الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٣٢ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 153 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٢ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ول تعالى : ( من أجل ) قتل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانا : ( كتبنا على بني إسرائيل ) أي : شرعنا لهم وأعلمناهم ( أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) أي : ومن قتل نفسا بغير سبب من قصاص ، أو فساد في الأرض ، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية ، فكأنما قتل الناس جميعا ; لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس ، ( ومن أحياها ) أي : حرم قتلها واعتقد ذلك ، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار ; ولهذا قال : ( فكأنما أحيا الناس جميعا ) .
وقال الأعمش وغيره ، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : دخلت على عثمان يوم الدار فقلت : جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين .
فقال : يا أبا هريرة ، أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي معهم؟
قلت : لا .
قال فإنك إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتلت الناس جميعا ، فانصرف مأذونا لك ، مأجورا غير مأزور .
قال : فانصرفت ولم أقاتل .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هو كما قال الله تعالى : ( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) وإحياؤها : ألا يقتل نفسا حرمها الله ، فذلك الذي أحيا الناس جميعا ، يعني : أنه من حرم قتلها إلا بحق ، حيي الناس منه [ جميعا ] وهكذا قال مجاهد : ( ومن أحياها ) أي : كف عن قتلها .
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله : ( فكأنما قتل الناس جميعا ) يقول : من قتل نفسا واحدة حرمها الله ، فهو مثل من قتل الناس جميعا .
وقال سعيد بن جبير : من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعا ، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعا .
هذا قول ، وهو الأظهر ، وقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس [ في قوله : ( فكأنما قتل الناس جميعا ) يقول ] من قتل نبيا أو إمام عدل ، فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن شد على عضد نبي أو إمام عدل ، فكأنما أحيا الناس جميعا .
رواه ابن جرير .
وقال مجاهد في رواية أخرى عنه : من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ; وذلك لأنه من قتل النفس فله النار ، فهو كما لو قتل الناس كلهم .
وقال ابن جريج عن الأعرج عن مجاهد في قوله : ( فكأنما قتل الناس جميعا ) من قتل النفس المؤمنة متعمدا ، جعل الله جزاءه جهنم ، وغضب الله عليه ولعنه ، وأعد له عذابا عظيما ، يقول : لو قتل الناس جميعا لم يزد على مثل ذلك العذاب .
قال ابن جريج : قال مجاهد ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) قال : من لم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : من قتل نفسا فكأنما قتل الناس [ جميعا ] يعني : فقد وجب عليه القصاص ، فلا فرق بين الواحد والجماعة ( ومن أحياها ) أي : عفا عن قاتل وليه ، فكأنما أحيا الناس جميعا .
وحكي ذلك عن أبيه .
رواه ابن جرير .
وقال مجاهد - في رواية - : ( ومن أحياها ) أي : أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة .
وقال الحسن وقتادة في قوله : ( أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) هذا تعظيم لتعاطي القتل - قال قتادة : عظم والله وزرها ، وعظم والله أجرها .
وقال ابن المبارك عن سلام بن مسكين عن سليمان بن علي الربعي قال : قلت للحسن : هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟
فقال : إي والذي لا إله غيره ، كما كانت لبني إسرائيل .
وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا .
وقال الحسن البصري : ( فكأنما قتل الناس جميعا ) قال : وزرا .
( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) قال : أجرا .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال : جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، اجعلني على شيء أعيش به .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا حمزة ، نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟
" قال : بل نفس أحييها : قال : " عليك بنفسك " .
وقوله : ( ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ) أي : بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة ( ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها ، كما كانت بنو قريظة والنضير وغيرهم من بني قينقاع ممن حول المدينة من اليهود الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية ، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها فدوا من أسروه ، وودوا من قتلوه ، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة ، حيث يقول : ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) [ البقرة : 84 ، 85 ] .
القول في تأويل قوله عز ذكره : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " من أجل ذلك "، من جرِّ ذلك وجَريرته وجنايته.
يقول: من جرِّ القاتل أخاه من ابني آدم= اللذين اقتصصنا قصتهما= الجريرةَ التي جرَّها، وجنايتِه التي جناها=" كتبنا على بني إسرائيل ".
* * * يقال منه: " أجَلْت هذا الأمر "، أي: جررته إليه وكسبته،"آجله له أجْلا "، كقولك: " أخَذْته أخذًا "، ومن ذلك قول الشاعر: (1) وَأَهْــلِ خِبَــاءٍ صَـالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهـمْ قَـدِ احْـتَرَبُوا فِـي عَـاجِلٍ أَنَـا آجِلُه (2) يعني بقوله: " أنا آجله "، أنا الجارُّ ذلك عليه والجانِي.
* * * فمعنى الكلام: من جناية ابن آدم القاتل أخاه ظلمًا، حكمنا على بني إسرائيل أنه من قتل منهم نفسًا ظلمًا، بغير نفس قتلت، فقتل بها قصاصًا (3) =" أو فساد في الأرض "، يقول: أو قتل منهم نفسًا بغير فسادٍ كان منها في الأرض، فاستحقت بذلك قتلها.
و " فسادها في الأرض "، إنما يكون بالحرب لله ولرسوله، وإخافة السبيل.
(4) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك: 11770 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل "، يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلمًا.
* * * ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله جل ثناؤه: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا ".
فقال بعضهم: معنى ذلك: ومن قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شدَّ على عضُد نبيّ أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعًا.
ذكر من قال ذلك: 11771 - حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي قال، حدثنا الفضل &; 10-233 &; بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من شدّ على عضُد نبيّ أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعًا، ومن قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا.
(5) 11772 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، يقول: من قتل نفسًا واحدًة حرَّمتها، فهو مثل من قتل الناس جميعًا=" ومن أحياها "، يقول: من ترك قتل نفس واحدة حرمتها مَخَافتي، واستحياها أن يقتلها، فهو مثل استحياء الناس جميعًا= يعني بذلك الأنبياء.
* * * وقال آخرون: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، عند المقتول في الإثم=" ومن أحياها "، فاستنقذها من هلكةٍ=" فكأنما أحيا الناس جميعًا "، عند المستنقذ.
ذكر من قال ذلك: 11773 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، فيما ذكر عن أبي مالك= وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة الهمداني، عن عبد الله= وعن ناسٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتَلَ &; 10-234 &; الناس جميعًا "، عند المقتول، يقول: في الإثم=" ومن أحياها "، فاستنقذها من هلكة=" فكأنما أحيا الناس جميعًا "، عند المستنقَذ.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: إن قاتل النفس المحرم قتلُها، يصلى النار كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا=" ومن أحياها "، من سلم من قتلها، فقد سلم من قتل الناس جميعًا.
ذكر من قال ذلك: 11774 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: " من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من كف عن قتلها فقد أحياها=" ومن قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: ومن أوبقها.
11775 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال: من أوبق نفسًا فكما لو قتل الناس جميعًا، ومن أحياها وسلم من ظُلمها فلم يقتلها، (6) فقد سلم من قتل الناس جميعًا.
11776 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد: " فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، لم يقتلها، وقد سلم منه الناس جميعًا، لم يقتل أحدًا.
11777 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الأوزاعي قال، أخبرنا عبدة بن أبي لبابة قال: سألت مجاهدًا= أو: سمعته يُسْأل= عن قوله: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: لو قتل الناس جميعًا، كان جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغَضِب &; 10-235 &; الله عليه ولَعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا.
(7) 11778 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءةً، عن الأعرج، (8) عن مجاهد في قوله: " فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدًا، جعل الله جزاءه جهَنّم، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا.
يقول: لو قتل الناس جميعًا لم يزد على مثل ذلك من العذاب= قال ابن جريج، قال مجاهد: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: من لم يقتل أحدًا، فقد استراح الناسُ منه.
11779 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال: أوبق نفسه.
(9) 11780 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: في الإثم.
11780 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، وقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [سورة النساء: 93] قال: يصير إلى جهنم بقتل المؤمن، كما أنه لو قتل الناس جميعًا لصار إلى جهنم.
11781 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا " قال: هو كما قال= وقال: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، فإحياؤها: لا يقتل نفسًا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا، يعني: أنه من حرم قتلها إلا بحقٍّ، حَيِي الناس منه جميعًا.
11782 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد: " ومن أحياها "، قال: ومن حرَّمها فلم يقتلها.
11783 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن العلاء قال: سمعت مجاهدًا يقول: " من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من كف عن قتلها فقد أحياها.
11784 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " فكأنما قتل الناس جميعًا " قال: هي كالتي في" النساء ": وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [سورة النساء: 93]، في جزائه.
11785 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فكأنما قتل الناس جميعًا " كالتي في" سورة النساء "، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا في جزائه=" ومن أحياها "، ولم يقتل أحدًا، فقد حيِيَ الناس منه.
11786 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد في قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: التفت إلى جلسائه فقال: هو هذا وهذا.
(10) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: ومن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، لأنه يجب عليه من القِصاص به والقوَد بقتله، مثلُ الذي يجب عليه من القَوَد والقصاص لو قتل الناس جميعًا.
ذكر من قال ذلك: 11787 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: يجب عليه من القتل مثلُ لو أنه قتل الناس جميعًا.
قال: كان أبي يقول ذلك.
* * * وقال آخرون معنى قوله: " ومن أحياها ": من عفا عمن وجب له القِصَاص منه فلم يقتله.
ذكر من قال ذلك: 11788 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، يقول: من أحياها، أعطاه الله جل وعزّ من الأجر مثلُ لو أنه أحيا الناس جميعًا=" أحياها " فلم يقتلها وعفا عنها.
قال: وذلك وليّ القتيل، والقتيل نفسه يعفو عنه قبل أن يموت.
قال: كان أبي يقول ذلك: 11789 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن في قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من عفا.
11790 - حدثنا سفيان قال، حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من قُتِل حميمٌ له فعفا عن دمه.
(11) 11791 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن." ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعًا "، قال: العفو بعد القدرة.
* * * وقال آخرون: معنى قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، ومن أنجاها من غَرَق أو حَرَقٍ.
(12) ذكر من قال ذلك: 11792 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: من أنجاها من غَرَق أو حرَقٍ أو هَلَكةٍ.
11793 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من غرَق أو حَرَق أو هَدَمٍ.
(13) 11794 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل عن خصيف، عن مجاهد: " ومن أحياها "، قال: أنجاها.
* * * وقال الضحاك بما:- 11795 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي عامر، عن الضحاك قال: " من قتل نفسًا بغير نفس "، قال: من تورَّع أو لم يتورَّع.
(14) 11796 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فكأنما أحيا الناس جميعًا "، يقول: لو لم يقتله لكان قد أحيا الناس، فلم يستحلّ محرَّمًا.
* * * وقال قتادة والحسن في ذلك بما:- 11797 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: " من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض "، قال: عَظُم ذلك.
11798 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس " الآية، من قتلها على غير نفس ولا فسادٍ أفسدته=" فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " عظُم والله أجرُها، وعظُم وزرها!
فأحيها يا ابن آدم بما لك، وأحيها بعفوك إن استطعت، ولا قوة إلا بالله.
وإنا لا نعلمُه يحل دم رجل مسلمٍ من أهل هذه القبلة إلا بإحدى ثلاث: رجل كفرَ بعد إسلامه، فعليه القتل= أو زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم= أو قتل متعمدًا، فعليه القَوَد.
11799 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال: تلا قتادة: " من قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: عظم والله أجرُها، وعظم والله وِزْرها!
11800 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سلاّم بن مسكين قال، حدثني سليمان بن علي الربعي قال: قلت للحسن: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس " الآية، أهي لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟
فقال: إِي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل!
وما جعل دماءَ بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا؟
(15) 11801 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد بن زيد قال: سمعت خالدًا أبا الفضل قال: سمعت الحسن تلا هذه الآية: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ إلى قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، ثم قال: عظَّم والله في الوزر كما تسمعون، ورغَّب والله في الأجر كما تسمعون!
إذا ظننت يا ابن آدم، أنك لو قتلت الناس جميعًا، فإن لك من عملك ما تفوز به من النار، كذَبَتْك والله نفسك، وكذَبَك الشيطان.
(16) 11802 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن الحسن في قوله: " فكأنما قتل الناس جميعًا " قال: وِزْرًا=" ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: أجرًا.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: تأويل &; 10-241 &; ذلك: أنه من قتل نفسًا مؤمنة بغير نفس قَتَلتها فاستحقت القَوَد بها والقتل قِصاصًا= أو بغير فساد في الأرض، بحرب الله ورسوله وحرب المؤمنين فيها= فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله جل ثناؤه، كما أوعده ذلك من فعله ربُّه بقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [سورة النساء: 93].
* * * وأما قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " فأولى التأويلات به، قول من قال: من حرّم قتل من حرّم الله عز ذكره قتله على نفسه، فلم يتقدّم على قتله، فقد حيي الناس منه بسلامتهم منه، وذلك إحياؤه إياها.
وذلك نظير خبر الله عز ذكره عمن حاجّ إبراهيم في ربّه إذ قال له إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [سورة البقرة: 258].
فكان معنى الكافر في قيله: أَنَا أُحْيِي ، (17) أنا أترك من قَدَرت على قتله- وفي قوله: وَأُمِيتُ ، قتله من قتله.
(18) فكذلك معنى " الإحياء " في قوله: " ومن أحياها "، من سلِمَ الناس من قتله إياهم، إلا فيما أذن الله في قتله منهم=" فكأنما أحيا الناس جميعًا ".
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بتأويل الآية، لأنه لا نفسَ يقومُ قتلُها في عاجل الضُّرّ مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقامَ إحياء جميع النفوس في عاجل النفع.
فكان معلومًا بذلك أن معنى " الإحياء ": سلامة جميع النفوس منه، لأنه من لم يتقدم على نفس واحدة، فقد سلم منه جميع النفوس- وأن الواحدة منها التي يقوم قتلُها مقام جميعها إنما هو في الوِزْر، لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها، وإن كان فقد بعضها أعمّ ضررًا من فقد بعض.
(19) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) قال أبو جعفر: وهذا قسم من الله جل ثناؤه أقسم به: أن رسله صلوات الله عليهم قد أتت بني إسرائيل الذين قصَّ الله قَصَصهم وذكر نبأهم في الآيات التي تقدَّمت، من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ إلى هذا الموضع=" بالبينات "، يعني: بالآيات الواضحة والحجج البيِّنة على حقيقة ما أرسلوا به إليهم، (20) وصحة ما دعوهم إليه من الإيمان بهم، وأداء فرائضِ الله عليهم.
=يقول الله عز ذكره: " ثم إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون "، يعني: أن كثيرًا من بني إسرائيل.
* * * =و " الهاء والميم " في قوله: " ثم إن كثيرًا منهم "، من ذكر بني إسرائيل، وكذلك ذلك في قوله: " ولقد جاءتهم ".
* * * =" بعد ذلك "، يعني: بعد مجيء رسل الله بالبينات (21) .
=" في الأرض لمسرفون "، يعني: أنهم في الأرض لعاملون بمعاصي الله، ومخالفون أمر الله ونهيه، ومحادُّو الله ورسله، باتباعهم أهواءَهم.
وخلافهم على أنبيائهم، وذلك كان إسرافهم في الأرض.
(22) ----------------- الهوامش : (1) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن فقال: "قال الخنوت ، وهو توبة بن مضرس ، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
وإنما سماه الخنوت ، الأحنف بن قيس.
لأن الأحنف كلمه ، فلم يكلمه احتقارًا له ، فقال: إن صاحبكم هذا الخنوت!
والخنوت: المتجبر الذاهب بنفسه ، المستصغر للناس".
و"الخنوت" (بكسر الخاء ، ونون مشددة مفتوحة ، واو ساكنة).
وذكره الآمدي في المؤتلف والمختلف ص: 68 وقال: "وقتل أخواه ...
فأدرك الأخذ بثأرهما...
وجزع على أخويه جزعًا شديدًا ، ...
وكان لا يزال يبكي أخويه ، فطلب إليه الأحنف أن يكف ، فأبى ، فسماه: الخنوت = وهو الذي يمنعه الغيظ أو البكاء من الكلام".
ونسبه التبريزي في شرح إصلاح المنطق ، والشنتمري في شرح ديوان زهير إلى خوات بن جبير الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو الذي يذكر في خبر ذات النحيين.
وألحق بشعر زهير بن أبي سلمى ، في ديوانه (شرح الشنتمري).
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 163 (وفيه مراجع) ، وشرح إصلاح المنطق 1 : 14 ، وشرح شعر زهير للشنتمري: 33 ، واللسان (أجل) ، وفي رواية لابن برى ، في اللسان.
وَأَهْــل خِبَــاء آمِنِيــن، فَجَـعْتُهُمْ بِشَــيْءٍ عَزِيـزٍ عَـاجِل أَنَـا آجِلُـهْ وَأَقْبَلْـتُ أَسْـعَى أَسْـأَلُ الْقَـوْمَ مَالَهُمْ سُـؤَالَكَ بِالَّشْـيءِ الَّـذِي أَنْـتَ جَاهِلُهْ ويروى الشطر الأول ، من البيت الثاني: فَـأَقْبَلَتْ فِـي السَّـاعِينَ أَسْـأَلُ عَنْهُمُ وفي المخطوطة: "قد اصرموا" ، غير منقوطة ، والصواب من المراجع.
