الآية ٣١ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٣١ من سورة المائدة

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 128 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ) قال السدي بإسناده المتقدم إلى الصحابة : لما مات الغلام تركه بالعراء ، ولا يعلم كيف يدفن ، فبعث الله غرابين أخوين ، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ، فحفر له ثم حثى عليه .

فلما رآه قال : ( قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ) .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : جاء غراب إلى غراب ميت ، فبحث عليه من التراب حتى واراه ، فقال الذي قتل أخاه : ( قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ) وقال الضحاك عن ابن عباس : مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة ، حتى بعث الله الغرابين ، فرآهما يبحثان ، فقال : ( أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ) فدفن أخاه .

وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد : وكان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتا ، لا يدري ما يصنع به يحمله ، ويضعه إلى الأرض حتى رأى الغراب يدفن الغراب ، فقال : ( يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .

وقال عطية العوفي : لما قتله ندم .

فضمه إليه حتى أروح ، وعكفت عليه الطيور والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله .

رواه ابن جرير .

وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول : لما قتله سقط في يديه ، ولم يدر كيف يواريه .

وذلك أنه كان - فيما يزعمون - أول قتيل في بني آدم وأول ميت ( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ) قال : وزعم أهل التوراة أن قينا لما قتل أخاه هابيل قال له الله عز وجل : يا قين أين أخوك هابيل ؟

قال : قال : ما أدري ، ما كنت عليه رقيبا .

فقال الله : إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض ، والآن أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك ، فإن أنت عملت في الأرض ، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الأرض .

وقوله : ( فأصبح من النادمين ) قال الحسن البصري : علاه الله بندامة بعد خسران .

فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة ، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه ، كما هو ظاهر القرآن ، وكما نطق به الحديث في قوله : " إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ; لأنه أول من سن القتل " .

وهذا ظاهر جلي ، ولكن قال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن - هو البصري - قال : كان الرجلان اللذان في القرآن ، اللذان قال الله : ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ) من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه ، وإنما كان القربان في بني إسرائيل وكان آدم أول من مات .

وهذا غريب جدا ، وفي إسناده نظر .

وقد قال عبد الرزاق عن معمر ، عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ابني آدم ، عليه السلام ، ضربا لهذه الأمة مثلا فخذوا بالخير منهما .

ورواه ابن المبارك عن عاصم الأحول عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من خيرهم ودعوا الشر " .

وكذا أرسل هذا الحديث بكر بن عبد الله المزني روى ذلك كله ابن جرير .

وقال سالم بن أبي الجعد : لما قتل ابن آدم أخاه ، مكث آدم مائة سنة حزينا لا يضحك ، ثم أتي فقيل له : حياك الله وبياك .

أي : أضحكك .

رواه ابن جرير ثم قال : حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن غياث بن إبراهيم عن أبي إسحاق الهمداني قال : قال علي بن أبي طالب : لما قتل ابن آدم أخاه ، بكاه آدم فقال : تغيرت البلاد ومن عليها فلون الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم وقل بشاشة الوجه المليح فأجيب آدم عليه السلام : أبا هابيل قد قتلا جميعا وصار الحي كالميت الذبيح وجاء بشرة قد كان منها على خوف فجاء بها يصيح والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة ، كما ذكره مجاهد بن جبر أنه علقت ساقه بفخذه يوم قتله ، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلا به .

وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم [ أنه ] قال : " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم " .

وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) قال أبو جعفر: وهذا أيضًا أحدُ الأدلة على أن القول في أمر ابني آدم بخلاف ما رواه عمرو، عن الحسن، (139) لأن الرجلين اللذين وصف الله صفتهما في هذه الآية، لو كانا من بني إسرائيل، لم يجهل القاتلُ دفنَ أخيه ومواراة سوأة أخيه، ولكنهما كانا من ولد آدم لصلبه، ولم يكن القاتلُ منهما أخاه عَلِم سنّة الله في عبادِهِ الموتى، (140) ولم يدر ما يصنع بأخيه المقتول.

فذكر أنه كان يحمله على عاتقه حينًا حتى أراحت جيفته، (141) فأحب الله تعريفَه السنة في موتى خلقه، فقيَّض له الغرابين اللذين وصف صفتهما في كتابه.

* * * ذكر الأخبار عن أهل التأويل بالذي كان من فعل القاتل من ابني آدم بأخيه المقتول، بعد قتله إياه.

11752 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن أبي روق الهمداني، عن أبيه، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: مكث يحمل أخاه في جِرابٍ على رقبته سنًة، حتى بعث الله جل وعز الغُرَابين، فرآهما يبحثان، فقال: " أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب "؟

فدفن أخاه.

(142) 11753 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه "، بعث الله جل وعز غرابًا حيًّا، إلى غراب ميت، فجعل الغراب الحيُّ يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب " الآية.

11754 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبي مالك= وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة، عن عبد الله= وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لما مات الغلام تَركه بالعراء، ولا يعلم كيف يَدْفن.

فبعث الله جل وعزّ غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حَثا عليه.

فلما رآه قال: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي"، فهو قول الله: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ".

11755 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يبحث "، قال: بعث الله غرابًا حتى &; 10-226 &; حفر لآخر إلى جنبه ميت= وابن آدم القاتل ينظر إليه= ثم بحث عليه حتى غيَّبه.

(143) 11756 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " غرابًا يبحث في الأرض "، حتى حفر لآخر ميت إلى جنبه، فغيّبه، وابن آدم القاتل ينظر إليه، حيث يبحثُ عليه حتى غيبه، فقال: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب "، الآية.

11757 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قوله: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض "، قال: بعث الله غرابًا إلى غراب، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فجعل يَحْثِي عليه التراب، (144) فقال: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ".

11758 - حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض "، قال: جاء غراب إلى غراب ميّت، فحثَى عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب "، الآية.

11759 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية قال: لما قتله ندم، فضَّمه إليه حتى أروح، (145) وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يَرْمي به فتأكله.

11760 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة &; 10-227 &; قوله: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه "، أنه بعثه الله عز ذكره يبحثُ في الأرض، ذكر لنا أنهما غرابان اقتَتَلا فقتل أحدهما صاحبه، وذلك = يعني ابن آدم = ينظر، وجعل الحيّ يَحْثِي على الميت الترابَ، فعند ذلك قال ما قال: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب " الآية، إلى قوله: " من النادمين ".

11761 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: أما قوله: " فبعث الله غرابًا "، قال: قتل غرابٌ غرابًا، فجعل يحثُو عليه، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه حين رآه: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ".

11762 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه "، قال: وارى الغراب الغراب.

قال: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأى الغراب يدفن الغرابَ، فقال: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ".

11763 - حدثني المثنى قال، حدثنا معلَّى بن أسد قال، حدثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك في قول الله: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب "، قال: بعث الله عزّ وجل غرابًا، فجعل يَبْحَثُ على غراب ميت الترابَ.

قال: فقال عند ذلك: " أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ".

11764 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض "، بعث الله غرابًا حيًّا إلى غراب ميّت، فجعل الغراب الحيُّ يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب "، الآية.

11765 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فيما يذكر عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل، قال: لما قتله سُقِط في يديه، ولم يَدْر كيف يواريه.

وذلك أنه كان، فيما يزعمون، أوَّل قتيل من بني آدم وأوّل ميت= [قال]: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي" الآية= [إلى قوله: ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ، قال]: (146) ويزعم أهل التوراة أن قابيل حين قتل أخاه هابيل قال له جل ثناؤه: يا قابيل، (147) أين أخوك هابيل؟

قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا!

فقال الله جل وعز له: إنّ صوت دم أخيك لينادِيني من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرضِ التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك.

فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثَها حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض.

قال قابيل: عظمت خطيئتي من أن تغفرها!

(148) قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قُدَّامك، وأكون فزعًا تائهًا في الأرض، وكل من لقيني قتلني!

فقال الله جل وعز: ليس ذلك كذلك، ولا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحدٍ سبعة، ولكن من قتل قابيل يجزي سبعة، (149) وجعل الله في قابيل آية لئلا يقتله كل من وجده، وخرج قابيل من قدام الله عز وجل من شرقي عدن الجنة.

(150) 11766 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا الأعمش، عن خيثمة قال: لما قتل ابن آدم أخاه نَشِفت الأرض دمه، فلُعِنت فلم تَنْشَف الأرض دمًا بعدُ.

(151) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: فأثار الله للقاتل (152) =إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول=" غرابًا يبحث في الأرض "، يقول: يحفر في الأرض، فيثير ترابها=" ليريه كيف يواري سوأة أخيه "، يقول: ليريه كيف يواري جيفةَ أخيه.

* * * وقد يحتمل أن يكون عُنِيَ بـ" السوأة "، الفرج، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الجيفة، بذلك جاء تأويل أهل التأويل.

* * * قال أبو جعفر: وفي ذلك محذوفٌ ترك ذكره، استغناء بدلالة ما ذكر منه، وهو: " فأراه بأن بحث في الأرض لغراب آخر ميتٍ فواراه فيها "، فقال القاتل أخاه حينئذ: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب "، الذي وارى الغرابَ الآخر الميتَ=" فأواري سوأة أخي"، فواراه حينئذ=" فأصبح من النادمين "، على ما فرط منه، من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه.

(153) * * * وكل ما ذكر الله عز وجلّ في هذه الآيات، مثلٌ ضربه الله عز ذكره لبني آدم، وحرَّض به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على استعمال العفوِ والصفح عن اليهود= الذين كانوا هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم= من بني النضير، (154) إذ أتوهم يستعينونهم في دية قتيلي عمرو بن أمية الضمري، وعرَّفهم جل وعز رداءة سجيَّة أوائلهم، (155) وسوء استقامتهم على منهج الحق، مع كثرة أياديه وآلائه عندهم.

وضرب مثلهم في غَدْرهم، (156) ومثل المؤمنين في الوفاء لهم والعفو عنهم، بابني آدم المقرِّبَين قرابينهما، (157) اللذين ذكرهما الله في هذه الآيات.

ثم ذلك مثلٌ لهم على التأسِّي بالفاضل منهما دون الطالح.

(158) وبذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

11767 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال، قلت لبكر بن عبد الله، أما بلغك أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله جل وعز ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا خيرَهما ودعوا شرَّهما "؟

قال: بلى.

11768 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابني آدم ضُرِبا مثلا لهذه الأمة، فخذوا بالخير منهما.

11769 - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الحسن قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من خيرهم ودعوا الشر.

(159) * * * --------------- الهوامش : (139) يعني الأثر: 11719 ، وانظر ما سلف أيضًا في ص: 219.

(140) في المخطوطة: "في عاده الموتى" ، وفي المطبوعة: "في عادة الموتى" ، وهذا كلام لا معنى له ، صواب قراءته ما أثبت.

(141) "أراح اللحم" ، أنتن وسطعت له ريح خبيثة.

(142) الأثر: 11752-"يحيى بن أبي روق" ، هو"يحيى بن عطية بن الحارث الهمداني الكوفي.

ضعيف.

قال يحيى بن معين"ليس بثقة".

مترجم في لسان الميزان ، وابن أبي حاتم 4/2/180 وأبوه"أبو روق" هو"عطية بن الحارث الهمداني" ، ثقة ، لا بأس به.

مضى برقم: 137 ، 9632.

(143) "بحث عليه": يعني حفر التراب عليه وغطاه به.

(144) "حثا عليه التراب يحثوه حثوًا" و"حثى عليه التراب يحثيه حثيًا": هاله.

والثاني منهم أعلى من الأول وأفصح.

وقد مضت: "حثا" ، وستأتي في الآثار التالية: "يحثو" ، فأغنانا ذكرها هنا عن ذكرها فيما سلف وما سيأتي.

(145) "أروح اللحم ، وأراح".

أنتن ، وانظر للتعليق السالف ص: 224 ، تعليق: 4.

(146) زدت ما بين القوسين من تاريخ الطبري.

(147) في المطبوعة والمخطوطة: "قابيل" ، وفي التاريخ مكان"قابيل" في كل موضع"قين" ، وانظر ص: 205 ، تعليق: 3.

(148) في المخطوطة: "قال ومن عظمت خطيئتي" ، وصوابها"قال قين: عظمت..." كما في التاريخ ولكن المخطوطة جرت هنا على أن تضع"قابيل" مكان"قين" ، فوضع الناشر الأول للتفسير"قال قابيل" وهو حسن.

(149) كانت هذه الجملة في المطبوعة: "ولا يكون كل قاتل قتيلا يجزي واحدا ، ولكن يجزي سبعة" وهي فاسدة كل الفساد ، صححتها من تاريخ الطبري ، ولكني سرت على نهج المخطوطة في وضع"قابيل" مكان"قين" ، فكتبت"من قتل قابيل".

(150) الأثر: 11765- هذا الذي رواه ابن إسحق من قول أهل التوراة ، تجده في كتاب القوم في سفر التكوين ، في الإصحاح الرابع ، وهو ترجمة أخرى لهذه الفقرة من هذا الإصحاح.

وانظر ما سلف ص: 183 ، تعليق: 2.

(151) "نشفت الأرض الماء تنشفه نشفًا" (على وزن: علم يعلم): شربته.

(152) انظر تفسير"بعث" فيما سلف 2: 84 ، 85/5: 457.

(153) في المخطوطة: "في قتله أخيه" ، والصواب ما في المطبوعة ، أو تكون: "في قتل أخيه".

(154) السياق: "...

عن اليهود...

من بني النضير".

(155) في المخطوطة هكذا: "ردأ سجه أوائلهم" وغير منقوطة ، وما في المطبوعة مقارب للصواب.

(156) في المطبوعة: "في عدوهم" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة.

(157) في المخطوطة والمطبوعة: "قرا بينهم" ، والصواب ما أثبت.

(158) في المخطوطة: "دون الصالح" ، وهو خطأ محض.

ولعل الأصل: "بالصالح منهما دون الطالح".

