفوا رسولَ الله.
وفي رواية للطبري: نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين المسلمين عهد فنقضوه وقطعوا السّبيل وأفسدوا في الأرض.
رواه عن ابن عبّاس والضحّاك.
والصّحيح الأوّل.
وأيّاما كان فقد نسخ ذلك بهذه الآية.
فالحصر ب ﴿ إنّما ﴾ في قوله ﴿ إنّما جزاء الّذين يحَاربُون ﴾ الخ على أصحّ الروايتين في سبب نزول الآية حصر إضافي، وهو قصر قلب لإبطال أي لنسخ العقاب الّذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم على العُرَنِيّين، وعلى ما رواه الطبري عن ابن عبّاس فالحصر أن لا جزاء لهم إلاّ ذلك، فيكون المقصود من القصر حينئذٍ أن لا يُنقص عن ذلك الجزاء وهو أحد الأمور الأربعة.
وقد يكون الحصر لردّ اعتقادٍ مُقدّر وهو اعتقاد من يستعظم هذا الجزاء ويميل إلى التّخفيف منه.
وكذلك يكون إذا كانت الآية غير نازلة على سبب أصلاً.
وأيَّامّاً كان سبب النزول فإنّ الآية تقتضي وجوب عقاب المحاربين بما ذكر الله فيها، لأنّ الحصر يفيد تأكيد النسبة.
والتّأكيد يصلح أن يعدّ في أمارات وجوب الفل المعدود بعضها في أصول الفقه لأنّه يجعل الحكم جازماً.
ومعنى ﴿ يحاربون ﴾ أنّهم يكونون مقاتلين بالسّلاح عُدواناً لقصد المغنم كشأن المحارب المبادي، لأنّ حقيقة الحرب القتال.
ومعنى محاربة الله محاربة شرعه وقصد الاعتداء على أحكامه، وقد عُلم أنّ الله لا يحارِبه أحد فذكره في المحاربة لتشنيع أمرها بأنّها محاربة لمن يغضب الله لمحاربته، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد بمحاربَة الرّسول الاعتداء على حكمه وسلطانه، فإنّ العرنيّين اعتدوا على نَعم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتّخذة لتجهيز جيوش المسلمين، وهو قد امتنّ عليهم بالانتفاع بها فلم يراعوا ذلك لكفرهم فما عاقب به الرّسول العرنيّين كان عقاباً على محاربة خاصّة هي من صريح البغض للإسلام.
ثُمّ إنّ الله شرع حكماً للمحاربة الّتي تقع في زمن رسول الله وبعده، وسوّى عقوبتها، فتعيّن أن يصير تأويل ﴿ يحاربون الله ورسوله ﴾ المحاربة لجماعة المسلمين.
وجعل لها جزاء عين جزاء الردّة، لأنّ الردّة لها جزاء آخر فعلمنا أنّ الجزاء لأجل المحاربة.
ومن أجل ذلك اعتبره العلماء جزاء لمن يأتي هذه الجريمة من المسلمين، ولهذا لم يجعله الله جزاء للكفّار الّذين حاربوا الرّسول لأجل عناد الدّين، فلهذا المعنى عُدّي ﴿ يحاربون ﴾ إلى ﴿ الله ورسوله ﴾ ليظهر أنّهم لم يَقصدوا حربَ معيَّن من النّاس ولا حرب صَفّ.
وعُطف ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ لبيان القصدِ من حربهم اللّهَ ورَسوله، فصار الجزتء على مجموع الأمرين، فمجمُوعُ الأمرين سَبَب مركّب للعقوبة، وكلّ واحد من الأمرين جزءُ سبب لا يقتضي هذه العقوبة بخصوصها.
وقد اختلف العلماء في حقيقة الحرابة؛ فقال مالك: هي حمل السلاح على النّاس لأخذ أموالهم دون نائرة ولا دخَل ولا عداوة أي بين المحارب بالكسر وبين المحارَب بالفتح، سواء في البادية أو في المِصر، وقال به الشّافعي وأبو ثور.
وقيل: لا يكون المحارب في المصر محارِباً، وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق.
والّذي نظر إليه مالك هو عموم معنى لفظ الحرابة، والّذي نظر إليه مخالفوه هو الغالب في العرف لندرة الحرابة في المصر.
وقد كانت نزلت بتونس قضية لصّ اسمه «ونّاس» أخاف أهل تونس بحيله في السرقة، وكان يحمل السّلاح فحكم عليه بحكم المحارب في مدة الأمير محمد الصادق باي وقتل شنقاً بباب سويقة.
ومعنى ﴿ يسعون في الأرض فساداً ﴾ أنّهم يكتسبون الفساد ويجتنونه ويجترحونه، لأنّ السعي قد استعمل بمعنى الاكتساب واللَّمّ، قال تعالى: ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ﴾ [الإسراء: 19].
ويقولون: سعَى فلان لأهله، أي اكتسب لهم، وقال تعالى: ﴿ لتجزي كُلّ نفس بما تسعى ﴾ [طه: 15].
وصاحب «الكشاف» جعله هنا بمعنى المشي، فجعل ﴿ فساداً ﴾ حالاً أو مفعولاً لأجله، ولقد نظر إلى أنّ غالب عمل المحارب هو السعي والتنقّل، ويكون الفعل منزّلاً منزلة اللازم اكتفاء بدلالة المفعول لأجله.
وجَوّز أن يكون سعَى بمعنى أفسد، فَجَعل ﴿ فساداً ﴾ مفعولاً مطلقاً.
ولا يعرف استعمال سعى بمعنى أفسد.
والفساد: إتلاف الأنفس والأموال، فالمحارب يقتل الرجل لأخذ ما عليه من الثّياب ونحو ذلك.
و ﴿ يُقتّلوا ﴾ مبالغة في يُقْتلوا، كقول امرئ القيس: في أعشار قَلْببٍ مُقَتَّل *** قُصِد من المبالغة هنا إيقاعه بدون لين ولا رفق تشديداً عليهم، وكذلك الوجه في قوله ﴿ يُصَلَّبوا ﴾ .
والصّلب: وضع الجاني الّذي يُراد قتله مشدوداً على خشبة ثُمّ قتله عليها طَعناً بالرّمح في موضع القتل.
وقيل: الصّلب بَعْد القتل.
والأول قول مالك، والثّاني مذهب أشهب والشّافعي.
و ﴿ مِنْ ﴾ في قوله ﴿ مِن خلاف ﴾ ابتدائية في موضع الحال من ﴿ أيديهم وأرجلُهم ﴾ ، فهي قيد للقطع، أي أنّ القطع يبتدئ في حال التخالف، وقد علم أنّ المقطوع هو العضو المُخالف فتعيّن أنّه مخالِف لمقطوععٍ آخر وإلاّ لم تتصوّر المخالفة، فإذا لم يكن عضو مقطوعٌ سابقٌ فقد تعذّر التخالف فيكون القطع للعضو الأوّل آنفاً ثُمّ تجري المخالفَةُ فيما بعدُ.
وقد علم من قوله: ﴿ من خلاف ﴾ أنّه لا يقطع من المحارب إلاّ يد واحدة أو رجل واحدة ولا يقطع يداه أو رجلاه؛ لأنّه لو كان كذلك لم يتصوّر معنى لكون القطع من خلاف.
فهَذا التّركيب من بديع الإيجاز.
والظاهر أنّ كون القطع مِن خلاف تيسير ورحمة، لأنّ ذلك أمكن لحركة بقية الجهد بعد البرء وذلك بأنّ يتوكّأ باليد الباقية على عُود بجهة الرّجل المقطوعة.
قال علماؤنا: تقطع يده لأجل أخذ المال، ورجلُه للإخافة؛ لأنّ اليد هي العضو الّذي به الأخذ، والرّجل هي العضو الّذي به الإخافة، أي المشي وراء النّاس والتعرّض لهم.
والنّفي من الأرض: الإبعاد من المكان الّذي هو وطنه لأنّ النّفي معناه عدم الوجود.
والمراد الإبعاد، لأنّه إبعاد عن القوم الّذين حاربوهم.