(3) انظر تفسير"كتب" فيما سلف ص: 169 ، تعليق 1.
والمراجع هناك.
(4) انظر تفسير"الفساد في الأرض" فيما سلف 1 : 287 ، 406/ 4 : 238 ، 239 ، 243 ، 424/ 5 : 372/ 6 : 477.
(5) الأثر: 11771-"أبو عمار المروزي" ، هو: "الحسين بن حريث بن الحسن بن ثابت".
روى عن ابن المبارك ، والفضل بن موسى ، وابن أبي حازم ، وابن عيينة ، وغيرهم.
روى عنه الجماعة سوى ابن ماجه.
ثقة.
مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/389 ، وابن أبي حاتم 1/2/50.
و"الفضل بن موسى السيناني" ، أبو عبد الله المروزي.
ثقة ثبت روى له الجماعة.
مترجم في التهذيب.
و"الحسين بن واقد المروزي" ، مضى برقم: 4810 ، 6311.
(6) في المطبوعة: "وسلم من طلبها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.
(7) هذا تضمين آية"سورة النساء": 93.
(8) في المطبوعة: "قراءة عن الأعرج" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(9) في المطبوعة: "أوبق نفسا" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(10) كأنه يعني بقوله: "هو هذا وهذا" ، أن قتل نفس محرمة بغير نفس أو فساد في الأرض قتل للناس جميعًا ، وإحياؤها إحياء للناس جميعًا.
(11) "الحميم": ذو القرابة القريب.
(12) "الحرق" (بفتحتين): النار ولهبها ، كالحريق.
وفي الحديث: "الحرق والغرق والشرق شهادة" (كل ذلك بفتحات).
(13) "الهدم" (بفتحتين).
وهو البناء المهدوم ، وفي حديث الشهداء: "وصاحب الهدم شهادة".
(14) كأنه يعني: من تورع عن قتلها ، أو لم يتورع ولكنه لم يقتل ، فكأنما أحيى الناس جميعا.
(15) الأثر: 11800-"سلام بن مسكين بن ربيعة الأزدي" ، "أبو روح" ، ثقة.
مضى برقم: 692.
و"سليمان" بن علي الربعي الأزدي".
ثقة.
مترجم في التهذيب.
(16) الأثر: 11801-"سعيد بن زيد بن درهم الأزدي" ، أخو: حماد بن زيد.
تكلموا فيه ، ووثقوه فقالوا: "صدوق حافظ" ، وأعدل ما قيل فيه ما قاله ابن حبان: "كان صدوقا حافظًا ، ممن كان يخطئ في الأخبار ويهم ، حتى لا يحتج به إذا انفرد".
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/432 ، وابن أبي حاتم 2/1/21.
و"خالد ، أبو الفضل".
قال البخاري في الكبير 2/1/153: "خالد بن أبي الفضل ، سمع الحسن.
روى عنه سعيد بن زيد قوله...
وكنيته خالد بن رباح أبا الفضل ، فلا أدري هو ذا أم لا"؟
كأن البخاري يعني هذا الأثر.
ثم ترجم"خالد بن رباح الهذلي" 2/1/136 ، وقال: "سمع منه وكيع" ، ولم يذكر"سعيد بن زيد".
وقال: "قال يزيد بن هرون ، أخبرنا خالد بن رباح أبو الفضل".
وأما ابن أبي حاتم فقد ترجم في الجرح والتعديل 1/2/346: "خالد بن الفضل.
روي عن الحسن.
روى عنه سعيد بن زيد.
سمعت أبي يقول ذلك".
ثم ترجم في 1/2/330.
و"خالد بن رباح الهذلي ، أبو الفضل ...
روى عن الحسن...." ، ولم يذكر في الرواه عنه"سعيد بن زيد".
وترجم له الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة: 112 ، وفي لسان الميزان 2: 374 ، "خالد بن رباح الهذلي ، أبو الفضل البصري" ، ونقل عن ابن حبان في الضعفاء أن كنيته"أبو الفضل" ثم قال: "ولما ذكره في الطبقة الثالثة من الثقات قال: خالد بن رباح أبو الفضل ، يروي عن الحسن.
روى عنه سعيد بن زيد".
قال ابن حجر: "فما أدري ، ظنه آخر ، أو تناقض فيه؟".
أما ترجمته في لسان الميزان ، فلم يذكر كنيته هناك ، ونقل بعض ما جاء في تعجيل المنفعة.
والظاهر أن"خالدًا أبا الفضل" ، هو"خالد بن رباح الهذلي" نفسه ، وأن ما جاء في ابن أبي حاتم"خالد بن الفضل" خطأ أو وهم.
والظاهر أيضًا أنه توقف في أمر"خالد بن أبي الفضل" ، ورجح أن يكون خطأ من الرواة ، وأن الراوية"خالد أبو الفضل".
وهو"خالد بن رباح الهذلي" نفسه.
(17) في المطبوعة والمخطوطة هنا: "أنا أحيي وأميت" ولا شك أن قوله: "وأميت" تكرار ، فتركته.
(18) انظر ما سلف: 5: 432.
(19) انظر تفسير"الإحياء" فيما سلف 5: 432 ، وما بعدها.
(20) في المطبوعة: "على حقية" ، فعل بما كان في المخطوطة ، كما فعل بأخواتها من قبل ، انظر ما سلف ، كما أشرت إليه في ص: 19 ، تعليق: 3 ، والمراجع السابقة هناك.
(21) انظر تفسير"البينات" فيما سلف 9: 360 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(22) انظر تفسير"الإسراف" فيما سلف 7 : 272 ، 579.
قوله : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفونقوله تعالى : من أجل ذلك أي : من جراء ذلك القاتل وجريرته ، وقال الزجاج : أي : من جنايته ; يقال : أجل الرجل على أهله شرا يأجل أجلا إذا جنى ; مثل أخذ يأخذ أخذا .
قال الخنوت :وأهل خباء صالح كنت بينهم قد احتربوا في عاجل أنا آجله[ ص: 100 ] أي : جانيه ، وقيل : أنا جاره عليهم ، وقال عدي بن زيد :أجل إن الله قد فضلكم فوق من أحكأ صلبا بإزاروأصله الجر ; ومنه الأجل لأنه وقت يجر إليه العقد الأول ، ومنه الآجل نقيض العاجل ، وهو بمعنى يجر إليه أمر متقدم ، ومنه أجل بمعنى نعم .
لأنه انقياد إلى ما جر إليه ، ومنه الإجل للقطيع من بقر الوحش ; لأن بعضه ينجر إلى بعض ; قاله الرماني ، وقرأ يزيد بن القعقاع أبو جعفر : " من أجل ذلك " بكسر النون وحذف الهمزة وهي لغة ، والأصل " من إجل ذلك " فألقيت كسرة الهمزة على النون وحذفت الهمزة .
ثم قيل : يجوز أن يكون قوله : من أجل ذلك متعلقا بقوله : من النادمين ، فالوقف على قوله : من أجل ذلك ، ويجوز أن يكون متعلقا بما بعده وهو كتبنا .
ف ( من أجل ) ابتداء كلام والتمام ( من النادمين ) ; وعلى هذا أكثر الناس ; أي : من سبب هذه النازلة كتبنا ، وخص بني إسرائيل بالذكر - وقد تقدمتهم أمم قبلهم كان قتل النفس فيهم محظورا - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا ; فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء .
ومعنى بغير نفس أي : بغير أن يقتل نفسا فيستحق القتل ، وقد حرم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال : كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل نفس ظلما وتعديا .
أو فساد في الأرض أي : شرك ، وقيل : قطع طريق .وقرأ الحسن : " أو فسادا " بالنصب على تقدير حذف فعل يدل عليه أول الكلام تقديره ; أو أحدث فسادا ; والدليل عليه قوله : من قتل نفسا بغير نفس لأنه من أعظم الفساد .وقرأ العامة : " فساد " بالجر على معنى أو بغير فساد .
فكأنما قتل الناس جميعا اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه لأجل أن عقاب من قتل الناس جميعا أكثر من عقاب من قتل واحدا ; فروي عن ابن عباس أنه قال : المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعا ، وعنه أيضا أنه قال : المعنى من قتل نفسا واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعا ، ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها واستحياها خوفا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعا ، وعنه أيضا .
المعنى فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول ، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ ، وقال مجاهد : المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله [ ص: 101 ] جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ; يقول : لو قتل الناس جميعا لم يزد على ذلك ، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه ، وقال ابن زيد : المعنى أن من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا ، قال : ومن أحياها أي : من عفا عمن وجب له قتله ; وقاله الحسن أيضا ; أي : هو العفو بعد المقدرة ، وقيل : المعنى أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه ; لأنه قد وتر الجميع ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ، أي : يجب على الكل شكره ، وقيل : جعل إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع ; وله أن يحكم بما يريد ، وقيل : كان هذا مختصا ببني إسرائيل تغليظا عليهم .
قال ابن عطية : وعلى الجملة فالتشبيه على ما قيل واقع كله ، والمنتهك في واحد ملحوظ بعين منتهك الجميع ; ومثاله رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئا ، فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته ، وطعم الآخر ثمر شجرته كلها ، فقد استويا في الحنث ، وقيل : المعنى أن من استحل واحدا فقد استحل الجميع ; لأنه أنكر الشرع ، وفي قوله تعالى : ومن أحياها تجوز ; فإنه عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة ، وإلا فالإحياء حقيقة - الذي هو الاختراع - إنما هو لله تعالى ، وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمرود اللعين : أنا أحيي وأميت فسمى الترك إحياء .
ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات ، وأن أكثرهم مجاوزون الحد ، وتاركون أمر الله .
يقول تعالى { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ } الذي ذكرناه في قصة ابني آدم، وقتل أحدهما أخاه، وسنه القتل لمن بعده، وأن القتل عاقبته وخيمة وخسارة في الدنيا والآخرة.
{ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } أهل الكتب السماوية { أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ } أي: بغير حق { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } ؛ لأنه ليس معه داع يدعوه إلى التبيين، وأنه لا يقدم على القتل إلا بحق، فلما تجرأ على قتل النفس التي لم تستحق القتل علم أنه لا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره، وإنما ذلك بحسب ما تدعوه إليه نفسه الأمارة بالسوء.
فتجرؤه على قتله، كأنه قتل الناس جميعا.
وكذلك من أحيا نفسا أي: استبقى أحدا، فلم يقتله مع دعاء نفسه له إلى قتله، فمنعه خوف الله تعالى من قتله، فهذا كأنه أحيا الناس جميعا، لأن ما معه من الخوف يمنعه من قتل من لا يستحق القتل.
ودلت الآية على أن القتل يجوز بأحد أمرين: إما أن يقتل نفسا بغير حق متعمدا في ذلك، فإنه يحل قتله، إن كان مكلفا مكافئا، ليس بوالد للمقتول.
وإما أن يكون مفسدا في الأرض، بإفساده لأديان الناس أو أبدانهم أو أموالهم، كالكفار المرتدين والمحاربين، والدعاة إلى البدع الذين لا ينكف شرهم إلا بالقتل.
وكذلك قطاع الطريق ونحوهم، ممن يصول على الناس لقتلهم، أو أخذ أموالهم.
{ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ } التي لا يبقى معها حجة لأحد.
{ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ } أي: من الناس { بَعْدِ ذَلِكَ } البيان القاطع للحجة، الموجب للاستقامة في الأرض { لَمُسْرِفُونَ } في العمل بالمعاصي، ومخالفة الرسل الذين جاءوا بالبينات والحجج.
قوله عز وجل : ( من أجل ذلك ) قرأ أبو جعفر من اجل ذلك بكسر النون موصولا وقراءة العامة بجزم النون ، أي : من جراء ذلك القاتل وجنايته ، يقال : أجل يأجل أجلا إذا جنى ، مثل أخذ يأخذ أخذا ، ( كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس ) قتلها فيقاد منه ، ( أو فساد في الأرض ) يريد بغير نفس وبغير فساد في الأرض من كفر أو زنا أو قطع طريق ، أو نحو ذلك ( فكأنما قتل الناس جميعا ) اختلفوا في تأويلها ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة : من قتل نبيا أو إماما عدلا فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن شد عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا .
قال مجاهد : من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها ، كما يصلاها لو قتل الناس جميعا " ومن أحياها " : من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعا .
قال قتادة : عظم الله أجرها وعظم وزرها ، معناه من استحل قتل مسلم بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا في الإثم لأنهم لا يسلمون منه ، ( ومن أحياها ) وتورع عن قتلها ، ( فكأنما أحيا الناس جميعا ) [ في الثواب لسلامتهم منه .
قال الحسن : فكأنما قتل الناس جميعا ] يعني : أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا ، ومن أحياها : أي عفى عمن وجب عليه القصاص له فلم يقتله فكأنما أحيا الناس جميعا ، قال سليمان بن علي قلت للحسن : يا أبا سعيد : هي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟
قال : إي والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا ، ( ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون )
«من أجل ذلك» الذي فعله قابيل «كتبنا على بني إسرائيل أنه» أي الشأن «من قتل نفسا بغير نفس» قتلها «أو» بغير «فساد» أتاه «في الأرض» من كفر أو زنا أو قطع طريق أو نحوه «فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها» بأن امتنع عن قتلها «فكأنما أحيا الناس جميعا» قال ابن عباس: من حيث انتهاك حرمتها وصونها «ولقد جاءتهم» أي بني إسرائيل «رسلنا بالبينات» المعجزات «ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون» مجاوزون الحد بالكفر والقتل وغير ذلك.
بسبب جناية القتل هذه شَرَعْنا لبني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، الموجب للقتل كالشرك والمحاربة فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله، وأنه من امتنع عن قَتْل نفس حرَّمها الله فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ فالحفاظ على حرمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس كلهم.
ولقد أتت بني إسرائيل رسلُنا بالحجج والدلائل على صحة ما دعَوهم إليه من الإيمان بربهم، وأداء ما فُرِضَ عليهم، ثم إن كثيرًا منهم بعد مجيء الرسل إليهم لمتجاوزون حدود الله بارتكاب محارم الله وترك أوامره.
ثم بين - سبحانه - بعد أن ساق ما جرى بين ابني آدم - ما شرعه من شرائع تردع المعتدى ، وتبشر التقي فقال - تعالى - ( مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) .وأصل معنى الأجل : الجناية التي يخشى منها آجلا .
يقال : أجل الرجل على أهله شراً يأجله - بضم الجيم وكسرها - أجلا إذا جناه أو أثاره وهيجه ، ثم استعمل في تعليل الجنايات كما في قولهم : من أجلك فعلت كذا .
أي بسببك ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل .والجار والمجرور ( من أجل ) متعلق بالفعل ( كتبنا ) واسم الإِشارة ( ذلك ) يعود ما ذكر في تضاعيف قصة ابن آدم من أنواع المفاسد المترتبة على هذا القتل الحرام .والمعنى : يبسبب قتل قابيل لأخيه هابيل حسداً وظلما ، ومن أجل ما يترتب على القتل بغير حق من مفاسد ( كَتَبْنَا ) أي فرضنا وأوجبنا ( على بني إِسْرَائِيلَ ) في التوراة ما يردع المعتدي وما يبشر المتقي .قال الجمل : قال بعضهم : إن قوله : ( فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ) - والمعنى : فأصبح من النادمين من أجل ذلك .
يعني من أجل أنه قتل أخاه هابيل ولم يواره ، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله : من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول ، ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله ( مِنْ أَجْلِ ذلك ) ابتداء كلام متعلق بقوله ( كَتَبْنَا ) فلا يوقف عليه .و ( من ) هنا للسببية .
أي : بسبب هذه الجناية شرعنا ما شرعنا من أحكام لدفع الشر وإشاعة الخير .وعبر - سبحانه - عن السببية .
بمن لبيان الابتداء في الحكم .
وأنه اقترن بوقوع تلك الجرية النكراء التي ستكون آثارها سيئة إذا لم تشرع الأحكام لمنعها .وقد الجار والمجرور على ما تعلق به وهو ( كتبنا ) لإفادة الحصر أي : من ذلك ابتدئ الكتب ومنه نشأ لا من شيء آخر .وعبر - سبحانه - بقوله ( كتبنا ) للإِشارة إلى أن الأحكام التي كتبها ، قد سجلت بحيث لا تقبل المحو أو التبديل ، بل من الواجب على الناس أن يلتزموا بها ، ولا يفرطوا في شيء منها .وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا ، ولأنهم أكثر الناس سفكا للدماء ، وقتلا للمصلحين ، فقد قتلوا كثيرا من الأنبياء ، كما قتلوا أكثر المرشدين والناصحين ، ولأن الأسباب التي أدت إلى قتل قابيل لهابيل من أهمها الحسد ، وهو رذيلة معروفة فيهم ، فقد حملهم حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقة كما يعرفون أبناءهم ، كما حملهم على محاولة قتله ولكن الله - تعالى نجاه من شرورهم .وما أشبههم في قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذي قتل أخاه هابيل؛ لأنه أرشده إلى ما يصلحه .وقوله - تعالى - : ( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) بيان لما كتبه - سبحانه - من أحكام تسعد الناس متى اتبعوها .والمعنى : بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلما وعدوانا ، كتبنا في التوراة على بني إسرائيل ( أنه ) أي : الحال والشأن ( مَن قَتَلَ نَفْساً ) واحدة من النفوس الإِنسانية ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) .أي : بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص منه ( أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض ) أي : أو بغير فساد في الأرض يوجب إهدار الدم - كالردة وزنا المحصن - ( فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً ) لأن الذي يقتل نفسا بغير حق ، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه الإِسلام بشرائعه وأحكامه ، ومن استباح هذا الدم في نفس واحدة ، فكأنه قد استباحه في نفوس الناس جميعا ، إذا النفس الواحدة تمثل النوع الإِنساني كله .
( وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) أي : ومن تسبب في إحيائها وصيانتها من العدوان عليها ، كأن استنقذها مما يؤدي بها إلى الهلاك والأذى الشديد ، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق ، من فعل ذلك فكأنما تسبب في إحياء الناس جميعا .وفي هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب في صيانة الدماء ، وحفظ النفوس من العدوان عليها ، حيث شبه - سبحانه 0 قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا ، وإحياءها بإحياء الناس جميعا .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف شبه الواحد بالجميع ، وجعل حكمه كحكمهم؟قلت : لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على الله ، وثبوت الحرمة .
فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته ، وعلى العكس .
فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك .فإن قلت : فلما الفائدة في ذكر ذلك؟
قلت : نعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها ، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها ، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا ، عظم ذلك عليه فثبطه - عن القتل - وكذلك الذي أراد إحياءها .وقال الإِمام ابن كثير : قال الحسن وقتادة في قوله - تعالى - ( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً ) .
.
إلخ .هذا تعظيم لتعاطي القتل .
قال قتادة : عظيم والله وزرها ، وعظيم والله أجرها .
وقيل للحسن : هذه الآية لنا كما كانت لبني إسرائيل؟
فقال : إي والذي لا إله غيره - هي لنا 0 كما كانت لهم .
وما جعل - سبحانه - دماءهم أكرم من دمائنا .وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المراد بالنفس في قوله ( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً ) : العموم أي : نفسا يحرم قتلها من بني الإِنسان .وبعضهم يرى أن المراد نفس الإمام العادل ، لأن القتل في هذه الحالة يؤدي إلى اضطراب أحوال الجماعة ، وإشاعة الفتنة فيها .
قال القرطبي : روى عن ابن عباس أنه قال : المعنى : من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره ، فكأنما أحيا الناس جميعا .ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى ، لأنه هو الذي عليه جمهور العلماء ، ولأنه أدعى لحفظ الدماء الإِنسانية ، وإعطائها ما تستحقه من صيانة واحترام .وقوله .
( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) متعلق بالفعل قبله وهو ( قتل ) .
وقوله ( أو فساد ) مجرور عطفا على نفس المجرورة بإضافة غير إليها .و " ما " في قوله ( فَكَأَنَّمَا ) كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها .وقوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِي الأرض لَمُسْرِفُونَ ) لبيان لموقف بني إسرائيل القبيح مما جاءهم من هدايات على أيدي أنبيائهم ومرشديهم .أي : ولقد جاءت رسلنا لبني إسرائيل بالآيات البينات ، والمعجزات الواضحات ، ( إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك ) أي : بعد الذي كتبناه عليهم من شرائع ، وبعد مجئ الرسل إليهم بالبينات ( فِي الأرض لَمُسْرِفُونَ ) أي : لمجاوزون الحد في ارتكاب المعاصي والآثام ، إذ الإسراف مجاوزة حدود الحق والعدل بدون مبالاة أو اهتمام بهما .
وأكد - سبحانه - جملة ( وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا ) بالقسم ، لكمال العناية بمضمونها ، ولبيان أن الرسل - عليهم السلام - ما قصروا في إرشاد بني إسرائيل إلى ما يسعدهم ويهديهم ، فقد جاء وهم بالشرائع البينة الواضحة التي تحمل في نفسها دليل صلاحها .
والتعبير " بجاءتهم " يشير إلى أن الرسل - عليهم السلام - وصلوا إليهم ، وصاروا قريبين منهم ، بحيث يرونهم ويخاطبونهم ولا يتركون أمراً يهمهم إلا بينوه لهم .وجملة ( ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ ) معطوفة على جملة ( وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ ) .وكان العطف " بثم " المفيدة هنا للتراخي في الرتبة ، للإِشارة إلى الفرق الشاسع بين ما جاءتهم به الرسل من بينات وهدايات ، وبين ما كان عليه بنو إسرائيل من جحود وعناد وإفساد في الأرض .واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى المذكور من مجيء الرسل إليهم بالبينات ومن كتابة الشرائع عليهم .
وفي وصف الكثيرين من بني إسرائيل بالاسراف احتراس في الحكم ، وإنصاف للقلة التي آمنت منهم ، وهذا من عدالة القرآن الكريم في أحكامه ، ودقته في تعبيراته .وذكر - سبحانه - أن إسراف الكثيرين منهم ( فِي الأرض ) مع أنه لا يكون إلا فيها ، للإِيذان بأن فسادهم وإسرافهم في القتل والمعاصي لم يكن فيما بينهم فحسب ، بل انتشر وشره في الأرض ، وسرى إلى غيرهم من سكانها المنتشرين فيها .
وبذلك نرى أن هذه الآيات قد حكت لنا ما دار بين ابني آدم من محاورات أدت إلى قتل أحدهما للآخر ظلما وحسدا ، إذ الحسد يأكل القلوب ، ويشعلها بالشر كما تشتعل النار في الحطب ، وبسببه ارتكبت أول جريمة قتل على ظهر الأرض ، وبسببه كانت أكثر الجرائم في كل زمان ومكان .
.
كما حكت لنا أن بني إسرائيل - مع علمهم بشناعة جريمة القتل - قد أسرفوا في قتل الأنبياء والمصلحين مما يدل على قسوة قلوبهم ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه عما كانوا يلاقونه من اليهود المعاصرين لهم من عناد ومكر وأذى .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك ﴾ أي بسبب فعلته.
فإن قيل عليه سؤالان: الأول: أن قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك ﴾ أي من أجل ما مرّ من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل القصاص، وذاك مشكل فإنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل.
الثاني: أن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني إسرائيل؟
والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: قال الحسن: هذا القتل إنما وقع في بني إسرائيل لا بين ولدي آدم من صلبه، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم، والثاني: أنا نسلم أن هذا القتل وقع بين ولدي آدم من صلبه، ولكن قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك ﴾ ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما مر ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام، منها قوله: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين ﴾ ومنها قوله: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ﴾ فقوله: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين ﴾ إشارة إلى أنه حصلت له خسارة الدين والدنيا، وقوله: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ﴾ إشارة إلى أنه حصل من قلبه أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دفع له ألبتة، فقوله: ﴿ مِنْ أَجل ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل ﴾ أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد العدوان شرعنا القصاص من حق القاتل، وهذا جواب حسن والله أعلم.
وأما السؤال الثاني: فالجواب عنه أن وجوب القصاص في حق القاتل وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل، إلا أن التشديد المذكور هاهنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان لأنه تعالى حكم هاهنا بأن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس، ولا شك في أن المقصود منه المبالغة في شرح عقاب القتل العمد العدوان، والمقصود من شرح هذه المبالغة أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل.
وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأكابر أصحابه، كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسباً للكلام ومؤكداً للمقصود.
المسألة الثانية: قرئ من أجل ذلك بحذف الهمزة وفتح النوق لالقاء حركتها عليها وقرأ أبو جعفر من أجل ذلك بكسر الهمزة، وهي لغة، فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسر الهمزة عليها.
المسألة الثالثة: قال القائلون بالقياس: دلت الآية على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة بالعلل، وذلك لأنه تعالى قال: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل ﴾ كذا وكذا، وهذا تصريح بأن كتبة تلك الأحكام معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: دلت هذه الآية على أن أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد، ومتى ثبت ذلك امتنع كونه تعالى خالقاً للكفر والقبائح فيهم مريداً وقوعها منهم، لأن خلق القبائح وإرادتها تمنع من كونه تعالى مراعياً للمصالح.
وذلك يبطل التعليل المذكور في هذه الآية.
قال أصحابنا: القول بتعليل أحكام الله تعالى محال لوجوه: أحدها: أن العلة إن كانت قديمة لزم قدم المعلول، وإن كانت محدثة وجب تعليلها بعلة أخرى ولزم التسلسل.
وثانيها: لو كان معللاً بعلة فوجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إلى الله تعالى إن كان على السوية امتنع كونه علة، وإن لم يكن على السوية فأحدهما به أولى، وذلك يقتضي كونه مستفيداً تلك الأولوية من ذلك الفعل، فيكون ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره وهو محال.
وثالثها: أنه قد ثبت توقف الفعل على الوداعي، ويمتنع وقوع التسلسل في الدواعي، بل يجب انتهاؤها إلى الداعية الأولى التي حدثت في العبد لا من العبد بل من الله، وثبت أن عند حدوث الداعية يجب الفعل، وعلى هذا التقدير فالكل من الله، وهذا يمنع من تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه، فثبت أن ظاهر هذه الآية من المتشابهات لا من المحاكمات، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الارض جَمِيعاً ﴾ وذلك نص صريح في أنه يحسن من الله كل شيء ولا يتوقف خلقه وحكمه على رعاية المصالح.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي الارض ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على قوله: ﴿ نَفْسٌ ﴾ والتقدير من قتل نفساً بغير نفس أو بغير فساد في الأرض، وإنما قال تعالى ذلك لأن القتل يحل لأسباب كثيرة، منها القصاص وهو المراد بقوله: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الارض ﴾ ومنها الكفر مع الحراب، ومنها الكفر بعد الإيمان، ومنها قطع الطريق وهو المراد بقوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ فجمع تعالى كل هذه الوجوه في قوله: ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي الارض ﴾ .
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وفيه إشكال.
وهو أن قتل النفس الواحدة كيف يكون مساوياً لقتل جميع الناس، فإن من الممتنع أن يكون الجزء مساوياً للكل، وذكر المفسرون بسبب هذا السؤال وجوهاً من الجواب وهي بأسرها مبنية على مقدمة واحدة وهي أن تشبيه أحد الشيئين بالآخر لا يقتضي الحكم بمشابهتهما من كل الوجوه، لأن قولنا: هذا يشبه ذاك أعم من قولنا: إنه يشبهه من كل الوجوه، أو من بعض الوجوه، وإذا ظهرت صحة هذه المقدمة فنقول: الجواب من وجوه: الأول: المقصود من تشبيه قتل النفس الواحدة بقتل النفوس المبالغة في تعظيم أمر القتل العمد العدوان وتفخيم شأنه، يعني كما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم عند كل أحد، فكذلك يجب أن يكون قتل الإنسان الواحد مستعظماً مهيباً فالمقصود مشاركتهما في الاستعظام، لا بيان مشاركتهما في مقدار الاستعظام، وكيف لا يكون مستعظماً وقد قال تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ .
الوجه الثاني في الجواب: هو أن جميع الناس لو علموا من إنسان واحد أنه يقصد قتلهم بأجمعهم فلا شك أنهم يدفعونه دفعاً لا يمكنه تحصيل مقصوده، فكذلك إذا علموا منه أنه يقصد قتل إنسان واحد معين يجب أن يكون جدهم واجتهادهم في منعه عن قتل ذلك الإنسان مثل جدهم واجتهادهم في الصورة الأولى.
الوجه الثالث في الجواب: وهو أنه لما أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجّح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، ومتى كان الأمر كذلك كان هذا الترجيح حاصلاً بالنسبة إلى كل واحد، فكان في قلبه أن كل أحد نازعه في شيء من مطالبه فإنه لو قدر عليه لقتله، ونيّة المؤمن في الخيرات خير من عمله، فكذلك نيّة المؤمن في الشرور شر من عمله، فيصير المعنى: ومن يقتل إنساناً قتلاً عمداً عدواناً فكأنما قتل جميع الناس، وهذه الأجوبة الثلاثة حسنة.
المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَمَنْ أحياها فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ المراد من إحياء النفس تخليصها عن المهلكات: مثل الحرق والغرق والجوع المفرط والبرد والحر المفرطين، والكلام في أن إحياء النفس الواحدة مثل إحياء النفوس على قياس ما قررناه في أن قتل النفس الواحدة مثل قتل النفوس.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِي الارض لَمُسْرِفُونَ ﴾ .
والمعنى أن كثيراً من اليهود بعد ذلك، أي بعد مجيء الرسل، وبعد ما كتبنا عليهم تحريم القتل لمسرفون، يعني في القتل لا يبالون بعظمته.
<div class="verse-tafsir"
هما ابنا آدم لصلبه قابيل وهابيل، أوحى الله إلى آدم أن يزوّج كل واحد منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها (إقليما) فحسد عليها أخاه وسخط.
فقال لهما آدم: قرّبا قرباناً، فمن أيكما تقبل زوّجها، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته؛ فازداد قابيل حسداً وسخطاً، وتوعده بالقتل.
وقيل: هما رجلان من بني إسرائيل ﴿ بالحق ﴾ تلاوة متلبسة بالحق والصحة.
أو اتله نبأ متلبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأوّلين.
أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد؛ لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغون عليه.
أو اتل عليهم وأنت محق صادق.
و ﴿ إِذْ قَرَّبَا ﴾ نصب بالنبأ أي قصتهم وحديثهم في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون بدلاً من النبأ، أي اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت، على تقدير حذف المضاف.
والقربان: اسم ما يتقرّب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، كما أنّ الحلوان اسم ما يحلّى أي يعطى.
يقال: قرّب صدقة وتقرّب بها، لأن تقرّب مطاوع قرب: قال الأصمعي: تقرّبوا قرف القمع فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب.
فإن قلت: كيف كان قوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ جواباً لقوله: ﴿ لأَقْتُلَنَّكَ ﴾ ؟
قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟
ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟
فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان.
وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم.
وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له: ما يبكيك فقد كنت وكنت؟
قال إني أسمع الله يقول: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ .
﴿ مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ قيل: كان أقوى من القاتل وأبطش منه، ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله؛ لأنّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت.
قاله مجاهد وغيره ﴿ إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ ﴾ أن تحتمل إثم قتلي لك لو قتلتك وإثم قتلك لي.
فإن قلت: كيف يحمل إثم قتله له ولا تزر وازرة وزر أخرى؟
قلت: المراد بمثل إثمي على الاتساع في الكلام، كما تقول: قرأت قراءة فلان، وكتبت كتابته، تريد المثل وهو اتساع فاش مستفيض لا يكاد يستعمل غيره.
ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام: «المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم» على أنّ البادي عليه إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه؛ لأنه كان سبباً فيه، إلا أن الإثم محطوط عن صاحبه معفوّ عنه، لأنه مكافئ مدافع عن عرضه.
ألا ترى إلى قوله: (ما لم يعتد المظلوم) لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم.
فإن قلت: فحين كف هابيل عن قتل أخيه واستسلم وتحرج عما كان محظوراً في شريعته من الدفع، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله فيجتمع عليه الإثمان؟
قلت: هو مقدّر فهو يتحمل مثل الإثم المقدّر، كأنه قال: إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك.
وقيل: (بإثمي) بإثم قتلي (وإثمك) الذي من أجله لم يتقبل قربانك فإن قلت: فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه النار؟
قلت: كان ظالماً وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين ﴾ وإذا جاز أن يريده الله، جاز أن يريده العبد؛ لأنه لا يريد إلا ما هو حسن.
والمراد بالإثم وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب، فإن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله: ﴿ لَئِن بَسَطتَ....
مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ ﴾ ؟
قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع.
ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي، ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ فوسعته له ويسرته، من طاع له المرتع: إذا اتسع.
وقرأ الحسن: ﴿ فطاوعت ﴾ .
وفيه وجهان: أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى فعل، وأن يراد أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع، وله لزيادة الربط كقولك: حفظت لزيد ماله.
وقيل: قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ﴿ فَبَعَثَ الله غُرَاباً ﴾ روي: أنه أوّل قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم.
ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ﴿ قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب ﴾ ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً، فقال: بل قتلته ولذلك اسودِّ جسدك.
وروي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون.
وقد صحّ أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر.
﴿ لِيُرِيَهُ ﴾ ليريه الله.
أو ليريه الغراب، أي ليعلمه؛ لأنه لما كان سبب تعليمه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز ﴿ سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده.
والسوأة: الفضيحة لقبحها.
قال: يَا لَقَوْمِ لِلسَّوْأةِ السَّوْآء أي للفضيحة العظيمة فكنى بها عنها ﴿ فَأُوَارِيَ ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام.
وقرئ بالسكون على: فأنا أواري.
أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف ﴿ مِنَ النادمين ﴾ على قتله، لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره، وتبين له من عجزه، وتلمذه للغراب، واسوداد لونه وسخط أبيه، ولم يندم ندم التائبين ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك ﴾ بسبب ذلك وبعلته.
وقيل: أصله من أجل شرا إذا جناه يأجله أجلاً.