(159) الآثار: 11767- 11769- هذه الثلاثة أخبار مرسلة ، لم أهتد إلى شيء منها في دواوين السنة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمينفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض قال مجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر فدفنه ، وكان ابن آدم هذا أول من قتل ، وقيل : إن الغراب بحث الأرض على طعمه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه ; لأنه من عادة الغراب فعل ذلك ; فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه .

وروي أن قابيل لما قتل هابيل جعله في جراب ، [ ص: 97 ] ومشى به يحمله في عنقه مائة سنة ; قاله مجاهد ، وروى ابن القاسم عن مالك أنه حمله سنة واحدة ; وقاله ابن عباس ، وقيل : حتى أروح ولا يدري ما يصنع به إلى أن اقتدى بالغراب كما تقدم ، وفي الخبر عن أنس قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : امتن الله على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث بالريح بعد الروح فلولا أن الريح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميما وبالدود في الجثة فلولا أن الدود يقع في الجثة لاكتنزتها الملوك وكانت خيرا لهم من الدراهم والدنانير وبالموت بعد الكبر وإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه ويمله أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أستر له ، وقال قوم : كان قابيل يعلم الدفن ، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به ، فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه ، فقال عند ذلك : يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ، حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه ، ولم يكن ذلك ندم توبة ، وقيل : إنما ندمه كان على فقده لا على قتله ، وإن كان فلم يكن موفيا شروطه .

أو ندم ولم يستمر ندمه ; فقال ابن عباس : ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه ، ويقال : إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه .

ثم إن قابيل كان على ذروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرقت عروقه .

ويقال : دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض ، ويقال : إن قابيل استوحش بعد قتل هابيل ولزم البرية ، وكان لا يقدر على ما يأكله إلا من الوحش ، فكان إذا ظفر به وقذه حتى يموت ثم يأكله .

قال ابن عباس : فكانت الموقوذة حراما من لدن قابيل بن آدم ، وهو أول من يساق من الآدميين إلى النار ; وذلك قوله تعالى : ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس الآية ، فإبليس رأس الكافرين من الجن ، وقابيل رأس الخطيئة من الإنس ; على ما يأتي بيانه في " حم فصلت " إن شاء الله تعالى ، وقد قيل : إن الندم في ذلك الوقت لم يكن توبة ، والله بكل ذلك أعلم وأحكم ، وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم ; ولذلك جهلت سنة المواراة ; وكذلك حكى الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في كتب الأوائل ، وقوله يبحث معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره .

ومن هذا سميت سورة " براءة " البحوث ; لأنها فتشت عن المنافقين ; ومن ذلك قول الشاعر :إن الناس غطوني تغطيت عنهم وإن بحثوني كان فيهم مباحثوفي المثل : لا تكن كالباحث على الشفرة ; قال الشاعر :فكانت كعنز السوء قامت برجلها إلى مدية مدفونة تستثيرها[ ص: 98 ] الثانية : بعث الله الغراب حكمة ; ليرى ابن آدم كيفية المواراة ، وهو معنى قوله تعالى : ثم أماته فأقبره ، فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق ، فرضا على جميع الناس على الكفاية ، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين .

وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه ، ثم الجيرة ، ثم سائر المسلمين ، وأما الكفار فقد روى أبو داود عن علي قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات ; قال : اذهب فوار أباك التراب ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني فذهبت فواريته وجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي .الثالثة : ويستحب في القبر سعته وإحسانه ; لما رواه ابن ماجه عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احفروا وأوسعوا وأحسنوا ، وروي عن الأدرع السلمي قال : جئت ليلة أحرس النبي صلى الله عليه وسلم ; فإذا رجل قراءته عالية ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله : هذا مراء ; قال : فمات بالمدينة ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفقوا به رفق الله به إنه كان يحب الله ورسوله .

قال : وحضر حفرته فقال : أوسعوا له وسع الله عليه فقال بعض أصحابه : يا رسول الله لقد حزنت عليه ؟

فقال : أجل إنه كان يحب الله ورسوله ; أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة عن سعيد بن أبي سعيد .

قال أبو عمر بن عبد البر : أدرع السلمي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا واحدا ، وروى عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري ; وأما هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري ، كان يسمى في الجاهلية شهابا فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه فسماه هشاما ، واستشهد أبوه عامر يوم أحد .

سكن هشام البصرة ومات بها ; ذكر هذا في كتاب الصحابة .الرابعة : ثم قيل : اللحد أفضل من الشق ; فإنه الذي اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر لا يلحد ; فقالوا : أيهما جاء أولا عمل عمله ، فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; ذكره مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه ، وأخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهما ، والرجلان هما أبو طلحة وأبو عبيدة ; وكان أبو طلحة يلحد وأبو عبيدة يشق ، واللحد هو أن يحفر في جانب القبر إن كانت تربة صلبة ، يوضع فيه الميت ثم يوضع عليه اللبن ثم يهال التراب ; قال سعد بن أبي [ ص: 99 ] وقاص في مرضه الذي هلك فيه : ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم .

أخرجه مسلم .

وروى ابن ماجه وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللحد لنا والشق لغيرنا .الخامسة : روى ابن ماجه عن سعيد بن المسيب قال : حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال : بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أخذ في تسوية [ اللبن على ] اللحد قال : اللهم أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر ، اللهم جاف الأرض عن جنبيها ، وصعد روحها ولقها منك رضوانا .

قلت يا ابن عمر أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قلته برأيك ؟

قال : إني إذا لقادر على القول !

بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثا .فهذا ما تعلق في معنى الآية من الأحكام ، والأصل في يا ويلتى يا ويلتي ثم أبدل من الياء ألف ، وقرأ الحسن على الأصل بالياء ، والأول أفصح ; لأن حذف الياء في النداء أكثر ، وهي كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك ; قاله سيبويه ، وقال الأصمعي : " ويل " بعد ، وقرأ الحسن : " أعجزت " بكسر الجيم .

قال النحاس : وهي لغة شاذة ; إنما يقال عجزت المرأة إذا عظمت عجيزتها ، وعجزت عن الشيء عجزا ومعجزة ومعجزة ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما قتل أخاه لم يدر كيف يصنع به؛ لأنه أول ميت مات من بني آدم { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ } أي: يثيرها ليدفن غرابا آخر ميتا.

{ لِيُرِيَهُ } بذلك { كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ } أي: بدنه، لأن بدن الميت يكون عورة { فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } وهكذا عاقبة المعاصي الندامة والخسارة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ) فلما رأى قابيل ذلك قال : يا ويلتا ، كلمة تحسر فقيل لما رأى الدفن من الغراب أنه أكبر علما منه وأن ما فعله كان جهلا فندم وتحسر ( قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ) أي : جيفته ، وقيل : عورته لأنه قد سلب ثيابه ، ( فأصبح من النادمين ) على حمله على عاتقه لا على قتله ، وقيل : على فراق أخيه ، وقيل : ندم لقلة النفع بقتله فإنه أسخط والديه ، وما انتفع بقتله شيئا ولم يكن ندمه على القتل وركوب الذنب .

قال عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب : لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء ، فناداه آدم أين أخوك هابيل؟

قال : ما أدري ما كنت عليه رقيبا ، فقال الله تعالى : إن دم أخيك ليناديني من الأرض ، فلم قتلت أخاك؟

قال : فأين دمه إن كنت قتلته؟

فحرم الله عز وجل على الأرض يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا .

وقال مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما قتل قابيل هابيل وآدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه ، وأمر الماء واغبرت الأرض ، فقال آدم عليه السلام : قد حدث في الأرض حدث ، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل فأنشأ يقول وهو أول من قال الشعر : تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم وقل بشاشة الوجه الصبيح وروي : المليح .

وروي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من قال إن آدم عليه السلام قال شعرا فقد كذب ، إن محمدا صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم عليهم السلام في النهي عن الشعر سواء ، ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سرياني ، فلما قال آدم مرثيته قال لشيث : يا بني إنك وصي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه ، لم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان ، وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية ، وكان يقول الشعر فنظر في المرثية فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم ، فوزنه شعرا وزاد فيه أبياتا منها : وما لي لا أجود بسكب دمع وهابيل تضمنه الضريح أرى طول الحياة علي غما فهل أنا من حياتي مستريح فلما مضى من عمر آدم عليه السلام مائة وثلاثون سنة ، وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيثا ، وتفسيره : هبة الله ، يعني إنه خلف من هابيل علمه الله تعالى ساعات الليل والنهار ، وعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منها ، وأنزل عليه خمسين صحيفة فصار وصي آدم وولي عهده ، وأما قابيل فقيل له اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه ، فأخذ بيد أخته أقليما وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن ، فأتاه إبليس فقال له إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النار فانصب أنت نارا أيضا تكون لك ولعقبك ، فبنى بيتا للنار فهو أول من عبد النار ، وكان لا يمر به أحد إلا رماه ، فأقبل ابن له أعمى ومعه ابن له ، فقال ابنه : هذا أبوك قابيل ، فرمى الأعمى أباه فقتله ، فقال ابن الأعمى : قتلت أباك؟

فرفع يده فلطم ابنه ، فمات فقال الأعمى : ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي .

وقال مجاهد : فعلقت إحدى رجلي قابيل إلى فخذها وساقها وعلقت من يومئذ إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس ما دارت عليه ، في الصيف حظيرة من نار وفي الشتاء حظيرة من ثلج .

قال : واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير ، وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى غرقهم الله بالطوفان أيام نوح عليه السلام ، وبقي نسل شيث .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبي ثنا الأعمش حدثني عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبعث الله غرابا يبحث في الأرض» ينبش التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب ميت حتى واراه «ليريه كيف يواري» يستر «سوأة» جيفة «أخيه قال يا ويلتى أعجزت» عن «أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين» على حمله وحفر له وواره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لما قتل قابيلُ أخاه لم يعرف ما يصنع بجسده، فأرسل الله غرابًا يحفر حفرةً في الأرض ليدفن فيها غرابًا مَيِّتًا؛ ليدل قابيل كيف يدفن جُثمان أخيه؟

فتعجَّب قابيل، وقال: أعجزتُ أن أصنع مثل صنيع هذا الغراب فأستُرَ عورة أخي؟

فدَفَنَ قابيل أخاه، فعاقبه الله بالندامة بعد أن رجع بالخسران.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعض ما حدث بعد قتل الأخ أخاه فقال : ( فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ) .وقوله : ( فَبَعَثَ ) من البعث بمعنى الإِرسال .

وهو هنا مستعمل في الإِلهام بالطير إلى ذلك المكان بحيث يراه قابيل .والغراب : طائر معروف .

قالوا : والحكمة في كونه المبعوث دون غيره من الطيور أو الحيوان ، لأنه يتشاءم به في الفراق والاغتراب .

أو لأن من عادة الغراب دفن الأشياء .وقوله : ( يَبْحَثُ فِي الأرض ) أي : ينبش التراب بمنقابره ورجليه بحيث يستخرجه من الأرض ، ليعمل ما يشبه الحفرة .والتعبير بالمضارع ، للإِشارة إلى أن البحث قد مكث وقتا ، وكان مجال استمرار .وقوله : ( ليريه ) إما متعلق بقوله ( بعث ) فيكون الضمير في الفعل لله - تعالى - أو متعلق بقوله : ( يبحث ) فيكون الضمير للغراب .قال القرطبي : قال مجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ثم حفر فدفنه - فتعلم قابيل ذلك من الغراب - وكان ابن آدم هذا أول من قتل .

وقيل إن الغراب بحث الأرض على طعمه - أي : أكله - ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه ، لأن عادة الغرب فعل ذلك ، فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه " ." والسوءة " ما تسوء رؤيته من الجسد ، والمراد بها هنا : جميع جسد الميت وقيل : المراد بها العورة ، لأنها تسوء ناظرها .

وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها ، لأن سترها آكد .وهذه الآية مرتبطة بكلام يسبقها لم يذكره القرآن الكريم لفهمه من السياق .والتقدير : أن القاتل بعد أن ارتكب جريمته .

ورأى جثة أخيه أمامه ملقاة في العراء .

تحير ماذا يفعل فيها حتى لا يتركها عرضة لنهش السباع والطيور .

( فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ ) أي : يحفر وينبش بمنقاره ورجلريه متعمقا ( فِي الأرض ) ( لِيُرِيَهُ ) أي : ليعلم ذلك القاتل ويعرفه ( كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ) أي : كيف يستر في التراب جسم أخيه بعد أن فارقته الحياة ، وأصبح عرضة للتغير والتعفن .وقوله - تعالى - ( قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ) بيان لما اعترى هذا القاتل من تحسر وندم .وكلمة ( قَالَ يَاوَيْلَتَا ) أصلها : يا ويلتي .

وهي كلمة جزت وتحسر .

تستعمل عند وقوع المصيبة العظيمة كأن المتحسر ينادي ويلته ويطلب حضورها ، بعد تنزيلها منزلة من ينادي .

ولا يكون ذلك إلى في أشد الأحوال ألما ، والويلة كالويل : ومعناهما الفضيحة والبلية والهلاك .أي : قال القاتل لأخيه ظلما وحسدا بجزع وحسرة - بعد أن رأى غرابا يحفر حفرة ليدفن فيها شيئا - قال ( يَاوَيْلَتَا ) أي : يا فضيحيتي وبليتي أقبليي فهذا وقتك ، لأني قد نزلت بي أسبابك .وقوله : ( أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ) أي : أضعفت عن الحيلة التي تجعلني مثل هذا الغراب فأستر جسد أخي في التراب كما دفن الغراب بمنقاره ورجليه في الأرض ما أراد دفنه؟!

والاستفهام في ( أعجزت ) للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب ، مع أنه إنسان فيه عقل ، والغراب طائر من أخس الطيور .وقوله : ( فأوارى ) معطوف على قوله : ( أن أكون ) .وقوله : ( فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ) ، تذييل قصد به بيان ما أصاب قابيل بعد أن قتل أخاه عدوانا وحسدا ، ولم يعرف كيف يستر جثته إلا من الغراب .والندم : أسف الفاعل على فعل صدر منه .قال الراغب : الندم والندامة التحسر من تغير رأى في أمر فائت .