يقال: نفوا فلاناً، أي أخرجوه من بينهم، وهو الخليع، وقال النّابغة: ليُهنئ لكم أنْ قَدْ نَفَيْتُم بُيُوتنا *** أي أقصيتمونا عن دياركم.
ولا يعرف في كلام العرب معنى للنّفي غير هذا.
وقال أبو حنيفة وبعض العلماء: النّفي هو السجن.
وحمَلهم على هذا التأويل البعيد التفادي من دفع أضرار المحارب عنْ قوم كانَ فيهم بتسليط ضُرّه على قوم آخرين.
وهو نظر يَحمل على التّأويل، ولكن قد بيّن العلماء أنّ النّفيَ يحصل به دفع الضرّ لأنّ العرب كانوا إذا أخرج أحد من وظنه ذُلّ وخُضدت شوكته، قال امرؤ القيس: به الذئْب يعوي كالخليع المُعَيَّل *** وذلك حال غير مختصّ بالعرب فإنّ للمرء في بلده وقومه من الإقدام ما ليس له في غير بلده.
على أنّ من العلماء من قال: ينفون إلى بلد بعيد منحاز إلى جهة بحيث يكون فيه كالمحصور.
قال أبو الزناد: كان النّفي قديماً إلى (دَهْلَكَ) وإلى (بَاضِع) وهما جزيرتان في بحر اليمن.
وقد دلّت الآية على أمرين: أحدهما: التخيير في جزاء المحاربين؛ لأنّ أصل (أو) الدلالة على أحد الشيئين أو الأشياء في الوقوع، ويقتضي ذلك في باب الأمر ونحوه التخيير، نحو ﴿ ففدية من صيام أو صدقة أو نُسك ﴾ [البقرة: 196].
وقد تمسّك بهذا الظّاهر جماعة من العلماء منهم مالك بن أنس، وسعيدُ بن المسيّب، وعطاء، ومجاهد، والنخعي، وأبو حنيفة، والمرويّ عن مالك أنّ هذا التخيير لأجل الحرابة، فإن اجترح في مدّة حرابته جريمة ثابتة توجب الأخذَ بأشدّ العقوبة كالقتل؛ قُتل دون تَخيير، وهو مُدرك واضح.
ثُمّ ينبغي للإمام بعد ذلك أن يأخذ في العقوبة بما يقارب جرم المحارب وكثرة مُقامه في فساده.
وذهب جماعة إلى أنّ (أو) في الآية للتّقسيم لا للتخيير، وأنّ المذكورات مراتب للعقوبات بحسب ما اجترحه المحارب: فمن قتل وأخذ المال قُتل وصُلب، ومن لم يَقتل ولا أخذَ مالاً عُزّر، ومن أخاف الطريق نُفي، ومن أخذ المال فقط قطع، وهو قول ابن عبّاس، وقتادة، والحسن، والسديّ، والشافعي.
ويقرب خلافهم من التّقارب.
والأمر الثّاني: أنّ هذه العقوبات هي لأجل الحرابة وليست لأجل حقوق الأفراد من النّاس، كما دلّ على ذلك قوله بعدُ ﴿ إلاّ الّذين تابوا من قبل أن تَقدروا عليهم ﴾ الآية وهو بيّن.
ولذلك فلو أسقط المعتدى عليهم حقوقهم لم يسقط عن المحارب عقوبة الحرابة.
وقوله ﴿ ذلك لهم خِزي في الدّنيا ﴾ ، أي الجزاء خزي لهم في الدّنيا.
والخزي: الذلّ والإهانة ﴿ ولا تُخزنا يوم القيامة ﴾ [آل عمران: 194].
وقد دلّت الآية على أنّ لهؤلاء المحاربين عقابين: عقاباً في الدّنيا وعقاباً في الآخرة.
فإن كان المقصود من المحاربين في الآية خصوص المحاربين من أهل الكفر كالعُرنيّين، كما قيل به، فاستحقاقهم العذابين ظاهر، وإن كان المراد به ما يشمل المحارب من أهل الإسلام كانت الآية معارِضة لما ورد في الحديث الصّحيح في حديث عبادة بن الصامت من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ البيعة على المؤمنين بما تضمّنته آية ﴿ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ﴾ [الممتحنة: 12] الخ فقال: «فَمَن وفَى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب منها شيئاً فستره الله فهْوَ إلى الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له» فقوله: فهو كفارة له، دليل على أنّ الحدّ يسقط عقاب الآخرة، فيجوز أن يكون ما في الآية تغليظاً على المحاربين بأكثر من أهل بقيّة الذنوب، ويجوز أن يكون تأويل ما في هذه الآية على التفصيل، أي لهم خزي في الدنيا إن أُخِذوا به، ولهم في الآخرة عذاب عظيم إن لم يؤخذوا به في الدّنيا.
والاستثناء بقوله: ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ راجع إلى الحُكمين خزي الدّنيا وعذاب الآخرة، بقرينة قوله: ﴿ مِن قبل أن تقدروا عليهم ﴾ ، لأنّ تأثير التّوبة في النجاة من عذاب الآخرة لا يتقيّد بما قبل القدرة عليهم.
وقد دلّت أداة الاستثناء على سقوط العقوبة عن المحارب في هذه الحالة؛ فتمّ الكلام بها، خز لأنّ الاستثناء كلام مستقلّ لا يحتاج إلى زيادة تصريح بانتفاء الحكم المستثنى منه عن المستثنى في استعمال العرب، وعند جمهور العلماء.
فليس المستثنى مسكوتاً عنه كما يقول الحنفية، ولولا الاستثناء لما دلّت الآية على سقوط عقوبة المحارب المذكورة.
فلو قيل: فإن تابوا، لم تدلّ إلاّ على قبول التّوبة منهم في إسقاط عقاب الآخرة.
ومعنى ﴿ من قبللِ أن تقدروا عليهم ﴾ ما كان قبل أن يتحقّق المحارب أنّه مأخوذ أو يضيَّق عليه الحصار أو يطارد في جميع البلاد ويضيق عليه، فإن أتى قبل ذلك كلّه طائعاً نادماً سقط عنه ما شرع الله له من العقوبة، لأنّه قد دلّ على انتقال حاله من فساد إلى صلاح فلم تبق حكمة في عقابه.
ولمّا لم تتعرّض الآية إلى غُرْم ما أتلفه بحرابته علم أنّ التّوبة لا تؤثّر في سقوط ما كان قد اعتلق به من حقوق النّاس من مال أو دم، لأنّ ذلك معلوم بأدلّة أخرى.
وقوله: ﴿ فاعلموا أنّ الله غفور رحيم ﴾ تذكير بعد تمام الكلام ودفع لعجب من يتعجّب من سقوط العقاب عنهم.
فالفاء فصيحة عمّا دلّ عليه الاستثناء من سقوط العقوبة مع عظم الجرْم، والمعنى: إن عظم عندكم سقوط العقوبة عمّن تاب قبلَ أن يقدر عليه فاعلموا أنّ الله غفور رحيم.
وقد دلّ قوله ﴿ فاعلموا ﴾ على تنزيل المخاطبين منزلة من لا يعلم ذلك نظراً لاستعظامهم هذا العفو.
وقد رأيتُ أنّ شأن فعل (اعلم) أن يدلّ على أهميّة الخبر، كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ في سورة الأنفال (24) وقوله فيها: ﴿ واعلموا أنّما غنمتم ﴾ [الأنفال: 41].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أجْلِ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي مِن أجْلِ أنَّ ابْنَ آدَمَ قَتَلَ أخاهُ ظُلْمًا.
﴿ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي مَن قَتَلَ نَفْسًا ظُلْمًا بِغَيْرِ نَفْسٍ قُتِلَتْ، فَيُقْتَلُ قِصاصًا، أوْ فَسادٍ في الأرْضِ اسْتَحَقَّتْ بِهِ القَتْلَ، الفَسادُ في الأرْضِ يَكُونُ بِالحَرْبِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإخافَةِ السَّبِيلِ.