ومنه قوله: وَأَهِل خِبَاءٍ صَالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهِم ** قَدِ احْتَرَبُوا في عَاجِلٍ أَنَا آجِلُهْ كأنك إذا قلت: من أجلك فعلت كذا، أردت من أن جنيت فعلته وأوجبته، ويدل عليه قولهم: من جراك فعلته، أي من أن جررته بمعنى جنيته.
وذلك إشارة إلى القتل المذكور، أي من أن جنى ذلك القتل الكتب وجرّه ﴿ كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل ﴾ و(من) لابتداء الغاية، أي ابتدأ الكتب ونشأ من أجل ذلك.
ويقال: فعلت كذا لأجل كذا.
وقد يقال: أجل كذا، بحذف الجار وإيصال الفعل قال: أجل إنّ الله قد فضلكم.
وقرئ: ﴿ من اجل ذلك ﴾ ، بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها.
وقرأ أبو جعفر: ﴿ من إجل ذلك ﴾ ، بكسر الهمزة وهي لغة فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسرة الهمزة عليها ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ ﴾ عطف على نفس بمعنى أو بغير فساد ﴿ فِى الأرض ﴾ وهو الشرك.
وقيل: قطع الطريق ﴿ وَمَنْ أحياها ﴾ ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك.
فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟
قلت: لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على الله وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته وعلى العكس، فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك.
فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟
قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها؛ لأنّ المتعرض لقتل النفس إذا تصوّر قتلها بصورة قتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه، وكذلك الذي أراد إحياءها.
وعن مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم، وغضب الله، والعذاب العظيم.
ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.
وعن الحسن: يا ابن آدم، أرأيت لو قتلت الناس جميعاً أكنت تطمع أن يكون لك عمل يوازي ذلك فيغفر لك به؟
كلا إنه شيء سوَّلته لك نفسك والشيطان، فكذلك إذا قتلت واحداً ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعدما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات ﴿ لَمُسْرِفُونَ ﴾ يعني في القتل لا يبالون بعظمته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ بِسَبَبِهِ قَضَيْنا عَلَيْهِمْ، وأجْلُ في الأصْلِ مَصْدَرُ أجَلَ شَرًّا إذا جَناهُ اسْتُعْمِلَ في تَعْلِيلِ الجِناياتِ كَقَوْلِهِمْ، مِن جَرّاكَ فَعَلْتُهُ، أيْ مِن أنْ جَرَرْتُهُ أيْ جَنَيْتُهُ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعْلِيلٍ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَتَبْنا أيِ ابْتِداءُ الكُتُبِ ونَشْؤُهُ مِن أجْلِ ذَلِكَ.
﴿ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ أيْ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ يُوجِبُ الِاقْتِصاصَ.
﴿ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ ﴾ أوْ بِغَيْرِ فَسادٍ فِيها كالشِّرْكِ أوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ.
﴿ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الدِّماءِ وسَنَّ القَتْلَ، وجَرَّأ النّاسَ عَلَيْهِ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ قَتْلَ الواحِدِ وقَتْلَ الجَمِيعِ سَواءٌ في اسْتِجْلابِ غَضَبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والعَذابِ العَظِيمِ.
﴿ وَمَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا ﴾ أيْ ومَن تَسَبَّبَ لِبَقاءِ حَياتِها بِعَفْوٍ أوْ مَنعٍ عَنِ القَتْلِ، أوِ اسْتِنْقاذٍ مِن بَعْضِ أسْبابِ الهَلَكَةِ فَكَأنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِالنّاسِ جَمِيعًا، والمَقْصُودُ مِنهُ تَعْظِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ وإحْيائِها في القُلُوبِ تَرْهِيبًا عَنِ التَّعَرُّضِ لَها وتَرْغِيبًا في المُحاماةِ عَلَيْها.
﴿ وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ أيْ بَعْدَ ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ هَذا التَّشْدِيدَ العَظِيمَ مِن أجْلِ أمْثالِ تِلْكَ الجِنايَةِ، وأرْسَلْنا إلَيْهِمُ الرُّسُلَ بِالآياتِ الواضِحَةِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وتَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ كَيْ يَتَحامَوْا عَنْها وكَثِيرٌ مِنهم يُسْرِفُونَ في الأرْضِ بِالقَتْلِ ولا يُبالُونَ بِهِ، وبِهَذا اتَّصَلَتِ القِصَّةُ بِما قَبْلَها والإسْرافُ التَّباعُدُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ في الأمْرِ.
<div class="verse-tafsir"
{مِنْ أَجْلِ ذلك} بسبب ذلك وبعلته وذلك إشارة إلى القتل المذكور قيل هو متصل بالآية الأولى فيوقف على ذلك أي فأصبح من النادمين لأجل حمله ولأجل قتله وقيل هو مستأنف والوقف على النادمين ومن يتعلق بكتبنا لا بالنادمين {كتبنا على بني إسرائيل} خصهم بالذكر وإن اشترك الكل في ذلك لأن التوراة أول كتاب فيه الأحكام {أَنَّهُ من قتل نفسا} الضمير للشأن ومن شرطية {بِغَيْرِ نَفْسٍ} بغير قتل نفس {أَوْ فَسَادٍ فِى الأرض} عطف على نفس أي بغير فساد في الأرض وهو الشرك أو قطع الطريق أو كل فساد يوجب القتل {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً} أي في الذنب عن الحسن لأن قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله عليه والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك {ومن أحياها} ومن استنفذها من أسباب الهلكة من قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} جعل قتل
الواحد كقتل الجميع وكذلك الإحياء ترغيباً وترهيباً لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور أن قتلها كقتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه وكذا الذي أراد إحياءها إذا تصور أن حكمه حكم إحياء جميع الناس رغب في إحيائها {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ} أي بني إسرائيل {رُسُلُنَا} رُسلنا أبو عمرو {بالبينات} بالآيات الواضحات {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذلك} بعدما كتبنا عليهم أو بعد مجئ الرسل بالآيات {فِى الأرض لَمُسْرِفُونَ} في القتل لا يبالون بعظمته
﴿ مِن أجْلِ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ و( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( كَتَبْنا ) أيْ قَضَيْنا، وقِيلَ: بِـ( النّادِمِينَ ) وهو ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ نافِعٍ، و( كَتَبْنا ) اسْتِئْنافٌ، واسْتَبْعَدَهُ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ.
و( الأجْلُ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَدْ تُكْسَرُ، وقُرِئَ بِهِ لَكِنْ بِنَقْلِ الكَسْرَةِ إلى النُّونِ، كَما قُرِئَ بِنَقْلِ الفَتْحَةِ إلَيْها في الأصْلِ الجِنايَةُ يُقالُ: أجَلَ عَلَيْهِمْ شَرًّا إذا جَنى عَلَيْهِمْ جِنايَةً، وفي مَعْناهُ جَرَّ عَلَيْهِمْ جَرِيرَةً، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في تَعْلِيلِ الجِناياتِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ لِكُلِّ سَبَبٍ، أيْ مِن ذَلِكَ ابْتِداءُ الكَتْبِ، ومِنهُ نَشَأ، لا مِن غَيْرِهِ.
﴿ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الحَسَدَ كانَ مَنشَأ ذَلِكَ الفَسادِ، وهو غالِبٌ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ إنَّما ذُكِرُوا دُونَ النّاسِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ أوَّلُ كِتابٍ نَزَلَ فِيهِ تَعْظِيمُ القَتْلِ، ومَعَ ذَلِكَ كانُوا أشَدَّ طُغْيانًا فِيهِ وتَمادِيًا، حَتّى قَتَلُوا الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِسَبَبِ هَذِهِ العَظِيمَةِ كَتَبْنا في التَّوْراةِ تَعْظِيمَ القَتْلِ، وشَدَّدْنا عَلَيْهِمْ، وهم بَعْدَ ذَلِكَ لا يُبالُونَ.
ومِن هُنا تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَصْلُحُ - كَما قالَ الحَسَنُ، والجُبّائِيُّ، وأبُو مُسْلِمٍ - عَلى أنَّ ابْنَيِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانا مَن بَنِي إسْرائِيلَ، عَلى أنَّ بِعْثَةَ الغُرابِ الظّاهِرِ في التَّعْلِيمِ المُسْتَغْنى عَنْهُ في وقْتِهِمْ لِعَدَمِ جَهْلِهِمْ فِيهِ بِالدَّفْنِ تَأْبى ذَلِكَ ﴿ أنَّهُ ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا ﴾ واحِدَةً مِنَ النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ أيْ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ يُوجِبُ الِاقْتِصاصَ، والباءُ لِلْمُقابَلَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( قَتَلَ ) وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، أيْ مُتَعَدِّيًا ظالِمًا ﴿ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ ﴾ أيْ فَسادٍ فِيها يُوجِبُ هَدْرَ الدَّمِ كالشِّرْكِ مَثَلًا، وهو عَطْفٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ ( غَيْرِ ) والنَّفْيُ هُنا وارِدٌ عَلى التَّرْدِيدِ؛ لِأنَّ إباحَةَ القَتْلِ مَشْرُوطَةٌ بِأحَدِ ما ذُكِرَ مِنَ القَتْلِ والفَسادِ، ومِن ضَرُورَتِهِ اشْتِراطُ حُرْمَتِهِ بِانْتِفائِهِما مَعًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ أحَدِهِما ﴿ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ﴾ لِاشْتِراكِ الفِعْلَيْنِ في هَتْكِ حُرْمَةِ الدِّماءِ، والِاسْتِعْصاءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والتَّجَبُّرِ عَلى القَتْلِ في اسْتِتْباعِ القَوَدِ، واسْتِجْلابِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ هَذا التَّشْبِيهَ عِنْدَ المَقْتُولِ كَما أنَّ التَّشْبِيهَ الآتِي عِنْدَ المُسْتَنْقَذِ، والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ لِلْغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ التَّشْبِيهُ، وقُرِئَ ( أوْ فَسادًا ) بِالنَّصْبِ، بِتَقْدِيرِ: أوْ عَمِلَ فَسادًا، أوْ فَسَدَ فَسادًا.
﴿ ومَن أحْياها ﴾ أيْ تَسَبَّبَ لِبَقاءِ نَفْسٍ واحِدَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِعَدَمِ ما ذُكِرَ مِنَ القَتْلِ والفَسادِ، إمّا بِنَهْيِ قاتِلِها عَنْ قَتْلِها، أوِ اسْتِنْقاذِها مِن سائِرِ أسْبابِ الهَلَكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿ فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا ﴾ وقِيلَ: المُرادُ ومَن أعانَ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ فَكَأنَّما إلَخْ، و( ما ) في المَوْضِعَيْنِ كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِوُقُوعِ الفِعْلِ بَعْدَها و( جَمِيعًا ) حالٌ مِنَ النّاسِ، أوْ تَأْكِيدٌ، وفائِدَةُ التَّشْبِيهِ التَّرْهِيبُ والرَّدْعُ عَنْ قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ قَتْلِ جَمِيعِ النّاسِ، والتَّرْغِيبُ والتَّحْضِيضُ عَلى إحْيائِها بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ إحْياءِ جَمِيعِ النّاسِ ﴿ ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ﴾ أيِ الآياتِ الواضِحَةِ النّاطِقَةِ بِتَقْرِيرِ ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ؛ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ مُراعاتِهِ، وتَأْيِيدًا لِتَحَتُّمِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ.
والجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى ( كَتَبْنا ) وأُكِّدَتْ بِالقَسَمِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: ( ولَقَدْ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ ) إلَخْ، لِلتَّصْرِيحِ بِوُصُولِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى تَناهِيهِمْ في العُتُوِّ والمُكابَرَةِ.
﴿ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورِ مِنَ الكُتُبِ وتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالإرْسالِ، ووَضْعُ اسْمِ الإشارَةِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِ وانْتِظامِهِ - بِسَبَبِ ذَلِكَ - في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيماءِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في عِظَمِ الشَّأْنِ و( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ والِاسْتِبْعادِ ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمُسْرِفُونَ ﴾ وكَذا بَعْدُ فِيما قِيلَ، ولا تَمْنَعُ اللّامُ المُزَحْلَقَةُ مِن ذَلِكَ، والإسْرافُ في كُلِّ أمْرٍ التَّباعُدُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ مَعَ عَدَمِ مُبالاةٍ بِهِ، والمُرادُ: مُسْرِفُونَ في القَتْلِ غَيْرُ مُبالِينَ بِهِ، ولَمّا كانَ إسْرافُهم في أمْرِ القَتْلِ مُسْتَلْزِمًا لِتَفْرِيطِهِمْ في شَأْنِ الإحْياءِ وُجُودًا وعَدَمًا وكانَ هو أقْبَحَ الأمْرَيْنِ وأفْظَعَهُما اكْتُفِيَ في ذِكْرِهِ في مَقامِ التَّشْنِيعِ المَسُوقِ لَهُ الآيُ.
وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ المُرادَ: مُجاوِزُونَ حَدَّ الحَقِّ بِالشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ ما هو أعَمُّ مِنَ الإسْرافِ بِالقَتْلِ والشِّرْكِ وغَيْرِهِما، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ ﴾ لِأنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ - عَلى ما في الخازِنِ - عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهم قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وذِكْرُ ( الأرْضِ ) مَعَ أنَّ الإسْرافَ لا يَكُونُ إلّا فِيها لِلْإيذانِ بِأنَّ إسْرافَ ذَلِكَ الكَثِيرِ لَيْسَ أمْرًا مَخْصُوصًا بِهِمْ، بَلِ انْتَشَرَ شَرُّهُ في الأرْضِ وسَرى إلى غَيْرِهِمْ، ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ عِظَمَ شَأْنِ القَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ حُكْمِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ القَتْلِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الفَسادِ بِأخْذِ المالِ ونَظائِرِهِ وتَعْيِينِ مُوجِبِهِ، وأدْرَجَ فِيهِ بَيانَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ إجْمالًا مِنَ الفَسادِ المُبِيحِ لِلْقَتْلِ، فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: <div class="verse-tafsir"
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ يعني من أجل خيانة ابن آدم حين قتل أخاه كَتَبْنا يعني فرضنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ وغلّظنا وشدّدنا في التوراة أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ يعني قتل نفساً بغير أن يقتل نفساً أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ يعني بغير فساد في الأرض، وهو الشرك بالله فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً يعني إذا قتل نفساً بغير جرم واستحل قتله، فكأنه قتل الناس جميعا، يعني إذا قتل نفساً فجزاؤه جهنم خالداً فيها.
ثم قال: وَمَنْ أَحْياها يعني نجّاها من غرق أو حرق أو يعفو عن القتل فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً يعني: له من الأجر كأنما أحيا الناس جميعاً، لأن في حياة نفس واحدة يكون منفعة لجميع الناس، لأنه يدعو لجميع الخلق.
ثم قال: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ يعني بالبيان في الأمر والنهي ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ البيان فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ يعني: لمشركون تاركون لأمر الله تعالى.
قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إن للتأكيد، وما صلة يحاربون الله ورسوله، يعني يخالفون الله ورسوله، ويتركون أمر الله وأمر رسوله مجاهرة وعياناً وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً بالقتل وأخذ المال أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سبعة نفر من بني عرينة، قدموا المدينة فاجتووها.
فقال النبيّ : «لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى إِبِلِنَا وَأَصَبْتُمْ مِنْ ألْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» ففعلوا، فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم، وساروا بالإبل وارتدوا عن الإسلام، فأرسل النبيّ في آثارهم علياً، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرّة حتى ماتوا.
وهذا قبل أن تنزل آية الحدود.
وروى أسباط عن السدي قال: نزلت في سودان عرينة، فأراد النبيّ أن يمثل بهم فنهاه الله تعالى عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحد الذي أنزل عليه.
وقال سعيد بن جبير إنه مثل بهم ثم نزل بعد ذلك: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ الآية.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وادع رسول الله أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن، فمر أناس من بني كنانة يريدون الإسلام، فمروا بأصحاب أبي بردة ولم يكن أبو بردة حاضراً يومئذٍ، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم فنزلت هذه الآية: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية.
ثم صارت الآية عامة في جميع الناس.
واختلف العلماء في حكمهم وهم قطاع الطريق وهم ثلاثة أصناف: صنف يأخذ المال ولا يقتل، وصنف يأخذ المال ويقتل، وصنف يقتل ولا يأخذ المال.
قال بعضهم: إذا وجد من إنسان صنف من هذه الأصناف، فللإمام أن يقيم عليه أي عقوبات شاء، لأن الله تعالى قال: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا فقد خُيِّر في عقوبتهم، وهو قول الحسن وعطاء.
وقال بعضهم: لكل صنف عقوبة على حدة، والاختيار عند أصحابنا رحمهم الله أنه إن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن قتل وأخذ المال قطع وقتل عند أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقتل ولا يقطع.
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: إن قَتل قُتل، وإن قتل وأخذ المال قطع ثم صلب.
وروي عن ابن عباس نحو هذا.
ويكون أو بمعنى الواو، فكأنه قال: إن يقتلوا ويصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ وقال بعضهم: يقتل ثم يصلب على وجه النكال والعبرة، وقال بعضهم: يصلب حياً ثم يطعن في ليته، يخضخض حتى يموت.