قال - تعالى - : ( فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ) .وأصله من منادمة الحزن له وملازمته إياه .والمعنى : فأصبح قابيل الذي قتل أخاه هابيل بغيا وحسدا من النادمين على ما اقترف من فواحش تدل على جهله ، وبغيه ، وتمكن الحقد من نفسه .قال صاحب المنار : والندم الذي ندمه - قابيل - هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر عنه من الخطأ في فعله فعله إذا ظهر له أن قفعله كان شرا له لا خيرا .

وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من الله ، والتألم من تعدي حدوده ، وهذا هو المراد بحديث " الندم توبة " - رواه أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم البيهقي .وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة .

وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين مرفوعا : " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل - أي نصيب - من دمها؛ لأنه أول من سن القتل " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل: لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به، ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغير فبعث الله غراباً، وفيه وجوه: الأول: بعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة، فتعلم قابيل ذلك من الغراب.

الثاني: قال الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثو التراب على المقتول، فلما رأى القاتل أن الله كيف يكرمه بعد موته ندم وقال: يا ويلتى.

الثالث: قال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه.

المسألة الثانية: ﴿ لِيُرِيَهُ ﴾ فيه وجهان: الأول: ليريه الله أو ليريه الغراب، أي ليعلمه، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز.

المسألة الثالثة: ﴿ سوأة أَخِيهِ ﴾ عورة أخيه، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده، والسوأة الفضيحة لقبحها.

وقيل سوأة أخيه، أي جيفة أخيه.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ ياويلتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن قوله: ﴿ يا ويلتى ﴾ كلمة تحسر وتلهف، وفي الآية احتمالان: الأول: أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، فلما تعلم ذلك من الغراب علم أن الغراب أكثر علماً منه وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وقلة معرفته، فندم وتلهف وتحسر على فعله.

الثاني: أنه كان عالماً بكيفية دفنه، فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر من العمل، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافاً به، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر رق قلبه وقال: إن هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قتله أخفاه تحت الأرض، أفأكون أقل شفقه من هذا الغراب، وقيل: إن الغراب جاء وكان يحثي التراب على المقتول، فلما رأى أن الله أكرمه حال حياته بقبول قربانه.

وأكرمه بعد مماته بأن بعث هذا الغراب ليدفنه تحت الأرض علم أنه عظيم الدرجة عند الله فتلهف على فعله، وعلم أنه لا قدرة له على التقرب إلى أخيه إلا بأن يدفنه في الأرض، فلا جرم قال: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ يا ويلتى ﴾ اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة، ولفظها لفظ النداء، وكأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره، أي أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك، وذكر ﴿ يا ﴾ زيادة بيان كما في قوله: ﴿ يا ويلتى أألد  ﴾ والله أعلم.

المسألة الثالثة: لفظ الندم وضع للزوم، ومنه سمي النديم نديماً لأنه يلازم المجلس.

وفيه سؤال: وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الندم توبة» فلما كان من النادمين كان من التائبين فلم لم تقبل توبته؟

أجابوا عنه من وجوه: أحدها: أنه لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين على حمله على ظهره سنة، والثاني: أنه صار من النادمين على قتل أخيه، لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه بسببه أبوه وإخوته، فكان ندمه لأجل هذه الأسباب لا لكونه معصية، والثالث: أن ندمه كان لأجل أنه تركه بالعراء استخفافاً به بعد قتله، فلما رأى أن الغراب لما قتل الغراب دفنه ندم على قساوة قلبه وقال: هذا أخي وشقيقي ولحمه مختلط بلحمي ودمه مختلط بدمي، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على الغراب ولم تظهر مني على أخي كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة فكان ندمه لهذه الأسباب، لا لأجل الخوف من الله تعالى فلا جرم لم ينفعه ذلك الند.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هما ابنا آدم لصلبه قابيل وهابيل، أوحى الله إلى آدم أن يزوّج كل واحد منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها (إقليما) فحسد عليها أخاه وسخط.

فقال لهما آدم: قرّبا قرباناً، فمن أيكما تقبل زوّجها، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته؛ فازداد قابيل حسداً وسخطاً، وتوعده بالقتل.

وقيل: هما رجلان من بني إسرائيل ﴿ بالحق ﴾ تلاوة متلبسة بالحق والصحة.

أو اتله نبأ متلبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأوّلين.

أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد؛ لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغون عليه.

أو اتل عليهم وأنت محق صادق.

و ﴿ إِذْ قَرَّبَا ﴾ نصب بالنبأ أي قصتهم وحديثهم في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون بدلاً من النبأ، أي اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت، على تقدير حذف المضاف.

والقربان: اسم ما يتقرّب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، كما أنّ الحلوان اسم ما يحلّى أي يعطى.

يقال: قرّب صدقة وتقرّب بها، لأن تقرّب مطاوع قرب: قال الأصمعي: تقرّبوا قرف القمع فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب.

فإن قلت: كيف كان قوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ جواباً لقوله: ﴿ لأَقْتُلَنَّكَ ﴾ ؟

قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟

ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟

فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان.

وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم.

وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له: ما يبكيك فقد كنت وكنت؟

قال إني أسمع الله يقول: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ .

﴿ مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ قيل: كان أقوى من القاتل وأبطش منه، ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله؛ لأنّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت.

قاله مجاهد وغيره ﴿ إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ ﴾ أن تحتمل إثم قتلي لك لو قتلتك وإثم قتلك لي.

فإن قلت: كيف يحمل إثم قتله له ولا تزر وازرة وزر أخرى؟

قلت: المراد بمثل إثمي على الاتساع في الكلام، كما تقول: قرأت قراءة فلان، وكتبت كتابته، تريد المثل وهو اتساع فاش مستفيض لا يكاد يستعمل غيره.

ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام: «المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم» على أنّ البادي عليه إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه؛ لأنه كان سبباً فيه، إلا أن الإثم محطوط عن صاحبه معفوّ عنه، لأنه مكافئ مدافع عن عرضه.

ألا ترى إلى قوله: (ما لم يعتد المظلوم) لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم.

فإن قلت: فحين كف هابيل عن قتل أخيه واستسلم وتحرج عما كان محظوراً في شريعته من الدفع، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله فيجتمع عليه الإثمان؟

قلت: هو مقدّر فهو يتحمل مثل الإثم المقدّر، كأنه قال: إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك.

وقيل: (بإثمي) بإثم قتلي (وإثمك) الذي من أجله لم يتقبل قربانك فإن قلت: فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه النار؟

قلت: كان ظالماً وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين ﴾ وإذا جاز أن يريده الله، جاز أن يريده العبد؛ لأنه لا يريد إلا ما هو حسن.

والمراد بالإثم وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب، فإن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله: ﴿ لَئِن بَسَطتَ....

مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ ﴾ ؟

قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع.

ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي، ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ فوسعته له ويسرته، من طاع له المرتع: إذا اتسع.

وقرأ الحسن: ﴿ فطاوعت ﴾ .

وفيه وجهان: أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى فعل، وأن يراد أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع، وله لزيادة الربط كقولك: حفظت لزيد ماله.

وقيل: قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ﴿ فَبَعَثَ الله غُرَاباً ﴾ روي: أنه أوّل قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم.

ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ﴿ قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب ﴾ ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً، فقال: بل قتلته ولذلك اسودِّ جسدك.

وروي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون.

وقد صحّ أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر.

﴿ لِيُرِيَهُ ﴾ ليريه الله.

أو ليريه الغراب، أي ليعلمه؛ لأنه لما كان سبب تعليمه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز ﴿ سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده.

والسوأة: الفضيحة لقبحها.

قال: يَا لَقَوْمِ لِلسَّوْأةِ السَّوْآء أي للفضيحة العظيمة فكنى بها عنها ﴿ فَأُوَارِيَ ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام.

وقرئ بالسكون على: فأنا أواري.

أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف ﴿ مِنَ النادمين ﴾ على قتله، لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره، وتبين له من عجزه، وتلمذه للغراب، واسوداد لونه وسخط أبيه، ولم يندم ندم التائبين ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك ﴾ بسبب ذلك وبعلته.

وقيل: أصله من أجل شرا إذا جناه يأجله أجلاً.

ومنه قوله: وَأَهِل خِبَاءٍ صَالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهِم ** قَدِ احْتَرَبُوا في عَاجِلٍ أَنَا آجِلُهْ كأنك إذا قلت: من أجلك فعلت كذا، أردت من أن جنيت فعلته وأوجبته، ويدل عليه قولهم: من جراك فعلته، أي من أن جررته بمعنى جنيته.

وذلك إشارة إلى القتل المذكور، أي من أن جنى ذلك القتل الكتب وجرّه ﴿ كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل ﴾ و(من) لابتداء الغاية، أي ابتدأ الكتب ونشأ من أجل ذلك.

ويقال: فعلت كذا لأجل كذا.

وقد يقال: أجل كذا، بحذف الجار وإيصال الفعل قال: أجل إنّ الله قد فضلكم.

وقرئ: ﴿ من اجل ذلك ﴾ ، بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها.

وقرأ أبو جعفر: ﴿ من إجل ذلك ﴾ ، بكسر الهمزة وهي لغة فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسرة الهمزة عليها ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ ﴾ عطف على نفس بمعنى أو بغير فساد ﴿ فِى الأرض ﴾ وهو الشرك.

وقيل: قطع الطريق ﴿ وَمَنْ أحياها ﴾ ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك.

فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟

قلت: لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على الله وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته وعلى العكس، فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك.

فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟

قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها؛ لأنّ المتعرض لقتل النفس إذا تصوّر قتلها بصورة قتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه، وكذلك الذي أراد إحياءها.

وعن مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم، وغضب الله، والعذاب العظيم.

ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.

وعن الحسن: يا ابن آدم، أرأيت لو قتلت الناس جميعاً أكنت تطمع أن يكون لك عمل يوازي ذلك فيغفر لك به؟

كلا إنه شيء سوَّلته لك نفسك والشيطان، فكذلك إذا قتلت واحداً ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعدما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات ﴿ لَمُسْرِفُونَ ﴾ يعني في القتل لا يبالون بعظمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ تَحَيَّرَ في أمْرِهِ ولَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ بِهِ إذْ كانَ أوَّلَ مَيِّتٍ مِن بَنِي آدَمَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ ثُمَّ ألْقاهُ في الحُفْرَةِ.

والضَّمِيرُ في لِيُرِيَ، لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ لِلْغُرابِ، وكَيْفَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يُوارِي والجُمْلَةُ ثانِي مَفْعُولَيْ يُرِيَ والمُرادُ بِسَوْأةِ أخِيهِ جَسَدُهُ المَيِّتُ فَإنَّهُ مِمّا يُسْتَقْبَحُ أنْ يُرى.

﴿ قالَ يا ويْلَتا ﴾ كَلِمَةُ جَزَعٍ وتَحَسُّرٍ والألِفُ فِيها بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ.

والمَعْنى يا ويْلَتِي احْضُرِي فَهَذا أوانُكِ، والوَيْلُ والوَيْلَةُ الهِلْكَةُ.

﴿ أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي ﴾ لا أهْتَدِي إلى مِثْلِ ما اهْتَدى إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: فَأُوارِيَ عُطِفَ عَلى أكُونَ ولَيْسَ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ إذْ لَيْسَ المَعْنى هاهُنا لَوْ عَجَزْتُ لَوارَيْتُ، وقُرِئَ بِالسُّكُونِ عَلى فَأنا أُوارِي أوْ عَلى تَسْكِينِ المَنصُوبِ تَخْفِيفًا.

﴿ فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ ﴾ عَلى قَتْلِهِ لِما كابَدَ فِيهِ مِنَ التَّحَيُّرِ في أمْرِهِ وحَمْلِهِ عَلى رَقَبَتِهِ سَنَةً أوْ أكْثَرَ عَلى ما قِيلَ، وتَلْمُذِهِ لِلْغُرابِ واسْوِدادِ لَوْنِهِ وتَبَرِّي أبَوَيْهِ مِنهُ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ فَقالَ ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا فَقالَ بَلْ قَتَلْتَهُ ولِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ وتَبَرَّأ مِنهُ ومَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مِائَةَ سَنَةٍ لا يَضْحَكُ وعَدَمِ الظَّفَرَ بِما فَعَلَهُ مِن أجْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)

{فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الأرض لِيُرِيَهُ} أى الله أو الغراب {كيف يواري سوأة أخيه}

عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده

رُوي أنه أول قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه فى الحفرة فحينئذ {قال يا ويلتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ} عطف على اكون {سوأة أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين} على قتله لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره ولم يندم ندم التائبين أو كان الندم توبة لنا خاصة أو على حمله لا على قتله ورُوي أنه لما قتله أسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلاً فقال بل قتلته ولذا اسود جسدك فالسودان من ولده وما رُوي أن آدم رثاه بشعر فلا يصح لأن الأنبياء عليهم السلام معصمومون من الشعر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: «لَمّا قَتَلَهُ نَدِمَ، فَضَمَّهُ إلَيْهِ، حَتّى أرْوَحَ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ والسِّباعُ تَنْتَظِرُ مَتى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلُهُ، وكَرِهَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُحْزِنَهُ، وتَحَيَّرَ في أمْرِهِ إذْ كانَ أوَّلَ مَيِّتٍ مِن بَنِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى غُرابَيْنِ قَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ، ثُمَّ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً بِمِنقارِهِ وبِرِجْلِهِ، حَتّى مَكَّنَ لَهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ بِرَأْسِهِ حَتّى ألْقاهُ في الحُفْرَةِ، ثُمَّ بَحَثَ عَلَيْهِ بِرِجْلِهِ حَتّى واراهُ، وقِيلَ: أحَدُ الغُرابَيْنِ كانَ مَيِّتًا.