﴿ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَن قَتَلَ نَبِيًّا أوْ إمامَ عَدْلٍ، فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن شَدَّ عَلى يَدِ نَبِيٍّ أوْ إمامِ عَدْلٍ، فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ المَقْتُولِ، ومَن أحْياها فاسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ، فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ المُسْتَنْقِذِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّ قاتِلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ القَوَدِ والقَصاصِ مِثْلُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن أحْياها بِالعَفْوِ عَنِ القاتِلِ، أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما لَوْ أحْيا النّاسَ جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وأبِيهِ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ قاتِلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ يَصْلى النّارَ كَما يَصْلاها لَوْ قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن أحْياها، يَعْنِي سَلِمَ مِن قَتْلِها، [فَكَأنَّما] سَلِمَ مِن قَتْلِ النّاسِ جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والخامِسُ: أنَّ عَلى جَمِيعِ النّاسِ (جِنايَةُ القَتْلِ كَما لَوْ قَتَلَهم جَمِيعًا، ومَن أحْياها بِإنْجائِها مِن غَرَقٍ أوْ حَرَقٍ أوْ هَلَكَةٍ، فَعَلَيْهِمْ شُكْرُهُ كَما لَوْ أحْياهم جَمِيعًا.
والسّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَظَّمَ أجْرَها ووِزْرَها فَإحْياؤُها [يَكُونُ] بِمالِكَ أوْ عَفْوِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدٌ ومِيثاقٌ فَنَقَضُوا العَهْدَ وأفْسَدُوا في الأرْضِ، فَعَرَّفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ الحُكْمَ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في العُرَنِيِّينَ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ وقَتَلُوا راعِيَ النَّبِيِّ واسْتاقُوا إبِلَهُ، وهَذا قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِحُكْمِ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وسَعى في الأرْضِ فَسادًا.
واخْتُلِفَ في المُسْتَحِقِّ اسْمَ المُحارِبِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الزِّنى والقَتْلُ والسَّرِقَةُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ المُجاهِرُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ والمُكابِرُ بِاللُّصُوصِيَّةِ في المِصْرِ وغَيْرِهِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُجاهِرُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ دُونَ المُكابِرِ في المِصْرِ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ.
﴿ أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ جَعَلَ اللَّهُ هَذا حُكْمَ المُحارِبِ، وفِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّها عَلى التَّخْيِيرِ وأنَّ الإمامَ فِيهِمْ بِالخِيارِ بَيْنَ أنْ يَقْتُلَ أوْ يَصْلِبَ أوْ يَقْطَعَ أوْ يَنْفِيَ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وإبْراهِيمَ.
والثّانِي: أنَّها مَرْتَبَةٌ تَخْتَلِفُ عَلى قَدْرِ اخْتِلافِ الأفْعالِ: أنْ يُقْتَلُوا إذا قَتَلُوا، أوْ يُصْلَبُوا إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، أوْ تُقْطَعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
وَرَوى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ «أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ كَتَبَ إلى أنَسِ بْنِ مالِكٍ يَسْألُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْسٌ يُخْبِرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُولَئِكَ العُرَنِيِّينَ وهم مِن بَجِيلَةَ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ جِبْرِيلَ عَنِ القِصاصِ فِيمَن حارَبَ، فَقالَ: مَن سَرَقَ وأخافَ السَّبِيلَ فاقْطَعْ يَدَهُ لِسَرِقَتِهِ ورِجْلَهُ لِإخافَتِهِ، ومَن قَتَلَ فاقْتُلْهُ، ومَن قَتَلَ وأخافَ السَّبِيلَ واسْتَحَلَّ الفَرْجَ فاصْلُبْهُ.
» أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَفْيُهم وإبْعادُهم مِن بِلادِ الإسْلامِ إلى بِلادِ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُ أنَسٍ: والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والزُّهْرِيِّ، والضِّحّاكِ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: أنَّهُ إخْراجُهم مِن مَدِينَةٍ إلى أُخْرى، وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحَبْسُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.
والرّابِعُ: هو أنْ يَطْلُبُوا لِتُقامَ الحُدُودُ عَلَيْهِمْ فَيُبْعَدُوا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والشّافِعِيِّ، واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ، أحَدُها: إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن شِرْكِهِمْ وسَعْيِهِمْ في الأرْضِ فَسادًا بِإسْلامِهِمْ، فَأمّا المُسْلِمُونَ فَلا تَسْقُطُ التَّوْبَةُ عَنْهم حَدًّا وجَبَ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
الثّانِي: إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنَ المُسْلِمِينَ المُحارِبِينَ بِأمانٍ مِنَ الإمامِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَأمّا التّائِبُ بِغَيْرِ أمانٍ فَلا، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والشَّعْبِيِّ، ورَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ خارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ خَرَجَ مُحارِبًا فَأخافَ السَّبِيلَ، وسَفَكَ الدِّماءَ، وأخَذَ الأمْوالَ، وجاءَ تائِبًا مِن قَبْلِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَقَبِلَ عَلِيٌّ تَوْبَتَهُ وجَعَلَ لَهُ أمانًا مَنشُورًا عَلى ما كانَ أصابَ مِن دَمٍ ومالٍ.
والثّالِثُ: إلّا الَّذِينَ تابُوا بَعْدَ أنْ لَحِقُوا بِدارِ الحَرْبِ وإنْ كانَ مُسْلِمًا ثُمَّ جاءَ تائِبًا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
والرّابِعُ: إنْ كانَ في دارِ الإسْلامِ في مَنَعَةٍ ولَهُ فِئَةٌ يَلْجَأُ إلَيْها وتابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَمْتَنِعُ بِها [وَتابَ] لَمْ [تُسْقِطْ] عَنْهُ تَوْبَتُهُ شَيْئًا مِن عُقُوبَتِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، ورَبِيعَةَ، والحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ.
والخامِسُ: أنَّ تَوْبَتَهُ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ تَضَعُ عَنْهُ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى دُونَ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
والسّادِسُ: أنَّ تَوْبَتَهُ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ تَضَعُ عَنْهُ سائِرَ الحُقُوقِ والحُدُودِ إلّا الدِّماءَ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ قال: نزلت في المشركين، منهم من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.
وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: «كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله نبيه فيهم إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يصلب، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأما النفي فهو الهرب في الأرض، فإن جاء تائباً فدخل في الإسلام قُبِل منه ولم يؤخذ بما سلف» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن سعد قال: نزلت هذه الآية في الحرورية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس «أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وآمنوا، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها، فقتلوا راعيها واستاقوها، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله...
﴾ الآية» .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير عن ابن عمر قال: نزلت آية المحاربين في العرنيين.
وأخرج ابن جرير قال: «قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة مضرورين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح، ثم صرخوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين، فقدمنا بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم، فأنزل الله هذه الآية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر من العرنيين، وهم من بجيلة.
قال أنس «فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه» .
وأخرج الحافظ عبد الغني في إيضاح الإشكال من طريق أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ قال: «هم من عكل» .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: «قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فزاره قد ماتوا هزالاً، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه فسرقوها فطلبوا، فأتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، قال أبو هريرة: فيهم نزلت هذه الآية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ قال: فترك النبي صلى الله عليه وسلم الأعين بعد» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: «كان ناس من بني سليم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فبايعوه على الإسلام وهم كذبة، ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح فاشربوا من أبوالها، فبينما هم كذلك إذ جاء الصريخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوا الراعي، وساقوا النعم، فركبوا في أثرهم، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم بهم، فأنزل الله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ الآية.
فقتل النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وصلب، وقطع، وسمل الأعين، قال: فما مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد، ونهى عن المثلة وقال: لا تمثِّلوا بشيء» .
وأخرج مسلم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن أنس قال: «إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة» .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ الآية.
قال: «نزلت في سودان عرينة، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وبهم الماء الأصفر، فشكوا ذلك إليه، فأمرهم فخرجوا إلى إبل الصدقة، فقال اشربوا من أبوالها وألبانها، فشربوا حتى إذا صحوا وبرئوا قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بهم، فأراد أن يسمل أعينهم، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزل الله» .
وأخرج ابن جرير عن الوليد بن مسلم قال: ذكرت لليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك، وعلَّمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي، ولم يسمل بعدهم وغيرهم.
قال: وكان هذا القول ذكر لابن عمر، فأنكر أن تكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة ذلك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنه السمل.
وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن عجلان عن أبي الزناد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين أخذوا لقاحه وسمل أعينهم، عاتبه الله في ذلك، فأنزل الله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..
﴾ الآية» .
وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..
﴾ الآية.
قال: إذا خرج المحارب فأخذ المال ولم يقتل يقطع من خلاف، واذا خرج فقتل ولم يأخذ المال قتل، وإذا خرج فقتل وأخذ المال قتل وصلب، واذا خرج فأخاف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل نفي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..
﴾ الآية.
قال: من شهر السلاح في قبة الإسلام، وأفسد السبيل وظهر عليه وقدر فإمام المسلمين مخيَّر فيه، إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، قال: ﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ يهربوا يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب.
وأخرج أبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه والبيهقي، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمداً فيقتل، ورجل خرج من الإسلام فحارب، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض» .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس «أن قوماً من عرينة جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا وكان منهم مواربة قد شلت أعضاؤهم، واصفرت وجوههم، وعظمت بطونهم، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة يشربوا من أبوالها وألبانها، فشربوا حتى صحوا وسمنوا، فعمدوا إلى راعي النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام، وجاء جبريل فقال: يا محمد ابعث في آثارهم، فبعث ثم قال: ادع بهذا الدعاء: اللهم إن السماء سماؤك، والأرض أرضك، والمشرق مشرقك، والمغرب مغربك، اللهم ضيق من مسك حمل حتى تقدرني عليهم.
فجاؤوا بهم، فأنزل الله تعالى ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..
﴾ الآية.
فأمره جبريل أن من أخذ المال وقتل يصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال يقتل، ومن أخذ المال ولم يقتل تقطع يده ورجله من خلاف، وقال ابن عباس هذا الدعاء: لكل آبق، ولكل من ضلت له ضالة من انسان وغيره، يدعو هذا الدعاء، ويكتب في شيء ويدفن في مكان نظيف إلا قدره الله عليه» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وعطاء الخراساني في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..
﴾ الآية.
قال: هذا الذي يقطع الطريق فهو محارب، فإن قتل وأخذ مالاً صلب، وإن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، وإن أخذ مالاً ولم يقتل قطعت يده ورجله، وإن أخذ قبل أن يفعل شيئاً من ذلك نفي، وأما قوله: ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾ فهؤلاء خاصة، ومن أصاب دماً ثم تاب من قبل أن يقدر عليه أهدر عنه ما مضى.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء ومجاهد قالا: الإمام في ذلك مخير، إن شاء قتل، وإن شاء قطع، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب والحسن والضحاك في الآية قالوا: الإمام مخيَّر في المحارب يصنع به ما شاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك فال «كان قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، فنقضوا العهد وقطعوا السبل، وأفسدوا في الأرض، فخير الله نبيه فيهم إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض.
قال: هو أن يطلبوا حتى يعجزوا، فمن تاب قبل أن يقدروا عليه قبل ذلك منه» .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك قال: نزلت هذه الآية في المشركين.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نفيه أن يطلبه الإمام حتى يأخذه، أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله بما استحل.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ قال: من بلد إلى بلد.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: ينفى حتى لا يقدر عليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الزهري في قوله: ﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ قال: نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه، كلما سمع به أرض طلب.
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال: يخرجوا من الأرض، أينما أدركوا خرجوا حتى يلحقوا بأرض العدو.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال: من أخاف سبيل المؤمنين نفي من بلد إلى غيره.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ قال: الزنا، والسرقة، وقتل النفس، وهلاك الحرث، والنسل.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وسعيد بن جبير قالا: ان جاء تائباً لم يقطع مالاً، ولا سفك دماً، فذلك الذي قال الله: ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأشراف وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة، قد أفسد في الأرض وحارب، وكلم رجالاً من قريش أن يستأمنوا له علياً فأبوا، فأتى سعيد بن قيس الهمذاني، فأتى علياً فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً؟
قال: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، ثم قال: ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾ فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟
فقال: هذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً فهو آمن؟
قال: نعم.
قال: فجاء به إليه، فبايعه وقَبِل ذلك منه وكتب له أماناً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الأشعث عن رجل قال: صلى رجل مع أبي موسى الأشعري الغداة، ثم قال: هذا مقام العائذ التائب، أنا فلان بن فلان، أنا كنت ممن حارب الله ورسوله وجئت تائباً من قبل أن يقدر عليَّ، فقال أبو موسى: إن فلان ابن فلان كان ممن حارب الله ورسوله وجاء تائباً من قبل أن يقدر عليه، فلا يعرض له أحد إلا بخير، فإن يكن صادقاً فسبيلي ذلك، وإن يك كاذباً فلعل الله أن يأخذه بذنبه.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء أنه سئل عن رجل سرق سرقة فجاء تائباً من غير أن يؤخذ عليه، هل عليه حد؟
قال: لا، ثم قال: ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم...
﴾ الآية.
وأخرج أبو داود في ناسخه عن السدي في قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ قال: سمعنا انه إذا قَتَلَ قُتِلَ، واذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده بالمال، ورجله بالمحاربة، وإذا قتل وأخذ المال قطعت يده ورجلاه وصلب ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾ فإن جاء تائباً إلى الإمام قبل أن يقدر عليه فأمنه الإمام فهو آمن، فإن قتله إنسان بعد أن يعلم أن الإمام قد أمنه قتل به، فإن قتله ولم يعلم أن الإمام قد أمنه كانت الدية.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية.
قال الزجاج: المعنى في: ﴿ إِنَّمَا ﴾ ما جزاؤهم إلا هذا؛ لأن القائل إذا قال: (جزاؤك دينار، فجائز أن يكون معه غيره، وإذا قال (١) (٢) قال ابن عباس في رواية عطاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في قصة العُرَنِيّين (٣) (٤) فإن قيل: فكيف (٥) والجواب: ما حكي عن الليث بن سعد (٦) وتعليمًا إياه عقوبتهم، فقيل: إن جزاءهم ما ذكر في الآية، لا المُثلة، فلذلك ما قام رسول الله خطيبًا إلا نهى عن المُثلة (٧) ويمكن أن يقال: ما فعله رسول الله كان هو الحد فيهم بالسنة، فلما نزلت الآية صارت تلك السنة منسوخة بالقرآن (٨) (٩) وإن قلنا: لا تُنسخ السنة بالقرآن -وهو الأصح من مذهب الشافعي (١٠) (١١) (١٢) قال عبد الله بن مسلم (١٣) (١٤) فمعنى: ﴿ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أي يعصونهما ولا يطيعونهما، وكل من عصاك فهو حرب كذلك.
وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾ .
قال مجاهد: هو الزنا والسرقة وقتل النفس وإهلاك الحرث والنسل (١٥) وقال الكلبي: يعني بالقتل وأخذ الأموال (١٦) قال العلماء: وكل من أخذ السلاح على المسلمين في أي موضع كان وكيف ما كان، في البلد أو الصحراء، أو للقتل اغتيالًا، فهو محارب لله ورسوله، فدخل المكابر في البلد في هذه الجملة.
وهذا قول مالك والأوزاعي ومذهب الشافعي (١٧) -، وذكر الشافعي قُطّاع الطريق ثم قال: وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنبًا فحدودهم واحدة (١٨) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يُقَتَّلُوا ﴾ إلى قوله: ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ اختلفوا في حكم (أو) ههنا، فقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: إن (أو) دخلت للتخيير، ومعناها الإباحة، أي: إن شاء الإِمام قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى، أي شيء من هذه الأشياء شاء فعل (١٩) (٢٠) وقال في رواية عطية: (أو) ليست للإباحة، وإنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجناية، فمن قتل وأخذ المال صُلِب، وقُتِل، ومن أخذ المال ولم يقتل قُطِع، ومن سفك الدماء وكف عن الأموال قُتِل، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ الأموال ولم يقتل نفي (٢١) (٢٢) (٢٣) قال الشافعي - -: ويحدد كل واحد بقدر فعله فمن وجب عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه، ويصلب ثلاثًا ثم ينزل (٢٤) قال أبو عبيد: سألت محمد بن الحسن (٢٥) ﴿ أَوْ يُصَلَّبُوا ﴾ فقال: هو أن يصلب حيًا ثم يطعن بالرماح حتى يقتل، وهو رأي أبي حنيفة.