قوله تعالى: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ يعني يطلب حتى لا يجد قراراً في موضع ويقال: يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ يعني يحبس فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه نفي عن الأرض.
واحتج هذا القائل بقول بعض أهل السجن في ذلك: خَرَجْنَا من الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنَ اهْلِها ...
فَلَسْنَا من الأمواتِ فيها ولاَ الأحْيَا إذا جاءنَا السَّجَّان يَوْماً لِحَاجَة ...
عَجِبْنَا وقلنا جَاءَ هذا من الدُّنْيَا ويقال: ينفى إلى دار الحرب.
ثم قال تعالى: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا يعني ذلك القتل والقطع لهم عذاب وعقوبة في الدنيا، ولا يكون ذلك كفارة لذنوبهم إن لم يتوبوا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أي أشد مما كان في الدنيا، وهو عذاب النار.
ثم استثنى فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ يعني رجعوا عن صنيعهم قبل أن يؤخذوا ويردوا المال، فلا يعاقبون في الدنيا ولا فى الآخرة، ويغفر الله تعالى لهم ذنوبهم وذلك قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور لذنوبهم رحيم حين قبل توبتهم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله: وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يحتملُ: أن يكون مِنْ قول هابيلَ لأخيه، ويحتمل:
أن يكون إخباراً من اللَّه تعالى لمحمَّد- عليه السلام-، قال الفَخْر: وقوله تعالى:
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ قال المفسرون: معناه: سَهَّلَتْ له نفسه قَتْل أخيه.
انتهى.
وقوله سبحانه: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ: أصْبَحَ: عبارةٌ عن جميعِ أوقاتِهِ، وهذا مَهْيَعُ كلامِ العرب ومنه: [المنسرح] أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَح ...
البَيْتَ «١» وقول سعد: فَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي «٢» ، إلى غير ذلك مِن استعمال العرب، ومِنْ خسرانِ قابيلَ ما صحَّ، وثبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ابن آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا» «٣» وذلك لأنه أول من سنّ القتل.
وقوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً ...
الآية: قيل: أصبح في ثاني يومٍ قتله يطلب إخفاء أَمْرِ قتله، فلم يَدْرِ ما يصنعُ به، فبعث اللَّه غراباً حيًّا إلى غرابٍ ميتٍ، فجعل يبحث
في الأرض، ويُلْقِي الترابَ على الغُرَاب الميِّت، وظاهرُ الآية أنَّ هابيلَ هو أول مَيِّتٍ من بني آدم، ولذلك جَهِلَ سُنَّة المواراةِ وكذلك حكى الطبريُّ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أَهْلِ العِلْمِ بما في الكُتُب الأَوَلِ، والسَّوْءَةُ: العورةُ، ويحتمل أن يراد الحالة التي تَسُوء النَّاظر، ثم إن قابيلَ وارى أخَاه، ونَدِمَ على ما كان منه مِنْ معصية في قَتْله، حيث لا ينفعه الندم.
واختلف العلماء في قابيلَ، هل هو مِنَ الكُفَّار أو من العُصَاة، والظاهر أنه من العُصَاة، قال الفَخْر: ولم «١» ينتفعْ قابيلُ بندمه لأن نَدَمَهُ كان لأسبابٍ منها: سَخَط أبويه وإخوته، وعدمُ انتفاعه بقتله، وَنَحْوُ ذلك، ولما كان ندمه لهذه الأسبابِ لا لأجْلِ الخَوْف من اللَّه تعالى، فلا جَرَمَ لم ينفعْهُ هذا الندَمُ.
وقوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هو إِشارة إلى ما تضمَّنته هذه القصَّة من أنواع المفاسِدِ الحاصلة بسبب القَتْل الحرامِ، لا أنه إشارة إلى قصة قابيلَ وهابيلَ.
انتهى.
وقوله سبحانه: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ...
الآية: جمهورُ النَّاس على أن قوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ: متعلِّق بقوله: كَتَبْنا أي: من أجل هذه النازلة، ومِنْ جَرَّاها كتبنا، وقالَ قومٌ: بل هو متعلِّق بقوله: مِنَ النَّادِمِينَ أي: ندم من أجل ما وقع، والوقْفُ على هذا، على ذلِكَ، والناس على أن الوَقْف مِنَ النَّادِمِينَ، ويقال: فعلْتُ ذلك مِنْ أَجْلِكَ- بفتح الهمزة- ومِنْ إجْلِكَ- بكسرها-.
وقوله سبحانه: بِغَيْرِ نَفْسٍ أي: بغير أن تَقْتُلَ نفْسٌ نفْساً، والفسادُ/ في الأرض:
يجمع الزنا، والارتداد، والحِرَابة.
وقوله سبحانه: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى:
مَنْ قتل نفساً واحدةً، وانتهك حرمتها، فهو مِثْلُ مَنْ قتل الناس جميعاٌ، ومَنْ ترك قتْلَ نفسٍ واحدةٍ، وصان حرمتها مخافَتِي، واستحياها، فهو كَمَنْ أحيا الناسَ جميعاً «٢» ، قال الحسنُ وابْنُ زيدٍ: وَمَنْ أَحْياها أي: عفا عمَّن وَجَبَ له قتلُهُ بعد القدرة «٣» ، وقيل غير هذا.
ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسُلُ بالبيِّنات في هذا وفي سواه،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أجْلِ ذَلِكَ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: مِن أجْلِ ابْنِ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ ظُلْمًا.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِن جِنايَةِ ذَلِكَ، ومِن جَرْيِ ذَلِكَ.
قالَ الشّاعِرُ: وأهْلُ خِباءٍ صالِحٌ ذاتُ بَيْنِهِمْ قَدِ احْتَرَبُوا في عاجِلٍ أنا آجِلُهُ أيْ: جانِيهِ وجارٌّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ مِن أجْلِ ذَلِكَ.
فَعَلى هَذا يَحْسُنُ الوَقْفُ هاهُنا، وعَلى الأوَّلِ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
و "كَتَبْنا" بِمَعْنى: فَرَضْنا.
ومَعْنى ﴿ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ أيْ: قَتَلَها ظُلْمًا ولَمْ تَقْتُلْ نَفْسًا.
﴿ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ ﴾ "فَسادٌ" مَنسُوقٌ عَلى "نَفْسٍ"، المَعْنى: أوْ بِغَيْرِ فَسادٍ تَسْتَحِقُّ بِهِ القَتْلَ.
وقِيلَ: أرادَ: بِالفَسادِ هاهُنا: الشِّرْكَ.
وفي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ عَلَيْهِ إثْمَ مَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ يَصْلى النّارَ بِقَتْلِ المُسْلِمِ، كَما لَوْ قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُعَذَّبُ كَما يُعَذَّبُ قاتِلُ النّاسِ جَمِيعًا.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ القِصاصِ مِثْلُ ما لَوْ قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: يَنْبَغِي لِجَمِيعِ النّاسِ أنْ يُعِينُوا ولِيَّ المَقْتُولِ حَتّى يُقِيدُوهُ مِنهُ، كَما لَوْ قَتَلَ أوْلِياءَهم جَمِيعًا، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: مَن قَتَلَ نَبِيًّا أوْ إمامًا عادِلًا، فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والقَوْلُ بِالعُمُومِ أصَحُّ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ إثْمُ قاتِلِ الواحِدِ كَإثِمِ مَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، دَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ في قَتْلِ مَن يَقْتُلُهُ بَعْدَ قَتْلِ الواحِدِ إلى أنْ يَفْنى النّاسُ؟
فالجَوابُ: أنَّ المِقْدارَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ قاتِلُ النّاسِ جَمِيعًا، مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ مَحْدُودٌ، فالَّذِي يَقْتُلُ الواحِدَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ الإثْمُ المَعْلُومُ، والَّذِي يَقْتُلُ الِاثْنَيْنِ يَلْزَمُهُ مِثْلاهُ، وكُلَّما زادَ قَتْلًا زادَهُ اللَّهُ إثْمًا، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ﴾ فالحَسَنَةُ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ مِقْدارُ ثَوابِها، فَعامِلُها يُعْطى بِمِثْلِ ذَلِكَ عَشْرَ مَرّاتٍ.
وهَذا الجَوابُ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ إنْ قالَ: إذا كانَ مَن أحْيا نَفْسًا فَلَهُ ثَوابُ مَن أحْيا النّاسَ، فَما ثَوابُ مَن أحْيا النّاسَ كُلَّهُمْ؟
هَذا كُلُّهُ مَنقُولٌ عَنِ المُفَسِّرِينَ.
والَّذِي أراهُ أنَّ التَّشْبِيهَ بِالشَّيْءِ تَقْرِيبٌ مِنهُ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إثْمُ قاتِلِ شَخْصَيْنِ كَإثْمِ قاتِلِ شَخْصٍ، وإنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بِـ"كَأنَّما"، لِأنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ مِن شَخْصٍ واحِدٍ، فالمَقْتُولُ يُتَصَوَّرُ مِنهُ نَشْرُ عَدَدِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن أحْياها ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ.
قالَ الحَسَنُ: مَن أحْياها مِن غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ أوْ هَلاكٍ.
وفي رِوايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن شَدَّ عَضُدَ نَبِيٍّ أوْ إمامٍ عادِلٍ، فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا.
والثّانِي: تَرَكَ قَتْلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.
والثّالِثُ: أنْ يَعْفُوَ أوْلِياءُ المَقْتُولِ عَنِ القِصاصِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: أنْ يَزْجُرَ عَنْ قَتْلِها ويَنْهى.
والخامِسُ: أنْ يُعِينَ الوَلِيَّ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ، لِأنَّ في القِصاصِ حَياةً، ذَكَرَهُما القاضِي أبُو يَعْلى.
وفي قَوْلِهِ ﴿ فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ ﴾ جَمِيعًا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَلَهُ أجْرُ مَن أحْيا النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: فَعَلى جَمِيعِ النّاسِ شُكْرُهُ، كَما لَوْ أحْياهم، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مِن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا الناسَ جَمِيعًا ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ جُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مِن أجْلِ ذَلِكَ ﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "كَتَبْنا"؛ أيْ: "بِسَبَبِ هَذِهِ النازِلَةِ؛ ومِن جَرّاها كَتَبْنا"؛ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِنَ النادِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: نَدِمَ مِن أجْلِ ما وقَعَ؛ والوَقْفُ - عَلى هَذا - عَلى "ذَلِكَ"؛ والناسُ عَلى أنَّ الوَقْفَ: "مِنَ النادِمِينَ"؛ يُقالُ: "أجَلَ الأمْرَ؛ أجَلًا؛ وأجْلًا"؛ إذا جَناهُ؛ وجَرَّهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ خَوّاتٍ: وأهْلِ خِباءٍ صالِحٍ ذاتُ بَيْنِهِمْ ∗∗∗ قَدِ احْتَرَبُوا في عاجِلٍ أنا آجِلُهْ ويُقالُ: "فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن أجْلِكَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ و"مِن إجْلِكَ"؛ بِكَسْرِها؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "مِنِ اجْلِ ذَلِكَ"؛ بِوَصْلِ الألِفِ؛ وكَسْرِ النُونِ قَبْلَها؛ وهَذا عَلى أنْ ألْقى حَرَكَةَ الهَمْزَةِ عَلى النُونِ؛ كَما قالُوا: "كَمِ ابِلُكَ؟"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ ووَصْلِ الألِفِ؛ و"مِنِ ابْراهِيمَ"؛ بِكَسْرِ النُونِ.
و"كَتَبْنا"؛ مَعْناهُ: كُتِبَ بِأمْرِنا في كُتُبٍ مُنَزَّلَةٍ عَلَيْهِمْ؛ تَضَمَّنَتْ فَرْضَ ذَلِكَ؛ وخَصَّ اللهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ بِالذِكْرِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَتْهم أُمَمٌ كانَ قَتْلُ النَفْسِ فِيهِمْ مَحْظُورًا؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما فِيما رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أوَّلُ أُمَّةٍ نَزَلَ الوَعِيدُ عَلَيْهِمْ في قَتْلِ النَفْسِ في كِتابٍ؛ وغُلِّظَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ طُغْيانِهِمْ؛ وسَفْكِهِمُ الدِماءَ؛ والآخَرُ لِتَلُوحَ مَذَمَّتُهم في أنْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ هَذا؛ وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَرْعَوُوُنَ؛ ولا يَنْتَهُونَ؛ بَلْ هَمُّوا بِقَتْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ظُلْمًا؛ فَخُصُّوا بِالذِكْرِ لِحُضُورِهِمْ مُخالِفِينَ لِما كُتِبَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِغَيْرِ نَفْسٍ"؛ ﴾ مَعْناهُ: بِغَيْرِ أنْ تَقْتُلَ نَفْسًا فَتَسْتَحِقَّ القَتْلَ؛ وقَدْ حَرَّمَ اللهُ تَعالى نَفْسَ المُؤْمِنِ؛ إلّا بِإحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ؛ أو زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ؛ أو قَتْلِ نَفْسٍ ظُلْمًا؛ وتَعَدِّيًا؛ وهُنا يَنْدَرِجُ المُحارِبُ.
والفَسادُ في الأرْضِ يَجْمَعُ الزِنا؛ والِارْتِدادَ؛ والحِرابَةَ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أو فَسادًا في الأرْضِ"؛ بِنَصْبِ الفَسادِ؛ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ وتَقْدِيرُهُ: "أو أتى فَسادًا"؛ أو "أحْدَثَ فَسادًا"؛ وحُذِفَ الفِعْلُ الناصِبُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا ﴾ ؛ اِضْطَرَبَ لَفْظُ المُفَسِّرِينَ في تَرْتِيبِ هَذا التَشْبِيهِ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: اَلْمَعْنى: مَن قَتَلَ نَبِيًّا؛ أو إمامَ عَدْلٍ؛ فَكَأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا؛ ومَن أحْياهُ بِأنْ شَدَّ عَضُدَهُ ونَصَرَهُ؛ فَكَأنَّما أحْيا الناسَ جَمِيعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ لا تُعْطِيهِ الألْفاظُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: اَلْمَعْنى: مَن قَتَلَ نَفْسًا واحِدَةً؛ وانْتَهَكَ حُرْمَتَها؛ فَهو مِثْلُ مَن قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا؛ ومَن تَرَكَ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ وصانَ حُرْمَتَها؛ واسْتَحْيا مِن أنْ يَقْتُلَها؛ فَهو كَمَن أحْيا الناسُ جَمِيعًا.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: اَلْمَعْنى: فَكَأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا عِنْدَ المَقْتُولِ؛ ومَن أحْياها واسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ؛ فَكَأنَّما أحْيا الناسَ جَمِيعًا عِنْدَ المُسْتَنْقَذِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وغَيْرُهُ: اَلْمَعْنى: مَن قَتَلَ نَفْسًا فَأوبَقَ نَفْسَهُ فَكَأنَّهُ قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا؛ إذْ يَصْلى النارَ بِذَلِكَ؛ ومَن سَلِمَ مِن قَتْلِها فَكَأنَّهُ سَلِمَ مِن قَتْلِ الناسِ جَمِيعًا.
وقالَ مُجاهِدٌ: اَلَّذِي يَقْتُلُ النَفْسَ المُؤْمِنَةَ مُتَعَمِّدًا جَعَلَ اللهُ جَزاءَهُ جَهَنَّمَ؛ وغَضِبَ عَلَيْهِ؛ ولَعَنَهُ؛ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا؛ يَقُولُ: لَوْ قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ؛ ومَن لَمْ يَقْتُلْ أحَدًا فَقَدْ حَيِيَ الناسُ مِنهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنى أنَّ مَن قَتَلَ نَفْسًا فَيَلْزَمُهُ مِنَ القَوَدِ والقِصاصِ ما يَلْزَمُ مَن قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا؛ قالَ: ومَن أحْياها؛ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ وجَبَ لَهُ قَتْلُهُ؛ وقالَهُ الحَسَنُ أيْضًا؛ أيْ: هو العَفْوُ بَعْدَ القُدْرَةِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: ومَن أحْياها: أنْقَذَها مِن حَرْقٍ أو غَرَقٍ.