والغُرابُ طائِرٌ مَعْرُوفٌ، قِيلَ: والحِكْمَةُ في كَوْنِهِ المَبْعُوثَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ كَوْنُهُ يُتَشاءَمُ بِهِ في الفِراقِ والِاغْتِرابِ، وذَلِكَ مُناسِبٌ لِهَذِهِ القِصَّةِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ كانَ مَلَكًا ظَهَرَ في صُورَةِ غُرابٍ، والمُسْتَكِنُّ في ( يُرِيَهُ ) لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِلْغُرابِ، واللّامُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( بَعَثَ ) حَتْمًا، وعَلى الثّانِي بِـ( يَبْحَثُ ) ويَجُوزُ تَعَلُّقُها بِـ( بَعَثَ ) أيْضًا، و( كَيْفَ ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُوارِي ) قُدِّمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لَهُ الصَّدْرَ، وجُمْلَةُ ( كَيْفَ يُوارِي ) في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ ثانٍ لِـ( يُرِيَ ) البَصَرِيَّةِ المُتَعَدِّيَةِ بِالهَمْزَةِ لِاثْنَيْنِ، وهي مُعَلَّقَةٌ عَنِ الثّانِي، وقِيلَ: إنَّ ( يُرِيَهُ ) بِمَعْنى يُعَلِّمُهُ، إذْ لَوْ جُعِلَ بِمَعْنى الإبْصارِ لَمْ يَكُنْ لِجُمْلَةِ ( كَيْفَ يُوارِي ) مَوْقِعٌ حَسَنٌ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْقِعِ مَفْعُولَيْنِ لَهُ، وفِيهِ نَظَرٌ.

والبَحْثُ في الأصْلِ التَّفْتِيشُ عَنِ الشَّيْءِ مُطْلَقًا، أوْ في التُّرابِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الحَفْرُ، والمُرادُ بِالسَّوْأةِ جَسَدُ المَيِّتِ، وقَيَّدَهُ الجُبّائِيُّ بِالمُتَغَيِّرِ، وقِيلَ: العَوْرَةُ؛ لِأنَّها تَسُوءُ ناظِرَها، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ - مَعَ أنَّ المُرادَ مُواراةُ جَمِيعِ الجَسَدِ - لِلِاهْتِمامِ بِها؛ لِأنَّ سَتْرَها آكَدُ، والأوَّلُ أوْلى، ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ مُشْتَرَكٌ، وضَمِيرُ ( أخِيهِ ) عائِدٌ عَلى المَبْحُوثِ عَنْهُ لا عَلى الباحِثِ كَما تُوُهِّمَ.

وبَعْثَةُ الغُرابِ كانَتْ مِن بابِ الإلْهامِ إنْ كانَ المُرادُ مِنهُ المُتَبادَرَ، وبَعْثَةٌ حَقِيقَةٌ إنْ كانَ المُرادُ مِنهُ مَلَكًا ظَهَرَ عَلى صُورَتِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ذَهَبَ أكْثَرُ العُلَماءِ إلى أنَّ الباحِثَ وارى جُثَّتَهُ، وتَعَلَّمَ قابِيلُ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِأخِيهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما.

وذَهَبَ الأصَمُّ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ مَن بَعَثَهُ فَبَحَثَ في الأرْضِ ووارى هابِيلَ، فَلَمّا رَأى قابِيلُ ما أكْرَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أخاهُ ﴿ قالَ يا ويْلَتا ﴾ كَلِمَةُ جَزَعٍ وتَحَسُّرٍ، والوَيْلَةُ كالوَيْلِ الهَلَكَةُ، كَأنَّ المُتَحَسِّرَ يُنادِي هَلاكَهُ ومَوْتَهُ، ويَطْلُبُ حُضُورَهُ بَعْدَ تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يُنادِي، ولا يَكُونُ طَلَبُ المَوْتِ إلّا مِمَّنْ كانَ في حالٍ أشَدَّ مِنهُ، والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، أيْ ( يا ويْلَتِي ) - وبِذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ - احْضُرِي، فَهَذا أوانُكِ.

﴿ أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ ﴾ تَعَجُّبٌ مِن عَجْزِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِثْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ إلى ما اهْتَدى إلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنهُ ﴿ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أكُونَ ) وجَعَلَهُ في الكَشّافِ مَنصُوبًا في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، واعْتَرَضَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُعْرِبِينَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ خَطَأٌ فاحِشٌ؛ لِأنَّ شَرْطَ هَذا النَّصْبِ أنْ يَنْعَقِدَ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، والجَوابُ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، نَحْوُ: أتَزُورُنِي فَأُكْرِمَكَ، فَإنَّ تَقْدِيرَهُ: إنْ تَزُرْنِي أُكْرِمْكَ، ولَوْ قِيلَ ها هُنا: إنَّ ( أعَجَزَ ) أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ أُوارِي سَوْأةَ أخِي لَمْ يَصِحَّ المَعْنى؛ لِأنَّ المُواراةَ تَتَرَتَّبُ عَلى عَدَمِ العَجْزِ لا عَلَيْهِ، وأجابَ في الكَشْفِ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، ومِن بابِ: ( أتَعْصِي رَبَّكَ فَيَعْفُوَ عَنْكَ ) بِالنَّصْبِ لِيَنْسَحِبَ الإنْكارُ عَلى الأمْرَيْنِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ في العِصْيانِ، وتَوَقُّعُ العَفْوِ مُرْتَكِبٌ خِلافَ المَعْقُولِ، فَإذا رُفِعَ كانَ كَلامًا ظاهِرِيًّا في انْسِحابِ الإنْكارِ، وإذا نُصِبَ جاءَتِ المُبالَغَةُ لِلتَّعْكِيسِ حَيْثُ جُعِلَ سَبَبُ العُقُوبَةِ سَبَبَ العَفْوِ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ نَعى عَلى نَفْسِهِ عَجْزَها، فَنَزَّلَها مَنزِلَةَ مَن جَعَلَ العَجْزَ سَبَبَ المُواراةِ؛ دَلالَةً عَلى التَّعْكِيسِ المُؤَكِّدِ لِلْعَجْزِ والقُصُورِ عَمّا يَهْتَدِي إلَيْهِ غُرابٌ.

ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: الإنْكارُ التَّوْبِيخِيُّ إنَّما يَكُونُ عَلى واقِعٍ أوْ مُتَوَقَّعٍ فالتَّوْبِيخُ عَلى العِصْيانِ والعَجْزِ لَهُ وجْهٌ، أمّا عَلى العَفْوِ والمَوارَةِ فَلا، قُلْتُ: التَّوْبِيخُ عَلى جَعْلِ كُلِّ واحِدٍ سَبَبًا، أوْ تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن جَعَلَهُ سَبَبًا لا عَلى العَفْوِ والمَوارَةِ، فافْهَمِ، انْتَهى.

ولَعَلَّ الأمْرَ بِالفَهْمِ إشارَةٌ إلى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ، وقِيلَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ، وهو بِمَعْنى النَّفْيِ، وهو سَبَبٌ، والمَعْنى: إنْ لَمْ أعْجِزْ وارَيْتُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ لا يَكْفِي في النَّصْبِ سَبَبِيَّةُ النَّفْيِ، بَلْ لا بُدَّ مِن سَبَبِيَّةِ المَنفِيِّ قَبْلَ دُخُولِ النَّفْيِ، ألا تَرى أنَّ: ( ما تَأْتِينا فَتُحَدِّثَنا ) مُفَسَّرٌ عِنْدَهم بِأنَّهُ لا يَكُونُ مِنكَ إتْيانٌ فَتَحْدِيثٌ، قالَ الشِّهابُ: والجَوابُ عَنْهُ أنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ ما نُصِبَ في جَوابِ النَّفْيِ وما نُصِبَ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، والكَلامُ في الثّانِي، فَكَيْفَ يَرِدُ الأوَّلُ نَقْضًا؟!

ولَوْ جُعِلَ في جَوابِ النَّفْيِ لَمْ يَرِدْ ما ذَكَرَهُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى أخْذِ النَّفْيِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ مَعَ وُضُوحِ تَأْوِيلِ ( عَجَزْتُ ) بِـ( لَمْ أهْتَدِ )، وقَدْ قالَ في التَّسْهِيلِ: إنَّهُ يُنْتَصَبُ في جَوابِ النَّفْيِ الصَّرِيحِ والمُؤَوَّلِ، وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الثّانِي حُكْمُهُ، فَتَأمَّلِ، انْتَهى.

ولَعَلَّ الأمْرَ بِالتَّأمُّلِ الإشارَةُ إنَّ ما في دَعْوى الفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى النَّفْيِ، والنَّفْيِ مِنَ الخَفاءِ، وكَذا في تَأْوِيلِ ( عَجَزَتْ ) بِـ( لَمْ أهْتَدِ ) هُنا، فَلْيُفْهَمْ.

وقُرِئَ ( أعْجِزْتُ ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو لُغَةٌ شاذَّةٌ في ( عَجَزَ ) وقُرِئَ ( فَأُوارِي ) بِالسُّكُونِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، وهم يُقَدِّرُونَ المُبْتَدَأ لِإيضاحِ القَطْعِ عَنِ العَطْفِ، أوْ مَعْطُوفٌ إلّا أنَّهُ سُكِّنَ لِلتَّخْفِيفِ، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، واعْتَرَضَهُ في البَحْرِ بِأنَّ الفَتْحَةَ لا تُسْتَثْقَلُ حَتّى تُحْذَفَ تَخْفِيفًا، وتَسْكِينُ المَنصُوبِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لَيْسَ بِلُغَةٍ - كَما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ - ولَيْسَ بِجائِزٍ، إلّا في الضَّرُورَةِ، فَلا تُحْمَلُ القِراءَةُ عَلَيْها، مَعَ وُجُودِ مَحْمَلِ الِاسْتِئْنافِ لَها، انْتَهى.

وعَلى دَعْوى الضَّرُورَةِ مَنعٌ ظاهِرٌ؛ فَإنَّ تَسْكِينَ المَنصُوبِ في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ، وادَّعى المُبَرِّدُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الضَّرُوراتِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَجُوزُ مِثْلُها في النَّثْرِ.

﴿ فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ ﴾ أيْ صارَ مَعْدُودًا مِن عِدادِهِمْ، وكانَ نَدَمُهُ عَلى قَتْلِهِ لِما كابَدَ فِيهِ مِنَ التَّحَيُّرِ في أمْرِهِ، وحَمْلِهِ عَلى رَقَبَتِهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ سَنَةً، أوْ أكْثَرَ عَلى ما قِيلَ، وتَلْمَذَةِ الغُرابِ؛ فَإنَّها إهانَةٌ، ولِذا لَمْ يُلْهَمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ ما أُلْهِمَ، واسْوِدادِ وجْهِهِ، وتَبَرِّي أبَوَيْهِ مِنهُ لا عَلى الذَّنْبِ إذْ هو تَوْبَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ يعني اقرأ على قومك نَبَأَ يعني خبر ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ يعني بالصدق إِذْ قَرَّبا قُرْباناً وذلك أن حواء- عليها السلام- ولدت غلاماً وجارية في بطن واحد، قابيل وأخته إقليما، ثم ولدت في بطن آخر هابيل وأخته ليوذا، فلما كبروا أمر الله تعالى بأن يزوج كل واحد منهما أخت صاحبه، وكانت أخت قابيل أحسن، فأبى قابيل وقال: بل زوج كل واحد منا أخته، فقال آدم: إن الله تعالى أمرني بذلك.

فقال له قابيل: إن الله تعالى لم يأمرك بهذا، ولكنك تميل إلى هابيل.

فأمرهما بأن قربا قرباناً، فأيكما تقبل قربانه كان أحق بها، فعمد قابيل وكان صاحب زرع إلى شر زرعه ووضعه عند الجبل، وعمد قابيل وكان صاحب مواشي إلى خير غنمه فوضعها عند الجبل، وكان قابيل يضمر في قلبه أنه إن تقبل منه أو لم يتقبل لا يسلم إليه أخته، فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل، وكان ذلك علامة القبول، وتركت قربان قابيل فذلك قوله: إِذْ قَرَّبا قُرْباناً يعني وضعا قربانا.

فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما يعني هابيل وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ يعني قابيل ف قالَ قابيل لهابيل لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ ولم؟

قال: لأن الله قد قبل قربانك ورد عليّ قرباني.

فقال له هابيل: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ولم يكن الذنب مني، وإنما لم يتقبل منك لخيانتك وسوء نيتك.

وقال بعض الحكماء: العاقل من يخاف على حسناته، لأن الله تعالى قال: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ والخاسر من يأمن من عذاب الله لأن الله تعالى قال: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف: 99] .

قوله تعالى: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ يعني هابيل قال لقابيل: لئن مددت إليَّ يدك لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ثم قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يعني: إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني بقتلك إياي وبإثمك الذي عملت قبل قتلي وهي الخيانة في القربان وغيره.

ويقال: إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني أن لا أبسط يدي إليك لترجع أنت بإثمي وإثمك، ولا يكون عليَّ من الإثم شيء.

ويقال: معناه إني أريد أن تؤخذ بإثمي وإثمك.

فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ يعني لكي لا يكون من أصحاب النار وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ.

قال الله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ يعني تابعت له نفسه على قتل أخيه ويقال: انقادت له طاعة نفسه.