فقيل: هذا مُثلة.
قال: المُثلةَ يراد به (٢٦) نهى عن المثلة (٢٧) قال الشافعي: ومن وجب عليه القتل دون الصلب: قتل ودفع إلى أهله يدفنونه، ومن وجب عليه القطع دون القتل: قطعت يده اليمنى ثم حسمت (٢٨) ﴿ مِنْ خِلَافٍ ﴾ (٢٩) واختلفوا: في معنى النفي في قوله: ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ ، فقال ابن عباس: هو أن يُهْدِر الإِمام دمه فيقول: من لقيه فليقتله (٣٠) وقال بعضهم: هو أن يقاتَلُوا حيث توجهوا من الأرض، ويُطلبوا في أي أرض كانوا بها حتى تضيق عليهم الدنيا.
حكى هذا القول أبو إسحاق (٣١) (٣٢) فأما المقبوض عليه ممن حقه النفي فقال ابن عباس في رواية عطاء: ينفوا من الأرض إلى بلاد الكفر (٣٣) وهذا قول جماعة المفسرين، وهو أنهم قالوا: ينفى من بلدته إلى بلدةٍ أخرى (٣٤) وقال آخرون: المراد بالنفي في هذه الآية: الحبس والسجن (٣٥) قال ابن الأنباري: وأكثر اللغويين يختارون هذا القول في تفسير الآية، واحتجوا بأن المسجون بمنزلة المخرج من الدنيا إذا كان ممنوعًا من التصرف وَمحولًا بينه وبين أهله وأولي أُنسِه، مع ممارسته صنوف المكاره والأذى في السجن (٣٦) وقال ابن قتيبة: ولا أرى شيئًا من هذه التفاسير أشبه بالنفي في هذا الموضع من الحبس؛ لأنه إذا حُبس ومُنع من التصرف والتقلب في البلاد فقد نفي منها كلها وأُلجئ إلى مكان واحد، وأنشد هو وأبو بكر قول بعض المسجنين (٣٧) خرجنا من الدنيا ونحنُ من أهلها ...
فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجَّان يومًا لحاجةٍ ...
عَجِبْنا وقلنا جاء هذا من الدنيا (٣٨) وقال الوليد بن عبيد (٣٩) غابوا عن الأَرْضِ أَنْآى غيبةٍ وهُم ...
فيها فلا وَصلَ إلا الكتبُ والرسلُ (٤٠) قال أبو محمد: وليس نفي الخارب (٤١) (٤٢) ومذهب الفقهاء في هذه الآية أيضًا أن المراد بالنفي: الحبس.
قال الشافعي: ومن حضر منهم وكثر أو هِيب أو كان رِدءًا (٤٣) (٤٤) وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا (٤٥) (٤٦) (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ﴾ أي: فضيحة وهوان.
﴿ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وهذا للكفار الذين نزلت في العُرَنِيّين فإنهم ارتدوا عن الإسلام (٤٨) وبعض المفسرين يقول: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكانوا مشركين (٤٩) (٥٠) ثم بالسنة أجري حكم هذه الآية على المحاربين من المسلمين، فبقي العذاب العظيم في الآخرة للكافرين، والمسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له.
(١) ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج" حسب المطبوع.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 169.
(٣) أخرج ذلك عن سعيد بن جبير 10/ 246، وانظر: "زاد المسير" 2/ 343، ولم أجد شيئًا في ذلك عن ابن عباس.
وقد قال بهذا القول أنس وجرير والزبير والسدي وقتادة.
انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 206 - 208، "النكت والعيون" 2/ 32.
(٤) أخرج مسلم (1671) كتاب القسامة، باب (2): حكم المحاربين والمرتدين 3/ 1296 (ح 9) عن أنس - - أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول الله المدينة، فاجتووها.
فقال لهم رسول الله : "إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها" ففعلوا، فصحوا.
ثم مالوا إلى الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله فبلغ ذلك النبي فبعث في أثرهم.
فأتي بهم.
فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم.
وتركهم في الحرة حتى ماتوا.
وأخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 196 - 197.
(٥) في (ش): (كيف).
(٦) هو أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري ثقة ثبت إمام مشهور، كان ورعًا فاضلًا سخيا، مات -رحمه الله- سنة 175هـ.
انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 191، "سير أعلام النبلاء" 8/ 136، "التقريب" ص 464 (5684).
(٧) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 208 - 209، وأورده بلفظ المؤلف البغوي في "تفسيره" 3/ 48.
وقد ذكر الطبري في "تفسيره" عن الأوزاعي أنه أنكر أن يكون نزول هذه الآية معاتبة، ونقل عنه قوله: بلى، كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، فرفع عنهم السمل، والله أعلم.
وسيأتي قريبًا تخريج الحديث في النهي عن المثلة.
(٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 206 - 207، والبغوي في "تفسيره" 3/ 48.
(٩) هذا رأي جمهور العلماء، وهو الراجح لتظاهر الأدلة عليه.
انظر: "الناسخ والمنسوخ في كتاب الله عز وجل" للنحاس 118، "الأحكام في أصول الأحكام" للآمدي 3/ 150، "إرشاد الفحول" للشوكاني ص 326.
(١٠) انظر: "الرسالة" ص 110، "الأحكام" للآمدي 3/ 150، 151، "إرشاد الفحول" ص 326.
(١١) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 48.
(١٢) أخرج الأثر عن السدي: الطبري في "تفسيره" 6/ 208.
(١٣) ابن قتيبة.
(١٤) "تأويل مشكل القرآن" ص 399.
(١٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 211، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 494، وعزاه إلى عبد بن حميد.
(١٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.
(١٧) انظر: "الأم" 6/ 152، والطبري في "تفسيره" 6/ 210، "النكت والعيون" 2/ 33، "الوسيط" 3/ 865، 866، والبغوي في "تفسيره" 3/ 48، "زاد المسير" 2/ 346، 347.
وقال ابن الجوزي: ظاهر كلام أصحابنا أنه لا يثبت لهم ذلك في المصر.
(١٨) "الأم" 6/ 152، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 210.
(١٩) بمعناه في "تفسير ابن عباس" ص 177، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 214.
(٢٠) أخرج الآثار عنهم: الطبري في "تفسيره" 6/ 214، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 33، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.
(٢١) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 212، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 33، والبغوي في "تفسيره" 3/ 49، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.
(٢٢) أخرجه أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 213.
(٢٣) انظر: "النكت والعيون" 2/ 33 وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.
وقد أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 212 عن عطاء كالقول الأول: أن الإمام مخير فيها.
(٢٤) انظر: "الأم" 6/ 152، والبغوي في "تفسيره" 3/ 49، "المحرر والوجيز" 4/ 427، "زاد المسير" 2/ 346، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 151، 152، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.
(٢٥) هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني العلامة صاحب أبي حنيفة، أخذ بعض الفقه عن أبي حنيفة وأكمل على أبي يوسف وأخذ الحديث عن مالك، وله مؤلفات كثيرة، وقد أخذ عنه الشافعي، توفي -رحمه الله- سنة 189 هـ.
انظر: "المعارف" ص 500، "الفهرست" ص 284، "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 142، "سير أعلام النبلاء" 9/ 134.
(٢٦) لم أقف عليه، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 49، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 151.
(٢٧) لم أقف على قول أبي عبيد، وأما النهي عن المثلة فقد قال عبد الله بن يزيد الأنصاري - -: نهى رسول الله عن النُّهبى والمثلة.
أخرجه البخاري (2474) كتاب المظالم، باب (30): النهبى بغير إذن صاحبه 3/ 107.
والنُّهبى: بمعنى النَّهْب وهو الغارة والسلب والاختلاس، انظر: "النهاية في غريب الحديث" 5/ 133 (نهب).
(٢٨) الحسم قطع الدم بالكي.
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 349.
(٢٩) "الأم" 6/ 152، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 213.
(٣٠) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 216 - 217، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 34، "زاد المسير" 2/ 346.
(٣١) أي الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 170.
(٣٢) "تأويل مشكل القرآن" ص 141.