وقالَ قَوْمٌ: لَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم يَطْلُبُونَ القاتِلَ؛ كانَ كَمَن قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مُتَداعٍ؛ ولَمْ يَتَخَلَّصِ التَشْبِيهُ إلى طَرَفٍ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ؛ والَّذِي أقُولُ: إنَّ الشَبَهَ بَيْنَ قاتِلِ النَفْسِ؛ وقاتِلِ الكُلِّ لا يَطَّرِدُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ؛ لَكِنَّ الشَبَهَ قَدْ تَحَصَّلَ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: إحْداها: اَلْقَوَدُ؛ فَإنَّهُ واحِدٌ؛ والثانِيَةُ: اَلْوَعِيدُ؛ فَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ قاتِلَ النَفْسِ بِالخُلُودِ في النارِ؛ وتِلْكَ غايَةُ العَذابِ؛ فَإنْ فَرَضْناهُ يَخْرُجُ مِنَ النارِ بَعْدُ بِسَبَبِ التَوْحِيدِ فَكَذَلِكَ قاتِلُ الجَمِيعِ إنْ لَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ؛ والثالِثَةُ انْتِهاكُ الحُرْمَةِ؛ فَإنَّ نَفْسًا واحِدَةً في ذَلِكَ؛ وجَمِيعَ الأنْفُسِ سَواءٌ؛ والمُنْتَهِكُ في واحِدَةٍ مَلْحُوظٌ بِعَيْنِ مُنْتَهِكِ الجَمِيعِ؛ ومِثالُ ذَلِكَ: رَجُلانِ حَلَفا عَلى شَجَرَتَيْنِ ألّا يَطْعَما مِن ثَمَرِهِما شَيْئًا؛ فَطَعِمَ أحَدُهُما واحِدَةً مِن ثَمَرِ شَجَرَتِهِ؛ وطَعِمَ الآخَرُ ثَمَرَ شَجَرَتِهِ كُلَّهُ؛ فَقَدِ اسْتَوَيا في الحِنْثِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَمَن أحْياها"؛ ﴾ فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ لِأنَّها عِبارَةٌ عَنِ التَرْكِ والإنْقاذِ؛ وإلّا فالإحْياءُ حَقِيقَةً؛ الَّذِي هو الِاخْتِراعُ؛ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى؛ وإنَّما هَذا الإحْياءُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ نَمْرُودَ: ﴿ "أنا أُحْيِي"؛ ﴾ سَمّى التَرْكَ إحْياءً؛ ومُحْيِي نَفْسٍ كَمُحْيِي الجَمِيعِ في حِفْظِ الحُرْمَةِ؛ واسْتِحْقاقِ الحَمْدِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم جاءَتْهُمُ الرُسُلُ مِنَ اللهِ بِالبَيِّناتِ في هَذا؛ وفي سِواهُ؛ ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الكَثِيرُ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ عَصْرٍ يُسْرِفُونَ؛ ويَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى فِعْلِ اليَهُودِ في هَمِّهِمْ بِقَتْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وغَيْرِهِ؛ إلى سائِرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بنى إسراءيل أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الارض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أحياها فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ .
يتعيّن أن يكون ﴿ من أجل ذلك ﴾ تعليلاً ل ﴿ كتبنا ﴾ ، وهو مبدأ الجملة، ويكون منتهى التي قبلها قوله: ﴿ من النّادمين ﴾ [المائدة: 31].
وليس قوله ﴿ من أجل ذلك ﴾ معلّقاً ب«النّادمين» تعليلاً له للاستغناء عنه بمفاد الفاء في قوله ﴿ فأصبح ﴾ [المائدة: 31].
و ﴿ مِن ﴾ للابتداء، والأجْل الجَرّاء والتسبّب أصله مصدر أجَلَ يأجُل ويأجِل كنصر وضرب بمعنى جَنَى واكتسب.
وقيل: هو خاصّ باكتساب الجريمة، فيكون مرادفاً لجَنَى وَجَرَم، ومنه الجناية والجريمة، غير أنّ العرب توسّعوا فأطلقوا الأجْل على المكتسب مطلقاً بعلاقة الإطلاق.
والابتداء الذي استعملت له (مِن) هنا مجازي، شُبّه سبب الشيء بابتداء صدوره، وهو مثار قولهم: إنّ من معاني (مِنْ) التعليل، فإنّ كثرة دخولها على كلمة «أجل» أحدث فيها معنى التّعليل، وكثر حذف كلمة أجل بعدها محدث فيها معنى التّعليل، كما في قول الأعشى: فآليْت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من حَفى حتّى ألاقي محمّداً واستفيد التّعليل من مفاد الجملة.
وكان التّعليل بكلمة مِن أجل أقوى منه بمجرّد اللام، ولذلك اختير هنا ليدلّ على أنّ هذه الواقعة كانت هي السّبب في تهويل أمر القتل وإظهار مثالبه.
وفي ذكر اسم الإشارة وهو خصوص ﴿ ذلك ﴾ قصدُ استيعاب جميع المذكور.
وقرأ الجمهور ﴿ منْ أجل ذلك ﴾ بسكون نون (مِن) وإظهار همزة (أجل).
وقراءة ورش عن نافع بفتح النّون وحذف همزة أجل على طريقته.
وقرأ أبو جعفر ﴿ مِننِ اجْل ذلك ﴾ بكسر نون (من) وحذففِ همزة أجل بعد نقل حركتها إلى النّون فصارت غير منطوق بها.
ومعنى ﴿ كتبنا ﴾ شرعنا كقوله ﴿ كُتب عليكم الصّيام ﴾ [البقرة: 183].
ومفعول ﴿ كتبنا ﴾ مضمون جملة ﴿ أنّه مَن قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً ﴾ .
و(أنَّ) من قوله ﴿ أنَّه ﴾ بفتح الهمزة أخت (إنّ) المكسورة الهمزة وهي تفيد المصدريّة، وضمير «أنّه» ضمير الشأن، أي كتبنا عليهم شأناً مهمّاً هو مماثلةُ قتل نفس واحدة بغير حقّ لقتل القاتل النّاسَ أجمعين.
ووجه تحصيل هذا المعنى من هذا التّركيب يتّضح ببيان موقع حرف (أنّ) المفتوح الهمزة المشدّد النّون، فهذا الحرف لا يقع في الكلام إلاّ معمولاً لعامل قبله يقتضيه، فتعيّن أنّ الجملة بعد (أنّ) بمنزلة المفرد المعمول للعامل، فلزم أنّ الجملة بعد (أنّ) مؤوّلة بمصدر يسبك، أي يؤخذ من خبر (أنّ).
وقد اتّفق علماء العربيّة على كون (أنّ) المفتوحة الهمزة المشدّدة النّون أختاً لحرف (إنّ) المكسورة الهمزة، وأنّها تفيد التّأكيد مثل أختها.
واتّفقوا على كون (أنْ) المفتوحة الهمزة من الموصولات الحَرْفيّة الخمسة الّتي يسبك مدخولها بمصدر.
وبهذا تزيد (أنّ) المفتوحة على (إنّ) المكسورة.
وخبر (أنّ) في هذه الآية جملة ﴿ من قَتل نفساً بغير نفس ﴾ الخ.
وهي مع ذلك مفسّرة لضمير الشأن.
ومفعول ﴿ كتبنا ﴾ مأخوذ من جملة الشّرط وجوابه، وتقديرُه: كتبنا مُشابهةَ قتِل نفس بغير نفس الخ بقتل النّاس أجمعين في عظيم الجرم.
وعلى هذا الوجه جرى كلام المفسّرين والنحويين.
ووقع في «لسان العرب» عن الفرّاء ما حاصله: إذا جاءت (أنّ) بعد القول وما تصرّف منه وكانت تفسيراً للقول ولم تكن حكاية له نصبتَها (أي فتحت همزتها)، مثل قولك: قد قلتُ لك كلاماً حَسناً أنّ أباك شريف، تفتَح (أنّ) لأنّها فسَّرت «كلاماً»، وهو منصوب، (أي مفعول لفعل قُلت) فمفسِّره منصوب أيضاً على المفعوليّة لأنّ البيان له إعراب المبيَّن.
فالفراء يثبت لِحرف (أنّ) معنى التفسير عِلاوة على ما يثبته له جميع النحويين من معنى المصدريّة، فصار حرف (أنّ) بالجمع بين القولين دَالاّ على معنى التّأكيد باطّراد ودالاّ معه على معنى المصدريّة تارة وعلى معنى التّفسير تارة أخرى بحسب اختلاف المقام.
ولعلّ الفرّاء ينحُو إلى أنّ حرف (أنّ) المفتوحة الهمزة مركّب من حرفين هما حرف (إنّ) المكسورة الهمزة المشدّدة النّون، وحرف (أنْ) المفتوحة الهمزة الساكنة النّون الّتي تكون تارة مصدريّة وتارة تفسيرية؛ ففتْحُ همزته لاعتبار تركيبه من (أنْ) المفتوحة الهمزة السّاكنة النّون مصدريّة أو تفسيرية، وتشديد نونه لاعتبار تركيبه من (إنّ) المكسورة الهمزة المشدّدة النّون، وأصله و(أنْ إنّ) فلمّا رُكِّبَا تداخلت حروفهما، كما قال بعض النّحويين: إن أصل (لن) (لا أنْ).
وهذا بيان أنّ قتل النّفس بغير حقّ جُرم فظيع، كفظاعة قتل النّاس كلّهم.
والمقصود التّوطئة لمشروعيّة القصاص المصرّح به في الآية الآتية ﴿ وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس ﴾ [المائدة: 45] الآية.
والمقصود من الإخبار بما كتب على بني إسرائيل بيان للمسلمين أنّ حكم القصاص شرع سالف ومراد لله قديم، لأنّ لمعرفة تاريخ الشرائع تبصرة للمتفقّهين وتطميناً لنفوس المخاطبين وإزالة لما عسى أن يعترض من الشبه في أحكام خفيتْ مصالحُها، كمشروعية القصاص، فإنّه قد يبدو للأنظار القاصرة أنّه مداواة بمثل الدّاء المتداوَى منه حتّى دعا ذلك الاشتباهُ بعضَ الأمم إلى إبطال حكم القصاص بعلّة أنّهم لا يعاقبون المذنب بذَنْب آخر، وهي غفلة دقّ مسلكها عن انحصار الارتداع عن القتل في تحقّق المُجازاة بالقتل؛ لأنّ النفوس جُبلت على حبّ البقاء وعلى حبّ إرضاء القُوّة الغضبيّة، فإذا علم عند الغضب أنّه إذا قتل فجزاؤه القتل ارتدع، وإذا طمِع في أن يكون الجزاء دون القتل أقدم على إرضاء قوّته الغضبيّة، ثُمّ علّل نفسه بأنّ ما دون القصاص يمكن الصّبر عليه والتفادي منه.
وقد كثر ذلك عند العرب وشاع في أقوالهم وأعمالهم، قال قائلهم، وهو قيس بن زهير العبسي: شَفيت النفسَ من حَمل بن بدر *** وسيفي من حُذيفة قد شَفَانِي ولذلك قال الله تعالى: ﴿ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ﴾ [البقرة: 179].
ومعنى التشبيه في قوله: ﴿ فكأنّما قتل النّاس جميعاً ﴾ حثّ جميع الأمّة على تعقّب قاتل النّفس وأخذه أينما ثقف والامتناع من إيوائِه أو الستر عليه، كلّ مخاطب على حسب مقدرته وبقدر بسطة يده في الأرض، من ولاة الأمور إلى عامّة النّاس.
فالمقصود من ذلك التشبيه تهويل القتل وليس المقصود أنّه قد قتل النّاس جميعاً، ألا ترى أنّه قابل للعفو من خصوص أولياء الدم دون بقية النّاس.
على أنّ فيه معنى نفسانياً جليلاً، وهو أنّ الداعي الّذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني النّاشئ عن الغضب وحبّ الانتقام على دواعي احترام الحقّ وزجر النّفس والنظر في عواقب الفعل من نُظم العالم، فالّذي كان من حيلته ترجيحُ ذلك الدّاعي الطفيف على جملة هذه المعاني الشّريفة فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دَوْماً إلى هضم الحقوق، فكلّما سنحت له الفرصة قَتل، ولو دعته أن يقتل النّاس جميعاً لفعل.
ولك أن تجعل المقصد من التشبيه توجيه حكم القصاص وحقّيّته، وأنّه منظور فيه لحقّ المقتول بحيث لو تمكّن لما رضي إلاّ بجزاء قاتله بمثل جرمه؛ فلا يتعجّب أحد من حكم القصاص قائلاً: كيف نصلح العالم بمثل ما فسد به، وكيف نداوي الداء بداء آخر، فبُيّن لهم أنّ قاتل النّفس عند وليّ المقتول كأنّما قتل النّاس جميعاً.
وقد ذُكرتْ وجوه في بيان معنى التشبيه لا يقبلها النّظر.
ومعنى ﴿ ومن أحياها ﴾ من استنقذها من الموت، لظهور أنّ الإحياء بعد الموت ليس من مقدور النّاس، أي ومن اهتمّ باستنقاذها والذبّ عنها فكأنّما أحيى الناس جميعاً بذلك التّوجيه الّذي بيّنّاه آنفاً، أو من غلَّب وازع الشرع والحكمة على داعي الغضب والشهوة فانكفّ عن القتل عند الغضب.
﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِى الارض لَمُسْرِفُونَ ﴾ .
تذييل لحكم شرع القصاص على بني إسرائيل، وهو خبر مستعمل كناية عن إعراضهم عن الشريعة، وأنّهم مع ما شدّد عليهم في شأن القتل ولم يزالوا يقتلون، كما أشعر به قوله ﴿ بعد ذلك ﴾ ، أي بعد أن جاءتهم رسلنا بالبيّنات.
ٍ وحذف متعلِّق «مسرفون» لقصد التّعميم.
والمراد مسرفون في المفاسد الّتي منها قتل الأنفس بقرينة قوله: ﴿ في الأرض ﴾ ، فقد كثر في استعمال القرآن ذكر ﴿ في الأرض ﴾ [البقرة: 60] مع ذكر الإفساد.
وجملة ﴿ ثمّ إنّ كثيراً منهم ﴾ عطف على جملة ﴿ ولقد جاءتهم رسلنا بالبيّنات ﴾ .
و(ثُمّ) للتراخي في الرتبة، لأنّ مجيء الرّسل بالبيّنات شأن عجيب، والإسراف في الأرض بعد تلك البيّنات أعجب.
وذِكر ﴿ في الأرض ﴾ لتصوير هذا الإسراف عند السامع وتفظيعه، كما في قوله تعالى: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ [الأعراف: 56].
وتقديم ﴿ في الأرض ﴾ للاهتمام وهو يفيد زيادة تفظيع الإسراف فيها مع أهميّة شأنَها.
وقرأ الجمهور ﴿ رسُلنا ﴾ بضمّ السّين.
وقرأه أبو عمرو ويعقوب بإسْكان السّين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أجْلِ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي مِن أجْلِ أنَّ ابْنَ آدَمَ قَتَلَ أخاهُ ظُلْمًا.
﴿ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي مَن قَتَلَ نَفْسًا ظُلْمًا بِغَيْرِ نَفْسٍ قُتِلَتْ، فَيُقْتَلُ قِصاصًا، أوْ فَسادٍ في الأرْضِ اسْتَحَقَّتْ بِهِ القَتْلَ، الفَسادُ في الأرْضِ يَكُونُ بِالحَرْبِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإخافَةِ السَّبِيلِ.
﴿ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَن قَتَلَ نَبِيًّا أوْ إمامَ عَدْلٍ، فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن شَدَّ عَلى يَدِ نَبِيٍّ أوْ إمامِ عَدْلٍ، فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ المَقْتُولِ، ومَن أحْياها فاسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ، فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ المُسْتَنْقِذِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّ قاتِلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ القَوَدِ والقَصاصِ مِثْلُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن أحْياها بِالعَفْوِ عَنِ القاتِلِ، أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما لَوْ أحْيا النّاسَ جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وأبِيهِ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ قاتِلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ يَصْلى النّارَ كَما يَصْلاها لَوْ قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن أحْياها، يَعْنِي سَلِمَ مِن قَتْلِها، [فَكَأنَّما] سَلِمَ مِن قَتْلِ النّاسِ جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والخامِسُ: أنَّ عَلى جَمِيعِ النّاسِ (جِنايَةُ القَتْلِ كَما لَوْ قَتَلَهم جَمِيعًا، ومَن أحْياها بِإنْجائِها مِن غَرَقٍ أوْ حَرَقٍ أوْ هَلَكَةٍ، فَعَلَيْهِمْ شُكْرُهُ كَما لَوْ أحْياهم جَمِيعًا.
والسّادِسُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَظَّمَ أجْرَها ووِزْرَها فَإحْياؤُها [يَكُونُ] بِمالِكَ أوْ عَفْوِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدٌ ومِيثاقٌ فَنَقَضُوا العَهْدَ وأفْسَدُوا في الأرْضِ، فَعَرَّفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ الحُكْمَ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في العُرَنِيِّينَ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ وقَتَلُوا راعِيَ النَّبِيِّ واسْتاقُوا إبِلَهُ، وهَذا قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِحُكْمِ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وسَعى في الأرْضِ فَسادًا.
واخْتُلِفَ في المُسْتَحِقِّ اسْمَ المُحارِبِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الزِّنى والقَتْلُ والسَّرِقَةُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ المُجاهِرُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ والمُكابِرُ بِاللُّصُوصِيَّةِ في المِصْرِ وغَيْرِهِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُجاهِرُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ دُونَ المُكابِرِ في المِصْرِ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ.
﴿ أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ جَعَلَ اللَّهُ هَذا حُكْمَ المُحارِبِ، وفِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّها عَلى التَّخْيِيرِ وأنَّ الإمامَ فِيهِمْ بِالخِيارِ بَيْنَ أنْ يَقْتُلَ أوْ يَصْلِبَ أوْ يَقْطَعَ أوْ يَنْفِيَ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وإبْراهِيمَ.