وقال: قتادة زينت له نفسه بقتل أخيه فَقَتَلَهُ قال بعضهم: إنه كان لا يدري كيف يقتله، حتى جاء إبليس فتمثل عنده برجلين، فأخذ أحدهما حجراً ولم يزل يضرب الآخر حتى قتله، فتعلم ذلك منه وقال بعضهم: بل كان يعرف ذلك بطبعه، لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية، ويمكن إتلافها فأخذ حجراً وقتله بأرض الهند، فلما رجع إلى آدم قال له: ما فعلت بهابيل؟

فقال له قابيل: أجعلتني رقيباً على هابيل؟

فذهب حيث يشاء فبات آدم تلك الليلة محزوناً، فلما أصبح قابيل رجع إلى الموضع الذي قتله، فرأى غراباً وقال بعضهم: كان يحمله على عاتقه أياماً لا يدري ما يصنع به حتى رأى غراباً ميتاً، فجاء غراب آخر وبحث التراب برجليه ودفن الغراب الميت في التراب، فذلك قوله تعالى فقتله فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني فصار من المغبونين في العقوبة.

قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ وقابيل ينظر إليه.

وقال القتبي: هذا من الاختصار، ومعناه بعث غراباً يبحث التراب على غراب الميت لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ يعني كيف يغطي عورة أخيه قالَ قابيل عند ذلك: يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ يعني أضعفت في الحيلة أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي يعني فأغطي عورة أخي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على حمله حيث لم يدفنه حين قتله.

قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه.

ويقال: إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياماً عليه، ثم إن قابيل كان على ذروة جبل، فنطحه ثور فوقع على السفح فتفرقت عروقه.

ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض.

وقال مقاتل: كان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل أخاه هربوا فحلقت الطيور بالهواء والوحوش بالبرية والسباع بالغياض، فتزوج شيث-  - بإقليما.

وروي عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ  أنه قال: «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ» .

وقال بعضهم: هذه القصة كانت في بني إسرائيل، وهما أخوان قتل أحدهما الآخر، ولكن هذا خلاف قول المفسرين.

قال الله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يحتملُ: أن يكون مِنْ قول هابيلَ لأخيه، ويحتمل:

أن يكون إخباراً من اللَّه تعالى لمحمَّد- عليه السلام-، قال الفَخْر: وقوله تعالى:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ قال المفسرون: معناه: سَهَّلَتْ له نفسه قَتْل أخيه.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ: أصْبَحَ: عبارةٌ عن جميعِ أوقاتِهِ، وهذا مَهْيَعُ كلامِ العرب ومنه: [المنسرح] أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَح ...

البَيْتَ «١» وقول سعد: فَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي «٢» ، إلى غير ذلك مِن استعمال العرب، ومِنْ خسرانِ قابيلَ ما صحَّ، وثبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ابن آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا» «٣» وذلك لأنه أول من سنّ القتل.

وقوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً ...

الآية: قيل: أصبح في ثاني يومٍ قتله يطلب إخفاء أَمْرِ قتله، فلم يَدْرِ ما يصنعُ به، فبعث اللَّه غراباً حيًّا إلى غرابٍ ميتٍ، فجعل يبحث

في الأرض، ويُلْقِي الترابَ على الغُرَاب الميِّت، وظاهرُ الآية أنَّ هابيلَ هو أول مَيِّتٍ من بني آدم، ولذلك جَهِلَ سُنَّة المواراةِ وكذلك حكى الطبريُّ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أَهْلِ العِلْمِ بما في الكُتُب الأَوَلِ، والسَّوْءَةُ: العورةُ، ويحتمل أن يراد الحالة التي تَسُوء النَّاظر، ثم إن قابيلَ وارى أخَاه، ونَدِمَ على ما كان منه مِنْ معصية في قَتْله، حيث لا ينفعه الندم.

واختلف العلماء في قابيلَ، هل هو مِنَ الكُفَّار أو من العُصَاة، والظاهر أنه من العُصَاة، قال الفَخْر: ولم «١» ينتفعْ قابيلُ بندمه لأن نَدَمَهُ كان لأسبابٍ منها: سَخَط أبويه وإخوته، وعدمُ انتفاعه بقتله، وَنَحْوُ ذلك، ولما كان ندمه لهذه الأسبابِ لا لأجْلِ الخَوْف من اللَّه تعالى، فلا جَرَمَ لم ينفعْهُ هذا الندَمُ.

وقوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هو إِشارة إلى ما تضمَّنته هذه القصَّة من أنواع المفاسِدِ الحاصلة بسبب القَتْل الحرامِ، لا أنه إشارة إلى قصة قابيلَ وهابيلَ.

انتهى.

وقوله سبحانه: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية: جمهورُ النَّاس على أن قوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ: متعلِّق بقوله: كَتَبْنا أي: من أجل هذه النازلة، ومِنْ جَرَّاها كتبنا، وقالَ قومٌ: بل هو متعلِّق بقوله: مِنَ النَّادِمِينَ أي: ندم من أجل ما وقع، والوقْفُ على هذا، على ذلِكَ، والناس على أن الوَقْف مِنَ النَّادِمِينَ، ويقال: فعلْتُ ذلك مِنْ أَجْلِكَ- بفتح الهمزة- ومِنْ إجْلِكَ- بكسرها-.

وقوله سبحانه: بِغَيْرِ نَفْسٍ أي: بغير أن تَقْتُلَ نفْسٌ نفْساً، والفسادُ/ في الأرض:

يجمع الزنا، والارتداد، والحِرَابة.

وقوله سبحانه: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى:

مَنْ قتل نفساً واحدةً، وانتهك حرمتها، فهو مِثْلُ مَنْ قتل الناس جميعاٌ، ومَنْ ترك قتْلَ نفسٍ واحدةٍ، وصان حرمتها مخافَتِي، واستحياها، فهو كَمَنْ أحيا الناسَ جميعاً «٢» ، قال الحسنُ وابْنُ زيدٍ: وَمَنْ أَحْياها أي: عفا عمَّن وَجَبَ له قتلُهُ بعد القدرة «٣» ، وقيل غير هذا.

ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسُلُ بالبيِّنات في هذا وفي سواه،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَمَلَهُ عَلى عاتِقِهِ، فَكانَ إذا مَشى تَخُطُّ يَداهُ ورِجْلاهُ في الأرْضِ، وإذا قَعَدَ وضْعَهُ إلى جَنْبِهِ حَتّى رَأى غُرابَيْنِ اقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُمُ الآخَرَ، ثُمَّ بَحَثَ لَهُ الأرْضَ حَتّى واراهُ بَعْدَ أنْ حَمَلَهُ سِنِينَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَهُ عَلى عاتِقِهِ مِائَةَ سَنَةٍ.

وقالَ عَطِيَّةُ: حَمَلَهُ حَتّى أرْوَحَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ.

وفي المُرادِ بِسَوْأةِ أخِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَوْرَةُ أخِيهِ.

والثّانِي: جِيفَةُ أخِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ النَّدَمُ تَوْبَةً، فَلِمَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ؟

فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ النَّدَمُ تَوْبَةً لِمَن تَقَدَّمَنا، ويَكُونُ تَوْبَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ، لِأنَّها خُصَّتْ بِخَصائِصَ لَمْ تُشارَكْ فِيها، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ.

والثّانِي: أنَّهُ نَدِمَ عَلى حَمْلِهِ لا عَلى قَتْلِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَدِمَ إذْ لَمْ يُوارِهِ حِينَ قَتَلَهُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ نَدِمَ عَلى فَواتِ أخِيهِ، لا عَلى رُكُوبِ الذَّنْبِ.

وفي هَذِهِ القِصَّةِ تَحْذِيرٌ مِنَ الحَسَدِ، لِأنَّهُ الَّذِي أهْلَكَ قابِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ﴿ فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النادِمِينَ ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَطَوَّعَتْ"؛ والمَعْنى أنَّ القَتْلَ في ذاتِهِ مُسْتَصْعَبٌ عَظِيمٌ عَلى النُفُوسِ؛ فَرَدَّتْهُ هَذِهِ النَفْسُ اللَجُوجَةُ الأمّارَةُ بِالسُوءِ طائِعًا؛ مُنْقادًا؛ حَتّى واقَعَهُ صاحِبُ هَذِهِ النَفْسِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والجَرّاحُ؛ والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ ؛ وأبُو واقِدٍ: "فَطاوَعَتْ"؛ والمَعْنى: كَأنَّ القَتْلَ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ؛ بِسَبَبِ الحِقْدِ؛ والحَسَدِ الَّذِي أصابَ قابِيلَ؛ وكَأنَّ النَفْسَ تَأْبى لِذَلِكَ؛ ويَصْعُبُ عَلَيْها؛ وكُلُّ جِهَةٍ تُرِيدُ أنْ تُطِيعَها الأُخْرى؛ إلى أنْ تَفاقَمَ الأمْرُ؛ وطاوَعَتِ النَفْسُ القَتْلَ فَواقَعَتْهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ التَمَسَ الغِرَّةَ في قَتْلِهِ؛ حَتّى وجَدَهُ نائِمًا في غَنَمِهِ؛ فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ؛ ورُوِيَ أنَّهُ جَهِلَ كَيْفَ يَقْتُلُهُ؛ فَجاءَ إبْلِيسُ بِطائِرٍ؛ أو حَيَوانٍ غَيْرِهِ فَجَعَلَ يَشْدَخُ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهِ قابِيلُ؛ فَفَعَلَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ قابِيلُ إلى آدَمَ قالَ لَهُ: "أيْنَ هابِيلُ؟"؛ قالَ: لا أدْرِي؛ كَأنَّكَ وكَّلْتَنِي بِحِفْظِهِ؛ فَقالَ لَهُ آدَمُ: "أفَعَلْتَها؟

واللهِ إنَّ دَمَهُ لِيُنادِينِي مِنَ الأرْضِ؛ اللهُمَّ العن أرْضًا شَرِبَتْ دَمَ هابِيلَ"؛ فَرُوِيَ أنَّهُ مِن حِينِئِذٍ ما شَرِبَتْ أرْضٌ دَمًا؛ ثُمَّ إنَّ آدَمَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَقِيَ مِائَةَ عامٍ لَمْ يَتَبَسَّمْ حَتّى جاءَ مَلَكٌ فَقالَ لَهُ: حَيّاكَ اللهُ يا آدَمُ وبَيّاكَ؛ فَقالَ آدَمُ: "ما بَيّاكَ؟"؛ قالَ: أضْحَكَكَ؛ فَرُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ حِينَئِذٍ: تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها ∗∗∗ فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ ولَوْنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةَ الوَجْهُ المَلِيحُ وكَذا هو الشِعْرُ؛ بِنَصْبِ "بَشاشَةَ" وكَفِّ التَنْوِينِ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: عَلَقَتْ إحْدى رِجْلَيِ القاتِلِ بِساقِها إلى فَخِذِها مِن يَوْمِئِذٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ووَجْهُهُ إلى الشَمْسِ حَيْثُما دارَتْ؛ عَلَيْهِ في الصَيْفِ حَظِيرَةٌ مِن نارٍ؛ وعَلَيْهِ في الشِتاءِ حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَإنْ صَحَّ هَذا فَهو مِن خُسْرانِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ؛ ومِن خُسْرانِهِ ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: "إنّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ يُقاسِمُ أهْلَ النارِ قِسْمَةً صَحِيحَةً العَذابَ؛ عَلَيْهِ شَطْرُ عَذابِهِمْ"؛ ومِن خُسْرانِهِ ما ثَبَتَ وصَحَّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "ما قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها"؛» وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ.

وقَوْلُهُ: "فَأصْبَحَ"؛ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ أوقاتِهِ؛ أُقِيمَ بَعْضُ الزَمَنِ مَقامَ كُلِّهِ؛ وخُصَّ الصَباحُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ بَدْءُ النَهارِ؛ والِانْبِعاثُ إلى الأُمُورِ؛ ومَطِيَّةُ النَشاطِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ∗∗∗ ∗∗∗.................

ومِنهُ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: "ثُمَّ أصْبَحَتْ بَنُو أسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلى الإسْلامِ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالِ العَرَبِ؛ كَما ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ ﴾ ؛ رُوِيَ في مَعْناهُ أنَّ قابِيلَ جَعَلَ أخاهُ في جِرابٍ؛ ومَشى بِهِ يَحْمِلُهُ في عُنُقِهِ مِائَةَ عامٍ؛ وقِيلَ: سَنَةً واحِدَةً؛ وقِيلَ: بَلْ أصْبَحَ في ثانِي يَوْمٍ قَتْلَهُ يَطْلُبُ إخْفاءَ أمْرِ أخِيهِ؛ فَلَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ بِهِ؛ فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا حَيًّا إلى غُرابٍ مَيِّتٍ؛ فَجَعَلَ يَبْحَثُ في الأرْضِ؛ ويُلْقِي التُرابَ عَلى الغُرابِ المَيِّتِ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا؛ حَتّى قَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ؛ ثُمَّ جَعَلَ القاتِلُ يَبْحَثُ ويُوارِي المَيِّتَ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما بَعَثَ غُرابًا واحِدًا؛ فَجَعَلَ يَبْحَثُ ويُلْقِي التُرابَ عَلى هابِيلَ.

وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هابِيلَ هو أوَّلُ مَيْتٍ مِن بَنِي آدَمَ؛ ولِذَلِكَ جُهِلَتْ سُنَّةُ المُواراةِ؛ وكَذَلِكَ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ؛ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ؛ بِما في الكُتُبِ الأُوَلِ.

وَ"يَبْحَثُ"؛ مَعْناهُ: يُفَتِّشُ التُرابَ بِمِنقارِهِ؛ ويُثِيرُهُ؛ ومِن هَذا سُمِّيَتْ سُورَةُ [بَراءَةٌ] "اَلْبُحُوثَ"؛ لِأنَّها فَتَشَتْ عَنِ المُنافِقِينَ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: إنِ الناسُ غَطَّوْنِي تَغَطَّيْتُ عنهُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ بَحَثُونِي كانَ فِيهِمْ مَباحِثُ وفِي مِثْلِ: "لا تَكُنْ كالباحِثِ عَنِ الشَفْرَةِ".