(٣٣) لم أقف عليه.
(٣٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 217 - 218، "النكت والعيون" 2/ 34.
(٣٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 218، "النكت والعيون " 2/ 34، "زاد المسير" 2/ 246.
(٣٦) لم أقف عليه (٣٧) عند ابن قتيبة: المسجونين.
"تأويل مشكل القرآن" 1/ 141.
(٣٨) "تأويل مشكل القرآن" 1/ 141، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 432، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 153، "البحر المحيط" 3/ 471، وجاء فيها الشطر الثاني من البيت الأول: فلسنا من الأموات فيها ولا الأحياء وقد ذكر الرازي أن هذا الشعر لصالح بن عبد القدوس حين حبس بتهمة الزندقة في سجن ضيق مدة طويلة.
انظر: "التفسير الكبير" 11/ 217.
(٣٩) هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد الملقب بالبحتري، شاعر وقته في الدولة العباسية، وله ديوان، توفي -رحمه الله- سنة 283 هـ وقيل بعدها.
انظر: "الفهرست" ص 126، "سير أعلام النبلاء" 3/ 486، "البداية والنهاية" 11/ 81.
(٤٠) "ديوان البحتري" 3/ 1760.
(٤١) الخارب: اللص.
"الصحاح" 1/ 119 (خرب).
(٤٢) "تأويل مشكل القرآن" ص 401.
(٤٣) في "الأم" 6/ 152: ردءا للصوص أي: مساعدًا.
(٤٤) "الأم" 6/ 52، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 50.
(٤٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 218، "بحر العلوم" 1/ 432، "النكت والعيون" 2/ 34، "زاد المسير" 2/ 246.
(٤٦) أي الشافعي.
(٤٧) "الأم" 6/ 152 بتصرف، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 49.
(٤٨) تقدم تخريج قصة العرنيين قريبًا.
(٤٩) قال السمرقندي: وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وَادَع رسول الله أبا بُردة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن، فمر أناس من بني كنانة يريدون الإسلام فمروا بأصحاب أبي بردة، ولم يكن أبو بردة حاضرًا يومئذ، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزلت هذه الآية: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية.
"بحر العلوم" 1/ 431.
ونسب هذا القول للكلبي: البغوي في "تفسيره" 3/ 47، وانظر: "زاد المسير" 2/ 344.
(٥٠) قال ابن عباس: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله: إن شاء أن يقتل.
وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
أخرجه من طريق علي: الطبري في "تفسيره" 6/ 206، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 32، "زاد المسير" 2/ 343.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ ﴾ الآية: سببها عند ابن عباس: أن قوماً من اليهود كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل، وقال جماعة نزلت في نفر من عُكل وعُرينة أسلموا حسب الظاهر ثم إنهم قتلوا راعيَ النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا إبله ثم حكمها بعد ذلك في كل محارب، والمحاربة عند مالك هي: حمل السلاح على الناس في بلد أو في خارج بلد، وقال أبو حنيفة: لا يكون المحارب إلا خارج البلد، وقوله: يحاربون الله: تغليظ ومبالغة، وقال بعضهم: تقديره يحاربون عباد الله وهو أحسن ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾ بيان للحرابة وهي على درجات أدناها إخافة الطريق ثم أخذ المال ثم قتل النفس ﴿ أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا ﴾ الصلب مضاف إلى القتل.
وقيل: يقتل ثم يصلب ليراه أهل الفساد فينزجروا، وهو قول أشهب، وقيل يصلب حياً، ويقتل على الخشبة، وهو قول ابن القاسم ﴿ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خلاف ﴾ معناه أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد: قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وقطع اليد عند مالك والجمهور من الرسغ، وقطع الرجل من المفصل، وذلك في الحرابة وفي السرقة ﴿ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ﴾ مشهور مذهب مالك: أن ينفى من بلد إلى بلد آخر، ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته، وروى عنه مطرف أنه يسجن في البلد بعينه، وبذلك قال أبو حنيفة، وقيل: ينفى إلى بلد آخر دون أن يسجن فيه، ومذهب مالك أن الإمام مخير في المحارب بين أن يقتله ويصلبه، أو يقتله ولا يصلبه أو يقطع يده ورجله، أو نيفيه، إلا أنه قال: إن كان قتل فلابد من قتله، وإن لم يقتل، فالأحسن أن يأخذ فيه بأيسر العقاب، وقال الشافعي وغيره: هذه العقوبات مرتبة فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي، وحجة مالك عطف هذه العقوبات بأو التي تقتضي التخيير ﴿ خِزْيٌ فِي الدنيا ﴾ هو العقوبة، وعذاب الآخرة وظاهر هذا أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفارة للمحارب، بخلاف سائر الحدود، ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب فيها والعذاب في الآخرة لمن يعاقب ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ [البقرة: 160] قيل: هي في المشركين وهو ضعيف؛ لأن المشرك لا يختلف حكم توبته قبل القدرة عليه وبعدها، وقيل: هي في المحاربين من المسلمين وهو الصحيح، وهم الذين جاءتهم العقوبات المذكورة، فمن تاب منهم قبل أن يُقدر عليه، فقد سقط عنه حكم الحرابة لقوله: فاعلموا أن الله غفور رحيم.
واختلف هل يطالب بما عليه من حقوق الناس في الدماء والأموال أو لا؟
فوجه المطالبة بها أنها زائدة على حدّ الحرابة التي سقتطت عنه بالتوبة، ووجه إسقاطها إطلاق قوله غفور رحيم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لأقتلنك ﴾ بالنون الخفيفة.
روى المعدّل عن زيد ﴿ يدي إليك ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع.
﴿ من أجل ﴾ بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿ رسلنا ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿ اتل ﴾ وهو محال ﴿ من الآخر ﴾ ط ﴿ لأقتلنك ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ لأقتلك ﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء.
﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ ه ج لأجل الفاء ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ سوأة أخيه ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه ﴿ النادمين ﴾ ه ج ﴿ من أجل ذلك ﴾ ج كذلك لأنّ قوله: ﴿ من أجل ﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿ أصبح ﴾ وبـ ﴿ كتبنا ﴾ .
﴿ جميعاً ﴾ في الموضعين ط.
﴿ بالبينات ﴾ ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ لمسرفون ﴾ ه ﴿ من الأرض ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا عليهم ﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام ﴿ أليم ﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يتوب عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ فكأنه ذكر لأجل تسلية نبيّه قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان.
ومنها أنه عائد إلى قوله: ﴿ يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة.
ومنها أنه من تمام قوله: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل.
والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله ، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد.
أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿ إذ قربا ﴾ قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله من ذبيحة أو صدقة.
يروى أنّ آدم كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا.
وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك.
فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه.
فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً.
هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه.
قال مجاهد: أكل النار علامة الرد.
وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول.
وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.
وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال حكاية عن المحق في جواب المبطل: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله التي هي السبب في القبول؟
قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع.
وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل.
وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟
قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً.
فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.
ثم حكى الله عن المظلوم أنه قال: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ﴾ فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة.
قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع.
قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك.
ثم قال: ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ ؟
فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.
وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.
وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي.
سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟
والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة.
أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله عقاب الظالم.
وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً.
﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله.
ومنهم من قال: شجعته فقتله.
والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع.
وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه.
يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه.
ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات.
وعن النبي أنه قال: " "لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" ولذلك أنه أوّل من سن القتل ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً.
قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها.
فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار.
وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء.
وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.
وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً.
فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك.
ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة.
وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد ولهذا أثنى الله عليه بقوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال.
قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً.
روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب.
وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله كيف يكرمه بعد موته ندم.
وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه ﴿ ليريه ﴾ أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه ﴿ كيف يواري ﴾ محله نصب على الحال من ضمير ﴿ يواري ﴾ والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده.
وقيل: أي جيفة أخيه.
والسوأة السوء الخلة القبيحة ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة عذاب.
يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم.
وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك.