والثّانِي: أنَّها مَرْتَبَةٌ تَخْتَلِفُ عَلى قَدْرِ اخْتِلافِ الأفْعالِ: أنْ يُقْتَلُوا إذا قَتَلُوا، أوْ يُصْلَبُوا إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، أوْ تُقْطَعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
وَرَوى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ «أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ كَتَبَ إلى أنَسِ بْنِ مالِكٍ يَسْألُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْسٌ يُخْبِرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُولَئِكَ العُرَنِيِّينَ وهم مِن بَجِيلَةَ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ جِبْرِيلَ عَنِ القِصاصِ فِيمَن حارَبَ، فَقالَ: مَن سَرَقَ وأخافَ السَّبِيلَ فاقْطَعْ يَدَهُ لِسَرِقَتِهِ ورِجْلَهُ لِإخافَتِهِ، ومَن قَتَلَ فاقْتُلْهُ، ومَن قَتَلَ وأخافَ السَّبِيلَ واسْتَحَلَّ الفَرْجَ فاصْلُبْهُ.
» أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَفْيُهم وإبْعادُهم مِن بِلادِ الإسْلامِ إلى بِلادِ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُ أنَسٍ: والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والزُّهْرِيِّ، والضِّحّاكِ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: أنَّهُ إخْراجُهم مِن مَدِينَةٍ إلى أُخْرى، وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحَبْسُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.
والرّابِعُ: هو أنْ يَطْلُبُوا لِتُقامَ الحُدُودُ عَلَيْهِمْ فَيُبْعَدُوا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والشّافِعِيِّ، واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ، أحَدُها: إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن شِرْكِهِمْ وسَعْيِهِمْ في الأرْضِ فَسادًا بِإسْلامِهِمْ، فَأمّا المُسْلِمُونَ فَلا تَسْقُطُ التَّوْبَةُ عَنْهم حَدًّا وجَبَ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
الثّانِي: إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنَ المُسْلِمِينَ المُحارِبِينَ بِأمانٍ مِنَ الإمامِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَأمّا التّائِبُ بِغَيْرِ أمانٍ فَلا، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والشَّعْبِيِّ، ورَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ خارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ خَرَجَ مُحارِبًا فَأخافَ السَّبِيلَ، وسَفَكَ الدِّماءَ، وأخَذَ الأمْوالَ، وجاءَ تائِبًا مِن قَبْلِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَقَبِلَ عَلِيٌّ تَوْبَتَهُ وجَعَلَ لَهُ أمانًا مَنشُورًا عَلى ما كانَ أصابَ مِن دَمٍ ومالٍ.
والثّالِثُ: إلّا الَّذِينَ تابُوا بَعْدَ أنْ لَحِقُوا بِدارِ الحَرْبِ وإنْ كانَ مُسْلِمًا ثُمَّ جاءَ تائِبًا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
والرّابِعُ: إنْ كانَ في دارِ الإسْلامِ في مَنَعَةٍ ولَهُ فِئَةٌ يَلْجَأُ إلَيْها وتابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَمْتَنِعُ بِها [وَتابَ] لَمْ [تُسْقِطْ] عَنْهُ تَوْبَتُهُ شَيْئًا مِن عُقُوبَتِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، ورَبِيعَةَ، والحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ.
والخامِسُ: أنَّ تَوْبَتَهُ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ تَضَعُ عَنْهُ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى دُونَ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
والسّادِسُ: أنَّ تَوْبَتَهُ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ تَضَعُ عَنْهُ سائِرَ الحُقُوقِ والحُدُودِ إلّا الدِّماءَ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلماً.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ عند المقتول يقول: في الإثم ﴿ ومن أحياها ﴾ فاستنقذها من هلكة ﴿ فكأنما أحيا الناس جميعاً ﴾ عند المستنفذ.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ قال: أوبق نفسه كما لو قتل الناس جميعاً وفي قوله: ﴿ من أحياها ﴾ قال: من سلم من قتلها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: احياؤها أن لا يقتل نفساً حرمها الله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: من قتل نبياً، أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعاً.
وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: جئت لأنصرك.
فقال: يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل الناس جميعاً وإيار معهم؟
قلت: لا.
قال: فإنك إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قتلت الناس جميعاً، فانصرف.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ قال: هذه مثل التي في سورة النساء ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ﴾ [ النساء: 93] يقول: لو قتل الناس جميعاً لم يزد على مثل ذلك العذاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ من قتل نفساً بغير نفس...
فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ قال: في الوزر ﴿ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ﴾ قال: في الأجر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن أحياها ﴾ قال: من أنجاها من غرق أو حرق أو هدم أو هلكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ومن أحياها ﴾ قال: من قتل حميم فعفا عنه فكأنما أحيا الناس جميعاً.
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قيل له في هذه الآية: أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟
قال: اي والذي لا إله غيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا ﴾ الآية.
الأجل في اللغة: الجناية، يقال: أجَلَ عليهم شرًّا بأجله أجْلًا، إذا جنى عليهم جناية.
ذكره ابن السكيت (١) (٢) (٣) وأهلِ خِباءٍ (٤) (٥) أي: أنا جانيه (٦) (٧) قال الزجاج: من جنايته ذلك (٨) وقال ابن الأنباري: من سبب ذلك.
قال: ويقال: فعلت ذلك من أجلك ومن جلالك ومن جلك وجرّاك وجرائك (٩) واختلفوا في قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴾ ، فقال بعضهم: إنه من صلة النادمين، على معنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك، أي من أجل أنه حين قتل أخاه لم يواره (١٠) ويُروَى عن نافع أنه كان يقف على قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴾ ويجعله من تمام الكلام الأول (١١) وعامة المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴾ ابتداء كلام، وليس بمتصل بما قبله (١٢) واحتج ابن الأنباري لهذا بأن قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴾ رأس آية، ورأس الآية فصل.
قال: ولأنه قد تقدم ما كشف علة الندم فاستغنى النادمون عن: (من أجل ذلك).
قال: ولأن من (جعله من صلة للندم أسقط العلة للكتابة، ومن (١٣) (١٤) وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية عطاء: بسبب قابيل قضينا على (١٥) (١٦) وقال الكلبي: من أجل ابني آدم حين قتل أحدهما صاحبه فرضنا على بني إسرائيل (١٧) ﴿ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ .
قال ابن عباس: بغير قود (١٨) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال الكلبي: أو شرك في الأرض (١٩) وقال غيره: يعني بالفساد في الأرض أن يكون محاربًا لله ورسوله، كالذين ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية (٢٠) قال الزجاج: ﴿ أَوْ فَسَادٍ ﴾ منسوق على نفس، المعنى: أو بغير فساد في الأرض (٢١) وقوله تعالى: ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ .
قال مجاهد: من قتل نفسًّا محرمة يَصلى النار بقتلها كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا (٢٢) ونحو هذا قال الكلبي فقال: يعذب عليها كما أنه لو قتل الناس كلهم (٢٣) وقال الحسن وابن زيد: يعني أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعًا (٢٤) وحكى الزجاج: عن بعضهم أن المعنى فيه أن المؤمنين كلهم خصماء للقاتل، وقد وَتَرهم وَتر من قصد لقتلهم جميعًا (٢٥) وهذا اختيار ابن الأنباري، وزاد من عنده وجهًا آخر فقال: المقدار الذي يستحقه قاتل الناس جميعًا معلوم عند الله عز وجل محدود، (فالذي يقتل الواحد يلزمه الله ذلك الإثم المعلوم) (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ .
قال الكلبي: من عفا عن رجل قتل رجلاً خطأ وجبت له الجنة، كما لو عفا عن الناس جميعًا، وذلك أنه كتب عليهم في التوراة: أيما رجل قتل رجلاً خطأ فهو له قود إلا أن يشاء الولي أن يعفو (٢٨) وقال الحسن: عفا عن دمها وقد وجب القود عليها (٢٩) وهذا كقول الكلبي، وهو قول ابن زيد أيضًا (٣٠) وقال الزجاج: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾ أي من استنقذها من غرق أو حرق أو هدم أو ما يميت لا محالة، أو استنقذها (٣١) ﴿ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ أي أجره على الله عزّ وجلّ أجر من أحياهم أجمعين؛ (لأنه في إسدائه (٣٢) (٣٣) وروى ابن الأنباري هذا القول عن مجاهد بإسناد له (٣٤) وقال سعيد بن جبير: في هذه الآية: من استحل قتل نفس فهو كذلك في دماء الناس لا يتحرم لها، ومن أحياها مخافة من الله وتحرجًا من قتلها فكذلك يرى دماء الناس كلهم حرامًا (٣٥) وهذا كما يُروى عن قتادة والضحاك أنهما قالا في هذه الآية: عظم الله أجرها وعظم وزرها، فمن استحل قتل مسلم بغير حقه، فكأنما قتل الناس أجمعين؛ لأنهم لا يَسْلمون منه، ومن أحياها فحرمها وتورعّ عن قتلها، فكأنما أحيا الناس جميعاً لسلامتهم منه (٣٦) قال أهل المعاني: قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾ على المجاز؛ لأن المعنى: ومن نجا بها من الهلاك، والفاعل للحياة هو الله عزّ وجلّ (٣٧) (٣٨) وسئل الحسن عن هذه الآية فقيل: أهي كما كانت لبني إسرائيل؟
قال: إي والذي لا إله غيره وما جعل دماء بني إسرائيل (أكرم (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ .
قال ابن عباس: بان لهم صدق ما جاءوهم به من الفرائض والحلال والحرام (٤١) وقال الكلبي: أي بالبيان في أن ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ الآية (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ .
أي: مجاوزون حد الحق (٤٣) قال الكلبي: بالشرك (٤٤) وقال غيره: بالقتل (٤٥) (١) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 125 (أجل).
(٢) في "مجاز القرآن" 1/ 162.
(٣) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 168.
(٤) في (ش): جناء.
(٥) البيت لزُهير بن أبي سُلمى.
انظر: "أشعار الستة الجاهليين" ص 303، "الدر المصون" 4/ 247، وينسب لخوات بن جبير كما في "معاني الزجاج" 2/ 168، "تهذيب اللغة" 1/ 125، واستشهد به أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 163، والطبري في "تفسيره" 6/ 200.
(٦) "مجاز القرآن" 1/ 164، "معاني الزجاج" 2/ 168، "تهذيب اللغة" 1/ 125 (أجل)، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 200.
(٧) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 162، 164، والطبري في "تفسيره" 6/ 200.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 168.
(٩) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 125 (أجل).
(١٠) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 168، "النكت والعيون" 2/ 31، "زاد المسير" 2/ 340، "البحر المحيط" 3/ 468.
(١١) انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 286، والمُكتفى في "الوقف والإبتداء" ص 238، 239.
(١٢) وهذا هو الراجح.
انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 200، "معاني الزجاج" 2/ 168، "إيضاح الوقوف والابتداء" 2/ 617، 618، "القطع والائتناف" ص 286، "زاد المسير" 2/ 340، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 146، "البحر المحيط" 3/ 468، "الدر المصون" 4/ 248.
(١٣) ما بين القوسين ساقط من (ش).
(١٤) انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 617، 618.
(١٥) في (ج): (إلي).
(١٦) لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.
(١٧) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113، وورد نحوه عن الضحاك، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 200 (١٨) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرج الطبري عنه في تفسير هذه الآية: يقول من قتل نفسًّا واحدة حرمتها.
"جامع البيان" 6/ 200.
(١٩) انظر: "زاد المسير" 2/ 340، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.
(٢٠) انظر: "النكت والعيون" 2/ 31، والبغوي في "تفسيره" 3/ 46، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 146.
(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 168.
(٢٢) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 202، وذكره بلفظه البغوي في "تفسيره" 3/ 46، وانظر: "زاد المسير" 2/ 340.
(٢٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.
(٢٤) أخرجه عن ابن زيد: الطبري في "تفسيره" 6/ 202 - 203، وذكره عنه الماورد في "النكت والعيون" 2/ 32، أما الحسن فذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 47 وانظر: "زاد المسير" 2/ 340، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 54.
(٢٥) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 168، 169 حسب المطبوع، فبقية الكلام يحتمل له أو للمؤلف.
(٢٦) ما بين القوسين مكرر في (ش).
(٢٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 341.
(٢٨) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 465، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 13.
(٢٩) "تفسير الهواري" 1/ 466، وأخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 203، وانظر "النكت والعيون" 2/ 32، "زاد المسير" 2/ 243.
(٣٠) أخرج الأثر عنه الطبري في "تفسيره" 6/ 203، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 32، "زاد المسير" 2/ 342.
وقال بهذا أيضًا ابن قتيبة، انظر: "غريب القرآن" ص 140.
(٣١) في (ج): (واستنقذها)، وما أثبته موافق لما في "معاني الزجاج" 2/ 169، وهو أولى.
(٣٢) عند الزجاج: وجائز أن يكون في إسدائه.
(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 169، وذكر نحو هذا القول عن الحسن.
انظر: "تفسير الهواري" 1/ 466.
(٣٤) أخرج الطبري في "تفسيره" عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: من أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة، وفي رواية: من غرق أو حرق أو هدم.
"جامع البيان" 6/ 203، وانظر: "زاد المسير" 2/ 342.
(٣٥) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 862، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 55.
(٣٦) أخرج الأثر بمعناه عنهما الطبري في "تفسيره" 6/ 203 - 204، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 32، والبغوي في "تفسيره" 3/ 47.
(٣٧) في (ش): (تعالى).
(٣٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 204.
(٣٩) ساقط من (ج).
(٤٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 204، وأورده البغوي في "تفسيره" 3/ 47، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 54.
(٤١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.
(٤٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 342.
(٤٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 205.
(٤٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.
(٤٥) انظر: "التفسير الكبير" 11/ 213.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك ﴾ يتعلق بكتبنا، وقيل بالنادمين، وهو ضعيف ﴿ كَتَبْنَا على بني إسرائيل ﴾ أي فرضنا عليهم أو كتبناه في كتبهم ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ معناه من غير أن يقتل نفساً يجب عليه القصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض ﴾ يعني الفساد الذي يجب به القتل كالحرابة ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً ﴾ تمثيل؛ قاتل الواحد بقاتل الجميع يتصور من ثلاث جهات إحداها: القصاص، فإن القصاص في قاتل الواحد والجميع سواء.
الثانية: انتهاك الحرمة والإقدام على العصيان، والثالثة: الإثم والعذاب الأخروي.
قال مجاهد: وعد الله قاتل النفس بجهنم والخلود فيها، والغضب واللعنة والعذاب العظيم، فلو قتل جميع الناس لم يزد على ذلك، وهذا الوجه هو الأظهر؛ لأن القصد بالآية: تعظيم قتل النفس والتشديد فيه لينزجر الناس عنه، وكذلك الثواب في إحيائها؛ كثواب إحياء الجميع لتعظيم الأمر والترغيب فيه.
وإحياؤها: هو إنقاذها من الموت؛ كإنقاذ الحريق أو الغريق وشبه ذلك.
وقيل: بترك قتلها، وقيل: بالعفو إذ وجب القصاص ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ ﴾ الضمير لبني إسرائيل.
والمعنى تقبيح أفعالهم، وفي ذلك إشارة إلى ما هموا به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لأقتلنك ﴾ بالنون الخفيفة.
روى المعدّل عن زيد ﴿ يدي إليك ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع.
﴿ من أجل ﴾ بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿ رسلنا ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿ اتل ﴾ وهو محال ﴿ من الآخر ﴾ ط ﴿ لأقتلنك ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ لأقتلك ﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء.
﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ ه ج لأجل الفاء ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ سوأة أخيه ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه ﴿ النادمين ﴾ ه ج ﴿ من أجل ذلك ﴾ ج كذلك لأنّ قوله: ﴿ من أجل ﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿ أصبح ﴾ وبـ ﴿ كتبنا ﴾ .
﴿ جميعاً ﴾ في الموضعين ط.
﴿ بالبينات ﴾ ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ لمسرفون ﴾ ه ﴿ من الأرض ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا عليهم ﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام ﴿ أليم ﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يتوب عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ فكأنه ذكر لأجل تسلية نبيّه قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان.
ومنها أنه عائد إلى قوله: ﴿ يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة.
ومنها أنه من تمام قوله: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل.
والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله ، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد.
أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿ إذ قربا ﴾ قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله من ذبيحة أو صدقة.
يروى أنّ آدم كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا.
وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك.
فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه.
فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً.
هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه.
قال مجاهد: أكل النار علامة الرد.
وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول.
وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.
وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال حكاية عن المحق في جواب المبطل: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله التي هي السبب في القبول؟
قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع.
وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل.
وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟
قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً.
فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.
ثم حكى الله عن المظلوم أنه قال: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ﴾ فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة.
قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع.
قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك.
ثم قال: ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ ؟
فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.
وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.
وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي.
سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟
والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة.
أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله عقاب الظالم.
وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً.
﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله.
ومنهم من قال: شجعته فقتله.
والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع.
وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه.
يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه.
ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات.
وعن النبي أنه قال: " "لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" ولذلك أنه أوّل من سن القتل ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً.
قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها.
فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار.
وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء.
وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.
وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً.
فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك.
ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة.
وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد ولهذا أثنى الله عليه بقوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال.
قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً.
روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب.
وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله كيف يكرمه بعد موته ندم.
وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه ﴿ ليريه ﴾ أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه ﴿ كيف يواري ﴾ محله نصب على الحال من ضمير ﴿ يواري ﴾ والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده.
وقيل: أي جيفة أخيه.
والسوأة السوء الخلة القبيحة ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة عذاب.
يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم.
وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك.
والألف بدل من ياء المتكلم ﴿ أعجزت ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ أن أكون ﴾ أي عن أن أكون ﴿ مثل هذا الغراب ﴾ أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: ﴿ فأواري ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام ﴿ من النادمين ﴾ الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس.
وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم *** ﴿ من أجل ذلك ﴾ القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه ﴿ كتبنا على بني إسرائيل ﴾ إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل.
والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله في الواقعة التي عزموا فيها على قتله.
ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ من أجل ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد.
ويعمل منه امتناع كونه خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد.
والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال.
والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً.
﴿ بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص.
﴿ أو فساد ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على ﴿ نفس ﴾ بمعنى أو بغير فساد ﴿ في الأرض ﴾ كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل.
فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.
والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر.
وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ﴿ ومن أحياها ﴾ استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل ﴿ ثم إنّ كثيراً منهم ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد مجيء الرسل ﴿ لمسرفون ﴾ في القتل لا يبالون بهتك حرمة.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة.
ثم إنه بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة.
ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف.
والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى.
لأنّ افساد نوع من السعي.
عن قتادة عن أنس "أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله واستاقوا الذود، فبعث رسول الله في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" فكانت الآية ناسخة لتلك السنة.
وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة.
وقيل: "نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم" .
وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل.
وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء.
قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام.
وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه.
واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص.
وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق.
وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف.
فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى.
وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون.
والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي.
فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ.
والتشديد في هذه الأفعال للتكثير.
﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو.
وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين ﴿ من خلاف ﴾ أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان.
قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة.
قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب.
وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر.
وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي.
قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب.
وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص.
وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام.
وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك.
وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة.
أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً.
فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.
والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس.
وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ﴿ ذلك لهم خزي ﴾ ذل وفضيحة ﴿ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط.
وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه.
قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.
والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله في الزنا ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ﴾ وفي السرقة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴾ ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل.
فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل.
وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل.
وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق.
والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود.
ثم إنه لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله.
والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: ألا كل ذي لب إلى الله واسل *** والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته.
وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات.
ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: ﴿ وجاهدوا في سبيله ﴾ والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين.
ثم قال: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية.
ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ﴾ أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت ﴿ من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران.
وعن النبي : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟
فيقول: نعم.
فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك" ﴿ يريدون أن يخرجوا ﴾ أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك.
قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.
وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم.
عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة.
ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها.
وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: ﴿ فاقطعوا ﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما.
وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: ﴿ وربك فكبر ﴾ وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل.
والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله : ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء.
أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين.
وأيضاً الخطاب في: ﴿ فاقطعوا ﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة.
وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب.
أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق.
والمراد بالأيدي اليدان مثل: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى.
واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع.
والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً.
ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير.
وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.
ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته.
وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير.
وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.
ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا.
واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق.
وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً.
ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه قال: "لا/ قطع إلاّ في ربع دينار" وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه قال: " "لا قطع إلا في ثمن المجن" والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك.
وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.
وعن الحسن: درهم.
وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم".
ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز.
فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع.
ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير.
ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً.
والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف.
ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه.
وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع.
وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب.
ومنها كون المال محرزاً لقوله : "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" وحرز كل شيء على حسب حاله.
فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.
والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن.
وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال.
وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد.
وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره.
وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين.
ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع.
وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان.
حجة الشافعي أن قوله : " "على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان.
وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق.
حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة.
ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً.
أما كيفية القطع فقد روي أنه أتى بسارق فقطع يمينه.
قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك.
وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة.
واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم.
والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة.
واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.
وانتصاب ﴿ جزاء ﴾ و ﴿ نكالاً ﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿ اقطعوا ﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: ﴿ فاقطعوا ﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿ جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴾ .
﴿ فمن تاب ﴾ من السراق ﴿ من بعد ظلمه ﴾ أي سرقته ﴿ وأصلح ﴾ أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً.
وعند الجمهور لا تسقط.
وباقي الآيات قد مر تفسيره.
وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة.
التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.
وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية.
فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿ فتبوء بإثمي وإثمك ﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي.
فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿ فبعث الله غراباً ﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها.
وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿ في الأرض لمسرفون ﴾ أي في أرض البشرية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون ﴾ أولياء الله ﴿ أن يقتلوا ﴾ بسكين الخذلان ﴿ أو يصلبوا ﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿ أو تقطع أيديهم ﴾ عن أذيال الوصال ﴿ وأرجلهم من خلاف ﴾ عن الاختلاف ﴿ أو ينفوا ﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿ السارق والسارقة ﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ الآن في عالم الصورة ﴿ نكالاً من الله ﴾ تقديراً منه في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً ﴾ [قال الحسن وغيره: لم يكونا ابني آدم من صلبه، ولكن كانا رجلين من بني إسرائيل قربا قرباناً]؛ فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل قربان الآخر، وإن نسبهما إلى آدم؛ لأن كل البشر ولد آدم ينسب إليه، كقوله - -: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ ﴾ افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، ليس يريد به ولد آدم لصلبه، ولكن البشر كله؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وأمَّا ابن عباس - - والكلبي وغيرهما من أهل التأويل: فإنهم قالوا: "إنهما كانا ابني آدم لصلبه: أحدهما يسمى قابيل، والآخر هابيل، وكان [لكل] واحد منهما أخت ولدت معه في بطن واحد، وكانت إحداهما جميلة، والأخرى دميمة، فأراد كل واحد منهما نكاح الجميلة منهما، فتنازعا في ذلك؛ فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نقرب قرباناً، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها، وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها، فقربا قربانهما، فقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل؛ فحسده؛ فهم أن يقتله؛ فذلك قوله - -: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، ولكن لا ندري كيف [كانت] وفيما كانت القصة؟
وكانا ابني آدم لصلبه، أو لم يكونا، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة، إنما الحاجة في هذا إلى معرفة ما فيه من الحكمة والعلم؛ ليعلم ذلك ويعمل به، فهو - والله أعلم - ما ذكر - عز وجل - فيما تقدم من قوله : ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ فكأن هذا - أعني: نبأ ابني آدم - كان في كتبهم؛ فأمر - عز وجل - رسوله أن يتلو عليهم ذلك على ما كان، ويبين لهم ما في كتبهم؛ لأنه قال: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ و ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لا بأحد من البشر؛ لأنه إنما بعث عند دروس آثار الرسل، وانقطاع العلوم، فبين لهم واحداً بعد واحد، ففيه دليل إثبات رسالة [سيدنا] محمد .
وسورة المائدة كان أكثرها نزلت في مخاطبة أهل الكتاب؛ لأنه يقول في غير موضع: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ و ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ يدعوهم إلى الإيمان بالرسل، ونزل سورة الأنعام في مخاطبة أهل الشرك؛ لأن فيها دعاء إلى التوحيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ على ما نزل.
ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ المعلوم المعروف على ما كانوا؛ ليعلموا أنه بالله علم، وأنه علم سماوي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: يحتمل: إنما يتقبل الله قربان من اتقى الشرك، لا يتقبل قربان من لم يتق، وإلى هذا يذهب الحسن، وقال: كانا رجلين من بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر منافق، فتنازعا في شيء فقربا ليعلم المحق منهما، فتقبل من المؤمن ولم يتقبل من الآخر.
وقال أبو بكر الأصم: كانا رجلين مصدقين؛ لأن الكافر لا يقرب القربان، لكن أحدهما كان أتقى قلباً فتقبل قربانه، والآخر لا فلم يتقبل قربانه، والتقوى شرط في قبول القرابين وغيرها من القرب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وقوله: والكافر لا يقرب القربان، يقال: قد يقرب لما يدعي من الدين أن الذي هو عليه حق؛ ليظهر المحق منهم؛ ألا ترى أنه يَدَّعُون أن [فيهم] من هو أحق بالرسالة من محمد صلى الله عليهم وسلم بقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ، وغير ذلك [من] أباطيل قالوها، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ .
قال بعض الناس: إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أولئك، لا ينبغي لمن أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم؛ حيث قال له: ﴿ لأَقْتُلَنَّكَ ﴾ ، فقال له الآخر: ﴿ مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ ، واحتجوا في ذلك بأخبار رويت: روي عن أبي موسى الأشعري، كان رسول الله يقول: "إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَهُمَا فِي النَّارِ، فقيل: يا رسول الله، أرأيت المقتول؟!
فقال: إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ" وعن سعد بن مالك قال: قال رسول الله : "إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْداً للهِ، وَلاَ تَقْتُل أَحَداً مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ فَافْعَلْ" وعن الحسن - - قال: قال رسول الله : "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَرَبَا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلاً، فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا" وعن أبي ذر - - قال: قال رسول الله : "كَيْفَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ بِغَيْرِ حِجَارَةٍ؟
قال: قلت: ألبس سلاحي، قال: شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذَنْ قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله؟
قال: إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ، يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ" يحتجون بمثل هذه الأخبار.
وقال آخرون: له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه بالله، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتدئه بالقتل؛ استدلالاً بما أمر الله - - بقتال أهل البغي؛ كقوله - -: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم الله به من قتال البغاة؛ لأن الله - - قال: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ، على أن قتال المشركين كان محظوراً في أول مبعث النبي وقبل ذلك بأوقات، وقالوا: فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره الله في هذه الآية كان قتال المشركين وتجريد السيف فيه محظوراً، فأذن الله في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر الله [به] من قتال البغاة والمشركين، والله أعلم.
وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها: فإن ذلك، - والله أعلم - ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن، وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة؛ لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ، فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار.
وأما إذا كان للناس إمام هدى: فقد عقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظلمة، فقتالهم واجب؛ اتباعاً لعلي - - ومن حارب معه من أصحاب رسول الله أَهْلَ البغي والخوارج، فأما قتال الخوارج: فهو كالإجماع؛ لأن جميع الطوائف قد حاربوهم، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول الله ؛ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم بقتله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ : أن ترجع بإثمي بقتلك إياي، وإثمك الذي عملته قبل قتلي.
قال القتبي: ﴿ بِإِثْمِي ﴾ : أن تقتلني، ﴿ وَإِثْمِكَ ﴾ : ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة.
وقال الحسن: ترجع ﴿ بِإِثْمِي ﴾ بقتلك إياي، ﴿ وَإِثْمِكَ ﴾ يعني: الكفر الذي كان عليه؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافراً فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ : يجوز أن يتكلم بالإرادة على غير تحقيق الفعل؛ كقول القائل: أريد أن أسقط من السطح، وهو لا يريد سقوطه منه؛ وكقوله: ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾ والجدار لا فعل له، فإذا جاز إضافة الإرادة إلى من لا فعل يكون منه؛ دل أنه ليس على حقيقة الفعل، ولكن على ما يقع أنه يكون كذلك، ويئول أمره إلى ذلك.
أو أراد أن يبوء بإثمه لما علم منه أنه يقتله لا محالة، ويعصي ربه، أراد أن يبوء بإثمه؛ وذلك جائز، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ : قال القتبي: أي شايعته، وانقادت له.
وقال أبو عوسجة: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ﴾ : أي: أمرته وزينت له.
وقال مجاهد: أي: شجعته وأعانته، وكله يرجع إلى واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أصبح تائباً؛ لأن الندامة توبة، وذلك أن من أذنب ذنباً فندم عليه كان ذلك منه توبة، فإن لم يكن توبة فتأويل قوله: ﴿ فَأَصْبَحَ ﴾ : [أي]: يصبح في الآخرة من النادمين؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أي: يقول في الآخرة لا أن قال له؛ فعلى ذلك قوله : ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ ﴾ : أي: يصبح من النادمين في الآخرة - والله أعلم - ويصبح من الخاسرين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ .
استدل من قال بأن القصَّة كانت في بني آدم لصلبه: يقول: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ ؛ لأن القصة لو كانت في بني إسرائيل لم يكن ليجهل دفن الميت؛ إذ قد رأى ذلك غير مرة وعاينه؛ فدل أنه كان في أول ميت جهل السنة فيه.
وقال من قال: إنهما كانا رجلين من بني إسرائيل؛ إذ قد يجوز أن يخفى على المرء شيء علمه قبل ذلك وعاينه إذا اشتد به الخوف ونزل به الهول؛ كقوله - -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ ، وقد كان لهم علم بذلك، لكن ذهب عنهم - والله أعلم - لشدة هول ذلك اليوم، وخوفه؛ فعلى ذلك الأول، يجوز خفاء دفن الموتى بعدما علمه؛ لشدة الهول، والله أعلم.
ثم اختلف فيما أخبر عن بحث الغراب في الأرض: قال الحسن - -: كان الغراب يبحث التراب على ذلك الميت؛ ليرى ذلك القاتل، لا أنه كان يبحث التراب على غراب آخر، على ما ذكر في القصَّة أن غراباً قتل آخر، ثم جعل يبحث التراب عليه؛ لأنه ذكر السوأة، وليس للغراب سوأة - والسوأة: العورة - وذلك ليريه كيف يواري سوأة أخيه لم يذكر السوأة في الغراب، إنما ذكرها في أخيه؛ من أجل أن يريه أن كيف يواري سوأته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ﴾ .
أي: أعجزت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوأة أخي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً...
﴾ الآية.
[أي: من استحل قتل نفس] يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله - -: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ أي: من استحل قتل نفس حَرَّمَ الله قتلها بغير حق، فكأنما استحل قتل الناس جميعاً؛ لأنه يكفر باستحلاله قتل نفس محرم قتلها، فكان كاستحلال قتل الناس جميعاً؛ لأن من كفر بآية من كتاب الله يصير كافراً بالكل؛ فعلى ذلك الأول، إذا استحل قتل نفس محرمة يصير كأنه استحل قتل الأنفس كلها.
ويحتمل: أن يكون هذا في أول قتيل قتل لم يكن قبل ذلك أحد، فلما قتل هذا قتيلاً جعل الناس يقتلون بعد ذلك بعضهم بعضاً، وكان ذلك منه سنة استن الناس به؛ فهو كما روي في الخبر أن: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَلَهُ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ وِزْرِهِمْ شَيْئاً" ؛ فيشترك هذا القاتل في وزر كل قتيل قتل إلى يوم القيامة بغير حق.
وتحتمل الآية وجهاً آخر، وهو ما قيل: إنه يجب عليه من القتل مثل ما أنه لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها أعطاه من الأجر مثل ما لو أنه أحيا الناس جميعاً، إذا أحياها فلم يقتلها وعفا عنها.
وعن ابن عباس - - قال: من أجل ابن آدم حين قتل أخاه كتبنا على بني إسرائيل: ﴿ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ بلا نفس وجب عليها القصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: الشرك في الأرض، ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ يقول: يعذب عليها؛ كما أنه لو قتل الناس جميعاً لهم، وهو مثل الأول.
وعن عبد الله بن عمرو قرأ: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ...
﴾ الآية قال: "لم يكن يؤخذ في بني إسرائيل أرش، إنما كان قصاصاً بقصاص" يقول: من قتل نفسا، أو أفسد في الأرض جزاؤه كأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فعلى نحو ذلك.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ : أي: من استنقذ أحداً من مهلكة فكأنما استنقذ الناس جميعاً في الآخرة.
وقيل: ومن أحياها بالعفو - أُجِرَ في إحيائها كما يؤجر من أحيا الناس جميعاً؛ إذ على الناس معونة ذلك، فإذا عفا عنها فكأنما عفا عن الناس جميعاً.
قال الحسن: ومن أحياها في الأجر، أما والله من يستطيع أن يحييها إذا جاء أجلها؟!
ولكنه أقيد فعفا.
ووجه آخر: أنه يلزم الناس جميعا دفع ذلك عن نفسه ومعونته له، فإذا قتلها أو سعى عليها بالفساد فكأنما سعى بذلك على الناس كافة؛ فعلى ذلك من أحياها فكأنما سعى في إحياء الناس جميعاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ .
في الآية تصبير رسول الله على تكذيب الكفرة إياه، وأنه ليس بأول مكذَّب في الحق، بل كانت الرسل من قبل يكذَّبون فيما يأتون من الآيات والحجج والبيان.
<div class="verse-tafsir"
من أجل قَتْل قابيل أخاه أعلمنا بني إسرائيل أن من قَتَل نفسًا بغير سبب من قِصاص أو إفساد في الأرض بالكفر أو الحِرابة، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه لا فرق عنده بين البريء والجاني.
ومن امتنع عن قتل نفس حرَّمها الله تعالى معتقدًا حرمة قتلها ولم يقتل؛ فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأن صنيعه فيه سلامتهم جميعًا، ولقد جاءت رسلُنا إلى بني إسرائيل بالحجج الواضحة والبراهين الجلية، ومع هذا فإن كثيرًا منهم متجاوزون لحدود الله بارتكاب المعاصي، ومخالفة رسلهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.xYVzR"