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: سَوْأةَ أخِيهِ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى قابِيلَ؛ ويُرادَ بِالأخِ هابِيلُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الغُرابِ الباحِثِ؛ ويُرادَ بِالأخِ الغُرابُ المَيِّتُ؛ والأوَّلُ أشْهَرُ في التَأْوِيلِ؛ والسَوْأةُ: اَلْعَوْرَةُ؛ وخُصَّتْ بِالذِكْرِ - مَعَ أنَّ المُرادَ مُواراةُ جَمِيعِ الجَسَدِ - لِلِاهْتِمامِ بِها؛ ولِأنَّ سَتْرَها أوكَدُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالسَوْأةِ هَذِهِ الحالَةُ الَّتِي تَسُوءُ الناظِرَ بِمَجْمُوعِها؛ وأُضِيفَتْ إلى المَقْتُولِ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ بِهِ النازِلَةُ؛ لا عَلى جِهَةِ الغَضِّ مِنهُ؛ بَلِ الغَضُّ لاحِقٌ لِلْقاتِلِ؛ وهو الَّذِي أتى بِالسَوْأةِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأُوارِيَ"؛ بِنَصْبِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: "فَأُوارِي"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وهي لُغَةٌ لِتَوالِي الحَرَكاتِ.

ولَمّا رَأى قابِيلُ فِعْلَ الغُرابِ تَنَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ أنْ يَصْنَعَ بِأخِيهِ؛ ورَأى قُصُورَ نَفْسِهِ؛ وجَهْلَ البَشَرِ بِالأُمُورِ؛ فَقالَ: ﴿ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ واحْتَقَرَ نَفْسَهُ؛ ولِذَلِكَ نَدِمَ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يا ويْلَتى"؛ والأصْلُ: "يا ويْلَتِي"؛ لَكِنْ مِنَ العَرَبِ مَن يُبْدِلُ مِنَ الياءِ ألِفًا؛ ويَفْتَحُ الياءَ لِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: "يا ويْلَتى"؛ و"يا غُلاما"؛ ويَقِفُ بَعْضُهم عَلى هاءِ السَكْتِ؛ فَيَقُولُ: "يا ويْلَتاهْ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يا ويْلَتِي".

ونِداءُ الوَيْلَةِ هو عَلى مَعْنى: "اُحْضُرِي؛ فَهَذا أوانُكِ"؛ وهَذا هو البابُ في قَوْلِهِ: "يا حَسْرَةً"؛ وفي قَوْلِهِمْ: "يا عَجَبًا"؛ وما جَرى مُجْراهُ مِن نِداءِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لا تَعْقِلُ؛ وهي مَعانٍ: وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أعْجَزْتُ"؛ بِفَتْحِ الجِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ ؛ والفَيّاضُ؛ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "أعَجِزْتُ"؛ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ وهي لُغَةٌ.

ثُمَّ إنَّ قابِيلَ وارى أخاهُ؛ ونَدِمَ عَلى ما كانَ مِنهُ مِن مَعْصِيَةِ اللهِ في قَتْلِهِ؛ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ النَدَمُ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قابِيلَ؛ هَلْ هو مِنَ الكُفّارِ؛ أو مِنَ العُصاةِ؟

والظاهِرُ أنَّهُ مِنَ العُصاةِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا؛ فَخُذُوا مِن خَيْرِهِما؛ ودَعُوا الشَرَّ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الارض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِى ﴾ .

البعث هنا مستعمل في الإلهام بالطيران إلى ذلك المكان، أي فألْهم الله غراباً ينزل بحيث يراه قابيل.

وكأنّ اختيار الغراب لهذا العمل إمّا لأنّ الدفن حيلة في الغِربان من قبلُ، وإمّا لأنّ الله اختاره لذلك لمناسبة ما يعتري الناظر إلى سواد لونه من الانقباض بما للأسيف الخاسر من انقباض النفس.

ولعلّ هذا هو الأصل في تشاؤم العرب بالغراب، فقالوا: غُراب البين.

والضمير المستتر في «يُريَه» إن كان عائداً إلى اسم الجلالة فالتعليل المستفاد من اللام وإسناد الإرادة حقيقتان، وإن كان عائداً إلى الغراب فاللام مستعملة في معنى فاء التفريع، وإسناد الإرادة إلى الغراب مجاز، لأنّه سبب الرؤية فكأنَّه مُرِيءٌ.

و ﴿ كيف ﴾ يجوز أن تكون مجرّدة عن الاستفهام مراداً منها الكيفية، أو للاستفهام، والمعنى: ليريه جواب كيف يُواري.

وَالسَّوْأة: مَا تَسُوء رؤيتُه، وَهِي هنا تغيّر رائحة القتيل وتقطّع جسمه.

وكلمة ﴿ يَا ويلتا ﴾ من صيّغ الاستغاثة المستعملة في التعجّب، وأصله يا لَوَيْلَتِي، فعوّضت الألف عن لام الاستغاثة نحو قولهم: يا عَجَباً، ويجوز أن يجعل الألف عوضاً عن ياء المتكلم، وهي لغة، ويكون النّداء مجازاً بتنزيل الويلة منزلة ما يُنَادَى، كقوله: ﴿ يَا حسرتى على ما فرّطتُ في جنب الله ﴾ [الزمر: 56].

والاستفهام في ﴿ أعجزت ﴾ إنكاري.

وهذا المشهد العظيم هو مشهد أوّل حضارة في البشر، وهي من قبيل طلب سَتر المشاهد المكروهة.

وهو أيضاً مشهد أوّللِ علممٍ اكتسبه البشر بالتّقليد وبالتَّجربة، وهو أيضاً مشهد أوّل مظاهر تَلقّي البشر معارفه من عوالم أضعفَ منه كما تَشَبَّه النَّاس بالحيوان في الزينة، فلبسوا الجُلُود الحسنة الملوّنة وتكلّلوا بالريش المُلوّن وبالزهور والحجارة الكريمة، فكم في هذه الآية من عبرة للتَّاريخ والدّين والخُلُق.

﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ﴾ .

القول فيه كالقول في ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ [المائدة: 30].

ومعنى ﴿ من النادمين ﴾ أصبح نادماً أشدّ ندامة، لأنّ ﴿ من النادمين ﴾ أدلّ على تمكّن الندامة من نفسه، من أن يقال «نادماً».

كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وكان من الكافرين ﴾ [البقرة: 34] وقوله: والندم أسف الفاعل على فعل صدر منه؛ لم يتفطّن لما فيه عليه من مضرّة قال تعالى: ﴿ أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ﴾ [الحجرات: 6]، أي ندم على ما اقترف من قتل أخيه إذْ رأى الغراب يحتفل بإكرام أخيه الميّت ورأى نفسه يجترئ على قتل أخيه، وما إسراعه إلى تقليد الغراب في دفن أخيه إلاّ مبدأ النّدامة وحُبِّ الكرامة لأخيه.

ويحتمل أن هذا النّدم لم يكن ناشئاً عن خوف عذاب الله ولا قصد توبة، فلذلك لم ينفعه.

فجاء في الصّحيح " ما مِن نفس تُقْتَل ظُلماً إلاّ كان على ابننِ آدم الأوّل كِفْل من دمها ذلك لأنَّه أوّل من سَنّ القتل " ويحتمل أن يكون دليلاً لمن قالوا: إنّ القاتل لا تقبل توبته وهو مروي عن ابن عبّاس، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها ﴾ الآية من سورة النّساء (93).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُما ابْنا آدَمَ لِصُلْبِهِ، وهُما هابِيلُ وقابِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

﴿ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ﴾ والقُرْبانُ: هو البِرُّ الَّذِي يُقْصَدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وهو فُعْلانُ مِنَ القُرْبِ.

واخْتُلِفَ في السَّبَبِ الَّذِي قَرَّبا لِأجْلِهِ قُرْبانًا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما فَعَلاهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ.

والثّانِي: وهو أشْهَرُ القَوْلَيْنِ أنَّ ذَلِكَ لِسَبَبٍ، وهو أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَضَعُ فِي كُلِّ عامٍ غُلامًا وجارِيَةً، فَكانَ الغُلامُ يَتَزَوَّجُ مِن أحَدِ البَطْنَيْنِ بِالجارِيَةِ مِنَ البَطْنِ الآخَرِ، وكانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنِ ابْنَيْ آدَمَ هابِيلَ وقابِيلَ تَوْأمَةٌ، فَأرادَ هابِيلُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِتَوْأمَةِ قابِيلَ فَمَنَعَهُ، وقالَ أنا أحَقُّ بِها مِنكَ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ مَنعِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قابِيلَ قالَ لِهابِيلَ أنا أحَقُّ بِتَوْأمَتِي مِنكَ، لِأنَّنا مِن وِلادَةِ الجَنَّةِ وأنْتَ مِن وِلادَةِ الأرْضِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَنَعَهُ مِنها لِأنَّ تَوْأمَتَهُ كانَتْ أحْسَنَ مِن هابِيلَ ومِن تَوْأمَتِهِ، فَقَرَّبا قُرْبانًا وكانَ قابِيلُ حَرّاثًا، وهابِيلُ راعِيًا، فَقَرَّبَ هابِيلُ سَخْلَةً سَمِينَةً مِن خِيارِ مالِهِ، وقَرَّبَ قابِيلُ حُزْمَةَ سُنْبُلٍ مِن شَرِّ مالِهِ، فَنَزَلَتْ نارٌ بَيْضاءُ فَرَفَعَتْ قُرْبانَ هابِيلَ وتَرَكَتْ قُرْبانَ قابِيلَ، وكانَ ذَلِكَ عَلامَةَ القَبُولِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِسْكِينٌ يُتَقَرَّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ قُرَبُهم هَكَذا.

قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: وكانَتْ سَخْلَةُ هابِيلَ المَقْبُولَةُ تَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فَدى اللَّهُ تَعالى بِها إسْحاقَ بْنَ إبْراهِيمَ الذَّبِيحَ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ قَبُولِ قُرْبانِ هابِيلَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَ أتْقى لِلَّهِ مِن قابِيلَ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ ، والتَّقْوى ها هُنا الصَّلاةُ، عَلى ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ.

الثّانِي: لِأنَّ هابِيلَ تَقَرَّبَ بِخِيارِ مالِهِ فَتُقُبِّلَ مِنهُ، وقابِيلُ تَقَرَّبَ بِشَرِّ مالِهِ، فَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ.

واخْتُلِفَ في قُرْبانِهِما هَلْ كانَ بِأمْرِ آدَمَ، أوْ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِما عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما قَرَّبا بِأمْرِ آدَمَ حِينَ اخْتَصَما إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُما قَرَّبا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِما.

وَكانَ آدَمُ قَدْ تَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ، لِيَراها ويَزُورَ البَيْتَ بِها عَنْ أمْرٍ بِهِ، وكانَ قَدْ عَرَضَ الأمانَةَ في حِفْظِ أهْلِهِ عَلى السَّماواتِ فَأبَتْ، فَعَرَضَها عَلى الأرْضِ فَأبَتْ، فَعَرَضَها عَلى الجِبالِ فَأبَتْ، فَعَرَضَها عَلى قابِيلَ فَقَبِلَها، ثُمَّ تَوَجَّهَ وعادَ فَوَجَدَ قابِيلَ قَدْ قَتَلَ هابِيلَ وشَرِبَتِ الأرْضُ دَمَهُ، فَبَكى ولَعَنَ الأرْضَ لِشُرْبِها دَمَهُ، فَأنْبَتَتِ الشَّوْكَ، ولَمْ تَشْرَبْ بَعْدَهُ دَمًا.

رَوى غِياثُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أبِي إسْحاقَ الهَمْدانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا قَتَلَ قابِيلُ بْنُ آدَمَ هابِيلَ أخاهُ بَكاهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌ قَبِيحْ ∗∗∗ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحْ قالَ فَأُجِيبَ آدَمُ: أبا هابِيلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعًا ∗∗∗ وصارَ الحَيُّ كالمَيِّتِ الذَّبِيحْ ∗∗∗ وجاءَ بِشَرِّ ما قَدْ كانَ مِنهُ ∗∗∗ عَلى خَوْفٍ فَجاءَ بِها تَصِيحْ واخْتُلِفَ في قابِيلَ هَلْ كانَ عِنْدَ قَتْلِ أخِيهِ كافِرًا أوْ فاسِقًا؟

فَقالَ قَوْمٌ كانَ كافِرًا، وقالَ آخَرُونَ بَلْ كانَ رَجُلَ سَوْءٍ فاسِقًا.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَزَلْ بَنُو آدَمَ في نِكاحِ الأخَواتِ حَتّى مُضِيَّ أرْبَعَةِ آباءٍ، فَنَكَحَ ابْنَةَ عَمِّهِ وذَهَبَ نِكاحُ الأخَواتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ ﴾ مَعْناهُ لَئِنْ بَدَأْتَنِي بِالقَتْلِ لَمْ أبْدَأْكَ بِمِثْلِهِ، وفي امْتِناعِهِ مِن دَفْعِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَنَعَهُ مِنهُ التَّحَرُّجُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وجَوازِهِ لَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِناعُ مِمَّنْ أرادَ إذْ ذاكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ ﴾ مَعْناهُ تَرْجِعُ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَبُوءَ بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِكَ الَّذِي عَلَيْكَ مِن مَعاصِيكَ وذُنُوبِكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: يَعْنِي أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي في خَطايايَ، وإثْمِكَ بِقَتْلِكَ لِي، فَتَبُوءُ بِهِما جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَرَوى الأعْمَشُ، عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ ﴾ مَعْنى طَوَّعَتْ أيْ فَعَّلَتْ مِنَ الطّاعَةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي شَجَّعَتْ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: يَعْنِي زَيَّنَتْ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: يَعْنِي فَساعَدَتْهُ.

وَكانَ هابِيلُ أوَّلَ مَن قُتِلَ في الأرْضِ، وقِيلَ إنَّ قابِيلَ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ حَتّى ظَهَرَ لَهُ إبْلِيسُ فَعَلَّمَهُ، وقِيلَ إنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً، بِأنْ ألْقى عَلَيْهِ وهو نائِمٌ صَخْرَةً، شَدَخَهُ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَوْرَةَ أخِيهِ.