والألف بدل من ياء المتكلم ﴿ أعجزت ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ أن أكون ﴾ أي عن أن أكون ﴿ مثل هذا الغراب ﴾ أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: ﴿ فأواري ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام ﴿ من النادمين ﴾ الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس.
وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم *** ﴿ من أجل ذلك ﴾ القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه ﴿ كتبنا على بني إسرائيل ﴾ إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل.
والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله في الواقعة التي عزموا فيها على قتله.
ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ من أجل ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد.
ويعمل منه امتناع كونه خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد.
والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال.
والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً.
﴿ بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص.
﴿ أو فساد ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على ﴿ نفس ﴾ بمعنى أو بغير فساد ﴿ في الأرض ﴾ كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل.
فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.
والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر.
وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ﴿ ومن أحياها ﴾ استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل ﴿ ثم إنّ كثيراً منهم ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد مجيء الرسل ﴿ لمسرفون ﴾ في القتل لا يبالون بهتك حرمة.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة.
ثم إنه بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة.
ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف.
والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى.
لأنّ افساد نوع من السعي.
عن قتادة عن أنس "أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله واستاقوا الذود، فبعث رسول الله في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" فكانت الآية ناسخة لتلك السنة.
وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة.
وقيل: "نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم" .
وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل.
وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء.
قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام.
وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه.
واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص.
وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق.
وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف.
فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى.
وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون.
والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي.
فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ.
والتشديد في هذه الأفعال للتكثير.
﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو.
وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين ﴿ من خلاف ﴾ أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان.
قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة.
قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب.
وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر.
وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي.
قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب.
وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص.
وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام.
وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك.
وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة.
أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً.
فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.
والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس.
وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ﴿ ذلك لهم خزي ﴾ ذل وفضيحة ﴿ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط.
وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه.
قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.
والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله في الزنا ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ﴾ وفي السرقة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴾ ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل.
فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل.
وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل.
وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق.
والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود.
ثم إنه لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله.
والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: ألا كل ذي لب إلى الله واسل *** والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته.
وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات.
ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: ﴿ وجاهدوا في سبيله ﴾ والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين.
ثم قال: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية.
ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ﴾ أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت ﴿ من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران.
وعن النبي : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟
فيقول: نعم.
فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك" ﴿ يريدون أن يخرجوا ﴾ أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك.
قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.
وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم.
عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة.
ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها.
وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: ﴿ فاقطعوا ﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما.
وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: ﴿ وربك فكبر ﴾ وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل.
والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله : ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء.
أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين.
وأيضاً الخطاب في: ﴿ فاقطعوا ﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة.
وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب.
أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق.
والمراد بالأيدي اليدان مثل: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى.
واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع.
والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً.
ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير.
وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.
ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته.
وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير.
وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.
ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا.
واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق.
وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً.
ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه قال: "لا/ قطع إلاّ في ربع دينار" وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه قال: " "لا قطع إلا في ثمن المجن" والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك.
وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.
وعن الحسن: درهم.
وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم".
ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز.
فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع.
ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير.
ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً.
والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف.
ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه.
وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع.
وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب.
ومنها كون المال محرزاً لقوله : "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" وحرز كل شيء على حسب حاله.
فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.
والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن.
وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال.
وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد.
وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره.
وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين.
ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع.
وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان.
حجة الشافعي أن قوله : " "على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان.
وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق.
حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة.
ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً.
أما كيفية القطع فقد روي أنه أتى بسارق فقطع يمينه.
قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك.
وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة.
واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم.
والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة.
واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.
وانتصاب ﴿ جزاء ﴾ و ﴿ نكالاً ﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿ اقطعوا ﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: ﴿ فاقطعوا ﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿ جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴾ .
﴿ فمن تاب ﴾ من السراق ﴿ من بعد ظلمه ﴾ أي سرقته ﴿ وأصلح ﴾ أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً.
وعند الجمهور لا تسقط.
وباقي الآيات قد مر تفسيره.
وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة.
التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.
وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية.
فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿ فتبوء بإثمي وإثمك ﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي.
فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿ فبعث الله غراباً ﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها.
وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿ في الأرض لمسرفون ﴾ أي في أرض البشرية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون ﴾ أولياء الله ﴿ أن يقتلوا ﴾ بسكين الخذلان ﴿ أو يصلبوا ﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿ أو تقطع أيديهم ﴾ عن أذيال الوصال ﴿ وأرجلهم من خلاف ﴾ عن الاختلاف ﴿ أو ينفوا ﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿ السارق والسارقة ﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ الآن في عالم الصورة ﴿ نكالاً من الله ﴾ تقديراً منه في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً...
﴾ الآية.
قال بعضهم: الآية نزلت في أهل الكفر، وبيان الحكم فيهم؛ وهو قول الحسن وأبي بكر الأصم، وقالا: لأن الله - عز وجل - ذكر محاربة الله ورسوله، وذكر السعي في الأرض بالفساد، وكل كافر قد حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض بالفساد - فللإمام أن يقتلهم بأي أنواع القتل شاء، ما دام الحرب فيما بينهم قائماً، فإذا أثخنوا في الأرض - بترك ذلك - يَمُنُّ الله عليهم إن شاء.
وأما المسلم إذا قطع الطريق: فإنه لا يقال: إنه حارب الله ورسوله؛ فدل أنها نزلت في أهل الكفر؛ للكفر، لا لقطع الطريق.
وقال آخرون: نزلت في المشركين إذا قطعوا الطريق فأما المسلمون إذا قطعوا الطريق، فإنما هم سراق تقطع أيديهم فقط.
وقال غيرهم: نزلت الآية بالحكم في المشركين إذا قطعوا الطريق وأخافوه، لكن يتحرى ذلك الحكم في المسلمين، إذا قطعوا الطريق على الناس وأخافوهم.
روي عن ابن عباس - - قال: "وادع رسول الله أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي، فجاء أناس يريدون الإسلام، فقطع الطريق عليهم؛ فنزل جبريل - - على رسول الله بالحدِّ فيهم: أن من قتل وأخذ المال - صُلب، ومن قَتَل ولم يأخذ المال - قُتِلَ، ومن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلماً - هدم الإسلام ما كان في الشرك" ؛ فدل حديث ابن عباس - - على أن الآية نزلت في الموادعين غير المحاربين.
روي عن أنس قال: "إن أناساً من عُكْل أو عُرَينة أتوا النبي فشكوا إليه الجهد، فبعث معهم بلقاح وراعيا، وقال لهم: اشْرَبُوا أَلْبَانَهَا، وَتَدَاوَوْا بِأبْوَالِهَا، فلما أن صَحُّوا قتلوا راعي النبي واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام؛ فبعث في آثارهم، فأتى بهم بعد ما ترجل [بهم] النهار، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وقطع ألسنتهم، وتركوا بالمكان حتى ماتوا؛ فنزلت الآية" وروي عن علي - - ما يخالف هذا؛ روي: "أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً، وتاب من قبل أن يقدر عليه، فكتب علي بن أبي طالب إلى عامله بالبصرة: أن حارثة قد تاب قبل أن يقدر عليه؛ فلا تتعرض له إلا بالخير" ألا ترى أن حارثة قد أطلق فيه أنه حارب [الله و] رسوله وكان مؤمناً؟!
فهذا يدل على أن الحكم الذي أجرى على قطاع الطريق الكفرة يجري ذلك الحكم في المسلمين، إذا كان منهم ما كان من المشركين من قطع الطريق على الناس وإخافته عليهم.
وقد يتوهم أن الآية نزلت في أهل الحرب، وقد أبيح لنا قتل من ظفرنا به منهم كيف شئنا، وإن لم يفسدوا في الأرض ولم يقطعوا الطريق؛ وهذا يدل أن الآية نزلت بالحكم في أهل الكفر وأهل الإسلام جميعاً، إذا سعوا في الأرض بالفساد، ومن الدليل على ذلك: أن الله - - قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وأجمعوا أن الكافر إذا قتل مسلماً، وأظهر في الأرض الفساد، فقدرنا عليه وأسرناه، ثم أسلم - أنه يزول عنه القتل والقطع والطلب؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت بالحكم في المسلمين؛ لأنه يختلف حكمه إذا تابوا من قبل أن يقدر عليهم، أو بعد قدرتنا عليهم، ولم ينزل فيمن يستوي حكمه في الحالين جميعاً، إذا تابوا بعد القدرة، فالحكم ثابت عليهم، فأما الذي روي عن النبي من فعله بالعرنيين: فإنهم كانوا أسلموا، ثم ارتدوا.
واحتج من ذكرنا قوله من المتأخرين بأن الآية نزلت فيهم - بحديث أنس من فعله بالعرنيين.
وقد روي عن بعض المتقدمين أن الآية نزلت بعد قتل العرنيين من نحو ابن سيرين وغيره؛ فالواجب على من ادعى أن الآية نزلت في العرنيين أن يبين دعواه.
وكان أصحابنا - رحمهم الله - يذهبون إلى ما روي عن ابن عباس - - ويرون أن يؤخذ المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه بما أصاب من دم ومال، على سبيل القصاص، ولا يصلب ولا تقطع يده ورجله فيما أصاب من مال؛ فكأنهم ذهبوا إلى أن يزال الحد الذي لله على المحارب بتوبته قبل أن يقدر عليه، وهو ما كان إلى الإمام إقامته، ولا أمر للولي فيه.
وأما الحقوق التي هي للعباد: فإن التوبة لا تعمل في إبطالها، ولكل ذي حق أن يأخذ بحقه لا حق للإمام؛ لأن الحق صار للولي دون الإمام.
وفي قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ دلالة على أن السارق إذا رد السرقة قبل أن يقدر عليه أن لا قطع عليه؛ وكذلك روي عن بعض المتقدمين أنهم قالوا: ليس على تائب قطع.
ودل قوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً ﴾ على أن السارق في المصر ليلاً أو نهاراً لا يكون محارباً، وإنما هو سارق تقطع يده دون رجله؛ لأنه ذكر السعي في الأرض بالفساد، والسارق في المصر لا يقال: سعى في الأرض؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ لم يرد الضرب في المصر، ولكن أراد الأسفار؛ فعلى ذلك الأول.
وأما الكلام في القتل والصلب والقطع: فروي عن ابن عباس - - قال: "إذا حارب وقتل وأخذ المال - قطعت يده ورجله من خلاف وصلب، فإن قتل ولم يأخذ المال - قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من خلاف".
وتأول الآية: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...
﴾ الآية: على أن الواجب على المحارب من العقوبة له على قدر جنايته، ويزاد في عقوبته بقدر زيادته في جرمه.
وتأول غيره الآية: على أنها نزلت في المحارب الذي يصيب المال والنفس، وإذا أصاب الأمرين كان للإمام أن يقتله كيف شاء: إن شاء قتله بالسيف قتلاً، وإن شاء قطع يده ورجله ثم يتركه حتى يموت، وإن شاء صلبه حيّاً، وإن أبطأ عليه الموت طعن بالرماح حتى يموت؛ وإلى هذا كان يذهب أبو حنيفة، رحمه الله .
وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - قالا: إذا صلب لم تقطع يده ورجله؛ لأنه لا يجوز أن يجمع عليه الأمرين، وإنما جعل الله له أحدهما بظاهر قوله: ﴿ أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ ﴾ ، وجعلا عقوبته مختلفة على قدر جنايته، إن قيل: فما معنى التخيير فيه؟
قيل: معناه - والله أعلم - أن يقتل بالسيف، أو يقتل بالصلب، أو يقتل بقطع اليد والرجل.
وأصله: أن حرف التخيير إذا كان في متفق الأسباب يخرج مخرج التخيير، من نحو: التخيير في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة المتأذي؛ لأن سبب وجوبه واحد.
وإذا كان في مختلف الأسباب فيخرج مخرج بيان الحكم لكلٍّ في نفسه؛ كقوله - -: ﴿ قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ لا يحتمل التخيير، ولكنه على بيان الحكم لكلٍّ في نفسه؛ لأن سبب وجوبه مختلف، فتأويله: إما أن تعذب من ظلم، وتتخذ الحسن فيمن آمن بالله؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .
وقول من جعل الحكم فيمن جمع القتل وقطع الطريق أقرب إلى التأويل - والله أعلم - ممن لم يجمع؛ لأنه قال - عز وجل: ﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...
﴾ الآية، فمن حارب وأفسد في الأرض فقد أتى بالأمرين جميعا؛ لأن محاربته أن يقتل، وإفساده في الأرض بقطع الطريق، فإذا جمع هو بين الأمرين يجمع بين عقوبتين.
وأصله أن أمر قطاع الطريق محمول على فضل تغليظ، [من نحو ما يجمع بين قطع اليد والرجل في أخذ المال، وذلك لا يجمع في أخذ المال في المصر، ومن نحو الصلب، وذلك لم يجعل في غيره من القتل في المصر؛ فدل أنه محمول على فضل تغليظ]، فجاز أن يجمع بين ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ ﴾ : قال بعضهم: "وينفوا من الأرض" على إسقاط الألف، ويكون في القتل والصلب نفيه إذا قتل وأخذ المال.
وقال بعضهم: نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه.
وعن الحسن قال: يطلب حتى يخرج من أرض الإسلام، وذلك إلى الإمام.
وأصله ما ذكرنا: أنه إذا قدر عليه وقد قتل وأخذ المال يقتل؛ وفي القتل نفيه، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال حبس إن قدر عليه؛ وفي الحبس نفيه، وإن لم يقدر عليه يطلب حتى يبرح عن الطريق، والله أعلم.
وقول أبي عبيد؛ حيث قالت: إنه يصلب بعد القتل؛ لأن رسول الله نهى عن المثلة، فيقال له: المثلة يراد بها على ما قال محمد بن الحسن - رحمه الله - ولأن الصلب جعل عقوبته، والميت لا يعاقب، ولو جاز أن يصلب بعد القتل لجاز لغيره أن يقول: تقطع يده ورجله بعد القتل؛ فذلك بعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم أن قطاع الطريق إذا تابوا قبل أن يقدر عليهم، سقط عنهم الحدود التي هي لله ، لا يؤاخذون بها، وليس كغيرها من الحدود التي تلزم في غير المحاربة - أن التوبة لا تعمل في إسقاطها - لوجهين: أحدهما: أن التوبة من غير المحارب لا تظهر حقيقة، فإذا لم تظهر - لم تعمل في إسقاط ما وجب، وفي المحارب تظهر؛ لأنه في يدي نفسه إذا ترك المحاربة والسعي في الأرض بالفساد، وظهرت منه التوبة فلم يؤاخذ به، وفي سائر الحدود لا يظهر منه ترك ما كان يرتكب؛ لذلك افترقا.
والثاني: أنه لو لم يقبل منه ذلك لتمادى في السعي في الأرض بالفساد في حق المسلمين من الضرر أكثر مما لو أخذوهم بذلك، فاستحسنوا قبول ذلك منهم، ودرئ ما وجب عليهم من الحدود التي هي لله .
وأما الحقوق التي هي للعباد: فذلك إلى الأولياء: إن شاؤا أخذوهم بذلك، وإن شاءوا تركوا، والله أعلم.
وأما قوله: "من جاء مسلماً هدم الإسلام ما كان في الشرك" ، معناه: إذا جاء تائباً؛ لأن الحدود جعلت زواجر، والإسلام يزيد في الزجر والتغليظ؛ فلا يجوز أن يكون ما كان سبباً للتغليظ سبباً لإسقاطه؛ دل أن المعنى منه: من جاء مسلماً تائباً، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ما عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله، ويبارزونه بالعداوة والإفساد في الأرض بالقتل وأخذ الأموال وقطع الطريق؛ إلا أن يُقْتَلُوا من غير صلب، أو يقتلوا مع الصلب على خشبة ونحوها، أو تقطع يد أحدهم اليمنى مع الزجل اليسرى، ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، أو يغرَّبوا في البلاد؛ ذلك العقاب لهم فضيحة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
<div class="verse-tafsir" id="91.odWNE"