والثّانِي: جِيفَةُ أخِيهِ لِأنَّهُ تَرَكَهُ حَتّى أنْتَنَ، فَقِيلَ لِجِيفَتِهِ سَوْأةٌ.

وَفي الغُرابِ المَبْعُوثِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مَلَكًا عَلى صُورَةِ الغُرابِ، فَبَحَثَ الأرْضَ عَلى سَوْأةِ أخِيهِ حَتّى عَرَفَ كَيْفَ يَدْفِنُهُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ غُرابًا بَحَثَ الأرْضَ عَلى غُرابٍ آخَرَ.

﴿ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ نَدِمَ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي تَصِحُّ مِنهُ التَّوْبَةُ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ مِنهُ، ولَوْ نَدِمَ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ لَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.

وَرَوى مَعْمَرٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: «إنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَرَبا مَثَلًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَخُذُوا مِن خَيْرِهِما، ودَعُوا شَرَّهُما.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال: لما قتله ندم، ضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله، وكره أن يأتي به آدم فيحزنه، فبعث الله غرابين قتل أحدهما الآخر وهو ينظر إليه، ثم حفر به بمنقاره وبرجليه حتى مكَّن له، ثم دفعه برأسه حتى ألقاه في الحفرة، ثم بحث عليه برجليه حتى واراه، فلما رأى ما صنع الغراب ﴿ قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: بعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر ثم جعل يحثو عليه التراب حتى واراه، فقال ابن آدم القاتل: ﴿ يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: جاء غراب إلى غراب ميت، فحثا عليه التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه ﴿ يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: مكث يحمل أخاه في جراب على رقبته سنة، حتى بعث الله الغرابين، فرآهما يبحثان فقال: ﴿ أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ﴾ فدفن أخاه.

وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال: ان آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر، مكث مائة عام لا يضحك حزناً عليه، فأتى على رأس المائة فقيل له: حياك الله وبياك وبشر بغلام، فعند ذلك ضحك.

وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما قتل ابن آدم، بكى آدم فقال: تغيرت البلاد ومن عليها ** فلون الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم ** وقل بشاشة الوجه المليح فأجيب آدم عليه السلام: أبا هابيل قد قتلا جميعاً ** وصار الحي بالميت الذبيح وجاء بشره قد كان منه ** على خوف فجاء بها يصيح وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما قتل ابن آدم أخاه قال آدم عليه الصلاة والسلام: تغيرت البلاد ومن عليها ** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم ** وقل بشاشة الوجه الصبيح قتل قابيل هابيلاً أخاه ** فوا حزناً مضى الوجه المليح فأجابه إبليس عليه اللعنة: تنح عن البلاد وساكنيها ** فبي في الخلد ضاق بك الفسيح وكنت بها وزوجك في رخاء ** وقلبك من أذى الدنيا مريح فما انفكت مكايدتي ومكري ** إلى أن فاتك الثمن الربيح <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية.

قال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه تركه بالعراء، ولم يدر ما يصنع؛ لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فقصده السباع، فحمله في جراب على ظهره حتى أَرْوح، فبعث الله غُرابًا يبحث في الأرض (١) قال ابن عباس: وكان غرابين اقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، وقابيل ينظر، ثم بحث في الأرض حتى جعل له حفرة فدفنه فيها، ففعل قابيل مثل ما فعل الغراب (٢) قال ابن قتيبة: وهذا مختصر، والتقدير: فبعث الله غُرابًا يبحث في الأرض على غراب ميت (٣) قال الضحاك: ﴿ يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ يثير التراب من الأرض (٤) ﴿ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ .

أي: جيفته، وقيل: عورة أخيه (٥) وقوله تعالى: ﴿ يَا وَيْلَتَا ﴾ .

قال الزجاج: المعنى يا ويلتا تعالي، فإنه من إبّانك (٦) (٧) وذكرنا زيادة بيان في قوله: ﴿ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَأُوَارِيَ ﴾ ، عطف على: ﴿ أَنْ أَكُونَ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ  ﴾ .

حقيقة معنى الندم أنه وضع للزوم، ومنه سمي النديم نديمًا لأنه يلازم المجلس، ويقوي هذا قولهم: نادم سادم، والسدم اللهج بالشيء، يقال: سدم به، إذا أغري به ولزمه، ويقال (٨) (٩) قال كثير من المفسرين: ﴿ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ على حمله والتطواف به (١٠) وقال آخرون: ﴿ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ على ذوات أخيه؛ لأنه لم ينتفع بقتل أخيه، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته، فندم لأجل ذلك، لا لأجل أنه جنى واقترف ذنبًا بقتله، فلم يكن ندمه على الوجه الذي يكون ندم التربة (١١) (١) أخرجه بمعناه عن ابن عباس وغيره: الطبري في "تفسيره" 6/ 197، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 44، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 52.

(٢) بمعناه في "تفسيره" ص 176، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 197 من طرق، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 489.

(٣) "تأويل مشكل القرآن" ص 231، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 198، "معاني الزجاج" 2/ 167.

(٤) لم أقف عليه، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 198.

(٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 199، "النكت والعيون" 2/ 30، "زاد المسير" 2/ 338.

(٦) أي من وقتك أو زمن حاجتك.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 167 ، 168 بتصرف.

(٨) في (ج): (وقال).

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3543، "اللسان" 7/ 4386 (ندم).

(١٠) انظر: "بحر العلوم" 1/ 430، والبغوي في "تفسيره" 3/ 44، "زاد المسير" 2/ 339.

(١١) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 464، "بحر العلوم" 1/ 430، "النكت والعيون" 2/ 31، والبغوي في "تفسيره" 3/ 44، "زاد المسير" 2/ 339.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ ﴾ الآية، قيل: معناها لئن بدأتني بالقتال لم أبدأك به، وقيل: إن بدأتني بالقتال لم أدافعك، ثم اختلف على هاذ القول هل تركه لدفاعه عن نفسه تورعاً وفضيلة؟

وهو الأظهر والأشهر، وكان واجباً عندهم أن لا يدافع أحد عن نفسه وهو قول مجاهد، وأما في شرعنا فيجوز دفع الإنسان عن نفسه بل يجب ﴿ إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ الإرادة هنا ليست بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخيير في أهون الشرين كأنه قال: إن قتلتني، فذلك أحب إلي من أن أقتلك كما ورد في الأثر: «كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل» ، وأما قوله بإثمي وإثمك فمعناه بإثم قتلي لك لو قتلتك، وبإثم قتلك لي، وإنما يحمل القاتل الإثمين، لأنه ظالم، فذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «المتسابان ما قالا» فهو على البادئ، وقيل: بإثمي؛ أي تحمل عني سائر ذنوبي، لأن الظالم تجعل عليه في القيامة ذنوب المظلوم، وبإثمك أي في قتلك لي، وفي غير ذلك من ذنوبك ﴿ وَذَلِكَ جَزَآءُ الظالمين ﴾ يحتمل أن يكون من كلام هابيل، أو استئنافاً من كلام الله تعالى ﴿ فَبَعَثَ الله غُرَاباً ﴾ الآية: روي أن غرابين اقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر، ثم جعل القاتل يبحث عن التراب ويواري الميت، وقيل: بل كان غراباً واحداً يبحث ويلقي التراب على هابيل ﴿ سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ أي عورته، زخصت بالذكر لأنها أحب بالستر من سائر الجسد، والضمير في أخيه عائد على ابن آدم، ويظهر من هذه القصة أن هابيل كان أ ول من دفن من بني آدم ﴿ قَالَ ياويلتا ﴾ أصله يا ويلتي، ثم أبدل من الياء ألف وفتحت التاء وكذلك يا آسفا.

ويا حسرتا ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ﴾ على ما وقع فيه من قتل أخيه، واختلف في قابيل هل كان كافراً أو عاصياً، والصحيح أنه لم يكن في تلك المدة كافراً لأنه قصد التقرب إلى الله بالقربان، وأصبح هنا وفي الموضع عبارة عن جميع الأوقات لا مختصة بالصباح.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لأقتلنك ﴾ بالنون الخفيفة.

روى المعدّل عن زيد ﴿ يدي إليك ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع.

﴿ من أجل ﴾ بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿ رسلنا ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿ اتل ﴾ وهو محال ﴿ من الآخر ﴾ ط ﴿ لأقتلنك ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ لأقتلك ﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء.

﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ ه ج لأجل الفاء ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ سوأة أخيه ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه ﴿ النادمين ﴾ ه ج ﴿ من أجل ذلك ﴾ ج كذلك لأنّ قوله: ﴿ من أجل ﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿ أصبح ﴾ وبـ ﴿ كتبنا ﴾ .

﴿ جميعاً ﴾ في الموضعين ط.

﴿ بالبينات ﴾ ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ لمسرفون ﴾ ه ﴿ من الأرض ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا عليهم ﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام ﴿ أليم ﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يتوب عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم  ﴾ فكأنه  ذكر لأجل تسلية نبيّه  قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان.

ومنها أنه عائد إلى قوله: ﴿ يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب  ﴾ فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة.

ومنها أنه من تمام قوله: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل.

والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله  ، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد.

أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿ إذ قربا ﴾ قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله  من ذبيحة أو صدقة.

يروى أنّ آدم  كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا.

وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك.

فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه.

فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً.

هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه.

قال مجاهد: أكل النار علامة الرد.

وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول.

وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.

وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال  حكاية عن المحق في جواب المبطل: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله  التي هي السبب في القبول؟

قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع.

وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل.

وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟

قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً.

فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.

ثم حكى الله  عن المظلوم أنه قال: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ﴾ فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة.

قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع.

قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك.

ثم قال: ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى  ﴾ ؟

فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.

وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.

وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي.

سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟

والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة.

أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله  عقاب الظالم.

وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً.

﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله.

ومنهم من قال: شجعته فقتله.

والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع.

وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه.

يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه.

ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات.

وعن النبي  أنه قال: " "لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" ولذلك أنه أوّل من سن القتل ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً.

قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها.

فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار.

وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء.

وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.

وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً.

فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك.

ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة.

وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد  ولهذا أثنى الله  عليه بقوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له  ﴾ وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال.

قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً.

روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب.

وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله  كيف يكرمه بعد موته ندم.

وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه ﴿ ليريه ﴾ أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه ﴿ كيف يواري ﴾ محله نصب على الحال من ضمير ﴿ يواري ﴾ والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده.

وقيل: أي جيفة أخيه.

والسوأة السوء الخلة القبيحة ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة عذاب.

يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم.

وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك.

والألف بدل من ياء المتكلم ﴿ أعجزت ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ أن أكون ﴾ أي عن أن أكون ﴿ مثل هذا الغراب ﴾ أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: ﴿ فأواري ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام ﴿ من النادمين ﴾ الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس.

وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم *** ﴿ من أجل ذلك ﴾ القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه ﴿ كتبنا على بني إسرائيل ﴾ إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل.

والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله  في الواقعة التي عزموا فيها على قتله.

ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله  قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ من أجل ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد.

ويعمل منه امتناع كونه  خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد.

والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال.

والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً.

﴿ بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص.

﴿ أو فساد ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على ﴿ نفس ﴾ بمعنى أو بغير فساد ﴿ في الأرض ﴾ كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل.

فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.

والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر.

وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ﴿ ومن أحياها ﴾ استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل ﴿ ثم إنّ كثيراً منهم ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد مجيء الرسل ﴿ لمسرفون ﴾ في القتل لا يبالون بهتك حرمة.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة.

ثم إنه  بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة.

ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف.

والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى.

لأنّ افساد نوع من السعي.

عن قتادة عن أنس "أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله  واستاقوا الذود، فبعث رسول الله  في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" فكانت الآية ناسخة لتلك السنة.

وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة.

وقيل: "نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله  عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم" .

وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل.

وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء.

قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام.

وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه.

واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص.

وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق.

وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف.

فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى.

وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون.

والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي.

فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ.

والتشديد في هذه الأفعال للتكثير.

﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو.

وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين ﴿ من خلاف ﴾ أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان.

قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة.

قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب.

وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر.

وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي.

قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب.

وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص.

وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام.

وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك.

وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة.

أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً.

فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.

والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس.

وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ﴿ ذلك لهم خزي ﴾ ذل وفضيحة ﴿ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط.

وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه.

قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.

والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله  في الزنا ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما  ﴾ وفي السرقة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴾ ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل.

فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل.

وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل.

وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق.

والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود.

ثم إنه  لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله.

والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: ألا كل ذي لب إلى الله واسل *** والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه  أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته.

وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات.

ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: ﴿ وجاهدوا في سبيله ﴾ والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين.

ثم قال: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية.

ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ﴾ أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت ﴿ من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران.

وعن النبي  : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟

فيقول: نعم.

فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك" ﴿ يريدون أن يخرجوا ﴾ أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك.

قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.

وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم.

عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة.

ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها.

وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: ﴿ فاقطعوا ﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما.

وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: ﴿ وربك فكبر  ﴾ وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله  وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل.

والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله  : ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء.

أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين.

وأيضاً الخطاب في: ﴿ فاقطعوا ﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة.

وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب.

أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق.

والمراد بالأيدي اليدان مثل: ﴿ فقد صغت قلوبكما  ﴾ وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى.

واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق  ﴾ وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع.

والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً.

ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير.

وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.

ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته.

وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير.

وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.

ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا.

واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق.

وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً.

ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه  قال: "لا/ قطع إلاّ في ربع دينار" وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه  قال: " "لا قطع إلا في ثمن المجن" والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.

وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك.

وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.

وعن الحسن: درهم.

وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم".

ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز.

فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع.

ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير.

ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً.

والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف.

ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه.

وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع.

وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب.

ومنها كون المال محرزاً لقوله  : "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" وحرز كل شيء على حسب حاله.

فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.

والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن.

وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال.

وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد.

وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره.

وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين.

ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع.

وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان.

حجة الشافعي أن قوله  : " "على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان.

وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق.

حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة.

ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً.

أما كيفية القطع فقد روي أنه  أتى بسارق فقطع يمينه.

قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك.

وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي  وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة.

واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم.

والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة.

واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.

وانتصاب ﴿ جزاء ﴾ و ﴿ نكالاً ﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿ اقطعوا ﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: ﴿ فاقطعوا ﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿ جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴾ .

﴿ فمن تاب ﴾ من السراق ﴿ من بعد ظلمه ﴾ أي سرقته ﴿ وأصلح ﴾ أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً.

وعند الجمهور لا تسقط.

وباقي الآيات قد مر تفسيره.

وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة.

التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.

وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله  الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية.

فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿ فتبوء بإثمي وإثمك ﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي.

فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿ فبعث الله غراباً ﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها.

وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه  قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿ في الأرض لمسرفون ﴾ أي في أرض البشرية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون ﴾ أولياء الله ﴿ أن يقتلوا ﴾ بسكين الخذلان ﴿ أو يصلبوا ﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿ أو تقطع أيديهم ﴾ عن أذيال الوصال ﴿ وأرجلهم من خلاف ﴾ عن الاختلاف ﴿ أو ينفوا ﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿ السارق والسارقة ﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ الآن في عالم الصورة ﴿ نكالاً من الله ﴾ تقديراً منه في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً ﴾ [قال الحسن وغيره: لم يكونا ابني آدم من صلبه، ولكن كانا رجلين من بني إسرائيل قربا قرباناً]؛ فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل قربان الآخر، وإن نسبهما إلى آدم؛ لأن كل البشر ولد آدم ينسب إليه، كقوله -  -: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ ﴾ افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، ليس يريد به ولد آدم لصلبه، ولكن البشر كله؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وأمَّا ابن عباس -  - والكلبي وغيرهما من أهل التأويل: فإنهم قالوا: "إنهما كانا ابني آدم لصلبه: أحدهما يسمى قابيل، والآخر هابيل، وكان [لكل] واحد منهما أخت ولدت معه في بطن واحد، وكانت إحداهما جميلة، والأخرى دميمة، فأراد كل واحد منهما نكاح الجميلة منهما، فتنازعا في ذلك؛ فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نقرب قرباناً، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها، وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها، فقربا قربانهما، فقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل؛ فحسده؛ فهم أن يقتله؛ فذلك قوله -  -: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، ولكن لا ندري كيف [كانت] وفيما كانت القصة؟

وكانا ابني آدم لصلبه، أو لم يكونا، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة، إنما الحاجة في هذا إلى معرفة ما فيه من الحكمة والعلم؛ ليعلم ذلك ويعمل به، فهو - والله أعلم - ما ذكر - عز وجل - فيما تقدم من قوله  : ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ فكأن هذا - أعني: نبأ ابني آدم - كان في كتبهم؛ فأمر - عز وجل - رسوله أن يتلو عليهم ذلك على ما كان، ويبين لهم ما في كتبهم؛ لأنه قال: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ و ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لا بأحد من البشر؛ لأنه إنما بعث عند دروس آثار الرسل، وانقطاع العلوم، فبين لهم واحداً بعد واحد، ففيه دليل إثبات رسالة [سيدنا] محمد  .

وسورة المائدة كان أكثرها نزلت في مخاطبة أهل الكتاب؛ لأنه يقول في غير موضع: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ و ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ يدعوهم إلى الإيمان بالرسل، ونزل سورة الأنعام في مخاطبة أهل الشرك؛ لأن فيها دعاء إلى التوحيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ على ما نزل.

ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ المعلوم المعروف على ما كانوا؛ ليعلموا أنه بالله علم، وأنه علم سماوي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: يحتمل: إنما يتقبل الله قربان من اتقى الشرك، لا يتقبل قربان من لم يتق، وإلى هذا يذهب الحسن، وقال: كانا رجلين من بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر منافق، فتنازعا في شيء فقربا ليعلم المحق منهما، فتقبل من المؤمن ولم يتقبل من الآخر.

وقال أبو بكر الأصم: كانا رجلين مصدقين؛ لأن الكافر لا يقرب القربان، لكن أحدهما كان أتقى قلباً فتقبل قربانه، والآخر لا فلم يتقبل قربانه، والتقوى شرط في قبول القرابين وغيرها من القرب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وقوله: والكافر لا يقرب القربان، يقال: قد يقرب لما يدعي من الدين أن الذي هو عليه حق؛ ليظهر المحق منهم؛ ألا ترى أنه يَدَّعُون أن [فيهم] من هو أحق بالرسالة من محمد صلى الله عليهم وسلم بقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وغير ذلك [من] أباطيل قالوها، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ .

قال بعض الناس: إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أولئك، لا ينبغي لمن أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم؛ حيث قال له: ﴿ لأَقْتُلَنَّكَ ﴾ ، فقال له الآخر: ﴿ مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ ، واحتجوا في ذلك بأخبار رويت: روي عن أبي موسى الأشعري، كان رسول الله  يقول: "إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَهُمَا فِي النَّارِ، فقيل: يا رسول الله، أرأيت المقتول؟!

فقال: إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ" وعن سعد بن مالك قال: قال رسول الله  : "إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْداً للهِ، وَلاَ تَقْتُل أَحَداً مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ فَافْعَلْ" وعن الحسن -  - قال: قال رسول الله  : "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَرَبَا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلاً، فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا" وعن أبي ذر -  - قال: قال رسول الله  : "كَيْفَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ بِغَيْرِ حِجَارَةٍ؟

قال: قلت: ألبس سلاحي، قال: شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذَنْ قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله؟

قال: إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ، يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ" يحتجون بمثل هذه الأخبار.

وقال آخرون: له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه بالله، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتدئه بالقتل؛ استدلالاً بما أمر الله -  - بقتال أهل البغي؛ كقوله -  -: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم الله به من قتال البغاة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً  ﴾ ، على أن قتال المشركين كان محظوراً في أول مبعث النبي  وقبل ذلك بأوقات، وقالوا: فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره الله في هذه الآية كان قتال المشركين وتجريد السيف فيه محظوراً، فأذن الله في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر الله [به] من قتال البغاة والمشركين، والله أعلم.

وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها: فإن ذلك، - والله أعلم - ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن، وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة؛ لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ، فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار.

وأما إذا كان للناس إمام هدى: فقد عقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظلمة، فقتالهم واجب؛ اتباعاً لعلي -  - ومن حارب معه من أصحاب رسول الله  أَهْلَ البغي والخوارج، فأما قتال الخوارج: فهو كالإجماع؛ لأن جميع الطوائف قد حاربوهم، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول الله  ؛ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم بقتله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ : أن ترجع بإثمي بقتلك إياي، وإثمك الذي عملته قبل قتلي.

قال القتبي: ﴿ بِإِثْمِي ﴾ : أن تقتلني، ﴿ وَإِثْمِكَ ﴾ : ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة.

وقال الحسن: ترجع ﴿ بِإِثْمِي ﴾ بقتلك إياي، ﴿ وَإِثْمِكَ ﴾ يعني: الكفر الذي كان عليه؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافراً فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ : يجوز أن يتكلم بالإرادة على غير تحقيق الفعل؛ كقول القائل: أريد أن أسقط من السطح، وهو لا يريد سقوطه منه؛ وكقوله: ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ  ﴾ والجدار لا فعل له، فإذا جاز إضافة الإرادة إلى من لا فعل يكون منه؛ دل أنه ليس على حقيقة الفعل، ولكن على ما يقع أنه يكون كذلك، ويئول أمره إلى ذلك.

أو أراد أن يبوء بإثمه لما علم منه أنه يقتله لا محالة، ويعصي ربه، أراد أن يبوء بإثمه؛ وذلك جائز، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ : قال القتبي: أي شايعته، وانقادت له.

وقال أبو عوسجة: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ﴾ : أي: أمرته وزينت له.

وقال مجاهد: أي: شجعته وأعانته، وكله يرجع إلى واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ  ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أصبح تائباً؛ لأن الندامة توبة، وذلك أن من أذنب ذنباً فندم عليه كان ذلك منه توبة، فإن لم يكن توبة فتأويل قوله: ﴿ فَأَصْبَحَ ﴾ : [أي]: يصبح في الآخرة من النادمين؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: يقول في الآخرة لا أن قال له؛ فعلى ذلك قوله  : ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ ﴾ : أي: يصبح من النادمين في الآخرة - والله أعلم - ويصبح من الخاسرين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ .

استدل من قال بأن القصَّة كانت في بني آدم لصلبه: يقول: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ ؛ لأن القصة لو كانت في بني إسرائيل لم يكن ليجهل دفن الميت؛ إذ قد رأى ذلك غير مرة وعاينه؛ فدل أنه كان في أول ميت جهل السنة فيه.

وقال من قال: إنهما كانا رجلين من بني إسرائيل؛ إذ قد يجوز أن يخفى على المرء شيء علمه قبل ذلك وعاينه إذا اشتد به الخوف ونزل به الهول؛ كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ  ﴾ ، وقد كان لهم علم بذلك، لكن ذهب عنهم - والله أعلم - لشدة هول ذلك اليوم، وخوفه؛ فعلى ذلك الأول، يجوز خفاء دفن الموتى بعدما علمه؛ لشدة الهول، والله أعلم.

ثم اختلف فيما أخبر عن بحث الغراب في الأرض: قال الحسن -  -: كان الغراب يبحث التراب على ذلك الميت؛ ليرى ذلك القاتل، لا أنه كان يبحث التراب على غراب آخر، على ما ذكر في القصَّة أن غراباً قتل آخر، ثم جعل يبحث التراب عليه؛ لأنه ذكر السوأة، وليس للغراب سوأة - والسوأة: العورة - وذلك ليريه كيف يواري سوأة أخيه لم يذكر السوأة في الغراب، إنما ذكرها في أخيه؛ من أجل أن يريه أن كيف يواري سوأته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ﴾ .

أي: أعجزت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوأة أخي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً...

﴾ الآية.

[أي: من استحل قتل نفس] يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله -  -: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ أي: من استحل قتل نفس حَرَّمَ الله قتلها بغير حق، فكأنما استحل قتل الناس جميعاً؛ لأنه يكفر باستحلاله قتل نفس محرم قتلها، فكان كاستحلال قتل الناس جميعاً؛ لأن من كفر بآية من كتاب الله يصير كافراً بالكل؛ فعلى ذلك الأول، إذا استحل قتل نفس محرمة يصير كأنه استحل قتل الأنفس كلها.

ويحتمل: أن يكون هذا في أول قتيل قتل لم يكن قبل ذلك أحد، فلما قتل هذا قتيلاً جعل الناس يقتلون بعد ذلك بعضهم بعضاً، وكان ذلك منه سنة استن الناس به؛ فهو كما روي في الخبر أن: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَلَهُ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ وِزْرِهِمْ شَيْئاً" ؛ فيشترك هذا القاتل في وزر كل قتيل قتل إلى يوم القيامة بغير حق.

وتحتمل الآية وجهاً آخر، وهو ما قيل: إنه يجب عليه من القتل مثل ما أنه لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها أعطاه من الأجر مثل ما لو أنه أحيا الناس جميعاً، إذا أحياها فلم يقتلها وعفا عنها.

وعن ابن عباس -  - قال: من أجل ابن آدم حين قتل أخاه كتبنا على بني إسرائيل: ﴿ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ بلا نفس وجب عليها القصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: الشرك في الأرض، ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ يقول: يعذب عليها؛ كما أنه لو قتل الناس جميعاً لهم، وهو مثل الأول.

وعن عبد الله بن عمرو قرأ: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ...

﴾ الآية قال: "لم يكن يؤخذ في بني إسرائيل أرش، إنما كان قصاصاً بقصاص" يقول: من قتل نفسا، أو أفسد في الأرض جزاؤه كأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فعلى نحو ذلك.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ : أي: من استنقذ أحداً من مهلكة فكأنما استنقذ الناس جميعاً في الآخرة.

وقيل: ومن أحياها بالعفو - أُجِرَ في إحيائها كما يؤجر من أحيا الناس جميعاً؛ إذ على الناس معونة ذلك، فإذا عفا عنها فكأنما عفا عن الناس جميعاً.

قال الحسن: ومن أحياها في الأجر، أما والله من يستطيع أن يحييها إذا جاء أجلها؟!

ولكنه أقيد فعفا.

ووجه آخر: أنه يلزم الناس جميعا دفع ذلك عن نفسه ومعونته له، فإذا قتلها أو سعى عليها بالفساد فكأنما سعى بذلك على الناس كافة؛ فعلى ذلك من أحياها فكأنما سعى في إحياء الناس جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ .

في الآية تصبير رسول الله  على تكذيب الكفرة إياه، وأنه ليس بأول مكذَّب في الحق، بل كانت الرسل من قبل يكذَّبون فيما يأتون من الآيات والحجج والبيان.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأرسل الله غرابًا يثير الأرض أمامه ليدفن فيها غرابًا ميتًا؛ ليعلمه كيف يستر بدن أخيه، فأصبح من المتحسرين.

من فوائد الآيات مخالفة الرسل توجب العقاب، كما وقع لبني إسرائيل؛ إذ عاقبهم الله تعالى بالتيه.

قصة ابني آدم ظاهرها أن أول ذنب وقع في الأرض -في ظاهر القرآن- هو الحسد والبغي، والذي أدى به للظلم وسفك الدم الحرام الموجب للخسران.

الندامة عاقبة مرتكبي المعاصي.

أن من سَنَّ سُنَّة قبيحة أو أشاع قبيحًا وشجَّع عليه، فإن له مثل سيئات من اتبعه على ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.mwqy4"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله